سيرج سركيسيان رئيس جمهورية ارمينيا

غسان بن جدّو: أبدأ من الحدث الكبير الذي احتصنتموه في أرمينيا هنا، وهو زيارة البابا فرنسيس، هل إن هذه الزيارة هي محض دينية، أم أن لها أبعاداً أخرى؟

 

الرئيس سركيسيان: بداية أشكركم لمنحي فرصة هذا اللقاء وللتواصل مع الجمهور في العالم العربي

ورداً على سؤالكم الأول يجب أن أقول، بأن الزيارة كانت زيارة دينية وزيارة دولة على حد سواء

ومن المعروف أن حاضرة الفاتيكان هي مركز العالم الكاثوليكي حيث أن بابا روما هو أيضاً رأس الدولة، وهو زار أرمينيا تلبية لدعوتي ودعوة كاثوليكوس عموم الأرمن وإن مَحض حقيقة زيارة البابا إلى أرمينيا هذا العام،

طبعاً أمر يتّسم بأهميّة كبيرة جداً، لكن زيارة البابا هي في غاية الأهميّة من حيث طبيعتها وفحواها

وكما نعلم فإنه سمّى رحلته بـ"فريضة الحج إلى أول دولة مسيحية في العالم".

وهذا كان بمثابة حافز كبير بالنسبة إلى العالم الكاثوليكي من الناحية الاقتصادية، وبالطبع من الناحية السياسية أيضاً .

وأثناء حديثي مع الحَبر الأعظم قلت له:

صاحب القداسة: منذ 1715 سنة ونحن نعلم جيداً أن أرمينيا هي أول دولة في العالم اعتنقت المسيحية كديانة رسمية لها، لكن بفضل زيارتكم والكلمات المنطوقة من شفتيكم عرف العالم برمّته أن دولتنا هي أول دولة مسيحية في العالم، بالطبع كانت زيارة هامّة للغاية لأن خطابات البابا الأساسية كانت خطابات داعية إلى السلام وإلى التضامن بين الأديان والهدوء، إذاً أعتقد إنه على جميع دول المنطقة أن تقبل ما جاء في تلك الخطابات وأن تكون مُستعدّة لتنفيذها أيضاً.

 

أعتقد أن منطقتنا لكونها ربما ليست بشاسعة إلى حد كبير، أي ليست شاسعة جغرافياً ومن حيث المساحة، إلا أنها لها تأثيرها الكبيرعلى منطقة أكبر وإن الصراعات والنزاعات القائمة في منطقتنا

بإمكانها أن تزداد تفاقماً وتضخماً وتشكل تهديداً على أمن أوروبا وعلى أمن روسيا أيضاً، وبالطبع تتوسّع نحو الشرق أيضاً.

حيث إن الجهود التي تبذلها كل من روسيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ممثّلة بفرنسا

هي جهود ذات أهمية كبيرة، وعلى كل حال أرى أن  زيارة البابا وخطاباته تأتي استكمالاً لهذه الجهود.

إن زيارة البابا كانت زيارة داعية إلى السلام، زيارة البابا إلى أرمينيا كانت زيارة تدعو إلى التعايش السلمي زيارة البابا إلى أرمينيا كانت زيارة تدعو إلى التسامُح

بن جدّو: هنا عندما زاركم البابا، للمرة الثانية، يعلن تنديده لما يُعرف بالإبادة التي تعرّض لها الأرمن على أيدي الأتراك بداية القرن العشرين، هنا، هذا الإعلان، وللمرة الثانية من قِبَل البابا، يواجه بغضب وانتقاد تركي شديد، ولكن هذه المرة الرئيس التركي زاد على الإتهام بأن الأمر وكأنه جزء من التاريخ الصليبي، كيف تنظرون إلى هذا الأمر؟

 

سركيسيان: هل تعلمون أنه ليس فقط تقييمات البابا للأمور تلقى ردود أفعال مماثلة لدى المسؤولين الأتراك

وإنما تكون ردود أفعالهم عصبية

إزاء ما تقوم به البلدان نحو الاعتراف بالإبادة الجماعية الأرمنية، وهذا ليس أمراً غريباً بالنسبة إلينا

وهناك كثيرون يعربون عن ارتيابهم قائلين:

لماذا كان لا بدّ من أن يُشدّد البابا على ذلك الأمر مُردّداً كلمة "الإبادة "؟                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      ولكن الشخصية السياسية أو الشخصية الدينية أو البشر بشكل عام

الذي لديه قناعته وتصوراته في الأمور والأحداث، فلِمَ عليه أن يُخفيها في بعض الأحيان، ولِمَ عليه عدم التعبير عنها؟

ولاسيما بعد القدّاس المُقام في الفاتيكان في العام الماضي بأسابيع، بدأ بعض الأشخاص يدّعون بأن البابا قد غيّر موقفه  ولن يردّد كلمة "الإبادة" مرّة أخرى

إني أعتقد بأن البابا ليس في عِداد أولئك الأشخاص الذين قد يُغيّرون قناعتهم في حال ردود أفعال عصبية أو في حال تعرّضهم لضغوطات

وعندما كان البابا قائداً روحياً في الأرجنتين، كان قد ردّد لفظة "الإبادة" في الكثير من المرات وهو خالط على مدى العقود أولئك الأشخاص، الذين بالكاد نجوا من الإبادة العرقية أو هم أبناء الناجين من الإبادة، وبعد كل هذا كيف له أن يُغيّر موقفه .

أعتقد أنه سيحين الوقت الذي يرد فيه الأتراك على هذه الحقيقة بكل هدوء، أقصد بذلك السلطات التركية

لأنه إذا ألقينا نظرة إلى الوراء ولو قليلاً، لوجدنا أن ردود أفعالها قبل خمس أو سبع أو عشر سنوات كانت تختلف تماماً عما هي عليه الآن

ولا أحد كان يتصوّر قبل عشر سنوات أنه في اسطنبول وأنقرة سيكون من الممكن أن يخرج الأتراك في 24 نيسان/إبريل أي يوم الذكرى السنوية للإبادة الأرمنية إلى الشوارع و يعربون عن تضامنهم مع الأرمن، الأدلّة موجودة ومن المستحيل تجنّبها .

وهنا أريد القول

بأنه سيحين الوقت الذي تعترف فيه تركيا بواقع الإبادة العرقية، وعند التحدّث عن الإبادة أريد أن أخبركم

بأنه قد تسنّى لي مؤخراً أن التقيت بممثلي وسائل الإعلام الألمانية . 

وبالطبع قيّمت عالياً القرار الذي اعتمده البوندستاغ حيث قلت لهم إن مثَل ألمانيا مؤثّر للغاية

ويبدو أنها بخطوتها تلك قالت لتركيا:

إفْعلي ما كنت قد فعلته أنا فلن تتضرّري من ذلك، لأن الألمان لم يتضرّروا من اعترافهم بالهولوكوست، بل هم تطلّعوا إلى تاريخهم بصفاء الذهن

وتواجهوا مع تاريخهم، فكانت الغَلَبَة لهم، ولا يمارس تاريخهم الضغوطات عليهم، أما الأتراك فهم تحت ضغوطات تاريخهم جميع الشعوب تقيّم تاريخها .

لكن من العروف أنه يكون هناك بعض القادة و السلطات عبر التاريخ، يقودون شعوبهم إلى مسلك خاطئ

وفي نهاية المطاف عندما يقيّم القوم أو الشعب هذه الأمور تقييماً واعياً وموضوعياً، وأقول لكم بكل صراحة فهذه وجهة نظري وقناعتي - تندثر تلك الضغوطات.

 

والآن ماذا يقول الأتراك؟

هم يقولون إن الشعب التركي ليس شعباً قادراً على اقتراف إبادة عرقية، لكننا لا نقول إن الإبادة قد ارتُكبت على يد الشعب التركي

نحن لا نتّهم الشعب التركي، وإنما نتّهم السلطات الحاكمة آنذاك، التي قامت بتسخير الأجهزة الحكومية برمّتها من أجل إبادة الأرمن، ونحن الآن أيضاً لا نتّهم الشعب التركي، بل نتّهم من يُنكر واقع الإبادة اليوم، نحن نُدين الموقف الناكر الجاحِد، ولم يسمع أحد قط وأنا أتفوّه بكلمة لاسعة في حق الشعب التركي.

 

بن جدّو: الغضب التركي هذه المرة، اتّخذ توصيفاً دينياً، وقال أن المسألة أخذت طابعاً مسيحياً صليبياً، وأنتم تعلمون أن المسألة، خصوصاً في منطقتنا في الشرق، المنطقة العربية، نحن نعيش أزمة طائفية، أزمة تطرّف، انتم الآن تتحدّثون إلى الشعوب العربية والإسلامية، ما هي رسالتكم كرئيس لأرمينيا، الدولة التي تُمثّل الأرمن في العالم في هذا الأمر، حتى لا تتحوّل القضية الى قضية إسلامية-مسيحية؟

 

سركيسيان: ربما الأتراك هم الذين أضفوا هذا الطابع في خطابهم، وأعني هنا السلطات التركية، بالطبع فهمنا ورأينا الكلمات التي تفوّهوا بها

لكن الاعتراف بالإبادة ليس له كما يُقال صبغة مسيحية، لأنه ليس فقط أفراد مسيحيون أو دول مسيحية اعترفوا بالإبادة، وعلى نحو أدقّ فالحديث هنا لا يجري عن الشخص المسيحي وحسب وإنما عن الإنسانية.

الحديث لا يجري عن الشخص المسيحي وإنما عن الشخص الذي يستنكر تلك الجريمة المُرتَكَبَة ضدّ البشرية، بالطبع  أنه في بعض الظروف وفي بعض المواقف يحاول جيراننا إضفاء الطابع الديني على قضايانا نظراً للجمهور.

ربما  قد يختلّ نوعاً ما ترتيب المواضيع هنا، لكنني أريد تقديم مثاليْنِ من هذا القبيل، أحدهما يخصّ الإبادة العِرقية تحديداً، مَن تعرّض لهذه الإبادة ومن الذي ارتكبها .

أعتقد إنهما لا ينطلقان من قناعات دينية، إذاَ لا أرى بأن  فقط المسيحيين في الإمبراطورية العثمانية أو الأرمن هم وحدهم تضرّروا مما جرى

هذا أولاً:

ثانياً: تحاول أذربيجان إضفاء الطابع الديني على قضية كاراباخ الجبلية أيضاً وهذا لا يتطابق مع الواقع إطلاقاً .

أي أنه عندما يكون جمهورهم من المسلمين، فهم يحاولون إضفاء الطابع الديني على المسألة، عندما يكون جمهورهم من الأوروبيين، عندها يتحدّثون عن وحدة الأراضي، وفي أثناء تواجدهم في الشرق الأقصى يتحدّثون عن أشياء أخرى

لكن في ما يتعلّق بالأرمن فلا يجوز التفكير قطّ إن الأرمن لا يربطهم شيء بأفكار التعايش السلمي ،

واليوم لدينا علاقات ممتازة مع جمهورية إيران الإسلامية، ولدينا علاقات ممتازة مع العديد من البلدان العربية .

وإذا لم تكن قواعد التعايش السلمي قواعد سامية لدينا، فكيف يكون هكذا، نحن لدينا جاليات قوية في العالم العربي هي جاليات أرمنية

وهي ليست وليدة سنة أو خمس أو عشر سنوات، نحن وجمهورية إيران الإسلامية نعرف جيداً قواعد التعايش السلمي .

ونحن هنا لا نتّفق مع السلطات التركية، ولا توجد  هنا مسالة دينية إطلاقاً، ربما هم يقتادون بقوانين أخرى؟ لكننا لا نتبع تلك القوانين

 

بن جدّو: قضية ناغونو كاراباخ، في الفترة الأخيرة تصاعدت الأمور هناك، هل أن أرمينيا مع حق تقرير المصير لناغورنو كاراباخ، أم أنتم مع استقلال هذه المنطقة بالكامل عن أرمينيا وعن آذربيجان.

 

سركيسيان: هل تعلمون أنه في عام 1988، عندما كنت أعمل في ستيباناكيرت أي في كاراباخ الجبلية، خرجنا إلى الشوارع في تظاهرة احتجاجية، وكنا نردّد لفظة "انضمام" أي أننا كنا نرغب في الانضمام إلى أرمينيا الأم، ولكن عطفاً على تفكّك الاتحاد السوفياتي .

وانطلاقاً من الضرورة أن يكون تصرّفنا أكثر دقّة من المنظور القانوني تم إجراء استفتاء عام في كاراباخ بهدف تقرير المصير وبناء دولة مستقلة .

وبالتأكيد بناءً على إرادة سكان كارباخ في المقام الأول أي ما هو الوضع الذي يريدون العيش به،

هل يريدون إقامة دولة مستقلّة أم الانضمام إلى جمهورية أرمينيا، والأهم بالنسية إليّ هو أن أمن سكان كاراباخ الجبلية متوأفر، لكي يتمكنوا من العيش في موطنهم التاريخي لطالما هذا العالم موجود

لأنهم قطنوا موطنهم التاريخي من آلاف السنين، حيث أن ذلك الأمن يمكن توفيره فقط خارج قوام أذربيجان ليس إلا، لا شك لأحد

بأنه إذا أصبحت كاراباخ من سخرية القدر ولو يوماً واحداً في قوام أذربيجان، فعندها لا يبقى أرمني في كاراباخ، ولذلك وجود كاراباخ خارج قوام أذربيجان هو الأهم.

فهذا يعني أننا نؤيّد تقرير شعب كاراباخ الجبلية بنفسه وضعه النهائي، كما تجري العادة في العالم كله،

ولو لم يكن ذلك الحقّ محترماً ولو لم يكن ذلك من الحقوق الأساسية، لكانت منظمة الأمم المتحدة  اليوم تضم خمسين، ستين أو سبعين دولة

و لم تأت الدول ولم تنتم إلى عضوية الأمم المتحدة على مدى عقود نيل استقلالها، وحتى أذربيجان ذاتها لم تصبح بلداً مستقلاً وأرمينيا كذلك لم تصبح بلداً مستقلاً

لأن أذربيجان وأرمينيا قد نالتا استقلالهما إثر انهيار الاتحاد السوفياتي، فهذه هي المسألة الرئيسية، وهذا ما يجب أن تدركه القيادات الأذربيجانية،

بأن هؤلاء الناس لا يمكن إبقاؤهم في قوام أذربيجان وكنت أعني هذا تحديداً، أنه بالرغم من صغر مساحة منطقتنا وعدم شساعتها جغرافياً،

إلا أنه تتشابك مصالح كثيرة فيها حيث أن تشابك تلك المصالح لا بد من أن يؤثر على التحديّات والصراعات تلك

لكن الأمر الحاسم لا يكمن في هذا صدّقوني وإنما يكمن في الحقيقة التالية:

لقد عاش الناس في كاراباخ الجبلية منذ آلاف السنين، وعاش الأرمن فيها، ولم تشكّل كاراباخ قط جزءاً من أذربيجان

وعندما خضعت روسيا للحكم السوفياتي وعندما انتشرت من هناك أفكار العقيدة السوفياتية إلى منطقتنا أيضاً

كانت أرمينيا ولو لفترة قصيرة جداً دولة مستقلّة آنذاك وكذلك أذربيجان،

وبموجب قرار الهيئة الحزبية أي مكتب الحزب الشيوعي في القوقاز، تم الضّم القسري لكاراباخ إلى أذربيجان رغم أنه لم تكن هناك قط قواسم مشتركة بينهما بشكل من الأشكال، وبالمناسبة هذا ما حصل بناخيجيفان أيضاً...

ولذا لم يبق أي أرمني في ناخيجيفان اليوم بل تم إخلاؤها من الأرمن، وإن الإرث التاريخي والثقافي الأرمني قد أُبيد فيها تقريباً، وقبل بضع سنوات هُدمت الآلاف من  صلبان حجرية أرمنية هناك أمام أعين الجميع، ولا أحد وحتى اليونيسكو استطاع منع تلك الجريمة.

وفي كاراباخ الجبلية واعتباراً من عام 1921، لم تتصالح الناس مع تلك الفكرة، ونظراً لكيفية التغيّرات الجارية داخل الاتحاد السوفياتي من ناحية مدى حرية التعبير آنذاك، كانت تلك الحركة تظهر للعيان من حين إلى آخر، وكانت رغبة الناس في الانضمام إلى أرمينيا مجدداً

أقول لكم بكل صراحة حتى ولو في الوقت الراهن، إذا توحّدت كل القوى الأساسية في كل العالم، وحاولت إقناع سكان كاراباخ الجبلية بالعيش في قوام أذربيجان...

بن جدّو: البعد الإقليمي والدولي للنزاع في ناغورنو كاراباخ، البعض يعتقد ويكتب أن قضية هذا النزاع هي جزء من صراع إقليمي ودولي، فهناك آذربيجان وتركيا وكل الحلفاء، وهناك في المقابل أرمينيا وروسيا وإيران وغيرها، هل أن لهذا النزاع هذا البعد الدولي؟ وهل أن منطقتكم مرشّحة للسلام، أم أنها ستشهد شأن مناطق أخرى في العالم، نزاعات؟

سركيسيان: صدّقوني.. من المستحيل أن يحصل ذلك، لأن هؤلاء الناس لن يوافقوا على هذا،

وهنا لا أعني استخدام القوة، لأن كل دولة عُظمى أو كل هيئة دولية بوسعها حل هذه االقضية باستخدام القوة،

وكنت أعني أنه قد يكون من الممكن القضاء على أهل كاراباخ، وقد يكون من الممكن ممارسة العنف مهما كان نوعه، لكن إقناعهم بالعيش في قِوام أذربيجان هو أمر مستحيل، ما ذكرته قبل قليل ربما يتعلّق بعملية التفاوض بقدرأكبر، وبخيارات حل القضية، إنني واثق طبعاً إذا كان هناك موقف موحّد سيتم العثور على حل للقضية، لكن العالم يتطوّر بهذا الشكل

ولا توجد مسألة إقليمية لا تنظر إليها الكثير من البلدان من منظور مصالحها القومية، وبصراحة لا نعرف الوصفة لمكافحة ذلك، أو هل من ضرورة لمكافحته أم لا؟ وذلك لأن كل بلد فعلاً ينطلق من مصالحه القومية في نهجه.

 

بن جدّو: في نيسان الماضي أرمينيا وروسيا وجورجيا وإيران، وقّعتم ما سمّيتموها خريط طريق للتعاون في مجال الطاقة، هلى هي لمنافع اقتصادية بحتة، أم أنها تؤشّر لعلاقات أمنية وسياسية واستراتيجية وغيرها؟

 

سركيسيان: إني أعتقد أنها وثيقة اقتصادية قبل كل شيء وهي وثيقة ضرورية  تربط الشرق بأوروبا، ونرى بأن الطرقات الأكثر ملاءمة تمر في منطقتنا، بحيث أن أرمينيا بإمكانها أن تشكّل جزءاً صغيراً من هذه الطرقات، وكذلك أذربيجان وتركيا لكن نقل البضائع يتم عبر مناطق أكثر أماناً، يتم نقل البضائع عبر مناطق لا تشكّل فيها المسائل السياسية عائقاً أمام المسائل الاقتصادية.

ولذا أعتُقد أنه في الكثير من الحالات تختلط السياسيات بالاقتصاديات، وتختلط الاقتصاديات بالسياسيات وتختلط المسائل الأمنية بالمسائل الاقتصادية والسياسية وإلخ...

أي أنه لا توجد مسائل اقتصادية محضة ومبلورة، وبكل تأكيد لدينا رغبة في أن تصبح أرمينيا بلد عبور، وهذا ليس مجرد رغبة لدينا وإنما ننفّذ أعمالاً ضخمة بهذا الاتجاه، هذا ونعمل الآن على إقامة أكبر مشروع اقتصادي في تاريخ أرمينيا المستقلّة، بحيث نريد ربط جنوب جورجيا بشمال إيران عبر الطريق العام "الشمال-الجنوب" ، وهو مشروع اقتصادي بقيمة مليارات الدولارات، وبفضل هذا المشروع وعلى نحو أدقّ الوقت الذي يُستهلك لقطع مسافات ذلك الطريق يُختصر بمرتين، وهذا أيضاً أمر مناسب جداً لكي تصل السلع من المشرق وإيران والشرق الأقصى إلى موانئ البحر الأسود في أقصر وقت وبالطبع نحن نفعل الكثير بهذا الاتجاه.

 

صدّقوني أنه يوجد في أرمينيا الإدراك بالرغم من العامل الديني إلا أن التعايش السلمي هو بمثابة شرط للعيش الكريم، وفي نهاية المطاف يجب أن ندرك نحن جميعاً، أنه لكل الأديان حدود نوعاً ما، بحيث يعيش قسم من الناس التي تنتمي إلى ديانات مختلفة في التجاورأو تعيش مع بعضها البعض في الداخل، حيث أن التطرّف سواء تجلّى في عقيدة دينية ما أو في شخص ما مهما كان انتماؤه الديني، دائماَ يشكّل خطراً على جميع المجتمعات، أنظروا: إذا اخذنا سوريا مثلاً، بالتأكيد فإننا أيضاً قد تضرّرنا من الصراع الدائر في سوريا

وبالتأكيد فإن الأقليات المسيحية هناك أيضاً قد تضرّرت جراء ذلك، لكن هل أن الأقليات المسيحية وحدها تضرّرت؟

أعتقد ان التطرّف قد ألحق أكبر ضرر بسوريا وبسكانها، وأعني أن التطرّف يشكّل خطراً دائماً، الأمر الذي يدركونه جيداً في أرمينيا، ولدينا ذاكرة تاريخية، وتلك الذاكرة التارخية تجعلنا نفهم وأقول هنا مجدّداً، بأن التعايش السلمي أمر ضروري جداً للعيش في خير وأمان.

 

بن جدّو: هل أن أرمينيا تُعتبر دولة محايدة في ظلّ صراع المحاور، أم أنها تنتمي إلى محور؟

 

سركيسيان: نظراً لطبيعة الصراع الذي  يجري الحديث عنه، إذا أشرتم إلى صراع مُعيّن، فبالتأكيد لدينا موقفنا من كل صراع، لكننا نعتبرأن تطابق إجراءاتنا مع مبادئ القانون الدولي هو الأصوب والأكثر تقدمياً لكي نتحمّل المسؤولية عن كل الوثائق وعن تنفيذ بنود الاتفاقيات التي وضعنا توقيعنا عليها، وأخيراً عندما ننتمي إلى عضوية هيئة دولية نفعل ذلك بناء على إرادتنا، لكنّنا في الوقت عينه نقبل القوانين المُتّبعة لدى تلك الهيئة، أي أنه يجب أن نحترم تلك القوانين

 

بن جدّو: السؤال حول حيادية أرمينيا، أودّ أن أسال سؤالاً دقيقاً، حول منظمة معاهدة الأمن الجماعي، هناك من يعتقد أنها منظمة موازية للحلف الأطلسي هل تعتقدون ذلك؟

 

سركيسيان: أنا لا أعتقد أن منظمة "معاهدة الأمن الجماعي" هي منظمة موازية لحلف شمال الأطلسي.

نعم، بالتأكيد فإن منظمة "معاهدة الأمن الجماعي" أيضاً حلف عسكري سياسي يهدف إلى توفير أمن الدول الأعضاء، ونحن كوننا عضواً مؤسّساً في منظّمة "معاهدة الأمن الجماعي" اقتنعنا دائماً بوجود الرغبة  لدى المنظمة في التعاون مع حلف شمال الأطلسي، وبالطبع لم نحقّق نجاحاً كبيراً من هذه الناحية بعد ،

 

وذلك ربما يُعتبر حلف الناتو أكثر تنظيماً، أو إنها هيئة تقدّم حلولاً يسهل استيعابها أو ربما لم تتوسّع إلى حد كبير بعد لأسباب أخرى   والتعاون القائم هو ليس تعاوناً واسع النطاق

 

لكن يجب أن أقول وأنوّه مرّة أخرى بأننا لا ننظر إلى مصالحنا على خلفية تناقض الآخرين، بل نرغب دائماً في أن تتناسب مصالح الولايات المتحدة وروسيا مع بعضها البعض، ولئلا تقع نزاعات بينهما، وفي ظلّ ذلك تُخلق لنا أفضل أزمة، هل تعلمون أن البحث عن المصالح على حساب تناقض الآخرين يشكّل خطراً دائماً، وأمامنا أمثلة مُشابهة في منطقتنا وفي مختلف المناطق، إذ أننا كوننا عضواً في منظمة "معاهدة الأمن الجماعي"، نعم نلحظ جيّداً ونرى المعاني الضمنية لتلك المسائل.

نحن نتعاون مع حلف شمال الأطلسي وتعاوننا هو وثيق، وهذا يدلّ مجدّداً على أن تأسيس منظمة "معاهدة الأمن الجماعي" وحلف شمال الأطلسي لا يشترط حتماً وقوع نزاعات بينهما، هذه صورة منطقتنا عقب انهيار الاتحاد السوفياتي.

 

بن جدّو: رئيس منظمة معاهدة الأمن الجماعي  السيّد نيكولاي بورديوزها، يقول أن دمج أنظمة الدفاع الجوّي في المنطقة، يُمهّد لنشر دفاع جوّي في المنظمة بالكامل، ويُمهّد لنشر أنظمة صواريخ أس 300، ما هو موفقكم من هذا الأمر ضمن منظومة الأمن الجماعي؟

سركيسيان: أولاً أودّ الإشارة إلى أن هذا الموضوع ليس بجديد بل هو جزء من واقعنا منذ زمن بعيد،

في البداية كنا نملك نظامَ دفاعٍ جويٍاً مشتركاً في إطار رابطة الدول المستقلّة حتى، وأريد القول أيضاً بأننا منذ زمن بعيد بعيد جداً حتى يصعب علي تذكُّر ذلك...

على كل حال نحن بأنفسنا نملك منظومات س 300 في أرمينيا منذ 7-8 سنوات على الأقل وبأن منظومات س 300 تحديداً هي التي تشكّل الوسائل الأساسية في نظام الدفاع الجوّي لدينا، وفي حال نشر منظومات صواريخ جديدة في أرمينيا في إطار نظام الدفاع الجوّي لمنظمة "معاهدة الأمن الجماعي"، فيكون ذلك أمراً إيجابياً فقط، لأنها وسائل للدفاع الجوّي أي أنها وسائل دفاعية، لكن يجب أن أشدّد على أن نظام الدفاع الجوّي المُشترك لا يعني إلغاء نظام الدفاع الجوّي الوطني، وفي هذه الحال تحديداً سيتولّى مدير شؤون الدفاع الجوّي لدى القوات المُسلّحة الأرمينية قيادة قوات الدفاع الجوّي في أرمينيا، وهو الذي يُصدر الأوامر، أي أن هذا لا يعني إلغاء نظام الدفاع الجوّي الوطني وإنشاء دفاع جوّي مُشترك واحد، وإنما هو تنسيق جهود وهذا أمر طبيعي جداً من دون أي إشكال، أي أننا سنقوم بتنفيذ المهام في مجال الدفاع الجوّي بدعم من شركائنا،

وهم كذلك سيقومون بتنفيذ مهامهم في مجال الدفاع الجوّي مُعتمدين على قُدُراتهم، ويحظون بدعمنا إن اقتضى الأمر

أنا على إلمام تام بهذه التفاصيل لأنني - كما تعلمون على الأرجح، شغلتُ منصب وزير الدفاع لفترة طويلة فمطّلعٌ على هذه المسائل.

 

 

بن جدّو: أشرتم إلى سوريا، هل إن أرمينيا تقف إلى جانب الدولة السورية ورئاستها وقيادتها في مواجهة المُسلّحين أم إنكم تعتبرونه نزاعاً داخلياً لا علاقة لكم به، مع العلم بأنكم أبرقتم للرئيس السوري مُعزّين بُعَيدَ تفجير طرطوس مؤخراً.

سركيسيان: نحن نحافظ على علاقاتنا مع سوريا فنعتبره هو الصواب، وسنتعاون مع السلطات السورية بغضّ النظرعمن يتولّى زمام الحكم فيها، لأنه كما كنت قد قلت سابقاً، رغم هجرة معظم الأرمن تقريباً من سوريا، إلا أنه بقي بضعة آلاف من مواطنينا الأرمن هناك، حيث أن إرثنا التاريخي هناك أيضاً يتّسم بأهمية بالغة بالنسبة إلينا.

 

إذًا أتمنّى فقط  أن يسود السلام في سوريا في أسرع وقت ممكن، وأن يخيّم الهدوء على سوريا، وأتمنّى أيضاً أن يُقرّر السوريون بأنفسهم من يكون قائدهم، وأتمنّى أن يكون السوريون بعد كل هذه المشاق والمعاناة قادرين على العمل الدؤوب لإعادة إعمار البلاد.

لقد كنت في سوريا مرات عدّة ورأيت فيها مدناً ومناطق مزدهرة، والآن عندما أرى ما يجري في سوريا اليوم عبر التلفزيون، يصعب علي تصوّر ما يقدر عليه غضب البشر ما تقدر عليه كراهية البشر.

 

 بن جدّو: الأرمن في بلداننا العربية لا يزالون يحتفظون بقوميّتهم وهويّتهم، والعلاقات بين العرب والأرمن تعود الى زمن بعيد، وقد ساهم الأرمن في النهضة العربية، وساهموا في المستويات الثقافية والمجتمعية للبلدان التي يعيشون فيها.

سركيسيان: بالتأكيد لدينا علاقات جيّدة جيّدة جداً مع العديد من البلدان العربية، هي علاقات جيّدة جداً، وإن تلك العلاقات أي علاقاتنا على مستوى الحكومات اليوم، مبنية قبل كل شيء على أساس الصداقة العريقة القائمة بين شعبينا، وقد جرت اتصالات كثيرة بين الأرمن والعرب عبر العصور، وقد تحقّقت أعمال جيّدة كثيرة بينهما.

حيث أن الإبادة الجماعية بحقّ الأرمن في الدولة العثمامية قد جعلت الكثير من أبناء شعبنا يبحثون عن المأوى في بلدان الشرق الأدنى.

ونحن طبعاً نُعبّر عن جزيل شكرنا ليس فقط لتوفير المأوى للناجين بالكاد من الإبادة فحسب، وإنما لمنحهم إمكانية الازدهار وتحقيق النجاحات في ما بعد.

وهناك حالات كثيرة نجد فيها مسؤولين حكوميين أو مسؤولين كباراً في الدول العربية ينحدرون من أصول أرمنية.

وعلى هذا الأساس تحديداً نطوّر علاقاتنا الدولية وحتى لديّ تخوّف نوعاً ما من أن يفوتني أثناء تعديدي للدول، اسم واحدة منها لكثرة عددها وعندها قد يتضايقون من ذلك.

 

فعلاً لدينا علاقات ممتازة مع معظم الدول تقريباً، وتتمثّل تلك العلاقات في التعاون الدائم، في المجالات السياسية والإنسانية والاقتصادية... ولا يكاد أن تكون هناك سنة لم تُجرَ فيها زيارات من وإلى أرمينيا،

ونحن حريصون على تطوير علاقاتنا باستمرار، وهل تعلمون أننا نعيش في منطقة واحدة تقريباً، ونقدر الوصول إلى منطقتكم على متن رحلة جويّة مدتها لا تتجاوز الساعة، ولذا يجب علينا حتماً حتماً تعميق علاقاتنا وسننفّذ ذلك، وإن إخواننا وأخواتنا هم الذين يشكّلون حلقة الوصل، وهم يعيشون في البلدان العربية

ومن خلالهم أولاً يعرفنا الآخرون، وإن  تعاملهم قبل كل شيء هو الذي يشكّل أساساً لكيفية تعامل السلطات مع أرمينيا، ونحن فخورون بذلك، إذاً لدينا جسر إضافي أو حلقة وصل إضافية.

 

بن جدّو: العلاقات مع إسرائيل، ألا تعتقدون أن من حقّ الشعب الفلسطيني أن يقاوم ويواجه لإزالة الإحتلال؟

سركيسيان: لدينا علاقات جيّدة مع الشعب الفلسطيني أيضاً، لم أتوجّه إلى إسرائيل أبداً في زيارة رسمية، ولكن حقيقةً كنت في إسرائيل بضع مرات، وفي الوقت عينه زرت فلسطين حتماً، ولذا ليس لدينا ما نخفيه هنا.

ونحن طبعاً نؤيّد حقّ الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، لذا لا يمكننا أن نؤيّد حق تقرير المصير من ناحية، ونقول بكل هدوء: "يجب توخّي الحذر لأن أمامنا إسرائيل" من ناحية أخرى.

كلا، وموقفنا واضح تماماً لأن هناك الكثير من الأشياء التي تربطنا بالشعب الفلسطيني ولا أريد الغوص في التاريخ، لدينا موقف إيجابي حيال ذلك.

 

بن جدّو: رغم النزاع المُسلّح مؤخراً في ناغورنو كاراباخ، ولكن المُلاحظ أن أرمينيا هي بلد يتطوّر، ينهض، يتقدم،  ويتمتّع بالأمن، هي مقابلتكم الى العالم العربي، ما هي أهم  إنجازات أرمينيا خلال السنوات الماضية، والنقطة الثانية، ماذا تتوقّعون من العالم العربي لصالح أرمينيا؟

 

سركيسيان: أولاً أدعو كل أولئك العرب الذين يريدون رؤية بلد جميل وطبيعة خلاّبة وتناول مأكولات لذيذة إلى زيارة أرمينيا،

وتوقّعاتي هي أن نطوّر علاقاتنا التجارية والاقتصادية باستمرار.

ولا يُخفى على الجميع وجود مقادير كافية من الرأسمال المُتراكم في العالم العربي،

وبأن هذا الرأسمال ينتشر في مختلف أنحاء العالم على شكل استثمارات،

وهنا أريد القول بأن أرمينيا بلد آمن من هذه الناحية ،

وبأن دولتنا تكفل كل هذه الاستثمارات، وأودّ أن يكون إخواني وأخواتي العرب على يقين بأننا نؤيّد التضامن بين الأديان، وأودّ أن يُبدوا حُسن التعامل مع إخواني وأخواتي الأرمن المقيمين هناك، لأن الوئام دوماً يجلب النجاح.

وفي ما يتعلّق بالإنجازات التي حقّقتها أرمينيا خلال هذه الفترة فيصعُب عليّ إفراد أي منها،

بل أقول إنه في زمن الاتحاد السوفياتي كانت تُعتبر أرمينيا ولو بناء على تلك المقاييس بلداً متطوّراً بما فيه الكفاية.

وبعد تفكّك الاتحاد السوفياتي كل تلك الصعوبات التي كانت تشهدها جمهوريات الاتحاد السوفياتية سابقاً،

كانت موجودة في أرمينيا أيضاً وعلاوة على ذلك الزلزال المُدمّر الذي ضرب البلاد عام 1988 والحصار،

وكان الحصار أمراً صعباً للغاية، وتضرّر اقتصاد أرمينيا كثيراً كثيراً جداً جراء الحرب.

 ويسرّني قبل كل شيء عندما تتم الآن مقارنة المُعدّلات عموماً وعلى سبيل المثال المقارنة ما بين المعدّلات في دول رابطة الدول المستقلّة.

وهناك بعض المُعدّلات مثل الناتج المحلّي الإجمالي ومعدّل الرواتب أو الحدّ الأدنى للرواتب، النموّ الاقتصادي والتضخّم الاقتصادي.

وكل هذه الأمور نحن شققنا فيها أكثر ولو بقدر أكبر من نصفها مما أعتبره إنجازاً،

وأعتقد أننا قد حقّقنا نجاحات كافية في مجال التطوير الديمقراطي أيضاً وفي مجال تعزيز مؤسّسات المجتمع المدني ولدينا مجتمع مدني اليوم.

وأعتبر أيضاً أن الصحافة الأرمينية اليوم تختلف بشكلٍ جوهري عما كانت عليه قبل 5 و8 و10 سنوات.

أعتقد أن هناك تشابهاُ بما فيه الكفاية ما بين العلاقات الاقتصادية في أرمينيا والعلاقات الاقتصادية في أوروبا اليوم، ونحن عضو في منظمة التجارة العالمية منذ زمن بعيد وبحسب تصنيف  كل من شركة الاستشارات المالية العالمية والبنك الدولي، فإننا نحتّل المرتبة الـ35 من بين الدول الـ189 من حيث إدارة مشاريع الأعمال، وكما يقال: التشيك من يميننا واليابان من يسارنا

وأعتقد أن هذا أيضاً حُسن جوار نوعاً ما لكننا بالتأكيد نحتاج إلى المزيد من التطوّر ولدينا توقّعات من ذلك

ولذا نبذل جهودنا يقيناً منا بأن أرمينيا ستصبح بلداً آخر خلال السنوات العشر المقبلة.

وأنا أيضاً أشكركم جزيل الشكر، شكراً جزيلاً لكم

طلال ناجي - أمين عام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - القيادة العامة

المزيد