القيادي في حركة النهضة عبد اللطيف المكي - الجزء الثاني

دور حركة النهضة في اندلاع الثورة او توجيهها وانجاحها، ودور النائب عن النهضة عبد اللطيف المكي في الثورة، تقييمه لدور حركة النهضة ومسار الثورة.

محمّد علوش: تُتَّهم الحركة الإسلامية في تونس بأنها كانت تعُدّ انقلاباً سياسياً وعسكرياً على الرئيس الحبيب بورقيبة بعد أن يئست من إمكانية الإصلاح السياسي في عهده. في الكواليس، كان رئيس الوزراء في حينه زين العابدين بن علي يُهيّئ انقلاباً على الرئيس نفسه من نوعٍ آخر. نجح انقلاب بن علي وتكتّمت الحركة على مخططها طالما أنّ الهدف قد تحقّق.

في عهد بن علي كانت الحركة الإسلامية تأمل بانفراجٍ سياسي واسع، فوقّعت على وثيقة الميثاق الوطني. ما لبثت أن تدهورت العلاقة بين الطرفين ودخلت الحركة في محنة طويلة امتدت لعقدين. تفرّقت قياداتها بين المنافي والسجون.

في حلقة اليوم نتساءل عن الأسباب التي دفعت الحركة الإسلامية إلى تغيير اسمها أكثر من مرة، وكيف تؤرخ لحقبة بن علي وما هي الظروف التي لابستها داخل السجون وفي المنافي.

أهلاً بكم إلى الجزء الثاني من الحوار مع القيادي في حركة النهضة الدكتور عبد اللطيف المكي.

 

تقرير: محطاتٌ أساسية في تاريخ الحركة الإسلامية في تونس:

- عام 72 تأسيس حركة الاتجاه الإسلامي بزعامة راشد الغنوشي.

- عام 74 الحركة الإسلامية في تونس تصبح عضواً في التنظيم الدولي للإخوان المسلمين.

- عام 79 انعقاد المؤتمر الأول للحركة الإسلامية في تونس بضاحية منوبة.

- عام 80 المحكمة تصدر أحكاماً بالسجن راوحت بين 11 سنة ضد قيادات الحركة الإسلامية.

- عام 84 الإفراج عن قيادات حركة الاتجاه الإسلامي بعد ضغطٍ من رئيس الحكومة محمّد مزالي.

- عام 85 رئيس الحكومة محمّد مزالي يلتقي براشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو في مكتبه في قصر الحكومة.

- عام 86 عودة الصراع بين الإسلاميين والسلطة في ظلّ ظروفٍ اجتماعيةٍ واقتصاديةٍ خانقة تمرّ بها البلاد.

- عام 87 الجنرال بن علي يزيح بورقيبة عن الحكم والحركة الإسلامية تنفي عن نفسها سياسة التصعيد.

- عام 88 الإفراج عن قيادات الاتجاه الإسلامي ودعوة الحركة إلى المشاركة في التوقيع على الميثاق الوطني.

- عام 89 الإعلان عن تغيير تسمية حركة الاتجاه الإسلامي إلى حركة النهضة وتقديم طلب ترخيص.

- عام 89 مغادرة راشد الغنوشي البلاد هرباً من قمع السلطة وعودة الاعتقالات في صفوف قيادة الحركة.

- عام 2001 حركة النهضة تؤكّد رفضها كل أشكال العنف على أثر أحداث الحادي عشر من سبتمبر الشهيرة.

- عام 2011 عودة راشد الغنوشي برفقة قياديي حركة النهضة إلى تونس بعد الثورة.

 

 

محمّد علوش: نرحب بكم دكتور عبد اللطيف المكي في الجزء الثاني من هذه السلسلة. أهلاً وسهلاً بك.

 

عبد اللطيف المكي: أهلاً وسهلاً ومرحباً.

 

محمّد علوش: في الحلقة الماضية، وصلنا إلى عام 84 من تاريخ الحركة وشاركَت في ما يُعرَف آنذاك بنوع من الحِراك الشعبي أو انتفاضة إلى حدّ ما، ودخلت قياداتها السجون. أريد أن أسأل، في السجون ما الذي كان يتم التفاوض حوله مع قيادات الحركة للإفراج عنهم بما أنه تم الإفراج عنهم في ما بعد؟

 

عبد اللطيف المكي: كما ذكرتُ لك محاكمة الحركة كانت في بداية رئاسة الحكومة من طرف السيّد محمّد المزالي رحمه الله الذي كان له توجّه أولاً يتّسم بالتصالح مع البعد العربي الإسلامي في تونس والثاني بضرورة الانفتاح السياسي. وبالتالي، هذه المحاكمة كانت حدثاً ضدّ توجّهاته هو الشخصية، ولكن هذا مفهوم لأنه لم يكن هو المتحكّم الحقيقي في النظام وكان ما زال في بداياته، لكن بعد ذلك أخذ حجماً أكبر، أعطى بعض الهامش للحريات الصحافية وظهر العديد من الصحف عندها منسوب معقول من الحرية، مثل جريدة الرأي التي أسّسها السيّد الحسيب بن عمار رحمه الله، وهو من وزراء بورقيبة السابقين ومن مناضلي حقوق الإنسان، جريدة المغرب، جريدة الحقائق، هنالك هامش اعتُرِف ببعض الأحزاب، فكان الملف الإسلامي كذلك مطروحاً، من غير المعقول أن يدّعي رئيس الحكومة آنذاك الانفتاح ويترك جماعة بهذا الحجم في السجن. بدأت الاتصالات بحسب علمي في السجن تُوّجت بلقاءات محمّد المزالي لبعض القيادات التي كانت خارج السجن آنذاك.

 

محمّد علوش:  من الحركة؟

 

عبد اللطيف المكي:  من الحركة، ثمّ برسالة وجّهتها قيادة الحركة من السجن إلى الرئيس بورقيبة عن طريق السيّد محمّد المزالي وآنذاك السيّد مازح شقير رحمهم الله وتجاوب بورقيبة.

 

محمّد علوش:  ما هو مضمون الرسالة؟

 

عبد اللطيف المكي:  الرسالة لم أعد أذكر بالتفصيل إلا أنها كانت رسالة حذرة جداّ، لم يكن فيها أي تزكية للنظام وإنما كان فيها تعبير على ضرورة أن نتعاون على خدمة تونس وعلى استعدادنا للعمل ضمن القانون وضمن الأُطر الشرعية إلى غير ذلك. فبورقيبة أعطى الأوامر بإطلاق سراح القيادة التي مكثت آنذاك في السجن قرابة ثلاث سنوات وكان الخروج سنة 84.

 

محمّد علوش: رئيس الحكومة أو الوزير الأول محمّد المزالي في حوار مع جريدة La Presse، هي صحيفة  تونسية إنما تصدر بالفرنسية في نوفمبر 85، يقول: "إذا كانت حركة الاتجاه الإسلامي لا تدّعي احتكار الإسلام وإذا تخلّت عن بعض مطالبها فإن الاعتراف بها ممكن". تقديرك، هل هذا الكلام كان لتهدئة نفسية الجماعة أم أنّه بالفعل لو تخلّت عن هذا الفكر، بمعنى أنها تمثل جماعة المسلمين، كان هناك إمكانية أن تكون عضواً فاعلاً في الحياة السياسية التونسية؟

 

عبد اللطيف المكي: والحركة تجاوبت في هذا الإطار، الكلام الذي قاله السيّد محمّد المزالي قد يكون موجّهاً للطرفين، للحركة الإسلامية لتعدّل من رؤاها ربما أو أطروحاتها وللنظام ليقنعه بضرورة الانفتاح مقابل هذا التعديل، وأعتقد أنه ساهم بمثل هذه الآراء في ربما الإفراج عن القيادة ولكن لم يصل إلى حدّ الاعتراف بحكم طبيعة النظام وبحكم بعض القوى التي كانت خارج النظام وكانت تدفع باتجاه عدم الاعتراف بالحركة.

 

محمّد علوش: في عام 85 تم تأسيس الاتحاد العام التونسي للطلبة حضرتك أحد المؤسسين؟

 

عبد اللطيف المكي: نعم، أنا أحد المؤسّسين.

 

محمّد علوش: كنت رئيسه أو الأمين العام له؟

 

عبد اللطيف المكي: لا، كنت مؤسساً، عضو مكتب تنفيذي في المؤتمر الأول التأسيسي وبعد ذلك أصبحت أنا الأمين العام بعد الأخ عبد الكريم الهاروني.

 

محمّد علوش: عام 86؟

 

عبد اللطيف المكي: عام 87 بعدما غادرت السجن أصبحت أميناً عاماً بالنيابة ثم أميناً عاماً في سنة 88.

 

محمّد علوش: الاتحاد العام التونسي للطلبة اعتُبِر تاريخياً مشاكساً للسلطة إلى أبعد الحدود ومشاغباً داخل حرم الجامعات التونسية. لِمَ؟ هل كان يعكس شخصيتك أو هو بالفعل كان مخططاً له أن يكون كذلك؟

 

عبد اللطيف المكي: لا، ليست طبيعة الاتحاد نابعة من طبيعة الأفراد، حتى ولو كان الأمين العام، كانت نابعة من طبيعة الحركة الطلابية التونسية، كانت حركة مناضلة ضمن أربع ركائز رئيسية للمسار الديمقراطي في تونس، كان هنالك الاتحاد العام التونسي للشغل، وكانت هنالك الحركة الطلابية التي كانت وفي الثمانينات أصبح يقودها الاتحاد العام التونسي للطلبة بعد تأسيسه، وكانت هنالك الحركة الحقوقية المُمثّلة في الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، وكانت هنالك حركة الاتجاه الإسلامي وأحزاب أخرى مثل الديمقراطيين الإشتراكيين أو التيار الديمقراطي عموماً.

هؤلاء كانوا يمثلون الرافعة للمطالب الشعبية بأبعادها الاجتماعية والسياسية والثقافية، والحركة الطلابية كانت إذاً عنيدة في مواجهة النظام، وأنا كنتُ عبّرتُ عن ذلك كما عبّر بقية إخواني، وكان جزاء الاتحاد العام التونسي للطلبة أنه كان أول منظمة يحلّها بن علي سنة 1990 بحكم قضائي جائر،  تمّ حلّ منظمة الاتحاد العام التونسي للطلبة.

 

محمّد علوش: في عهد بن علي؟

 

عبد اللطيف المكي: في عهد بن علي.

 

محمّد علوش: عام 87 الجنرال بن علي أزاح بورقيبة عن الحكم، عام 88 تم الإفراج عن قيادات الحركة الإسلامية وكان مطلوباً منها المشاركة في ما يُعرَف بالميثاق الوطني.

طبعاً عندما حصل الإنقلاب هل كان هناك نوع من التفاوض أو معرفة لدى الحركة الإسلامية بأنّ هناك تهيئة لانقلاب عسكري يُحضَّر له؟

 

عبد اللطيف المكي: بعض الإشارات لم تُفهم في وقتها، فُهمت بعد ذلك على أنها كانت تحضيرات لبن علي، الرجل يبدو أنه كان يُهيَّأ من قِبَل جهة ما ما قبل حتى العام 87.

 

محمّد علوش: جهة ما خارجية؟

 

عبد اللطيف المكي: قد تكون خارجية.

 

محمّد علوش: قد تكون؟

 

عبد اللطيف المكي: قد تكون خارجية وداخلية تهيئته لأنني أذكر أحد قيادات الحركة سُئل ذات مرة من طرف أحد رجالات النظام المُقربين من بن علي، لماذا لا يكون بن علي رئيساً؟ وهذا كان سنة 85 ما يعني أنه يتم التدرّج في السلم التنظيمي.

 

محمّد علوش: بشكل سريع.

 

عبد اللطيف المكي: بشكل سريع وقبول بورقيبة به أن يلعب أدواراً سياسية بالتأكيد أنه هنالك جهات خدمته حتى يصل إلى هذا المسار.

 

محمّد علوش: في الحلقة الماضية حضرتك كنت تقول أنّ الحركة في هذه الفترة كانت تُعتبَر، على الأقلّ كانت معارضة قوية ويُحسَب لها حساب لدى السلطة السياسية.

في المنطق السياسي أيّ شخص يريد أن يُحدِث انقلاباً على سلطة قائمة، مباشرةً يبني علاقات مع أقوى معارضة موجودة في البلاد. هل كان بن علي وهو يهيّئ للانقلاب على رئيسه بورقيبة حاول أن يتواصل مع قيادات المعارضة المتمثّلة بالجماعة الإسلامية أو حركة الاتجاه الإسلامي؟

 

عبد اللطيف المكي: لا لم يسعَ إلى التواصل لأن العلاقة بالحركة الإسلامية ذات خصوصية، ليست أي.

 

محمّد علوش: الأمن فقط هو كان يتعامل معكم؟

 

عبد اللطيف المكي: كان يتعامل تعاملاً أمنياً ولكن كان أحيانا يُرسل إشارات بأنه هو بريء من هذا التعذيب ومن هذه المحاكمات وأنه مجرد مُنفّذ لأوامر وتعليمات، في محاولة ربما لكي لا يُستهدَف في شخصه، لكن أن يرسي علاقات فهذا كان سيكون تهوّراً منه إذا كان هو راسماً مستقبلاً سياسياً لنفسه ويحاول أن يتحالف مع الحركة الإسلامية كان هذا يمكن أن يتسبّب بهلاكه سياسياً، فلم يحاول أبداً، بل أكثر المحاولات لمدّ الجسور مع الحركة الإسلامية تمّت من طرف السيّد محمّد المزاري أو أثناء عهد السيّد محمّد المزاري.

 

محمّد علوش: لم يكن أحد في الحركة يعرف زين العابدين بن علي قبل أن يصبح رئيساً؟

 

عبد اللطيف المكي: لا، لا، بحسب تقديري لا، وأقول هذا من باب الاحتياط المنهجي حسب علمي لأنه لم تكن هنالك أية علاقة.

 

محمّد علوش: عام 89 وقّعتم على الميثاق الوطني الذي رفعه الرئيس زين العابدين بن علي. تقديركم هل كانت المرحلة بالفعل مؤاتية لتحوّل ديمقراطي قائم في البلاد؟ أم أنه اكتشف الرئيس بن علي أنّ الظروف غير ناضجة كما يقول كثير من الزعماء للتحوّل الديمقراطي؟

 

عبد اللطيف المكي: الفرصة كانت موجودة وأُحبِطت وفُوِّتت.

 

محمّد علوش:  من قِبَل مَن؟

 

عبد اللطيف المكي: من قِبَل تيار يساري انتهازي بقيادة محمّد الشرفي مدعوماً قد يكون من بعض القوى الخارجية، ولكن قبل أن نوضح هذا، نحن عندما أتانا خبر الانقلاب في السجن يوم السبت 7 مارس كنّا في غرفة، قرابة 55 سجيناً إسلامياً، كان تقييمنا واحداً وموحّداً، هذا الرجل سيُحدث نوعاً من الانفراج ولكن الصِدَام معه آتٍ وسيكون دموياً.

 

محمّد علوش: لِمَ وأنتم لا تعرفونه؟

 

عبد اللطيف المكي: لأننا نعرف طبيعة الرجل ونعرف سيرته، هو إنسان لا يؤمن إلا بالقوة وبالحلول الأمنية، الإنسان الذي أطلق الرشاشات على عمال عُزّل وهم يتظاهرون في كانون الثاني عام 78 لا يمكن أن يكون رجلاً سياسياً.

فعندما خرجنا ووجدناه هو تبنى كل مطالب المعارضة اجتمعت القيادة ونحن في السجن، ما تبقّى من القيادة وقررت مساندته مساندة مشروطة على أساس ذلك البيان، واستمرّت الحركة في ذلك عندما طرح هو ميثاقاً وطنياً الذي هو فكرة المعارضة، قام تحالف رباعي سنة 81 بين حركة الاتجاه الإسلامي وحركة الديمقراطيين الإشتراكيين بقيادة السيّد أحمد المستيري الذي خرج من الحزب الحاكم وحركة الوحدة الشعبية بقيادة السيّد محمّد بن حاج عمر والحزب الشيوعي التونسي بقيادة السيّد محمّد حرمل.

هذا الرباعي تحالف وطالب بميثاق وطني من أجل فرض الديمقراطية، فتبنّى هذه الفكرة، فوقّعنا عليها مع البقية لكن بعد ذلك بن علي أُقنِع من طرف هذا التيار، وكان بن علي يتفاوض مع حركة النهضة من أجل الاعتراف وقتها، وطالب بتغيير الاسم لأن اسم الاتجاه الإسلامي، هذا اسم يوحي باحتكار الإسلام. الحركة قالت لا مانع أن نغيّر الاسم، المهم.

 

محمّد علوش: هل اقترح عليكم اسماً ما؟

 

عبد اللطيف المكي: لا، نحن الذين اخترنا الاسم وأذكر أنه في مجلس الشورى كان نقاش بين حزب السلام الوطني، بين حزب النهضة إلى غير ذلك، واخترنا اسم حركة النهضة وكان هنالك تفاوض.

الآن بن علي أقنِع من طرف هذا التيار بأنه لم يَحِن الوقت بعد للديمقراطية وبأن الإسلاميين يمثلون خطراً ويجب أن يطوّر المجتمع التونسي، وحصل التحالف الذي عُيّن بموجبه محمّد الشرفي والعديد من الوزراء والشخصيات التي هي لها نفس القناعة في الحكومة وأصبحوا في وقت ما هم المتحكّمون في التوجهات المضمونية للحكومة.

 

محمّد علوش: طبعاً دفع الرئيس بن علي في المرحلة الأولى بهذا الاتجاه تقييمكم كان في حركة الاتجاه الإسلامي قبل أن تصبح النهضة، هل هو لخصومة أيديولوجية أم لأسباب سياسية غير مرتبطة بالفكر وبالتوجهات؟

 

عبد اللطيف المكي: هذا دفع لخصومة أيديولوجية وسياسية معنا في نفس الوقت. وبعض هذه الرؤية التي فيها عداء أيديولوجي لا تزال إلى الآن موجودة عند بعض الأطراف السياسية، هي صغيرة الحجم ولكن لا تزال هذه الرؤية وهي رؤية إقصائية. نحن لا نقدّم للناس أيديولجيا وإن كانت لنا أيديولوجيا، لا نقدّم للناس أيديولوجيا، فالأيديولوجيا يجري النقاش فيها بصورة أفقية في المجتمع، في مكاتب الدراسات، في المجلات، في الحلقات. نحن نقدّم للناس برامج كما فيها بعض المُحدّدات الأيديولوجية فيها كذلك معطيات الواقع وفيها طلبات المجتمع إلى غير ذلك. ولذلك الآن لا قيمة ولا ضرورة للتنافي والإقصاء على أساس أيديولوجي بل ضروري أن تتجادل وتتحاور البرامج.

 

محمّد علوش: على كلّ، الخصومة بينكم وبين التيار اليساري تاريخياً لافتة في الحال التونسية قياساً على بعض الدول العربية.

 

عبد اللطيف المكي: اليسار في تونس لديه صبغة خاصة كذلك.

 

محمّد علوش: والإسلاميون أيضاً ربما.

 

عبد اللطيف المكي:  نعم.

 

محمّد علوش: إذاً وقّعتم الميثاق الوطني عام 88 وعام 89 انضم الشيخ عبد الفتاح مورو إلى المجلس الإسلامي الأعلى ممثلاً لحركة النهضة.

هل هي كانت مكافأة لكم؟

 

عبد اللطيف المكي: لا، ليست مكافأة بل بالعكس الذين يرون من جانب الحركة ذراً للرماد في العيون، هو ذر للرماد في العيون لأنه ليس بالضرورة.

 

محمّد علوش:  لماذا قبلتم إذاً؟

 

عبد اللطيف المكي: قبلنا لكي لا يُقال أنهم يعطّلون أو يتمنّعون أو لا يريدون أن ينخرطوا إلى غير ذلك، فلدينا من العلماء والكفاءات في تونس ما يمكن أن يملأ المقاعد في المجلس الإسلامي الأعلى، نحن نطرح قضية انفتاح النظام السياسي على المجتمع وهذه القضية الرئيسية لا يمكن تهميشها بتعيين شخص من الحركة في هذا المنصب أو في ذلك المنصب.

 

محمّد علوش: إلى حد الآن على الأقل خلال سنة ونصف السنة إلى سنتين كان النظام في زمن بن علي ودوداً، حتى تكون العبارة إلى حدّ ما مقبولة في التعاطي مع الحركة الإسلامية.

لكن ما حصل أنّه في انتخابات العام 89، في أبريل نيسان 89، الحركة حاولت أن تستحوذ وبدأت بخطاب انتخابي يوحي بالإقصاء، ولمّا كانت النتيجة ليست لصالحها كما كانت تعتقد بدأت تتّهم حزب التجمع آنذاك، التجمع الدستوري الديمقراطي بتزوير الانتخابات.

 

عبد اللطيف المكي: لا، هذه حقيقة لم تكن الحركة تقول مجرّد تِهَم. أثناء التفاوض، بن علي قدّم مقترحاً بأن تترشّح كل الأحزاب بما في ذلك حزبه ضمن قائمة واحدة، قائمة وطنية، وأعطى فيها 15 مقعداً لكل المعارضة من أصل 130 مقعداً تقريباً، أي كل الأحزاب بما في ذلك الديمقراطيين الاشتراكيين والاتجاه الإسلامي والوحدة الشعبية والحزب الشيوعي وربما التجمع الديمقراطي تتقاسم 15 مقعداً. رُفِض هذا المقترح وكان أبرز الرافضين له حركة الديمقراطيين الاشتراكيين، فطالب أن تترشّح الحركة في دوائر محدودة لكي لا يقع ربما انقلاب سريع في موازين القوى، بما أنّ الغاية هي تطبيع وضع الحركة وليس شيئاً آخر.

الحركة بداية ترشّحت في 4 أو 5 دوائر ولكن ضغط القواعد ورغبة الجهات، كلّ جهة تريد أن ترشّح قائمة، فترشّحنا في كل الدوائر الانتخابية وتمّ فعلاً تزوير الانتخابات بالدليل، مشكلة حركة النهضة آنذاك في تونس أنها كانت تعلم بقية الأطراف ربما.

 

محمّد علوش: كانت تعلم بماذا؟ بنية مُبيّتة للتزوير؟

 

عبد اللطيف المكي: لا، بالدلائل أن هنالك تزويراً وبن علي كان يوجّه للتزوير بالهاتف باسمه وبشيفرة برموز وترميز.

 

محمّد علوش: الشيخ عبد الفتاح مورو وهو يتحدّث عن انتخابات 89 حمّل الحركة أخطاء كثيرة على الأقل في الخطاب الذي كانت تقدّمه آنذاك.

 

عبد اللطيف المكي: في الانتخابات.

 

محمّد علوش: في الانتخابات لماذا لا نجد شجاعة في الاعتراف بأنه كانت الحركة آنذاك طوبوية، مثالية، وأيضاً إقصائية؟ أين المشكلة؟

 

عبد اللطيف المكي: لا، الحركة لم تكن لديها نية إقصائية وهذا أجزم به وبالعكس منذ نشأتها كانت تتعاون ومُعترفة بالجميع.

وهنالك قول شهير للشيخ راشد، قالوا له هل تقبل بحكم الحزب الشيوعي التونسي، قال لهم إذا انتخبه الشعب نحن نقبل بحكمه، وهذا منذ البدايات في سنة 81. أما وُجِدت نتوءات في الخطاب غير متطابقة مع خطاب الحركة، فتفسيره أنّ القائمات فيها شخصيات مستقلة، خاصةً بعض علماء الدين الذين كانت لهم شخصيتهم وتوجهاتهم مثل الشيخ المرحوم العلاّمة محمّد الإخوا الذي كان من كبار علماء الحديث في تونس وترشّح على رئاسة قائمة في تونس، وقال ما يراه من آراء فُقهية في قضايا اجتماعية مثل، الحركة كانت تخالفه في ذلك في أدبياته وفي مواقفه ولكن لا تستطيع أن تفرض عليه وصاية وهو من كبار العلماء ويتحمّل مسؤولية مواقفه. ولذلك طبيعة القوائم التي كان فيها مستقلون أوجدت هذا الاختلاف في الخطاب.

 

محمّد علوش: طبعاً هذه الانتخابات تُعتبَر أيضاً محطة فاصلة في تاريخ بن علي مع الحركة الإسلامية لأنه في 28 مايو آيار عام 89 غادر الشيخ راشد الغنوشي زعيم الحركة إلى الجزائر.

هل كان يعلم بأنه بدأت حملة اعتقالات موسّعة وبالتالي استبقها بخروجه إلى الجزائر؟

أسمع منك الإجابة بعد فاصل قصير. مشاهدينا أرجو أن تتفضّلوا بالبقاء معنا.

 

 

المحور الثاني

 

محمّد علوش: نحيّيكم من جديد مشاهدينا ودائماً مع الدكتور عبد اللطيف المكي قيادي في حركة النهضة ونائب في مجلس الشعب التونسي.

طبعاً قبل الفاصل وصلنا إلى محطة مغادرة الشيخ راشد الغنوشي في 28 مايو أيار عام 89 إلى الجزائر بعد الانتخابات، وهي بداية مرحلة جديدة في العلاقة ما بين الحركة والرئيس بن علي آنذاك.

هل كانت تقدّر الحركة أنّها داخلة على محنة جديدة مع النظام الجديد؟

 

عبد اللطيف المكي: نعم، هو كان منتظَراً منذ أن بدأ بن علي في التضييق على الحركة وعلى الحريات بمجموعة من القوانين، حتى قبل تزوير الانتخابات، مثلاً قانون الأحزاب، قانون الجمعيات، قانون المساجد، بدأنا نفهم أن له نوايا الاستبداد والاستفراد، جاء تزوير الانتخابات ليضع حداً لأي أمل في أن يقود بن علي تجربة ديمقراطية. خروج الشيخ راشد في تقديري الخاص لم يكن مرتبطاً بسياسة النظام تجاه الحركة بقدر ما أنه كان وضعاً خاصاً داخل الحركة، انتخبت الحركة سنة 88 رئيساً لها هو الدكتور صادق شور، والشيخ راشد كان آنذاك في السجن. عندما خرج الشيخ راشد وبقية القيادة من السجن، النظام والخارج بصورة عامة يتعاملون معه على أنه هو الرئيس، الشيخ راشد، في حين أنّ الرئاسة والصلاحيات كانت عند الدكتور صادق شور، فكان يحصل ربما نوع من الإحراج، خروج الشيخ راشد كان استجابة لدعوات لإلقاء مجموعة من المحاضرات وربما لتجنيب الدكتور صادق شور هذا الإحراج، وبعد ذلك بدأت الاعتقالات وبدأ الاحتكاك بالحركة، اعتقال من هنا، ادعاء من هناك إلى غير ذلك، فبقي الشيخ راشد في الخارج لكن الخروج لم يكن مرتبطاً بتوقّع ضربة من النظام بل بالعكس عندما بدأت.

 

محمّد علوش: أنت في هذه المرحلة كنت معتقلاً؟

 

عبد اللطيف المكي: لا، لم أكن معتقلاً، أنا اعتقلت في مايو 90.

 

محمّد علوش:  سنة 90؟

 

عبد اللطيف المكي: في مايو 1990 اعتُقلت عام 87 وخرجت بعد الانقلاب ثم عدت سنة 1990.

 

محمّد علوش: طبعاً أنا أتابع لمراحل حياتك، في حال السجن وجدت أنه قدّمت التماساً للجامعة باستكمال الدراسة وشكوت من الوضع الذي تعيشه داخل السجن طبعاً هذا كان في العام 2001؟

 

عبد اللطيف المكي: بعد الخروج من السجن.

 

محمّد علوش: بعد الخروج من السجن كشفت عن المعاناة؟

 

عبد اللطيف المكي: لأنني أمضيت قرابة 11 سنة.

 

محمّد علوش: كنت ممنوعاً من استكمال الدراسة حتى بعد الخروج من السجن؟

 

عبد اللطيف المكي: بعد الخروج نعم من السجن، بل قمت بدراسة سرّية، سجّلت في إحدى الجامعات بصورة سرّية، قدمت ملفاً علمياً فقبلته اللجنة وأعطتني التسجيل لدراسة المرحلة الثالثة في البيوكيمياء الحيوية، وهي اختصاص يتقارب مع الطب، الجانب البحثي في الطب، ولكن عندما تفطّن لي النظام منعني فقلت لهم أنا قمت بسياسة سرّية، والآن أقوم بدراسة سرّية، حتى الدراسة في عهد بن علي أصبحت هنالك منظومة من العقوبات مثل الحرمان من العمل، الحرمان من التعليم، الحرمان من السفر، إلى غير ذلك، وكنّا تحت الرقابة الإدارية ما اضطرني بعد ذلك إلى القيام بإضراب عن الطعام شهير، أعتقد أنه شهير، دام 54 يوماً، إضراب 54 يوماً انتهى بتدهور كبير للحال الصحية، نزيف في المعدة، دخلت المستشفى ورفضت العلاج، ووقّعت أنني رافض للعلاج وتم احتضاني من قِبَل المعارضة التونسية جميعاً، الدكتور مصطفى بن جعفر، السيّدة سهير بن حسن التي ترأست بعد ذلك رابطة حقوق الإنسان وترأست لجنة المساندة لي والسيّد الأستاذ نجيب الشابي والعياشي الهمامي وكثير لكي لا أظلم السيّدة سهام.

 

محمّد علوش: هؤلاء أغلبهم يسار؟

 

عبد اللطيف المكي: من اليسار.

 

محمّد علوش: لهم حسنة.

 

عبد اللطيف المكي: هم كلهم حسنات، ما عدا فئة قليلة، بالرغم من أنّ لديهم موقفاً حاداً منا لكن نحن لا نقابلهم بنفس الحد، هنالك علاقات نضالية وأخوية وإنسانية بينهم جميعاً وتم احتضانه في الخارج، لأن قيادات الاتحاد العام التونسي للطلبة التي هاجرت إلى الخارج كوّنت شبكة كبيرة وتدخّلت اليونيسكو حتى وهدّدت النظام ووجّهت استجواباً إلى وزير التعليم العالي والبحث العلمي انتهى بتنازل بن علي في اليوم الـ54 من الإضراب، والـBBC قامت بإعداد تقرير شهير عن الحادثة واضطر بن علي أن يسمح بالدراسة لكل الطلبة الذين غادروا السجن.

 

محمّد علوش: انتصرت الأمعاء الخاوية على البندقية؟

 

عبد اللطيف المكي: انتصرت الأمعاء الخاوية، وأنا أنظر نظرة خاصة إلى الإخوان الفلسطينيين في إضرابات الجوع لأنني أعرف ماذا يعني إضراب الجوع.

 

محمّد علوش: في حرب الخليج سنة 90، كان لافتاً موقف الحركة أو على الأقل النقّاد للحركة أنه كان هناك موقفان، موقف مساند للعراق وموقف آخر هو يميل لصالح الكويت، أغلبه متمثّل كان بالشيخ عبد الفتاح مورو.

هل بالفعل كان هناك أكثر من رأي وهذا أيضاً سبّب إشكالاً وبدأ مرحلة جديدة في العلاقة الصدامية ما بين دول الخليج وحركة النهضة؟

 

عبد اللطيف المكي: هو كان هناك موقف في ركيزتين، الركيزة الأولى رفض غزو العراق للكويت والركيزة الثانية هي رفض التدخل الأجنبي لأنه لن يكون تدخلاً من أجل تحرير الكويت بقدر ما يكون تدخلاً للتمكّن من العالم العربي.

فهنالك تصريحات ركّزت على جانب وتصريحات أخرى ركّزت على الجانب الآخر، واستمرينا وثبتنا على هذا الموقف، طبعاً لا العراق تفهّم هذه الثنائية في تكوين الموقف ولا دول الخليج تفهّمت هذا الموقف، لكن أقدّر أنه بعد ذلك تم شيء من التفهّم.

 

محمّد علوش: هل وصلتكم رسائل ما من دول الخليج؟

 

عبد اللطيف المكي: لا علم لي برسائل لكن أذكر أنني ذهبت إلى السودان سنة 1990 لأنه عقدنا مؤتمراً طلابياً حول أزمة العراق والكويت، مؤتمر طلابي عربي استدعينا له كل الاتحادات العربية المُنتخبة، لأنه كانت الاتحادات مرتبطة بالأنظمة، وكان هناك اتحاد الإمارات واتحاد الكويت، كان هناك استياء من المؤتمر لأنه حاول أن يؤكّد على الثنائيتين، نحن ضد غزو الكويت ولن نعترف بضمّها إلى العراق والوحدة لا تكون عن طريق السيطرة العسكرية بل عن طريق العمل الديمقراطي والسلمي وإرادة الشعوب، وفي نفس الوقت نحن نرفض أن يكون هنالك تدخل أجنبي سيُهيمن على المنطقة وتكون له آثار فكانوا غاضبين وكان ممثلو العراق، اتحاد طلبة العراق واتحاد طلبة سورية معارضين، البعثيون المعارضون المقيمون في العراق، لا هؤلاء رضوا بالموقف ولا هؤلاء رضوا بالموقف.

 

محمًد علوش: بنفس السنة حصل تعطيل لصدور جريدة الفجر التابعة للحركة. هل هو كان انعكاساً للموقف الخليجي؟ التضييق الذي حصل في فترة التسعين، داخلياً هل هو كان أحد ارتدادات الموقف لديكم من حرب الخليج؟

 

عبد اللطيف المكي: لا أتصوّر، كانت رغبة من النظام، ولم تشنّ دول الخليج سياسة عدائية ضدّ الحركة، ربما كان هناك فترات برودة أو شيء من هذا النوع ولكن ليس هنالك سياسة عدائية، فجريدة الفجر كانت إرادة من النظام لمحاولة إلجام الحركة وخاصة جريدة الفجر عرفت انتشاراً كبيراً، كان الناس يقتنونها مباشرة بعد صلاة الصبح، طوابير لاقتناء جريدة الفجر ما اضطر النظام أن يحدّد لنا سقف الطباعة، لا نتجاوز 40000 عدد في حين أن احتياجات السوق كانت مقدرة بـ110000 و120000 عدد.

 

محمّد علوش: كنتم تطبعون 120000 عدد؟

 

عبد اللطيف المكي: لا كنا نطبع 40000 وأردنا أن نصل إلى 110000 و120000 وهذه تقديرات احتياجات السوق ولكن النظام منعنا وتم الضغط على المطابع إلى غير ذلك.

 

محمّد علوش: في هذه الفترة أغلب القيادات والكوادر للحركة خرجت خارج تونس خوفاً من الاعتقال، عقدت عدّة مؤتمرات في الخارج، نذكر بشكل سريع أهمها طبعاً ثلاثة مؤتمرات، المؤتمر السادس عام 95 في سويسرا، السابع عام 2001 في هولندا، والمؤتمر الثامن كان في لندن. مرحلة المهجر كيف أثّرت أيديولوجياً وسياسياً في نضوج حركة النهضة؟

 

عبد اللطيف المكي: مسألة المهجر في الحركة بدأت منذ سنة 81، لأنه كان هناك موجة هجرة أولى سنة 1981، وهذه لم تكن خوفاً، كانت أهم الشخصيات التي هاجرت خرجت بقرار من مؤسسات الحركة، لأنه إما لتأمين أشياء مُعيّنة أو ليكون هنالك صوت في الخارج يتكلّم باسم الحركة ويترك القضية مطروحة، كما هنالك بعض الهجرة التي كانت تحت وطأة الضغط الأمني، المهجر أثّر تأثيراً إيجابياً جداً في الحركة، لأنه أولاً فضلاً على دوره السياسي والإعلامي والحقوقي ترك الملف متوهّجاً وسلّط ضغطاً على النظام، فمكّن إخواننا بعدد كبير ووافر من الاطلاع على التجارب الأوروبية والاقتباس منها، وهذا كان مهماً جداً بالنسبة إلينا كحركة. الآن الحركة لديها خبرة بالأنظمة الأوروبية وطبيعة المجتمعات الأوروبية وتنظيماتها ولها علاقات بشخصيات، رغم أننا غير راضين على مستوى هذه العلاقات، كان بالإمكان أفضل، ولكن وجود رصيد محترم من هذه العلاقات وظّفناه بعد الثورة لصالح تونس ولصالح الناس في تونس.

 

محمّد علوش: المؤتمر السادس كان فارقاً، حصل عام 96، كان فيه لأول مرة يقول البعض أنه حصل فيه نقد ذاتي للاستراتيجية التي كانت تقوم عليها الحركة، ودعت لأول مرة إلى مراعاة مقتضيات التدرّج الديمقراطي في الإصلاح السياسي.

 

عبد اللطيف المكي: نعم، هذا المؤتمر مهم جداً، لأنه تحت الضغط الأمني العنيف الذي لم يقف عند أبواب السجن، بل طارد الإسلاميين داخل السجن، وأصبحت هنالك خطط ممنهجة للتعنيف أو للإيذاء البدني والنفسي والاجتماعي، التجويع، الحرمان من الدارسة، الحرمان من الكتب والحرمان من النظافة، الضغط على العائلات من أجل تطليق الزوجات، من أجل فصلهن من العمل بالنسبة إلى التي كانت تعمل.

فالحركة خلال المؤتمر هذا أكّدت طبيعتها السلمية، ربما البعض ارتأى أن الحركة لا بدّ من  أن تنهج الخيار العنيف ضد النظام ولكن كان المؤتمر قراره حاسماً أنّ الحركة تلتزم بالنضال الديمقراطي وبالتدرّج في النضال الديمقراطي.

 

محمّد علوش: هل كان هناك أصوات داخل الحركة تدعو إلى اعتماد العنف؟ حتى الحركة اتُهِمت من قِبَل ناقدي الحركة أنها مارست العنف في محطات قليلة في تاريخها.

 

عبد اللطيف المكي: هذا لم يثبُت لأن هناك محطتين، أولاً محطة التفجيرات التي حدثت سنة 87 في أحد النزول في المونستير وثبت بحسب الطبيب الخاص للسيّد رئيس الجمهورية السيّد عمر الشاذلي الذي كان وزيراً وكان شخصية مُحترمة جداً علمية في تونس، كتب كتاباً بعد الثورة وقال أنّ بن علي هو الذي نظّم تلك الانفجارات للضغط على بورقيبة من أجل أن يُشعِره بخطر الإسلاميين وبضرورة المواجهة.

 

محمّد علوش: كانت تمثيلية لاستهدافكم؟

 

عبد اللطيف المكي: نعم، والثانية هي أحداث باب سويقا التي قامت بها مجموعة من الشباب من دون أمرٍ من القيادة، اجتهدوا في حرق أحد مقرات الحزب الاشتراكي، التجمّع الدستوري الديمقراطي، وللأسف الشديد كان هنالك شخص احترق، وبعد ذلك توفي متأثراً بعد مدة طويلة، وحوكموا بالإعدام وتم تنفيذ الأحكام.

بن علي كانت له نظرية في ضرب الحركة سنة 90، قال لهم هذه الحركة ما دامت منظومتها القيادية موجودة فهي قادرة على الصمود، فبدأ بضرب المنظومة القيادية واعتقل القيادات واعتقل مسؤولي المحافظات ما جعل خلايا الحركة هكذا من دون سيطرة ومن دون قيادة ومن دون توجيه، فكان أحد هذه الاجتهادات هو عملية باب سويقا المأسوف عليها.

 

محمّد علوش: في أكثر من محطة كان للحركة موقف في ما يتعلق بالعنف، بعد أحداث 11 سبتمبر عام 2001 أيضاّ صدر بيان عن الحركة ترفض فيه كل أشكال العنف. عام 2005 انضمت حركة النهضة إلى هيئة 18 أكتوبر مع مكوّنات من المجتمع المدني في سبيل التغيير. عام 2007 تُصدر الحركة بياناً تُدين فيه العملية التي قامت بها الجهادية السلفية في ما يُعرف بأحداث سليمان.

تقديرك الآن في هذه المحطات هي هل كانت كافية لدى الحركة للقطع الأيديولوجي والسياسي أيضاً وقطع الطريق على الخصوم على أنّ الحركة هي تقطع كلياً مع أي تغيير فيه نوع من العنف؟

 

عبد اللطيف المكي: الحركة قطعت مع هذا منذ بداياتها، قلت لك لأن طبيعة الساحة التونسية.

 

محمّد علوش: لا، أنا لا أقصد لديكم أنا أقصد ما قمتم به هل كان مقنعاً لدى خصومكم ومنافسيكم السياسيين من تيارات أخرى؟

 

عبد اللطيف المكي: لا، هنالك خصوم أيديولوجيون إقصائيون لم يقتنعوا بالأمس ولن يقتنعوا اليوم ولن يقتنعوا في المستقبل.

أما الناس الموضوعيون سواء كانوا أحزاباً أو مجموعات أو حتى منظمات دولية لأن منظمة العفو الدولية أنت تعرف أنها منظمة لا تدافع عن التيارات العنيفة، هي متبنية قضية الحركة بالتمام والكمال، فالحركة من حيث توجهاتها النظرية وممارساتها العملية هي حركة مدنية سلمية استعملت الأدوات المدنية وهذا مُثبت طيلة تاريخها.

الاتهامات طبعاً هي اتهامات يستعملها النظام أو كلّ من يريد أن يُقصي حركة النهضة لتبرير كلّ ما يقوم به ضد الحركة لا أكثر ولا أقل.

 

محمّد علوش: نحن نتحدّث إذاً عن عدة مؤتمرات، عن عدة بيانات صدرت وأغلبها في المهجر لأن القيادات كانت في المهجر.

الدكتور حميد النيفر في دراسة له وهو يتحدّث عن تجربة المهجر لدى حركة النهضة يقول وأنا أقتبس حرفياً : "كانت سلبية مضاعفة"، كما يقول، "فلا هي حقّقت تأييداً عربياً ودولياً ولا هي استطاعت إنقاذ جسمها التنظيمي من التفكّك".

 

عبد اللطيف المكي: الجسم التنظيمي لم يتفكّك، والدليل على ذلك أنه إلتأم بسرعة في أسابيع قليلة بعد الثورة. وقد بدأنا إعادة بناء التنظيم قبل الثورة بخمس أو ست سنوات، وبقي الإخوان في الخارج منتظمين في أشكال مختلفة، لأن القوانين الأوروبية لا تسمح بالانتظام في شكل أحزاب سياسية. بعد الثورة مباشرة خلال أسابيع التأم التنظيم في كل تراب الجمهورية وأماكن الجمهورية فلم يكن هنالك انفلات تنظيمي.

أما أن يكون كان هنالك قدر من السلبية أو كان بالإمكان تحقيق إيجابية أكبر في الفعل وحشد التأييد، قد يكون هذا صحيحاً، ولكن ليس ناتجاً من إخلال في الجهد أو عن قلّة في الرغبة والإرادة بقدر ما هو ناتج من الظروف. لا تنسَ أنّ آلاف المهاجرين هؤلاء خرجوا في ظروف اجتماعية سيئة من دون أُسَرِهم، أمضوا مدة طويلة لإقناع الأنظمة الغربية بأنهم معارضون سياسيون من حقّهم اللجوء السياسي، فبالتالي الظروف، العديد منهم ممنوع عليه السفر والانتقال مثل الشيخ راشد كانت تنقلاته صعبة جداً، فبالتالي هذا النقص الذي أشار إليه الدكتور لا يعود إلى قلّة في الجهد أو انعدام في الرغبة بقدر ما أن الظروف لم تسمح بأكثر من ذلك.

 

محمّد علوش: أريد أن أسأل أنا بخصوص الدور الذي لعبته حركة النهضة في الثورة التي حصلت في ما بعد. أغلب الحركة كان في الخارج. هذا سؤال طرحناه على الكاتب الصحافي نصر الدين بن حديد. ما هو مستقبل حركة النهضة السياسي في البلاد وما أبرز العقبات التي تواجهها طبعاً ما بعد الثورة؟

نشاهد ماذا يقول.

 

نصر الدين بن حديد: يمكن الجزم أن مستقبل حركة النهضة في تونس مرتبط بأمرين لا ثالث لهما، أولاً التحركات داخلها والمخاض الذي سيأتي به الجيل القادم حيث أنه ثبت إلى الآن أنّ الجيل القديم هو الذي لا يزال مسيطراً على المسار السياسي في داخل هذا الكيان الإسلامي.

الثاني وهو الأهم مكانة وموقع وقيادة راشد الغنوشي كيف ستكون بُعيد المؤتمر القادم، ليس على مستوى وجود الشخص، هذا متأكد منه أنّ الحركة الآن تقول وتعلن أنها بحاجة إلى الشخص، لكن على المستوى الاستراتيجي في تكوينه لجيل جديد من الشباب ولجيل جديد من القيادات تستطيع رفع المشعل.

مستقبلها مرتبط بقدرتها على التصنيف في ثلاثة اتجاهات. الاتجاه الأول هو الاتجاه الداخلي تحوّلها من حزب ديني إلى حزب محافظ. الاتجاه الثاني هو الاتجاه الإقليمي من تحوّلها إلى عامل استقرار في المنطقة. والاتجاه الثالث والأهم أعتبره هو قيامها بنوع من عملية تلطيف وجه الإسلام السياسي في العالم العربي.

 

محمّد علوش: دكتور إلى أي حد، سواء كانت الحركة مُشاركة في الحدث السياسي الذي تجلّت فيه الثورة، وما العقبات التي واجهتها بهذا الخصوص؟

 

عبد اللطيف المكي: عندما قامت الثورة كنّا تقريباً قد استوفينا شروط استعادة العمل المنظّم في تونس نحن كسجناء وروافد أخرى شبابية، لأنّه كان لدينا رافد طلابي تشكّل حديثًاً ورافد حقوقي كذلك تشكّل وتأسّست عدّة جمعيات حقوقية، وشاركنا في الثورة بأقصى ما نستطيع، ولكن كان لدينا محظور، لا يجب أن تبرز الوجوه الإسلامية في التظاهرات أو قيادتها ولا أن تبرز شعاراتنا.

 

محمّد علوش: هذا كان قراراً داخلياً؟

 

عبد اللطيف المكي: كان توجّهاً، نعم، و كان قراراً لأن بن علي كان يريد ويقول أن هذه الثورة هي من فعل الإسلاميين أو الإخونجية كما يقول ولذلك يجب أن نضربها ويجب أن نتعاون على ضربها إلى غير ذلك، فكنا حريصين على ألا نوفّر له هذه الفرصة. هذا أولاً. وثانياً الثورة كانت ثورة تلقائية شاركت فيها كل الروافد السياسية والاجتماعية وقادها الشباب، وهذا مهم جداً، الشباب قاد الثورة التونسية ونعتبر أنّ ذلك أمر طبيعي، الشباب يجب أن يكون في مقدمة كل المعارك وأمة لا يقود شبابها معاركها هي أمة منكوبة. نحن كنا فرحين بأن نرى ذلك الشباب يقود الثورة ونحن معه لكن كما قلت بن علي كان يريد أن يُلصِق أكثر ما يمكن بين قوسين من التهم بأنها مجرد رغبة من الإسلاميين لإسقاط النظام أو للحصول على السلطة وهذا قاله المازر الحداد الذي كان سفير تونس لدى اليونيسكو في قناة الجزيرة، أذكر يوم فرار بن علي، قال أنّ بن علي اتصل به وقال له لا تستقل لأن هذا سيُضعِف النظام وإذا سقط النظام سيسيطر الإخونجية على السلطة. هذا المعنى الذي قاله فكان هذا الهاجس وكنا حريصين على أن لا نوفر له هذا الهاجس.

 

محمّد علوش: وسيطر، لا أود أن أقول الإخونجية لكن سيطر الإسلاميون على السلطة.

 

عبد اللطيف المكي: بالانتخابات، بالانتخابات، وكنّا ونحن حتى الآن نعتّز بأن نكون شركاء مع الآخرين لا نريد الانفراد. الانفراد مسألة سيئة وتجعل الفرد ربما يميل إلى الاستبداد ويخمل في التفكير وفي الاجتهاد، وكان أثناء أحداث الثورة الشرطة السياسية تهاجم بيوت بعض إخواننا، لعلها تحصل على وثيقة أو على مخطط أو أي شيء، وقد اعتقل مثلاً الأخ أحمد العماري أصيل الجنوب وبقي في السجن وكانوا يعذبونه ويسألونه ما هي مخططات النهضة في هذه الثورة، وجاءتنا أخبار بأنه استشهد وصلينا عليه صلاة الغائب، وبعدما قامت الثورة والتقى الأخ حمادي جبالي برئيس الحكومة آنذاك محمّد الغنوشي استفسر عن مصير الأخ فاستفسروا ووجدوه في أقبية وزارة الداخلية مقيّداً. هذا يعني أنّ الإسلاميين شاركوا مشاركة معقولة في الثورة، ولكن لم نُرِد أن نحمّلها عبء هذا الشعار لأن بن علي كان يرغب في ذلك من أجل الاستقواء على الثورة.

 

محمّد علوش: في هذا الجزء الثاني من هذه السلسلة أريد أن أختم بما كتبه الشيخ راشد الغنوشي في كتابه "من تجربة الحركة الإسلامية في تونس" لأنه يُرجِع النقاش ليس في صِدَام مع سلطة مُستبّدة بقدر ما هو صراع بين تيارين، تيار تحديثي تغريبي وتيار عروبي.

نشاهد ماذا يقول ونريد منك تعقيباً.

 

"من تجربة الحركة الإسلامية في تونس": في كتابه "من تجربة الحركة الإسلامية في تونس"، يقول راشد الغنوشي: "الصراع في تونس ليس بين تيار تحديثي وتيار تقليدي محافظ بقدر ما كان صراعاً بين مشروعين للتحديث، مشروعٌ يقوده تيّار التغريب وآخر يقوده تيّار التعريب، حيث لا يرى التيّار الأول طريقاً لدخول البلاد في العصر من دون تهميش الإسلام أو تطويعه على الأقلّ للقيم الغربية".

 

محمّد علوش: بكلام الشيخ راشد، ألا ترى أنّه يُعيد للأيديولوجيا مكانها في الوقت الذي لم يعد لها وجود طالما أنّ الأساسيات للحفاظ على بناء المواطن من عيش وحرية وكرامة غير متوفرة في العالم العربي والإسلامي، وبالتالي حتى نقول نسبياً، لا نعمّم، وبالتالي قد تأتي الأيديولوجيا كترفٍ فكري في هذا النقاش؟

 

عبد اللطيف المكي: أنا أشاطر الشيخ راشد ما قاله كما أشاطر المقولة السابقة للسيّد نصر الدين بن حديد الصحافي، أشاطره فيها، القول بأنه انتهى عصر الأيديولوجيا هو أكذوبة. العولمة اليوم التي تدّعي أنها تجاوزت الأيديولوجيا هي تقوم على الأيديولوجيا والأيديولوجيا جيّدة إذا وضعناها في مربعها الخاص بها وهي غير جيّدة إذا جعلناها تُهيمن على كل شيء، تُصبح هي المحدّدة في كل شيء.

الأيديولوجيا هي نوع من الفلسفة التي تساعدك على فهم الواقع وتفكيكه والاستجابة لمتطلباته ولتحدياته. يجب أن تأخذها في مربعها أنّها أداة نظرية في التعامل مع الواقع سواء كان في فهمه أو في الاستجابة إلى تحدياته، وهنالك أدوات أخرى هي العلم، هي الإحصائيات إلى غير ذلك. ففي تقديري لا نزال بحاجة إلى الأيديولوجيا لكنها أيديولوجيا نحن نسيطر عليها ولا تسيطر علينا.

 

محمّد علوش: في الحلقة القادمة إن شاء الله سنتحدّث معكم دكتور عبد اللطيف المكي ما بعد تجربة حركة النهضة في الحكم وأيضاً التحديات التي يواجهها الإسلام السياسي مع ظهور ظاهرة التطرّف.

كل الشكر والتقدير لكم.

 

عبد اللطيف المكي: شكراً لك.

 

محمّد علوش:  كما أشكركم مشاهدينا على حسن المتابعة. إلى اللقاء في الأسبوع القادم.

 

عبد اللطيف المكي:  شكراً.