حق العودة شهيد الربيع العربي

كلما احترق الوطن العربي بنار الحروب والفتن فقدت فلسطين من أرضها وهودت إسرائيل تاريخها والحاضر. فهل تقتل حق العودة؟ النظام الرسمي العربي يستمر في الانفتاح على إسرائيل من دون مقابل فهل يساهم في قتل حلم الفلسطينيين بالعودة إلى ديارهم؟ نتنياهو يطالب العرب بتعويضات عن هجرة اليهود، فهل لا يزال العرب قادرين على مطالبته بأي شيء؟

سامي كليب: أهلاً بكم أعزائي المشاهدين إلى هذه الحلقة الجديدة من برنامج "لعبة الأمم" عبر قناة "الميادين". إذا كان ما سُمّيَ بـ "الربيع العربي" قد حوّلَ مُعظم الدول التي وصلها إلى حمّامات دمٍ ودمار ودموع، فإنّ الضحية الكُبرى أيضاً في هذه الكارِثة العربية هي "فلسطين"، تحديداً حق العودة. أُنظروا إلى المخيّمات الفلسطينية في الخارِج، دُمِّرَ بعضها، غرِق بعضها الآخر بالاقتتال، تفاقم الفقر والأمراض والجوع في بعضها الثالث إمّا بسبب النزوح الجديد إليها أو لأنّ "الأونروا" خفّضت مُساعداتها. غزتها بعضُ تيّاراتٍ مُتشدّدة أو تكفيرية قرّرت أنّ واجهة الصراع ما عادت "إسرائيل" وإنما هي هنا في داخل المُخيّمات بُغية المُساهمة في إقامة الخلافة. ما عاد عربيٌّ يخجل إن ذهب إلى مؤتمر "هرتسيليا" الذي يبحث عادةً عن أمن "إسرائيل" ضدّ العرب. ما عاد الكلام عن فتحِ قنوات اتصال عربية مع "إسرائيل" يتمّ في الخفاء. لا بأس أن تُسدّ الأبواب والنوافِذ والمعابِر على "فلسطين" وأهلِها لأسباب مُريبة مهما قُدِّمت من مُبررات واهية لإغلاق المعابِر. ها هو يأسُ شباب "فلسطين" يبلُغ حداً يحمل معه الطفل الفلسطيني بعُمر الورود سكيناً ليطعن مَن يحتلّ أرضه وهو يُدرِك أنّه سيموت برصاص المُحتلّ، وكأنّما في الطعن ليس فقط مُحاولة لمواجهة المُحتلّ وإنما أيضاً صرخة كرامة في وجهِ نظامٍ عربيّ قرّر أن ينحرَ كرامته على مذبح الفِتن والتقاتل في حروبٍ واهية فيها المُنتصر مهزوم والمهزوم مهزوم. لنكُن صريحين مع أنفسنا، إنّ مُعظم النظام الرسمي العربي فتح علاقات مُباشرة أو غير مُباشرة مع "إسرائيل"، والباقي على الطريق. فماذا يبقى من الصراع العربي الإسرائيلي؟ وإذا كان الفلسطينيون وخلفهم العرب لم ينجحوا في أوج قوّتهم وسلاحهم في فرض حقّ العودة إلى "فلسطين". هلّ نأمل بنجاحهم اليوم بعد أن يُطبّق هذا الحقّ؟ هلّ المُقاومة المُسلّحة في "لبنان" أو "فلسطين" قادرة فعلاً على إعادة فلسطيني واحِد إلى أرضه وهي التي باتت أمام انقسامٍ عربيٍّ حادّ بشأنها حيثُ يؤيِّدها البعض ويضعها البعض الآخر على لوائِح الإرهاب ثمّ، هلّ لا يزال أحد يُصدِّق أننا يوماً ما سنرى الفصائِل الفلسطينية قد توحّدت وهي التي تتناهش بعضها البعض في جُنحِ الظلام وسط إعدادٍ لإقامة سُلطة فلسطينية جديدة قد تقبل بما رفضته كلّ السُلطات السابقة، وهي في الأساس لم ترفُض الكثير. أليست هي المسؤولة أيضاً وقبل أيّ نظامٍ عربيّ عمّا وصلت إليه في الدول العربية وفي "فلسطين"؟ هلّ قضى "الربيع العربي" على قضيّة العرب الأولى؟ هلّ انتهى حقّ العودة والصراع أم أنه من تحت رماد كلّ هذه الحرائِق يولدُ جيلٌ يلعن من باع "فلسطين" وحقّ العودة ويُجدّد الأمل. عن هذا نتحدّث اليوم في "لعبة الأُمم" مع ضيوفنا الكرام وهم "صقر أبو فخر" وهو كاتب وباحِث في الشؤون الفلسطينية أهلاً وسهلاً بك أُستاذ "صقر"                           

صقر أبو فخر: أهلاً بك

سامي كليب: ومن "لندن" معنا "ماجد الزير" رئيس "مركز العودة الفلسطيني" في "لندن" وأهلاً وسهلاً بك، وسيكون معنا في الجزء الثاني من "باريس" "زياد كلّو" وهو مُحامٍ وكاتِب، طبعاً شارك في جزءٍ من المُفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية وتحديداً في ما يتعلّق بحقّ العودة. أهلاً بكم جميعاً إلى هذه الحلقة من "لعبة الأُمم

سامي كليب: أهلاً بكم أعزّائي المُشاهدين وأهلاً بضيوفي الكرام. أبدأ معك أُستاذ "صقر". وكأنّ حقّ العودة في طريق الزوال؟

صقر أبو فخر: لا أظنّ أنّه في طريق الزوال ما دام هناك لاجئون، وبالتالي حقّ العودة لا زال Theme أو واسطة العقد التي تضمّ اللاجئين الفلسطينيين. لكن هلّ لا زال حقّ العودة له قُدرة التأثير في السياسات الفلسطينية، أنا أشُكّ في ذلك لأسباب تطوّرات القضية الفلسطينية. نحن نعرِف جميعاً أنّ بالأساس حقّ العودة لم يخضع لكثيرٍ من النقاش في صفوف الفلسطينيين أيام الثورة الفلسطينية، لماذا؟ لأنّ الهدف كان التحرير. "حركة التحرير الوطني الفلسطيني – فتح"

سامي كليب: صحيح

صقر أبو فخر: "منظّمة التحرير الفلسطينية"، "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"، وحقّ العودة كان تحصيل حاصِل. إذا تمّ التحرير فاللاجئون سيعودون إلى وطنهم، فلم يكن هناك نقاشٌ جدّي بمفهوم "حقّ العودة". لكن متى نشأ حقّ العودة في صيغته الجديدة؟ بعد "أوسلو" في الحقيقة، عندما تبيّن أنّ "أوسلو" لا ينُصّ على كلام واضِح في مسألة اللاجئين وعلى حقّ العودة بالتحديد، تداعى الكثير من النُخب الفلسطينية إلى العمل تحت هذا الشِعار. بعد عام 1994

سامي كليب: لكن أُستاذ "صقر" كما نُلاحِظ، في مُعظم القِمَم واللقاءات العربية أو الفلسطينية أو المُفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية أو على المُستوى الدولي، كأنّه بات هناك ثمّة خجل من التعاطي مع حقّ العودة، وكأنّه هو الشرط الضمني لاستمرار أية مُفاوضات بغضّ النظر عن الشعارات الرنّانة التي نسمعها هنا وهناك، والدليل أنّه حتّى في قمة "بيروت" عام 2002 كان سيُلغى هذا الحقّ عملياً

صقر أبو فخر: هناك شقان لهذه الرؤية، وهي رؤية صحيحة. أولاً، على صعيد المُفاوضات الفلسطينية مع أنه لم يحظَ بنقاش وتفاوُض جدّي حقّ العودة، طُرِحت مسألة اللاجئين، بمعنى جزء من قضايا الحلّ النهائي. أُجِلت قضايا الحلّ النهائي للمرحلة الأخيرة، "القدس"، اللاجئون، المياه، السيادة، الحدود، وهذه لم تحظَ بنقاش جدّي بل بنقاشات ذات طابعٍ تداولي. كان هناك كلام بعدم وجود "حقّ العودة"، حقّ العودة إلى الدولة الفلسطينية وليس إلى أراضيهم الأصلية وإلى ديارهم الأصلية. ربّما تكون هناك عودة رمزية، حُكيَ عن عشرة آلاف وحُكي عن مئة ألف

سامي كليب: صحيح

صقر أبو فخر: هذا على صعيد التفاوض لم يحظَ بنقاش جدّي. على الصعيد السياسي مع الأسف الشديد، منذ 20 سنة تقريباً بدأت فكرة عقد مؤتمر دولي من أجل اللاجئين ومن أجل حقّ العودة تحديداً، بدأها "إدوارد سعيد"، "كلوفيس مقصود"، "هشام شرابي"، "نصير عاروري"، "سميح فرسون"، إلى آخره. جاؤوا إلى "بيروت" وذهبوا خائِبين من الوضع الفلسطيني ومن الفصائِل الفلسطينية التي كانت موجودة في "بيروت"، لاحقاً ظهر الكثير من المجموعات. أنا كنت مُساهماً في تأسيس أوّل مجموعة، "عائدون"، مع زملاء آخرين في سنة 1995 – 1996، وظهرَ الآن أنه يوجد أكثر من ثلاثين وأربعين مجموعة تُعنى بحقّ العودة. لكن مع الأسف، الحياة السياسية الفلسطينية مُدمِّرة للعمل الجماعي الآن. لم نستطِع خلال 20 سنة أن نجعل من حقّ العودة وحركة العودة تياراً سياسياً ضاغِطاً على القيادة الفلسطينية أو على المُفاوض الفلسطيني، فشِلنا في ذلك.

سامي كليب: كلّما كثُرَت المُنظّمات والجمعيات والمؤسسات التي تُنادي بحقّ العودة يضعُف كأنه حقّ العودة للأسف. من "لندن" "ماجد زير"، أهلاً وسهلاً بك رئيس "مركز العودة الفلسطيني"، نُرحِّب بك في هذا البرنامج. هذه هي المُشاركة الأولى على ما أعتقد. أُستاذ "ماجد"، طبعاً الآن

ماجد الزير: أهلاً بك   

سامي كليب: طبعاً الآن السؤال المطروح أنّ الرباعية تعمل لعقد مؤتمر دولي على ما يبدو في آخر عام 2016، وبعد كلّ موجة الربيع العربي التي حصلت وتهجير جزء من الفلسطينيين، تدمير بعض المُخيّمات، اقتتال فلسطيني - فلسطيني، دخول إرهاب إلى المُخيّمات وما إلى ذلك، وكأنه يُراد في هذه المعمعة أن يُقال للفلسطيني ستبقى حيثُ أنت ولن تعود. هلّ من عمل جدّي حالياً على مُستواكم أو على المُستوى الفلسطيني لإعادة فرض حقّ العودة جدياً؟

ماجد الزير: بسم الله الرحمن الرحيم، تحية لك وللأُستاذ "صقر"

سامي كليب: أهلاً بك

ماجد الزير: لا شكّ أنّ الحِراك الفلسطيني الشعبي مع الفصائِل له إحداثيات على الأرض مُهمة في هذا المجال. أنا لا يُمكن أن أعتبر أنّ 30 مؤسسة وأكثر تشتغِل في حقّ العودة، إلاّ أنّه ردّ الفعل الفلسطيني التلقائي على التمسّك بحقّ العودة وعدم نسيانه بشكلٍ واضِح وصريح. الشُغل ليس على المُستوى المطلوب، صحيح. ليس على مُستوى الهجمة الإسرائيلية على شطب حقّ العودة، ليس على مُستوى مؤامرة دولية تدعم الإرادة الإسرائيلية الصهيونية في أنّ أوّل نقطة يجب أن تكون على الطاولة، خارج نطاق المُفاوضات هي حقّ العودة، ليس على مُستوى عشرات حلقات النقاش التي تُعقَد أوروبياً لصالِح شطب حقّ العودة، ليس على مُستوى الضغط على المجموعات العربية لأجل القفز على هذا الموضوع بشكلٍ أو بآخر. هذا كلّه إرادة دولية تنسجِم مع عنوان حلقة برنامجكم الموقّر في أنه نعم، هناك مُخطّط دولي أن يكون على رأس الحقوق الفلسطينية التي سيُقفَز عنها بشكلٍ واضِح وصريح، وأصبح هناك تجاوب من قِبَل مجموعات عربية رسمية وحتّى في ما يتعلّق بالمُفاوضات الفلسطينية لصالِح أنّ هذا الموضوع ليس قابلاً للنقاش لأنّ تطبيق حقّ العودة هو شطب للدولة العبرية ونسيانها في هذا المجال. ما نقوم به نحن كفلسطينيين يقوم به الشعب الفلسطيني بشكلٍ تلقائي ميداني. ولكن إذا أردت أن تتكلّم عن البُعد المتوسط، المدى المتوسط، والمدى البعيد، حقّ العودة بخير من وجهة نظري رغم ما يحدث في الأرض الآن في التقاطعات العربية، في "الربيع العربي"، في كلّ التفاصيل. إذا أردت أن تنظر إليه من المعنى السياسي المُباشر أي ربح وخسارة لا شكّ أنّ التراجُع في القضية الفلسطينية واضِح، ولكن على المدى القياسي والحسابات ووجود المُخيّمات التي ما زالت موجودة، وجود الشعب الفلسطيني ككثرة سكانية في الداخل الفلسطيني وفي الجوار العربي، كلّ هذا يُقلِق العدوّ الصهيوني في ما يتعلّق بما يُسمى الديمغرافيا. لعلّ وجود الجدار العُنصري في أرض "فلسطين" هو جزء من الخوف الإسرائيلي

سامي كليب: أوكي أُستاذ "ماجد"، أنا آسف لمقاطعتك، لكن حضرتكم كمركز العودة الفلسطيني مركزٌ مرموق وعضو كامل العضوية في الأُمم المتحدة في إطار الـ N.G.O.’ s أو المُنظّمات غير الحكومية. حين تتحدّث عن مجموعات عربيّة بدأت تتخلّى عن حقّ العودة، وأيضاً كأن السُلطة الفلسطينية، رغم أنها تُجاهِر بهذا الأمر من وقت إلى آخر، لكنّها أيضاً وكأنّها بدأت ترضخ لأمر واقِع مُعيّن. هلّ يُمكن القول بأنّ العرب، ونحن نتحدّث عن النظام العربي، حسبما أنت تشعُر في الأُمم المتحدة، ومن خلال مؤتمر منظّمتكم، أنّ النظام العربي تخلّى أو يتخلّى عن حقّ العودة. وفي النهاية ما هو البديل؟ بالنسبة لك تقول أنّ الحقّ قائِم وما إلى ذلك وأنّ "إسرائيل" ستقبل في النهاية. ما الذي سيفرِض على "إسرائيل" ابتداءً من غدٍ أو بعد غد أن تقبل بأيّ فرض لحقّ العودة إذا كان النظام العربي الرسمي ذاهبٌ لفتح علاقات بلا أيّة شروط في النهاية

ماجد الزير: ثبت لدينا بما لا يدع مجالاً للشك أنّ الإرادة الفلسطينية الداخلية تفرِض ما تريد على المجموعة العربية وتفرِض ما تريد حتّى في الدخول في مساحة العدو الصهيوني حتماً

سامي كليب: كيف؟ أعطني مثالاً

سامي كليب: المثال الذي طلبته حضرتك في ما يتعلّق بتجربتنا في مركز "العودة الفلسطيني"

سامي كليب: لا ولكن أعطني مثالاً أُستاذ "ماجد"

ماجد الزير: مركز العودة الفلسطيني يُنادي بعودة اللاجئين.. أنا أريد أن أقول لحضرتك

سامي كليب: تفضّل

ماجد الزير: "مركز العودة الفلسطيني" من اسمه يُنادي جهاراً نهاراً بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم ومُدنهم التي هُجّروا منها عام 1948، شعاره واللوغو خاصته هو خارطة فلسطين الكليّة، يطلُب أن يدخُل ضمن منظومة مجتمع المُنظّمات غير الحكومية في الأُمم المتحدة. تتماسك المجموعة العربية مع هذا الطلب، تتماسك السُلطة الفلسطينية مع هذا الطلب، ندخُل في معركة دولية وأصبحنا الآن كسابقة في ما ننادي فيه وهو موضوع اللاجئين الفلسطينيين ونطرحه صباحاً ومساءً. لا نطرح قانون العودة اليهودي لأنّ هذا بالنسبة لنا مُحرّم ولم يُطرح أن يُسمح لليهودي أن يُهاجِر إلى دولة لا يعرِفها لمُجرّد أنّه عنصر يهودي. هذه المساحة على محدوديتها قياساً بحجم القضية تاريخياً وجغرافياً تُعطيك مثالاً أنّ المجموعة العربية عندما تقوم الانتفاضات في "فلسطين" سواء انتفاضة الحجارة أو انتفاضة الأقصى أو مشروع الانتفاضة الثالثة، تجد الانسجام العربي شعبياً ورسمياً معها لأنّ الإدارة فلسطينية. نحن مُشكلتنا في المعنى الأساس، اسمح لي، داخلية في كيف نأخذ حقّنا، في كيف نتعامل مع القضيّة الفلسطينية، كيف نتعامل مع قضية اللاجئين الفلسطينيين. نعم، السُلطة الفلسطينية عبر اتفاق "أوسلو" الذي لم يتوصّل إلى إفراز اتفاق، لم تأخذ بموضوع اللاجئين الفلسطينيين، رفعت الغطاء عنهم، رفعت الغطاء عن مليون و300 ألف فلسطيني في الداخل الفلسطيني وفي "فلسطين" عام 1948 والأصل أن يكونوا جزءاً من النسيج الاجتماعي والنسيج السُكاني الفلسطيني لكنهم أصبحوا خارِج نطاق التعامل معهم أصلاً والتعرُّف عليهم كجزء من اللُحمة الفلسطينية. في هذا كلّه نحتاج إذا أردنا أن نتعامل مع حقّ العودة لناحية التمسّك به، إعادة قراءة فلسطينية حقيقية في ما يتعلّق بما أسماه الأُستاذ "صقر"، "حركة العودة"، في ما يتعلّق بالتنسيق. وأنا أرى في ظلّ عدم الوِحدة المنشودة فلسطينياً، أية عناوين، حتّى لو كثُرَت، تنادي بمفردة حقّ العودة لناحية التمسّك بها ولنغذيها وندعمها، حتّى ولو لم تصل إلى حركة شاملة بلغة واحدة وبهيئة واحدة، ولكنها حتماً في الطريق الصحيح

سامي كليب: فقط لنُذكِّر ما هو حقّ العودة، وبعده مُباشرةً سنرى ماذا يقول أبناء المُخيمات عن حقّ العودة. هلّ لا يزالون يتمسكون به نعم أم لا؟ حقّ العودة جاء تحت القرار 194، عمره تقريباً اليوم 68 عاماً

— تقرّر وجوب السماح بالعودة في أقرب وقتٍ مُمكن، أي منذ 68 عاماً، للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم والعيش بسلام مع جيرانهم

— وجوب دفع تعويضات عن المُمتلكات للذين يقرّرون عدم العودة إلى ديارهم وعن كلّ مفقود أو مُصاب بضرر عندما يكون من الواجب، وفقاً لمبادئ القانون، أن يُعوّض عن ذلك الفُقدان أو الضرر على يد الحكومات أو السلطات المسؤولة. "إسرائيل" ليس فقط أنها لم تُعوِّض ولكنها تستمرّ في التهجير والقتل طبعاً والاستيطان

— اللجنة المُكلّفة تنفيذ القرار تُصدر تعليماتها إلى لجنة التوفيق بتسهيل إعادة اللاجئين وتوطينهم من جديد وإعادة تأهيلهم الاقتصادي والاجتماعي

— دفع التعويضات والمُحافظة على الاتصال الوثيق بمدير إغاثة الأُمم المتحدة للاجئين الفلسطينيين، ومن خلاله بالهيئات والوكالات المُتخصّصة المُناسِبة في منظمة الأمم المتحدة

سامي كليب: ستوّن عاماً أُستاذ "صقر" ولا زلنا نقول "سيعود هؤلاء". عاد جزء لا شكّ بقيادة الرئيس الشهيد "ياسر عرفات" ولكن في النهاية قُتِلَ الرئيس بشكلٍ صعب، هو قُتِل كبطل طبعاً، استُشهد، ولكن بشكلٍ مُذلّ أيضاً لكلّ النظام العربي. كانوا هم يقيمون قمة في "بيروت" وبعدها بفترة قليلة، أولا مُنِعَ من الظهور على شاشة القمة، وبعدها بفترة                           

صقر أبو فخر: الحصار 

سامي كليب: ثمانية وستون عاماً وحتّى الآن لم يُطبّق حقّ العودة. ما الذي يدفعنا إلى الأمل أنه سيُطبّق في الـ 68 عاماً المقبلة؟

صقر أبو فخر: صحيح. شوف، حقّ العودة، لدينا عشرات النصوص التي تؤكِّد حقّ العودة للشعب الفلسطيني لكن المسألة ليست في النصوص. أولاً، حقّ العودة هو حقٌّ أصلي من حقوق الإنسان ولا يحتاج إلى الكثير من القرارات. حقّ كلّ إنسان في مُغادرة بلده والعودة إليها

سامي كليب: صحيح

صقر أبو فخر: موجود في شرعة حقوق الإنسان، في اتفاقيات "جنيف" إلى آخره. المسألة مسألة إرادة سياسية، القوة. النصوص كثيرة، قرارات الأُمم المتحدة الداعمة لقضية "فلسطين" كثيرة جداً، مئات القرارات، لكن لا نستطيع أن نُنفِّذ قراراً واحداً. مسألة مرهونة

سامي كليب: حين كان النظام العربي لا يزال بخير إلى حدٍ مُعيّن كان النضال الفلسطيني في أوجِّه

صقر أبو فخر: في أوجِّه، بالضبط

سامي كليب: فكيف اليوم؟

صقر أبو فخر: هذه هي المُشكلة الرئيسية، أننا الآن بعد 68 سنة من النكبة الفلسطينية وصلنا، نستطيع أن نُلخِّص الأمر وكأننا وصلنا إلى عجزين. عجز الشعب الفلسطيني عن تحرير وطنه وعجز "إسرائيل" عن إطفاء شُعلة التحرّر الوطني لدى الشعب الفلسطيني

سامي كليب: صحيح، وهذه نُقطة مُهمّة

صقر أبو فخر: أنا في رأيي، الآن الشعب الفلسطيني في حال نكبة جديدة، لكن ما هو مُهِمّ أنّه "سيزيف" العصر الجديد، ما زال على أرضه، ما زال متشبثاً في أرضه. طالما الشعب الفلسطيني على أرضه في مواجهة الاحتلال فالمُستقبل يظلّ مُبشراً بالأمل

سامي كليب: صحيح، هذه نُقطة مُهمة جداً أُستاذ "صقر"، أنّه دائماً يوجد بكّائيين في وطننا العربي للأسف في أنّ "إسرائيل" تحتلّ وتقتُل وتأخُذ ولم يبقَ شيئاً من "فلسطين". ولكن في المقابل أيضاً، شُعلة النضال لا تزال قائِمة

صقر أبو فخر: موجودة، صح

سامي كليب: والكفاح لا يزال قائِماً

صقر أبو فخر: دعني أُضيف جُملة أُخرى، أنّ طبعاً حقّ العودة كحقّ مُستقِلّ وليس كحركة تحرّر وطني، كحقّ قائِم بذاته مُهددٌ الآن، لأنّ حقّ العودة للاجئين. اللاجئون الآن في "لبنان" نعرِف أحوالهم

سامي كليب: صحيح

صقر أبو فخر: وهم يُهاجرون، اللاجئون في "سوريا" أيضاً نعرِف أحوالهم وهم يُهاجرون، والآن لو فُتِحت الطريق أمام اللاجئين في "سوريا" و"لبنان" خلال ثلاث أو أربع

سامي كليب: سيُهاجرون جميعاً

صقر أبو فخر: لن يبقى أحد

سامي كليب: صحيح

صقر أبو فخر: وبالتالي، أصبح الشتات يتوسّع

سامي كليب: كم نِسبة الهِجرة تقريباً من المخيّمات في "لبنان" تقريباً؟

صقر أبو فخر: أستطيع أن أقول لك العدد. في رأيي لا يزيد على 240 ألف فلسطيني في "لبنان" من بين 500 ألف، وأقلّ قليلاً من 500 ألف، من المُسجلين رسمياً في وكالة الغوث أو لدى الأمن العام، بمعنى 490 ألفاً. لكن الموجود فعلياً على الأرض اللبنانية

سامي كليب: لا، أنا أتحدث عن الذين هاجروا، قلائل وليسوا كثيرين

صقر أبو فخر: بسبب وجود صعوبات على هجرة اللاجئ الفلسطيني. يذهبون تهريباً إلى "تركيا" وأنت تعلم

سامي كليب: صحيح

صقر أبو فخر: النسبة، لا أظنّ أكثر من 30 أو 40 ألفاً

سامي كليب: لكن الآن، الكارِثة الجديدة في المُخيّمات أيضاً هي النزوح من "سوريا" إلى مُخيّمات "لبنان"

صقر أبو فخر: ومن هنا إلى الخارِج

سامي كليب: رغم أن مخيّمات "لبنان" تعرِف الوضع المأساوي الذي تعيش فيه على المستوى الإنساني والحياتي الاجتماعي والصحي

صقر أبو فخر: وإلى "الأُردن" أيضاً وإلى "تركيا". في "لبنان" وصلوا إلى 70 ألفاً والآن انحدروا إلى 45 ألفاً، عدد الفلسطينيين اللاجئين السوريين إلى "لبنان"، لكنّهم ذهبوا في اتجاهات مُتعدّدة منذ بداية الأحداث. هذا الاتساع في الشتات الفلسطيني، من "التشيلي" إلى "طوكيو"، في رأيي يُفعِّل حركة العودة في "أوروبا"، في المنافي الجديدة. لكنّه قد لا ينعكِس إيجاباً على حركة التحرر الوطني الفلسطيني، بمعنى أنه ربما يتحوّل الفلسطينيون بالتدريج إلى ما يُشبه الجالية الأرمنية، مع احترامي الكبير للشعب الأرمني وتاريخه ومواقفه. بمعنى، أنّه والله تحدث مُناسبات ونتزوّج من بعضنا البعض ونقيم الحفلات مع بعضنا البعض ونلبس الثوب الفلسطيني ونطبخ "المسخن" ونعود إلى منازلنا وقد أرضينا ضميرنا، الحاجة هي إلى الشعور بالهوية والانتماء إلى جماعة، لكنّ كلّ هذا، على إيجابياته لا يصُبّ في مجرى نضالي فلسطيني واحِد ما دام ما عاد هناك بيتٌ واحِد. منظمة التحرير الآن، مع أنها الممثّل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، لكن عملياً لا تُمثِّل جميع الفلسطينيين. "حماس" و"الجهاد" خارِج منظمة التحرير على سبيل المثال

سامي كليب: على كلّ حال كما تتفضّل وتفضّل الأُستاذ "ماجِد"، أيضاً توجد مسؤولية كبيرة على السُلطة الفلسطينية خصوصاً أنّه، كما يقول أُستاذ "ماجد" هي رفعت الغطاء عملياً في مرحلة مُعيّنة عن أكثر من مليون وثمانمائة ألف فلسطيني. بعد الفاصل أعزّائي المُشاهدين سوف نُشاهِد ماذا يقول أبناء المُخيمات، سوف نُشاهِد أيضاً كيف يتحرّك الشارِع العربي، لا يزال قلبه ينبض على قلب "فلسطين" على عكس كلّ ما يُقال. سنُشاهد ما يحصل في "تونس" و "الجزائِر" وما إلى ذلك. إبقوا معنا إن شئتم لو سمحتم

المحور الثاني:             

سامي كليب: أهلاً بكم مجدداً أعزّائي المُشاهدين لمواصلة هذه الحلقة من "لعبة الأُمم “عبر قناة "الميادين" نتحدّث فيها عن حقّ العودة، هل انتهى وسط هذه الحرائِق العربية؟ هلّ هو في طريقه إلى الانتهاء أم لا يزال قائِماً وسيعود كلّ فلسطيني، عاجلاً أم آجلاً، حتّى ولو بعد سنوات إلى أرضه؟ نستمع الآن أو نُشاهِد بشكلٍ سريع قبل أن أعود وأُرحِّب بضيوفي إلى ما يقوله بعض أهالي المُخيّمات، مخيّمات اللاجئين الفلسطينيين في "لبنان" عن حقّ العودة

رأي رجل 1 - رام الله: حقّ العودة يعني لي القضية المفصلية للقضية الفلسطينية وللصراع الفلسطيني مع الاحتلال الصهيوني                                                                                                    رأي رجل 2 - رام الله: نحن في المخيّمات صحيح أننا نعيش، والحمد لله ربّ العالمين، بصورة مستورة، لكن المرء يرغب في أن يكون في بلده

رأي رجل 3 - رام الله: لا يجوز التنازل عن حقّ العودة ولا تلاعُب فيه ولا تنازل. هناك أناس هم أنفسهم ما عادوا مناضلين وما عادوا وطنيين وما عادوا يطرحون قضيّة الوطن ككلّ

رأي رجل 4 - رام الله: لن يتحقّق أيّ سلام وأيّ مشروع من دون أن يعود الفلسطينيون إلى ديارهم التي هُجّروا منها

رأي رجل 1 - غزّة: لو لم يرجع جيلي أنا فسيعود أولادنا

رأي شاب 1 - غزّة: هذا الحق نحن لا ننساه، إنّ، ثمّ إنّ، ثم إنّ للفلسطينيين حق العودة إلى بلادنا وسنرجع إن شاء الله

رأي رجل 2 - غزّة: والله لو بنوا مهما بنوه، لو أكثروا وكبّروا في مستوطناتهم ولو علوا علواًّ كبيراً سنرجع

رأي امرأة 1 - غزّة: مهما قامت به "إسرائيل" فهي التي تنهزِم

رأي شاب 2 - غزّة: من اللازم أن نرجع لأراضينا والمفاتيح موجودة عندنا

رأي رجل 3 - غزّة: أولاً الأرض موجودة ولسنا مفرِّطين بها ونقول لأولادنا ولأولاد أولادنا أنّ هذه الأرض لا بدّ في يوم من الأيام أن نعود إليها

رأي شابة 1 - دمشق: هو حق يشابه حقي في منزل، فمن اللازم أن يكون لي أنا حق العودة إلى بيتي وألاّ أبقى أحمل صفة لاجئ

رأي رجل 1 - دمشق: دائِماً نُسمّي أسماء أولادنا بأسماء المُدن الفلسطينية

رأي رجل 2 - دمشق: لا يُمكن المُساومة على هذا الحقّ لأنه يُعتَبر إرثاً من جيل الآباء إلى جيل الأبناء إلى الأحفاد

رأي رجل 3 - دمشق: إذا كان لي وطن فمن حقّي أن أعود إلى هذا الوطن

رأي شاب 1 - دمشق: الهدف الأساسي الذي يحرّكني ويُسيِّر كلّ أهدافي وطموحاتي هو حقّ العودة. حقّ العودة لأنني منذ صغري أحلم في أن أرى أو أن أشمّ رائحة تراب بلدي

رأي شاب 1 - بيروت: لا بدّ وأن نعود إلى "فلسطين" في يوم من الأيام. "فلسطين" كلّها لنا من النهر إلى البحر         

رأي رجل 1 - بيروت: حقّ العودة أن أعود إلى بلادي، إلى أرضي وأن يعودوا أولادي إلى أرضهم وبلادهم

رأي رجل 2 - بيروت: حقّ العودة لا أحد يتحدّث به، رحل. الذين في الداخل هم في الداخل والذين في الخارج هم في الخارِج

رأي رجل 3 - بيروت: في "أوسلو" غبنونا وقهرونا، لم يتفقوا على وجوب إعادتنا وبأن تكون هذه العودة هي حقّ عودة الذي هو أهمّ بند

رأي طفل مراهق 1 - بيروت: حقّ العودة هو أن أرجع إلى وطني

سامي كليب: فعلاً أعزّائي المُشاهدين ليست شعارات. الكبير والصغير والطفل والشيخ والامرأة والفتاة كلّهم لا يزالون متمسّكين بحقّ العودة بعد أكثر من 68 عاماً على اللجوء والتهجير. أعود وأُرحِّب بضيوفي" صقر أبو فخر" الكاتب والباحث في الشؤون الفلسطينية. من "لندن"، "ماجد الزير" رئيس "مركز العودة الفلسطيني" في "لندن"، السؤال. هلّ فاوض الفلسطينيون جيداً بالنسبة لحقّ العودة أم هُم أيضاً يميّعوه في المفاوضات مع الإسرائيليين؟ أحد الذين كانوا في المُفاوضات يشرح لنا الأمر. لعلّكم تذكرون اسماً ضجّ كثيراً في الإعلام في مرحلةٍ مُعيّنة وهو "زياد كلو". ربما تذكرون اسمه كثيراً حين تمّ تسريب وثائِق سريّة عن المُفاوضات، وهو نشَرَ كتاباً بالفرنسية بعنوانه المترجَم " لن تكون دولة فلسطينية". و"زياد كلو" ربّما الاسم غريب عليكم، والده فرنسيّ من منطقة "النورماندي" وأُمّه فلسطينية. أهلاً وسهلاً بك سيِّد "زياد كلو"

زياد كلو: شكراً على استضافتي

سامي كليب: طبعاً أنا شغلني في البداية اسم الكتاب " لن يكون هناك دولة فلسطينية"، قرأته بمُتعة كبيرة منذ رحلتك الأولى من "فرنسا" إلى "فلسطين" المُحتلّة أو إلى مطار "بن غوريون"، وكم تعذّبت وكم فُتِّشت وأعادوك في المرة الأولى إلى المنزل لكنّك أصرّيت وعدت مراراً لكي تذهب إلى "فلسطين". رغم كلّ ذلك تقول لن تكون هناك دولة فلسطينية

زياد كلو: في الواقع، من خلال هذا العنوان أردتُ أن أقول أنَّه بالنسبة إلى المفاوضات ومواضيعها التي كانت سائِدة على مرّ عشرين عاماً قد انتهت وما عادت قائِمة، وجرى تطوير مجموعة مُختلِفة من القوانين والقواعِد التي سمحت للإسرائيليين بمواصلة أعمالهم الاستيطانية وسلب الفلسطينيين أراضيهم وقوانينهم وحقوقهم. واليوم وصلنا إلى حالّ حيث ما من مُفاوضات، وعندما ننظُر إلى الخارِطة، خارِطة "إسرائيل" و"فلسطين"، نتيقّن أنّه بطريقةٍ ما "إسرائيل" تُسيطر على كلّ الأراضي الفلسطينية التاريخية. كلّها باتت مشمولة اليوم في ما يُعرَف بدولة "إسرائيل"، حتّى بالنسبة إلى قطاع "غزّة" حيثُ الجوّ والأرض يخضعان إلى سيطرة كاملة إسرائيلية. وبالتالي، لا بدّ وأن نأخذ كلّ ذلك في الاعتبار. لذلك لا بدّ وأن نتيقّن كلّ هذه الأمور وأن نبدأ ونهُبّ إلى مُساعدة الفلسطينيين لاستعادة بعضٍ من حقوقهم واستعادة هذا الشق الأساسي من حريّتهم

سامي كليب: سيّد "زياد كلو" لو سمحت لي، حضرتك كنت مشاركاً في المُفاوضات وكنت مستشاراً قانونياً وسياسياً في المُفاوضات وتحديداً كُلِّفت بموضوع حقّ العودة وكنت إلى جانب كبار المُفاوضين مثل السيّد "صائِب عريقات" وغيره. السؤال الفعلي، وأريد أن تروي لنا وأن تعطينا بعض الوقائِع، هلّ فعلاً الفلسطيني كان يتخلّى في المُفاوضات عن حقّ العودة خلال المُفاوضات؟ أريد منك بعض المعلومات وليس رأياً فقط لو سمحت

زياد كلو: بدايةً، يوجد عنصر أساسي لا بد أن نأخذه في الاعتبار. اليوم في "رام الله" يوجد شخصٌ يتقبّل أن يتحمّل مسؤولية هذه المُفاوضات، لماذا؟ لأنه بكلّ بساطة، الجميع يعرِف أنّه لو توصلنا إلى اتفاقٍ على أساس حلّ الدولتين لكان الجانب الفلسطيني سيدفع الثمن الأغلى. وفي العام 2008، عندما ذهبتُ إلى "رام الله" كمُستشارٍ قانوني لـ "منظمة التحرير الفلسطينية"، أنا و "صائِب عريقات" كنّا مسؤولين عن التفاوض على حقّ العودة، وأنا كان لديّ خبرة محدودة بالنسبة إلى "فلسطين" وكُنتُ شاباً في مجال القانون. ولكن جرى تعييني لأنّ أحداً في "منظّمة التحرير الفلسطينية" لم يرغب أن يتحمّل هذه المسؤولية، والجميع يعرِف أنّ أحداً في هذه المُنظّمة لا يُمكنه أن يُرافِعَ للاحتفاظ بهذه الحقوق. وخلال هذه المفاوضات عام 2008 وكلّ المُحاولات اللاحقة لإطلاق قافلة ما تبقّى مما يُعرَف بـ "مسار السلام"، كانت المحاولات تندرج في سياق رُزمةٍ واحدة حيث أنّ السلطة الفلسطينية كانت تُحاول أن تحصل على اعترافٍ بشبه دولة من خلال تقديم تنازلٍ كبير على حقوق اللاجئين والحصول على إقرارٍ من جانب "إسرائيل" ومحاولة العودة إلى تطبيق حقّ العودة، وبالطبع هذا اصطدم بالكثير من الجدران

سامي كليب: سيّد "زياد" اسمح لي أنا آسف لمقاطعتك، اعذرني.. ولكن أُريد منك واقِعة حصلت في المفاوضات، وأنت كنت شاهداً عليها تُبيِّن أنّ المُفاوِض الفلسطيني كان يتخلّى عن حقّ العودة

زياد كلو: كان في الواقع من البديهي أنه ما خلا المفاوضات التقنية خلف الأبواب الموصَدة، كان هناك الكثير من المناوشات السياسية. ولا بدّ وأنّ المُفاوضات استندت إلى موادٍ قانونية. سأضرِبُ لكم مثالاً ملموساً بالنسبة إلى المُحادثات المُتعلِّقة بالمُساهمات المالية لـ "إسرائيل" والتعويض عن الأضرار التي لحِقت بالفلسطينيين. الإسرائيليون كانوا مستعدّين، أقلّه بطريقةٍ مكتوبة في النصّ، بتقسيم هذه المُساهمات المالية لتوفير هذا التعويض المالي، لكنهم لم يُحددوا يوماً حجم هذه المُساهمات المالية على الرغم من الإصرار على ذلك. وبطريقةٍ طبيعية نرى أنّ النصّ الذي جرى التوقيع عليه كان مُختلِفاً في نهاية المطاف، والجهود الإسرائيلية كانت تقضي بإرجاء هذه المسألة لكي يتمّ التعاطي معها على مُستوى آليةٍ دولية تحكمها الولايات المُتّحدة الأميركية التي تثق بها "إسرائيل" وتدعم المواقف الإسرائيلية بشكلٍ كبير. ومرّةً جديدة، النص النهائي الذي جرى التوقيع عليه كان مُفرّغاً من معناه، وتمّ إيلاء هذه القضية، كقضايا أُخرى إلى هيئاتٍ دولية وحتّى إلى جهةٍ مانِحة خاصّة قد تكون مُستعِدّة لتمويل عملية التعويض هذه. وبالتالي، كلّ لعبة الإسرائيلي كانت تقضي بالتوافق على نصٍّ من الصعب جداً تطبيقه وأن يكون مُفرّغاً من معناه ويسمح لـ "إسرائيل" بالتخلّص من المسؤولية التاريخية حيال الفلسطينيين.

سامي كليب: أُستاذ "صقر" عندك تعليق؟

صقر أبو فخر: تعليق بسيط للحقيقة. منظّمة التحرير تمسّكت دائِماً بفكرة حقّ العودة حتّى في مفاوضات "كامب ديفيد" الأخيرة التي كانت كابوساً على "أبو عمّار" سنة 2000 ويقولون إنها كانت أصعب من حرب الـ 82. أمضيت أُسبوعين أصعب بكثير من اجتياح عام 1982 وحصار "بيروت". ولا عربي اتصل به ولا رئيس عربي شدّ من أزره في "كامب ديفيد"، وتماماً في حصاره لم يتّصل به أحد إلاّ القلائِل ولا في مرضه الأخير

سامي كليب: تماماً

صقر أبو فخر: الفِكرة الأساسية

سامي كليب: حتّى في "مدريد"، أوّل مؤتمر للحوار، ألم يتركوا الفلسطينيين وحدهم في الفندق؟

صقر أبو فخر: بالضبط. هنا يوجد تخلٍّ عربي عام

سامي كليب: طبعاً

صقر أبو فخر: في أيّة حال، أنا الذي أعرِفه أنّ منظّمة التحرير في خطابها تنازلت قليلاً عن فِكرة حقّ العودة. في الأساس

سامي كليب: كيف؟ مثلاً، مثلاً

صقر أبو فخر: صار يُحكى عن إيجاد حلّ عادل لمُشكلة اللاجئين. سابقاً كان حقّ العودة للاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم الأصلية، هذه هي الصيغة. لاحقاً عبر التفاوض بعد "كامب ديفيد" تحديداً بدأت تظهر صيغة أيجاد حلّ عادل لمُشكلة اللاجئين بناءً على القرارات الدولية والقرار 194 

سامي كليب: حتّى الرئيس "محمود عبّاس"، سنستمع إليه بعد قليل وماذا يقول حول هذه المسألة مثلاً، نعم

صقر أبو فخر: هذا من خلال الرفض، والحقيقة، من خلال الكواليس، بعض المفاوضين كان يقول، "نحن وقّعنا تفاهُماً مع "إسرائيل"، إعلان مبادئ، وهو "أوسلو" ونعترِف فيه بحقّ "إسرائيل" في الوجود". كيف نعترِف بـ "إسرائيل" ونُقيم سلاماً معها وسنُرسِل إليها 10 ملايين لاجئ فلسطيني؟ مُستحيل!  بالمعنى السياسي الواقعي، Real Politics فقط، من المستحيل عودة اللاجئين ضمن هذا المسار. لهذا تحتاج إلى انقلاب في موازين القوى وتحتاج إلى انتصارٍ ساحق على "إسرائيل" كي تتمكّن من إعادة اللاجئين. أمّا في التسوية، لا مجال لعودة اللاجئين فلنُفتِش عن مخرج لحلّ مُشكلة اللاجئين، والحلّ الواضح كان حلّ مُشكلة اللاجئين خارِج حدود "إسرائيل" في دولة "فلسطين"

سامي كليب: على كلّ حال سنسمع قريباً بحلٍ عادلٍ ومُتّفق عليه من قِبَل الرباعية. سنسمع قريباً بهذا الأمر. أُستاذ "ماجد زير"، هلّ لديك أيّ تعليق حول الموضوع؟ أنا أعلم أنّ حضرتكم في المركز بطبيعة الأمر لا تؤيّدون كثيراً ما تقوم به السُلطة الفلسطينية حيال حقّ العودة نظراً لميلكم السياسي طبعاً في اتجاه آخر. ولكن هلّ من وقائِع فعلية يُمكن أن نقول، أخطأت فيها السُلطة الفلسطينية في مجال حقّ العودة؟

ماجد الزير: الصراع العربي الصهيوني حول "فلسطين" قائِم على صراع حول الأرض والشعب الذي طُرِد منها. فبالتالي، أيّة فلسفة مُفاوضات تتجاوز الكتلتين المتصارعتين على الأرض تُعتبر تراجعاً عن حقّ الكتلة الفلسطينية في هذا الموضوع. عمليّة الاعتراف المُتبادَل التي قامت عليها المفاوضات، هي نقطة في غاية الأهمية ولم يحدث فيها تأكيد على حقّ العودة، هو أكبر دليل علمي سياسي ميداني وواقعي عن القفز عن حقّ العودة. في تفاهمات "أوسلو"، تأجيل الموضوع والتأكيد عليه أيضاً هو قفزٌ واضِح عن الموضوع. فالنُقطة في وجهة نظري الأهمّ التي لم تُطرَح ومغيّبة في سجلّ المُداولات والسجالات السياسية هي القانون العُنصري الذي هو أساس المُشكلة عندنا في "فلسطين"، الذي يسمح ليهودي على أساس ديني عُنصري غير موجود في العالم أن ينتقل إلى "فلسطين"، وهذا غير مطروح على الطاولة، والآن من أصل 13 مليون يهودي في العالم يوجد 7 ملايين منهم على قائمة أنهم يأتون إلى "فلسطين" حين يرغبون في ذلك ليغذّوا الصراع. فبالتالي فلسفة التعامل مع موضوع الفلسطينيين كشعب هي فلسفة تُغييب فكرة الرجوع، وسيل التصريحات غير المُتردّدة والتي لا تتّخذ معنى سياسياً، كأن تقول أنا لست معنياً بالعودة إلى "صفد"، تؤكِد على هذه المقولة بشكلٍ واضِح. وإذا أردت أن تُرضي الصهيوني في المُفاوضات عليك أن تكون متقدّماً جداً في التخلّي عن مفردة "حقّ العودة". بالتالي في هذا الموضوع، أصلاً كلّ الحِراك السياسي والدبلوماسي لإخوتنا في السُلطة لا يُعطي أيّة دلائِل حقيقية في هذا الميدان. ورفع الغطاء عن فلسطينيي الخارِج في التعامل، حتّى في ما يتعلّق بمتابعة أمور

سامي كليب: حسناً، ولكن سيّد "ماجد"، أوكي، اسمح لي بالمقاطعة

ماجد الزير: تفضّل

سامي كليب: في النهاية كان هناك خيارٌ آخر عند الفلسطينيين وحركة "حماس" والمقاومة المُسلّحة التي رفضها مراراً الرئيس الفلسطيني. في النهاية حركة "حماس" الآن، "غزّة" مُدمّرة وقادة حركة "حماس" موجودون عملياً في دول عربية ما عادت تُريد الصراع المُسلّح مع "إسرائيل" والمعابِر مُقفلة. في النهاية، الآن توجد مُفاوضات من أجل تخفيف حضور "حماس" في أيّة حكومة مُقبلة أو أيّة سُلطة مُقبلة. هنا السؤال هلّ يتحمّل الرئيس الفلسطيني "محمود عبّاس" أو السُلطة الفلسطينية المسؤولية الأولى فعلاً أمام نظام عربيّ يتخلّى عن الصراع ويرفُض المُقاومة المُسلّحة، لا بل يضع جزءاً من هذه المقاومة على لوائِح الإرهاب؟ ماذا يفعل؟

ماجد الزير: نحن لا نتحدّث عن خيار المقاومة المُسلّحة فقط في التعامل مع العدوّ الصهيوني، نحن نتحدّث عن الخيار الشامل. من بيده المسؤولية الأولى يتحمّل مسؤولية أعظم في الإسقاطات على الأرض بشكلٍ أو بآخر. أنت تتحدّث عن إمكانيات ما لا يقل عن سبعة ملايين فلسطيني منتشرين في أكثر من مئة دولة، وعملية استخدامهم هي عملية استخدام حقيقي. الثورة الفلسطينية في الحقيقة قامت في الخارِج، قامت في الشتات، فبالتالي رفعنا الغطاء عن الشتات ففقدنا عنصراً. العدوّ الصهيوني عندما تمكّن من أرضِنا استخدم إمكانات اليهود ومن يدعمهم في كافّة أنحاء العالم. أنا لا أتحدّث عن خيار الكِفاح المُسلّح فقط وعن أهميته وشرعيته في الداخل الفلسطيني، ولكن أتحدّث عما يُمكن أن يكون من أدوات دبلوماسية. اليوم نحن نتحدّث عن ذكرى قرار محكمة العدل الدولية "لاهاي" في تشييد الجدار العُنصري، هذا من الأدوات الدبلوماسية. كيف استخدمناه خلال 12 سنة الماضية في المحافل الدولية؟ عندنا من الأدوات سيّدي السياسية والميدانية والقانونية والدبلوماسية والثقافية وحتّى الاجتماعية في ما يتعلّق بالمُجتمع الفلسطيني ما يُمكن أن يقلب الطاولة على العدو الصهيوني بحقّ في هذا المجال. نحن نتحدّث عن أكبر إنجاز يُمكن أن يُحسب للشعب الفلسطيني. بعد سبعة عقود من الصراع القضية ما زالت حية وقائِمة. ما رصده تقريركم المُصوَّر عن اللاجئين في المُخيّمات لا يتحدّث عن حال إحباط بل يتحدث عن حال معنويات عالية في هذا الشتات. نحن عندنا عدوّ مغرور استعلائي وهو أحد الضمانات الحقيقية لبقاء قضيّتنا حيّة فهو الذي يُذكِّر الفلسطيني صباحَ مساء في كلّ العالم أنّ هناك "فلسطين" وفي أنك فلسطيني ولا تستطيع أن تتخلّى عنها. "المُسخّن" والأهازيج والحفلات هي حجرٌ متقدِّم. العدوّ الصهيوني صنّف مَن يقوم بهذه الحفلات في أنه إرهابي حسب القانون الإسرائيلي. فالصهيوني يعرِف حقاً .

سامي كليب: بالضبط، هذه هي الكارثة يا أُستاذ "ماجِد". نعم هذه هي الكارثة. نحن نتحدّث عن قلب الطاولة كما تتفضّل على "إسرائيل" وما إلى ذلك ولم يبق الكثير من "فلسطين" في الواقع. هي التي تقلُب الطاولة على الجميع باستثناء هؤلاء الشباب الذين لا يزالون مشغولين ومسكونين بفكر طبعاً المقاومة بكلّ أشكالها. على كلّ حال كنت أشرت إلى مسألة العودة إلى "صفد"، وأعتقد أنّك تُذكِّر بما قاله الرئيس الفلسطيني "محمود عباس" في لقاء بالقرب من "لاهاي" مع أعضاء من "مركز المعلومات والتوثيق" حول "إسرائيل"، وهي مُنظّمة يهودية هولندية مؤيِّدة لـ "إسرائيل" وتعمل على رصد مُعاداة السامية، قال: "انا لا أطلُب بحق العودة لستة ملايين فلسطيني بل أُريد حلاً لهم"، وهو نفسه قال للتلفزة الإسرائيلية أنه لا يريد الإقامة في بلدته "صفد". نستمع إليه

محمود عبّاس – الرئيس الفلسطيني: أريد أن أرى "صفد"، من حقّي أن أراها ولكن ليس أن أعيش هناك. "فلسطين" بالنسبة لي هي حدود عام 1967 وعاصمتها "القدس" الشرقية، هي هكذا الآن وإلى الأبد. طالما بقيتُ في منصبي هذا لن تكون هناك انتفاضةٌ مُسلّحة ثالثة أبداً

سامي كليب: أُستاذ "زياد كلو"، أعود إليك مُجدداً، طبعاً إلى الكثير من الوثائِق التي سرّبتها قبل سنوات وعُرِضت على بعض التلفزات وخصوصاً على قناة "الجزيرة" وطبعاً كان هناك رأيان، رأيٌ يقول: "حسناً فعلت أنّك فضحت ما حصل ورأيٌ آخر يقول أنّك سرقت وثائِق من مكان كنت تعمل به في مكتب بغضّ النظر عن كلّ هذه التوصيفات، ولكن ما هي خطورة ما حصل آنذاك في المُفاوضات؟ لأنّني في الواقع أتحدّث إليك ولم أفهم بالضبط بعد ما كانت خطورة التنازل الفِعلي الفلسطيني؟

زياد كلو: في الواقع أعتقد أنّ هذه المسألة التي دفعتني إلى نشر هذا الكتاب لكي أكشف النقاب عن كلّ هذه الوثائِق التي تتعلّق بقدر تمثيل الفلسطينيين. إن كان يريد اللاجئون الفلسطينيون يوماً أن يتنازلوا عن حقّهم فهذا يعود لهم، لكن يجب أن يكونوا ممثَلين بشكلٍ جيِّد. اليوم الخطر الأكبر يتعلّق بتجزئة وتفتيت هذا الشعب وتشتته بين "غزّة" و "الأُردن" ومناطق أُخرى، ولدينا أيضاً مصير الفلسطينيين في "إسرائيل" ومصير اللاجئين في المُخيّمات وفي الشتات، ووقتها كنتُ مُستشاراً قانونياً أعملُ لصالِح مُنظّمة التحرير الفلسطينية ولم أشهد على أيّ شخص يتحمّل مسؤولية سياسية، كان الجميع يُشاركون في المُفاوضات لكن نطاق الاختصاص الرئاسي والانتخابي كان قد وصلَ إلى نهايته. هذا الوضع متواصل اليوم، وهو أمرٌ لا يُطاق وهو أمرٌ غير مقبول لا يُشكل تمثيلاً حقيقياً للشعب الفلسطيني الذي لا بدّ له اليوم من أن بُعيد النظر في تمثيله لكي يستعلِمَ بطريقةٍ أفضل عن حقوقه ويعرِف ما الذي حلّ بحقوقه اليوم وكيف كانت وقت المُفاوضات ولكي يُناقشها أو أقلّه أن يعودَ إلى مسارٍ يسمح له بان يستعيد موقع القوة حيثُ يكون الشعب الفلسطيني قادراً على إعادة التأكيد على هذه الحقوق وإنفاذها. لسوء الحظّ، اليوم نحن بعيدون تماماً عن هذا الوضع نتيجةً لهذا التشتّت الفلسطيني

سامي كليب: كأنّك أُستاذ "زياد كلو" في الوثائِق كنت أكثر جُرأة في التعبير عمّا حصل في الداخل من هذه المُقابلة الآن لأنّك لم تُخبرنا بعد ولا أيّة معلومة فعلية بأنّه كان هناك تنازُل في المفاوضات الداخلية. في الوثائِق كشفت الكثير من الخطوات التي كانت خطوات تنازلية في النهاية. هلّ نسيت ما حصل أو لا تُريد أن تقول؟

زياد كلو: لا، بالطبع لا أنسى تماماً ما الذي حصل، وكلّ هذه المعلومات باتت موجودة في الحيِّز العام. لكن يعود الحُكم لكلّ شخص ولستُ هنا لأحكُم على ما حصل لكن ما أقوله هو أنّ الشعب الفلسطيني باتت هذه المعلومات موجودة أمامه وهو يجب أن يقول كلمته. تعرفون، من السهل جداً أن أتوجّه بالانتقادات مثلاً للسُلطة الفلسطينية، لكنها في حالٍ من الاحتلال، لقد قال ضيفك الكريم ذلك. لقد شهدنا على انشقاقٍ حصل لاسيما بعد اتفاقية "أوسلو" عام 1993 حيث أنّ هناك شعباً في حالٍ من المنفى وأقله جزء من القيادة الفلسطينية التي كانت في المنفى أعادت جزءاً من "فلسطين" في "رام الله". وانطلاقاً من ذلك، الحياة اليومية الفلسطينية باتت مُختلِفة وما عادت تتمحور حول كيفية العيش والأمور الحياتية بلّ تتعلّق في المعرِفة حول مواجهة وضعٍ مُختلِف حيثُ لا سيادة حقيقة وحيثُ الحقوق باتت مبتورة والشعب يعيشُ حالة من الاحتلال

سامي كليب: على كلّ حال سأنصح القرّاء أن يشتروا كتابك لأنّ فيه معلومات أكثر بكثير من التي تقولها لنا الآن. أُستاذ "صقر أبو فخر"، "بنيامين نتنياهو" طلب من مجلِس الأمن القومي الإسرائيلي ربط حقّ العودة بتعويضات لليهود الذين هاجروا أو هُجّروا من الدول العربية. والآن هناك قضية اسمها اللاجئون اليهود العرب، و"إسرائيل" تُعِدّ لشكاوى ضدّ دُوَل عربية. وكأننا سنصل إلى مرحلة يقولون فيها، تريدون حقّ اللجوء تفضّلوا وادفعوا مليارات الدولارات لليهود الذين هُجّروا من عندكم، بالرغم، ونحن نعرِف تاريخياً أن الوكالة اليهودية العالمية هي التي ساهمت أيضاً في تهجير اليهود وذلك بتفجيرات مُعيّنة، بعروض مالية سخيّة. هناك كتاب صدر في "فرنسا" قبل سنوات اسمه "يهود الحسن الثاني"

صقر أبو فخر: في "المغرِب"

سامي كليب: في "المغرِب" وشرحت الكاتبة الفرنسية كمّ من المال دُفِعَ من أجل أن يُساهِم الملِك في ترحيل اليهود؟

صقر أبو فخر: صحيح. شوف، هي ليست مطروحة بشكلٍ جدّي كثيراً. عندما تكون هناك مُفاوضات على اللاجئين، عند الإسرائيليين ملفات ليعرضوها بأنّهم خرجوا من "العراق" ولم يأخذوا أملاكهم، من "سوريا" إلى حدٍّ ما، من "اليمن"، من "لبنان"، لهم أراضٍ موجودة في جنوب "لبنان" وفي "الجولان" وكانت قد اشترتها الوكالة اليهودية قبل عام 1947، وانتهت يعني

سامي كليب: أوكي

صقر أبو فخر: طبعاً هذا نوعٌ من وضع العراقيل أمام الملفّ الفلسطيني في قضيّة اللاجئين

سامي كليب: ولكنه قد يمضي بالأمر حتّى النهاية

صقر أبو فخر: يوماً ما أكيد، ملفاته جاهِزة. هنا، منظمة التحرير تقول ليس نحن من هجّرنا بل اليهود. إذا العرب هجّروا اليهود، لنقول الحكومة العراقية آنذاك أو أيّة جهة في "مصر" على سبيل المثال أو في "اليمن"، فليذهبوا إلى "اليمن" وإلى "مصر" وإلى "العراق"

سامي كليب: سيقول لك "نتنياهو" ليس أنا الذي هجّرت الفلسطينيين

صقر أبو فخر: لا، الفلسطينيون ثابتة باعترافات الإسرائيليين. تاريخ الحرب عندهم، "بن غوريون" ومراسلاته، الوثائق، خطّة "دال" لتهجير الفلسطينيين، عمليات الطرد من مصادِر إسرائيلية سليمة ووثائقية. الفلسطينيون هجروا أرضهم تحت المجازِر والضغط وضمن خطّة مدروسة بطرد الفلسطينيين من أرضهم

سامي كليب: هلّ في الجانب الفلسطيني إعداد قانوني للمرحلة المُقبلة لمواجهة هذه الخطوة التي قد يُقدِم عليها "نتنياهو"؟

صقر أبو فخر: بحسب علمي، في المفاوضات كما قُلنا، لم يتم التركيز كثيراً على حقّ العودة

سامي كليب: أنا لا أتحدّث عن حقّ العودة، الآن يطرح "نتنياهو" التعويض على اليهود الذين هاجروا أو هُجّروا مُقابل حقّ العودة. هلّ الجانب الرسمي الفلسطيني قد أسّس للجنة قانونية قضائية تُجيب على هذا الأمر؟

صقر أبو فخر: أظن أن ذلك موجوداً، لجنة قانونية، لكن بعدها لم تجلِس إلى الطاولة بمعنى أن ذلك لم يحصل. لكنّ الفلسطينيين لا يمتلكون في هذا الموضوع إلاّ قرارات دولية. الإرادة السياسية، القوة السياسية غير متوفِرة. لكن يمكنني أن أُذكِّر بحادثة أشبه بالنكتة مع "أبو عمار". في "كامب ديفيد" آنذاك طلب، في المُفاوضات، "بيل كلينتون" من "أبو عمار" بقوله: " عليك أن تتخلّى عن "القدس" عاصمة للدولة الفلسطينية، "القدس الشرقية" هو ما يقصد، وأن تتخلّى عن قضية اللاجئين". "أبو عمّار أجابه بسخرية، قال له: "يظهر عليك يا سيادة الرئيس أنّك لم تنم الليلة الماضية". طبعاً، انتهت الجلسة بسرعة. هنا "مادلين أولبرايت" تقول لـ " أبو عمار": ليس هكذا يتحدّثون مع رئيس الولايات المتحدة"، وتعمّد "جورج تينيت" لقاء “أبو عمار " في الرُدهة وقال له: "أُريد أن أؤمِّن لك موعداً سريعاً لتعتذر من رئيس الولايات المتحدة الأميركية على كلامك"، فقال له "عند ذلك سأدعوك أنت و "كلينتون" إلى جنازتي في فلسطين". لا يوجد رئيس فلسطيني يستطيع أن يتخلّى عن "القُدس" أو عن حقّ العودة للاجئين لأنه سيُقتَل، سيُقتل في "فلسطين". بهذا المعنى مسألة شائِكة جداً ولم تتحرّك ولو نصف متر على طاولة المُفاوضات قصّة اللاجئين الفلسطينيين.

سامي كليب: صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية كشَفت أنّ "نتنياهو" قرر أن يبحث مع الرئيس "بوتين"، وعلى ما يبدو المسار ماشي بشكلٍ جدّي، لتوقيع اتفاقية تقضي بدفع تعويضات لثلاثين ألف يهودي من أصل مئة ألف هاجروا إلى "إسرائيل" قبل عام 1992. لاحظوا أنّ "إسرائيل" كحكومة تُلاحِق حتّى آخر شخص. نحن لاحظنا في "أوروبا" كيف لاحقوا النازيين. اعتقالات وحُكم بالمؤبّد وما إلى ذلك. هلّ العرب يفعلون الشيء نفسه؟ هلّ سمِعنا من جامعة الدول العربية مُلاحقة قانونية حتّى النهاية في قضية معيّنة من هذه القضايا؟ أشُكّ في ذلك. رغم ذلك أعزّائي المُشاهدين نُلاحظ أنّ الشارِع العربي لا يزال حتّى اليوم متضامناً مع القضية الفلسطينية بغضّ النظر عن كلّ ما يقوم به النظام العربي الرسمي. مثلاً، موقع "ZoomTunisia" الإلكتروني قام لتصوير مُقابلات مع الشعب التونسي لرصد ردود فعل الناس والإجابة على سؤال، أين تقع دولة "إسرائيل"؟ نُشاهِد

رأي رجل 1: أين تقع دولة "إسرائيل؟ لم تقع دولة "إسرائيل" ولن تقع دولة "إسرائيل". وليس عندها حقّ أن تقع دولة "إسرائيل" فهي "فلسطين" المُحتلّة

رأي شابة 1: "إسرائيل" ليس عندها دولة، والعدوان الصهيوني على "فلسطين" ليس عنده دولة "إسرائيل"

رأي شاب 1: لا يوجد شيء اسمه "إسرائيل". هناك دولة "فلسطين" من رأس الناقورة إلى "أمّ الرشراش"

رأي امرأة 1: دولة "إسرائيل"؟ لا يوجد دولة اسمها "إسرائيل"

رأي رجل 2: لا توجد دولة اسمها "إسرائيل"                   

رأي رجل 3: دولة "إسرائيل" غير موجودة، هناك "فلسطين" ولا يوجد "إسرائيل". أعيب أن تسأل سؤالاً أين تقع دولة "إسرائيل"، عيب. قلّ أين تقع "فلسطين المُحتلّة وليس دولة "إسرائيل"

سامي كليب: الشارع يقول عيب أن تسأل عن دولة "إسرائيل"، سنُلاحظ أنه في مؤتمر "هرتسيليا" بعض العرب كانوا هناك. بعد الفاصل نواصل هذه الحلقة حول حقّ اللجوء، حقّ اللاجئين، حقّ العودة هلّ لا يزال قائِماً أم انتهى. إبقوا معنا إن شئتم أعزّائي المُشاهدين

 

 

المحور الثالث:

سامي كليب: أهلاً بكم مُجدداً أعزّائي المُشاهدين لمواصلة هذه الحلقة من "لُعبة الأُمم" عبر قناة "الميادين" نتحدّث فيها عن حقّ العودة. معنا "صقر أبو فخر"، كاتب وباحث في الشؤون الفلسطينية، "ماجد الزير" رئيس "مركز العودة الفلسطيني" في "بريطانيا، ومن "باريس" معنا الكاتب والمُفاوِض السابق "زياد كلو" أهلاً وسهلاً بكم جميعاً. فقط كنّا شاهدنا قبل الفاصل صُوَراغً للتونسيين وماذا يقولون وكيف يتحدّثون عن الموضوع. صُوَر مُهمّة جداً أيضاً من "الجزائِر"، كيف أنّ الجزائريين هتفوا للمُنتخب الفلسطيني الذي لعِبَ ضدّ فريق بلادهم حين ربِحَ. أي أنهم هتفوا لفريق "فلسطين" ضدّ فريق بلادهم، وهذا دليل أنه في النهاية نبض الشارِع لم يتغيّر                    

صقر أبو فخر: المرء يشعُر بالنشوة حقيقةً عندما يستمِع إلى التونسيين ويُشاهد هذه المشاهد من "الجزائِر" حول هذا الاندماج بقضيّة "فلسطين". وهذا تعبير عن الانتماء إلى أُمّة واحدة. ونتذكّر تماماً أنّه منذ زمن جاء فريق مصري ولعِبَ في "اللاذقية" والجمهور السوري ناصَرَ الفريق المصري ضدّ فريق بلده. هذا أيضاً تعبير عن هذا الاندماج. نتذكّر "جورج رمّال" على سبيل المثال، الشهيد الكبير الذي قاتل دفاعاً عن "مصر" في سنة 1956. هذه مُقدِّمة لأقول مع الأسف أنّ إخواننا في "تونس" و "الجزائِر" والمغرب العربي لديهم ثقافة رفيعة عن قضية "فلسطين" نفتقدها نحن أبناء المشرِق العربي ونحن أكثر قرباً واتصالاً واندماجاً مع قضيّة "فلسطين". لا زلنا حتّى الآن في بعض التلفزيونات اللبنانية نضع الخارطة وعليها اسم "إسرائيل". ولا مرّة استطاعوا أن يفهموا أنّ هذه اسمها "فلسطين" وليس "إسرائيل"، وكأنك تعترِف فيها. تماماً مثل الخرائِط التركية اليوم، يضع لك إقليم "هاتاي" حتّى بالعربية وهو "إسكندرون". هلّ اعترفنا خلص، وانتهى "إسكندرون" وراح إلى "تركيا" على سبيل المثال؟ إذاً سنعترِف أنّ "الجولان" راح إلى "فلسطين" لاحقاً. هذه مُلاحظة في الإعلام وفي اللفظ وفي أنّ أهل المغرِب العربي أكثر بفعل ثقافة الدقّة والاندماج والإيمان والالتزام بقضية "فلسطين" وقضايا المشرق العربي أكثر من المشارِقة.

سامي كليب: صحيح

صقر أبو فخر: هذه من ناحية. أمّا هلّ لا زالت قضية "فلسطين" هي قضيّة العرب الأولى؟ أنا في رأيي على المستوى الشعوري والوجداني والفِكري والعقلي، نعم، الشارع العربي ما زال مع قضية "فلسطين" وضدّ "إسرائيل". لكن ما عادت قضية "فلسطين" قضيّة العرب الأولى، هذه هي المُشكلة على الصعيد الرسمي، أنّ اليوم توجد مُشكلة سنّي وشيعي، "إيران" و"السعودية". إذا أصبحت المُشكلات سنّي وشيعي فتُصبِح قضية السنّي السُنّة، وقضية الشيعي الشيعة، وهكذا بقية الجماعات أو التكوينات أو الطوائِف. أمّا إذا العرب فعلاً كانوا عرباً، فلا شكّ أنّ قضية "فلسطين" هي قضيّتهم الأُولى. لكن الآن العرب مُفككون على مستوى سنّي وشيعي وإيراني وسعودي وغيره وغيره

سامي كليب: سيّد "ماجد الزير"، طبعاً بعض المخيّمات الفلسطينية دُمِّرت في خلال السنوات القليلة الماضية، بعضها الآخر دخل في حروب داخلية دخلتها جماعات جديدة وما إلى ذلك. ما هو في رأيك المطلوب عملياً مما بقي من نظام عربي من أجل الحِفاظ على حقّ العودة؟ لأنّ هذا هو الأساس. حضرتك لو أردت أن تنصح اليوم جامعة الدول العربية أو مجلِس التعاون الخليجي أو أية منظومة عربية لا تزال قائِمة، ماذا تقول لهم؟ ماذا عليهم أن يفعلوا؟

ماجد الزير: أبدأ من كيف ينظُر الكيان الصهيوني وحكومة الاحتلال إلى حقّ العودة وكيف يتعامل معه منذ سبعة عقود. وجد فيه عُنصُر قوة لصالِح الشعب الفلسطيني، ليس فقط من زاوية التعويضات التي طرحها وهي نقطة مهمة. حقّ العودة قوي في موضوع المسؤولية عن تهجير الشعب الفلسطيني. حقّ العودة قوي لبقاء صفة اللاجئ الفلسطيني المنسوبة إلى سبعة ملايين فلسطيني. حقّ العودة قوي في موضوع وجود المُخيّم، والمخيّم يعني أنه يجب أن يُفكك، والمفوضية العليا للاجئين الفلسطينيين تقول أنّ أوّل وسيلة لحلّ مُشكلة أيّ لاجئ في العالم هي العودة إلى دياره. حقّ العودة قوي لأنّه توجد ذراع أُممية بنصوصٍ دولية بحيث ينصّ إلى الآن القرار 194 على حقّ عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أراضي فلسطين عام 1948 وبين قوسين الدولة العبرية. حقّ الدولة قوي بوجود مؤسسات دولية قائِمة للآن، "الأونروا" تُعنى في هذا الموضوع. فالعدوّ الصهيوني وهذه جزء من النصيحة المطلوبة، جاء إلى كلّ نُقطة من هذه النقاط وأسّس على كلّ هجوم عليها، بمعنى كلمة مؤسسة. فطُرِح موضوع الدولة الفلسطينية لإصدار جوازات فلسطينية لإنهاء صفة اللاجئ. صار يُساوم على موضع المخيّمات وفكّها والمُسلسل الجاري في موضوع تسريب الفلسطينيين إلى أقاصي الدنيا. ثمّ وُضِعَ موضوع اللاجئين اليهود، بين قوسين، وتعويضاتهم في أنهم هُجّروا وليس الموضوع تحت الطاولة. هناك مؤتمرات ومؤتمر دولي عُقِد في "لندن" هنا لصالِح اليهود العرب وتعويضاتهم وأشرف عليه يهود عراقيون موجودون هنا من الذين أخذوا الجنسية البريطانية. هناك حلقات نقاش مدعومة أوروبياً من معاهِد دراسات أتت إلى كلّ نُقطة. فأيّ إنسان يُريد أن يدعم قضية حق العودة عليه، والحكمة ضالّة المؤمن، عليه أن يذهب إلى خطّة شاملة مؤسسة لهذا الموضوع. والنظام العربي أوجَد لنفسه وللشعب الفلسطيني حاجزاً اسمه الدفاع عن حقّ العودة والممارسات على الأرض ضدّ الفلسطينيين في المنظومة العربية للأسف الشديد تُفكِّك حقّ العودة

سامي كليب: أُستاذ "ماجد الزير"، حضرتك رئيس مركز العودة

ماجد الزير: فقط دعني أُكمل الفكرة

سامي كليب: تفضّل، تفضّل أكمِلها

ماجد الزير: الفكرة أُستاذي أنّه سواءً بحُسن نيّة أو بسوء نيّة المنظومة العربية تُساهِم في المشروع الصهيوني بفكّ حقّ العودة، أن يُستخدم العامل الفلسطيني في ما يتعلق في وسائل المعيشة، أن يُجهَّل الفلسطيني، ألاّ يُسمح له بالتنقّل. عملياً سيسعى إلى قوت يومه، إلى قوت عياله، فلا يبقى أيّ اُفق سياسي. الاشتغال في السياسة يحتاج إلى ذهن ومساحة وقت وأُفق في هذا الموضوع. فبالتالي، حشر الفلسطيني في المنظومة العربية، في زاوية الحياة اليومية هو عملياً انسجام مع الإرادة الصهيونية في ما يتعلّق سواءً بحسن نيّة أو بسوء نيّة، وثبت عملياً أنّ الفلسطيني للأسف الشديد أقولها، الذي هاجر، تفضّل

سامي كليب: أُستاذ "ماجد الزير"، لا بأس اسمح لي بالمُقاطعة. حضرتك رئيس "مركز حقّ العودة" أو "مركز العودة الفلسطيني في بريطانيا"، وأنت نفسك لا تستطيع أن تعود. كيف يُمكن أن تُقنِع الناس أنّ هذا الحقّ يوماً ما سيُنفّذ؟

ماجد الزير: في الصراعات بعيدة المدى اُستاذ "سامي" مع كلّ احترام هناك جُهدٌ تراكمي مع إرادة سياسية تدعم هذا الموضوع. الجُهد التراكمي الجمعي الفلسطيني لصالِح العودة حتماً. إذا أردتُ أن آخذ مسألة إيجابية من العالم العربي الذي فيه الآن معارِك طاحنة في الداخل الفلسطيني ووضعه لا يسُرّ صديق ويفرِح العدو، هناك مسألة اسمها دوام الحال من المُحال. كلّ الأمواج التي تتلاطم في العالم العربي تُعطي للعدوّ الصهيوني ألاّ يركن إلى واقع سياسي يتمترس على اللا قانون في سرقة الأرض. هذا المعنى التقطه اللاجئ الفلسطيني حقّ التقاط، ولكن عندما شاهدنا مئات الآلاف من الفلسطينيين، سواءً على الحدود السورية او الحدود اللبنانية الذين ذهبوا إلى الحدود الفلسطينية تُعطي أنّ الموضوع مسألة وقت. الفلسطينيون في الداخل والمُقاومة بكلّ أشكالها والنَفَس الفلسطيني الشعبي ، وبعد سبعة عقود هناك عشرات الأمثلة التي تقول أنّ حقّ العودة مسألة وقت، وأنا لا أتحدّث في مسألة طوباوية أنا أتحدّث، لو امتدّت بنا الحلقة، بمعاني سياسية علمية موضوعية تُثبِت أنّ الفلسطيني أقرب إلى العودة رغم الواقع السياسي الآني السيئ الذي أتّفق معك فيه في كلّ ما تذهب إليه وفي أن حالنا حالٌ سيئ جداً  وزاد في صعوبة المهمة الفلسطينية والصراع الفلسطيني ولكننا نحن حتماً أقرب إلى استعادة حقوقنا

سامي كليب: إذا تسنّى لنا الوقت على كلّ حال سأُعطيك بعض الكلام لكي تقول لنا بعض الأمثلة التي تودّ الحديث عنها. في مسألة حقّ العودة أُذكِّر فقط بما قاله الرئيس اللبناني السابق "إميل لحود" في ما حصل في قمة "بيروت" عام 2002. يقول:

— قبل أُسبوع من بدء القمة سلّمني وزير الخارجية السعودي الأمير "سعود الفيصل" نُسخة عن المُبادرة العربية للاطّلاع بصفتي رئيساً للقمّة. لم تكن تتضمّن أيّ بند عن حقّ العودة للاجئين الفلسطينيين. وحين سألته عن ذلك قال، هذا الموضوع لم يعُد أحد يتكلّم به وأنّ كلّ القادة العرب مؤيّدون لذلك. غريب مثل هذا الكلام.

— ويقول، عرض كلّ من أمين عام جامعة الدول العربية "عمر موسى" ووزراء خارجية السعودية و"مصر" و "الأُردن" نُسخة للمبادرة وفيها تعديل بالحبر ينُصّ بما معناه، إذا كان هناك من أمور أُخرى تُبحث في ما بعد، ومنها طبعاً القرار 194. وكان الأمير "سعود الفيصل" خلال اللقاء على تواصل مُستمِرّ مع وزير الخارجية الأميركي في حينه "كولين باول"

— يقول أيضاً الرئيس لحّود بعد رفض إدراج حقّ العودة في باب المُلاحظات أنه اضطرّت الوفود المُعارِضة له وبعد مُداولات في ما بينها أن يضعوا حقّ العودة في الفقرة الرابعة في المُبادرة أي أنها أصبحت في صُلب هذه المُبادرة

— بعد ساعات من إقرار المُبادرة العربية متضمّنةً بند حقّ العودة، قامت قوات الاحتلال الإسرائيلي باجتياح الضفّة الغربية متسببةً بمجازِر جماعية لا سيما في مُخيّم "جينين". نعلم أنها كثّفت الحصار على الرئيس "عرفات"

سامي كليب: سيّد "زياد كلو"، حضرتك جاهدت للذهاب وإلى العودة إلى أرض أمك الفلسطينية وتعرّضت للكثير في الواقع من الصعوبات، تفتيش ومُحاولات الإهانة وما إلى ذلك ولكنك ذهبت. هلّ ذهبت كما قلت في مقدّمة الكتاب في البداية بحثاً عن عمل وأن تترك عملك في "فرنسا"؟  أم ذهبتُ أيضاً بحثاً عن نصفك الآخر؟

زياد كلو: لا بالطبع، كان الأمر يتعلّق بمسعىً شخصيّ لكي أعود إلى أرض أمي وعائِلتي، والغرض من ذلك أيضاً أن أكونَ مُفيداً. أودّ كذلك أن أتقدّم بتعليقين حيال ما قيل، فأنا أشعُر بالتفاؤل نفسه كضيفك الكريم بالنسبة إلى أنّ مسألة حقّ العودة هي مسألة وقت. على عكس ما قيل، الشعوب التي تمكّنت من مواجهة الاحتلال واستعادة أرضها مثل الشعب الجزائِري غداة الاحتلال الفرنسي الذي دام 150 عاماً، وهناك رابط وثيق بين الشعب الجزائِري والشعب الفلسطيني لكن توجد أنواع من الاستعمار الذي دام ويبقى قائماً اليوم. مثلاً "أميركا" تُشكِّلُ أفضل مثال على ذلك، و"كندا" أيضاً و"أستراليا" مع كلّ ما ارتُكِبَ من مجازِر بحق الشعوب الأصلية والهنود الحُمر في هذه البُلدان، وبالتالي الأمر موجود في الاتجاهين، وبالتالي أيضاً أعتقد أنّ الفلسطينيين كشعب يبقى واقفاً على قدميه وهذا نجاحٌ في حدّ ذاته. بعض الشعوب قد مُحيت عن وجه الخارِطة وهذا ينطبق على الفلسطينيين

سامي كليب: "زياد كلو" اسمح لي بالسؤال. حين ذهبت إلى "فلسطين" وإلى أرض أُمك هلّ شعرت بأنّ نصفك فلسطيني؟ رغم أنّ كلّ حياتك تقريباً تعيش في "فرنسا" ووالدك فرنسي؟

زياد كلو: طبعاً، انا دمي فلسطيني، هذا أمرٌ طبيعي وبديهي، وأنا انتمائي قوي تماماً، وعندما تذهب إلى جانبي الخطّ الأخضر خط 67 من الجانب الإسرائيلي أو الفلسطيني في الضفة الغربية ولا تتمكّن من الذهاب إلى "غزة"، تشعُر بهذا الانتماء، حتّى من الجانبين تشعُر بالانتماء إلى هذه الأرض العربية. حتّى من الجهة الإسرائيلية هي أرضٌ عربية

سامي كليب: شكراً لك "زياد كلو" على هذه المُساهمة، ابق معنا لو سمحت، هناك دقائِق قليلة قبل ختام البرنامج. فقط أريد أن نُشاهِد بعض الصور لمؤتمر "هرتسيليا"، لمن شارك في هذا المؤتمر. نُشاهِد طبعاً أُستاذ "صقر" بعض الوجوه العربية التي كانت تتحدّث في المؤتمر. أُريد أن اُذكِّر بماهية هذا المؤتمر في الأساس لكي نفهم ما هي كارِثة الحضور العربي في مؤتمر "هرتسيليا". المؤتمر أخذ اسمه من مؤسس الحركة الصهيونية "ثيودور هرتسل"

— "هرتسيليا" هي في الأصل قرية فلسطينية نُكِبت ونُهِبت وكان اسمها فريّة سيّدنا "علي" وتقع عند الساحل الأوسط لـ "فلسطين" المُحتلّة

— أسّس المؤتمر عام 2000 "عوزي أراد"، ضابط سابِق في الموساد الإسرائيلي الذي كان مُستشاراً لـ "نتنياهو"

— يضُمّ مؤتمر "هرتسيليا" مسؤولين إسرائيليين من الحكومة والجيش والاستخبارات والموساد ورجال أعمال وأساتذة جامعات وعدداً من المُفكّرين والكُتّاب والنُخَب الأوروبية والأميركية وغيرها لمناقشة، اسمعوا جيداً كيفية حماية أمن "إسرائيل" ومُستقبلها السياسي والاقتصادي

— يحمل المؤتمر عنواناً دائِماً هو المناعة القومية للدولة والمُجتمع الإسرائيلي

سامي كليب: هؤلاء السُخفاء، عفواً على التعبير العربي، ماذا يفعلون في هكذا مؤتمر أُستاذ "صقر"؟

صقر أبو فخر: ماذا سيقول المرء. حتى مُعارضة سورية حضرت مؤتمر "هرتسيليا"، وكما قلت هي قرية سيّدنا "علي" أو الحرم كما يُقال لها في التسمية المحليّة

سامي كليب: سيّدنا "عليّ" أي الإمام "عليّ بن أبي طالب"؟

صقر أبو فخر: نعم. على اسمه كانت تسميتها ولها اسم "الحرم" وكان هناك ربما مزار معيّن. على أيّ حال، هذا المؤتمر يبحث جميع المشكلات بما فيها قضية "فلسطين"، بما فيها عرب عام 1948، بما فيها اللاجئون الفلسطينيون. من أجل ذلك يُدعى عربٌ كثيرون لحضوره. أنا شاهد مثلاً أحد أصدقائي كان يُلقي كلمة وأدرتُ وجهي

سامي كليب: سيبقى صديقك بعد هذا الموضوع؟

صقر أبو فخر: صديق قديم طبعاً، كنا سوياً في الجامعة وهنا في "بيروت". أريد أن أقول للذين ذهبوا إلى المؤتمر، إن كنتم فعلاً مصرّين على الذهاب، أوقفوا لي فقط القبلات والابتسامات مع الإسرائيليين. مع الأسف الشديد، إذا أردت أن أبحث القضية الفلسطينية أرسل في طلب باحث أو مُفكِر أو كاتب فلسطيني أو سياسي فلسطيني. ليس بالضرورة

سامي كليب: أي كلّ اللوم سيقَ ضدّ مُعارِض سوري ذهب إلى هناك بينما النظام العربي عملياً يحضر مؤتمرات أهمّ ومُصافحات أهم ولقاءات أهمّ فوق الطاولة وتحت الطاولة

صقر أبو فخر: وعلى مستوى عالٍ. طبعاً هنا السياسة العامة العربية، أنا في رأيي هناك ميل كبير الآن للتخلّص من عبء القضية الفلسطينية. وإذا كانت إسرائيل تتسلّل بالسرّ إلى قصور العرب، في الفترة الأخيرة صارت بشكلٍ مكشوف

سامي كليب: وهناك سؤال أيضاً أساسي اُستاذ "صقر" طبعاً في أنه إذا كانت القيادة الفلسطينية تُفاوِض "إسرائيل" وتذهب وتلتقي بها، فلماذا نكون ملكيين أكثر من الملِك؟ هكذا يقول الكثير من الدول العربية

صقر أبو فخر: لا، هذا مرفوض. قيادة تحت الاحتلال أو أن الشعب الفلسطيني موجود تحت الاحتلال، مُرغم من أجل حياته اليومية أن يتفاوض مع "إسرائيل" أو أن يقيم بعض العلاقات المدنية معها

سامي كليب: شكراً لك أيضاً وشكراً لـ "ماجد الزير" رئيس "مركز العودة الفلسطيني"، سُعِدنا بحضورك. شكراً لك أُستاذ "صقر أبو فخر"، شكراً لـ "زياد كلو". نختُم بأُغنية "حقّ العودة" لــ، تعرِف لمن حقّ العود أليس كذلك؟

صقر أبو فخر: طبعاً

سامي كليب: أوّل من أطلق الأغنية الكبيرة "هدّي يا بحر" على ما أعتقد، "أبو عرب" الكاتب والشاعر والمُغنّي الفلسطيني

صقر أبو فخر: الراحل               

سامي كليب: الراحل رحمه الله، وأيضاً سنستمِع إلى جزء منها مع "ميس شلش". "ميس شلش" أيضاً من المُبدعات الفلسطينيات الجديدات

(تُعرض الأُغنية)

سامي كليب: مهما حصل، يوماً ما سنُقدِم "لعبة الأُمم" من "القُدس" إن شاء الله

صقر أبو فخر: أكيد

سامي كليب: ما رأيك أُستاذ "صقر"؟

صقر أبو فخر: أنا مُتفائِل لكنها طويلة الأمد قليلاً

سامي كليب: مهما كان. إلى اللقاء أعزّائي المُشاهدين في الأُسبوع المقبل مع حلقة جديدة من "لعبة الأُمم"، شكراً لكم 

برامج أخرى