08-04-2016

جريمة إعدام الشهيد عبد الفتاح الشريف تحت المجهر والفساد يضرب رأس الهرم السياسي، وأصحاب الأرض، فلسطينيو الثماني والأربعون، في مواجهة خارطة سياحية تسعى لطمس معالم القدس الأثرية، أما أونلاين، وسمات كثيرة احتفلت بالأسرى الاربعة على مواقع التواصل الاجتماعي.

لانا مدوّر: مساء الخير وأهلاً بكم إلى "خلف الجدار".

جدل واشتباك سياسي يُحدثه توثيق إعدام الشهيد عبد الفتّاح الشريف بالتزامن مع فتح قضايا فساد تطال مسؤولين كباراً كإسحاق هرتسوغ وآريي درعي. وفي شوارع القدس لن يجد السائح الأجنبي سوى تاريخاً يهودياً والقليل من التاريخ الإسلامي والمسيحي، في سياسة ممنهجة للتهويد. هذه هي إذاً أبرز العناوين التي سترافقنا في حلقة الليلة من "خلف الجدار" والتي نبدأها ببعض الأخبار:

توجّه الرئيس الإسرائيلي رأوفين رفلن بطلب من نظيره الروسي خلال لقائهما الأخير في موسكو للتوسّط لاسترجاع جثّة الجاسوس إيلي كوهين من سورية.

وفي آخر أخبار العنصرية الإسرائيلية، كشف تقرير بثّته الإذاعة الإسرائيلية أن عدداً من المستشفيات يتّبع سياسة الفصل بين العربيات واليهوديات في أقسام الولادة على الرغم من مخالفة هذه الخطوة للقانون.

وفي موضوع مختلف، اعتبر بنيامين نتنياهو خلال استقباله الرئيس اليوناني أن لإسرائيل دوراً بالغ الأهمية في استقرار المنطقة، وأن الدول العربية تدرك أن إسرائيل ليست عدوّها بل هي حليفتها ضد إيران وداعش.

وفي خبرنا الأخير، صادق وزير الداخلية آريي درعي على إدخال 500 عامل من الأردن للعمل في الفنادق في إيلات، معتبراً أن عملهم هناك جيّد للاقتصاد الإسرائيلي وللعلاقات بين البلدين.

هذه هي إذاً الأخبار التي اخترناها لكم في بداية الحلقة. والآن نبدأ مباشرةً مع فقرة "في العمق".

 

في العمق

 

لانا مدوّر: عبد الفتّاح الشريف شهيد فلسطيني أعدمه جندي إسرائيلي تحت أعين كاميرا صوّرته. ونُشر الفيديو ما أثار زوبعة كبيرة. ارتدادات هذا الإعدام الميداني لجريح شملت كل الطبقات السياسية والجمهور. منهم مَن طالب بإطلاق سراح الجندي، بينما ذهب البعض إلى إعادة تقويم السلوكيات في الجيش الإسرائيلي. نستقبل الدكتور عباس إسماعيل المتخصّص في الشأن الإسرائيلي لنناقش هذا الموضوع وغيره أيضاً ضمن فقرة "في العمق". ولكن البداية تكون لتقرير للزميلة منال إسماعيل:

 

التقرير

 

"منفّذ الهجوم يستحق الموت". بهذه العبارات المُقتضبة عبّر الجندي الإسرائيلي عن حقده وتطرّفه قبل الإقدام على إعدام الجريح الفلسطيني عبد الفتّاح الشريف برصاصة في الرأس على مرأى ومسمع قادته ورفاقه والمستوطنين. إجرام الجندي الإسرائيلي لقي احتضاناً ودعماً واسعين من وزراء وأعضاء كنيست ومن غالبية الإسرائيليين.

"الجمهور الإسرائيلي لم تكن لديه سابقاً أية مشكلة في تصفية مخرّبين بدم بارد سواء من قِبل الشاباك أو الجيش. هناك جمهور واسع لا يهمّه إذا تم ذلك من دون محاكمة. سابقا أو اليوم، برأيي إسرائيل لم تتغيّر. ما تغيّر هو وقوف شخصيات عامة أساسية إلى جانب هذا الأمر على نحو واسع."

وفي صورة تعكس طريقة تفكير المجتمع الإسرائيلي، أظهر استطلاع للرأي تأييد 57 بالمئة من الإسرائيليين ما قام به الجندي. فيما سُجّلت عشرات الآلاف من المحادثات عبر وسائل التواصل الاجتماعي 82 بالمئة منها أيّدت إطلاق الجندي الإسرائيلي النار على المصاب الفلسطيني.

وفيما شهد العديد من المدن الإسرائيلية تظاهرات دعم وتأييد للجندي وللمطالبة بإطلاق سراحه، بعثت والدته رسالة إلى وزير الأمن موشيه يعالون ذكّرته فيها بإجرامه أيضاً بالقول: "أطلِق سراح ابني. أنت أيضاً أعدمت أبو جهاد في تونس".

تأييد الجمهور الإسرائيلي قتل الفلسطينيين بدم بارد يأتي انعكاساً للخطاب السياسي والديني التحريضي في إسرائيل ضد الفلسطينيين الذي يراوح بين دعم القتل والدعوات إلى طرد العرب من إسرائيل ونفيهم إلى السعودية.

"يجب أن تتوضّح الأمور بصورة مبدئية في المحكمة. لكن على أية حال، تُفضَّل رؤية مخرّبين ميتين على رؤية جنود ميتين".

"وفقاً للشريعة يُمنع على غير اليهود السكن في إسرائيل. يجب أن نرسلهم إلى السعودية. وإذا كان فرض القانون والسلطة في أيدينا فهذا ما ينبغي فعله".

السجال الذي أثارته عملية الإعدام في إسرائيل تجاوز البعد الأخلاقي والمسلكي للجنود الإسرائيليين ومدى التزامهم بأوامر فتح النار، ولامس مسائل تتعلّق بهوية الجيش الإسرائيلي ومستوى تأثير القيادات السياسية والدينية على انضباط جنوده وتحوّله إلى موضوع خلاف بين الإسرائيليين بعد أن كان موضع إجماعهم.

 

لانا مدوّر: دكتور عباس شاهدنا ملخّصاً عن القصة مع زميلتنا منال إسماعيل. ولكن إلى أي مدى فعلاً هذا الموضوع يأخذ حيّزاً كبيراً في الجدل داخل إسرائيل؟ إلى أي مدى فعلاً هناك اهتمام حقيقي أكان على المستوى السياسي أو حتى الشعبي أو الإعلامي بهذه المشاهد التي نُشرت؟

عباس إسماعيل: منذ أسبوعين تقريباً والنقاش في إسرائيل لم يهدأ على خلفية جريمة الإعدام التي نفّذها الجندي الإسرائيلي بحق الشهيد عبد الفتاح الشريف. وإذا كان النقاش والسِجال الذي أثير في الساعات الأولى لعرض صور جريمة الإعدام كانت له علاقة من حيث الشكل في الأيام التي تلت والتي لا تزال حتى الآن، النقاش انتقل إلى مرحلة أخرى لا علاقة لها مباشرة بعملية الإعدام بقدر ما لها علاقة بتداعيات ما حصل على إسرائيل، على المجتمع الإسرائيلي، وما تعكسه أيضاً من طبيعة في المجتمع الإسرائيلي، في علاقته مع الجيش الإسرائيلي، في طبيعة الأوامر داخل الجيش الإسرائيلي، في السجال السياسي الذي حصل على خلفية الإعدام، في انصياع القادة السياسيين لرغبات الرأي العام الإسرائيلي لكي يعطوا آراء متطرّفة أكثر، أيضاً في ميول الرأي العام الإسرائيلي في تبرير واعتبار جريمة واضحة موصوفة بكل المعايير باعتبارها أمراً مشروعاً ويحقّ للجندي الإسرائيلي أن ينفّذها. في البداية كان لافتاً أن الجندي الذي أعدم الشهيد الذي كان جريحاً أعلن قبل إعدامه أنه ينوي قتله. ومع ذلك كل الذين كانوا حاضرين من ضبّاط وجنود وأيضاً من فِرَق طبّيّة...

لانا مدوّر: لم يمنعوه.

عباس إسماعيل: لم يحرّك أحد ساكناً لا قبل إطلاق النار ولا بعد إطلاق النار. وبالتالي، هذه كانت مفارقة كبيرة جداً. في ما بعد عندما عُرضت الصور كان هناك نوع من الإرباك والإحراج لقيادة الجيش الإسرائيلي لأنه معروف أن الجيش الإسرائيلي يحاول دائماً أن يقدّم نفسه باعتباره جيشاً أخلاقياً، ويولي أهمية كبيرة جداً لصورته أمام الخارج من جهة، كما يولي أيضاً أهمية كبيرة لكل ما له علاقة بالانضباط المسلكي داخل الجيش الإسرائيلي. هاتان المسألتان، الجمهور الإسرائيلي لا يقرأ في الكتاب نفسه الذي يقرأه الجيش الإسرائيلي. لا أحد يصدّق أن الجيش الإسرائيلي، قيادة الجيش الإسرائيلي كانت قلقة فعلاً من أن هناك عملية إعدام حصلت لأنه معروف، وكما نُشر في إسرائيل أن تاريخ الجيش الإسرائيلي قائم على الإجرام منذ عام 1948 حتى الآن. ونُشر حتى في إسرائيل الكثير من التقارير التي تحدّثت عن مجازر، عن اغتصابات، عن إعدامات. حتى في ظل الانتفاضة الحالية، معظم الشهداء الفلسطينيين الذين سقطوا أُعدموا بدم بارد. وهناك الكثير من الأفلام التي وثّقت هذا الأمر. وبالتالي، كانت هناك فجوة بين كيفية نظرة الجيش الإسرائيلي وكيفية نظرة الجمهور الإسرائيلي، الجمهور الإسرائيلي الذي بالمناسبة منه يتشكّل الجيش الإسرائيلي. في إسرائيل يقولون: الجيش الإسرائيلي جيش الشعب. هذا هو الشعب. 82 بالمئة من عشرات الآلاف الذين دخلوا وتعاطوا مع الأمر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، 82 بالمئة منهم كانوا يؤيّدون ما قام به الجندي ويرفضون المحاكمة أو السجن. وهذا أيضاً ما دفع السياسيين إلى أن يسيروا في هذا الركب. وهنا ربما النقاش الذي أيضاً تولّد أنه هل يجوز أن يتحوّل الجيش الإسرائيلي إلى عصابة؟ وكما حذّر موشيه يعالون؟ الذين دقّوا ناقوس الخطر في إسرائيل من تداعيات هذا الأمر يتجاوزون موضوع عملية الإعدام الموضعي. إنما يخشون من أن الجيش الإسرائيلي إذا فقد السيطرة على جنوده، إذا فقد الجنود الخضوع لأوامر القيادة، لا يعود هناك جيش. تصبح إسرائيل أمام عصابة. وهذا ما قاله موشيه يعالون صراحةً. وهذا الأمر  سينعكس بطبيعة الحال على المجتمع الإسرائيلي. إذاً في إسرائيل كان النقاش بشكل رئيسي أمام قضية بالغة الخطورة، ليس بسبب أن جنديّاً أعدم جريحاً فلسطينياً، إنما بسبب كون المجتمع الإسرائيلي ظهر أنه في مكان والجيش الإسرائيلي في مكان.

لانا مدوّر: هذه سابقة؟

عباس إسماعيل: هذه من الحالات النادرة. نحن نشهد في الفترة الأخيرة في إسرائيل... في إسرائيل هناك مصطلح يُستخدَم دائماً: البقرة المقدّسة أو البقرات المقدّسة. وبالتالي الجيش كان يُعتبر بقرة مقدّسة بمعنى أنه لا أحد يقترب من الجيش الإسرائيلي بالنقد أو المسّ. صحيح أنه في السنوات الأخيرة باب الانتقاد خصوصاً في وسائل الإعلام للجيش الإسرائيلي كان أوسع. ولكن ربما هذه هي المرة الأولى التي يبدو فيها أن الجيش الإسرائيلي بقيادته يغرّد في مكان والرأي العام الإسرائيلي في مكان آخر مختلف كلّيّا.

لانا مدوّر: على الرغم من أن الجندي قد اعتُقل.

عباس إسماعيل: هذا أضعف الإيمان. الجندي في البداية اعتُقل، ولاحقاً تم وضعه في منشأة مفتوحة. فقط يُمنع عليه الخروج.
ثم أن التهمة الموجّهة إليه بدأ السعي لكي تخفَّف لأنه أمام الانتقاد والحملة الكبيرة التي جرت في إسرائيل، الجيش الإسرائيلي اضطرّ إلى التراجع. السياسيون ركبوا الموجة. وبالتالي، ظهر في إسرائيل أن هناك مشكلة حقيقية بين ما يصبو إليه الجيش الإسرائيلي لجهة أنه يريد أن يحافظ على الانضباط بالأوامر داخل الجيش وبأوامر إطلاق النار والحفاظ على صورته تجاه الخارج، بينما الرأي العام الإسرائيلي لا ينظر إلى هاتين المسألتين. ما يهمّه كان غريزة الانتقام عندما نرى أن غالبية الإسرائيليين يؤيّدون هذه الجريمة

بدم بارد فهذا يدلّ فعلاً على أنه معيار حقيقي لقراءة المجتمع الإسرائيلي أين أصبح الآن.

لانا مدوّر: هناك معيار آخر لقراءة المجتمع الإسرائيلي هو معيار الفساد داخل المجتمع خصوصاً وأنه يطال من جديد رؤوس مسؤولين إسرائيليين كباراً. هذه المرة وصل الاتهام إلى قائد المعارضة والمعسكر الصهيوني ورئيس حزب العمل إسحاق هرتسوغ. ومن جديد عادت قضايا الفساد إلى آريي درعي، رئيس حزب شاس، المشارك في الحكومة الإسرائيلية.
نشاهد تقريراً عن هذه الاتهامات ونعود لنناقش:

 

تقرير بالعبرية

 

لانا مدوّر: يصعب التصديق أن هرتسوغ متّهم بالفساد؟ أو لا أحد فوق رأسه خيمة في إسرائيل؟

عباس إسماعيل: بناءً على التجارب السابقة في إسرائيل لا يصعب أبدا. بالعكس، هذه المسألة باتت طبيعية في إسرائيل، خصوصا أنه كان سابقا متّهما أيضا بقضايا العلاقة بتمويل الحملة الانتخابية أيام إيهود باراك. وبالتالي، هذا الأمر ليس مستبعداً أبداً لا بالنسبة لـهرتسوغ ولا بالنسبة لـشاس ولا بالنسبة لغيرهم. وتذكرين جيداً أن تاريخ الشخصيات في إسرائيل التي ثبت أنها فاسدة وأنها تتلقى رشوة أو تقوم بتحرّشات جنسية أو تتلقى أموالاً أو تخون الأمانة، هذا سجلّ طويل. ولا ننسى أنه الآن في السجن يقبع رئيس دولة سابق هو موشيه كاتساف ورئيس حكومة سابق هو إيهود أولمرت. وبالتالي، هذا الأمر ليس مستغرباً في إسرائيل.

لانا مدوّر: ما مشكلة هرتسوغ الآن؟

عباس إسماعيل: مشكلة هرتسوغ الآن، طبعاً هناك المشكلة الجنائية أولا المتمثّلة في التحقيق الذي فُتح بحقّه بتجنيد أموال خلافاً للقانون عندما خاض انتخابات ضد غريمته شيلي يحيموفيتش. ولكن مشكلته الحقيقية هي أن هذا التحقيق والآن الفحص والذي قد يتحول إلى تحقيق قد يطيح بمستقبله السياسي. هذا أولاً. وبالتالي، على المستوى الشخصي هرتسوغ قد ينتهي سياسياً. وحتى لو خرج من هذه الأزمة من دون اتهامات فلن يخرج من دون .... المشكلة الثانية هي المشكلة التي ستنعكس على حزبه أيضاً، حزب العمل الذي في الأشهر الأخيرة تتراجع أسهمه.

لانا مدوّر: لصالح مَن سيكون تراجع إسحاق هرتسوغ داخل الحزب؟

عباس إسماعيل: هناك مَن يستفيد داخل الحزب وهناك مَن يستفيد خارج الحزب. داخل الحزب سوف يستفيد كل المنافسين الذين سيترشّحون ربما في شهر أيار المقبل لانتخابات رئاسة الحزب، وأهمهم ربما تكون شيلي يحيموفيتش، وإن كان هرتسوغ ألمح وبعض المقرّبين منه إلى أن مَن سرّب أو حاك هذا الاتهام هو عضو كنيست من داخل حزب العمل أيضاً لحسابات شخصية. إيتان كابل المقرّب جداً من هرتسوغ أعلن أنه قد يترشّح بعد هرتسوغ. ولكن هذا الصراع يبقى داخل البيت. الصراع خارج البيت هو أن الرابح الأكبر قد يكون حزب هناك مستقبل الذي يجرف الأصوات من حزب العمل. وبالتالي هو الذي قد يكسب من هذا الأمر.

لانا مدوّر: سيكون التحالف أو المعسكر الصهيوني مع تسيبي ليفني أيضاً في مهبّ الريح.

عباس إسماعيل: بطبيعة الحال. لا ننسى أيضاً أن التهمة الآن التي يدور النقاش حولها قد وضعت حدّاً لكل الاتصالات التي كانت جارية بين نتنياهو وهرتسوغ لكي ينضمّ إلى حكومة الوحدة الوطنية. وهذا ما كشف عنه وزير المالية موشيه كحلون قبل يومين أنه كانت هناك اتصالات، وربما كان يمكن أن تؤدّي إلى نتيجة. لكن هذه القضية قضت على هذه المحاولات. وبالتالي، هذا  سينعكس سلباً على حكومة نتنياهو.

لانا مدوّر: أي أن نتنياهو الآن أمام مأزقين: المأزق الآخر هو حزب شاس لأن آريي درعي أيضاً متّهم من جديد. معناه أنه من الممكن أن يخرج شاس من الحكومة ولن يجد بديلاً في العمل.

عباس إسماعيل: قضية شاس ودرعي قد تكون أكثر خطورة بكثير من قضية هرتسوغ مع حزب العمل. لا ننسى أن شاس في السنتين الماضيتين تعرّض لعدّة ضربات عندما فقد زعيمه الروحي عوبديا يوسف ثم حصل انشقاق داخل حزب شاس ثم عاد آريي درعي وتولّى الزعامة. والآن يُحاك بحقّه...

لانا مدوّر: كان صراعاً على الزعامة.

عباس إسماعيل: ولا ننسى أن آريي درعي كان قد دخل السجن لأنه أدين بالفساد عندما كان وزيراً للداخلية.

لانا مدوّر: صحيح.

عباس إسماعيل: وبحقّه الآن التماس أمام محكمة العدل العليا. كيف يمكن لوزير كان وزيراً للداخلية دخل السجن ثم خرج منه ثم أعيد مرة أخرى إلى وزارة الداخلية؟ وبطبيعة الحال إذا خرجت شاس من الحكومة، إذا تعرّضت لأزمة كبيرة نتيجة استقالة درعي أو سجنه أو التحقيق معه، هذا سوف يؤدي إلى هزّة داخل الحكومة. ولا ننسى أن حكومة نتنياهو حكومة تعيش على صوت واحد. وبالتالي، هي أمام أصغر أزمة قد تسقط. وبالتالي، هناك تداعيات حزبية لهذا الفساد، هناك تداعيات شخصية، هناك تداعيات على مستوى الحكومة. وربما أيضاً نتنياهو نفسه كان عرضة في هذه الأيام لنوع آخر من الفساد الذي كشف عنه...

لانا مدوّر: يمكن أن نتحدّث عنه. تبقّت لدينا دقيقة واحدة.

عباس إسماعيل: الرئيس السابق للموساد مائير داغان كان تحدّث عن أن نتنياهو أسوأ مدير، أنه يفضّل مصالحه الشخصية على مصالحه القومية. وهذا بناءً على الاحتكاك والسبع سنوات. كان رئيساً للموساد لأكثر من سبع سنوات.

لانا مدوّر: إلى أي مدى هذه تدين نتنياهو؟

عباس إسماعيل: هذه تعكس شخصية نتنياهو بطبيعة الحال.

لانا مدوّر: معروفة شخصية نتنياهو للإسرائيليين. أليس كذلك؟

عباس إسماعيل: ولا ننسى أنه حتى نتنياهو بحقّه الآن ملفّات لا يزال التحقيق جارياً فيها. منها ما يتعلّق بزوجته، بمصاريف بيته، وأيضاً باستغلال منصبه للعديد من الرحلات إلى الخارج.

لانا مدوّر: سننهي مسألة الفساد عند هذا الحد لنشاهد بعض الكاريكاتير. الكاريكاتير الأول نشاهده سوية. وهو يتعلّق بالعنصرية داخل إسرائيل، خصوصاً الخبر الذي تحدّثنا عنه في البداية عن فصل الولادات.

عباس إسماعيل: صحيح.

لانا مدوّر: العربيات في مكان واليهوديات في مكان في قسم الولادة في المستشفيات.

عباس إسماعيل: هذا وزير التربية نفتالي بينت، رئيس حزب البيت اليهودي، يحمل عضو كنيست سمورتيتش الذي قال إنه لن يقبل أن تكون زوجته في المستشفى مع امرأة عربية. ويقول: أنا أطلب فحص أبوّة، بمعنى أنه يريد أن يتخلص من هذه التفوّهات. ومعروف أن بينت هو بحدّ ذاته عنصري ويميني ومتطرّف. ولكن البعض يقول إن عنصرية سمورتيتش ربما تمنح بينت فرصة لكي يكون معتدلاً متسامحاً. وهو يستغل هذا الأمر.

لانا مدوّر: هذا الموضوع حكي عنه في إسرائيل في تقرير لـهاآرتس على ما أعتقد، أعتقد هاآرتس، صحيح. إلى أي مدى هناك استهجان لهذه المسألة؟ أو أن هذا أصبح أمراً طبيعياً في إسرائيل؟

عباس إسماعيل: العنصرية ضد فلسطينيي الـ48 هي من سمات المجتمع الإسرائيلي. ولكن أن يصل الأمر إلى غرف الولادة وأن يدعمه ليس فقط أعضاء كنيست بل يدعمه الحاخام أليكين ليفانون الذي أصدر أمس بياناً، أيضاً هو حاخام المجلس الإقليمي للمستوطنات يُسمى السامرة، أيضاً اعتبر أن العرب ينمون على العنف. ولو استمعنا إلى التبريرات التي قالها سواء الحاخام ليفانون أو سمورتيتش، عضو الكنيست، لماذا يبرّرون كان هذا التصوّر العنصري تجاه العرب بلغ حدّاً كبيراً. وهذا موضوع أثار جدلاً كبيراً في إسرائيل.

لانا مدوّر: نشاهد الآن الكاريكاتير الثاني الذي يتحدّث عن موشيه كاتساف الرئيس الإسرائيلي السابق المسجون.

عباس إسماعيل: كان هناك أمل في أن يخرج موشيه كاتساف من السجن.

لانا مدوّر: ولكن؟

عباس إسماعيل: ولكن رُفض. وقبل أن يخرج كان يتحدّث لأولمرت، كان يقول له: ربما يفحصون الآن مَن سوف يحلّ مكاني، في إشارة إلى أن أولمرت إمّا قد يحلّ مكان كاتساف أو أنهم قد يبحثون عن فاسد جديد لكي يحلّ محل كاتساف في السجن.

لانا مدوّر: لن يتعبوا كثيراً.

عباس إسماعيل: والصورة معبّرة: رئيس حكومة سابق مع رئيس دولة سابق. كلاهما في السجن.

لانا مدوّر: يستطيعون أن يقيموا دولة في السجن.

عباس إسماعيل: كلاهما في السجن وبتهم الفساد.

لانا مدوّر: الكاريكاتير الأخير، نشاهده الآن. وهو يتعلّق بالتجربة الباليستية التي أجرتها إيران.

عباس إسماعيل: صحيح.

لانا مدوّر: لكن مكتوب كثيراً بالعبرية. يجب أن تفسّر لنا.

عباس إسماعيل: هذه صحيفة إسرائيل اليوم المقرّبة من بنيامين نتنياهو تحدّثت بسخرية عن ردّة فعل المجتمع الدولي.
الصاروخ مكتوب عليه بالعبرية: إسرائيل يجب أن تزول من الوجود. وتقول إن هذه الطائرة الورقية هي نموذج الاعتراض. هكذا يعترضون في الغرب، أسماء الدول ومجلس الأمن، أنه هكذا في الغرب يعترضون صواريخ إيران الباليستية في إشارة إلى أن الغرب يتهاون أو يخضع أمام إيران.

لانا مدوّر: مع أن التصريحات الأميركية كانت قوية جداً خصوصاً أيضاً في مسألة تسليح إيران. استمعنا إلى الكثير من التصريحات الأميركية بأن أميركا ستمنع روسيا من تزويد إيران بأسلحة جديدة. كيف كانت حاضرة مسألة اقتراب روسيا من أن تعطي إيران السوخوي، الـs300؟ كان هناك حديث عن هذه النقطة.

عباس إسماعيل: ربما كان التوظيف الإسرائيلي الأكبر في هذا السياق ليس فقط توظيفاً إعلامياً وسياسياً إنما أيضاً توظيف تسليحي. بمعنى أن إسرائيل كانت تقول إن إيران التي سوف تحصل على صواريخ من روسيا وتقوم بتجارب، تهدّد التفوّق النوعي الإسرائيلي. وبالتالي يتعيّن على الولايات المتحدة الأميركية أن تضمن التفوّق النوعي الإسرائيلي بزيادة المساعدات المالية والتسليحية. وكلنا نعرف أن هناك خلافاً الآن بين نتنياهو وباراك أوباما حول أموال المساعدة الأمنية التي تطلبها إسرائيل من الولايات المتحدة الأميركية.

لانا مدوّر: لم تحصل عليها؟

عباس إسماعيل: بالأمس نُشر في وسائل الإعلام الإسرائيلية أن أوباما عرض على نتنياهو زيادة المساعدة المالية السنوية لإسرائيل من 3 مليارات دولار إلى 3.7 مليارات دولار، وأن نتنياهو رفض.

لانا مدوّر: إسرائيل تريد خمسة.

عباس إسماعيل: تريد خمسة. أوباما أبدى استعدادا لكي يزيد المساعدة بنسبة 20 بالمئة ونتنياهو رفض. ونحن نتحدّث عن مساعدة مالية. وهذا الأمر حضر في إسرائيل أيضا ًفي الأيام الماضية على خلفية هذا التفوّق أو تهديد التفوّق النوعي.

لانا مدوّر: يبدو أن كل تجربة تقيمها إيران بالسلاح تستفيد منها إسرائيل لكي تستغلّ الولايات المتحدة.

عباس إسماعيل: بطبيعة الحال. هي توظّف هذا الأمر. من جهة تحرّض على إيران، تحرّض على قيام إيران بمراكمة قوّتها، تحرّض على قيام إيران بمساعدة فصائل المقاومة لأنهم في إسرائيل لا يفصلون بين المسألتين، بين تنامي قدرات إيران وتنامي قدرات فصائل المقاومة. وبالتالي، التوظيف الإسرائيلي لهذه المسائل يأتي على عدة أوجه. والصراخ الذي نسمعه في إسرائيل بشكل يومي، بغضّ النظر عن أنه صراخ حقيقي بمعنى أن إسرائيل فعلاً تخشى وتقلق من إيران ومن فصائل المقاومة، وفي الأيام الماضية كانت هناك أيضاً تصريحات متكررة ومواقف معلنة جديدة أن إيران هي التهديد الرئيسي المركزي على إسرائيل وأن حزب الله هو التهديد المباشر القوي أيضاً. على الرغم من هذا الصراخ، إسرائيل تحاول أن توظّف هذا الأمر وأن تقول إن إيران تتقدّم، وجزء من تقدّم إيران ناتج من الاتفاق النووي، وأميركا شريكة بالاتفاق النووي. إذاً يتعيّن على الولايات المتحدة الأميركية أن تعوّض على إسرائيل هذه الخسارة وتساعدها بشكل أكبر لكي تضمن تفوّقها العسكري. وهذا ما يحصل من خلال زيادة مساعدات وزيادة قدرات تسليحية. وبالأمس أيضاً كُشف عن أن الولايات المتحدة الأميركية...

لانا مدوّر: لديك الكثير من الكشوفات.

عباس إسماعيل: لست أنا مَن يكشفها.

لانا مدوّر: تتركها للآخر وتصدمني.

عباس إسماعيل: أنا لا أكشفها. ...... أن الولايات المتحدة الأميركية تقيم قاعدة سرّية في إسرائيل من أجل مساعدة إسرائيل في مواجهة الصواريخ التي قد تتعرّض لها.

لانا مدوّر: هذا أمر خطير. خصوصاً ربما مع شعور إسرائيل بأنه حتى المنظومات التي نشرتها كالقبّة الحديدية وحيتس وغيرها لن تفي أو لن تكون رادعاً جيداً أكان لإيران أو لحزب الله.

عباس إسماعيل: هذا التقدير المُعلن في إسرائيل أن منظومات الاعتراض الصاروخي هذه ربما تفعل أو تعمل كي تكون مفيدة، ولكنها لا تضمن بأية حال من الأحوال حماية المنشآت ولا الجبهة الداخلية الإسرائيلية من المعركة الصاروخية المقبلة التي يتوقعون في إسرائيل أن يزيد حجم الصواريخ التي قد تتعرّض لها الجبهة الداخلية في اليوم عن ألف صاروخ.

لانا مدوّر: هل تريد أن تكشف شيئا آخر قبل أن نختم؟

عباس إسماعيل: الأسبوع المقبل.

لانا مدوّر: شكراً دكتور عباس إسماعيل، المتخصّص في الشأن الإسرائيلي.

مشاهدينا نتوقف الآن مع فاصل قصير نعود بعده لنتابع "خلف الجدار". ابقوا معنا.

 

أصحاب الأرض

 

لانا مدوّر: أهلاً بكم من جديد إلى "خلف الجدار".

تشويه سياحي متعمّد لأحياء القدس القديمة وتغييب معالم سياحية إسلامية ومسيحية في البلدة القديمة وتغليب المعالم اليهودية، مع تشويه أيضاً متعمّد لكل الأسماء العربية. هذه هي سياسة سياحية إسرائيلية تتماهى مع السياسة التهويدية للقدس، وكأن إلغاء وجود الفلسطينيين المسلمين منهم والمسيحيين إذا عجزت عنه إسرائيل على أرض الواقع تستطيع تحقيقه على الخرائط والورق. نستقبل الدكتور جمال عمرو، وهو محاضر في جامعة بير زيت. ينضمّ إلينا من القدس. أهلاً بك دكتور. وقبل أن نناقش معك هذا الموضوع سنذهب إلى تقرير لزميلتنا هناء محاميد:

 

التقرير

 

خارطة سياحية إسرائيلية للقدس القديمة تتضمّن 57 موقعاً سياحياً، منها ستة مواقع مسيحية وإسلامية فقط. الموقع الإسلامي الوحيد المشار إليه في الخارطة هو قبّة الصخرة. أمّا المسجد القبلي في المسجد الأقصى فسُمّي فيها سطبلاتي سليمان.
المواقع السياحية بحسب الخارطة هي البؤر الاستيطانية والمدارس الدينية اليهودية إضافة إلى حائط البراق الذي أصبح اسمه في زمن الاحتلال حائط المبكى.

"يريدون أن يضحكوا من العالم الغربي. حين يأتي سائح إلى البلدة القديمة سيرى المسجد الأقصى ويعرف هذه الأكاذيب والأقاويل أنها كذب. المسجد الأقصى موجود. المواقع السياحية والعربية موجودة. الحجر ينطق ويقول أنا عربي".

الخارطة التي كشفت عنها صحيفة هاآرتس الإسرائيلية وأكدت وزارة السياحة الإسرائيلية أنها وزّعتها على مئات آلاف السيّاح الأجانب بعدما استعانت بخبراء ومرشدين سياحيين لإنتاجها تعبّر عن حجم الأطماع الإسرائيلية في القدس.

"السائح من حين يركب طائرته ويريد المجيء إلى بيت المقدس يوصونه بالوصايا العشر أن انتبه من العرب، لا تشترِ منهم، انتبه لحقيبتك، لا تشترِ منهم طعاماً، طعامهم قذر، ماؤهم قذر، أناس همج. فالسائح وهو في الطائرة مضلَّل تجاه المناطق العربية. وهم في الأساس يبثّون هذا الفكر حتى يستغلّوا السائح بأية طريقة، بأية طريقة: اقتصادية، سياسية".

تتّخذ إسرائيل من استراتيجية التخطيط والإدارة أداة لتنفيذ برامجها الاستيطانية التهويدية على الأرض إذ لا يمكن فصل قضية عن أخرى. لا يمكن النظر إلى آلة السياحة الصهيونية بمعزل عن آلة الهدم والاستيطان والاعتقال والقتل التي تعمل ليل نهار ضد الفلسطينيين.

 

لانا مدوّر: دكتور جمال، إلى أي مدى هذه الآلة، كما سمّتها زميلتنا هناء، السلاح السياحي يكمل السلاح الآخر الهندسي التدميري للقدس ومعالمها الإسلامية؟

جمال عمرو: حيّاكم الله أخت لانا والمشاهدين الكرام. المجرم، مجرم الحرب، ليس بالضرورة أنه الذي يحمل البندقية.
مجرم الحرب قد يكون أشدّ فتكا عندما يحمل القلم ويحمل الفكر، عندما يرسم خارطة سياحية. عندما يتحدّث بالرواية التلمودية التوراتية فهو مجرم حرب بكل المقاييس. والجرائم الاحتلالية بخصوص السياحة وفي هذا القطاع على وجه الخصوص لا حصر لها، وهي تعود إلى قرون وإلى عقود مضت. عندما تحدّث قبل 47 عاماً موشيه ديان وقال كلمته المشهورة وموجودة في كتاب لـبيتر هلسيم النبوءة السياسية إذ قال يومها موشيه ديان: إنني أتخيّل فلسطينياً قائداً في سلاح الجو الإسرائيلي، ولكنني لن أقبل فلسطينياً دليلا ًسياحياً. هو يتوقع أن يكون هناك جاسوس فلسطيني طيّار في جيش الاحتلال، ويمكن إسقاط طائرته إذا ما رجع إلى وطنيته. لكنه لا يتحمّل دليلاً سياحياً يتحدّث الرواية الفلسطينية والعربية والإسلامية والمسيحية. هو لا يتحمّل ذلك، وهو الذي سرق الآثار الإسلامية من باطن الأرض، وهو الذي سرق الآثار المسيحية أيضاً، وصولاً إلى يومنا الحالي عندما وضعوا الإشارات وكتبوا عليها "... ..." جبل الهيكل. إشارات الشوارع والطرقات وهذه الإشارات التي تدلّ على الأماكن السياحية لم تدلّ على أرض الواقع على أي مكان إسلامي إطلاقا ولا على أي مكان مسيحي. ثم صدرت الخارطة عندما صمت العرب على هذه اللافتات، لافتات الشوارع. صدرت خارطة نازية فاشية مكتملة الأركان، تخفي المدينة التي لا تعرف إلّا العربية ولا تعرف إلّا العرب والمسلمين، مسلمين ومسيحيين. أخفوها كلّيّا ووضعوا ستة معالم في الحقيقة من الدرجة الثانية والثالثة من حيث الأهمية، وأخفوا المسجد الأقصى بـ144 دونماً الذي هو أكبر مسجد في المدينة. أخفوه كلياً من الخارطة. وأخفوا معالم مسيحية أساسية من الخارطة. ووضعوا 57 بيتاً هي بالأصل عقارات إسلامية تم السطو عليها بشتّى وسائل التحايل. كتبوها على أنها إرث قومي يهودي وأماكن سياحية يهودية. مَن يفعل هذا مع سبق الإصرار والترصّد هو مجرم حرب بكل المقاييس وهو مزيِّف بكل المقاييس، وهو ذهب بعيداً في إنكار الطرف الآخر وإنكار الوجود العربي الإسلامي والمسيحي كلياً. ولهذا السبب، دولة الاحتلال بلغت من الفاشية ما لا يمكن لعقل في الدنيا أن يتخيله، لا في إسبانيا قديماً ولا في إيطاليا أيام الفاشية ولا حتى في جنوب أفريقيا أيام الـ
Apartheid. هذه دولة مارقة تتصرّف فوق القانون. وهي الآن وضعت القدس برمّتها على طاولة التشريح وبدأت بتمزيق جسدها خطوة خطوة: في قطاع التعليم، في قطاع الصحة، في قطاع الاقتصاد، في قطاع السياحة. الآن كل شيء في القدس مستباح، وكل الأبواب مفتوحة على مصراعيها أمام مجانين داعشيين من الطراز الأول. هذه 25 منظمة داعشية شكّلت الحكومة وشكّلت الكنيست، وهي تتصرّف كيفما تشاء ولا تجد من العرب مَن يقف في وجهها على الإطلاق.

لانا مدوّر: لنوضح فقط للمشاهد العربي تفاصيل أكثر عن هذه السياسة السياحية. هناك معالم ومبانٍ هامّة للمسيحيين قد تمت إزالتها كلياً من الخارطة: مبنى البطريركية اليونانية الأورثوذكسية ودير سان سلفادور الفرانسيسكاني، والمواقع الإسلامية كلها تقريباً تغيب عن هذه الخارطة مثل: لا يظهر فيها إلّا قبّة الصخرة تحت اسم جبل الهيكل كما سبق وذكرت. حتى إن هناك تجاهلاً لمدارس، لسبل المياه، لقصور تاريخية تُعتبر من أكبر الأبنية في البلدة القديمة: قصر الست طنشق. فهناك معالم كثيرة تم استبعادها، لو تخبرني أكثر عن أهميتها وماذا تشكّل بالنسبة للتاريخ اليهودي إذا ما تمت الإضاءة عليها أو تم للسائح أن يزورها. ماذا تُظهر تاريخياً؟ شيء ربما لا يريد الإسرائيليون واليهود أن يُظهروه.

جمال عمرو: هم في الحقيقة صُدموا بشكل عنيف جدا عندما استضافوا ستة من أعضاء الكونغرس الأميركي من الحزب الجمهوري وصعدوا بهم إلى جبل الزيتون وأطلّوا على القدس من فوق وشاهد الأميركيون، وهم مثقّفون، أعضاء في الكونغرس الأميركي، شاهدوا المدينة فوجدوا المدينة تنطق بكل حجر، بكل سور، بكل مبنى، بمدارسها المملوكية والأيوبية، بمدارسها العثمانية، تنطق اللغة العربية والإسلامية، وقبابها التي هي قباب مساجد وقباب كنائس للمسلمين والمسيحيين، أبراجها التي هي إمّا منارات للمآذن أو أبراج للكنائس والمسيحيين. وبالتالي، قال الأميركيون وقتها للوفد اليهودي المرافق: هذه المدينة لا يوجد فيها أثر لليهود. صُدم الإسرائيليون صدمة عنيفة من هذا الكلام. ومن يومها بدأت معاول الاحتلال تضرب في أعماق الأرض. صنعت شبكة من الأنفاق، توسعة للأنفاق اليبوسية الكنعانية العربية وصنعوا 102 كنيس صناعة على آثار إسلامية.
وأيضا سيطروا، كما تعرفون، عام 1967 على حي المغاربة، وفيه عدد من المساجد والمدارس، وفيه مدرسة الأفضل بن صلاح الدين الأيوبي. سيطروا عليها ورفعوا في سمائها عدداً من المباني التي أجمع المعماريون على أنها الأسوأ في العالم على الإطلاق. أسوأ مبانٍ يمكن للإنسان أن يتخيّلها في مشهدها، كما يسميه الأجانب:
Very ugly أي بشعة جداً، لا تتناسب مع مباني ونسيج عمارة المدينة العربي الإسلامي والمسيحي. ثم أنهم ألغوا كلياً، شطبوا من الخارطة وجود الحي الذي سيطروا عليه وهو حي المغاربة، وألغوا تماماً حائط البراق وهو جزء لا يتجزأ من الأقصى وفق الكتاب الأبيض، الكتاب الأبيض الذي صاغته ما كانت تُسمى أيامها عصبة الأمم قبل الأمم المتحدة، وقالت إن حائط البراق تعود مُلكيّته للمسلمين وحدهم. ألغوا مسجد عمر بن الخطاب فاتح مدينة القدس أمام كنيسة القيامة. ألغوا الكنيسة الأورثوذكسية. ألغوا كنيسة الفرانسيسكان. ألغوا كنائس متعددة جداً. ألغوا أيضاً 18 مدرسة مملوكية. ألغوا 21 خاناً وزاوية من زوايا المسلمين الموجودة في المدينة المقدسة. ألغوا مدرسة وتكيّة الست طنشق والست هيلانة زوجة الخليفة العثماني سليمان القانوني، وهي أكبر مبنى اتساعاً في فضاء مدينة القدس القديمة بعد المسجد الأقصى المبارك إذ إنها تتّسع لآلاف الطلبة اليوم في مدرسة دار الأيتام الإسلامية. وألغوا المعالم الإسلامية الأخرى، ومن ضمنها أضرحة، ومن ضمنها أسبلة، ومن ضمنها عناصر معمارية تؤكّد إسلامية المدينة بشكل قاطع وبعيد المدى، وتؤكد أيضاً الآثار المسيحية البيزنطية وفي ما بعد المراحل المسيحية المختلفة. كل ذلك تم شطبه من الخارطة كلياً، وتمت صناعة رواية تلمودية مصطنعة وضعوا فيها هذه الأماكن الإسلامية على اعتبار أنها لليهود، وهي ليست لهم. هم سيطروا عليها بشتى وسائل التحايل وبالذات بقانون أملاك الغائبين. حارس أملاك الغائبين سطا على هذه المباني العربية وسلّمها لليهود الذين حوّلوها إلى كُنُس أو إلى أماكن للمعاهد الدينية المتطرّفة التي تفرّخ لنا أمثال باروخ غولدشتاين، القاتل المجرم في المسجد الإبراهيمي في الخليل، أو تلميذه هذا القاتل المجرم يهودا غليك. هذه هي المدارس التلمودية الشديدة التطرّف التي تشكّل خطراً على البشرية والتي لا تفرّخ إلّا أناساً مسكونين بالجريمة مثل كاهانا وغيره. هذه المدارس وُضعت على الخارطة السياحية. وعلى السائحين أن يستمعوا فقط إلى الرواية اليهودية التلمودية، ولا يجوز لهم الاتصال بدليل سياحي عربي، لا مسيحي ولا مسلم، ولا السير في مسارات بين العرب ولا الاقتراب من مأكولات العرب.

لانا مدوّر: عفواً، كيف يُمنع السائح من أن يقترب من العرب؟

جمال عمرو: يتم تسويق الأماكن الإسلامية، ونشاهدها في بلجيكا ونشاهدها في ألمانيا وفرنسا وأميركا وكندا وأستراليا: Visit Israel. ماذا يكون في خلفية هذه الصور؟ تكون قبّة الصخرة والبلدة القديمة والسور العثماني، سور المدينة العربي هذا الموجود الذي يحيط بالبلدة القديمة، وبوّاباته: باب العمود، باب دمشق لأنه يُفضي إلى دمشق أو نابلس، باب يافا، باب الخليل، باب الأسباط. كلها أبواب عربية عليها آيات قرآنية وعليها إشارات وزخارف إسلامية. تلغى هذه كلها وتوضع في البوستر. من أول لحظة يريد السائح أن يحجز، يحجز Visit Israel. حتى إنه تم تسويق معالم أثرية هامّة جداً في الأردن وفي مصر ضمن ... Trip رحلة سياحية ضمن Visit Israel. تخيّلوا، سوّقوا لأماكن أردنية ومصرية ضمن منظومة سياحة إسرائيلية، والدليل السياحي إسرائيلي. هذا بدايةً، عند الحجز للطيران. عندما يصل السائح، أثناء سفره في الطائرة يحذَّر تحذيراً شديدا ًمن الاقتراب من الـDirty people، هؤلاء الناس الوسخين العرب الكذّابين. ويصفون العرب بشتى الأوصاف. حتى إنهم اليوم وصلوا بعيداً في شطب الديكور، هذا الديكور، بعض أفراد دخلوا الكنيست من العرب، شطبوهم واعتبروهم مجرمين. ثم لم يتحملوا حتى وجودهم كاستكمال لديكور الكنيست الفاشي. ثم أنهم لم يسمحوا بميلاد نساء بجوار اليهوديات لأن اليهوديات مقدسات والنساء العربيات من الغوييم مثلاً. ولا يسمحون لطبيب عربي بأن يكون في غرفة الولادة لمريضة يهودية. إذاً أيضاً ذهبوا بعيداً بوصف العرب بهذه الأوصاف وأنهم سارقون. ثم ما أن ينزلوا لا يجدون إلّا دليلاً سياحياً يهودياً، وممنوع أن يكون دليل سياحي عربي. وتنزل الشرطة السياحية مع السائحين وتحول وتضرب ساتراً شرطياً عسكرياً ما بين السائحين والمحلات التجارية التي أفلست. والله يا أخت لانا 30 بالمئة من محلات القدس أغلقت أبوابها. الآن القطاع الاقتصادي ينهار في المدينة المقدسة على أعين العرب، أو إن شئت على أعين الأعراب، للأسف الشديد. وبالتالي، يحال بين الفلسطينيين المقدسيين والتجارة السياحية والصناعة السياحية، يحال تماماً. وبالتالي، يتم جرّ هذه القطعان من السائحين وإدخالهم الأقصى تحت العلم الإسرائيلي وليس ضمن السياحة الأردنية مثلاً ولا ضمن إدارة الأوقاف الإسلامية الأردنية التي تسمح إذا جاءها السائحون أن يدخلوا معها. ولكن الاحتلال يمنع ويُدخلهم من باب المغاربة ويُخرجهم من باب السلسلة بدليل سياحي يهودي.

لانا مدوّر: لماذا الأردن لا يتحرّك؟

جمال عمرو: مَن سيتحرّك؟

لانا مدوّر: الأردن كوصيّ على الأقصى.

جمال عمرو: الأردن تم تجديد الوصاية له، وهو شرف عظيم، وهي مكانة تتمناها أية دولة عربية أخرى، وهي منزلة عليّة أن يكون الأردن وصيّاً على الأماكن المسيحية المقدسة والأماكن الإسلامية المقدسة وفي مقدّمتها المسجد الأقصى المبارك، أولى القبلتين وثاني المسجدين وثالث المساجد حرمةً عند الله، هذا المكان العظيم الذي تُجمع عليه الأمّة كل الأمّة بشتى اجتهاداتها الدينية. وبالتالي، الأردن بيده كنز، لكن لم يُحسن استعماله على أفضل حال. هو يحاول. الآن هناك محاولات متواضعة:
إرسال رسالة على المستوى الثالث، لا هي لحكومة نتنياهو ولا هي لوزير خارجيته إنما للسفير في عمّان. هذا السفير يستحق إزاء هذه الاقتحامات للأقصى من السائحين ومن يهودا غليك وفِرَق داعش اليهودية، يستحق الطرد من عمّان، ولا وجود له طالما أنهم ينتهكون الأمن القومي الأردني بهذا الشكل. والأردن له الحق بأن يحاسب كل سائح دخل الأقصى من باب المغاربة مع اليهود وأن يخاطب سفارته وأن يخاطب خارجيته، الألمان والفرنسيين والإيطاليين، يقول لهم: لقد مسستم مسّا خطيراً بالأمن القومي الأردني. هذه منطقة استراتيجيّاً في قبضة الأردن ووصاية الأردن ووصاية كل مسلم فوق الأرض وكل مسيحي فوق الأرض. كيف تدخلون مع اليهود؟ كيف تنتهكون كرامتنا وتدوسون مصاحفنا وتسبّون نبيّنا مع اليهود؟

لانا مدوّر: عفواً، إزاء هذا الواقع المأساوي، في الواقع، مَن يجب أن يتحرّك؟ السلطة الفلسطينية؟ الأردن. كنا نتحدّث عن الأردن. بعض الدول العربية؟ هل أن الدول العربية ليست على علم بما يحدث؟ لماذا تصمّ الآذان برأيك والأعين؟

جمال عمرو: الحقيقة، تقبّلنا منذ فترة طويلة التعازي بالكرامة العربية. وهذه فرصة أمام فضائكم الإعلامي القوي لأقول للدول العربية: كفى عبثاً، كفى عبثاً، شعوبكم ليست عدوّاً لكم، لا تقتلوا شعوبكم، لا تقهروا شعوبكم. يكفي قهر اليهود لنا في فلسطين. يكفي ما يحصل لماجدات بيت المقدس، حرائر بيت المقدس تداس ... الاحتلال. يكفي أن تداس كرامتكم صباحاً ومساءً في باحات الأقصى وعلى بوّابات القدس والأقصى. يكفي الإبعادات، يكفي تحطيم الوجوه، يكفي نزع الحجاب، يكفي تحطيم، يكفي ... للقرآن الكريم، يكفي يهودا غليك ودواعش الأرض كلها التي التقت على أقصاكم ومسرى نبيّكم، يكفي هذا. لا تظلموا شعوبكم. دعوا الكلمة للشعوب، أعطوها الحرية، توحّدوا. ثم أنني أخاطب الدول العربية أن تتوحد تحت راية الأقصى. وهي فرصة، الحقيقة، الآن. يلوح في الأفق ظلم شديد للأقصى مقبل في الأيام المقبلة. وهي فرصة الآن كي يجتمع العرب على الأقل على قضية واحدة. إذا كانوا نسوا تومب الصغرى وتومب الكبرى وسمبتا باليليا، فعلى الأقل ليجتمعوا على الأقصى كما أجمع عليه الأوّلون من عمر حتى صلاح الدين.

لانا مدوّر: تعلم دكتور جمال، وأنت تتحدّث هناك حسرة كبيرة. ربما هذه أول مرة أُجري مقابلة مع ضيف وأشعر بهذا الكمّ من الحزن، ليس فقط لأن الوضع مأساوي في القدس، إنما أيضاً لأنه ليس هناك مَن يفعل أي شيء. المعطيات موجودة أمام الجميع ولا أحد يتحرّك. على أمل أن تكون هذه المقابلة وصرختك والحرقة الواضحة في صوتك تهزّ الضمائر. شكراً لك دكتور جمال عمرو، محاضر في جامعة بير زيت. كنت معنا من القدس.

 

فلسطين أونلاين

 

لانا مدوّر: بعد نشر أبو عبيدة صوراً لأول مرة لأربعة جنود صهاينة مختطفين لدى كتائب عز الدين القسّام، ظهرت على مواقع التواصل الاجتماعي وسمات عديدة كردّة فعل. سنشاهد هذه الوسمات الآن. بدايةً وسمة "وفاء الأحرار" وهي تذكير بصفقة التبادل مع شاليط، الجندي الإسرائيلي الذي كنا نذكر كيف حصلت صفقة التبادل وتحرير عدد كبير من الأسرى الفلسطينيين. أيضاً كان هناك وسم آخر نشاهده الآن "ماذا يفعل الشلاليط الأربعة". كان هناك وسم "الشلاليط الأربعة" سمّوهم، على الرغم من أن لهم أسماء هؤلاء الجنود. ولكنّ الناشطين سمّوهم كلهم تيمّناً بجلعاد شاليط. أيضاً كان هناك "عدّ جنودك"، هاشتاغ "عدّ جنودك"، وهو هاشتاغ تهكّمي بالفعل بالجيش الإسرائيلي لأنه كانت هناك عملية تضليل، لا نعرف كيف مورست من قِبل السلطات الإسرائيلية. ولكن عملية التضليل كانت كبيرة في ما يتعلق بمسألة اعتقال أو مسألة عدم وجود جنود إسرائيليين في يد حركة حماس. أيضاً هناك هاشتاغ "أربعة جنود عند القسّام"، وهاشتاغ آخر هو "أربعة جنود". إذاً كانت مجموعة وسمات كثيرة لهذه المناسبة ولهذا الإعلان من قِبل عز الدين القسّام.

إلى هنا نصل إلى ختام "خلف الجدار" لهذا الأسبوع. بإمكانكم التواصل معنا عبر تويتر، عبر فايسبوك، وأيضاً عبر البريد الإلكتروني الخاص بـ"خلف الجدار". شكراً للمتابعة وإلى اللقاء.

10-04-2019

ماذا خلف الجدار صناديق الاقتراع أغلقـتْ لتنفتِح الأبواب أمام سيناريوهاتٍ متعددةٍ ،مقاعد الكنيست الإحدى والعِشرون باتتْ شبه محسومةٍ فكيف سيتعامل فِلسطينيو الثماني والأربعين مع نتائج ِ التصويت؟ منْ سيكلـّف تشكيل الحكومة مع بدء العد العكسيِّ لطرح صفْقة القرن، وماذا عنِ التبِعاتِ الداخلي والخارجي لذلك.

المزيد