الدكتور نبيل أنطاكي والاستاذ الدكتور نبيل أنطاكي

الإغاثة في حلب

غسان الشامي: تحية.

لم تكن حلب يوماً بحاجة إلى مَن يغيثها. فهي عاصمة التجارة والصناعة في سوريا، والممر الإلزامي التاريخي للتجارة الدولية. إنها، كما كانوا يقولون طريق الحرير. لكن المحنة التي حلّت بها وحصار الماء والكهرباء والغذاء وتدمير مصانع الحلبيين وموارد عيشهم جعلت الإغاثة ضرورة ليكمل الحلبيون إصرارهم على الحياة فيها.

حول الإغاثة في حلب، واقعها واحتياجاتها، نستضيف في "أجراس المشرق" ومن محطة قطار حلب، مكان تاريخي للعبور إلى هذه المنطقة، الدكتور نبيل أنطاكي أحد منسّقي مجموعة المريمي الأزرق للإغاثة، والأستاذ باسل شكري مدير منطقة حلب في دائرة العلاقات المسكونية في بطريركية الروم الأورثوذكس.

أبدأ من عندك دكتور نبيل أنطاكي. أولاً، نرحّب بك، ونرحّب بك أستاذ باسل في "أجراس المشرق".

حلب مدينة كما نشهدها، كما تعيشون فيها، تتعرّض للألم، تتعرّض للقصف. سأبدأ من هذه الناحية ومن المكان الذي تخدم به مدينتك، ما هو الواقع الإسعافي والطبي في هذه المدينة؟

نبيل أنطاكي: حلب كانت مدينة مزدهرة والحرب أتت ودمّرتها. وإذا عدنا قليلاً إلى الوراء، على الرغم من أن الأزمة بدأت في سوريا في آذار 2011، إنما الحرب بدأت في حلب في تموز 2012 حين سيطرت المجموعات المسلّحة على بعض الأحياء الشرقية من حلب. وخلال أسابيع صار نزوح لـ500 ألف شخص حلبي من الأحياء الشرقية نحو الأحياء الغربية.

غسان الشامي: حيث نحن نسجّل.

نبيل أنطاكي: حيث نحن. 500 ألف نزحوا إلى هنا. وعلى مرّ سنوات الحرب، أناس آخرون أيضاً نزحوا إمّا من المناطق الشرقية أو من المنطقة الغربية إذا كانوا على خطّ النار. فصار نزوح شديد وكبير. وكما قلت أنت، الاقتصاد دُمّر، المعامل سُرقت، فصارت ثمة بطالة شديدة كبيرة جداً. حالياً نقدّر أن نحو 80 بالمئة من العائلات الحلبية القاطنة حاليا في حلب بحاجة إلى موارد إغاثية حتى تستطيع أن تعيش.

غسان الشامي: 80 بالمئة هو رقم مخيف. مَن يقوم به؟ مَن يقوم بمساعدة هؤلاء الناس؟

نبيل أنطاكي: لدينا مؤسسات رسمية مثل الهلال الأحمر، وهناك جمعيات أهلية متعددة تقوم بهذه الأعمال الإغاثية. لكن ليس فقط 80 بالمئة بحاجة إلى إغاثة غذائية، إنما 80 بالمئة من شعب حلب الذي يسكن حالياً حلب الغربية هو نازح. 80 بالمئة من الناس لا يسكنون منازلهم. إمّا يعيشون عند أقارب أو في الشوارع أو تحت خيَم أو مستأجرون أو في مراكز إيواء.

غسان الشامي: إذاً انقلبت المدينة رأسا على عقب.

نبيل أنطاكي: نعم، نعم.

غسان الشامي: أنا أريد أن أسألك فعلاً عن الواقع الإسعافي الطبي كونك طبيباً ومياوماً في المستشفيات.

نبيل أنطاكي: الواقع الطبي في حلب أليم جداً؛ لأنه من جهة، الناس الميسورون والأغنياء تركوا حلب من أول الحرب. الطبقة الوسطى افتقرت كثيراً، والطبقة الفقيرة سُحقت. فحالياً الناس ليس لديهم إمكان أن يتطبّبوا على حسابهم في المستشفيات الخاصة والعيادات الخاصة، خصوصاً أنه من ناحية المستشفيات الحكومية بقيت فقط مستشفيان تعملان. وهاتان المستشفيان مكتظّتان.

غسان الشامي: كم مستشفى كانت هناك قبل الأزمة؟

نبيل أنطاكي: كانت هناك خمس مستشفيات حكومية كبيرة في حلب: إحداها مستشفى الكندي، حُرقت ثم دُمّرت من قِبل الإرهابيين. وهناك مستشفى زاهي أزرق أيضاً دُمّرت. وحالياً بقيت مستشفيان: مستشفى الرازي ومستشفى الجامعة، وهما مكتظّتان بجرحى الحرب. فالمريض الذي لديه مرض عادي أو يلزمه عمل جراحي، صعب جداً أن يصل إلى المستشفيات العامة، فهو مضطرّ أن يذهب إلى المستشفيات الخاصة. وبما أن إمكاناته المادية ضعيفة جداً، فهو بحاجة إلى مَن يدعمه حتى يستطيع أن يتطبّب أو يُجري عملاً جراحياً.

غسان الشامي: هل من احتياجات ملحّة للمدينة طبياً؟

نبيل أنطاكي: بالتأكيد، لأننا ما عدا ما حدث لنا من دمار، صارت علينا عقوبات اقتصادية من قِبل الغرب. وهذه العقوبات الاقتصادية تمنعنا من تحويل المال لاستيراد...

غسان الشامي: تحديث معدّات.

نبيل أنطاكي: تحديث معدّات. نحن في المستشفى إذا أردنا أن نحدّث معدّات صعب جداً. أنا كانت تلزمني قطعة تبديل لمنظار، بقينا سنة وثلاثة أشهر حتى استطعنا أن نحصل عليها بطرق غير شرعية لأن علينا حظراً،  هوحظر اقتصادي وحظر مالي.
وهذا يعمل ...، وأيضا ًفي مجالات أخرى صعب جداً.

غسان الشامي: الأستاذ المهندس باسل شكري، أنتم في دائرة العلاقات المسكونية، نحن زرناكم في دمشق، نعرف ماذا تقدّمون هناك. في حلب، ما هو برنامجكم الإغاثي؟

باسل شكري: بدايةً أحب أن أترحّم على شهداء سوريا، وأتمنى باسمي وباسم الدائرة وباسم كل الناس الشفاء للمرضى والجرحى الموجودين في المستشفيات وخصوصاً في الأحداث التي تمرّ بها حلب في التوقيت نفسه الذي نصوّر فيه هذه الحلقة، من الأطفال الذين كانوا ذاهبين بالأمس إلى مدارسهم والذين استشهدوا.

غسان الشامي: هذا أمر طبيعي أن تترحّم. ولكن إغاثة هؤلاء الجرحى هي هدفنا.

باسل شكري: أنا سأكمل لكم من هذه النقطة التي تفضّلتم بها والمتابعة لما تفضّل به الدكتور نبيل. في الحقيقة، الواقع الطبي هو أحد برامجنا للعمل الإنساني. فكرة صغيرة عن العمليات المنقذة للحياة والناتجة من الإصابات الحربية التي تمت في المستشفيات الخاصة نتيجة، كما تفضّل الدكتور، تدمير المنظومة الطبية بفعل الإرهابيين والفعل الممنهج. في الثلاثة أشهر الأخيرة كانت هناك 200 عملية جراحية منقذة للحياة ناتجة من الشظايا الحربية قامت بها الدائرة في مدينة حلب في المستشفيات الخاصة دعماً للمستشفيات الحكومية التي تقوم بهذا الدور على أكمل وجه. فتخيّلوا هذا الحجم من الإصابات الذي كان خلال فترة محدودة.
في الحقيقة، برنامجنا الإنساني الذي أحد أجزائه هو البرنامج الطبي، لدينا العمليات المنقذة للحياة والمنقذة للوظيفة، العمليات الباردة والمتوسّطة، الولادات القيصرية والطبيعية. كان لدينا رفد للمستشفيات الحكومية بأجهزة طبية مثل أجهزة منفسة، أجهزة تخدير، أجهزة "إيكودوبلر" لتكون رافداً في القطاع الميداني والطبي لمعالجة هؤلاء الناس. كما قمنا بتوزيع المعينات الحركية.

غسان الشامي: مَن تستهدفون من الناس؟

باسل شكري: نحن نستهدف كل جريح ومصاب في هذا الوطن الغالي.

غسان الشامي: بغضّ النظر عن...

باسل شكري: من دون النظر.. على مثال السامري الصالح. السامري الصالح الذي هو شعار الدائرة والمثل الذي ذكره السيّد المسيح الذي نتشرّف بأن يكون مثالاً لنا وقدوة لنا هو أن نعالج الجريح بغضّ النظر عن دينه أو عرقه أو جنسه.

غسان الشامي: هل من برنامج معيّن يترافق في هذه المساعدات مع واقع حلب المأساوي؟ هل هناك خطة طارئة، خطة إنقاذية تقومون بها؟

باسل شكري: نحن في حلب ذكرنا الآن البرنامج الطبي الذي هو أحد البرامج للاستجابة السريعة ضمن الواقع الأليم.
لدينا البرنامج التعليمي.

غسان الشامي: نتحدّث عنه في ما بعد. ولكن ما أقصده، كما قلنا...

باسل شكري: لدينا برنامج التوزيعات والمال مقابل العمل. من خلال هذين البرنامجين اللذين يوضحان أكبر استجابة سريعة، لدينا برنامج التوزيعات وهو تقديم توزيعات وحصص داعمة غير دورية من المواد غير الغذائية وأحياناً بعض المواد الغذائية لكل متضرّر ونازح في هذا الوطن. البرنامج الذي يرفده بالمساعدات هو برنامج المال مقابل العمل، وهو على جزءين:
الجزء الأول هو تأمين فرص عمل للنازحين والمتضررين الذين شُرّدوا وهُجّروا ودُمّرت منازلهم إحياءً لكرامتهم وإعطائهم لقمة العيش، وفي الوقت نفسه إفادة المجتمع وخدمة الآخرين. مثال بسيط: كلنا نعرف في حلب الواقع المائي المتردّي الذي ظهر بشكل كبير منذ حزيران نتيجة التفجيرات الإرهابية لأنابيب المياه. بعض الأحياء والمناطق بقيت من 45 يوماً إلى 80 يوماً من دون ماء. كان التدخّل من خلال تحليل آبار الكنائس والمساجد، تزويد 14 مسجداً وعشر كنائس بخزّانات فئة الستة آلاف والتسعة آلاف ليتر مع منهل ماء لكي تقوم في أوقات الانقطاع الكبير بتوزيع الماء على الأهالي. قمنا أيضاً من خلال العمل بتوزيع 500 ألف ليتر ماء مجاني على كبار السن ومرضى السرطان ومرضى الروماتيزم.

غسان الشامي: في الواقع، المدينة تحتاج إلى الكثير. أعزائي، مَن يزور مدينة حلب يعي تماماً مَن كان يعرفها سابقاً أنها ليست حلب التي شهدها، تلك المدينة المُترفة المرفّهة. إنها بحاجة إلى كل شيء.

دكتور نبيل أنطاكي، مَن يساعدكم؟

نبيل أنطاكي: لدينا أصدقاء كثر يمكن أن يساعدونا. نأخذ أيضاً مساعدات من منظمة الهلال الأحمر السوري، ونوزّع كثيراً.
نحن لدينا مشاريع إغاثية على رأسها المريمي الأزرق للنازحين. فنعطي بشكل دوري كل أربعة أسابيع سلّة غذائية قيمتها 25 ألف ليرة أي ما يعادل راتب إنسان في حلب. نعطي معها سلّة صحية شهرية. نعطي بدل أمبير لأن الكهرباء مقطوعة في حلب والناس يلجأون إلى المولّدات الخاصة. فأمبير واحد كلفته أربعة آلاف ليرة في الشهر. والإنسان الذي لديه عمل، لأن معظمهم عاطلون من العمل، يكون راتبه 20 أو 25 ألف ليرة لا يمكن أن يدفع أربعة آلاف ليرة لكي يُحضر إنارة إلى بيته. فنعطي بدل أمبير للناس. نُسكِن النازحين. لدينا برنامج لنأخذ بيوتاً صغيرة، شققاً صغيرة، لكي نُسكن النازحين. لدينا عدد كبير جداً من النازحين، ذكرناهم. فبقدر إمكاناتنا نستأجر بيوتاً، نوزّع لهم ثياباً. هؤلاء النازحون نزحوا من بيوتهم من دون شيء سوى الثياب التي يلبسونها. فهؤلاء بحاجة إلى ثياب، بحاجة لأحذية، بحاجة لمتابعة. لكن الأهم من كل هذا في برنامجنا مع النازحين هو المرافقة لأن هؤلاء خسروا كل شيء، وأحياناً خسروا كرامتهم. ونحن هدفنا الأول أن نعيد لهم كرامتهم. فكل المتطوّعين، لدينا 70 متطوعاً يعملون معنا في المريمي الأزرق، قبل أن يعملوا أي شيء نقول لهم: الإنسان الذي أمامكم ليس رقماً. لسنا آتين لكي نعبّئ بيانات على لوائح كبيرة بالآلاف. نحن نفضّل أن نعمل القليل لكن نعمله باحترام كرامة مَن أمامنا. فالذي أمامكم عليكم أن تُلقوا نظرة حب عليه، عليكم أن تُلقوا نظرة ترفع من كرامته وليس أن تجعلوه يشحذ. هو ليس شحّاذا.

غسان الشامي: على فكرة، البارحة في الفندق الذي ننزل فيه قابلتني سيّدة حلبية، قالت لي: تصوّر يا أستاذ ما هي مشاعري وأنا في بلدي ولا أستطيع أن أسكن في منزلي، وأنزل في فندق. تفضّل.

نبيل أنطاكي: فنحن يهمّنا أن الإنسان نرفع من كرامته ونعامله كإنسان آخر. فهناك بناء علاقة. لذلك، العائلات كلها التي نساعدها، النازحة، مسلمة أو مسيحية، نعرفها بتفصيلها: كم ولداً لديهم، ماذا يلبسون، إلى أية مدرسة يذهبون، حتى نستطيع أن نرافقهم ونتابعهم. فنحن لدينا متابعة جديّة للعائلات النازحة التي نهتمّ بها. هذا مشروع المريمي الأزرق للنازحين. ولكن لدينا مشاريع أخرى، وأهم مشروع هو مشروع مدنيي جرحى الحرب. الأستاذ باسل تحدّث عن تطبيب في البطريركية لجرحى الحرب. هذا المشروع ظهر آنياً من بضعة أشهر. نحن من أول ما بدأت الحرب في حلب منذ أربع سنوات، هناك مستشفى خاصة نستقبل فيها كل مدني جريح حرب مهما كان انتماؤه أو دينه ونطبّبه مجاناً في مستشفى خاصة في أفضل مستشفى في حلب مع أفضل أطباء في حلب حتى ننقذ حياته.

غسان الشامي: كم جمعية في حلب تقوم بهذا؟

باسل شكري: في الحقيقة، هذا السؤال مهم أن تضيئوا عليه. نحن من ضمن عملنا كفرقاء، وعدة منظمات وهيئات تعمل في هذا العمل، تقريباً يقارب بين الهيئات والمنظمات العاملة على الأرض بحدود 12 هيئة، ما عدا الكنائس التي تقوم بفتح أبوابها للجميع. فأنا والدكتور نبيل، إذا سمحتم لي، نشكّل أحد النماذج المتشابكة المتكاملة.

غسان الشامي: أنا لذلك سألت هذا السؤال.

باسل شكري: تماماً، المتشابكة المتكاملة.

غسان الشامي: لأنه أيضاً 12 أو 14 أو 15 هيئة على 80 بالمئة من حلب، قليل جداً.

باسل شكري: تماماً، تماماً. هذا الرقم فعلاً كما تفضّلتم رقم صغير جداً بالنسبة للحاجة. نشكر الله، ربنا يعطينا. المحبة حين تكون موجودة، الإنسان على قدر المشكلات يعطيه قوة، كل شخص يعمل من المتطوّعين في كل مكان وفي البطريركية وعند الإخوة المريميين أضعاف مضاعفة. ليل نهار، يسهر ويفكّر بالاحتياجات، بين التدخّل السريع والاستجابة السريعة والتغيّرات. حلب في عام 2011 غير حاجة حلب في عام 2016.

غسان الشامي: بالتأكيد.

باسل شكري: فالتغيّرات التي تنتج نتيجة حاجة المجتمع التي في آخر فترات ظهرت فيه الأمور التي تتعلّق بالدعم النفسي.

غسان الشامي: سآتي إليها.

دكتور نبيل أنطاكي، الواقع الاجتماعي في حلب، دائماً الحروب تنتج وقائع اجتماعية مغايرة تماماً لأيام السلم لأنه تحصل أعطاب بنيوية في بنية المجتمع. من وجهة نظرك، كونك تتعامل يومياً مع مآسي المجتمع، ما هو الواقع الاجتماعي الحالي لمدينة حلب؟

نبيل أنطاكي: الواقع الاجتماعي حالياً في حلب أليم جداً لأنه أولاً لا توجد عائلة لم تفقد قريباً أو ابناً أو أباً أو جاراً. فكلهم أصيبوا من الناحية الإنسانية. ثم إن الكل عاشوا أربع سنوات بخوف من الهاون الذي يقع يومياً على حلب، من جرّات الغاز التي تقع على مختلف مناطق حلب. فالكل يعيشون في رهبة وفي خوف. من جهة ثانية، نحن معجبون بالشعب الحلبي الذي هو فعلاً شعب استثنائي. الناس الذين خسروا معاملهم وكانوا أغنياء والآن يعملون سائقي تكسي أو سائقي سوزوكي فقط كي يستطيعوا أن يؤمّنوا لقمة العيش لعائلاتهم. الحقيقة أن هذا أمر عجيب جداً. نرى أناساً فتحوا "بسطة"، وكان له معمل. فتح "بسطة"، يبيع سجائر فقط كي يوفّر لقمة العيش للعائلة. فهناك مآسٍ كبيرة جداً من الناحية النفسية والاجتماعية. ومن جهة أخرى نحن معجبون بالأمر الذي يسمونه بالفرنسية ... أي التأقلم مع الواقع الأليم. والحقيقة أنني أرفع قبّعتي للشعب الحلبي لأن ما عاشه وقام به في هذه الأربع سنوات أمر لافت للنظر. ولكننا بحاجة لمرافقة الناس لأنهم كلهم لديهم مشكلات.

غسان الشامي: هذا الواقع الاجتماعي، في الشارع لا نجد إلّا كثيراً من المتعبين. بمعنى من المعاني، هذا التأقلم، هذا التغيير في النسيج الديمغرافي للمدينة، ماذا أثّر عليها؟ وماذا أثّر على نموذج الإغاثة فيها؟

نبيل أنطاكي: طبعاً التوزع الديمغرافي في حلب تغيّر كثيراً لأن معظم الحلبيين الذين يسكنون حالياً في حلب هم آتون من الأحياء الشرقية أو من الأحياء المحيطة لحلب. وسكان حلب الذين كانوا يعيشون داخل حلب معظمهم تركوا حلب. فهناك تغيير في البنية السكانية لحلب. ولكن المشكلة ستكون بعد انتهاء الحرب. ستكون لدينا أجيال وأجيال من الناس الذين يحتاجون لمتابعة نفسية ودراسية حتى تستطيع أن تعود وتبني الحياة الاجتماعية التي كنا نعيشها من قبل.

غسان الشامي: أستاذ باسل، أريد أن أسألك عن الواقع التعليمي. أنت مهندس، ومهندس شاب. الواقع التعليمي في المدينة، وعن برنامجكم التعليمي لمن أراد أن يكمل تعليمه في مدينة تخضع لظروف الحرب القاسية هذه.

باسل شكري: في الحقيقة، الوضع التعليمي من بداية الأزمة حتى الوقت الحاضر عانى جداً جداً وفق خطوط بيانية متغيّرة. حسب إحصاءات مديرية التربية، هناك نحو 70 بالمئة من المدارس بمحافظة حلب خارج الخدمة بفعل الإرهاب أو التدمير.

غسان الشامي: 70 بالمئة في المحافظة؟

باسل شكري: 70 بالمئة في المحافظة.

غسان الشامي: وفي المدينة؟

باسل شكري: في المدينة ليس لديّ إحصاء دقيق، لكن أتوقّع أن هناك 50 بالمئة من المدارس. الواقع التعليمي عانى على سبيل تدمير المدارس والمراكز التعليمية إلى تسرّب العديد من الأطفال من المدارس والاتجاه نحو العمل، الاكتظاظ التدريسي ضمن الصفوف، العقول والمدرّسون الأكفياء والخبراء هاجروا، الخوف في السنين الأولى للأهالي من إرسال أطفالهم إلى المدارس، عدم توفّر المناهج والصعوبات التي تتعلق بالقرطاسية والطباعة والمطبوعات. كلها ساهمت بشكل أو بآخر في تراجع العملية التعليمية التي حاولنا مع شركائنا كمديرية التربية والقطاعات الأخرى بدعمها على سبيل دعم المدارس بالأقساط التعليمية لتكون المدارس الخاصة...

غسان الشامي: بقيت هناك مدارس خاصة؟

باسل شكري: نعم، المدارس الخاصة موجودة، وأخذت دورها من جديد مع المدارس الحكومية لتكون رافداً، وهذا أمر واقع، في سورية وفي حلب لاستمرار عملية دوران العجلة التعليمية. فمن خلال المساهمة بالأقساط، من خلال المساهمة بتأمين القرطاسية، من خلال المساهمة بدورات مجانية لطلاب الشهادتين الإعدادية والثانوية بحيث يكملون تعليمهم لأن الفجوة التعليمية فجوة مهمة. وآخر تصنيف وفق المنظمات العالمية، وضعوا التعليم بمثال متساوٍ مع الغذاء لأن الفجوة التعليمية، التعليمية هي معلومات وهي أخلاقيات وهي تربية، يمكن أن تسبّب هوّة في المستقبل عندما تنهض سوريا.

غسان الشامي: دكتور أنطاكي، هل المستوى التعليمي في حلب تدنّى؟ بمعنى من المعاني، هل غادر الكثير من الأساتذة المدينة جامعياً وثانوياً؟

نبيل أنطاكي: بالتأكيد. الكثير من الجامعيين، مثلاً الأطباء والأساتذة، تركوا البلد. أنا لديّ إحصاء عن الأطباء: 75 بالمئة من أطباء حلب غادروا حلب، وبقي 25 بالمئة فقط.

غسان الشامي: هل هناك رقم لعدد الأطباء الذين كانوا؟

نبيل أنطاكي: كنا قبل الحرب 6,500 طبيب مسجّل في نقابة الأطباء.

غسان الشامي: طبيب عادي أو مُختّص؟

نبيل أنطاكي: الكل، عادي ومُختّص.

غسان الشامي: بشكل عام.

نبيل أنطاكي: حالياً المسجّلون والباقون في حلب 1,600. فتقريباً الربع باقٍ في حلب. وكذلك في المدارس والجامعات هناك الكثير من أساتذة الجامعات وأساتذة المدارس تركوا. لهذا السبب نحن مضطرّون أن نساعد في الدراسة. كما قال باسل، كما لديهم برامج تعليمية نحن أيضاً لدينا برامج لدعم الطلاب في المدارس بدفع الأقساط، بدعمهم بأن نشتري لهم قرطاسية. ولكن لدينا برنامجان مميّزان: برنامج اسمه "أتعلّم أن أكبر" لكي نهتمّ بالأطفال قبل أن يذهبوا إلى المدرسة من عمر الثالثة حتى السادسة. نحضرهم إلى حيث نحن موجودون ونهتمّ بهم يومياً بعد الظهر لنعطيهم مبادئ التدريس والتربية. ولدينا برنامج رديف اسمه "أريد أن أتعلم"، للطلاب أو الأولاد الذين لا يذهبون إلى المدارس بسبب الأزمة وبسبب النزوح، على الأقل نعطيهم مبادئ التعليم والقراءة حتى يستطيعوا لاحقاً أن يتابعوا مسيرتهم في الدراسة.

غسان الشامي: اسمحا لنا أن نتوقّف مع فاصل.

أعزائي، فاصل ثم نعود إلى الحوار مع الدكتور نبيل أنطاكي والأستاذ باسل شكري عن الإغاثة في حلب من محطة قطار حلب. انتظرونا.

 

المحور الثاني

 

غسان الشامي: تحية لكم.

نبدأ القسم الثاني من الحوار مع الدكتور نبيل أنطاكي والأستاذ باسل شكري بتقرير عن الإغاثة في الجمعيتين: دائرة العلاقات المسكونية والمريمي الأزرق، ثم نعود إلى الحوار:

 

التقرير

 

ما أن تدخل الساحة الخارجية لمستشفى القديس لويس الذي يسمّيه الحلبيون مستشفى فريشو على اسم الطبيب الفرنسي الذي أداره، حتى تجد أن الزمان قد وقف أمام الحجر وترك بصماته على اليافطات. حوّلت المحنة السورية وتراجع عدد المستشفيات في حلب المستشفى إلى مستقبِلة رئيسية للجرحى والحالات الطارئة. وتأقلمت الإدارة والأطباء والراهبات مع الواقع المأساوي. فالمستشفى تديرها راهبات مار يوسف الضهور، وتعود إلى عام 1907 على أرض قدّمها عبد الرحمن زكي باشا المدرّس بعد موافقة شاقّة من السلطان عبد الحميد.

منذ افتتاح قسم منها عام 1907 وافتتاحها الرسمي عام 1920 بعد استكمال بنائها، لا تزال المستشفى والراهبات في خدمة أهل حلب من دون تمييز. وتتفانى الراهبات والأطباء في محاولة تقديم ما يليق في زمن الحرب لأن المستشفى تعاني من نقص في كادر التمريض. وقد أُغلق جزء منها جرّاء نقص الكادر والعقوبات الدولية التي أثّرت على تحديث الأجهزة. وغالباً جرّاء الحصار، تعاني من نقص المازوت للإضاءة وخدمة الأجهزة. لكن على الرغم من ذلك يمكن ملاحظة الإرادة والصلابة في مواجهة العوائق.

بالمناسبة، الراهبة ماريليت سليم من جزّين تدير المستشفى منذ 62 عاماً ولا تقبل بمغادرة حلب، وراهبة إيطالية لا تزال تخدم فيها منذ 40 عاماً.

 

غسان الشامي: أهلاً بكم. أستاذ باسل شكري، كما عرفت أنتم تستهدفون الإنسان كإنسان في عملكم، ومن منطلق السامري الصالح. والسامري الصالح، كما قلت، له هذه الصفة الناعمة الطيّبة المسامحة في اللاهوت المسيحي. ولكن كيف يتم فعلاً عملياً استهداف الإنسان في مدينة حلب؟

باسل شكري: الحقيقة أن الفكرة التي نبدأ بها هي السامري الصالح. كانت ثمة زيارة لصاحب الغبطة يوحنا العاشر لمدينة حلب في ميلاد 2014. فحين التقى الفريق كأبناء له، كان يقول لنا إنه حين يأتي الشخص إليكم طالباً المساعدة، يجب أن يمنّنكم بمجيئه إليكم. بهذه المحبة، بهذه الروح، العطاء حتى نهاية العطاء، العطاء بسخاء والعطاء بمحبة.

غسان الشامي: ولكن عملياً كيف يتم استعداد الإنسان؟

باسل شكري: نحن لدينا فريق استقصاء الواقع والألم والمتغيرات التي تعصف بالمدينة على مستوى الحاجات وعلى مستوى الأشخاص. نحن نقوم باستهداف الأشخاص، طبعاً كما تفضّل الدكتور، ليسوا مجرّد أرقام. نحن نتوجه من خلال برامجنا إلى جمعيات وفاعليات وهيئات تُعنى مثلنا بالاعتناء بالناس. نستهدف الأكثر حاجة بينهم من خلال معرفتهم، من خلال معرفتنا بمسح احتياجات، الواقع المائي، الواقع الكهربائي، الواقع الغذائي، واقع التشغيل، واقع الدعم النفسي، ليتم الوصول إليهم. فمثلا أحد الاستهدافات البطريركية بالتوزيعات في الفترة الأخيرة كان فوج إطفاء حلب، سائقي سيارات الإسعاف، العاملين في مؤسسة المياه، عمّال حافلات النقل الداخلي، عمّال التنظيفات. هذه الشرائح التي في هذا الظرف الصعب تُعنى وتندفع بكل محبة لإنقاذ ومساعدة الجريح والمواطنين. فهذه الفئات يكون من الواجب علينا الانتباه لها والوقوف على حاجاتها والمساعدة بقدر ما يمكن.
على هذا الهامش لدينا أيضاً برنامج الإيجارات لمن هُجّروا أو نزحوا أو دُمّرت بيوتهم، لمساعدتهم في دفع أقساط المنازل.

غسان الشامي: مثلاّ بالأرقام، كيف يمكن أن تصف هذا؟

باسل شكري: الواقع كما تفضّل به الدكتور، أي النزوح الكبير، مهما كانت الأرقام كبيرة، هي تظل قطرة ولكن قطرات في إناء من فاعليات مختلفة، لا بد من أن تنهض لواقع معيّن. هناك الكثير من الناس الذين صاروا يهتمون ويفرحون بالاستفقاد أكثر منه بالصندوق أو الحاجة. نحن كانت لدينا مبادرة اسمها مبادرة رغيف، تم فيها توزيع خبز لبيوت نحو 500 عائلة من كبار السن والمتضررين، الذين تمنعهم الأمراض حتى أن يأخذوا الخبز مجاناً في بعض أماكن التوزيع. كان هناك نحو 20 شابّاً وشابّة كل يومين يذهبون إلى بيوتهم، يطرقون أبوابهم ويقدّمون لهم الرغيف مع المحبة. مع الاستفقاد الاجتماعي النفسي، إذا كانت حاجتهم لطبيب نؤمّن لهم طبيباً، إذا كانت حاجتهم للماء نؤمّن لهم الماء. كنت ذكرت في موضوع الماء أنه تم توزيع مياه لأناس لا يأتون حتى بالإيجار. إذا كانت هناك عمليات نقل الماء لحلب، إذا كان لديهم خزّان 150 أو مئة أو جرار، كان يذهب الشباب وحتى الشابات يملأون لهم جرار الماء في بيوتهم. فهذا الفعل من الدعم النفسي الاجتماعي الاستفقادي الخدمي.

غسان الشامي: شكراً.

باسل شكري: هذا ما كنا نريد أن نقوله.

غسان الشامي: دكتور نبيل أنطاكي، حلب يقسّمها إعلام الغرب إلى شرقية وغربية. تتذكّر النموذج اللبناني. ويقول إن المنطقة الشرقية هي المستهدفة. حتى لا أدخل في السياسة، نحن سمعنا، رأينا القصف، شاهدنا أيضاً أين تنزل جرار الغاز.
ربما المستمعون أحياناً يسمعون في هذه الحلقات التي سجّلناها في حلب أصواتاً. ضمن هذا وفي هذه المنطقة، كيف حال الماء والكهرباء والخدمات في غرب حلب؟

نبيل أنطاكي: الخدمات في حلب وضعها مأساوي جداً. أولاً من ناحية المياه، المياه مقطوعة عن حلب منذ ثلاث سنوات.
ليست فقط قضية تفجير قنوات المياه، الأحواض ممتلئة بالمياه ولكن على المضخّات أن تضخّها. وأكبر مركز لضخّ المياه هو بأيدي المسلّحين، فيقطعون المياه عن حلب. بقينا أشهراً وأشهراً من دون نقطة ماء. هذا دفع الهيئات الدينية والبلدية أن تحفر آباراً في حلب. حالياً في حلب هناك 300 بئر داخل مدينة مسكونة، على كل الشوارع، على كل الأرصفة هناك آبار محفورة حتى تخدم الناس من المياه. منذ ثلاث سنوات ونحن من دون ماء. ربما تأتي أحياناً لمدة أسبوع أو أسبوعين، لكن تعود وتنقطع.
هذه هي الماء. الكهرباء أيضاً نفس الشيء. محطة توليد الكهرباء بأيدي المسلحين، فيقطعون عنا الكهرباء حين يريدون.
فبقينا أشهراً من دون كهرباء. وحين تأتي الكهرباء تأتي يوماً في الأسبوع. هذا اضطرّ الناس إلى أن يشتروا كهرباء من المولّدات الخاصة الموجودة على أرصفة حلب. الخدمات كلها معطّلة. وحلب الغربية هي حلب الأصلية لأن تلك هي بعض أحياء حلب، كان علينا حصار. عدة مرات كان ثمة حصار على حلب. أطولها كان في أواخر 2013 دام عدة أشهر.

غسان الشامي: حصار غذائي.

نبيل أنطاكي: حصار على حلب؛ لا أحد يمكن أن يدخل ولا أحد يمكن أن يخرج، ولا توجد أية مواد غذائية دخلت إلى حلب مدة أشهر. الحصار ما قبل الأخير كان في تشرين الأول 2015. آخر حصار كان منذ شهر ونصف الشهر لمدة خمسة أيام. فأهل حلب الغربية تعذّبوا كثيراً. فنحن حين نرى في الإعلام الغربي ماذا يحصل في مناطق حلب الشرقية، والرأي العام الغربي كله متعاطف مع الإرهابيين الذين هم في حلب الشرقية، نحن نقول: لا، كفى، لأننا منذ أربع سنوات ونصف السنة نعيش تحت إرهاب المسلحين. يمكن ألّا يسمّوهم إرهابيين لأنهم قد لا يكونوا من النصرة أو داعش لأن فقط هاتين المنظمتين موضوعتان على اللائحة الدولية، قد لا يكون هذا اسمهم، قد يكون لهم اسم آخر. ولكن هؤلاء مارسوا الإرهاب ضدّ شعب حلب لمدة أربع سنوات ونصف السنة. يومياً هاون يقع، يومياً جرّات الغاز المليئة بالمسامير. وجرّات الغاز والهاون هذه قد لا تدمّر أبنية كما نرى في حلب الشرقية، ولكن تقتل الكثير لأنه يكفي من شظية صغيرة قطرها سنتيمتر واحد لتدخل في رأس إنسان كي تقتله. فنحن معرّضون للقتل، نعيش من دون ماء، من دون كهرباء. وهذه جرائم. ففي دستور جنيف...

غسان الشامي: ميثاق جنيف.

نبيل أنطاكي: في ميثاق جنيف، قطع الماء عن سكّان هو جريمة حرب. منذ ثلاث سنوات والمياه مقطوعة عنا، وكذلك الكهرباء، وكذلك خدمات أخرى. فنحن نعيش تحت إرهاب أكثر من الذي يعيشونه حالياً أهل حلب الشرقية، لأن أهل حلب الغربية الذين هم أهالي حلب يطلبون من الجيش السوري أن يحرّرهم. وهذا واجب على الدولة السورية أن تحرّر سكان حلب من الإرهابيين الذين يأخذون سكان حلب الشرقية رهائن ويتركونهم عندهم.

غسان الشامي: أنت قلت إن هذا جريمة حرب. أنت في جمعية تتكلم معك مؤسسات غربية. هل هؤلاء مقتنعون بأن ما يحصل بحق سكان حلب هو جريمة حرب؟ أو أن الكلام مجرّد كلام إعلامي للاستفادة منه سياسيا وليست له علاقة بالإغاثة ولا بالدمار الاجتماعي والسكاني الحاصل؟

نبيل أنطاكي: الحقيقة أنهم غير مقتنعين لأنه يومياً على شاشات التلفزيون وفي الجرائد في الغرب هناك حملة إعلامية شرسة على سوريا وعلى حكومة سوريا وتتعاطف مع الإرهابيين. فيومياً يومياً الصوّر نفسها والمونتاجات نفسها تُقدَّم للناس في الغرب. ولكن دورنا أن نوعّيهم. أنا أعطي مقابلات كثيرة في الصحف، في التلفزيونات والإذاعات كوني أجيد بشكل جيّد اللغتين الفرنسية والإنكليزية. فدائما ًأوعّيهم وأقول لهم: هذا الذي تسمعونه خطأ. في البداية لا يصدّقون، يقولون: هذا ماذا يخترع؟ يكذب علينا، يخترع قصصاً لأن ما نراه هو غير ذلك. نقول لهم: هذه هي الخديعة لأن هناك إعلاماً كاذباً يصل إليكم منذ بداية الحرب.

غسان الشامي: أستاذ باسل، كيف تعملون على التنمية المستدامة في حلب؟ لأننا نعلم أن الأزمة مهما استطالت ستنتهي.
ولكن التنمية المستدامة كيف تقاربونها؟

باسل شكري: في الحقيقة، نحن نعمل على اتجاه أو رؤية... عين على الواقع وعين على المستقبل. الواقع، إذا انتهينا مما تفضّل به الدكتور وسؤالكم عن الواقع المائي بالذات، تخيّلوا أننا استطعنا آخر سنتين أن نوزّع نحو مليون ليتر تجميعي، ضمن خزانات، لبيوت الناس. في حلب لم يكن يتوقع الناس أن بيوتهم، فلنقل على مستوى الأرض أو ارتفاع 150 سنتم، لم يكن لديهم خزان، لم يكونوا بحاجة. استطعنا أن نوزع مجموعة من الخزانات في مراكز الإيواء وأماكن النازحين وبيوت المتضررين وبيوت الناس القاطنين في بيوتهم نحو مليون ليتر تجميعي من المياه. طبعاً كما تفضّلتم أن في يوم من الأيام ستنتهي الأزمة، وهذا فلنقل هو عين على الحاضر. عين المستقبل هي باتجاهين: الاتجاه الأول هو تعليم الناس صيد السمك حسب المثل الشائع الذي يقول إنه ليس أن يأكل الناس السمك إنما نعلّمهم كيف يصطادون. ردفنا هذا الأمر إلى عملية تسليم السنّارة وجلب البحيرة من خلال إطلاق مجموعة مشاريع تنموية بسيطة. كان لدينا مشروع هو عبارة عن الغسيل والكيّ الذي هو مشروع نتيجة الأزمة. قدّمنا مجاناً غسيلاَ لأن الغسيل ترادفه نظافة، والنظافة تفشّي أمراض، والأمراض نعود إلى الحلقة الطبية. الكيّ الذي هو أيضاً أحد الأمور المهمة للدعم النفسي والاجتماعي والأناقة. كان ثمة مشروع أيضاً ضمن الواقع الحياتي...

غسان الشامي: أناقة وحرب، مسألة لافتة.

باسل شكري: تتفاجأون في حلب كما كان يتحدث الدكتور نبيل. حلب، صمود أهلها أمام هذا الواقع المرير، أنتجهم إلى حياة أخرى، لديهم أمل بالمستقبل، لا يتوقف الموضوع. يضمّدون جراحاتهم بعد كل قذيفة هاون، بعد كل تدمير.

غسان الشامي: شاهدنا ذلك أن القذيفة تسقط ومن ثم بعد قليل يلملم الناس الجراحات ويذهبون إلى....

باسل شكري: وجوههم أمل بالمستقبل. هذا الأمر لا يتوقف. فحتى الكيّ الذي نتحدّث عنه هو نوع من الأناقة، هو أكبر إصرار على استمرار الحياة. أنشأنا مكتبة، قرطاسية ووسائل إيضاح لدعم العملية التربوية، تُعنى بشؤون النسخ. كل هذه المشاريع هي مشاريع تغذّي ذاتها بذاتها، من خلال مساهمات للمجتمع المحلي، من خلال تقديم خدمات مجانية. هذه المساهمات البسيطة تسمح لعائلات كاملة، نحن الآن لدينا تقريباً 25 إلى 30 عائلة تعيش بكرامتها وبمحبة من هذه العمليات. لدينا مركز كان للخياطة، مركز لتصليح الملابس. كانت لدينا مشاريع الـcash for work التي هي النجار والحداد والكهربجي. قمنا بترميم مستشفى الرازي في موقعه الحالي، مستشفى الرازي الحالي قسم الإسعاف كان يستوعب خمسة أسرّة فأصبح عشرة أسرّة، مع قسم الداخلية لمستشفى زاهي أزرق. الترميم بالحجر الصحي والعناية المشددة لزاهي أزرق. هذه ضمن أعمال الـcash for work، المال مقابل العمل، نعطي النجار خشباً فيعطينا سريراً، نعطي الحداد حديداً فيعطينا خزائن، نعطي الكهربجي أدوات فيعطينا إنارة. قسم الأورام السرطانية في مستشفى الشرطة، قمنا بترميمه وتجهيز غرفتين لصالح الجمعية السورية لمكافحة سرطان الأطفال.

غسان الشامي: دكتور أنطاكي، بعد الأزمة، الجرحى، المعوقون، تعرف أن الحروب تنتج مآسي في هذا الأمر، أصحاب الإعاقات الدائمة، هل هناك إحصاءات؟ هل هناك فكرة عن كيفية مساعدة هؤلاء الناس؟

نبيل أنطاكي: بالتأكيد أنتم تمشّيتم في شوارع حلب ورأيتم العديد من الناس الذين ثمة "سياخ" ظاهرة في أيديهم أو في أرجلهم أو مبتورين أو يمشون بمساعدة. فالحقيقة أن الوضع مأساوي. نحن في المستشفى، وأنا بممارستي، عدد الناس المبتورة أطرافهم عدد هائل جداً جرّاء الهاون الذي يقع والأرجل التي تُدهَس ونضطرّ إلى قطعها. وهؤلاء كلهم سيحتاجون إلى أطراف صناعية. والحمد لله أن هناك مؤسسة في حلب تهتمّ بأن تصنع أطرافاً صناعية بمساعدة...

غسان الشامي: مؤسسة للدولة أو...؟

نبيل أنطاكي: لا لا، طرف خاص، طرف خاص.

غسان الشامي: مؤسسة خاصة.

نبيل أنطاكي: مؤسسة خاصة بدعم من مطرانية الموارنة في حلب يبدأون بصناعة أطراف صناعية بمساعدة لبنانية من الناحية التقنية. وهذه ضرورة مهمة جداً. ثم إن هناك جمعية أخرى اسمها "يداً بيد" تهتمّ أيضاً بالمعوّقين العقليين والجسديين.
فستكون ثمة حاجة كبيرة جداً لهذا النوع من المساعدة لأن كثيراً من الناس فقدوا أطرافهم. عدد الجرحى.. نحن نقول إن هناك 300 ألف قتيل في هذه الحرب. لكن عدد الجرحى ربما ضعف هذا الرقم. بتقديري هناك على الأقل 600 ألف شخص أصيبوا بجروح بالغة ومن بينهم المبتورة أطرافهم.

غسان الشامي: وهذا ما لا قدرة للمجموعات والمنظمات والجمعيات الخاصة على القيام بأعبائه.

نبيل أنطاكي: كل واحد يعمل ما يستطيع. وبعد الحرب بالتأكيد ستكون هناك منظمات دولية ووزارة الصحة تهتمّ بهم. فقط أريد أن أعطي مثالاً بسيطاً: هناك طفل من عائلة نهتمّ بها وُلد من دون ذراعين، من دون يدين، وداس على لغم فانفجر به وفقد رجليه. فهذا الطفل عمره ست سنوات وليس لديه رجلان ولا ذراعان. هذا وضع مأساوي، تراه فيتقطّع قلبك عليه. ومثله العديد العديد من الناس الذين فقدوا أطرافهم.

غسان الشامي: أستاذ باسل، قبل أن أنهي، رسالتكم للناس، للمانحين، ما هي؟

باسل شكري: في الحقيقة، مَن يأتي ويرى الواقع في حلب مثلما ذكرنا من خلال هذه الحلقة التي لا تصف إلّا جزءاً بسيطاً من الواقع الأليم والمرير والفجوة النفسية التي يعانيها الأطفال خصوصاً. هذا الجزء الذي يتعلق بالصحة النفسية: أصوات القذائف، أصوات الهاونات، أصوات المتفجرات التي تشكّل رعباً بالنسبة لهؤلاء الأولاد الذين هم المستقبل. ضمن برنامج الدعم النفسي والاجتماعي، أنشأنا مركزاً اسمه حلم.

غسان الشامي: الوقت ضاق بي. ما رسالتكم للناس وللمانحين؟

باسل شكري: هذا الحلم أتمنّى أن يروه ويعتبروا الأولاد أولادهم لكي يدعموه ويربّوه ويروا هذه المحبة التي يعطيها هؤلاء الناس المتطوعين على الأرض من قلبهم، الذين أَخْلَوا ذواتهم في سبيل محبة الإنسان كيفما كان وأينما وُجد. وشكراً.

غسان الشامي: شكراً. دكتور أنطاكي، أعرف أنك تتعامل يومياً مع أقسى حالات القسوة. ماذا تقول لأهل حلب؟ ماذا تقول للناس في العالم العربي؟ ماذا تقول لهذا الغرب الذي تتعاطى معه لإظهار ما يحصل في هذه المدينة؟

نبيل أنطاكي: أقول للغرب: كفى، كفى تدخّلاً في شؤون سوريا، كفى دعم الإرهابيين بالمال والسلاح. دعونا نحن السوريين مع بعضنا البعض نحلّ مشكلاتنا ونرجع إلى السلام كما كنا نعيش في بلد آمن، في بلد مزدهر قبل هذه الحرب. أنا أريد أن أضيف أننا في عملنا الإغاثي والإنساني الذي نعيشه نعيش عملية تضامنية. وهذه العملية التضامنية مع الأكثر حاجة ستبدأ تبني النسيج الاجتماعي لسوريا المستقبل. والكلمة الأخيرة التي أريد أن أقولها.. طبعاً لم أستطع أن أسرد كل البرامج التي نعملها.

غسان الشامي: دائماً طبيعة الأمور...

نبيل أنطاكي: لسنا في صدد سرد. ولكن أريد أن أقول لك ما شعارنا في المريمي الأزرق. شعارنا هو أن نزرع الرجاء. فنحن في أية عملية نعملها نريد أن مَن هو قبالتنا يكون له رجاء، يصبح له رجاء للمستقبل. إذا لم نوصل هذا الرجاء إلى المستقبل يكون كل عملنا فاشلاً لأن الناس سيصير لديهم إحباط وتظل تترك سوريا وتهاجر كما هاجر كثير من الناس. فنحن يهمّنا أن نزرع الرجاء في قلوب الناس حتى يبقى الناس صامدين في سوريا ونعود ونبني مع بعضنا البعض سوريا.

غسان الشامي: أعزائي، مَن يسير في شوارع حلب يعلم تماماً أنها تحتاج إلى المزيد من العون والمزيد من الحب. ومَن لا يرى تعب الناس ولا يساعدهم فهو خارج عن نطاق الإنسانية.

شكراً للدكتور نبيل أنطاكي ذي اليد الحلبية الرحيمة، وللأستاذ باسل شكري على حضورهما في "أجراس المشرق".
شكراً للزملاء في "الميادين" الذين قرعوا معي هذه الأجراس: مدير العمليات جهاد نخلة، والزميلان العزيزان غسان نجار وجمال حيدر، والزميلان في حلب خالد سكَيف ورضا الباشا، والشاب الذي تنقّل معنا يحيى أبو النور.

من محطة قطار حلب، على أمل أن تعود حلب:

سلام عليكم وسلام لكم.

 

الحريات الدينية

الحريات الدينية... عناصرها وواقعها ووضعها وإطارها القانوني. وماذا عن الدول وحالة هذه الحريات ومكانتها في القانون الدولي قديماً وحديثاً؟ وأين حرية الاعتقاد في دساتير الشرق والغرب؟

المزيد