لماذا تحول العرب إلى سوق سلاح تُحوّل أطفالهم إلى قتلة؟

كانت مصانع السلاح العالمية تصنع الأسلحة لخدمة الحروب، اليوم تصنع الحروب لخدمة الأسلحة والصفقات العسكرية. هل حروب العالم هي فعلاً لأجل الديمقراطية والحريات، أم لتحويل دولنا إلى مجرد سوق للسلاح؟ هل يفرّق الغرب فعلاً بين دول دكتاتورية وأخرى ديمقراطية حين تحضر صفقات السلاح؟ وأين ضمير الديمقراطيات الغربية أمام أطفال تحولوا إلى قتلة محترفين؟

سامي كليب: أهلاً بكم أعزائي المشاهدين إلى هذه الحلقة من "لعبة الأمم" عبر قناة "الميادين" وكلّ عام وأنتم بخير لمن يحتفل هذه الأيام بعيد الفطر. لا تستطيع الدول العالميّة أن تدّعي الحفاظ على السلم العالمي، فكلّ طفلٍ يُقتَل إنّما يُقتل بسلاحها، وكلّ امرأةٍ وشيخ وبريء يخترقه الرصاص أو تمزّقه شظايا القذائِف المتطوّرة هو ضحية مصانِع السلاح العالمية. هذه المصانِع القاتلة حوّلت دولنا العربية ودولاً فقيرة كثيرة في العالم إلى مُستهلكين لآلة القتل التي نتقاتل بها اليوم. مصانِع السلاح هذه تُقرّر حروباً تخترِق قوانين لها مافياتها التي تضغط حتّى على أكبر رؤساء العالم. لا تُصدّقوا أنّ الدول تأتي فقط لنشر الحريّة أو الديمقراطية أو لنشرِهما، معظمها يأتي ليُنقذ اقتصاده أو ليُحسِّن مصانعه العسكرية. ليس عند هذه الدول فرقاً بين ديمقراطيّ ودكتاتور، مَن يشتري السلاح هو الصديق والحليف. كان "صدّام حسين" صديقاً للغرب، ووصل الأمر بـ "فرنسا" أن باعته مُفاعِلاً نووياً قبل أن تُدمّره "إسرائيل بمعلومات غربية. "فرنسا" باعت في خلال السنوات الماضية للخليج أكبر صفقات سلاح في تاريخها مع هذه المنطقة، وفُرِشَ السجّاد الأحمر قبل ذلك بعامين أو ثلاثة أمام العقيد "مُعمّر القذّافي" حين فتح صناديقه للغرب وبعد أن سلّم السلاح الذي اشتراه من الغرب ليشتري غيره لاحقاً أيضاً من الغرب. الآن، في أوج الصراع بين "إيران" و"السعودية" أو في الحرب السورية أو في "ليبيا" و"اليمن" و"مصر" وصولاً إلى المغرِب العربي، راقبوا كم بيعَ من السلاح في سنوات ما سُمّيَ بـ "الربيع العربي". أكثر من ثلاثمئة مليار دولار كانت قيمة شراء الأسلِحة في الدول العربية في السنوات القليلة الماضية. هلّ حمى السلاح شجرة زيتون واحِدة في "فلسطين"؟ أو أوقف بيتاً من سرطان المُستوطنات؟ الأكيد لا، "إسرائيل" نفسها تُصدِّر السلاح لمن يشتري. هي باتت تُشارِك المصانِع العسكرية الكُبرى في الغرب تطوير أحدث تكنولوجيا الأسلِحة وآلات القتل. أمّا المُصيبة التي تضرب الآن هذا الوطن العربيّ الذي تحوّلَ إلى أوطان، فتكمُن في عدد الأطفال الذين دخلوا أتون الحرب والسلاح. تُغسَل عقولهم ليتحوّلوا إلى آلةٍ للقتل، يذبَحون ويضحكون أمام الكاميرات فتنتشي مصانِع السلاح لأنّها تعرِف أنّ حروبنا باتت طويلة وأنّ غباءنا بات أطول. عن السلاح ومصانِعه والحروب ومافيات بيعه هذه الحلقة من "لعبة الأُمم"، ومعنا في هذه الحلقة السيّدة "سابين صليبا" مُنسِّقة الشبكة الدولية لحقوق الطفل وهي مُستشارة في شؤون الأُمم المتحدة والنزاعات المُسلّحة، أهلاً وسهلاً بكِ. ومعنا العميد المُتقاعِد "ناجي ملاعب" رئيس تحرير مجلّة الأمن والدفاع العربي ومُستشار في مؤسسة "انغما"، " مؤسسة الشرق الأدنى والخليج للتحليل العسكري". وأيضاً معنا في هذه الحلقة من القاهِرة خبير القانون الدولي الدكتور "أيمن سلامة"، الأُستاذ في القانون الدولي. وفي الجزء الثاني من الحلقة، سينضمّ إلينا الكاتب والصحافي الفرنسي "جورج مال برينو" الذي عمِلَ كثيراً على السياسة العربية وعلى العلاقة الغربية مع العرب وعلى تجارة السلاح أيضاً بين الطرفين. أهلاً بكم إلى هذه الحلقة من "لعبة الأُمم"

سامي كليب: للسيدات دائِما البداية. أهلاً وسهلاً بكِ سيّدة "سابين"، كارثة أطفال في هذه الحروب حالياً فعلاً؟

سابين صليبا: طبعاً، وأعتقد أن الصور التي شاهدناها الآن أيضاً توضح لنا هذا الشيء. بالتأكيد كلّ الناس يتأثّرون بالحرب لكن الأطفال يتأثّرون أكثر بعد، لو كانت الظروف نفسها تؤثِّر عليهم أكثر. وفي الحروب خاصةً في منطقتنا يتحوّل العنف والقتال والسلاح الموجود بكثرة على الطرقات والذي يشاهدونه الأولاد يتحوّل إلى شيء عادي. من أجل هذا يتأثّر الأطفال بعد أكثر من غيرهم لأنهم يكبرون وهم يرون سلاحاً وعنفاً وقتالاً ويتحوّل عندهم هذا إلى شيء عادي

سامي كليب: حضرتكم تشتغلون على هذه المواضيع لا شكّ، هلّ توجد إحصاءات أو أرقام أو ظواهِر مُقلقة بدأت تظهر فعلاً في خلال السنوات الخمس أو الستّ الماضية؟

سابين صليبا: هناك الكثير من الأرقام

سامي كليب: مثلاً

سابين صليبا: أنا أُفضِّل أن أتّكل على أرقام الأُمم المتحدة التي هي أرقام تكون قليلة بالنسبة للحقيقة لأنهم يتأكّدون من كلّ رقم. لكن مثلاً بخصوص التجنيد، في "سوريا"، في العام 2015 وحسب الأُمم المتّحدة، 362 طفلاً تجنّدوا وأكثريّتهم ضمن "داعش"، وهناك عدد قليل في اللجان الشعبية. وفي "اليمن"، أيضاً في عام 2015 كان هناك 762 طفلاً ممن تجنّدوا، وهذا الرقم أكبر بخمسة أضعاف من أرقام عام 2014، و72% من الذين تجنّدوا كانوا مع "الحوثيين" و15% مع اللجان الشعبية الموالية للحكومة. بالتأكيد هذه أرقام كبيرة بالنسبة للأطفال لكن الرقم الصحيح هو أكثر بكثير. لكن كما سبق وقلت في الأمم المتحدة يتأكّدون من كلّ طفل مُجنّد وفي أنّه فعلاً تجنّد

سامي كليب: هناك كلام عن عشرات الآلاف بل عن ملايين وسنستمع إلى بعض الخبراء في هذه الحلقة أيضاً. عميد، عندك تعليق؟    

ناجي ملاعب: لا تعليق عندي بل إحصائية إلى ما قبل هذه السنوات الستّ أجراها الـ International Action Network of Small Arms أو الـ “I.A.N.S.A.”. الـ “I.A.N.S.A.” أصدرت تقريراً بعنوان "العنف المُسلّح"، ما بين كلّ ألف شخص يموتون يومياً جراء الطلقات النارية، أي يموتون بالرصاص، عندك 25 في المئة من هذا الألف يموتون في ساحات القتال و56 في المئة في عمليات قتل أو عمليات إجرامية، 14 في المئة انتحار، و5 في المئة إطلاق نار غير مقصود

سامي كليب: على مستوى العالم هذا الإحصاء؟

ناجي ملاعب: نعم، على مستوى العالم، وأنّ تسعة من كلّ عشرة أشخاص هُم من الصبية أو الشبّان. لاحظ كم هذا التقرير خطير، هذا ما قبل

سامي كليب: تسعة من عشرة أشخاص

ناجي ملاعب: نعم، هم من الصبية أو الشبّان

سامي كليب: أي تحت الـ 18 سنة

ناجي ملاعب: هؤلاء الذين يموتون، من كلّ ألف يموتون هذا ما يحدث. يومياً يموت ألف في هذا الوقت السابق الذي نتحدّث عنه. هؤلاء الألف الذين يموتون هذه الإحصائية عنهم

سامي كليب: على كلّ حال سنعرِض بعض الإحصائيات أيضاً عن بيع السلاح وشراء السلاح والقتل في الولايات المتحدة الأميركية المشروع عملياً. دكتور "أيمن"، طالما بدأنا بالأطفال الاتفاقيات الدولية مثلاً هلّ تمنع بيع سلاح إلى دول أو تجنيد أطفال عبر صفقات بيع السلاح؟ هلّ توجد قوانين دولية ترعى كلّ هذا الإجرام مثلاً لتمنع، لتحُدّ من بيع السلاح إلى دول ربّما يكون فيها الإجرام عالياً مثلاً؟

د. أيمن سلامة: نعم أُستاذ "سامي"، تحياتي لسيادتك

سامي كليب: أهلاً بك

د. أيمن سلامة: وتماماً كما قال ضيفاك الكريمان، الأطفال احدى الفئات التي تُسمّى بالـ Vulnerable Group، الفئات المُعرّضة، الفئات الضعيفة مثل السيدات، المُصابين، أسرى الحروب، والمهاجرين اللاجئين والنساء وكبار السنّ من العَجَزَة. ومن ثمّ اتفاقيات "جنيف" والبروتوكولات اللاحقة تحظّر تجنيد الأطفال وأيضاً تحظّر التعرّض لهذه الفِئات طالما لم يكونوا Involved أو منخرطين في النزاعات المُسلّحة. ولكن بخصوص الجهود الدولية، الاتفاقات الدولية تحديداً التي تحظّر بيع وإتجار السلاح ووصول السلاح إلى ما يُسمّى بالحُكّام الدكتاتوريين واستخدامها في جرائِم حرب، جرائِم إبادة جماعية، جرائِم ضدّ الإنسانية، اتفاقية الأُمم المتحدة دخلت حيِّز النفاذ في ديسمبر/ كانون الأول 2014، وهذه الاتفاقية تهدِف إلى حظر ومنع بيع هذه الأسلِحة الفتّاكة إلى الحُكّام المُستبدّين وإلى أيضاً ظروف نزاعات مُسلّحة قد تُستخدم في ارتكاب جرائِم حرب، جرائِم ضدّ الإنسانية، جرائِم إبادة جماعية. لكن أستاذ "سامي"، المُشكلة أنّ ما بين 194 دولة عضواً في مُنظَّمة الأُمم المتحدة حين دخلت الاتفاقية حيِّز النفاذ، لم يكن هناك إلاّ 60 دولة والآن يُناهِز هذا الرقم عدداً قليلاً من الدول التي صدّقت على الاتفاقية، خمس دُوَل فقط ما بين الأكثر عشر دول في العالم مُصدِّرة للسلاح هي فقط التي صادقت عليها وهي تحديداً "فرنسا"، "المانيا"، "إيطاليا"، "إسبانيا" و "بريطانيا". إذاً، أكبر ثلاث دول، "روسيا الاتحادية"، "الولايات المتحدة الأميركية"، "الصين"، لم تُصادق على هذه الاتفاقية. دعني أؤكِّد على حقيقة مادّية تعكِس الفداحة والجُرم الإنساني في الفتك بالبشرية. أمس، السيّد "حسن نصر الله" تحدّث حديثاً هو حديث الأرقام، وصرّح بأنّ نفقات الحروب فقط في "سوريا" و"اليمن" كانت يُمكن أن تجعلنا نُحرِّر "فلسطين" عشر مرّات. فهذه حقيقة مادّية واقعية تعكِس فعلاً أنّ الأُمم المُتّحدة، المُجتمع الدولي حتّى هذه اللحظة لم يفلَح في وأد هذه المسألة. العام الماضي الأُمم المتحدة ومُنظمات عديدة أشارت إلى أنّ قوّات التحالُف الدولي في "اليمن" وبقيادة "المملكة العربية السعودية، ودولتي أنا "مصر" ضمن هذا التحالف، استخدمت قنابل عنقودية في "اليمن". وربما هذا المُشكِل وتحديداً قصف المُستشفيات والأطفال ربّما جعل أنّ هناك سجالاً تاريخياً لم يحدُث

سامي كليب: دكتور "أيمن"، نحن سنُفصِّل كلّ هذا ربما في خلال هذه الحلقة طالما تسنّى لنا الوقت. سيّدة "سابين" كان عندكِ تعليق؟

سابين صليبا: نعم، فقط أُريد أن أزيد على المُعاهدات الدولية وتجنيد الأطفال. هناك عدد كبير من المُعاهدات الدولية التي تمنع تجنيد الأطفال ومنها المُعاهدة الدولية لحقوق الطفل التي هي مُعاهدة مهمّة جداً لأنّ جميع دول العالم صادقت عليها ما عدا أميركا

سامي كليب: ما عدا أميركا!

سابين صليبا: ما عدا أميركا. هذه هي المُعاهدة الوحدة المُصادَق عليها دولياً

سامي كليب: لكي نفهم لماذا أميركا لا توافِق على المُعاهدات، نُذكِّر بأن الرئيس ألأميركي "أيزنهاور" أعزّائي المُشاهدين الذي حذّر في تصريحٍ علنيّ في عام 1961 من سطوة وخطورة المصانِع العسكرية على القرار السياسي. قال بالحرف الواحِد:

— علينا الحذر في البرلمانات من التأثير المُتعاظم المُعلَن والمخفي لجماعات الصناعات العسكرية أو للمُجمّعات الصناعية العسكرية

— إنّ ثمّة خطراً حقيقياً في تعاظُم سُلطة هي بين أيادٍ خطيرة وسيكبُر خطرها في المُستقبل

— علينا السهر لمنع هذه السلطة للمصانِع العسكرية من تعريض حريّاتنا ومؤسساتنا الديمقراطية للخطر

سامي كليب: هذا الكلام كان عام 1961، وكأنّ المصانِع العسكرية هي التي تتحكّم بالقرار السياسي اليوم سيادة العميد؟

ناجي ملاعب: أنا فقط أُريد أن أردّ وأقول بأنه في تقرير لوكالة "رويترز" كان في آخر العام 2015 في الشهر الثاني عشر، اضطرّت المصانِع العسكرية الأميركية، مصانِع الأسلِحة، إلى إقامة دوريات عمل إضافية وإضافة مزيد من العمّال وتوسيع مصانِع بل فتح مصانِع جديدة لمواصلة تلبية الطلبات

سامي كليب: نعم

ناجي ملاعب: وأكثر من هذا بدأت تقوم بعمليات نقل تكنولوجيا لم تكن تقبل بها في الماضي، وأصبحت تفتح مصانِع بالتعاون مع دول أُخرى لم تكن تقبل في الماضي كما قلنا، من أجل زيادة صناعة هذه الأسلِحة وخصوصاً القنابل الذكية التي تقتل ألف مرّة أكثر

سامي كليب: أعطني فكرة عن القنبلة الذكية لأنّه يبدو أنها تُستخدَم كثيراً هذه الأيام

ناجي ملاعب: تبدأ، إذا أردت، من الصواريخ الـ Tomahawk إلى حد قنبلة الـ Pave way أو الـ Am-Ram التي تستعملها أو الـ Hell Fire التي تُستعمل من قِبَل الطائِرات

سامي كليب: ماذا تفعل على الأرض عملياً؟

ناجي ملاعب: نعم، صارت القنبلة الذكية، بدل أن تصل إلى الأرض وتنفجر على الأرض في المكان الذي وصلت إليه، أصبحوا قادرين على التحكّم في انفجارِها على سطح الأرض على علوّ مترين، عشرة أمتار، مئة متر. الشُعاع، فرق بين أن يكون في مكانٍ صغير وينفجر، صار الشُعاع ينزل في مكان صغير فوق الأرض

سامي كليب: ويتوسع

ناجي ملاعب: المنطقة بأكملها يرميها

سامي كليب: بمعنى، على حدود كيلومتر مثلاً يُمكن أن تقتل؟

ناجي ملاعب: كلّ شيء وارِد. عندك من صاروخ الـ Hell Fire المُضادّ للأشخاص أو للآليات إلى عند الـ Cruise. الـ Cruise أو الـ Tomahawk الذي تنتجه شركة الـ Raytheon هو صاروخ جوّال ثمنه 1,200,000 دولار، يُطلَق من سُفن أو من الطائِرات. هذا الـ Tomahawk

سامي كليب: مليون ومئتي ألف دولار كلّ صاروخ!

ناجي ملاعب: بدايته قدرات طائِرة. صاروخ جوال عندما ينطلِق أولاً يمشي في تعرّجات أرض منخفِضة من أجل ألاّ يكشفه الرادار. ثانياً التحكّم فيه هو آلية تحكُم ذاتية في الداخل. عندما يصل إلى فوق الهدف له عين سحرية تمكّنه من رؤية الهدف. إذا الهدف الذي توجّه إليه مُدمّر ينقُل إلى هدفٍ آخر ويمكنه أن يتنقّل بين 16 هدفاً، حتّى ينفجِر في النهاية في المكان الصحيح. لهذا الشي ء يقولون عنه الصاروخ الذكي

سامي كليب: لو ذكاء، أعزّائي المُشاهدين، لو ذكاء كلّ مصانِع الأسلِحة في شيء آخر لكان العالم كلّه بخير. نستمع إلى "سامي الحُسيني" مدير إعلام المعهد العام للدّقة الصحافيّة في "واشنطن" ليشرح لنا بشكلٍ سريع دور مصانِع السلاح في الحروب وتأثير انتشار السلاح على المُجتمع

سامي الحُسيني: حذّر الرئيس "أيزنهاور" في خطاب الوداع من التجمّع الصناعيّ العسكريّ الذي يضمّ بعض أكبر مموّلي السياسيين ويستندُ إلى هيكلية ضغطٍ موسّعة في "واشنطن". نشر هؤلاء معاملهم في مُقاطعاتٍ استراتيجية جداً حتّى أنّ "بيرني ساندرز"، وهو أحد أكبر منتقدي هذه المؤسسة الأميركية لم يأتِ على ذكرها. فهو لا يستطيع انتقاد المسؤول عن توليد وظائِف في ولايته وإن كان المعنيّ بالأمر قطاع الأسلِحة. بالتالي يستطيع قطاع الأسلِحة من خلال هذه السُبل المُختلِفة التأثير على نحوٍ كبير في الحكومة الأميركية والسياسة الأميركية في نهاية المطاف. نسمع بالكثير من التعابير المُلطّفة كمن يُسمّي المُتعاقدين العسكريين متعاقدين دفاعيين، حيثُ يُسوّقون دوماً للقطاع على أنّه مولِّدٌ للوظائِفِ، فيما تُظهِرُ دراسات علماء الاقتصاد أنّ قطاع التسليح يولّد وظائِف أقلّ من استثمار التمويل في قطاع التعليم أو الرعاية الصحية. بالتالي، لا يعود القطاع بالمنفعة على الشعب الأميركي فعلاً بلّ قد يُفيدُ نُخبةً مُحدّدة تتربّع على عرش هذا القطاع

سامي كليب: بمعنى، أيضاً كما تقول سيادة العميد. فقط إحصاءات سريعة أميركا والسلاح والأطفال حسب الإحصاءات الدقيقة الأميركية:

— 310 ملايين قطعة سلاح موجودة عند الأميركيين بين أيدي الأميركيين. ثلاثمائة وعشر ملايين أي تقريباً قطعة لكلّ فرد

— كلّ عام يُقتل 18 ألف طفل ومُراهِق بهذه الأسلِحة. أمّا عدد القتلى الإجمالي بسبب هذا السلاح فيصل إلى 30 ألف شخص وعدد جرحى الأطفال يفوق سبعة آلاف كلّ عام

— وفق جمعية نيويوركي ضدّ عنف السلاح New-Yorkers Against Gun Violence، كلّ نصف ساعة يُجرَح طفل بسبب السلاح في "أميركا"، كلّ نصف ساعة، والسلاح هو السبب الثاني للموت هناك. ووفق "دانيال غروس" وهو رئيس إحدى المُنظّمات المُناهِضة لحمل السلاح، 9 أطفال يتعرّضون لإطلاق الرصاص كلّ يوم

— في العام 2015 حصلت 300 عملية إطلاق نار بأسلِحةٍ رشّاشة في "أميركا"

— حمل السلاح مشروع بأسطُر قليلة تعود إلى القرن الثامن عشر تقول بحقّ كلّ مواطن في حمل السلاح لتأمين حماية نفسه

سامي كليب: حاول الرئيس "باراك أوباما" فرض قانون لمُراقبة مُسبقة للسوابِق القضائية والنفسية لكلّ شخص يريد شراء السلاح، فقط أن يعرِف بأن هذا الشخص كان عنده سوابِق قضائية أو مُختلّ نفسياً، لكن لوبي المصانِع العسكرية منع القانون في الكونغرس فسوّقَ هذا النوع من السلاح بكثافة، وهذا السوق يجني 7 مليارات دولار تقريباً، كارِثة فعلية. نتحدّث عن 310 ملايين قطعة سلاح والقتل يطال الأطفال. إذا تحدّثنا سيدة "سابين" عن أبرز دولة في العالم وهي الولايات المتحدة الأميركية، أكبر مُصدِّر للسلاح وأكبر نسبة للقتل في داخلها بهذا السلاح. ماذا يمنع التشريعات؟   

سابين صليبا: أُريد الآن أن اُضيف مسألة أيضاً

سامي كليب: تفضّلي

سابين صليبا: في أميركا في سنة 2008 أصدروا قانوناً يمنع أن تُرسل "أميركا" المُساعدات الإنسانية إلى الدول التي تُجنِّد الأطفال. لكن في كلّ سنة الرئيس "أوباما" يُقرّر بأن لا يُنفِّذ هذا القانون على بعض الدول ويستمر في أرسال المساعدات الإنسانية لهم مع أنّه إذا نفّذ هذا القانون يُمكنه أن يضغط بهذه الطريقة على هذه الدول لتتوقّف عن تجنيد الأطفال. لكن في كلّ سنة يختار بعض الدول، ومنها "اليمن"، ويُقرر بأن لا يُنفِّذ هذا القانون ويستمر في إرساله نفس المُساعدات الإنسانية  

ناجي ملاعب: أنا أريد أن أُعلِّق قليلاً

سامي كليب: تفضّل

ناجي ملاعب: على نفس الموضوع الذي كنّا نتحدّث عنه، عن تجارة الأسلِحة وكم هي مُتحكّمة بالقرار السياسي في أميركا. كلنا يعلم أنّه حين أتت البوارِج الأميركية مع الـ Tomahawk إلى شواطئ المتوسّط من أجل نزع السلاح الكيميائي من "سوريا" وهدّدوا باستخدامه، حينها هذه الشركة التي تنتجه والتي اسمها الـ Raytheon، ارتفعت قيمة أسهمها في سوق الأسهم 10 دولارات فوراً، أي 10 بالمئة. وعندما لم يُستعمَل هذا الصاروخ انخفضت قيمة أسهمها. لاحظ كم هذا السلاح يؤثّر على السوق الأميركي

سامي كليب: أيضاً يؤثِّر على السوق الاقتصادي في النهاية

ناجي ملاعب: كذلك عملياً، عندما جرت مُحادثات سريّة في "عمان"، قبل أن تبدأ مُحادثات الخمسة زائد واحد مع "إيران"، عندما بدأ وزير الخارجية الأميركي الجديد بعد "كلينتون" بهذه المُباحثات، مئة وعشر شركات أميركية قدّمت التماساً للرئيس الأميركي يستوضحونه عمّا يفعل لأنّه خرّب لهم بيوتهم. بمعنى، إذا حدثت هذه المُباحثات ولم يعُد هناك هذا الصراع يتوقّف عملهم

سامي كليب: تحديداً سلاح للخليج. كم اشترت دول الخليج في السنوات الخمس الماضية؟ صحيح بحدود 200 مليار دولار؟  

ناجي ملاعب: نعم، اشترت بهذه القيمة ولكن ليس بالقيمة كلّها. توجد عقود لم تُسلّم لأنّ منها ما هو قيد التنفيذ ومنها ما هو لا يزال قيد البحث وغير موافَق عليه، لكن أميركا باعت في العام 2014 أسلحة بقيمة 56 مليار دولار وفاتورتها العالمية تُعادل 33 في المئة من فاتورة العالم من مبيعات السلاح، يليها 25 في المئة من مبيعات "روسيا"

سامي كليب: سأترُك لك الكلام بعد الفاصل لتُفصِّل لنا بيع السلاح في العالم. دكتور "أيمن" عندنا ثلاثين ثانية فقط، أُريد منك قبل الفاصل سأعود إليك طبعاً بعده. هذه التشريعات في العالم لماذا لا تُطبّق لأنّ فقط دول كبيرة تمنعها أم هناك أسباب أُخرى مثل مصانِع السلاح وتأثير مصانِع السلاح؟

د. أيمن سلامة: المصالِح الميكافيليّة النفعية السياسية هي التي تطغى. الرئيس الأميركي كما تحدّثت السيّدة "صليبا" له توجّهات واستراتيجية للولايات المتحدة الأميركية وأن يكون له تواجد في النزاعات المُسلّحة في كافّة دول العالم سواء كانت أهليّة أو دولية حتّى يكون للولايات المتحدة الأميركية صوت ويكون للإدارة الأميركية دور في الخارِطة العالمية

سامي كليب: حسناً، لحظات أعزّائي المُشاهدين ونعود لمواصلة هذا النقاش ولنتحدّث عن كمّ يُباع السلاح في العالم؟ من هي الدول التي تبيع هذا السلاح في العالم؟ من يشتري هذا السلاح؟ ثمّ سنعود أيضاً إلى مُشكلة الأطفال وسنُشاهِد بعض النماذِج من هؤلاء الأطفال الذين انضمّوا فعلاً إلى شبكات إرهابية وما هي خطورة هذا الأمر. إبقوا معنا إن شئتم أن تبقوا معنا

المحور الثاني:

سامي كليب: أهلاً بكم مُجدداً أعزّائي المُشاهدين لمواصلة هذه الحلقة من "لُعبة الأُمم" عبر قناة "الميادين" نتحدّث فيها عن تجارة السلاح في العالم، عن تأثير مصانِع السلاح على القرارات السياسية، عن صفقات السلاح، هلّ تُميِّز بين ديكتاتور وبين ديمقراطي؟ ثمّ مأساة الأطفال وسط كلّ هذا السلاح وهذه الحروب. أعود وأُرحِّب بضيوفي الكرام، "سابين صليبا" مُنسّقة "الشبكة الدولية لحقوق الطفل"، مستشارة في شؤون "الأُمم المتّحدة" والنزاعات المُسلّحة. من "القاهرة" الدكتور "أيمن سلامة"، أُستاذ في القانون الدولي والعميد المُتقاعِد "ناجي مُلاعِب" رئيس تحرير مجلّة الأمن والدفاع العربي ومُستشار في مؤسسة الشرق الأدنى والخليج للتحليل العسكري. والآن انضمّ إلينا من "باريس" الكاتب الصحافي "جورج مال برينو" وهو كاتِب مُتخصِّص في شؤون المنطقة، كتب الكثير عنها وكان في السابق قد خُطِف مع زميله "كريستيان شانوه" في "العراق" ثمّ وضعا اثنين من أفضل الكُتُب في الواقع عن الحرب السورية ولكن أيضاً عن العلاقات الفرنسية مع دول الخليج وتحديداً مع "قطر". أهلاً وسهلاً بك "جورج مال برينو" في هذا البرنامج اليوم

جورج مال برينو: شكراً على استضافتي

سامي كليب: "جورج"، لا شكّ أنّ الصفقات العسكرية كانت بين "فرنسا" ودول الخليج في السنوات الخمس الماضية باعتراف وزارة الدفاع الفرنسية، الأكبر في تاريخ "فرنسا" واعتُبِرَ إنجازاً هذا الأمر. هلّ لك أن توجز لنا أبرز هذه الصفقات وهلّ كانت "فرنسا" في هذه الصفقات تُميِّز مثلاً بين دول تحترِم حقوق الإنسان أو لا تحترِم حقوق الإنسان، أو أنّ جزءاً من سياستها كانت تقرّره وِفق هذه الصفقات الكبيرة التي حصدت المليارات في السنوات الماضية؟

جورج مال برينو: كما تعلمون، وقّعت "فرنسا" خلال السنوات القليلة الماضية على عددٍ من العقود ومؤخراً مع "قطر" في العام الفائِت حيث قامت "فرنسا" ببيع 20 طائِرة "رافال" حربية لـ "قطر". واليوم تُحاول أن تبييع هذه الطائِرات لـ "الإمارات العربية المتحدة"، حيث قمنا بتشييد قاعِدةٍ عسكريةٍ فرنسية. بالتالي توجد هذه العقود التي أُبرِمت وهناك الكثير من الآمال بإبرام عقودٍ أُخرى. وردّاً على سؤالِك حول إذا ما كنّا نُبرِم العقود وفقاً للدول التي تنتهك حقوق الإنسان بالطبع لا. فكما نعرِف هذه الأنظمة في هذه الدول والعائِلات المالِكة ليست نموذجاً لحقوق الإنسان. في "فرنسا" يوجد مبدأٌ واضِح حدّده "لوران فابيوس" وزير الخارجية السابق الذي يُشير إلى ضرورة إعطاء الأولوية للدبلوماسية الاقتصادية فوق كلّ اعتبارٍ آخر، ويعني ذلك أنّ علاقتنا مع هذه الأنظِمة في الخليج يجب أن تستنِد بطريقةٍ ما إلى العقود الاقتصادية التي يُمكننا أن نوقّعها مع تلك البلدان، ولا بدّ وأنّ نُذكِّر أنّها مناطق التوسّع الوحيدة في المنطقة. وبما أنّ "فرنسا" تعيش صعوبةً اقتصادية نتطلّع بشكلٍ أساسي إلى هذه الأنظمة في الخليج، لاسيما "السعودية". الأمير "محمّد بن سلمان" كان يزور "باريس" في بداية الأُسبوع الفائِت. بالتالي الآمال الكثيرة مُعلّقة على هذه العقود، و"السعودية" تُشكِّل المثال الأبرز حيثُ أنّ "فرنسا" علّقت آمالاً كثيرة وأعطت الكثير على المُستوى الدبلوماسي، على مُستوى الملفّ النووي الإيراني والسوري واليمني. وبالتالي في المُقابِل نأمل أن نحصل على استثماراتٍ سعودية وعلى عقودٍ لشركاتٍ فرنسية، لكن خلال الزيارة الأخيرة للأمير "محمّد بن سلمان" تبيّن أنّ هناك الكثير من الآمال. لكن الصناعيين الفرنسيين بدأوا يتساءلون إذا ما كانت "فرنسا" قد طوّعت نفسها كثيراً في خدمة هذه الأنظِمة الخليجية التي تسارَعت إلى عقد اتفاقاتٍ مع الولايات المتحدة الأميركية. ونسمع بالطبع عن أزمةٍ بين "السعودية" و"أميركا"، ومع ذلك، "السعودية" تُبرِم الكثير من العقود مع "أميركا" و"قطر" وقطعت العلاقات مؤخراً مع "إيطاليا". "فرنسا" كانت في مكانةٍ حرِجة بالتالي. لذلك يوجد استياءٌ نوعاً ما في "فرنسا"، وفي قصر "الإليزيه" يُقال أنّ "فرنسوا هولاند" لم يكُن مسروراً خلال زيارته الأخيرة للأمير "محمّد بن سلمان" لأنّه كان يأمل أن يعود الملِك "سلمان" من "السعودية" إلى وعده العام الفائِت عندما وَعَد بضخّ خمسة مليارات دولار في الاقتصاد الفرنسي، ونحن بعيدون تماماً عن هذا الرقم. هذا يوضِّح خيبة أمل الفرنسيين بالنسبة إلى هذه الأنظِمة التي تُشكِّل أنظمة حليفة لنا على المستوى السياسي وعلى مستوى الملفّ السوري واليمني وغير ذلك، ومع ذلك يوجد امتعاض ما، خيبة أمل مُحدّدة على ضوء كلّ هذه الجهود التي بذلتها "فرنسا" من المنظور الدبلوماسي بهدف تبديد هواجِس الأنظمة الخليجية. وهذا الجهد، هذا الدعم، لا يُترجم على مستوى عقودٍ، الأمر الذي يؤدّي إلى جلاءٍ في الصورة بالنسبة إلى بعض القادة والساسة الفرنسيين. هكذا يكون بعض المرشّحين في الرئاسة، لاسيما "برينو لومير" من جهة اليمين يقول أنّه لا بدّ وأن نُعيد النظر في تحالفاتنا مع أنظمة الخليج التي يتّهمها البعض في "فرنسا" بأنّها تقوم بتمويل الإرهاب هو سجالٌ مفتوح

سامي كليب: "جورج مال برينو". يذهب الرئيس الفرنسي إلى "الرياض"، يمتدِح حِكمة الملِك. بعد فترة قصيرة، أشهُر قليلة، "الاتحاد الأوروبي" يُقرّر منع بيع الأسلِحة أو حظر بيع الأسلِحة إلى المملكة العربية السعودية ويحصل نقاش أيضاً في الكونغرس الأميركي حول هذا الأمر. السؤال هنا هو التالي، هلّ ثمة قوانين فرنسية تُخرَق في صفقات السلاح؟ إن كان إلى دول الخليج أو غيرها، لأننا نعرِف أنّ "فرنسا" هي التي بنت المُفاعِل النووي تاريخياً للرئيس العراقي "صدّام حسين" هي باعت أسلِحة للعقيد "مُعمّر القذافي"، هي أيضاً باعت أسلِحة لدول لا تتمتّع كثيراً بالديمقراطية في " آسيا الوسطى" وما إلى ذلك. هلّ ثمّة قوانين قد اختُرِقَت في السنوات القليلة الماضية؟ ولماذا لا نسمع ردّة فعل قويّة في الداخل الفرنسي؟ هلّ مصانِع السلاح قويّة إلى هذه الدرجة أيضاً مثلاً؟

جورج مال برينو: بحسب معرِفتي لا وجود تحديداً لقوانين تنتهكها الشركات الفرنسية التي تُبرِم عقودَ تسلُّحٍ مع هذه الأنظمة الخليجية، ونُذكّر بالطبع أنّ "فرنسا" قد قدّمت مُساعدة كبيرة لنظام "صدّام حسين" في ثمانينات القرن الفائِت وساهمت كذلك في إبرام عقودٍ هامّة مع "السعودية" في تسعينات القرن الفائِت. بالتالي، لا وجود لقوانين تُحظِّر إبرام هذه العقود مع دولٍ لا تحترم حقوق الإنسان. ورداً على الشقّ الثاني من سؤالِك صحيحٌ أنّه في "فرنسا" قليلة هي النقاشات أكان ذلك على مستوى أهل السياسة أو على مُستوى المُنظّمات، وإن وُجِدت على مستوى بعض المنظمات غير الحكومية، تُذكِّرُ بأن "السعودية" و"قطر" وربما في مرتبةٍ ثالثة "الإمارات"، ليست دولاً تحترم الحقوق الأساسية وحقوق الإنسان، وأنّها تقوم باعتقالٍ سريعٍ لعددٍ من المدوّنين كما شاهدنا في "السعودية"، وبالتالي لا سجال ولا نقاش مفتوح في هذا الشأن بالنسبة إلى الداخل الفرنسي، لكن يُقال لنا أنّه في اللقاءات الخاصّة بين الرئيس الفرنسي والقادة السعوديين يتمّ نقل بعض التمنّيات والرسائِل بالنسبة إلى حقوق الإنسان. لكن على عكس "ألمانيا" مثلاً وعلى عكس "السويد"، وحتّى على عكس الولايات المتحدة الأميركية، في "فرنسا" لا وجود لإنذاراتٍ واضحة لتصريحاتٍ علنية تُحذّر هذه البُلدان من أيّ تقويضٍ وانتهاكات لحقوق الإنسان. وفي "فرنسا" يوجد تواطؤ كبير في الواقع على مُستوى هذا الملفّ لأننا مرّة جديدة كما قلت، اعتمدنا على ذلك كأساسٍ لسياستنا ودبلوماسيتنا الاقتصادية من خلال التركيز على تلك الدول التي لها قُدرة كبيرة على شراء وامتصاص انتاجنا العسكري من طائِراتٍ ونفّاثاتٍ من نوع "رافال" وغيرها. وبالتالي أنا أعتمد موقفاً متواضعاً وخجولاً إلى حدٍّ كبير. بعض المنظّمات غير الحكومية تنتقد الأمر بالطبع، وكما قلت، بعض أهل السياسة بدأوا يتململون بعض الشيء ويطرحون هذه التساؤلات، ولكنهم يربطون الأمر أكثر بمسألة تمويل الإرهاب في عمليات إبرام عقودٍ مع دول لا تحترِم حقوق الإنسان. فصحيحٌ أنّه لو كنا نُبرِم العقود فقط مع دول ٍ تحترِم حقوق الإنسان لكنّا لن نجد الكثير من الدول التي يمكننا التعامل معها وصحيح أنّه في "فرنسا" قليلة هي النقاشات في هذا الشأن                                                

سامي كليب: أوكي. ابقَ معنا "جورج مال برينو" لو سمحت، وأنا أكيد بأنّك تُعِدّ كتاباً آخر ربما قريباً بعد الكتاب عن "قطر" والكتاب عن "سوريا". عندك تعليق كنت تودّ أن تقوله سيادة العميد عمّا تفضّل به "جورج"

ناجي ملاعب: توجد إحصائيّة في العام الماضي، عام 2015. المملكة العربية السعودية من أصل عشرة عقود أبرمتها مع الخارِج، 11 عقداً، عقد واحد مع "أوكرانيا" وتسعة عقود مع الولايات المتحدة وعقد واحد مع "باريس". في "باريس" كانت توجد اتفاقية سعودية فرنسية تشمل مجال التسليح والمِلاحة والأقمار الاصطناعية بما في ذلك تقديم 30 طرّاداً بحرياً فرنسياً

سامي كليب: وكانت توجد صفقة للجيش اللبناني وأُلغِيَت بقيمة ثلاثة مليارات دولار

ناجي ملاعب: ما زالت مُجمّدة

سامي كليب: وزير الخارجية قال بأنها ذهبت إلى "السعودية" بسبب قبضة "حزب الله" على القرار السياسي

ناجي ملاعب: لا يزال عندنا أمل بها. هناك اعتراض من السعودية لكن الأمر لم يُحسم في هذا الموضوع. عملياً البحرية السعودية استلمتها من جهة الخليج العربي شركة "لوكهيد - مارتن"، كل البحرية السعودية في هذا المكان، والبحرية من ناحية البحر الأحمر استلمتها في التسليح والزوارِق والمعدات شركة D.C.N.S.  وهي شركة فرنسية

سامي كليب: سيادة العميد، هلّ يُمكننا أن نتحدّث عن تقاسُم نفوذ في السلاح في العالم؟ مثلاً إذا دول الخليج ذهبت أكثر صوب "فرنسا" ستغضب "أميركا"، إذا مثلاً "سوريا" ذهبت أكثر صوب أميركا وليس صوب "روسيا" ستغضب "روسيا". هلّ هناك توزيع لمناطق نفوذ عالمية في بيع السلاح، صفقات السلاح؟

ناجي ملاعب: نعم ممكن

سامي كليب: لأننا لاحظنا هذا الشيء مع دول الخليج. في السنوات القليلة الماضية مثلاً "فرنسا" والآن نتحدّث قليلاً عن الأسلِحة مثلاً إلى "قطر" وغيرها، نتحدّث عن مليارات الدولارات، وكأنّه كانت بعض الإشارات إلى أميركا من دول الخليج بأنه إن لم تُغيِّر أميركا موقفها بالنسبة إلى الملفّ الإيراني النووي فنحن سنُعطي الصفقات لـ "فرنسا". هكذا كأنها كانت تتصرّف

ناجي ملاعب: عملياً، صحيح أنّهم اتجهوا اتجاه "أوروبا" لكنهم لم يغيظوا الأميركيين كثيراً في هذا الموضوع. اقتسام النفوذ يتمّ بين "أوروبا" وبين "أميركا" بشكلٍ واضِح حول صفقات التسلّح في هذا الموضوع. "روسيا" و"الصين" خارِج هذا الموضوع "روسيا" مُنافِسة و"الصين مُنافِسة والسوق الصيني منافِس جداً في "أفريقيا"

سامي كليب: لكن "روسيا" بدأت تُنافِس في بعض الدول العربية مثل "مصر"، "الجزائِر"، والآن طبعاً "سوريا" وحتّى في "العراق"

ناجي ملاعب: أكيد "الجزائِر" من الأساس تعتمدها، حتّى أنها دخلت على دول جديدة. مثلاً "المغرِب" لم تكن تأخذ من "روسيا" والآن تأخذ من "روسيا"

سامي كليب: حسناً، دعنا نعود أيضاً إلى صلب النقاش حول هذه المواضيع وتأثيرها على المُجتمعات. فقط بعض المعلومات أعزّائي المُشاهدين. مثلاً الأسلِحة الفرنسية لبعض الدول العربية:

— في 30 نيسان/ أبريل أعلنت الرئاسة الفرنسية بيع 24 مقاتلة "رافال" إلى "قطر" يبدأ تسليم أوّل دفعة منها عام 2018، قيمة العقد 6.3 مليار يورو

— إضافةً إليها تُضاف تكاليف تدريب 36 طياراً قطرياً ونحو مئة تقني، تُضاف إليها أيضاً صفقات تجهيز بكلّ الأسلِحة المُمكنة المسموحة لاسيما الصواريخ العابرة SCALP وصواريخ جو- جو من نوع Meteor

— في شباط/ فبراير عام 2015، أعلنت "مصر" رغبتها في شراء 24 مُقاتِلة "رافال" وفرقاطة مُتعدّدة المُهمّات من نوع FREMM بنحو 5.2 مليار يورو.

— اعتبرت هذه الصفقات سابِقة في تاريخ بيع الطائِرات المُقاتلة الفرنسية. يصل ثمن كلّ واحدة منها إلى أكثر من مئة مليون يورو تقريباً  

ناجي ملاعب: صحيح، قريبة من F-35، وكان من الأفضل أن يشتروا الـ        F-35 مثلاً

سامي كليب: بينما "الميراج" مثلاً 17 مليون فقط

— صحيفة "لا تريبون" الفرنسية كشفت في آذار/ مارس الماضي أنّ "السعودية تنوي توقيع عقود وصفقات سلاح هي الأكبر مع "فرنسا". تتجاوز قيمتها الإجمالية عتبة عشرة مليارات يورو وعلى ما يبدو لم يحصل ذلك مثلما تفضّل الزميل "جورج مال برينو" وسيادة العميد  

— في تشرين الثاني/ نوفمبر 2014، وقّعت "السعودية" مع "فرنسا" اتفاقاً لتجهيز الجيش اللبناني بمعدّات عسكرية فرنسية بقيمة 3 مليارات دولار

سامي كليب: لكن "السعودية" جمّدت الصفقة الآن والعميد يقول أنّها لم تُلغَ رغم أنّ تصريحات وزير الخارجية توحي كأنّها أُلغِيَت. حسناً، دكتور "أيمن سلامة" سأعود إليكِ مع مسألة الأطفال أكثر. دكتور "أيمن سلامة" القوانين الدولية في هكذا صفقات للسلاح صارت واضحة. هناك اتفاقيات دوليّة، هناك اتفاقيات "جنيف"، هناك اتفاقيات أيضاً على مستوى الجهات الإقليمية مثلاً. "الاتحاد الأوروبي" عنده قوانينه وما إلى ذلك. هناك سؤالان، أولاً كيف يُمكن التأكّد من أنّ هذه الأسلِحة لا تذهب الآن مثلاً إلى إرهابيين؟ لا يُمكن التـأكّد من ذلك. السبب الثاني، إذا كانت بعض الدول تخرُق القوانين الإنسانية، تحديداً القوانين الإنسانية، أو أنّها تُعرِّض سلامة الأمن الدولي للخطر كما تقول القوانين، تذهب إليها الأسلِحة. هلّ هذا فعل دُوَل أم فِعل مافيات؟ وهلّ توجد قوانين على المستوى الدولي لوقف عمل المافيات؟ مافيات السلاح مثلاً؟ هلّ هذا مُمكن؟

د. أيمن سلامة: "بالنسبة إلى مافيات السلاح، صدرت اتفاقية الأُمم المتّحدة لمنع وصول الأسلِحة النووية تحديداً، وحتّى الأسلِحة الكيمياوية، للتنظيمات الإرهابية بعد التهديدات التي حدثت تحديداً في سبتمبر/ أيلول 1991. المُشكل سيّدي الكريم بوجهٍ عام ومن دون استثناء أنّ الدول وهي يُمكن أن تكون عضواً في اتفاقية دولية، يُمكن أن تكون تُذعِن المُفترَض قانوناً نظراً لقرارات مجلِس الأمن بموجب الباب السابع، لمنع تصدير الأسلِحة في نزاعات مُسلّحة كما حدث في "رواندا – بروندي" في العام 1994، وحدث في "سيراليون - ليبيريا" في أفريقيا الوسطى وفي عام 1991 في الاتحاد السوفياتي السابق وفي دول "البلقان" وكنت أنا هناك شخصياً في التسعينات. المُشكل أنّ الدول تُغلِّب مصالِحها الوطنية الآنية حتّى على القانون الدولي، وسأُعطي لسيادتك مثالاً عملياً صارِخاً. عام 2012 ولأوّل مرّة أزمة سياسية اقتصادية عسكرية كبيرة ما بين "مصر" والولايات المتحدة الأميركية بعد أن قامت الولايات المتحدة الأميركية ولأوّل مرّة منذ توقيع مُذكِّرة التفاهُم الأميركية المصرية في عام 1980 التي تقضي بأن تكون "مصر" هي الدولة الثانية في العالم بعد "إسرائيل" وقبل "الأُردن" لتلقّي معونات عسكرية من الإدارة الأميركية من أجل تحفيزها على المُحافظة على مُعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية في مارس/ آذار عام 1979. لكن في عام 2012 وأبّان انعقاد المجلس الأعلى للقوات المُسلّحة قامت الإدارة الأميركية لأوّل مرّة بتجنيد حجمٍ كبير من المعونات العسكرية لـ "مصر" تنفيذاً لقانون صدر عن الكونغرس الأميركي يربِط المعونات العسكرية والاقتصادية لأيّة دولة بمدى الأعمال الديمقراطية وحقوق الإنسان وتمّ التجميد. إلاّ أنّ "هيلاري كلينتون" في ذلك الوقت ذهبت إلى الكونغرس، وفي جلسة استماع وفي عبارة دقيقة تعكس الوضع المأساوي اللاإنساني، قالت "كلينتون" أنّه بالرغم من ذلك القانون الوطني الصادِر عن الكونغرِس إلاّ أنّ المصالِح العُليا الأمنية الأميركية تجعل الإدارة الأميركية تغُضّ الطرف عن هذا القانون من أجل المصالِح الاستراتيجية والعسكرية والأمنية للإدارة الأميركية مع جمهورية "مصر" العربية. الدول في العلن تندرِج والدول الأطراف في المُعاهدات والاتفاقات الدولية التي تحظِر وتمنع وصول الأسلِحة للإرهابيين أو أنظمة ترتكب جرائِم دولية، ولكن في ذاك الوقت ومن وراء الستار ومن وراء الكواليس بدلاً من أن تُطبِّق قانون الأُمم ما بين قوسين، تُطبِّق لعبة الأُمم حرفاً ولفظاً

سامي كليب: صحيح، أوكي. سيّدة "سابين صليبا"، في عملية دورك كمُنسِّقة لشؤون الأطفال في منظمات دولية، الآن توجد قوانين تحمي الأطفال كما تفضّلتِ وتوجد اتفاقيات دولية. هلّ سبق وحوكِم أشخاص أو دول لأنهم خرقوا القوانين ووظّفوا أطفالاً مثلاً في القتال؟ هلّ جرت مُحاكمات؟ لم نسمع بأيّة مُحاكمة وبأنه بسبب ما تعرّض له الأطفال حصلت مُحاكمات!

سابين صليبا: بلى، حصلت مُحاكمات لأنها تحت المحكمة الجنائية الدولية. النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية يمنع تجنيد الأطفال تحت سنّ الـ 15 سنة

سامي كليب: نعم

سابين صليبا: وحدثت مُحاكمة شخص وكان هو أوّل قرار للمحكمة الجنائية الدولية. وحوكِمَ على أنّه جنّد الأطفال واستخدمهم في الصراعات المُسلّحة

د. أيمن سلامة: "توماس لوفانغا ديلّو"

سابين صليبا: صحيح، في "الكونغو". وكانت أعمار هؤلاء الأطفال حوالى 11 سنة، وكان هذا القرار مُهمّاً جداً لأنّه كان أوّل قرار للمحكمة الجنائية الدولية، والأمر الثاني المُهم فيه أنّه نظر أيضاً إلى إشراك الأطفال في النزاع نظرةً أشمل، بمعنى ليس فقط التجنيد بلّ أيّة طريقة يُستخدِم فيها الأطفال في النزاع مُحظّرة

سامي كليب: كانت حال وحيدة يتيمة منفرِدة في هكذا نوع من المُحاكمات؟

سابين صليبا: كانت أوّل حال، لكن بالتأكيد هناك محاكِم جنائية أُخرى ولأنّه كان أوّل قرار للمحكمة الجنائية الدولية يجب أن نظلّ نراقب ما سيصدر عن المحكمة الجنائية

سامي كليب: في الشبكة عندكم هلّ تلاحقون فيها بعض الأنظمة وبعض الأشخاص وبعض الدول؟ تُقدّمون دعاوى مثلاً لحماية الأطفال؟

سابين صليبا: توجد في "الأُمم المتحدة" آلية تقع ضمن مكتب المُمثلة الخاصّة للأمين العام، معنية في موضوع مُشاركة الأطفال في النزاعات المُسلّحة. وهذه الآلية مهمة جداً لأنّه في كلّ سنة يتواجد ما يُشبه اللائِحة يضعون عليها أسماء الجهات التي تُشارِك في النزاعات التي تقترِف جرائِم ضدّ الأطفال

سامي كليب: تُلاحَق هذه الدول أم تبقى فقط على اللوائِح كما العادة؟

سابين صليبا: هذه اللائِحة مهمّة جداً لأننا نُلاحِظ في كلّ سنة أنّ الدول تضغط كثيراً مثلما رأينا هذه السنة مع "السعودية"، تضغط كثيراً كي لا يكون اسمها موجوداً في هذا المرفق. نحن في السنة الماضية حاولنا مع مُنظّمات حكومية غيرها أن نضغط على الأمين العام ليزيد الجيش الإسرائيلي على اللائِحة بسبب وجود معلومات من الأُمم المتّحدة توثِّق أنّه في الحرب الأخيرة على "غزّة" حدثت هجمات على مدارِس التي هي إحدى الانتهاكات الستّة التي تنظر هذه الآلية إليها، وكانت الأُمم المتحدة هي التي أصدرت قرارات توضِح أنّ هذه الانتهاكات حدثت. لكن حدث ضغط كبير جداً من "إسرائيل" و"أميركا" ومن أصدقاء "إسرائيل"

سامي كليب: وبعض الدول العربية أيضاً أصدقاء لـ "إسرائيل"؟

سابين صليبا: ممكن، لكن نحن علِمنا لأنّ هذه الضغوطات تحدُث في "نيويورك" مع أننا علِمنا أنّ المُمثلة الخاصّة طلبت من الأمين العام أن يزيد اسم الجيش الإسرائيلي على اللائِحة لكن الأمين العام لم يزدها ورفض. ففي كلّ سنة نحن نُحاوِل أن نضغط عليهم لكن السياسات أقوى منّا

سامي كليب: دكتور "أيمن" سأُعطيك الكلام، لا بأس اسمح لي قليلاً ولـ "جورج أيضاً قبل أن يُغادِرنا. تفضّل عميد عندك تعليق؟

ناجي ملاعب: فقط تعليق بسيط عن المحكمة الجنائية الدولية. بطبيعة عملها يتحرّك المُدّعي العام الدولي من تلقاء النفس في هذه الحال ويستفيد من أعمال هذا المكتب إذا كان عنده شيء جاهز يُمكّنه من التحرّك، وآخر تحرّك له كان في قصة "سنجار" والتعدّي على الإيزيديات في "سنجار" وفتح فيها مُحاكمة دولية. عملياً هذه إحدى طرق الادّعاء. في الطرق الأُخرى عليه أن يكون إمّا دولة قدّمت طلب للمحكمة حتى يُثار هذا الشيء وهذا يحتاج إلى موافقة مجلِس الأمن الدولي، وهنا يخضع الموضوع إلى حقّ الفيتو والأعضاء الدائمين الذين يمنعون خضوع هذه الحال أمام المحكمة. بمعنى أو من تلقاء النفس أو عبر مجلِس الأمن، ومجلس الأمن يعرض الموضوع على السياسة  

سامي كليب: دكتور "أيمن"، أثارت "سابين صليبا" مسألة مهمة جداً في الواقع وهي مسألة أنّ قدرة الدول على الاحتيال على الدعاوى وعلى القوانين، دولة مثل "إسرائيل" ليس فقط مدارِس أو غير مدارِس، لا توجد حرب لا تقتل فيها أطفالاً أو تستهدف أطفالاً وما إلى ذلك، وحتّى اليوم لم نسمع بأنّها حوكِمت مثلاً أو وُضِعت على لوائِح. هناك لوبيات هائِلة على مستوى القوانين الدولية. تفضّل سأترُك لك الكلام

د. أيمن سلامة: نعم، ولكن بغضّ النظر عن صعوبة الدعوى المُقامة الآن والطلب المُقام حالياً من الدولة الفلسطينية باعتبارها الدولة الخامسة العربية التي انضمّت إلى النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، نستطيع أن نقول بلغة الأرقام أنّ القادة العسكريين والسياسيين الإسرائيليين هم الأكثر مُلاحَقة في دول العالم، حتّى في "أوروبا" وفي "نيوزلندا" و"أستراليا" بموجب ما يُسمّى بالاختصاص القضائِي العالمي Universal Jurisdiction. بمعنى ليس بالضرورة أن تكون المُلاحقة أمام المحاكِم الجنائية الدولية في "لاهاي" ولكن آليات دول عدّلت من ذلك الاختصاص بضرورة أن يكون ذلك المُلاحَق، ما بين قوسين، الإسرائيلي فرضاً على أراضي هذه الدولة، ونعلم أنّ "بريطانيا" في عام 2010، بمناسبة "تسيبني ليفني" وزيرة الخارجية الإسرائيلية الأسبق، عدّلت وللأسف من تشريعاتها البريطانية حتّى بعد ضغوط من "إسرائيل" حتّى تفلِّت الإسرائيليين من العقاب

سامي كليب: صحيح، ونتذكّر دكتور "أيمن" عفواً على المقاطعة، أنّ وزيرة العدل البريطانية ذهبت إلى "إسرائيل" مُعتذِرة آنذاك. أتذكّر

د. أيمن سلامة: نعم. الأنكى أُستاذ "سامي" أنّ يتم تعديل تشريعات وطنية لدولة ذات سيادة بضغوط من دولة أجنبية وهي "إسرائيل". أنا أتّفق معك وأريد أن أقول أيضاً أنّ القرار التاريخي والحُكم التاريخي لأوّل مرّة في تاريخ المحكمة الجنائية الدولية، وأول مُلاحَق أمام المحكمة الجنائية الدولية كان العقيد الكونغولي "توماس لوفانغا ديلّو" الذي نُقل بالطائرات الفرنسية من "كينشاسا" إلى عدالة المحكمة في عام 2005، وهو أوّل مُلاحَق جنائياً ودولياً في "لاهاي" وكانت من عداد الجرائم الموجّهة إليه تجنيد الأطفال. للسيّد العميد كلّ الإجلال، لكن أنا أتحفّظ

سامي كليب: دكتور "أيمن" سأُعطيك، اسمح لي، سأعطيك التحفّظ على العميد فقط دعنا لأن السيّد "جورج مال برينو" سيبقى قليلاً معنا ثمّ سينقطع البثّ عبر الأقمار الصناعية

د. أيمن سلامة: تفضّل

سامي كليب: دعني أعطه الكلام ولو قليلاً. "جورج مال برينو"، نعلم أنّ في عهد الرئيس "ساركوزي" كانت العقود الأساسية مع "قطر"، في عهد الرئيس "فرنسوا هولاند" يبدو أن العقود ذهبت أكثر في اتجاه "السعودية". نتحدّث عن العسكرية أو على الأقل الآمال بعقود كبيرة عقدها "هولاند" على "السعودية". هلّ كان هناك سبب حول هذا التحوّل وهل حصل تحوّل فعلاً؟ أنا أسألك لأنه في كتابك مع "كريستيان شينو" كتبتم الكثير عن الجانب المالي، العسكري، الاقتصادي مع "قطر"

جورج مال برينو: بالطبع، بين "ساركوزي" كان هناك تقارُب كبير مع القادة القطريين، لكن "فرنسوا هولاند" أراد أن يُغيِّر هذه السياسة المُتطرّفة التي كانت تُهمّش البلد الأكبر في الخليج أي "السعودية". ولذلك عندما وصل إلى السلطة بدّل وجهة هذه السياسة وجعل "السعودية" الحليف الاستراتيجي الأول، وهذا ما يعكس الواقع حيث أنّ "السعودية هي البلد الأكبر في الخليج، و"قطر" هي دولة صُغرى. وبالتالي لهذا السبب باتت "السعودية" اليوم شريكنا الاستراتيجي ولاسيما أنّ "السعودسة" في ظلّ حُكم الملك "سلمان" تتمتّع بمكانةٍ دبلوماسية أهمّ بكثير من الماضي وهي حاضرة أكثر من الماضي، "الرياض" باتت شريكتنا المُفضّلة. الرئيس التالي للجمهورية الفرنسية العام المقبل، هلّ سيُبدِّل وجهة هذه السياسة مرّةً جديدة أم لا؟ لا بدّ وأن ننتظر. لكن في "فرنسا" وإذا ما عُدنا إلى السجالات الداخليّة، هناك الكثير من التساؤلات بالنسبة إلى تحالفاتنا مع هذه الأنظمة الخليجية التي تُشكّل إشكالية واضحة بالنسبة إلى المُجتمع الفرنسي عندما نرى بعض السياسيين وأشخاصاً مثلي، عندما نقيم المؤتمرات ونتحدّث عن "السعودية" و"قطر" ونرى أنّ هناك الكثير من علامات الاستفهام لدى الفرنسيين بالنسبة إلى ارتباط هذه الأنظمة بتمويل الإرهاب والزبائنية ودعم السلفيين الذين يأتون إلـى  "السعودية" لكي يتدرّبوا ثم يقوموا

سامي كليب: سيّد " جورج مال برينو" أُريد أن أسألك. "جورج" أُعذرني على المُقاطعة أريد أن أسألك. هلّ بعض السياسات الفرنسية كانت تُقرَّر بسبب الصفقات العسكرية؟ أي هلّ "فرنسا" مثلاً اتّخذت موقفاً سياسياً تجاه "سوريا" أو تجاه "اليمن" أو تجاه "ليبيا" بسبب صفقات تجارية وعسكرية وليس بسبب ضمير سياسي أو موقف سياسي أو استراتيجية سياسية؟

جورج مال برينو: لا أعتقد بالنسبة إلى هذه الدول، أعتقد بالنسبة إلى الموقف الفرنسيّ، هذا الموقف تحدّد باعتباراتٍ سياسية واقتصادية وفقاً للملفّ النووي الإيراني حيثُ أنّ وزير الخارجية السابق كان قد ذهب إلى أبعد الحدود لكي ينقل الطلبات السعودية والإماراتية والقطرية وحتّى الإسرائيلية حيال "إيران".  وقتها شهدنا على توثيقٍ واضح واصطفافٍ واضِح اعترف به "عادل الجبير" في مُقابلةٍ مع القنوات الفرنسية وقال أنّ الموقف الفرنسي من "السعودية" في حال توافُقٍ تام. بالنسبة إلى هذا الملفّ تحديداً، شهِدنا على توافقٍ بين موقفنا والموقف السعودي حيال الملفّ النووي، لكن بالنسبة إلى الملفّات الأُخرى، لا توافُق كامِل وإن كان هناك تقارُب في الأمور، وبالنسبة إلى "اليمن" الوضع مُعقّد أكثر حيثُ أنّ "فرنسا" وبشكلٍ ضمني تقوم بالمشاركة في هذه الحرب من خلال الاستطلاعات الاستخباراتية الجوية، وهناك شعورٌ بعدم الرضى لوجود الفرنسيين ومساعدة السعوديين في "اليمن". لكن من منظور سياسي، لا اتّخاذ لمواقف بالنسبة إلى قادتنا السياسيين الذي يقولون "حذاري وحذاري" وكلّ هذه الانفعالات التي يُمكن أن تأخذنا في الاتجاهات الخاطئة لأننا، مرّة جديدة، نأمل في المُقابل بأن نحصل على توقيعٍ لعقودٍ وبالنسبة إلى العقود فهذا يعني توليد مزيدٍ من فُرص العمل في "فرنسا" وأنا أعرِف أنّ الركود الاقتصادي في "فرنسا" حاصلٌ وواقِع وبالتالي نُعلِّق آمالاً كبيرة على هذه الأنظمة الخليجية، وفي المُقابِل نكُمّ الفاه بالنسبة إلى بعض الاعتبارات الأُخرى سواء كانت تتعلّق بحقوق الإنسان أم تتعلق بفاعليّةٍ نسبية لبعض العمليات العسكرية التي تـُطلقها العربية السعودية" في "اليمن"

سامي كليب: " جورج مال برينو" الكاتب الفرنسي المتخصّص في شؤون الشرق الأوسط، شكراً جزيلاً لك، ننتظر كتابك المُقبِل أو زيارة إلى المنطقة. وأُذكِّر أعزائي المُشاهدين أن "جورج" كان من أوائِل الصحافيين الغربيين الذي أجروا مُقابلة مع الرئيس السوري "بشّار الأسد" في أوج الحرب السورية. فقط قبل أن نتوقّف مع فاصِل ثم نعود، شاهدوا هذا الطفل في تنظيم الدولة الإسلامية أو "داعِش" ماذا يقول طفل صغير لماذا ينتمي إلى هذا التنظيم؟

الطفل المُراهق داوود: أنا اسمي "داوود"، عُمري 14 سنة، أُحبّ أن أصير في دولة الإسلام في "العراق" و"الشام" وأن اُقاتِل معهم لأنهم يحبون أن يقاتلوا هؤلاء المُرتدّين والكَفَرَة. وهم في دولة الإسلام على الشرع ولم يرتكبوا أيّ غلط بإذن الله، ولا يرتكبون. نحن نُحبّ دولة الإسلام جميعاً                       

سامي كليب: هذا مُقاتِل مُقبِل ربّما صار مع "داعش" لأنّ هذه الصُوَر منذ فترة. سنُناقش هذا الأمر بعد الفاصل إن شئتم أن تبقوا معنا

المحور الثالث:          

سامي كليب: أهلاً بكم مُجدداً أعزّائي المُشاهدين لمواصلة هذه الحلقة من "لعبة الأُمم" عبر قناة "الميادين" في جزئِها الثالث والأخير، نتحدّث فيه عن السلاح، بيع السلاح، تجارة السلاح، صفقات السلاح، مصانِع السلاح، تأثير ذلك على الإنسان العربي وعلى الطفل بشكلٍ عام. حتّى الآن الحلقة في الواقع غنيّة بالمعلومات، أنا سعيد بالضيوف جداً وإن شاء الله تكونون أنتم سعيدين أيضاً. التقرير العسكري في الصادرات الدولية للسلاح، من أهم التقارير تقرير معهد "ستوكهولم" الـ "سيبري". الـ "سيبري" يقول أنّ الدول المصدِّرة للأسلِحة كانت كالتالي بين 2011 و2015 في فترة "الربيع العربي" الجميل عندنا:

— أميركا صدَّرت 33 % من السلاح إلى العالم و"روسيا" 25 %، "الصين" 5.9 %، "فرنسا" 5.6%، "المانيا" 4.7%، "بريطانيا" 4.5%، "إسبانيا" 3.5%، و"إيطاليا" 2.8%

— الدول المُستورِدة للسلاح: "الهند" 14% من كلّ سلاح العالم، بعدها مُباشرةً "السعودية" 7%، أي بزيادة 275%، "الصين" 4.7%، دولة "الإمارات العربية" زيادة بنسبة 35%، قطر زيادة بنسبة 279 %، "مصر" زيادة بنسبة 37%، "الجزائِر" و"المغرب" كاثنتين من أكبر مستوردي الأسلِحة في "أفريقيا" بمجموعٍ بلغ 56% من الواردات الإفريقية. واردات الأسلِحة في "العراق" بنسبة 83%، والذي يرى كلّ هذه الأسلِحة يقول تحرّرت "فلسطين"

سامي كليب: حسناً، دكتور "حسن أبو هنيّة" الخبير في شؤون الإرهاب في "الأُردن" يقول لنا عن مأساة انخراط الأطفال في الجماعات المُسلّحة، وكم عدد هؤلاء الأطفال في الجماعات التكفيرية والإرهابية بشكلٍ سريع

حسن أبو هنيّة: مُعظم الذين انخرطوا في صفوف هذه الجماعات هم من الشباب من فئة 16 إلى 26 بشكلٍ مؤكّد، ولكن مع ذلك هناك تحوّل في نمط انتماء واستخدام الأطفال. تاريخياً كان هناك وجود دائِم لتجنيد الأطفال، ليس فقط في جماعات مُسلّحة ذات طبيعة إرهابية، ولكن هناك أيضاً حتّى في الجيوش النظامية حسب الإحصاءات أكثر من 800 ألف منخرِط من الأطفال يُستخدمون في النزاعات المُسلّحة إمّا من قِبَل جيوش نظامية أو من قِبَل جماعات مُسلّحة. في الفترة الأخيرة مع صعود تنظيم الدولة الإسلامية، "داعش"، وسيطرته على "الموصل" ومساحات واسعة في "العراق" و"سوريا"، أعتقد بأنّ الظاهرة أصبحت ضخمة جداً بحيث أنه عمليات التجنيد لها أسباب عديدة بعض هؤلاء هم أبناء الجهاديين أنفُسهم. هناك آخرون ممن توفّوا أهاليهم أو لا يوجد لهم أهل على الإطلاق وهم أيتام وبالتالي يتمّ استثمارهم واستغلالهم. هناك أسباب تدفع الأهالي أحياناً لأنهم لا يستطيعون أن يرفضوا، فهذا التنظيم يفرِض أحكامه وبالتالي يفرِض نمط تصوّره عن الحياة وعن الموت. لا توجد أرقام دقيقة لكننا نعلم أنّ هناك بضعة ملايين يخضعون لسيطرة تنظيم الدولة وبالتالي جميع أبنائهم يذهبون إلى مدارِس التنظيم وبالتالي يتلقّون تعليماً دينياً وكذلك تدريباً عسكرياً في التنظيم، وبالتالي قد يُصبحون لاحقاً جزءاً من منظومة "أشبال الخلافة" وبالتالي     جزءاً من التنظيم. بالتأكيد هذه ظاهرة مُقلِقة ونحن نتحدّث عن عشرات الآلاف من الأطفال

سامي كليب: الأرقام كبيرة جداً ومُخيفة. ازداد عدد الأطفال فعلاً كثيراً مع ظهور "داعِش"؟

سابين صليبا: ازداد كثيراً ولا يُمكننا أن نعلم تحديداً كم، لكن من كلّ هذه الفيديوهات التي نراها نرى أنّ العدد كبير. لكن أنا اُحبّ أن أُشدد هنا أنّه، ولو أننا نرى أنّ الأطفال يقومون بأعمال بالتأكيد يجب ألاّ يقومون بها، لكن يجب ألاّ ننسى أنّ الأطفال هم في الحروب ضحايا دائِماً، لأنه كما نُشاهد في تلك التدريبات هم صغيرون جداً، ومن صِغرِهم يُعلّمونهم على أشياء لم يكونوا قد اختاروها

سامي كليب: كيف في رأيِك هو الخطر المُقبِل على هذا الطفل؟ سيتحوّل إلى قاتل في المُجتمع عملياً، أي هو بحاجة إلى مُرافقة نفسية في حال اُعيد تركيب الدول. لو فرضنا غداً في "سوريا" بدأت إعادة الإعمار وإعادة بناء الدولة وإعادة بناء المُجتمع. يُقال أنّ كلّ الجيل المُقبل قد يكون عصيّاً على الإصلاح ويجب أن ننتظر جيلاً آخر من الأطفال حتّى يعودوا سالمين، لأنّ هؤلاء الأطفال يخرّبون، صحيح؟

سابين صليبا: مُمكن الإصلاح لكن يجب أن نعمل عليه كثيراً لأنّ الأطفال حتى لو تمكّنّا من إخراجهم من هذه الجماعات المُسلّحة يجب أن نعمل معهم كثيراً وألا ننظر إليهم كمُجرمين، ننظر إليهم دائِماً كضحايا ونُساعدهم لأنّهم مهما رغبوا في العودة إلى المجتمعات التي كانوا يعيشون فيها مع عائلاتهم وفي المدارِس

سامي كليب: هلّ توجد حالات استطعتم فيها إصلاح أطفال مثلاً أو منظمات استطاعت فعلاً إخراج أطفال وإصلاحهم؟

سابين صليبا: نعم

سامي كليب: هلّ عندنا حال نموذجية مثلاً تعرفينها؟           

سابين صليبا: ليست حال واحدة بل في الكثير من الحروب "الأُمم المتحدة" والـ "يونيسف" يشثغلون على عملية إخراج هكذا أطفال من الجماعات المُسلّحة ويجرون لهم كما يُسمونهم Re-Integration           Programs ليساعدوهم للدخول مجدداً إلى المجتمعات، لكن لا تنجح هذه الأعمال دائماً. لكن كنت أقرأ عن قصّة طفل في "سيراليون" صار نموذجاً لهؤلاء الأطفال لأنّه تمكّن من الخروج لكن بالتأكيد بعد أن كانت كلّ عائلته قد توفّت، وهنا الصعوبة. أحياناً لا يكون عندهم عائِلة يعودون إليها

سامي كليب: صحيح

سابين صليبا: من أجل هذا أحياناً حتّى حين يُخرجونهم يعودون للدخول مجدداً لأنّها العائِلة الوحيدة التي يعرِفونها. لكن يوجد أطفال ينجحون معهم إذا أحد من أفراد عائلاتهم يعود لأخذهم ومُساعدتهم. وهذا الطفل شاء القدر أنّ عنده إمكانية أن يتكلّم كثيراً فصار هو يُساعد غيره من الأطفال

سامي كليب: نتحدّث عن طفل بين ملايين للأسف

سابين صليبا: في "سيراليون"، نعم. هذه هي المُشكلة

سامي كليب: عميد، كنت تودّ أن تُحدّثني عن إحصائيّة عندك معيّنة؟

ناجي ملاعب: نعم. أريد أن أتحدّث قليلاً عن الإتّجار بالسلاح

سامي كليب: تفضّل

ناجي ملاعب: السلاح الفردي تحديداً. لا توجد قوانين دولية، بانتهاء الحرب البارِدة في التسعينات وزوال الاتحاد السوفياتي، بعدها وبعد حرب "العراق" في عام 1991 كانت المرة الأولى التي قامت فيه الأُمم المتحدة ببرنامج يكون فيه سجلّ للأسلِحة التقليدية كما يُسمّونها

سامي كليب: فقط منذ عام 1991

ناجي ملاعب: عام 1991، لم يكن يوجد سجلّ سابقاً، وهذا السجلّ فشل. حتّى من عام 1990 إلى غاية الـ 2001

سامي كليب: أمرٌ غريب! لا تحصل كلّ هذه السجلاّت والقرارات إلاّ في دولنا العربية. حين حصل بدأت السجلاّت

ناجي ملاعب: بدأت من "العراق"

سامي كليب: منذ عام 1948 إلى اليوم لا توجد سجلاّت

ناجي ملاعب: كان العالم بقطبين، والقطبان لا يصرّحان لـ "الأمم المتحدة" بما عندهما، لكن عندما كان العالم بقطب واحد وانتهت الحرب البارِدة صار هناك قطب واحد وأنشأوا هذا السجلّ ولكنّه كان سجلاً طوعياً. وفي النهاية وبعد عشر سنوات، بدأت الدول تُفيد طوعياً عمّا عندها وفشل هذا الموضوع. لكن هذا الاتّجار لا يتمّ إلاّ بمعرِفة الحكومات وبتصديق البرلمانات في هذه الدول. لا تعتقد أنّ سلاحاً يخرج عبر سماسرة إلى تنظيمات إرهابية من دون معرِفة الدول

سامي كليب: هذه نُقطة مهمّة جداً، أي لا توجد مافيات توصِل السلاح من دون معرِفة الدول؟

ناجي ملاعب: أبداً. أنا أريد أن أخبرك لأننا نحن، الـ End User نظّمنا معرضاً للأمن للشرق الأوسط في الصيف الماضي. هذا المعرض كي تتمكّن من إحضار السلاح من أيّة دولة لتعرضه هنا على أحد أن يوقِّع لك أنّ هذا سلاح في عهدته. الجيش اللبناني وقّع أنّ هذا سلاح في عهدتنا وسيُعاد، وكان حرساً عليه وأُعيد. كلّ ما يتسلّمه الجيش اللبناني من أسلِحة عرض لأن تأتي الدول الصانعة لتراه وتعاين مكانه، وهذا بين هلالين لأننا فتحنا كوّة، اعتبار أنّ الجيش ممكن أن يُعطي سلاحاً لـ "حزب الله" أو ما يُشابه هو غير وارد ومن غير المُمكن أن يُعطي لأحد. السلاح الذي عند الجيش اللبناني موجود ويُراقَب بشكلٍ دائِم. هناك كلام هنا كشفته صحيفة "الإندبندنت" في عام 2014

سامي كليب: اسمح لي أن نحيّي الجيش اللبناني تحديداً في هذه المرحلة لأنّه يقوم بعمل جبّار

ناجي ملاعب: أكيد. عملياً "الإندبندنت" في عام 2014 كشفت عن أنّ مجلس العموم البريطاني يُحاسب الحكومة في أنّها خلال 15 شهراً أرسلت إلى شركات الأمن البريطانية في "الصومال" 44 ألف قطعة سلاح فردي، 44 ألف قطعة، لماذا؟ ما هي هذه؟ ماذا يريد منها "الصومال" وإلى أين أرسلوها؟ لم يرسلوها لا إلى الجيش الصومالي ولا إلى خلافه، لشركات الأمن البريطانية بحجّة مُكافحة القرصنة. 44 ألف قطعة ذهبت للاتجار بها

سامي كليب: أكيد

ناجي ملاعب: يوماً ما، كلّ دول البلقان ودول الاتحاد السوفياتي السابق، كلّ أسلِحتها ذهبت في اتجاه "أفريقيا"، في الأمكنة التي قلت لك عنها، في "الكونغو" وفي "سيراليون" وهذه الأماكن كلّها. وصل سعر مبيع "الكلاشينكوف" بـ 12 دولاراً في هذه الأماكن في التسعينات وفي الثمانينات

سامي كليب: حسناً، لا أحد يُنافس الدكتور "أيمن سلامة" في القانون الدولي، ولكن سنستمع بعد إذنك دكتور "أيمن" وأُعطيك الكلام

د. أيمن سلامة: العفو، العفو        

سامي كليب: إلى الدكتورة "حليمة قعقور"، الدكتورة في القانون الدولي العام، تُحدّثنا عن اتفاقيات ضبط الأسلِحة من وقّع عليها وما مدى فعاليتها ونُعلِّق على هذا الكلام مع الضيوف الكرام ومعك دكتور "أيمن"

د. حليمة قعقور: في كلّ دقيقة يموت شخص من جرّاء الأسلِحة غير الشرعية في العالم، وهم أشخاص مدنيون. من أجل هذا كانت ضرورة وجود اتفاقية دولية Legally binding مُلزمة بالقانون، ترعى وتُنظِّم استيراد وتصدير هذه الأسلِحة الكلاسيكية وليس فقط النووية، منها السُفن والطائِرات والأسلِحة الخفيفة. هذه الاتفاقية، (A.T.T.)  Armed Trade Treaty هي اتفاقية عُقِدت في عام 2013 بقرار من الجمعية العمومية باعتراض ثلاث دول "سوريا" و"إيران" و"كوريا الشمالية"، وبموافقة 154 دولة وعدم تصويت 23 دولة. هذه الاتفاقية تُنظِّم استيراد وتصدير هذه الأسلِحة الكلاسيكية التي تحدّثنا عنها وتمنع أيّة دولة من إرسال وتصدير هذه الأسلِحة إلى مجموعات إرهابية يُمكن أن تخترِق القانون الدولي الإنساني وأن تقوم بجرائِم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية أو الإبادة الجماعية. العشر دول الأولى لتصدير السلاح وأهمها "أميركا" و"روسيا" و"الصين" لم تُصدّق عليها. "أميركا صوّتت عليها بعد أن عطّلتها عدّة مرات وعارضتها بقوة، ولكن بعد انتخاب "أوباما" مرّت ووقّعت الاتفاقية ولكن كما هو متوقّع لم يُصادِق عليها مجلس الشيوخ وكذلك "روسيا" و"الصين" لم يوقّعاها ولا حتّى صادقا على هذه الاتفاقية مما يُخفّف من فعاليتها

سامي كليب: شكراً للدكتور "حليمة قعقور"، وشكراً أيضاً على النشاط الكبير الذي تقومين به لتنظيف الشواطئ اللبنانية، حملة كبيرة لتنظيف الشواطئ اللبنانية من النفايات للأسف الشديد. دكتور "أيمن" عندك تعليق على ما تفضّلت به الدكتورة "حليمة"؟

د. أيمن سلامة: أؤيِّدها وربما أنا ذكرت سلفاً في الحلقة هذه المسألة

سامي كليب: صحيح

د. أيمن سلامة: ولكن الأهم أنه عندما يُصدِر مجلس الأمن قرارات بحظر توريد الأسلِحة لدول مُعيّنة فيها نزاعات مُسلّحة ويكون ذلك القرار مؤسساً بموجب البند السابع من ميثاق الأُمم المتحدة، فالمُفتَرض قانوناً وعملياً أيضاً ألاّ تخالف ذلك القرار أية دولة في العالم، وهذه القرارات صدرت حيال دول عديدة منها "اليمن"، "ليبيا"، "سوريا"، أيضاً منها "رواندا بروندي" في التسعينات، "سيراليون – ليبيريا"، دول البلقان في التسعينات وهكذا، فنجد إلزامية أكثر واهتماماً أكبر من الجماعة الدولية بهذه القرارات باعتبار أنّ المجلِس يُشكِل لجنة تُسمّى لجنة الإجراءات لمُتابعة تنفيذ كافة دول العالم لهذه القرارات الأُممية

سامي كليب: دكتور "أيمن"، كنت قبل أن أختُم البرنامج ولكيلا يُقال إنني أنسيتك السؤال، كنت تودّ إبداء تحفُّظ على ما تفضّل به العميد "ملاعب". تفضّل

د. أيمن سلامة: نعم، أشكرك. سريعاً أُجِلّ اهتمام السيّد العميد بالنظام الأساسي لمحكمة الجنايات الدولية، نظام "روما"، ولكن المادة 15 صحيح أنها تجعل للمدّعي العام من تلقاء نفسه أن يقوم بتحقيق في جرائِم مرتبطة بهذا النظام ولكن لا بدّ وأن تكون هذه الجرائِم المُدّعى ارتكابها قد ارتُكِبت فقط في دول هي أطراف في النظام الأساسي لمحكمة الجنايات الدولية وذلك وفقاً لقواعِد الاختصاص في هذه المحكمة

ناجي ملاعب: هو دكتور في القانون الدولي، أكيد

سامي كليب: حسناً، ولكي أُسعِدَك، العميد "مُلاعِب" موافِق تماماً على ما تفضّلت به

د. أيمن سلامة: تحياتي لسيادته

سامي كليب: شكراً لك. في الواقع انتهى الوقت، كنّا نودّ أن نستفيض أكثر في بعض المواضيع أعزائي المُشاهدين ولكن للأسف مرّ الوقت بسُرعة. أشكُر "سابين صليبا" منسّقة الشبكة الدولية لحقوق الطفل وهي مُستشارة في شؤون الأُمم المتحدة والنزاعات المُسلّحة، ولن تصدقوا أن هذه هي المرة الأولى التي تظهر على الشاشة، من اللازم أن تظهري أكثر لأنّ حضوركِ جميل ومعلوماتك قيّمة. الدكتور "أيمن سلامة" الأُستاذ في القانون الدولي. وكان معنا في الجزء الثاني الكاتب والصحافي الفرنسي "جورج مال برينو" وسعيد جداً بحضور العميد المُتقاعِد "ناجي ملاعب" رئيس تحرير مجلّة الأمن والدفاع العربي ومُستشار في مؤسسة "إنِغْما"، " مؤسسة الشرق الأدنى والخليج للتحليل العسكري". وشكراً لكلّ من ساهم في هذه الحلقة من الضيوف الكرام. إلى اللقاء أعزائي المُشاهدين في الأُسبوع المقبل مع حلقة جديدة من "لعبة الأُمم" وقناة "الميادين" وكلّ رمضان وأنتم بألف خير 

تونس إلى أين؟

الفصل الثمانون من الدستور التونِسيّ، هو المفتاح والمعضلة في الوقت نفسه، اليها استند الرئيس قيس سعيّد في قراراتِه وعليها يختلف المعارضون في تأويلِها، فرئيس البرلمانِ وزعيم حركة النهضة الشيخ راشد الغنوشي عدَّ إجراءات سعيّد انقلابية على الدستور والديمقراطية، أما الرئيس سعيّد، فيدافع عن قراراته ويعدُّها إنقاذيةً وغير انقلابية، محذّراً منَ استخدامِ الرصاص والعنف، ويؤكّدُ أنَّ هناك لصوصاً يحتمُونَ بِالنصوص، ووسط كلّ ما يَجري في البلادِ بين مؤيِّد ومعارض، السؤال الأهمّ هو: تونِس الى أين؟ تونس البلد الناجي ممَّا عرفَ بحريق الربيعِ العربيّ، الذي انتهج خارطة طريق ديمقراطيةٍ وحوارٍ وطنيٍّ تكللَت بجائزة نوبل للسلام، يقف حالياً أمام ما يسمّيه البعض قرارات ثورية، وآخرون يسمُّونَه ثورة مضادة، هل ما زال هناك إمكانية للحوار بين الفرقاء؟ أمْ أنّ الانقسام كبير وسيؤثر في المَنطقةِ برمّتها؟ وهنا نسأل عن البعد الإقليميِّ والدَوليِّ لما يجري؟

المزيد

برامج أخرى