القيادي في حركة النهضة عبد اللطيف المكي - الجزء الرابع

تطور هياكل وبنى واللوائح التنظيمة لحركة النهضة، مدى تماسك حركة النهضة وقدرتها على طرح نفسها من بين المنافسين سياسيا واسلاميا لها في الداخل؟ جديد مواقف حركة النهضة تجاه المشاكل التي تعاني منا البلاد، مقاربة حركة النهضة لعملية التفاعل السياسي بين القوى والأحزاب، وعلى اي اسس؟ الموقف من الإرهاب في تونس، حقيقة وجود قوات اجنبية في الجنوب التونسي على الحدود مع ليبيا؟ تقييم لمسار اداء حركات الاسلام السياسي في العالم العربي ما بعد الثورات والثورات المضادة؟

محمّد علوش: عام 2014، جرت الانتخابات البرلمانية في تونس. خسرت حركة النهضة الأغلبية البرلمانية وفاز حزب نداء تونس، حزبٌ وليدٌ في الحياة السياسية، لكنّ قياداته وكوادره معروفون جيّداً عند المواطن التونسي. يُحكى أنّ الحزب الجديد ليس إلا تجلياً لرجالات بن علي والحبيب بورقيبة، وإن كان بثوبٍ جديد وطرحٍ متجدّد.

ما فتئ الحديث بعدها يدور حول احتمال انشقاقات واسعة في صفوف حركة النهضة، فقد خسرت الحكم وخسرت الانتخابات وتأخر انعقاد مؤتمرها العام أكثر من مرة، لكنّ الحركة فاجأت الجميع في ما بعد، فقد ذهبت إلى شراكة سياسية مع مَن كانت تقول في حق بعضهم إنهم فاسدون ومفسدون للحياة السياسية في البلاد.

فما الذي دفع حركة النهضة إلى الشراكة مع خصوم الأمس؟ وكيف تقيّم موقفها في المرحلة الحالية؟

أهلاً بكم إلى الجزء الرابع من الحوار مع القيادي في حركة النهضة الدكتور عبد اللطيف المكي.

 

تقرير: أبرز العمليات الإرهابية التي ضربت تونس بعد الثورة.

- في الثامن عشر من أيار مايو عام 2011، تسجيل التراب التونسي أول مواجهة بين الأمن وعناصر مسلحةٍ سقط فيها قتلى وجرحى.

- عام 2012، أعمال شغبٍ وتخريبٍ للممتلكات العامة والخاصة نُسِبت إلى عناصر من التيار السلفي.

- عام 2013، تبني تنظيمات متطرّفة اغتيال القياديين في المعارضة شكري بلعيد ومحمّد البراهمي.

- في التاسع والعشرين من تموز يوليو عام 2013، مقتل ثمانية جنود في جبل الشعانبي على يد مجموعةٍ مرتبطةٍ بالقاعدة.

- في السابع والعشرين والثامن والعشرين من أيار مايو 2014، سقوط قتلى في هجومٍ مسلّح ضدّ منزل وزير الداخلية في القصرين.

- في السادس عشر من تموز يوليو 2014، هجومان على نقطتين عسكريتين في الشعانبي وسقوط العديد من القتلى.

- في الخامس من تشرين الثاني نوفمبر 2014، مقتل وإصابة 15 عسكرياً في هجومٍ على حافلةٍ عسكريةٍ في الكاف.

- في الثامن عشر من آذار مارس 2015، مقتل 21 سائحاً أجنبياً في اعتداءٍ على متحف باردو في العاصمة.

- في السادس والعشرين من حزيران يونيو 2015، مقتل 38 شخصاً أغلبُهم أجانب في هجومٍ على فندقٍ بالقرب من سوسة.

- في الرابع والعشرين من تشرين الثاني نوفمبر 2015، هجومٌ استهدف حافلةً للأمن الرئاسي يسفر عن 12 قتيلاً و20 جريحاً.

 

محمّد علوش: نرحّب بكم دكتور عبد اللطيف المكي القيادي في حركة النهضة في الجزء الرابع من هذه السلسلة. أهلاً وسهلاً بك.

 

عبد اللطيف المكي: أهلاً وسهلاً. مرحباً.

 

محمّد علوش: في الحلقة الماضية انتهينا أو توقفنا في نهاية الحلقة عند الانتخابات الأخيرة التي حصلت في تونس، في تشرين الأول أكتوبر 2014، تراجعت حركة النهضة بشكل قياسي وتقدّم حزب نداء تونس الذي يتّهمه الكثيرون على الأقلّ في تلك الفترة أنّه وريث السلطة السياسية السابقة، وكانت المفاجأة في ما بعد أنه حصل نوع من التحالف والتفاهم. أريد منك توضيح ما الأسباب بداية التي أدت إلى تراجع حركة النهضة وهل دُرِس ذلك بشكل مُعمّق في الدوائر الضيقة للحركة.

 

عبد اللطيف المكي: نعم، نتائج انتخابات 2014 لا أقول فاجأتنا، كنّا ربما نتوقّع نتائج أسوأ نتيجة الحملات الإعلامية الشهيرة ضد الحركة، والتي انعكست في سبر الآراء، فكلّ ما كان يُضَخ ضدنا في الإعلام وجدنا لديه أثر لدى الرأي العام، بل ذكرت أنا أنّه عندما كنت أخوض الحملة الانتخابية في مدينة الكاف كلما دخلت مقهى أو وقفت على رصيف يتناقش معي الناس وكأنني فتحت إحدى القنوات التلفزيونية التي كانت تضخّ ضدّنا، ولكن بعد الحديث وتقديمي معطيات يتعدّل الرأي العام، وهذا ما أثبتته كذلك شركات الاتصال التي قامت بالاختبارات، بما يسمّى بالـfocus group، أنّ المعلومة أثّرت، وعندما تقدم المعلومة المضادة يعتدل الرأي. ولذلك الحملة الانتخابية حسّنت من نتائج الحركة وحصلنا على رصيد يُعتبَر جيّداً ويُعتبَر انتصاراً مقارنة وأخذاً بعين الاعتبار كل الصورة القاتمة التي رُسِمت على الحركة، أو حتى بعض خيبة الأمل لدى جماهير كانت تتصوّر أنّ الحكومة قادرة على تحسين الوضع الاجتماعي والاقتصادي في ظرف وجيز، وهذا لم يكن ممكناً بالرغم من الاستثمارات الكبرى في الميزانية لصالح المناطق المحرومة، التي لم تمثلها أي ميزانية أخرى منذ الاستقلال ولا تزال تلك المشاريع التي بُرمِجت تنجز إلى حد الآن فالنتيجة تعتبر إيجابية.

 

محمّد علوش: الإعلام وحده هو المسؤول عن تراجع النسبة، الإعلام المضاد أقصد؟

 

عبد اللطيف المكي: العمل السياسي ضد الحركة والذي كان يُنقَل في الإعلام.

 

محمّد علوش: وليس أيضاً في نفس الوقت نوع من الإحباط المجتمعي من الآمال التي كانت مُعلّقة على حركة النهضة؟

 

عبد اللطيف المكي: هذا موجود، وكان علينا أن يكون لدينا خطاب نُفهِم الناس أنّ تراكمات عشرات السنين من التفقير ومن التهميش ومن الحيف لا يمكن امتصاصها في سنة أو في سنتين، بل لا بدّ لبعض الوقت هذه الرسالة لم تُبلّغ، فربما كان لها دور.

 

محمّد علوش: بعض الكُتّاب المحسوبين على حركة النهضة أو الذين يدورون في فلك الإسلام السياسي كتبوا في تلك المرحلة أنّ هناك جهات خارجية عربية كانت تعمل على إسقاط حركة النهضة وإبعادها عن السياسة وضخّت أموالاً وساندت أحزاباً في الداخل التونسي وهذا نسمعه حتى اليوم أسمعه أنا في الشارع التونسي.

كقيادي في حركة النهضة بإنصاف، هل هناك جهات خارجية تحاربكم في هذا البلد؟ وهل لديكم معلومات عن ذلك؟

 

عبد اللطيف المكي: أتصوّر أنّها موجودة بحسب القرائن والمؤشرات.

 

محمّد علوش: تكهّن الأمر؟

 

عبد اللطيف المكي: ولكن لم يقع إثبات ذلك بالحُجّة والدليل، رغم أنّ معطياتنا الداخلية، ولا أريد أن أعكّر مناخات الدبلوماسية التونسية، معطياتنا الداخلية تقول أنّه موجود وكانت هنالك مساعٍ للإساءة للحركة والإساءة لتجربة الحكم من بعض الأطراف سامحهم الله، لأن تونس لم تكن تنوي لا تصدير ثورتها ولا استعداء أية جهة عربية أو إسلامية أو دولية، كانت تريد أن تحسّن من أوضاعها الداخلية عن طريق الحكم الرشيد والذي هو الحكم الديمقراطي. نعم، كان موجوداً.

 

محمّد علوش: هل لنا بمعرفة مَن هي هذه الجهات؟

 

عبد اللطيف المكي: أنا ذكرت لك لا أستطيع أن أعكّر.

 

محمّد علوش: لا أقصد داخلياً. خارجياً عندكم مشكلة؟ حدّد لنا.

 

عبد اللطيف المكي: هناك جهات خارجية نعم عملت على ذلك.

 

محمّد علوش: عربية أم أوروبية؟ هل هناك مشكلة أن نعرف؟

 

عبد اللطيف المكي: عالمية، هي موجودة في العالم.

 

محمّد علوش: هي موجودة في العالم. في المقابل دكتور تُتَّهَمون أنتم في حركة النهضة أنّكم تلقيتم أموالاً من جهتين، إحداهما خليجية، إن شئت نُسمّي، وأخرى إقليمية، وبنفس الوقت الذي كان يُضَخّ فيه أموال لخصومكم، كان يُضَخ أموال لكم. ما صحة هذا الكلام؟

 

عبد اللطيف المكي: أنا أنفي ذلك والحركة لم تتلقّ أموالاً من جهات خارجية، تلقّت أموالاً من أبنائها المقيمين في الخارج، لأنّه أصبحت لدينا جالية كبيرة في الخارج.

 

محمّد علوش: لم تأتِكم أية تبرعات، لم يأتِكم أي شيء من جهات؟

 

عبد اللطيف المكي: لم يكن هنالك أيّ تبرّع للحركة كحركة، هنالك هبة أعطيت من دولة قطر عن طريق الحكومة لكي تُصرَف بسياسات الحكومة على المساجين السياسيين سابقاً، السابقين.

 

محمّد علوش: أغلبهم من حركة النهضة.

 

عبد اللطيف المكي: أغلبهم نعم لكن هناك فئات أخرى، فهذا الذي لديه علم، والحركة لديها أبناؤها ولديها المتعاطفون معها داخل البلاد هم الذين يموّلونها، وعلى كل هنالك أجهزة رقابية في البلاد منها لجنة التحاليل المالية الموجودة في البنك المركزي وهي تحلل كل الأموال المشبوهة وكل الأموال غير الشرعية التي ترد على البلاد، وخاصة أموال الأحزاب والمنظمات.

 

محمّد علوش: الآن انتهت الانتخابات والآن هناك حكومة، وهناك شراكة بينكم وبين نداء تونس. هل ما زالت هذه القوى الخارجية تضخّ أموالاً إلى الداخل؟

 

عبد اللطيف المكي: على كلّ عندما حدثت صراعات داخل حزب معروف في البلاد، أطراف الصراع تقاذفوا تهم المال الفاسد وإلى غير ذلك. أظنّ حتى وإن كان موجوداً، تكون الوتيرة قد تناقصت بحكم الوضع السياسي، لكن حقيقةً، ليس لديّ معلومات دقيقة لأنني الآن لستُ في الحكومة، وأتصوّر أنّ الأوضاع السياسية في تونس المبنية على تضامن التونسيين مع بعضهم بعضاً وتجنّب الاستقطاب قد سدت الفرصة على مزيد تدخل هذه الأموال أو الأطراف الخارجية في الأوضاع الداخلية للبلاد.

 

محمّد علوش: الدكتور عبد اللطيف المكي كقيادي في حركة النهضة وقارئ سياسي وأيضاً عضو في الحكومة لأكثر من سنتين، كنت وزير صحة ونائباً في البرلمان مؤتمناً على قرار الشعب. سؤالي هل يعتقد الدكتور عبد اللطيف المكي أنّ نداء تونس هو وريث السلطة السياسية التي كانت في زمن بن علي؟

 

عبد اللطيف المكي: في البداية كان بنسبة كبيرة نعم كان يُقال أنّ هنالك روافد ولكن النظام القديم.

 

محمّد علوش: أنا أسألك عن موقفك، لا أسألك ماذا يقولون، أنت كشخص سياسي عندك إطلاع، عضو في البرلمان، تقييمك لهذه الحركة، لهذا الحزب وهو الآن يحكم تونس بالشراكة معكم؟

 

عبد اللطيف المكي: موجود هناك روافد مرتبطة بالنظام القديم سواء كان سياسياً من بعض الشخصيات السياسية ومن هم مرتبطون بها، أو كذلك بعض الشبكات التي استفادت من النظام القديم، بعض رجال الأعمال، لا أقول كل رجال الأعمال لكن بعض رجال الأعمال الذين ساندوه وضخّوا الأموال باعترافاتهم، وهنالك في قيادته وفي هياكله رجال أعمال. الآن بتطوّر الاوضاع وما حدث داخله من أحداث فيها جزء من النظام القديم نأى بنفسه نوعاً ما خارج نداء تونس.

 

محمّد علوش: أنتم اصطففتم إلى جانب طرف ضد طرف بشكل واضح؟

 

عبد اللطيف المكي: هذا ما يُروَّج.

 

محمّد علوش: لا، الآن حديثك واضح. الجماعة التي هي جزء من النظام القديم انكفأت هم جماعة محسن مرزوق.

 

عبد اللطيف المكي: لا، لا، لا أقصد تلك الجماعة بالذات.

 

محمّد علوش: هل هناك جماعة أخرى انشقت أيضاً؟

 

عبد اللطيف المكي: لم تنشق، هي لم تدخل أصلا النداء ولكن كانت قريبة منه ودخلت معه في جبهة إنقاذ وطني، بعد ذلك انكفأت وابتعدت قليلاً عنه فلذلك نداء تونس الآن ما زال فيه، النظام القديم ولكن قوى النظام القديم ليست بكاملها داخل نداء تونس. هي الآن تنتظم خارجه.

 

محمّد علوش: ما رأيكم بمن يقول دكتور، بعد أن أكدت لي الآن أن جزءاً أساسياً من نداء تونس أو لا بأس به، شريحة لا بأس بها هي جزء من منظومة قديمة قد فازت في الانتخابات أكثر من حركة النهضة، ويقول هذا الرأي أنه وجد النظام القديم أفضل مما كانت تقدمه حركة النهضة وبالتالي جاءت النتيجة لصالحه على حساب حركة النهضة؟

 

عبد اللطيف المكي: هذه حركات إرتدادية تقع بعد زلازل الثورة، وبالتالي لا تُعتبَر هي التقييم النهائي للشعوب. لا بدّ من أن تمضي انتخابات مرتين أو ثلاث لنقول ونحدّد وجهة الشعوب. الآن فضلاً عن نتيجة النهضة في انتخابات 2014، فإنّه بحكم هذه التجربة، هنالك استعادة للرأي العام لاقترابه من حركة النهضة، والآن يُنظَر بصورة أكثر إيجابية لحركة النهضة من النظرة التي كانت موجودة سنة 2014، لأنه حصلت لديهم مقارنة، استطاعوا التأكّد من أنّ الكثير من المعطيات غير صحيحة. مثلاً أعطيك مُعطى، عملوا كثيراً على المسّ بنظافة اليد لقيادات النهضة خاصة الذين دخلوا الحكومة كوزراء أو كتّاب دولة أو وُلاة، مثلاً نسبوا لي أن عندي مصلحة خاصة وضيعات، والأخ حمادي لديه مبانٍ وأطيان، والأخ علي لديه مصنع للآجر، هذا كله تبين لدى الرأي العام أنه غير صحيح، ولو كان لديهم أقل دليل لقدموه إلى القضاء.

إذاً بموجب مراجعة هذه المُعطيات، الآن صورة حركة النهضة تستعيد بريقها شيئاً فشيئاً، وأصبح جزءاً كبيراً من الرأي العام الذي لم ينتخب حركة النهضة سنة 2014 يعدّل رأيه، ويرى أنّ حركة النهضة هي ضمان من ضمانات الديمقراطية والحكم الرشيد والشفافية إلى غير ذلك.

 

محمّد علوش: جميل. دكتور بحكم الثوابت التي تعتمدها حركة النهضة كونها بداية حركة أيديولوجية من ناحية تُعلي من شأن الثوابت، وحركة إسلامية فالقيَم عندها يفترض أن تكون مرتفعة كما تقول كل حركة إسلامية.

ألا يُفترَض وفق هذا المقياس أن تكون حركة النهضة في المعارضة أفضل من أن تتحالف مع نظامٍ مع حزبٍ ترى أنّ جزءاً أساسياً منه هو منبثق من سلطة ثار عليها الناس؟

 

عبد اللطيف المكي: هذا السؤال نفسه طُرِح داخل حركة النهضة. ما العمل بعد نتائج الانتخابات؟ الحركة تُؤمن بالشراكة مبدئياً، بضرورة تقاسم العبء وتقاسم المسؤولية في بناء تونس الجديدة. الحركة عبّرت قبل الانتخابات أنّها إن فازت لن تأخذ الرئاسات الثلاث، ستأخذ رئاسة واحدة وجاءت نتائج الانتخابات لتضع نداء تونس في المرتبة الأولى، ما العمل؟ إما البقاء في المعارضة أو العمل مع نداء تونس، وحصل نقاش كبير ترك آثاره إلى اليوم، ولكن المؤسسات رجّحت أن ندخل في تجربة مشتركة مع هذا الحزب بشرط ألا يكون العمل ثنائياً بيننا وبينه فقط بل لا بدّ من أن يكون في إطار حكومة وحدة وطنية وهذا ما حصل، وأن نعمل على تنفيذ برامجنا ودفع هذه الشراكة باتجاه أرضية الثورة من مقاومة الفساد، من إصلاحات إلى غير ذلك، وهذا ما نسعى إليه ولم نحقّقه إلا بأقدار بسيطة. فبالتالي، كان مجرد ترجيح وليس خياراً إجماعياً داخل الحركة، ليس رفضاً لمبدأ الشراكة بقدر ما أنه تقدير لمدى جدواها، ولكن مهما قيل فإن الخيار هذا كان هدفه الأساسي تجنّب الاستقطاب في البلاد.

 

محمّد علوش: هل هذا هو الهدف الأساسي لدى حركة النهضة أم كما يقول البعض ممّن هو قريب من حركة النهضة؟

 

عبد اللطيف المكي: فهمت.

 

محمّد علوش: ما السؤال؟

 

عبد اللطيف المكي: لها ملفات تخشاها ولذلك دخلت.

 

محمّد علوش: لا، ليس لديها ملفات، لا أعرف إن كان لديها ملفات الآن تخبرنا لكن كانت قلقة من أن تعود إلى السجون مرة أخرى، ففضّلت أن تأخذ ولو من الجمل كما يقال أذنه مقابل أن تأمن العودة إلى السجن؟

 

عبد اللطيف المكي: لا، كان هنالك بعض الأطراف صغيرة الحجم تراهن على الاستقطاب بين حركة النهضة وبين نداء تونس من أجل أن تستفيد هي من ذلك الاستقطاب، والحركة أهمّ مبرّر جعلها تقبل بهذه الشراكة بالرغم من اختلالها هو أن نجنّب البلاد الاستقطاب، لأنه إذا حصل استقطاب فإنّ الجميع سيكونون خاسرين، وسيستغل ذلك المهرّبون وسيستغل ذلك المُفسدون وسيستغل ذلك الإرهاب، ولن نفعل في ملفات التنمية شيئاً. الحركة ضحّت وأعتقد أنّ الشعب التونسي يقدّر هذه التضحية من أجل أن نتجنّب الاستقطاب ونتفرّغ إلى ملفاتنا، والبلاد اليوم هي أقدر في مواجهة ظاهرة الإرهاب منها لو حصل نوع من التجاذب في البلاد والاستقطاب.

 

محمّد علوش: بالنقاش السياسي، قبل أن نفتح باب الإرهاب وهو شيّق ومعقّد، إضافة إلى تحديات الإسلام السياسي لماذا رفضت أو طالبت بسحب قانون المصالحة؟

 

عبد اللطيف المكي: هو اسمه لا ينطبق عليه لأننا نحن مع المصالحة في المبدأ وهو ما عبّر عنه الشيخ راشد بقوة، ولكن هذا القانون في تفاصيله ليس مصالحة، هو نسخة ممّا قام به بن علي لأكثر من أربع أو خمس مرات، يصدر عفواً على كل من اكتسب مالاً بطريقة غير شرعية مقابل ملاليم يدفعها للدولة، ولذلك موقف الحركة عبّرنا عنه، أنّ هذا القانون لا يمرّ بصيغته الحالية ولا بدّ من أن تدخل عليه تنقيحات وأحلنا هذا القانون إلى مكتب الإطارات ومكتب الدراسات في الحركة، وتبيّن أنّ حجم التنقيحات المطلوب حجم كبير جداً، ولذلك الحلّ الأفضل هو سحبه، وقد سُحِب عملياً، الآن هو غير موجود في الساحة بحكم الاحتجاج ضده وبحكم الأحداث وبحكم النقد الذي سُلّط عليه ممّا يبيّن صحة الموقف الذي طالبت به، ولم يتم فعلاً سحب رسمي، ولكن سحب واقعي والآن غير مطروح.

 

محمّد علوش: ظاهرة التطرّف الآن مُشبعة هي دراسةً وبحثاً وتنقيباً في البُعد الأيديولوجي، لكنّها في الخصوصية التونسية هل لها ارتباط بالجدلية السياسية بين الأحزاب، سواءً كانت معارِضة أو موجودة في الحكم؟ هل هناك المسار مختلف أم أنه مرتبط بين الظاهرة وبين العقد السياسية القائمة في البلد؟

 

عبد اللطيف المكي: أعتقد أنه مختلف.

 

محمّد علوش: مختلف؟

 

عبد اللطيف المكي: مختلف ومنفصل. الجدلية السياسية لها منطقُها وأدواتُها وتتمايز الأطراف المتصارعة والمتجادلة بتبادل الاعتراف. أما ظاهرة التطرّف فهي ظاهرة إقصائية تُقصي الجميع وترفض الجميع وتريد أن تحُلّ محل الجميع، ولذلك هي تتّخذ أساليب العنف والدليل على ذلك أنه الآن هذه الظاهرة لا تجد أيّ تفهّم ولا تعاطف ولا مُدافع من أيّ كان في المجتمع التونسي.

 

محمّد علوش: أحداث بن قردان الأخيرة أنا أريد أن أسألك كمعلومات باعتبارك نائباً في البرلمان، هل صحيح بالفعل أنّ الجماعة التي قامت بهذا الفعل هي قادمة من ليبيا وأنّ جهات خارجية تدفعها إلى ذلك والهدف كان إعلان إمارة أو وصول إلى منطقة ليأتي في مرحلة لاحقة إسقاط العاصمة التونسية نفسها؟

 

عبد اللطيف المكي: بالتأكيد أنّ ما فعلته.

 

محمّد علوش: بالتأكيد كتحليل أم معلومات؟

 

عبد اللطيف المكي: كتحليل وكمُعطيات.

 

محمّد علوش: كمُعطيات؟

 

عبد اللطيف المكي: أنّ ما فعلته داعش في الشرق احتلال أراضٍ وإعلان دولة وصك عملة تريد أن تستنسخه في المغرب العربي، ليس في تونس فقط، في ليبيا، في تونس وربما حتى في الجزائر، وحادثة بن قردان تُعتبر انتقالاً في استراتيجية هذه الجماعة من عمليات غادرة وخاطفة للاغتيال أو للقتل إلى عملية اقتطاع الأرض واحتلالها وإعلان الإمارة، وعملية بن قردان كانوا يريدون من خلالها أن يعلنوا إمارة ويرفعوا العلم ولكن أُحبطت وشُرّدوا وقُتِلوا، والحمد لله فهي تمثّل إذاً منعطفاً إيجابياً في مواجهة تونس للظاهرة الإرهابية، وأعتقد أنّ التعاطف الذي لقيه انتصار الدولة التونسية على الإرهابيين في بن قردان يدلّ على أنّ العالم العربي كان يبحث عن انتصار على هذه الظاهرة التي نالت منّا ومن سمعتنا ومن استقرارنا ومن مالنا ومن أعراضنا حتى، لكن هذا الانتصار لا يجب أن يُطمئننا ويجب أن نبقى حذرين جداً لأنّ هذه الجماعات ستحاول مرّة ومرّة ومرّة حتى تُباد إلى النهاية.

 

محمّد علوش: من يوم انطلاق الثورة في تونس وحتى اليوم، تفشّت هذه الظاهرة بشكل كبير. سؤالي لحضرتك هل حصل نوع من التسرّب من كوادر في حركة النهضة على سبيل أعضاء أو شخصيات باتجاه التطرّف؟

أسمع منك الإجابة بعد فاصل قصير. مشاهدينا أرجو أن تتفضّلوا بالبقاء معنا.

 

 

المحور الثاني

 

محمّد علوش: أجدّد بكم الترحيب مشاهدينا ودائماً مع الدكتور عبد اللطيف المكي القيادي في حركة النهضة، النائب في البرلمان التونسي.

قبل الفاصل سألناك دكتور في ما يتعلق ما إذا كان تسرّب أحد من حركة النهضة باتجاه التطرّف، إما لإخفاق حصلت فيه الحركة في الأداء السياسي أو لإحباطه وعجزه عن مواكبة الأداء السياسي للحركة.

 

عبد اللطيف المكي: لا، هذا لم يحصل ولا علم لي بأنّ أيّ عنصر من عناصر الحركة قد حصل له هذا، بل ربما العكس أنّ هنالك مجموعة من السلفيين انتظموا في حزب سياسي مدني سلمي، هذا ربما نتيجة لطبيعة المجتمع التونسي. المجتمع التونسي مجتمع لا يريد الدماء ولا يحبّ الدماء، ولذلك عندما عجزوا عن إسقاط الحكومة بالتظاهرات الشعبية وعن طريق الاحتجاجات والاعتصامات وقطع الطرق التجأوا إلى إراقة الدماء لإرباك الحكومة، وفعلاً أثّر هذا الحادث أكثر من أيّة أحداث أخرى، فالحمد لله حركتنا والمجتمع التونسي محصَّنان ضدّ هذا الفكر الإرهابي.

 

محمّد علوش: ليس لديكم أيّة معلومة تؤكّد حصول عملية تسرّب لأيّ شخص أو كادر كان منتظماً في حركة النهضة باتجاه التطرّف؟

 

عبد اللطيف المكي: لا، أبداً، أبداً، ولو وُجِد لكان ذلك موجوداً في الإعلام، ولاغتنمه كل من يتّهم الحركة. فالحمد لله لم يوجد هذا. حاولوا تأويل بعض الأقوال لبعض القيادات مثل الأخ الصادق شورو والحبيب اللوز، ولكن هؤلاء لم يثبت ضدّهم أي شيء، وهم مناضلون سياسيّون مدنيّون وإن كان صوتُهُم في القضايا الدينيّة صوتاً عالياً جداً وهذا من حقّهم.

 

محمّد علوش: لكن على الأقلّ في الإعلام يُثار أنّ عمليات انشقاق قد تحدث أو حدث جزء منها داخل حركة النهضة. قبل أن أسمع منك الإجابة سألنا هذا السؤال للكاتب الصحافي نصر الدين بن حديد وكانت الإجابة على الشكل التالي:

 

نصر الدين بن حديد: يمكن الجزم تاريخياً بأنّ حركة النهضة لم تعرف انشقاقات بمعنى خروج كتلة صغرى عن الكتلة الكبرى وتحوّلها إلى حزبٍ جديد. كلّ ما جدّ في تاريخ حركة النهضة أنّ هناك أفراداً أو مجموعات صغيرة خرجت وكوّنت أو حاولت تكوين كيانات سياسية لكنها فشلت، وهذا بسبب أمرين على قدر كبير من الأهمية: هاجس الوجود وهاجس المشروع والأهم منها الهاجس السياسي لدى عمق حركة النهضة. بالتالي فهي تفضّل أن تكون كتلة واحدة داخل الاختلاف، داخل حتى الخطأ على أن تكون كتلتين إحداهما تكون على صواب.

ثانياً أعتبر أنّ التحدّيات القائمة الآن على المستوى السياسي خاصة في تونس تجعل هاجس الوجود أهم من هاجس السياسة.

 

محمّد علوش: تقديرك دكتور لكلام نصرالدين بن حديد؟

 

عبد اللطيف المكي: في العموم هو كلام صحيح وتاريخ الحركة لم تحدث فيه انشقاقات هيكلية كبرى، وهذه ليست مسألة من دون عمل، مجانية. الحركة اعتمدت على تربية عالية جداً لكوادرها ولإطاراتها، على أخلاقية كذلك عالية جداً تعتمد على التضامن والتحاور والابتعاد عن كلّ ما هو شخصي وذاتي والبحث عن المصلحة، واعتمدت كذلك على الشورى الداخلية. لذلك ليس هنالك مبرّر لأيّ كان أن ينشقّ وأن تحدث تحولات، انشقاقات هيكلية. بعد الثورة ازدادت الضغوط على الحركة بحكم الملفات المطروحة والوقائع وإلى غير ذلك فازدادات الاجتهادات. البعض يصوّر هذه الاجتهادات بأنها انشقاقات. في تقديري لن تؤدي إلى انشقاقات بل ربما إذا حصل انفصال، سيكون انفصالاً مدروساً وعن تراضٍ ومن أجل مزيد من الجدوى في العمل.

 

محمّد علوش: إذا حصل.

 

عبد اللطيف المكي: إذا حصل.

 

محمّد علوش: هل هناك إمكانية لحصوله؟

 

عبد اللطيف المكي: نحن الآن ندرس موضوع ما نسمّيه سبل إدارة مشروع النهضة الذي هو مشروع حضاري ومجتمعي فيه بُعد مجتمعي أفقي، فيه العمل الديني والعمل الثقافي والعمل النخبوي والعمل الخيري والتطوّعي، والبعد العمودي الذي هو العمل السياسي الذي يشتغل على الدولة كمسؤوليات، كبرامج، إلى غير ذلك. من أجل الجدوى، لا بدّ من التخصّص، وأن نُدخِل نعطي الطابع الرسمي لما تدرّجت عليه الحركة منذ الثورة إلى الآن كحزب سياسي هي لا تمارس لا عملاً دينياً.

 

محمّد علوش: ستفصلون بين العمل السياسي ويكون هناك حزب متخصّص في العمل السياسي وما بين حركة دعوية؟

 

عبد اللطيف المكي: تعمل في المجتمع بأدوات الدعوة والعمل الثقافي والعمل الخيري.

 

محمّد علوش: هل هو استنساخ للتجربة المغربية؟

 

عبد اللطيف المكي: لكن هذا ليس قراراً، هنالك أفكار تُناقَش، والمؤتمر هو سيّد نفسه، مؤتمر الحركة العاشر الذي سينعقد في الشهر القادم إن شاء الله. أعتقد أننا استفدنا من كل التجارب رغم أنّ الفكرة قديمة عندنا. قلت لك أنه في سنة 1981 نوقشت هذه الفكرة وبقيت تُناقَش باستمرار، وقبيل الثورة كنا نناقش هل ننبعث من جديد كحزب سياسي بَحت أو كحركة مجتمعية، كنا نناقش وقامت الثورة ولذلك الفكرة قديمة عندنا.

 

محمّد علوش: طبعاً المؤتمر تأخّر انعقاده أكثر من مرّة، وكان دائماً ما يُقال في الإعلام على الأقلّ أنّ السبب هو الخشية من الانشقاقات أن تحدث أو أن تتفجّر الخلافات داخل المؤتمر.

 

عبد اللطيف المكي: لا، لم يكن هذا هو المُبرّر. ربما المُبرّر في التأخير هو رغبة جانب من الحركة كان دائماً يستطيع أن يُقنِع المؤسسات بوجهة نظره أنّ الوقت غير ملائم لعقد المؤتمر لأن الحركة منشغلة بإدارة البلاد وقضايا البلاد وملفات البلاد. لا يمكن للحركة أن تنكفئ على نفسها لمدة سنة في إعداد مؤتمر، في حين أنّ البلاد فيها أوضاع غير مستقرّة ومتفجّرة. الآن بعد انتخابات 2014 ودخولنا في الصبغة السياسية الحالية ما خفّف الضغط على الحركة، استطاعت الحركة أن تركّز على موضوع المؤتمر. كانت هذه وجهة نظر جانب كبير من الحركة، وهي ليست وجهة نظري، كنت أطالب بالتعجيل بالمؤتمر وعقده في الآجال التي كانت مقرّرة له، أي سنة 2014، ولكن على كلّ الإخوة الذين لديهم الرأي الآخر استطاعوا أن يقنعوا المؤسسات بوجهة نظرهم وهذا جيّد وعلينا أن نلتزم بوجهة نظر المؤسسات.

 

محمّد علوش: ما هو الأمل المعقود الآن من قِبَلكم على المؤتمر القادم؟ ما هي النتائج المتوقّع صدورها؟

 

عبد اللطيف المكي: والله أولاً النظر في هذا الموضوع، موضوع التخصّص في العمل مهم جداً وسيحدث نقلة في الوعي وفي قدرتنا على إنجاز برامجنا ورؤانا. ثانياً هناك لائحة هيكلية، نسميها لائحة الهيكلة والرؤية القيادية، نريد أن نطوّر هيكلة الحركة والرؤية القيادية لأنّ نظامنا القيادي وهيكليتنا الحالية عمرها أكثر من 40 سنة، منذ تأسيس الحركة ولولا الجدلية والحركية الفكرية الكبيرة داخل المؤسسات هذه ربما لضمرت الشورى، الآن جاء الوقت لنطوّر هيكلة الحركة لتصبح أكثر انفتاحاً وأكثر قدرة على إدماج الطاقات والخبرات في قراراتها، وأكثر كذلك ديمقراطية وشورى داخلية، بالرغم من أنّ الجميع يشهد أنّ حركة النهضة هي أكثر الأحزاب ديمقراطية داخلية ولكن نحن نريد أن نرفع من هذا المستوى ومن هذا السقف من خلال الهيكلة الجديدة والرؤية القيادية الجديدة.

 

محمّد علوش: أحد النقّاد للحركة يقول أنّ هناك مواقف تُسجَّل ربما للشيخ راشد الغنوشي زعيم الحركة، لكن هذه المواقف لا تعكس قراراً داخلياً وقناعة أيديولوجية لدى كوادر الحركة ولدى جسمها السياسي، وإنما هي مواقف لشخص وبالتالي في حال غيابه ستنكفئ الحركة إلى ما كانت عليه بين قوسين من راديكالية؟

 

عبد اللطيف المكي: لا، هذا غير صحيح سأقول لك ما هي دوافعه. كلّ كوادر الحركة هي أبناء ساحات، تربّوا في الجامعات وتربّوا في النقابات وتربّوا في أحشاء المجتمع، ولهم علاقات بكل الطبقة السياسية والأدل على ذلك حركة 18 أكتوبر التي أنشئت في تونس قبل الثورة، ولم يكن الشيخ راشد الغنوشي موجوداً في تونس، كان في الخارج وقادتها الكوادر التي تتهم اليوم بأنها ليس لها قناعات. هذه الفكرة يُراد من خلالها فصل الرأس عن الجسد، أنّ رئيس الحركة جيّد وبقية الحركة غير جيّدة، في محاولة للانقضاض على الحركة بالمعنى السياسي والإعلامي وإبراز أنّ ما يحدث الآن من رؤى وجرأة سياسية كبيرة لدى حركة النهضة ومرونة سياسية فوّتت على العديد الفرصة بأن يضربوا الحركة أو يضربوا من خلال الحركة التجربة الديمقراطية في تونس، يلجأون إلى مثل هذه التصويرات وأنا قلت في جريدة تونسية إنّ هذه الرؤية التي تقول أن هنالك رئيساً فوق وتحته الفراغ هي محاولة للاغتيال السياسي لحركة النهضة.

 

محمّد علوش: في دراسة للسيّد منذر بوضياف طبعاً حول الشيخ راشد الغنوشي وحركة النهضة، يقول أنّ المواقف التي اتخذها الشيخ راشد وجنّبت البلاد مواجهة بين الإسلاميين وغيرهم هي لم تكن عن قناعة، هي تكتيكات أو براغماتية سياسية جاءت نتيجة إكراهات سياسية وليست مراجعات معمّقة داخل تنظيم الحركة.

هل بالفعل لم تحصل مراجعات بالفعل، لأن الشيخ راشد المُتتبع له يجد له أكثر من موقف أيديولوجي على الأقل بحسب عدة حقبات تاريخية؟

 

عبد اللطيف المكي: أنا لا أقول أنها مراجعات، أقول هي تطويرات لأنّ المراجعات تقتضي أن نكون ذهبنا في مقولة أو رأي خاطئ، ودائماً كان رأي مدة زمنية ونحن نريد أن نراجعه الآن. لا، الحركة كانت دائماً لها مقولات صحيحة، وتُطوّرُها بحسب تطور الأحداث، وطبعاً ما حدث في تونس هو ثورة كبيرة نقلت الحركة من الكفاح السياسي من أجل الحرية والمحافظة على الذات إلى حركة مسؤولة على البلاد. طبيعي جداً أن تكون عملية التطوير كذلك بهذا الحجم وليست مراجعات.

قول الدراسة بأنّ ذلك مجرد تكتيكات أعتقد أنه مجافٍ للحقيقة ولا أدلّ على ذلك أنّ كلّ ما نطق به الشيخ راشد كان قرارات مؤسسات. مثلاً هم حاولوا أن يبيّنوا أنّ الشيخ راشد كان يريد الذهاب إلى الحوار والمؤسسة لا تريد الذهاب إلى الحوار، في حين أنّ الاختلاف الحقيقي كان حول شروط الحوار، المؤسسات أرادت أن ينطلق الحوار على شروط وأسس صحيحة تضمن نجاحه، مثلاً الشرعية، الاعتراف بالشرعية، لا يمكنني أن أتحاور مع جهة لا تؤمن بشرعية المؤسسات، شرعية البرلمان المنتخب، فإذا أردت أن تتحاور على أساس شرعية البرلمان أمضي معك في الحوار، وإذا كنت رافضاً لذلك لا أتحاور معك، لأنه لا توجد شرعية نعود إليها. هذا الاختلاف الذي تم وأرادوا أن يصوروه كأنه بين رافض للحوار وقابل للحوار، في حين أنّ الذين كانوا يتمسّكون بأسسٍ متينة للحوار هم الأحرص على الحوار، لأنّهم يريدونه أن يصل إلى بر النجاح لأنّه فرصتنا الوحيدة لحل مشاكل البلاد، فإذا فشل الحوار فستدخل البلاد في نفق مُظلم لذلك كنا نريد أن ينطلق على أسس صحيحة.

هذا لا ينفي امتياز الشيخ راشد الغنوشي في إنجاز كل هذا وإلا لَما كان قائداً ولَما كان رئيساً ولما كان مؤسّساً، وهو عنده بصمته الشخصية وعنده سبقه، ولكن العمل العام والخط العام كان عمل المؤسسات.

 

محمّد علوش: أنا السؤال الذي سألته لحضرتك هل نحن بصدد مراجعات قلت أنّ المراجعات تكون وكأنّ هناك مرحلة خطأ وأنت تُصوّب خطأ. لا، هي عملية تطوير.

كيف تشرح لي ما كان يقوله، أنا استشهدت بكلام الشيخ راشد الغنوشي حول أنّ الصراع في البلاد هو صراع ما بين تيّار تحديثي وبين تيّار عروبي يستند إلى القِيَم، وما بين ما يقوله في مؤتمر نداء تونس في شهر يناير 2016 وهو يحتفل بذكرى تأسيس نداء تونس، يقول نحن ننتقل من مراحل الصراع الراديكالي إلى مرحلة التعايش والمشاركة؟ هذا تكتيك سياسي أو مراجعة أيديولوجيا؟

 

عبد اللطيف المكي: لا، ليس تكتيكاً سياسياً، وفيه انسجام، لأنّنا قلنا دائماً أنّ المشكل، السؤال في تونس ليس هل يقع التحديث أو لا يقع التحديث، السؤال هو كيف يقع التحديث. كلّنا متفقون من أجل التحديث ولكن كيف يقع؟ واحد يريد أن يقع هذا التحديث في إطار ثقافتنا العربية الإسلامية وانتمائنا بالاقتباس من الآخر، واحد كان يريد أن يدعو إلى نوع من الانسلاخ الثقافي في الحقيقة والنصوص موجودة. هذا القول لا يزال قائماً الآن. في السابق كان يُدار عن طريق السلطة، كانت السلطة تفرض نوعاً من التحديث عن طريق عنف الدولة وإكراه الدولة، أن تصدر السلطة قانوناً ينزع الحجاب عن رأس المرأة. ما دخل السلطة في هذا؟ الآن هذا الاختلاف في رؤى التحديث يُدار بطريقة ديمقراطية على مرأى ومسمع من المجتمع، ولذلك نحن شركاء وأصبحت بيننا آليات تحكيم جديدة لا تستند إلى استعمال قوة الدولة في فرض هذه الرؤية أو تلك الرؤية.

 

محمّد علوش: طبعاً تونس تُعتبَر لها مكانة على الأقل أخلاقية في العالم العربي كونها أول من بدأت الثورات الشعبية. حركة النهضة يُفترض مثالاً لها أن تكون أيضاً رائدة في هذا المجال بين أخواتها ونظيراتها من الحركات الإسلامية. لكن الأداء السياسي يقول البعض للدولة التونسية ما بعد الثورة لم يكن على مستوى حقها الأخلاقي في قِيَمها الثورية. في المقابل أيضاً حركة النهضة أخفقت في هذا الجانب.

تقديرك هل هذا فيه ظلم سواء كان للدولة التونسية أو لحركة النهضة؟

 

عبد اللطيف المكي: فيه ظلم نعم فيه ظلم لأنّه لم يراعِ الواقع الموضوعي الذي عملت فيه النهضة وعملت فيه الدولة ما بعد الثورة. كان هنالك واقع موضوعي صعب جداً جداً جداً ولا يمكن لأية حكومة ولا لأية دولة أن يكون أداؤها بمستوى ما تطمح إليه الجماهير، لأنه كان هنالك ارتفاع كبير للسقف المطلبي، الاجتماعي والسياسي والإقتصادي، الجهوي والوطني، في حين أنّ الدولة والحكومة كانت لها إمكانات معيّنة، فبالتالي عملية الظلم تأتي من غياب التنسيق ووضع أداء الحكومة والدولة في إطار الواقع والظروف الموضوعية التي كانت تتحرّك فيها. أقول هذا ولا أنفي أن تكون هنالك أخطاء ارتُكِبت أو أنفي أنه كان بالإمكان أفضل ممّا كان. أنا شخصيا لو عدت إلى وزارة الصحة أتصوّر أو أي وزير أتصوّر أنه سيستفيد من خبرته ليكون الأداء أفضل ممّا كان.

 

محمّد علوش: تقييمكم الآن لأداء حركات الإسلام السياسي ما بعد الثورات لا سيما تلك التي وصلت إلى الحكم؟

 

عبد اللطيف المكي: أعتقد أنّ هناك نجاحات متفاوتة وهناك كذلك إخفاقات متفاوتة. لا يمكن أن نقارن تجربة المغرب، مدى نجاحها مع تجربة ليبيا أو تجربة مصر. ربما هذا التفاوت راجع إلى الظروف الإقليمية والظروف القُطرية لتلك الدول، ليس كتونس التي هي مجتمع مدني غابت فيه أو ضمرت فيه روح الانتماء القبلي والعروشي، تقاليد الدولة متينة وعريقة جداً لآلاف السنين، كمجتمع آخر ربما لا تزال الروح القبلية طاغية وتقاليد الدولة ضعيفة وسطحية نوعاً ما. فأعتقد أنّ النجاح متفاوت والإخفاق متفاوت، كأيّة تجربة بشرية. المشكل، ماذا نفعل مع الأخطاء وماذا نفعل مع النجاحات؟ يجب أن نصحّح الأخطاء بهدف التقدّم إلى الأمام وعدم استغلال الأخطاء لقتل من أخطأ، فأيّة حركة إسلامية أو غير إسلامية يمكن أن تخطئ، يجب أن نتعامل معها على أساس تصحيح الأخطاء وإعانتها على تصحيح الأخطاء بالنقد، بالملاحظة، بالتعاون، وليس من أجل قتل تلك الحركات وإقصائها وإعادتها إلى خارج دائرة الفعل السياسي.

 

محمّد علوش: لطالما ما يقول الإسلاميون أنهم جزء أصيل ومعبّر عن العقل الجمعي في العالم العربي والإسلامي كونه مؤتمَناً على تراث قيمي، أخلاقي. في المقابل، يقول البعض أنّ ولادة دولة إسرائيل في العالم العربي، إخفاقات العسكر في الحكم هي التي سمحت لظاهرة الإسلام السياسي بالبروز. اقتبسنا مقتطفاً للدكتور خالد زيادة، وهو سفير لبنان في القاهرة، وهو يدرس عملية ولادة حركات الإسلام السياسي وإخفاقاتها ما بعد الثورة. نشاهد ماذا يقول.

 

اقتباس: في كتابه "لم يعد لأوروبا ما تقدّمه للعرب"، يقول خالد زيادة: "إعلان دولة إسرائيل عام 1948 أعطى ذريعة للعسكريين كي ينقضّوا على السلطة، وزاد قيام كيانٍ يهودي من العداء للغرب ومن نزعات التشدّد الأيديولوجي، إسلاميّة كانت أم قوميّة. الاتجاهات الإسلامية عملت على نشر أيديولوجيةٍ مُعادية لكلّ أشكال التفكير العقليّ، ورفضت كلّ إنجازات العلوم الإنسانية، ولم يقلّ عداؤها لليبرالية السياسية والتعددية والديمقراطية عن عداء السلطات الأحادية، التي رفعت شعاراتٍ تدّعي الحداثة والعلمنة".

 

محمّد علوش: انطلاقاً ممّا يقوله الدكتور في كتابه "لم يعد لأوروبا ما تقدّمه للعرب"، تقييمكم هل بالفعل نشأت الحركات الإسلامية كردّات فعل سياسي نتيجة إخفاقات لجهات أخرى، وبالتالي لمّا جاءت الثورات العربية عرّت هذه الحركات وكشفت ضحالة ما تطرحه من شعارات على أنّها مشاريع للتحديث؟

 

عبد اللطيف المكي: هذا ينطبق عليه قول "رمتني بدائها وانسلّت"، الحركات الإسلامية أو ما يسمّى بالإسلام السياسي، وهي تسمية أرفضها شخصياً، لا تزال هي الرقم الأساسي في كلّ بلاد فيها ديمقراطية حقيقية، بل لا تزال هي الرقم الأساسي في كلّ بلاد فيها استبداد. هي تقاوم ويُكسَر عظمها ورغم ذلك لا تزال تصرّ على حقّ شعوبها في حياة ديمقراطية وفي الانتظام الحرّ. الواقع يكذّب هذه المقولة. التيارات المعادية، أقول المعادية ولا أقول المنافسة، لأنّ المنافسة مرحب بها، لكن المعادي هو المستغرَب، هي التي تعاني حالاً من التشتّت وكانت سبباً في إخفاقات الأمّة والأقطار في ردّ إسرائيل، في تحجيمها، وعندما وُجِدت قوة مؤمنة بالقضية في لبنان مثل حزب الله، رغم أنّه ليس دولة، هو سطّر ملاحم من أعظم الملاحم العربية ضدّ الكيان الصهيوني، في حين أنّ الدول التي قادتها نخب غير إسلامية، بين قوسين أدّت إلى المآسي وإلى توسّع الكيان الصهيوني توسّعاً جغرافياً وتوسّعاً سياسياً واقتصادياً وثقافياً. أرفض هذه التسمية، تسمية الإسلام السياسي، لأنّ التسمية تحاول أن توحي وكأنّنا ركّبنا السياسة على الإسلام، التي هي جزء منه، في حين أنّ الإسلام فيه سياسة، هو دينٌ ودولة، والرسول صلى الله عليه وسلم كان رئيساً لدولة كما كان نبياً، إنما إن جاز أن نسمّي أنفسنا تسمية تدلّ على حقيقتنا، نحن مسلمون ديمقراطيون، لأننا استطعنا أن نربط النظام السياسي الحديث المبني على الديمقراطية بجذورٍ إسلاميّة موجودة.

 

محمّد علوش: هل هو ما عبّر عنه الشيخ راشد الغنوشي بأنّكم أقرب إلى المسيحية الديمقراطية في أوروبا، لكن أنتم في تونس الإسلاميون الديمقراطيون بهذا المنحى؟

 

عبد اللطيف المكي: أعتقد أنه فيه شيء من هذا، وحتى بن علي عندما أراد أن يتعامل مع ملف الحركة، أقام ندوة فكرية عن طريق حزبه بعد 1987 مباشرةً، واستجلبوا بعض فقهاء القانون الدستوري من أوروبا ونصحوهم بأن يتعاملوا معنا كما أننا ديمقراطية مسيحية، ولكن الاختلافات طبعاً كبيرة جداً بين التجربتين، ونحن فعلاً الإنجاز الرئيسي لحركة النهضة أنّها استطاعت أن تؤصّل المكتسبات الإنسانية التي ثبتت جدواها وقيمتها كحكمة إنسانية، مثل تيار حقوق الإنسان وتيارات النقابات والعدالة الاجتماعية والتيارات المدافعة عن المرأة وتيارات الحكم الرشيد بما فيها من ديمقراطية إلى غير ذلك، استطاعت أن تؤصّلها في المقولات الإسلامية بأنّ جوهر النظام السياسي الإسلامي هو ذلك، لأنّه سُمّي في عهد ما بعد الرسول صلّى الله عليه وسلّم خلافة، ثمّ ملكية، تلك التسميات، أما جوهر الحكم فهو واحد مثلما قال علالة الفاسي رحمه الله، قال أنّ الديمقراطية أصلها إسلامي أخذتها الدول الأوروبية وطوّرتها في مخابر السياسة، ونحن إن أخذنا اليوم الديمقراطية فإننا نستردّها، وسُمّيت هذه المقولة بنظرية الاسترداد، كما قال الفاسي نستردّ نظامنا السياسي.

 

محمّد علوش: كلّ الشكر والتقدير لك الدكتور عبد اللطيف المكي في ختام هذه السلسلة. أشكرك، كما أشكركم مشاهدينا على حسن المتابعة، وإلى اللقاء في سلسلة جديدة.

 

عبد اللطيف المكي: شكراً لكم.