خلف الجدار

البرنامج يطلّ على الداخل الإسرائيلي، ليسّلط الضوء على القضايا الداخلية الإسرائيلية، السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية والاستراتيجية. المحرّك الأساسي لهذا البرنامج هو من خلال رصد تعامل الإعلام المرئي والمسموع مع أبرز قضايا الداخل المتعلقة بالإسرائيليين وكذلك الأمر بالفلسطينيين أصحاب الأرض.

07-08-2015

عدوان كلّف دما وخلّف دمارا لكنه أيضا، حمل صبرا وايمانا، وولّد قوة وعنفوانا فأقفلت ايامه على انتصار. في الذكرى السنوية لعدوان تموز 2006، اسرائيل تتذكر تفاصيل آلمتها وكسرت هيبتها.

تقويم عام للحرب، كيف تلقى الثلاثي عملية الأسر؟

تقويم عام للحرب، كيف تلقى الثلاثي عملية الأسر؟

لانا مدوّر: مساء الخير.

في تموز عام 2006 شنّت إسرائيل عدوانا مدمّرا على لبنان. قامت بقصف البيوت والجسور والطرقات وتهديم البنى التحتية. قتلت اللبنانيين وحاولت أن تتوغّل برّيّاَ في جنوب لبنان. هدف العملية كان استعادة جنديين أسرهما حزب الله على الحدود وتحقيق أمن المستوطنات. نتيجة الحرب إخفاق في استعادة جندييها، وحزب الله ازداد قوة. بعد تسع سنوات على هذه الحرب تحدّث قادتها أي رئيس الحكومة حينها إيهود أولمرت، وزير الأمن عامير بيرتز، ورئيس هيئة الأركان دان حالوتس، لأوّل مرة. سنخصّص حلقتين من "خلف الجدار" لعرض ومناقشة ما أعلنوه من اعتراف صريح وواضح بالإخفاق في إضعاف حزب الله وتحقيق الأهداف. ونستقبل للنقاش الخبير العسكري والاستراتيجي العميد المتقاعد الياس فرحات. أهلا بك سيادة العميد.

العميد الياس فرحات: أهلا بكم.

لانا مدوّر: والدكتور عباس إسماعيل، المتخصص في الشأن الإسرائيلي. أهلا بك دكتور عباس.

عباس إسماعيل: أهلا بك.

لانا مدوّر: إذاً سنناقش معكما على مدى حلقتين مباشرةً هذا الموضوع من بلدة مليتا ومن المعلم السياحي الذي يخلّد إنجازات المقاومة اللبنانية في هذه البلدة الجنوبية. إذاً، أهلا بكم إلى "خلف الجدار".

 

لانا مدوّر: لم يعد الدخول إلى لبنان والقتال فيه نزهة أو قراراً يُتّخَذ على عجل. ففشل حرب تموز 2006 ترك تداعياته السياسية والعسكرية على إسرائيل. نشاهد الآن في هذا التقرير تقويماً عامّاً لحرب تموز من وجهة نظر الإسرائيليين:

 

تقرير بالعبرية

 

لانا مدوّر: إذاً، هذا بالمجمل الجو العام، إذا صحّ التعبير، لحرب تموز. سأبدأ معك سيادة العميد. المقاومة هي التي أفشلت حرب تموز أو عدوان تموز الذي شنّته إسرائيل أو سوء تخطيط القيادة الإسرائيلية؟

العميد الياس فرحات: اجتمع العاملان. سوء تخطيط القيادة الإسرائيلية ليس من الناحية التقنية والعسكرية، إذ كان التخطيط العسكري ممتازاً خصوصاً تخطيط العمليات الجوّيّة وتحديد بنك الأهداف: 96 جسراً في لبنان وأهداف من أجل ضرب البنية التحتية للدولة اللبنانية وليس فقط للمقاومة. أمّا سوء التخطيط فيأتي من ناحية سوء تقدير لقوّة المقاومة ومدى تجاوب الشعب اللبناني مع المقاومة وضعف في المعلومات الاستخبارية الإسرائيلية عن مراكز المقاومة وخصوصاً مراكز القيادات السياسية والعسكرية والأمنية، إذ إنه خلال 33 يوماً من الحرب لم يُصَب أحد من هذه القيادات بأي أذى. وهذا يُعَدّ فشلاً استخباريّاً كبيراً لإسرائيل التي كنّا نتصوّر أنها بنك استخبارات عالمي، فإذا بها تقع في خطأ وخطيئة كبيرة في بعلبك عندما ألقت القبض على مواطن اسمه حسن نصر الله ظنّاً منها أن هذا هو الأمين العام لحزب الله. هذا هو سوء التقدير الكبير الذي كان لدى القيادة الإسرائيلية. أمّا من الناحية العسكرية ومن ناحية التخطيط العسكري وخصوصاً في الضربة الجوّيّة فقد كانت على درجة عالية من الإتقان.

لانا مدوّر: كما لاحظنا، دكتور عباس، أن القادة الإسرائيليين لا يملكون ما يدافعون عنه. ليس لديهم أي شيء أو أي تقدّم أو ربما أي إنجاز في هذا العدوان يمكن المدافعة عنه. إلى ماذا يؤشّر هذا الأمر؟

عباس إسماعيل: ما شاهدناه في التقرير يعكس، كما تفضّلتِ، التقويم العام للحرب من وجهة النظر الإسرائيلية. الذي كان يتحدّث بالصوت هو فينوغراد، القاضي فينوغراد الذي كان رئيس لجنة التحقيق، هو الذي كان يقول إن الحرب كانت إخفاقاً وتفويتاً للفرصة. لاحظنا في كلام وزير الأمن الإسرائيلي عامير بيرتز وإيهود أولمرت مسألتين أساسيتين تعكسان الجو العام للحرب: المسألة الأولى: عندما كان بيرتز يقول إنه هو وزوجته في كل صباح كانا يخشيان أن يفتحا الصحف كي لا يقرآ الأخبار السيّئة والتحليلات السيّئة والنقد الكبير جداً الذي كان يوجَّه لقادة الحرب، من ضمنهم بيرتز. المسألة الثانية: إيهود أولمرت، وهو كان يصرخ: ماذا جرى؟ كان يأتي كلامه في سياق حديثه مع كبار المسؤولين الإسرائيليين وكبار القادة الذين كانوا يعكسون جوّاً من الإحباط. هو كان يقول: هل نحن أمام كارثة؟ ما أودّ أن أقوله إنه بالإجمال، المسؤولون الإسرائيليون الذين كانوا يتولَّون قيادة العدوان كان لديهم انطباع قاسٍ جدا عبّر عنه بيرتز عندما قال: كنت أشعر بذلّ لا مثيل له. وبالتالي، الصورة العامة للحرب، التقويم العام للحرب كان تقويماً سلبياً وعكس إخفاقاً من كل أطياف المجتمع الإسرائيلي ومن كل المستويات.

لانا مدوّر: كان هناك إجماع على الإخفاق.

عباس إسماعيل: حتى لا نعمّم كثيراً، ربما كان إيهود أولمرت الوحيد الذي يدّعي أن نتيجة الحرب لم تكن إخفاقاً. ولكن نحن نذكر أنه، على سبيل المثال لا الحصر، علاوةً على تقرير فينوغراد، بعد أربعة أيام من انتهاء العدوان وقف بنيامين نتنياهو في الكنيست خطيباً ليقول..، هو الآن رئيس حكومة طبعا، ليقول: هذه الحرب، سمّوها حرب لبنان الثانية، عكست إخفاقاً إسرائيلياً كبيرا في تشخيص التهديد، في التعامل مع التهديد، وفي إدارة الحرب. نتنياهو الذي هو رئيس حكومة الآن تحدّث عن الإخفاق، كبار القادة تحدّثوا عن الإخفاق، فينوغراد الذي حقّق في الحرب تحدّث عن الإخفاق. ربما باستثناء إيهود أولمرت لأنه كان معنيّاً بأن يُخفي صورة الإخفاق.

لانا مدوّر: أن يبيّض صورته ربما أو يبرّر ما حصل.

سيادة العميد، أيضا بالتقويم العام لهذه الحرب، كما قال التقرير باعتراف إسرائيليين، حزب الله خرج أقوى من هذه الحرب.
ما القدرة العسكرية التكتيكية ربما والاستخبارية التي اكتسبها حزب الله من خلال هذه التجربة في شهر من الحرب مع إسرائيل؟

العميد الياس فرحات: قبل أن نتحدث عن الخبرة نتحدث عن أول الحرب. ظهر حزب الله وهو على جاهزية عالية جدا للتصدّي للهجمات الإسرائيلية، على جاهزية عسكرية في الميدان، في البر، وخصوصا في معركة مارون الراس في أول الحرب وفي بنت جبيل حيث أخفقت أول عملية برّيّة إسرائيلية محدودة باتجاه مارون الراس وباتجاه بلدة بنت جبيل.

لانا مدوّر: أنا سأتحدث بالتفصيل عن هذه المراحل. ولكن أنا أبدأ بالعكس، من الخلاصة لو سمحت.

العميد الياس فرحات: الجاهزية العسكرية، الجاهزية الأمنية إذ تمكّن من حماية مقرّات القيادة، جاهزية القيادة والسيطرة.
القيادة والسيطرة في حزب الله استمرّت فاعلة مدّة 33 يوماً. وهذا هو العامل الأساسي في الانتصار. ووسيلة القيادة والسيطرة كانت الاتصالات. وتقرير فينوغراد كما أشار الدكتور عباس أشار إلى أن الاتصالات هي أكبر العوامل التي أدّت إلى فشل إسرائيل، يقصد نجاح حزب الله. أيضا التكتيك العسكري المتّبَع وهو تكتيك يتراوح بين الحرب التقليدية والحرب الثورية؛ هو منزلة بين المنزلتين. في بعض الأحيان كان حزب الله يستعمل الحرب الثورية وحرب العصابات، وفي بعض الأحيان كان يستعمل التكتيك التقليدي وخصوصا في معارك ضد الدبّابات. هذا الشيء الجديد الذي قدّمه حزب الله في العمليات العسكرية أُدخل ليس فقط في صراع مع إسرائيل، إنما أُدخل إلى المذاهب العسكرية في العالم وبدأ يُدرَّس كحالة في المدارس العسكرية في العالم كيف يكون المزج بين الحرب التقليدية والحرب الثورية. وخرج الأميركيون بنتيجة غير متماثلة.

لانا مدوّر: هل توضح لنا هذه النقطة أكثر؟ نحن لسنا خبراء عسكريين. ماذا تعني الحرب التقليدية والحرب الثورية والمزج بينهما، عملياً أكثر؟

العميد الياس فرحات: الحرب التقليدية هي حرب بين جيوش: مدفعيّة تقصف، مدرّعات ومشاة تتقدّم، ويحصل إطباق ويحصل احتلال والتفاف. هذه تدرَّس في كل المدارس العسكرية في العالم. الحرب الثورية هي نوع من الغارات تقوم على غارات وعلى كمائن بشكل مفاجئ وفي أوقات غير متوقّعة لدى العدو. مزج بين الاثنين. على صعيد الدفاع كان دفاع حزب الله من نوع يسمّونه الدفاع المستميت أي يحتلّ خطّا معيّنا ولا يمكن أن يتراجع عنه إلّا بموت المقاتل. هذا نوع من أنواع القتال التقليدي الذي حصل في الحرب العالمية الأولى والثانية. لكن في مناطق أخرى، أكرّر، حصل التحام مع الجيش الإسرائيلي بعمليات خاصة قامت بها قوّات حزب الله بالتفافات معيّنة على بعض المواقع الإسرائيلية. ثم سلاح الصواريخ، وهو سلاح لم يُستخدَم بهذا الشكل بعد في الحرب الحديثة، أدّى أيضا إلى خلق مشكلة لإسرائيل، مشكلة الجبهة الداخلية، على الأقل في قسم من حيفا وشمالا حتى الحدود اللبنانية كانت هناك مشكلة جديدة لإسرائيل لم تعتد عليها منذ إنشائها عام 1948 وهي مشكلة الجبهة الداخلية: مَن يطفئ النار المشتعلة، مَن يُخلي الجرحى، مَن يفتح الطرق، مَن يهدّئ من روع السكّان. كلها مسائل لم تكن مطروحة من قبل قدّمها حزب الله. وأدّى ذلك إلى تعديل في تنظيم الجيش الإسرائيلي وأنشئت قيادة هي قيادة العمليات الداخلية إضافة إلى القيادات الأخرى مثل الشمالية والجنوبية والضفة الغربية.

لانا مدوّر: دكتور عباس، ماذا يعني أن يتحدث هؤلاء الآن بعد كل هذا الوقت؟ القادة العسكريون الذين قادوا هذه الحرب، ويتحدثون بهذا الانكسار. لماذا بعد كل هذا الوقت يتم الحديث بهذا الشكل؟

عباس إسماعيل: في الحقيقة، حديث ثلاثي العدوان، إذا صحّ التعبير...

لانا مدوّر: فلنسمِّهم ثلاثي العدوان في هاتين الحلقتين.

عباس إسماعيل: ثلاثي العدوان. جاء في سياق فيلم وثائقي على حلقتين مدّته تقريبا 120 دقيقة.

لانا مدوّر: نحن اخترنا بعض المقتطفات لنعرضها في حلقتين. هذه إشارة مهمّة للمشاهدين. ستكون لدينا هذه الحلقة وحلقة الأسبوع المقبل. تفضّل.

عباس إسماعيل: ربما عنوان التحقيق يختصر الجواب عن السؤال الذي تفضّلتِ به. هو "حرب واحدة: ثلاث روايات".
أراد مُعِدّ التقرير وهو رفيف دروكر، أحد أشهر الصحافيين الذين يعملون في مجال الصحافة التحقيقية ولديه جرأة كبيرة في مواجهة المسؤولين الإسرائيليين. أراد أن يُبرز أن في هذا العدوان، الثلاثي الذي قاده كل واحد منهم لديه روايته. وبالتالي، كان كل مسؤول من الثلاثي الذي قاد العدوان معنيّا بأن يقدّم الرواية الخاصة به. لذلك، في سياق التقرير جاءت الروايات متضاربة متناقضة تنطوي على اتهامات متبادلة. كل مسؤول أو قائد أو زعيم من هؤلاء الثلاثة كان يريد أن يعيد الاعتبار إلى شخصه لأنه شُخّص في إسرائيل باعتباره أحد أسباب الهزيمة، أحد أسباب الفشل. ولا ننسَ أن الثلاثي استقالوا بشكل متتالٍ، واستقالة كل واحد منهم لها علاقة بالإخفاق الذي حصل.

لانا مدوّر: ورتّب تداعيات على حياتهم السياسية والعسكرية أيضا.

عباس إسماعيل: صحيح. وبالتالي، هم حاولوا أن يقدّموا رواية بالحد الأدنى تخفّف من التداعيات السلبية على دورهم في هذا العدوان.

لانا مدوّر: ما رأيكم بأن نذهب لنستمع إلى رواية أولمرت حول بداية هذه الحرب. كيف تلقّى الخبر. سنعود بالزمن إلى الوراء. يوم الأسر، يوم العملية على الحدود الشمالية، كيف إذاً تلقّى رئيس الحكومة حينها إيهود أولمرت نبأ العملية إضافة إلى وزير الأمن عامير بيرتز يتحدث في هذا المقطع ورئيس هيئة الأركان دان حالوتس. نشاهد سوية:

 

تقرير بالعبرية

 

لانا مدوّر: إذاً هذا كان كلام الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله. حدّد الخطوط العامة لاستعادة الجنديين.

سيادة العميد، بما أننا شاهدنا في هذا المقطع صور العملية التي عرضتها "الميادين" بشكل حصري وللمرة الأولى، لنتذكّر معك كيف كانت المقاومة خطّطت لهذه العملية، كيف جهّز حزب الله لأسر هذين الجنديين ومدى دقّة هذه العملية في التنفيذ والتخطيط.

العميد الياس فرحات: سبق للأمين العام لحزب الله أن وعد في خطب عديدة بأنه لن يترك أسراه. وكان يتابع هذا الوعد.
وقبل نحو ستة أشهر من حرب تموز قامت مجموعة من المقاومين باقتحام قرية الغجر، القسم الإسرائيلي من قرية الغجر بغية اختطاف جنود إسرائيليين ومبادلتهم بالأسرى اللبنانيين. لكن العملية فشلت لأسباب عديدة واستشهد بعض الذين قاموا بهذه العملية. هذا يدلّ على أنه في فكر قيادة حزب الله وقيادة المقاومة شنّ عملية لاختطاف جنود من أجل الإفراج عن الأسرى اللبنانيين المحتجزين في السجون الإسرائيلية. لذلك كانت العملية مخطّطة، إمّا حيث جرت وإمّا في أمكنة أخرى أيضا.
عادةً التخطيط يكون في أماكن عديدة ويتم اختيار اللحظة المناسبة والمكان المناسب. إنما موضوع تحوّل هذا الخطف أو الأسر لعسكريين إسرائيليين إلى حرب فأنا أجزم بأن حزب الله كان يحضّر تماما لمواجهة عسكرية شاملة مع إسرائيل، لأن ما بدر من حزب الله ومن المقاومة من أداء عسكري ولوجستي وأمني وخصوصا عندما قال أمين عام حزب الله في منتصف الحرب:
لا نريد شيئا من أحد، هذا يدلّ على أنه مكتفٍ ذاتيّا ومحضِّر تحضيراً تامّاً لأيّة مواجهة مع إسرائيل. كان يحسب حساباً أنه يمكن للإسرائيلي أن يحوّل أيّة حادثة إلى حرب كبيرة.

لانا مدوّر: أي أن يتّخذها ذريعة.

العميد الياس فرحات: نعم. وما جرى بالإعلان الإسرائيلي أن العملية هي لإنقاذ وإطلاق سراح الأسيرين وردود الفعل الدولية التي طالبت، خصوصا ممثّل الأمين العام للأمم المتحدة في لبنان غير بدرسون الذي عقد مؤتمراً صحافياً طالب فيه حزب الله بإعادة الأسيرين من دون أي ذكر للأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية. وهذه نقطة كانت فارقة في أداء الأمم المتحدة في لبنان. حزب الله في موضوع التبادل كان جاهزاً لعملية تبادل لأنه سبق له أن أجرى عملية تبادل بالوسيط الألماني من قبل.

لانا مدوّر: صحيح.

العميد الياس فرحات: إنما في موضوع الحرب كان يتحسّب. ولذلك، تحسّبه التام وحذره التام وجاهزية القوى التامّة في حزب الله كانت عاملاً أساسياً في صدّ العدوان الإسرائيلي. إسرائيل في الأهداف التي سُرّبت كانت تريد الاحتلال إلى الليطاني وخلق مشكلة استمرّت منذ عام 1978 حتى عام 1990 إلى إعادة الزمن إلى الوراء. كانت تفكّر أيضاً في نزع سلاح المقاومة.
وهذا الشعار رفعه بعض الأطراف في لبنان والدول العربية.

لانا مدوّر: صحيح. كان هناك جدل كبير حول هذا الأمر: إذا كان هناك فعلاً تحضير إسرائيلي لعملية ما استبقها حزب الله عبر الأسيرين ربما، كما حُكي في وقتها، أو أن حزب الله دفع لبنان إلى حرب لم يكن من وارد أو من جدوى لها.

العميد الياس فرحات: بالتأكيد، العملية الجوية الإسرائيلية تتطلّب على الأقل ثلاثة أشهر من التحضير، على الأقل.

لانا مدوّر: عسكرياً هكذا. المنطق هكذا.

العميد الياس فرحات: عسكرياً.

لانا مدوّر: أي لا يمكن بين ليلة وضحاها أن يخرج سلاح الجو الإسرائيلي ويقوم بطلعات.

العميد الياس فرحات: لا لا. خطة عمليات تتطلب على الأقل ثلاثة أشهر للقوى الجوية لكي تحدّد الأهداف، تستلمها من المخابرات العسكرية "أمان" وتحدّد أين هي الأهداف وما هي الطائرات ومن أين تُقلع الطائرات ومَن سيقصف وبأي نوع من الأسلحة. هذا أمر عمليات تخطيطي يتطلب وقتاً طويلاً. إسرائيل كانت تخطّط لعملية ضد لبنان واستغلّت هذا الظرف المناسب وعملية الأسر لكي تبدأ بتنفيذ خطة أعدّتها مسبقاً.

لانا مدوّر: هو لم يكن ظرفاً مناسباً عسكرياً، إذا صحّ التعبير، إنما كان ذريعة. ربما لم تكن جاهزة جاهزيّة كاملة كما قيل وقتها. لا أدري إذا كان صحيحاً.

العميد الياس فرحات: هنا يكون خطأ القيادة السياسية. هنا لجنة فينوغراد قالت: الخطأ على رئيس الحكومة ووزير الدفاع ورئيس الأركان بسبب عدم اختيار اللحظة المناسبة. هل نصدّق أن عملية اجتياح لبنان سنة 1982 والوصول إلى بيروت كان بسبب إطلاق النار على سفير أو دبلوماسي إسرائيلي؟ طبعا هذا لا يصدّقه أحد.

لانا مدوّر: دكتور عباس، قال دان حالوتس إنهم كانوا يبحثون في تحقيق عن تصفية قادة حماس، وكان شاليط في وقتها أسيراً.
لو نستعيد معك الأجواء السياسية التي كانت تمرّ بها إسرائيل عشيّة هذه العملية.

عباس إسماعيل: كانت إسرائيل لا تزال...

لانا مدوّر: مشغولة بجبهة مع حماس.

عباس إسماعيل: تعيش صدمة أسر جلعاد شاليط. وأيضاً كانت في وارد القيام بأعمال انتقامية ضد المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة. في صبيحة اليوم كان هناك هجوم إسرائيلي، اعتداء إسرائيلي على اجتماع لقيادات من حماس. وكانت محاولة لاغتيال محمد ضيف. وهذه النتيجة لم تفشل. فيما كانت القيادة الإسرائيلية ... تبحث هذا الموضوع، القيادة العسكرية، كان أولمرت يجتمع مع عائلة شاليط لكي يبرّر ما حصل ويهدّئ من روعهم.

لانا مدوّر: صحيح، كما شاهدنا.

عباس إسماعيل: لذلك، حديث أولمرت عن أنه عندما أُدخلت إليه قصاصة الورق التي فيها أن هناك عملية أسر، قال: قرأتها مرة واثنتين وثلاثا وأربعا، وقام بعمل غير مألوف بأن مرّر الورقة إلى أهل شاليط. هو مرّرها لكي يقول لهم: الآن نحن أمامنا مصيبة جديدة. لسنا فقط في وارد موضوع شاليط، أو أيضا نتيجة الصدمة التي حصلت. كان لافتا أيضا حديث حالوتس عن الاهتزاز وعن الصدمة التي أصابت قيادة المنطقة الشمالية، قيادة الجبهة الشمالية. هو تحدّث مع قائد الجبهة أودي آدم وتحدّث مع قائد الفرقة 91 جال إيرش الذين هم معنيون بالحرب والعدوان على لبنان. عكس أجواء الإرباك، أجواء الصدمة.

لانا مدوّر: لم تكن هناك حتى معلومات استخبارية عن أنه من الممكن لحزب الله أن يحضّر لعمل ما على الحدود. ثبت أنه حتى المعلومات الاستخبارية كانت غير موجودة أو ليست في يد الإسرائيليين.

عباس إسماعيل: ربما شدّة الصدمة على القادة الإسرائيليين هي نتيجة أن الكل في إسرائيل كان يتوقع أن حزب الله سوف يقوم بعملية أسر. حزب الله قال جهاراً نهاراً كما يقال، عدة مرات قال، في كل مناسبة...

لانا مدوّر: هدّد.

عباس إسماعيل: لن نترك أسرانا في الأسر وسوف نشنّ عمليات. وكما ذكر العميد كانت هناك عملية الغجر من قبل. على الرغم من كل الاستعدادات الإسرائيلية وعلى الرغم من كل التحضيرات الإسرائيلية وعلى الرغم من كل السيناريوهات التي تدرّبت عليها الوحدات العسكرية الإسرائيلية المنتشرة على الحدود مع لبنان، نجح حزب الله في عملية الأسر. عملية الأسر بحدّ ذاتها، قرار العملية وتنفيذه ليس مفاجئاً للإسرائيليين. كانت الصدمة نجاح العملية على الرغم من كل الاستعدادات والتحضيرات الإسرائيلية. وأيضا كانت هناك صدمة نتيجة الخسائر التي لحقت بالجيش الإسرائيلي أيضا في الدقائق التي تلت العملية عندما حاولت دبابة الميركافا التغلغل وأيضا تعرّضت لعبوة ناسفة قُتل فيها أيضا أكثر من أربعة جنود. إذاً، كل هذه الأجواء عكست بالنسبة للإسرائيليين واقعاً مربكاً مع بداية الحرب. هذا الواقع المربك استمر حتى اليوم الأخير من العدوان.

لانا مدوّر: وخرق في الجيش الإسرائيلي. هذا خرق في الاستعدادات. لأنه، كما قلت، كانت هناك استعدادات كبيرة. هذا ظهر أكثر ربما مع هذه العملية، عملية الأسر. سنتابع بعد الفاصل لنتحدث عن العملية كما رواها ثلاثي الحرب كما أسميته دكتور عباس. كيف بدأت؟ ما الأهداف التي بدأت منها؟ وكيف استمرت؟ وإلى أين وصلت؟ بعد الفاصل، مشاهدينا. ابقوا معنا.

 لانا مدوّر: مساء الخير.

في تموز عام 2006 شنّت إسرائيل عدوانا مدمّرا على لبنان. قامت بقصف البيوت والجسور والطرقات وتهديم البنى التحتية. قتلت اللبنانيين وحاولت أن تتوغّل برّيّاَ في جنوب لبنان. هدف العملية كان استعادة جنديين أسرهما حزب الله على الحدود وتحقيق أمن المستوطنات. نتيجة الحرب إخفاق في استعادة جندييها، وحزب الله ازداد قوة. بعد تسع سنوات على هذه الحرب تحدّث قادتها أي رئيس الحكومة حينها إيهود أولمرت، وزير الأمن عامير بيرتز، ورئيس هيئة الأركان دان حالوتس، لأوّل مرة. سنخصّص حلقتين من "خلف الجدار" لعرض ومناقشة ما أعلنوه من اعتراف صريح وواضح بالإخفاق في إضعاف حزب الله وتحقيق الأهداف. ونستقبل للنقاش الخبير العسكري والاستراتيجي العميد المتقاعد الياس فرحات. أهلا بك سيادة العميد.

العميد الياس فرحات: أهلا بكم.

لانا مدوّر: والدكتور عباس إسماعيل، المتخصص في الشأن الإسرائيلي. أهلا بك دكتور عباس.

عباس إسماعيل: أهلا بك.

لانا مدوّر: إذاً سنناقش معكما على مدى حلقتين مباشرةً هذا الموضوع من بلدة مليتا ومن المعلم السياحي الذي يخلّد إنجازات المقاومة اللبنانية في هذه البلدة الجنوبية. إذاً، أهلا بكم إلى "خلف الجدار".

 

لانا مدوّر: لم يعد الدخول إلى لبنان والقتال فيه نزهة أو قراراً يُتّخَذ على عجل. ففشل حرب تموز 2006 ترك تداعياته السياسية والعسكرية على إسرائيل. نشاهد الآن في هذا التقرير تقويماً عامّاً لحرب تموز من وجهة نظر الإسرائيليين:

 

تقرير بالعبرية

 

لانا مدوّر: إذاً، هذا بالمجمل الجو العام، إذا صحّ التعبير، لحرب تموز. سأبدأ معك سيادة العميد. المقاومة هي التي أفشلت حرب تموز أو عدوان تموز الذي شنّته إسرائيل أو سوء تخطيط القيادة الإسرائيلية؟

العميد الياس فرحات: اجتمع العاملان. سوء تخطيط القيادة الإسرائيلية ليس من الناحية التقنية والعسكرية، إذ كان التخطيط العسكري ممتازاً خصوصاً تخطيط العمليات الجوّيّة وتحديد بنك الأهداف: 96 جسراً في لبنان وأهداف من أجل ضرب البنية التحتية للدولة اللبنانية وليس فقط للمقاومة. أمّا سوء التخطيط فيأتي من ناحية سوء تقدير لقوّة المقاومة ومدى تجاوب الشعب اللبناني مع المقاومة وضعف في المعلومات الاستخبارية الإسرائيلية عن مراكز المقاومة وخصوصاً مراكز القيادات السياسية والعسكرية والأمنية، إذ إنه خلال 33 يوماً من الحرب لم يُصَب أحد من هذه القيادات بأي أذى. وهذا يُعَدّ فشلاً استخباريّاً كبيراً لإسرائيل التي كنّا نتصوّر أنها بنك استخبارات عالمي، فإذا بها تقع في خطأ وخطيئة كبيرة في بعلبك عندما ألقت القبض على مواطن اسمه حسن نصر الله ظنّاً منها أن هذا هو الأمين العام لحزب الله. هذا هو سوء التقدير الكبير الذي كان لدى القيادة الإسرائيلية. أمّا من الناحية العسكرية ومن ناحية التخطيط العسكري وخصوصاً في الضربة الجوّيّة فقد كانت على درجة عالية من الإتقان.

لانا مدوّر: كما لاحظنا، دكتور عباس، أن القادة الإسرائيليين لا يملكون ما يدافعون عنه. ليس لديهم أي شيء أو أي تقدّم أو ربما أي إنجاز في هذا العدوان يمكن المدافعة عنه. إلى ماذا يؤشّر هذا الأمر؟

عباس إسماعيل: ما شاهدناه في التقرير يعكس، كما تفضّلتِ، التقويم العام للحرب من وجهة النظر الإسرائيلية. الذي كان يتحدّث بالصوت هو فينوغراد، القاضي فينوغراد الذي كان رئيس لجنة التحقيق، هو الذي كان يقول إن الحرب كانت إخفاقاً وتفويتاً للفرصة. لاحظنا في كلام وزير الأمن الإسرائيلي عامير بيرتز وإيهود أولمرت مسألتين أساسيتين تعكسان الجو العام للحرب: المسألة الأولى: عندما كان بيرتز يقول إنه هو وزوجته في كل صباح كانا يخشيان أن يفتحا الصحف كي لا يقرآ الأخبار السيّئة والتحليلات السيّئة والنقد الكبير جداً الذي كان يوجَّه لقادة الحرب، من ضمنهم بيرتز. المسألة الثانية: إيهود أولمرت، وهو كان يصرخ: ماذا جرى؟ كان يأتي كلامه في سياق حديثه مع كبار المسؤولين الإسرائيليين وكبار القادة الذين كانوا يعكسون جوّاً من الإحباط. هو كان يقول: هل نحن أمام كارثة؟ ما أودّ أن أقوله إنه بالإجمال، المسؤولون الإسرائيليون الذين كانوا يتولَّون قيادة العدوان كان لديهم انطباع قاسٍ جدا عبّر عنه بيرتز عندما قال: كنت أشعر بذلّ لا مثيل له. وبالتالي، الصورة العامة للحرب، التقويم العام للحرب كان تقويماً سلبياً وعكس إخفاقاً من كل أطياف المجتمع الإسرائيلي ومن كل المستويات.

لانا مدوّر: كان هناك إجماع على الإخفاق.

عباس إسماعيل: حتى لا نعمّم كثيراً، ربما كان إيهود أولمرت الوحيد الذي يدّعي أن نتيجة الحرب لم تكن إخفاقاً. ولكن نحن نذكر أنه، على سبيل المثال لا الحصر، علاوةً على تقرير فينوغراد، بعد أربعة أيام من انتهاء العدوان وقف بنيامين نتنياهو في الكنيست خطيباً ليقول..، هو الآن رئيس حكومة طبعا، ليقول: هذه الحرب، سمّوها حرب لبنان الثانية، عكست إخفاقاً إسرائيلياً كبيرا في تشخيص التهديد، في التعامل مع التهديد، وفي إدارة الحرب. نتنياهو الذي هو رئيس حكومة الآن تحدّث عن الإخفاق، كبار القادة تحدّثوا عن الإخفاق، فينوغراد الذي حقّق في الحرب تحدّث عن الإخفاق. ربما باستثناء إيهود أولمرت لأنه كان معنيّاً بأن يُخفي صورة الإخفاق.

لانا مدوّر: أن يبيّض صورته ربما أو يبرّر ما حصل.

سيادة العميد، أيضا بالتقويم العام لهذه الحرب، كما قال التقرير باعتراف إسرائيليين، حزب الله خرج أقوى من هذه الحرب.
ما القدرة العسكرية التكتيكية ربما والاستخبارية التي اكتسبها حزب الله من خلال هذه التجربة في شهر من الحرب مع إسرائيل؟

العميد الياس فرحات: قبل أن نتحدث عن الخبرة نتحدث عن أول الحرب. ظهر حزب الله وهو على جاهزية عالية جدا للتصدّي للهجمات الإسرائيلية، على جاهزية عسكرية في الميدان، في البر، وخصوصا في معركة مارون الراس في أول الحرب وفي بنت جبيل حيث أخفقت أول عملية برّيّة إسرائيلية محدودة باتجاه مارون الراس وباتجاه بلدة بنت جبيل.

لانا مدوّر: أنا سأتحدث بالتفصيل عن هذه المراحل. ولكن أنا أبدأ بالعكس، من الخلاصة لو سمحت.

العميد الياس فرحات: الجاهزية العسكرية، الجاهزية الأمنية إذ تمكّن من حماية مقرّات القيادة، جاهزية القيادة والسيطرة.
القيادة والسيطرة في حزب الله استمرّت فاعلة مدّة 33 يوماً. وهذا هو العامل الأساسي في الانتصار. ووسيلة القيادة والسيطرة كانت الاتصالات. وتقرير فينوغراد كما أشار الدكتور عباس أشار إلى أن الاتصالات هي أكبر العوامل التي أدّت إلى فشل إسرائيل، يقصد نجاح حزب الله. أيضا التكتيك العسكري المتّبَع وهو تكتيك يتراوح بين الحرب التقليدية والحرب الثورية؛ هو منزلة بين المنزلتين. في بعض الأحيان كان حزب الله يستعمل الحرب الثورية وحرب العصابات، وفي بعض الأحيان كان يستعمل التكتيك التقليدي وخصوصا في معارك ضد الدبّابات. هذا الشيء الجديد الذي قدّمه حزب الله في العمليات العسكرية أُدخل ليس فقط في صراع مع إسرائيل، إنما أُدخل إلى المذاهب العسكرية في العالم وبدأ يُدرَّس كحالة في المدارس العسكرية في العالم كيف يكون المزج بين الحرب التقليدية والحرب الثورية. وخرج الأميركيون بنتيجة غير متماثلة.

لانا مدوّر: هل توضح لنا هذه النقطة أكثر؟ نحن لسنا خبراء عسكريين. ماذا تعني الحرب التقليدية والحرب الثورية والمزج بينهما، عملياً أكثر؟

العميد الياس فرحات: الحرب التقليدية هي حرب بين جيوش: مدفعيّة تقصف، مدرّعات ومشاة تتقدّم، ويحصل إطباق ويحصل احتلال والتفاف. هذه تدرَّس في كل المدارس العسكرية في العالم. الحرب الثورية هي نوع من الغارات تقوم على غارات وعلى كمائن بشكل مفاجئ وفي أوقات غير متوقّعة لدى العدو. مزج بين الاثنين. على صعيد الدفاع كان دفاع حزب الله من نوع يسمّونه الدفاع المستميت أي يحتلّ خطّا معيّنا ولا يمكن أن يتراجع عنه إلّا بموت المقاتل. هذا نوع من أنواع القتال التقليدي الذي حصل في الحرب العالمية الأولى والثانية. لكن في مناطق أخرى، أكرّر، حصل التحام مع الجيش الإسرائيلي بعمليات خاصة قامت بها قوّات حزب الله بالتفافات معيّنة على بعض المواقع الإسرائيلية. ثم سلاح الصواريخ، وهو سلاح لم يُستخدَم بهذا الشكل بعد في الحرب الحديثة، أدّى أيضا إلى خلق مشكلة لإسرائيل، مشكلة الجبهة الداخلية، على الأقل في قسم من حيفا وشمالا حتى الحدود اللبنانية كانت هناك مشكلة جديدة لإسرائيل لم تعتد عليها منذ إنشائها عام 1948 وهي مشكلة الجبهة الداخلية: مَن يطفئ النار المشتعلة، مَن يُخلي الجرحى، مَن يفتح الطرق، مَن يهدّئ من روع السكّان. كلها مسائل لم تكن مطروحة من قبل قدّمها حزب الله. وأدّى ذلك إلى تعديل في تنظيم الجيش الإسرائيلي وأنشئت قيادة هي قيادة العمليات الداخلية إضافة إلى القيادات الأخرى مثل الشمالية والجنوبية والضفة الغربية.

لانا مدوّر: دكتور عباس، ماذا يعني أن يتحدث هؤلاء الآن بعد كل هذا الوقت؟ القادة العسكريون الذين قادوا هذه الحرب، ويتحدثون بهذا الانكسار. لماذا بعد كل هذا الوقت يتم الحديث بهذا الشكل؟

عباس إسماعيل: في الحقيقة، حديث ثلاثي العدوان، إذا صحّ التعبير...

لانا مدوّر: فلنسمِّهم ثلاثي العدوان في هاتين الحلقتين.

عباس إسماعيل: ثلاثي العدوان. جاء في سياق فيلم وثائقي على حلقتين مدّته تقريبا 120 دقيقة.

لانا مدوّر: نحن اخترنا بعض المقتطفات لنعرضها في حلقتين. هذه إشارة مهمّة للمشاهدين. ستكون لدينا هذه الحلقة وحلقة الأسبوع المقبل. تفضّل.

عباس إسماعيل: ربما عنوان التحقيق يختصر الجواب عن السؤال الذي تفضّلتِ به. هو "حرب واحدة: ثلاث روايات".
أراد مُعِدّ التقرير وهو رفيف دروكر، أحد أشهر الصحافيين الذين يعملون في مجال الصحافة التحقيقية ولديه جرأة كبيرة في مواجهة المسؤولين الإسرائيليين. أراد أن يُبرز أن في هذا العدوان، الثلاثي الذي قاده كل واحد منهم لديه روايته. وبالتالي، كان كل مسؤول من الثلاثي الذي قاد العدوان معنيّا بأن يقدّم الرواية الخاصة به. لذلك، في سياق التقرير جاءت الروايات متضاربة متناقضة تنطوي على اتهامات متبادلة. كل مسؤول أو قائد أو زعيم من هؤلاء الثلاثة كان يريد أن يعيد الاعتبار إلى شخصه لأنه شُخّص في إسرائيل باعتباره أحد أسباب الهزيمة، أحد أسباب الفشل. ولا ننسَ أن الثلاثي استقالوا بشكل متتالٍ، واستقالة كل واحد منهم لها علاقة بالإخفاق الذي حصل.

لانا مدوّر: ورتّب تداعيات على حياتهم السياسية والعسكرية أيضا.

عباس إسماعيل: صحيح. وبالتالي، هم حاولوا أن يقدّموا رواية بالحد الأدنى تخفّف من التداعيات السلبية على دورهم في هذا العدوان.

لانا مدوّر: ما رأيكم بأن نذهب لنستمع إلى رواية أولمرت حول بداية هذه الحرب. كيف تلقّى الخبر. سنعود بالزمن إلى الوراء. يوم الأسر، يوم العملية على الحدود الشمالية، كيف إذاً تلقّى رئيس الحكومة حينها إيهود أولمرت نبأ العملية إضافة إلى وزير الأمن عامير بيرتز يتحدث في هذا المقطع ورئيس هيئة الأركان دان حالوتس. نشاهد سوية:

 

تقرير بالعبرية

 

لانا مدوّر: إذاً هذا كان كلام الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله. حدّد الخطوط العامة لاستعادة الجنديين.

سيادة العميد، بما أننا شاهدنا في هذا المقطع صور العملية التي عرضتها "الميادين" بشكل حصري وللمرة الأولى، لنتذكّر معك كيف كانت المقاومة خطّطت لهذه العملية، كيف جهّز حزب الله لأسر هذين الجنديين ومدى دقّة هذه العملية في التنفيذ والتخطيط.

العميد الياس فرحات: سبق للأمين العام لحزب الله أن وعد في خطب عديدة بأنه لن يترك أسراه. وكان يتابع هذا الوعد.
وقبل نحو ستة أشهر من حرب تموز قامت مجموعة من المقاومين باقتحام قرية الغجر، القسم الإسرائيلي من قرية الغجر بغية اختطاف جنود إسرائيليين ومبادلتهم بالأسرى اللبنانيين. لكن العملية فشلت لأسباب عديدة واستشهد بعض الذين قاموا بهذه العملية. هذا يدلّ على أنه في فكر قيادة حزب الله وقيادة المقاومة شنّ عملية لاختطاف جنود من أجل الإفراج عن الأسرى اللبنانيين المحتجزين في السجون الإسرائيلية. لذلك كانت العملية مخطّطة، إمّا حيث جرت وإمّا في أمكنة أخرى أيضا.
عادةً التخطيط يكون في أماكن عديدة ويتم اختيار اللحظة المناسبة والمكان المناسب. إنما موضوع تحوّل هذا الخطف أو الأسر لعسكريين إسرائيليين إلى حرب فأنا أجزم بأن حزب الله كان يحضّر تماما لمواجهة عسكرية شاملة مع إسرائيل، لأن ما بدر من حزب الله ومن المقاومة من أداء عسكري ولوجستي وأمني وخصوصا عندما قال أمين عام حزب الله في منتصف الحرب:
لا نريد شيئا من أحد، هذا يدلّ على أنه مكتفٍ ذاتيّا ومحضِّر تحضيراً تامّاً لأيّة مواجهة مع إسرائيل. كان يحسب حساباً أنه يمكن للإسرائيلي أن يحوّل أيّة حادثة إلى حرب كبيرة.

لانا مدوّر: أي أن يتّخذها ذريعة.

العميد الياس فرحات: نعم. وما جرى بالإعلان الإسرائيلي أن العملية هي لإنقاذ وإطلاق سراح الأسيرين وردود الفعل الدولية التي طالبت، خصوصا ممثّل الأمين العام للأمم المتحدة في لبنان غير بدرسون الذي عقد مؤتمراً صحافياً طالب فيه حزب الله بإعادة الأسيرين من دون أي ذكر للأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية. وهذه نقطة كانت فارقة في أداء الأمم المتحدة في لبنان. حزب الله في موضوع التبادل كان جاهزاً لعملية تبادل لأنه سبق له أن أجرى عملية تبادل بالوسيط الألماني من قبل.

لانا مدوّر: صحيح.

العميد الياس فرحات: إنما في موضوع الحرب كان يتحسّب. ولذلك، تحسّبه التام وحذره التام وجاهزية القوى التامّة في حزب الله كانت عاملاً أساسياً في صدّ العدوان الإسرائيلي. إسرائيل في الأهداف التي سُرّبت كانت تريد الاحتلال إلى الليطاني وخلق مشكلة استمرّت منذ عام 1978 حتى عام 1990 إلى إعادة الزمن إلى الوراء. كانت تفكّر أيضاً في نزع سلاح المقاومة.
وهذا الشعار رفعه بعض الأطراف في لبنان والدول العربية.

لانا مدوّر: صحيح. كان هناك جدل كبير حول هذا الأمر: إذا كان هناك فعلاً تحضير إسرائيلي لعملية ما استبقها حزب الله عبر الأسيرين ربما، كما حُكي في وقتها، أو أن حزب الله دفع لبنان إلى حرب لم يكن من وارد أو من جدوى لها.

العميد الياس فرحات: بالتأكيد، العملية الجوية الإسرائيلية تتطلّب على الأقل ثلاثة أشهر من التحضير، على الأقل.

لانا مدوّر: عسكرياً هكذا. المنطق هكذا.

العميد الياس فرحات: عسكرياً.

لانا مدوّر: أي لا يمكن بين ليلة وضحاها أن يخرج سلاح الجو الإسرائيلي ويقوم بطلعات.

العميد الياس فرحات: لا لا. خطة عمليات تتطلب على الأقل ثلاثة أشهر للقوى الجوية لكي تحدّد الأهداف، تستلمها من المخابرات العسكرية "أمان" وتحدّد أين هي الأهداف وما هي الطائرات ومن أين تُقلع الطائرات ومَن سيقصف وبأي نوع من الأسلحة. هذا أمر عمليات تخطيطي يتطلب وقتاً طويلاً. إسرائيل كانت تخطّط لعملية ضد لبنان واستغلّت هذا الظرف المناسب وعملية الأسر لكي تبدأ بتنفيذ خطة أعدّتها مسبقاً.

لانا مدوّر: هو لم يكن ظرفاً مناسباً عسكرياً، إذا صحّ التعبير، إنما كان ذريعة. ربما لم تكن جاهزة جاهزيّة كاملة كما قيل وقتها. لا أدري إذا كان صحيحاً.

العميد الياس فرحات: هنا يكون خطأ القيادة السياسية. هنا لجنة فينوغراد قالت: الخطأ على رئيس الحكومة ووزير الدفاع ورئيس الأركان بسبب عدم اختيار اللحظة المناسبة. هل نصدّق أن عملية اجتياح لبنان سنة 1982 والوصول إلى بيروت كان بسبب إطلاق النار على سفير أو دبلوماسي إسرائيلي؟ طبعا هذا لا يصدّقه أحد.

لانا مدوّر: دكتور عباس، قال دان حالوتس إنهم كانوا يبحثون في تحقيق عن تصفية قادة حماس، وكان شاليط في وقتها أسيراً.
لو نستعيد معك الأجواء السياسية التي كانت تمرّ بها إسرائيل عشيّة هذه العملية.

عباس إسماعيل: كانت إسرائيل لا تزال...

لانا مدوّر: مشغولة بجبهة مع حماس.

عباس إسماعيل: تعيش صدمة أسر جلعاد شاليط. وأيضاً كانت في وارد القيام بأعمال انتقامية ضد المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة. في صبيحة اليوم كان هناك هجوم إسرائيلي، اعتداء إسرائيلي على اجتماع لقيادات من حماس. وكانت محاولة لاغتيال محمد ضيف. وهذه النتيجة لم تفشل. فيما كانت القيادة الإسرائيلية ... تبحث هذا الموضوع، القيادة العسكرية، كان أولمرت يجتمع مع عائلة شاليط لكي يبرّر ما حصل ويهدّئ من روعهم.

لانا مدوّر: صحيح، كما شاهدنا.

عباس إسماعيل: لذلك، حديث أولمرت عن أنه عندما أُدخلت إليه قصاصة الورق التي فيها أن هناك عملية أسر، قال: قرأتها مرة واثنتين وثلاثا وأربعا، وقام بعمل غير مألوف بأن مرّر الورقة إلى أهل شاليط. هو مرّرها لكي يقول لهم: الآن نحن أمامنا مصيبة جديدة. لسنا فقط في وارد موضوع شاليط، أو أيضا نتيجة الصدمة التي حصلت. كان لافتا أيضا حديث حالوتس عن الاهتزاز وعن الصدمة التي أصابت قيادة المنطقة الشمالية، قيادة الجبهة الشمالية. هو تحدّث مع قائد الجبهة أودي آدم وتحدّث مع قائد الفرقة 91 جال إيرش الذين هم معنيون بالحرب والعدوان على لبنان. عكس أجواء الإرباك، أجواء الصدمة.

لانا مدوّر: لم تكن هناك حتى معلومات استخبارية عن أنه من الممكن لحزب الله أن يحضّر لعمل ما على الحدود. ثبت أنه حتى المعلومات الاستخبارية كانت غير موجودة أو ليست في يد الإسرائيليين.

عباس إسماعيل: ربما شدّة الصدمة على القادة الإسرائيليين هي نتيجة أن الكل في إسرائيل كان يتوقع أن حزب الله سوف يقوم بعملية أسر. حزب الله قال جهاراً نهاراً كما يقال، عدة مرات قال، في كل مناسبة...

لانا مدوّر: هدّد.

عباس إسماعيل: لن نترك أسرانا في الأسر وسوف نشنّ عمليات. وكما ذكر العميد كانت هناك عملية الغجر من قبل. على الرغم من كل الاستعدادات الإسرائيلية وعلى الرغم من كل التحضيرات الإسرائيلية وعلى الرغم من كل السيناريوهات التي تدرّبت عليها الوحدات العسكرية الإسرائيلية المنتشرة على الحدود مع لبنان، نجح حزب الله في عملية الأسر. عملية الأسر بحدّ ذاتها، قرار العملية وتنفيذه ليس مفاجئاً للإسرائيليين. كانت الصدمة نجاح العملية على الرغم من كل الاستعدادات والتحضيرات الإسرائيلية. وأيضا كانت هناك صدمة نتيجة الخسائر التي لحقت بالجيش الإسرائيلي أيضا في الدقائق التي تلت العملية عندما حاولت دبابة الميركافا التغلغل وأيضا تعرّضت لعبوة ناسفة قُتل فيها أيضا أكثر من أربعة جنود. إذاً، كل هذه الأجواء عكست بالنسبة للإسرائيليين واقعاً مربكاً مع بداية الحرب. هذا الواقع المربك استمر حتى اليوم الأخير من العدوان.

لانا مدوّر: وخرق في الجيش الإسرائيلي. هذا خرق في الاستعدادات. لأنه، كما قلت، كانت هناك استعدادات كبيرة. هذا ظهر أكثر ربما مع هذه العملية، عملية الأسر. سنتابع بعد الفاصل لنتحدث عن العملية كما رواها ثلاثي الحرب كما أسميته دكتور عباس. كيف بدأت؟ ما الأهداف التي بدأت منها؟ وكيف استمرت؟ وإلى أين وصلت؟ بعد الفاصل، مشاهدينا. ابقوا معنا.

 لانا مدوّر: مساء الخير.

في تموز عام 2006 شنّت إسرائيل عدوانا مدمّرا على لبنان. قامت بقصف البيوت والجسور والطرقات وتهديم البنى التحتية. قتلت اللبنانيين وحاولت أن تتوغّل برّيّاَ في جنوب لبنان. هدف العملية كان استعادة جنديين أسرهما حزب الله على الحدود وتحقيق أمن المستوطنات. نتيجة الحرب إخفاق في استعادة جندييها، وحزب الله ازداد قوة. بعد تسع سنوات على هذه الحرب تحدّث قادتها أي رئيس الحكومة حينها إيهود أولمرت، وزير الأمن عامير بيرتز، ورئيس هيئة الأركان دان حالوتس، لأوّل مرة. سنخصّص حلقتين من "خلف الجدار" لعرض ومناقشة ما أعلنوه من اعتراف صريح وواضح بالإخفاق في إضعاف حزب الله وتحقيق الأهداف. ونستقبل للنقاش الخبير العسكري والاستراتيجي العميد المتقاعد الياس فرحات. أهلا بك سيادة العميد.

العميد الياس فرحات: أهلا بكم.

لانا مدوّر: والدكتور عباس إسماعيل، المتخصص في الشأن الإسرائيلي. أهلا بك دكتور عباس.

عباس إسماعيل: أهلا بك.

لانا مدوّر: إذاً سنناقش معكما على مدى حلقتين مباشرةً هذا الموضوع من بلدة مليتا ومن المعلم السياحي الذي يخلّد إنجازات المقاومة اللبنانية في هذه البلدة الجنوبية. إذاً، أهلا بكم إلى "خلف الجدار".

 

لانا مدوّر: لم يعد الدخول إلى لبنان والقتال فيه نزهة أو قراراً يُتّخَذ على عجل. ففشل حرب تموز 2006 ترك تداعياته السياسية والعسكرية على إسرائيل. نشاهد الآن في هذا التقرير تقويماً عامّاً لحرب تموز من وجهة نظر الإسرائيليين:

 

تقرير بالعبرية

 

لانا مدوّر: إذاً، هذا بالمجمل الجو العام، إذا صحّ التعبير، لحرب تموز. سأبدأ معك سيادة العميد. المقاومة هي التي أفشلت حرب تموز أو عدوان تموز الذي شنّته إسرائيل أو سوء تخطيط القيادة الإسرائيلية؟

العميد الياس فرحات: اجتمع العاملان. سوء تخطيط القيادة الإسرائيلية ليس من الناحية التقنية والعسكرية، إذ كان التخطيط العسكري ممتازاً خصوصاً تخطيط العمليات الجوّيّة وتحديد بنك الأهداف: 96 جسراً في لبنان وأهداف من أجل ضرب البنية التحتية للدولة اللبنانية وليس فقط للمقاومة. أمّا سوء التخطيط فيأتي من ناحية سوء تقدير لقوّة المقاومة ومدى تجاوب الشعب اللبناني مع المقاومة وضعف في المعلومات الاستخبارية الإسرائيلية عن مراكز المقاومة وخصوصاً مراكز القيادات السياسية والعسكرية والأمنية، إذ إنه خلال 33 يوماً من الحرب لم يُصَب أحد من هذه القيادات بأي أذى. وهذا يُعَدّ فشلاً استخباريّاً كبيراً لإسرائيل التي كنّا نتصوّر أنها بنك استخبارات عالمي، فإذا بها تقع في خطأ وخطيئة كبيرة في بعلبك عندما ألقت القبض على مواطن اسمه حسن نصر الله ظنّاً منها أن هذا هو الأمين العام لحزب الله. هذا هو سوء التقدير الكبير الذي كان لدى القيادة الإسرائيلية. أمّا من الناحية العسكرية ومن ناحية التخطيط العسكري وخصوصاً في الضربة الجوّيّة فقد كانت على درجة عالية من الإتقان.

لانا مدوّر: كما لاحظنا، دكتور عباس، أن القادة الإسرائيليين لا يملكون ما يدافعون عنه. ليس لديهم أي شيء أو أي تقدّم أو ربما أي إنجاز في هذا العدوان يمكن المدافعة عنه. إلى ماذا يؤشّر هذا الأمر؟

عباس إسماعيل: ما شاهدناه في التقرير يعكس، كما تفضّلتِ، التقويم العام للحرب من وجهة النظر الإسرائيلية. الذي كان يتحدّث بالصوت هو فينوغراد، القاضي فينوغراد الذي كان رئيس لجنة التحقيق، هو الذي كان يقول إن الحرب كانت إخفاقاً وتفويتاً للفرصة. لاحظنا في كلام وزير الأمن الإسرائيلي عامير بيرتز وإيهود أولمرت مسألتين أساسيتين تعكسان الجو العام للحرب: المسألة الأولى: عندما كان بيرتز يقول إنه هو وزوجته في كل صباح كانا يخشيان أن يفتحا الصحف كي لا يقرآ الأخبار السيّئة والتحليلات السيّئة والنقد الكبير جداً الذي كان يوجَّه لقادة الحرب، من ضمنهم بيرتز. المسألة الثانية: إيهود أولمرت، وهو كان يصرخ: ماذا جرى؟ كان يأتي كلامه في سياق حديثه مع كبار المسؤولين الإسرائيليين وكبار القادة الذين كانوا يعكسون جوّاً من الإحباط. هو كان يقول: هل نحن أمام كارثة؟ ما أودّ أن أقوله إنه بالإجمال، المسؤولون الإسرائيليون الذين كانوا يتولَّون قيادة العدوان كان لديهم انطباع قاسٍ جدا عبّر عنه بيرتز عندما قال: كنت أشعر بذلّ لا مثيل له. وبالتالي، الصورة العامة للحرب، التقويم العام للحرب كان تقويماً سلبياً وعكس إخفاقاً من كل أطياف المجتمع الإسرائيلي ومن كل المستويات.

لانا مدوّر: كان هناك إجماع على الإخفاق.

عباس إسماعيل: حتى لا نعمّم كثيراً، ربما كان إيهود أولمرت الوحيد الذي يدّعي أن نتيجة الحرب لم تكن إخفاقاً. ولكن نحن نذكر أنه، على سبيل المثال لا الحصر، علاوةً على تقرير فينوغراد، بعد أربعة أيام من انتهاء العدوان وقف بنيامين نتنياهو في الكنيست خطيباً ليقول..، هو الآن رئيس حكومة طبعا، ليقول: هذه الحرب، سمّوها حرب لبنان الثانية، عكست إخفاقاً إسرائيلياً كبيرا في تشخيص التهديد، في التعامل مع التهديد، وفي إدارة الحرب. نتنياهو الذي هو رئيس حكومة الآن تحدّث عن الإخفاق، كبار القادة تحدّثوا عن الإخفاق، فينوغراد الذي حقّق في الحرب تحدّث عن الإخفاق. ربما باستثناء إيهود أولمرت لأنه كان معنيّاً بأن يُخفي صورة الإخفاق.

لانا مدوّر: أن يبيّض صورته ربما أو يبرّر ما حصل.

سيادة العميد، أيضا بالتقويم العام لهذه الحرب، كما قال التقرير باعتراف إسرائيليين، حزب الله خرج أقوى من هذه الحرب.
ما القدرة العسكرية التكتيكية ربما والاستخبارية التي اكتسبها حزب الله من خلال هذه التجربة في شهر من الحرب مع إسرائيل؟

العميد الياس فرحات: قبل أن نتحدث عن الخبرة نتحدث عن أول الحرب. ظهر حزب الله وهو على جاهزية عالية جدا للتصدّي للهجمات الإسرائيلية، على جاهزية عسكرية في الميدان، في البر، وخصوصا في معركة مارون الراس في أول الحرب وفي بنت جبيل حيث أخفقت أول عملية برّيّة إسرائيلية محدودة باتجاه مارون الراس وباتجاه بلدة بنت جبيل.

لانا مدوّر: أنا سأتحدث بالتفصيل عن هذه المراحل. ولكن أنا أبدأ بالعكس، من الخلاصة لو سمحت.

العميد الياس فرحات: الجاهزية العسكرية، الجاهزية الأمنية إذ تمكّن من حماية مقرّات القيادة، جاهزية القيادة والسيطرة.
القيادة والسيطرة في حزب الله استمرّت فاعلة مدّة 33 يوماً. وهذا هو العامل الأساسي في الانتصار. ووسيلة القيادة والسيطرة كانت الاتصالات. وتقرير فينوغراد كما أشار الدكتور عباس أشار إلى أن الاتصالات هي أكبر العوامل التي أدّت إلى فشل إسرائيل، يقصد نجاح حزب الله. أيضا التكتيك العسكري المتّبَع وهو تكتيك يتراوح بين الحرب التقليدية والحرب الثورية؛ هو منزلة بين المنزلتين. في بعض الأحيان كان حزب الله يستعمل الحرب الثورية وحرب العصابات، وفي بعض الأحيان كان يستعمل التكتيك التقليدي وخصوصا في معارك ضد الدبّابات. هذا الشيء الجديد الذي قدّمه حزب الله في العمليات العسكرية أُدخل ليس فقط في صراع مع إسرائيل، إنما أُدخل إلى المذاهب العسكرية في العالم وبدأ يُدرَّس كحالة في المدارس العسكرية في العالم كيف يكون المزج بين الحرب التقليدية والحرب الثورية. وخرج الأميركيون بنتيجة غير متماثلة.

لانا مدوّر: هل توضح لنا هذه النقطة أكثر؟ نحن لسنا خبراء عسكريين. ماذا تعني الحرب التقليدية والحرب الثورية والمزج بينهما، عملياً أكثر؟

العميد الياس فرحات: الحرب التقليدية هي حرب بين جيوش: مدفعيّة تقصف، مدرّعات ومشاة تتقدّم، ويحصل إطباق ويحصل احتلال والتفاف. هذه تدرَّس في كل المدارس العسكرية في العالم. الحرب الثورية هي نوع من الغارات تقوم على غارات وعلى كمائن بشكل مفاجئ وفي أوقات غير متوقّعة لدى العدو. مزج بين الاثنين. على صعيد الدفاع كان دفاع حزب الله من نوع يسمّونه الدفاع المستميت أي يحتلّ خطّا معيّنا ولا يمكن أن يتراجع عنه إلّا بموت المقاتل. هذا نوع من أنواع القتال التقليدي الذي حصل في الحرب العالمية الأولى والثانية. لكن في مناطق أخرى، أكرّر، حصل التحام مع الجيش الإسرائيلي بعمليات خاصة قامت بها قوّات حزب الله بالتفافات معيّنة على بعض المواقع الإسرائيلية. ثم سلاح الصواريخ، وهو سلاح لم يُستخدَم بهذا الشكل بعد في الحرب الحديثة، أدّى أيضا إلى خلق مشكلة لإسرائيل، مشكلة الجبهة الداخلية، على الأقل في قسم من حيفا وشمالا حتى الحدود اللبنانية كانت هناك مشكلة جديدة لإسرائيل لم تعتد عليها منذ إنشائها عام 1948 وهي مشكلة الجبهة الداخلية: مَن يطفئ النار المشتعلة، مَن يُخلي الجرحى، مَن يفتح الطرق، مَن يهدّئ من روع السكّان. كلها مسائل لم تكن مطروحة من قبل قدّمها حزب الله. وأدّى ذلك إلى تعديل في تنظيم الجيش الإسرائيلي وأنشئت قيادة هي قيادة العمليات الداخلية إضافة إلى القيادات الأخرى مثل الشمالية والجنوبية والضفة الغربية.

لانا مدوّر: دكتور عباس، ماذا يعني أن يتحدث هؤلاء الآن بعد كل هذا الوقت؟ القادة العسكريون الذين قادوا هذه الحرب، ويتحدثون بهذا الانكسار. لماذا بعد كل هذا الوقت يتم الحديث بهذا الشكل؟

عباس إسماعيل: في الحقيقة، حديث ثلاثي العدوان، إذا صحّ التعبير...

لانا مدوّر: فلنسمِّهم ثلاثي العدوان في هاتين الحلقتين.

عباس إسماعيل: ثلاثي العدوان. جاء في سياق فيلم وثائقي على حلقتين مدّته تقريبا 120 دقيقة.

لانا مدوّر: نحن اخترنا بعض المقتطفات لنعرضها في حلقتين. هذه إشارة مهمّة للمشاهدين. ستكون لدينا هذه الحلقة وحلقة الأسبوع المقبل. تفضّل.

عباس إسماعيل: ربما عنوان التحقيق يختصر الجواب عن السؤال الذي تفضّلتِ به. هو "حرب واحدة: ثلاث روايات".
أراد مُعِدّ التقرير وهو رفيف دروكر، أحد أشهر الصحافيين الذين يعملون في مجال الصحافة التحقيقية ولديه جرأة كبيرة في مواجهة المسؤولين الإسرائيليين. أراد أن يُبرز أن في هذا العدوان، الثلاثي الذي قاده كل واحد منهم لديه روايته. وبالتالي، كان كل مسؤول من الثلاثي الذي قاد العدوان معنيّا بأن يقدّم الرواية الخاصة به. لذلك، في سياق التقرير جاءت الروايات متضاربة متناقضة تنطوي على اتهامات متبادلة. كل مسؤول أو قائد أو زعيم من هؤلاء الثلاثة كان يريد أن يعيد الاعتبار إلى شخصه لأنه شُخّص في إسرائيل باعتباره أحد أسباب الهزيمة، أحد أسباب الفشل. ولا ننسَ أن الثلاثي استقالوا بشكل متتالٍ، واستقالة كل واحد منهم لها علاقة بالإخفاق الذي حصل.

لانا مدوّر: ورتّب تداعيات على حياتهم السياسية والعسكرية أيضا.

عباس إسماعيل: صحيح. وبالتالي، هم حاولوا أن يقدّموا رواية بالحد الأدنى تخفّف من التداعيات السلبية على دورهم في هذا العدوان.

لانا مدوّر: ما رأيكم بأن نذهب لنستمع إلى رواية أولمرت حول بداية هذه الحرب. كيف تلقّى الخبر. سنعود بالزمن إلى الوراء. يوم الأسر، يوم العملية على الحدود الشمالية، كيف إذاً تلقّى رئيس الحكومة حينها إيهود أولمرت نبأ العملية إضافة إلى وزير الأمن عامير بيرتز يتحدث في هذا المقطع ورئيس هيئة الأركان دان حالوتس. نشاهد سوية:

 

تقرير بالعبرية

 

لانا مدوّر: إذاً هذا كان كلام الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله. حدّد الخطوط العامة لاستعادة الجنديين.

سيادة العميد، بما أننا شاهدنا في هذا المقطع صور العملية التي عرضتها "الميادين" بشكل حصري وللمرة الأولى، لنتذكّر معك كيف كانت المقاومة خطّطت لهذه العملية، كيف جهّز حزب الله لأسر هذين الجنديين ومدى دقّة هذه العملية في التنفيذ والتخطيط.

العميد الياس فرحات: سبق للأمين العام لحزب الله أن وعد في خطب عديدة بأنه لن يترك أسراه. وكان يتابع هذا الوعد.
وقبل نحو ستة أشهر من حرب تموز قامت مجموعة من المقاومين باقتحام قرية الغجر، القسم الإسرائيلي من قرية الغجر بغية اختطاف جنود إسرائيليين ومبادلتهم بالأسرى اللبنانيين. لكن العملية فشلت لأسباب عديدة واستشهد بعض الذين قاموا بهذه العملية. هذا يدلّ على أنه في فكر قيادة حزب الله وقيادة المقاومة شنّ عملية لاختطاف جنود من أجل الإفراج عن الأسرى اللبنانيين المحتجزين في السجون الإسرائيلية. لذلك كانت العملية مخطّطة، إمّا حيث جرت وإمّا في أمكنة أخرى أيضا.
عادةً التخطيط يكون في أماكن عديدة ويتم اختيار اللحظة المناسبة والمكان المناسب. إنما موضوع تحوّل هذا الخطف أو الأسر لعسكريين إسرائيليين إلى حرب فأنا أجزم بأن حزب الله كان يحضّر تماما لمواجهة عسكرية شاملة مع إسرائيل، لأن ما بدر من حزب الله ومن المقاومة من أداء عسكري ولوجستي وأمني وخصوصا عندما قال أمين عام حزب الله في منتصف الحرب:
لا نريد شيئا من أحد، هذا يدلّ على أنه مكتفٍ ذاتيّا ومحضِّر تحضيراً تامّاً لأيّة مواجهة مع إسرائيل. كان يحسب حساباً أنه يمكن للإسرائيلي أن يحوّل أيّة حادثة إلى حرب كبيرة.

لانا مدوّر: أي أن يتّخذها ذريعة.

العميد الياس فرحات: نعم. وما جرى بالإعلان الإسرائيلي أن العملية هي لإنقاذ وإطلاق سراح الأسيرين وردود الفعل الدولية التي طالبت، خصوصا ممثّل الأمين العام للأمم المتحدة في لبنان غير بدرسون الذي عقد مؤتمراً صحافياً طالب فيه حزب الله بإعادة الأسيرين من دون أي ذكر للأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية. وهذه نقطة كانت فارقة في أداء الأمم المتحدة في لبنان. حزب الله في موضوع التبادل كان جاهزاً لعملية تبادل لأنه سبق له أن أجرى عملية تبادل بالوسيط الألماني من قبل.

لانا مدوّر: صحيح.

العميد الياس فرحات: إنما في موضوع الحرب كان يتحسّب. ولذلك، تحسّبه التام وحذره التام وجاهزية القوى التامّة في حزب الله كانت عاملاً أساسياً في صدّ العدوان الإسرائيلي. إسرائيل في الأهداف التي سُرّبت كانت تريد الاحتلال إلى الليطاني وخلق مشكلة استمرّت منذ عام 1978 حتى عام 1990 إلى إعادة الزمن إلى الوراء. كانت تفكّر أيضاً في نزع سلاح المقاومة.
وهذا الشعار رفعه بعض الأطراف في لبنان والدول العربية.

لانا مدوّر: صحيح. كان هناك جدل كبير حول هذا الأمر: إذا كان هناك فعلاً تحضير إسرائيلي لعملية ما استبقها حزب الله عبر الأسيرين ربما، كما حُكي في وقتها، أو أن حزب الله دفع لبنان إلى حرب لم يكن من وارد أو من جدوى لها.

العميد الياس فرحات: بالتأكيد، العملية الجوية الإسرائيلية تتطلّب على الأقل ثلاثة أشهر من التحضير، على الأقل.

لانا مدوّر: عسكرياً هكذا. المنطق هكذا.

العميد الياس فرحات: عسكرياً.

لانا مدوّر: أي لا يمكن بين ليلة وضحاها أن يخرج سلاح الجو الإسرائيلي ويقوم بطلعات.

العميد الياس فرحات: لا لا. خطة عمليات تتطلب على الأقل ثلاثة أشهر للقوى الجوية لكي تحدّد الأهداف، تستلمها من المخابرات العسكرية "أمان" وتحدّد أين هي الأهداف وما هي الطائرات ومن أين تُقلع الطائرات ومَن سيقصف وبأي نوع من الأسلحة. هذا أمر عمليات تخطيطي يتطلب وقتاً طويلاً. إسرائيل كانت تخطّط لعملية ضد لبنان واستغلّت هذا الظرف المناسب وعملية الأسر لكي تبدأ بتنفيذ خطة أعدّتها مسبقاً.

لانا مدوّر: هو لم يكن ظرفاً مناسباً عسكرياً، إذا صحّ التعبير، إنما كان ذريعة. ربما لم تكن جاهزة جاهزيّة كاملة كما قيل وقتها. لا أدري إذا كان صحيحاً.

العميد الياس فرحات: هنا يكون خطأ القيادة السياسية. هنا لجنة فينوغراد قالت: الخطأ على رئيس الحكومة ووزير الدفاع ورئيس الأركان بسبب عدم اختيار اللحظة المناسبة. هل نصدّق أن عملية اجتياح لبنان سنة 1982 والوصول إلى بيروت كان بسبب إطلاق النار على سفير أو دبلوماسي إسرائيلي؟ طبعا هذا لا يصدّقه أحد.

لانا مدوّر: دكتور عباس، قال دان حالوتس إنهم كانوا يبحثون في تحقيق عن تصفية قادة حماس، وكان شاليط في وقتها أسيراً.
لو نستعيد معك الأجواء السياسية التي كانت تمرّ بها إسرائيل عشيّة هذه العملية.

عباس إسماعيل: كانت إسرائيل لا تزال...

لانا مدوّر: مشغولة بجبهة مع حماس.

عباس إسماعيل: تعيش صدمة أسر جلعاد شاليط. وأيضاً كانت في وارد القيام بأعمال انتقامية ضد المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة. في صبيحة اليوم كان هناك هجوم إسرائيلي، اعتداء إسرائيلي على اجتماع لقيادات من حماس. وكانت محاولة لاغتيال محمد ضيف. وهذه النتيجة لم تفشل. فيما كانت القيادة الإسرائيلية ... تبحث هذا الموضوع، القيادة العسكرية، كان أولمرت يجتمع مع عائلة شاليط لكي يبرّر ما حصل ويهدّئ من روعهم.

لانا مدوّر: صحيح، كما شاهدنا.

عباس إسماعيل: لذلك، حديث أولمرت عن أنه عندما أُدخلت إليه قصاصة الورق التي فيها أن هناك عملية أسر، قال: قرأتها مرة واثنتين وثلاثا وأربعا، وقام بعمل غير مألوف بأن مرّر الورقة إلى أهل شاليط. هو مرّرها لكي يقول لهم: الآن نحن أمامنا مصيبة جديدة. لسنا فقط في وارد موضوع شاليط، أو أيضا نتيجة الصدمة التي حصلت. كان لافتا أيضا حديث حالوتس عن الاهتزاز وعن الصدمة التي أصابت قيادة المنطقة الشمالية، قيادة الجبهة الشمالية. هو تحدّث مع قائد الجبهة أودي آدم وتحدّث مع قائد الفرقة 91 جال إيرش الذين هم معنيون بالحرب والعدوان على لبنان. عكس أجواء الإرباك، أجواء الصدمة.

لانا مدوّر: لم تكن هناك حتى معلومات استخبارية عن أنه من الممكن لحزب الله أن يحضّر لعمل ما على الحدود. ثبت أنه حتى المعلومات الاستخبارية كانت غير موجودة أو ليست في يد الإسرائيليين.

عباس إسماعيل: ربما شدّة الصدمة على القادة الإسرائيليين هي نتيجة أن الكل في إسرائيل كان يتوقع أن حزب الله سوف يقوم بعملية أسر. حزب الله قال جهاراً نهاراً كما يقال، عدة مرات قال، في كل مناسبة...

لانا مدوّر: هدّد.

عباس إسماعيل: لن نترك أسرانا في الأسر وسوف نشنّ عمليات. وكما ذكر العميد كانت هناك عملية الغجر من قبل. على الرغم من كل الاستعدادات الإسرائيلية وعلى الرغم من كل التحضيرات الإسرائيلية وعلى الرغم من كل السيناريوهات التي تدرّبت عليها الوحدات العسكرية الإسرائيلية المنتشرة على الحدود مع لبنان، نجح حزب الله في عملية الأسر. عملية الأسر بحدّ ذاتها، قرار العملية وتنفيذه ليس مفاجئاً للإسرائيليين. كانت الصدمة نجاح العملية على الرغم من كل الاستعدادات والتحضيرات الإسرائيلية. وأيضا كانت هناك صدمة نتيجة الخسائر التي لحقت بالجيش الإسرائيلي أيضا في الدقائق التي تلت العملية عندما حاولت دبابة الميركافا التغلغل وأيضا تعرّضت لعبوة ناسفة قُتل فيها أيضا أكثر من أربعة جنود. إذاً، كل هذه الأجواء عكست بالنسبة للإسرائيليين واقعاً مربكاً مع بداية الحرب. هذا الواقع المربك استمر حتى اليوم الأخير من العدوان.

لانا مدوّر: وخرق في الجيش الإسرائيلي. هذا خرق في الاستعدادات. لأنه، كما قلت، كانت هناك استعدادات كبيرة. هذا ظهر أكثر ربما مع هذه العملية، عملية الأسر. سنتابع بعد الفاصل لنتحدث عن العملية كما رواها ثلاثي الحرب كما أسميته دكتور عباس. كيف بدأت؟ ما الأهداف التي بدأت منها؟ وكيف استمرت؟ وإلى أين وصلت؟ بعد الفاصل، مشاهدينا. ابقوا معنا.

 لانا مدوّر: مساء الخير.

في تموز عام 2006 شنّت إسرائيل عدوانا مدمّرا على لبنان. قامت بقصف البيوت والجسور والطرقات وتهديم البنى التحتية. قتلت اللبنانيين وحاولت أن تتوغّل برّيّاَ في جنوب لبنان. هدف العملية كان استعادة جنديين أسرهما حزب الله على الحدود وتحقيق أمن المستوطنات. نتيجة الحرب إخفاق في استعادة جندييها، وحزب الله ازداد قوة. بعد تسع سنوات على هذه الحرب تحدّث قادتها أي رئيس الحكومة حينها إيهود أولمرت، وزير الأمن عامير بيرتز، ورئيس هيئة الأركان دان حالوتس، لأوّل مرة. سنخصّص حلقتين من "خلف الجدار" لعرض ومناقشة ما أعلنوه من اعتراف صريح وواضح بالإخفاق في إضعاف حزب الله وتحقيق الأهداف. ونستقبل للنقاش الخبير العسكري والاستراتيجي العميد المتقاعد الياس فرحات. أهلا بك سيادة العميد.

العميد الياس فرحات: أهلا بكم.

لانا مدوّر: والدكتور عباس إسماعيل، المتخصص في الشأن الإسرائيلي. أهلا بك دكتور عباس.

عباس إسماعيل: أهلا بك.

لانا مدوّر: إذاً سنناقش معكما على مدى حلقتين مباشرةً هذا الموضوع من بلدة مليتا ومن المعلم السياحي الذي يخلّد إنجازات المقاومة اللبنانية في هذه البلدة الجنوبية. إذاً، أهلا بكم إلى "خلف الجدار".

 

لانا مدوّر: لم يعد الدخول إلى لبنان والقتال فيه نزهة أو قراراً يُتّخَذ على عجل. ففشل حرب تموز 2006 ترك تداعياته السياسية والعسكرية على إسرائيل. نشاهد الآن في هذا التقرير تقويماً عامّاً لحرب تموز من وجهة نظر الإسرائيليين:

 

تقرير بالعبرية

 

لانا مدوّر: إذاً، هذا بالمجمل الجو العام، إذا صحّ التعبير، لحرب تموز. سأبدأ معك سيادة العميد. المقاومة هي التي أفشلت حرب تموز أو عدوان تموز الذي شنّته إسرائيل أو سوء تخطيط القيادة الإسرائيلية؟

العميد الياس فرحات: اجتمع العاملان. سوء تخطيط القيادة الإسرائيلية ليس من الناحية التقنية والعسكرية، إذ كان التخطيط العسكري ممتازاً خصوصاً تخطيط العمليات الجوّيّة وتحديد بنك الأهداف: 96 جسراً في لبنان وأهداف من أجل ضرب البنية التحتية للدولة اللبنانية وليس فقط للمقاومة. أمّا سوء التخطيط فيأتي من ناحية سوء تقدير لقوّة المقاومة ومدى تجاوب الشعب اللبناني مع المقاومة وضعف في المعلومات الاستخبارية الإسرائيلية عن مراكز المقاومة وخصوصاً مراكز القيادات السياسية والعسكرية والأمنية، إذ إنه خلال 33 يوماً من الحرب لم يُصَب أحد من هذه القيادات بأي أذى. وهذا يُعَدّ فشلاً استخباريّاً كبيراً لإسرائيل التي كنّا نتصوّر أنها بنك استخبارات عالمي، فإذا بها تقع في خطأ وخطيئة كبيرة في بعلبك عندما ألقت القبض على مواطن اسمه حسن نصر الله ظنّاً منها أن هذا هو الأمين العام لحزب الله. هذا هو سوء التقدير الكبير الذي كان لدى القيادة الإسرائيلية. أمّا من الناحية العسكرية ومن ناحية التخطيط العسكري وخصوصاً في الضربة الجوّيّة فقد كانت على درجة عالية من الإتقان.

لانا مدوّر: كما لاحظنا، دكتور عباس، أن القادة الإسرائيليين لا يملكون ما يدافعون عنه. ليس لديهم أي شيء أو أي تقدّم أو ربما أي إنجاز في هذا العدوان يمكن المدافعة عنه. إلى ماذا يؤشّر هذا الأمر؟

عباس إسماعيل: ما شاهدناه في التقرير يعكس، كما تفضّلتِ، التقويم العام للحرب من وجهة النظر الإسرائيلية. الذي كان يتحدّث بالصوت هو فينوغراد، القاضي فينوغراد الذي كان رئيس لجنة التحقيق، هو الذي كان يقول إن الحرب كانت إخفاقاً وتفويتاً للفرصة. لاحظنا في كلام وزير الأمن الإسرائيلي عامير بيرتز وإيهود أولمرت مسألتين أساسيتين تعكسان الجو العام للحرب: المسألة الأولى: عندما كان بيرتز يقول إنه هو وزوجته في كل صباح كانا يخشيان أن يفتحا الصحف كي لا يقرآ الأخبار السيّئة والتحليلات السيّئة والنقد الكبير جداً الذي كان يوجَّه لقادة الحرب، من ضمنهم بيرتز. المسألة الثانية: إيهود أولمرت، وهو كان يصرخ: ماذا جرى؟ كان يأتي كلامه في سياق حديثه مع كبار المسؤولين الإسرائيليين وكبار القادة الذين كانوا يعكسون جوّاً من الإحباط. هو كان يقول: هل نحن أمام كارثة؟ ما أودّ أن أقوله إنه بالإجمال، المسؤولون الإسرائيليون الذين كانوا يتولَّون قيادة العدوان كان لديهم انطباع قاسٍ جدا عبّر عنه بيرتز عندما قال: كنت أشعر بذلّ لا مثيل له. وبالتالي، الصورة العامة للحرب، التقويم العام للحرب كان تقويماً سلبياً وعكس إخفاقاً من كل أطياف المجتمع الإسرائيلي ومن كل المستويات.

لانا مدوّر: كان هناك إجماع على الإخفاق.

عباس إسماعيل: حتى لا نعمّم كثيراً، ربما كان إيهود أولمرت الوحيد الذي يدّعي أن نتيجة الحرب لم تكن إخفاقاً. ولكن نحن نذكر أنه، على سبيل المثال لا الحصر، علاوةً على تقرير فينوغراد، بعد أربعة أيام من انتهاء العدوان وقف بنيامين نتنياهو في الكنيست خطيباً ليقول..، هو الآن رئيس حكومة طبعا، ليقول: هذه الحرب، سمّوها حرب لبنان الثانية، عكست إخفاقاً إسرائيلياً كبيرا في تشخيص التهديد، في التعامل مع التهديد، وفي إدارة الحرب. نتنياهو الذي هو رئيس حكومة الآن تحدّث عن الإخفاق، كبار القادة تحدّثوا عن الإخفاق، فينوغراد الذي حقّق في الحرب تحدّث عن الإخفاق. ربما باستثناء إيهود أولمرت لأنه كان معنيّاً بأن يُخفي صورة الإخفاق.

لانا مدوّر: أن يبيّض صورته ربما أو يبرّر ما حصل.

سيادة العميد، أيضا بالتقويم العام لهذه الحرب، كما قال التقرير باعتراف إسرائيليين، حزب الله خرج أقوى من هذه الحرب.
ما القدرة العسكرية التكتيكية ربما والاستخبارية التي اكتسبها حزب الله من خلال هذه التجربة في شهر من الحرب مع إسرائيل؟

العميد الياس فرحات: قبل أن نتحدث عن الخبرة نتحدث عن أول الحرب. ظهر حزب الله وهو على جاهزية عالية جدا للتصدّي للهجمات الإسرائيلية، على جاهزية عسكرية في الميدان، في البر، وخصوصا في معركة مارون الراس في أول الحرب وفي بنت جبيل حيث أخفقت أول عملية برّيّة إسرائيلية محدودة باتجاه مارون الراس وباتجاه بلدة بنت جبيل.

لانا مدوّر: أنا سأتحدث بالتفصيل عن هذه المراحل. ولكن أنا أبدأ بالعكس، من الخلاصة لو سمحت.

العميد الياس فرحات: الجاهزية العسكرية، الجاهزية الأمنية إذ تمكّن من حماية مقرّات القيادة، جاهزية القيادة والسيطرة.
القيادة والسيطرة في حزب الله استمرّت فاعلة مدّة 33 يوماً. وهذا هو العامل الأساسي في الانتصار. ووسيلة القيادة والسيطرة كانت الاتصالات. وتقرير فينوغراد كما أشار الدكتور عباس أشار إلى أن الاتصالات هي أكبر العوامل التي أدّت إلى فشل إسرائيل، يقصد نجاح حزب الله. أيضا التكتيك العسكري المتّبَع وهو تكتيك يتراوح بين الحرب التقليدية والحرب الثورية؛ هو منزلة بين المنزلتين. في بعض الأحيان كان حزب الله يستعمل الحرب الثورية وحرب العصابات، وفي بعض الأحيان كان يستعمل التكتيك التقليدي وخصوصا في معارك ضد الدبّابات. هذا الشيء الجديد الذي قدّمه حزب الله في العمليات العسكرية أُدخل ليس فقط في صراع مع إسرائيل، إنما أُدخل إلى المذاهب العسكرية في العالم وبدأ يُدرَّس كحالة في المدارس العسكرية في العالم كيف يكون المزج بين الحرب التقليدية والحرب الثورية. وخرج الأميركيون بنتيجة غير متماثلة.

لانا مدوّر: هل توضح لنا هذه النقطة أكثر؟ نحن لسنا خبراء عسكريين. ماذا تعني الحرب التقليدية والحرب الثورية والمزج بينهما، عملياً أكثر؟

العميد الياس فرحات: الحرب التقليدية هي حرب بين جيوش: مدفعيّة تقصف، مدرّعات ومشاة تتقدّم، ويحصل إطباق ويحصل احتلال والتفاف. هذه تدرَّس في كل المدارس العسكرية في العالم. الحرب الثورية هي نوع من الغارات تقوم على غارات وعلى كمائن بشكل مفاجئ وفي أوقات غير متوقّعة لدى العدو. مزج بين الاثنين. على صعيد الدفاع كان دفاع حزب الله من نوع يسمّونه الدفاع المستميت أي يحتلّ خطّا معيّنا ولا يمكن أن يتراجع عنه إلّا بموت المقاتل. هذا نوع من أنواع القتال التقليدي الذي حصل في الحرب العالمية الأولى والثانية. لكن في مناطق أخرى، أكرّر، حصل التحام مع الجيش الإسرائيلي بعمليات خاصة قامت بها قوّات حزب الله بالتفافات معيّنة على بعض المواقع الإسرائيلية. ثم سلاح الصواريخ، وهو سلاح لم يُستخدَم بهذا الشكل بعد في الحرب الحديثة، أدّى أيضا إلى خلق مشكلة لإسرائيل، مشكلة الجبهة الداخلية، على الأقل في قسم من حيفا وشمالا حتى الحدود اللبنانية كانت هناك مشكلة جديدة لإسرائيل لم تعتد عليها منذ إنشائها عام 1948 وهي مشكلة الجبهة الداخلية: مَن يطفئ النار المشتعلة، مَن يُخلي الجرحى، مَن يفتح الطرق، مَن يهدّئ من روع السكّان. كلها مسائل لم تكن مطروحة من قبل قدّمها حزب الله. وأدّى ذلك إلى تعديل في تنظيم الجيش الإسرائيلي وأنشئت قيادة هي قيادة العمليات الداخلية إضافة إلى القيادات الأخرى مثل الشمالية والجنوبية والضفة الغربية.

لانا مدوّر: دكتور عباس، ماذا يعني أن يتحدث هؤلاء الآن بعد كل هذا الوقت؟ القادة العسكريون الذين قادوا هذه الحرب، ويتحدثون بهذا الانكسار. لماذا بعد كل هذا الوقت يتم الحديث بهذا الشكل؟

عباس إسماعيل: في الحقيقة، حديث ثلاثي العدوان، إذا صحّ التعبير...

لانا مدوّر: فلنسمِّهم ثلاثي العدوان في هاتين الحلقتين.

عباس إسماعيل: ثلاثي العدوان. جاء في سياق فيلم وثائقي على حلقتين مدّته تقريبا 120 دقيقة.

لانا مدوّر: نحن اخترنا بعض المقتطفات لنعرضها في حلقتين. هذه إشارة مهمّة للمشاهدين. ستكون لدينا هذه الحلقة وحلقة الأسبوع المقبل. تفضّل.

عباس إسماعيل: ربما عنوان التحقيق يختصر الجواب عن السؤال الذي تفضّلتِ به. هو "حرب واحدة: ثلاث روايات".
أراد مُعِدّ التقرير وهو رفيف دروكر، أحد أشهر الصحافيين الذين يعملون في مجال الصحافة التحقيقية ولديه جرأة كبيرة في مواجهة المسؤولين الإسرائيليين. أراد أن يُبرز أن في هذا العدوان، الثلاثي الذي قاده كل واحد منهم لديه روايته. وبالتالي، كان كل مسؤول من الثلاثي الذي قاد العدوان معنيّا بأن يقدّم الرواية الخاصة به. لذلك، في سياق التقرير جاءت الروايات متضاربة متناقضة تنطوي على اتهامات متبادلة. كل مسؤول أو قائد أو زعيم من هؤلاء الثلاثة كان يريد أن يعيد الاعتبار إلى شخصه لأنه شُخّص في إسرائيل باعتباره أحد أسباب الهزيمة، أحد أسباب الفشل. ولا ننسَ أن الثلاثي استقالوا بشكل متتالٍ، واستقالة كل واحد منهم لها علاقة بالإخفاق الذي حصل.

لانا مدوّر: ورتّب تداعيات على حياتهم السياسية والعسكرية أيضا.

عباس إسماعيل: صحيح. وبالتالي، هم حاولوا أن يقدّموا رواية بالحد الأدنى تخفّف من التداعيات السلبية على دورهم في هذا العدوان.

لانا مدوّر: ما رأيكم بأن نذهب لنستمع إلى رواية أولمرت حول بداية هذه الحرب. كيف تلقّى الخبر. سنعود بالزمن إلى الوراء. يوم الأسر، يوم العملية على الحدود الشمالية، كيف إذاً تلقّى رئيس الحكومة حينها إيهود أولمرت نبأ العملية إضافة إلى وزير الأمن عامير بيرتز يتحدث في هذا المقطع ورئيس هيئة الأركان دان حالوتس. نشاهد سوية:

 

تقرير بالعبرية

 

لانا مدوّر: إذاً هذا كان كلام الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله. حدّد الخطوط العامة لاستعادة الجنديين.

سيادة العميد، بما أننا شاهدنا في هذا المقطع صور العملية التي عرضتها "الميادين" بشكل حصري وللمرة الأولى، لنتذكّر معك كيف كانت المقاومة خطّطت لهذه العملية، كيف جهّز حزب الله لأسر هذين الجنديين ومدى دقّة هذه العملية في التنفيذ والتخطيط.

العميد الياس فرحات: سبق للأمين العام لحزب الله أن وعد في خطب عديدة بأنه لن يترك أسراه. وكان يتابع هذا الوعد.
وقبل نحو ستة أشهر من حرب تموز قامت مجموعة من المقاومين باقتحام قرية الغجر، القسم الإسرائيلي من قرية الغجر بغية اختطاف جنود إسرائيليين ومبادلتهم بالأسرى اللبنانيين. لكن العملية فشلت لأسباب عديدة واستشهد بعض الذين قاموا بهذه العملية. هذا يدلّ على أنه في فكر قيادة حزب الله وقيادة المقاومة شنّ عملية لاختطاف جنود من أجل الإفراج عن الأسرى اللبنانيين المحتجزين في السجون الإسرائيلية. لذلك كانت العملية مخطّطة، إمّا حيث جرت وإمّا في أمكنة أخرى أيضا.
عادةً التخطيط يكون في أماكن عديدة ويتم اختيار اللحظة المناسبة والمكان المناسب. إنما موضوع تحوّل هذا الخطف أو الأسر لعسكريين إسرائيليين إلى حرب فأنا أجزم بأن حزب الله كان يحضّر تماما لمواجهة عسكرية شاملة مع إسرائيل، لأن ما بدر من حزب الله ومن المقاومة من أداء عسكري ولوجستي وأمني وخصوصا عندما قال أمين عام حزب الله في منتصف الحرب:
لا نريد شيئا من أحد، هذا يدلّ على أنه مكتفٍ ذاتيّا ومحضِّر تحضيراً تامّاً لأيّة مواجهة مع إسرائيل. كان يحسب حساباً أنه يمكن للإسرائيلي أن يحوّل أيّة حادثة إلى حرب كبيرة.

لانا مدوّر: أي أن يتّخذها ذريعة.

العميد الياس فرحات: نعم. وما جرى بالإعلان الإسرائيلي أن العملية هي لإنقاذ وإطلاق سراح الأسيرين وردود الفعل الدولية التي طالبت، خصوصا ممثّل الأمين العام للأمم المتحدة في لبنان غير بدرسون الذي عقد مؤتمراً صحافياً طالب فيه حزب الله بإعادة الأسيرين من دون أي ذكر للأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية. وهذه نقطة كانت فارقة في أداء الأمم المتحدة في لبنان. حزب الله في موضوع التبادل كان جاهزاً لعملية تبادل لأنه سبق له أن أجرى عملية تبادل بالوسيط الألماني من قبل.

لانا مدوّر: صحيح.

العميد الياس فرحات: إنما في موضوع الحرب كان يتحسّب. ولذلك، تحسّبه التام وحذره التام وجاهزية القوى التامّة في حزب الله كانت عاملاً أساسياً في صدّ العدوان الإسرائيلي. إسرائيل في الأهداف التي سُرّبت كانت تريد الاحتلال إلى الليطاني وخلق مشكلة استمرّت منذ عام 1978 حتى عام 1990 إلى إعادة الزمن إلى الوراء. كانت تفكّر أيضاً في نزع سلاح المقاومة.
وهذا الشعار رفعه بعض الأطراف في لبنان والدول العربية.

لانا مدوّر: صحيح. كان هناك جدل كبير حول هذا الأمر: إذا كان هناك فعلاً تحضير إسرائيلي لعملية ما استبقها حزب الله عبر الأسيرين ربما، كما حُكي في وقتها، أو أن حزب الله دفع لبنان إلى حرب لم يكن من وارد أو من جدوى لها.

العميد الياس فرحات: بالتأكيد، العملية الجوية الإسرائيلية تتطلّب على الأقل ثلاثة أشهر من التحضير، على الأقل.

لانا مدوّر: عسكرياً هكذا. المنطق هكذا.

العميد الياس فرحات: عسكرياً.

لانا مدوّر: أي لا يمكن بين ليلة وضحاها أن يخرج سلاح الجو الإسرائيلي ويقوم بطلعات.

العميد الياس فرحات: لا لا. خطة عمليات تتطلب على الأقل ثلاثة أشهر للقوى الجوية لكي تحدّد الأهداف، تستلمها من المخابرات العسكرية "أمان" وتحدّد أين هي الأهداف وما هي الطائرات ومن أين تُقلع الطائرات ومَن سيقصف وبأي نوع من الأسلحة. هذا أمر عمليات تخطيطي يتطلب وقتاً طويلاً. إسرائيل كانت تخطّط لعملية ضد لبنان واستغلّت هذا الظرف المناسب وعملية الأسر لكي تبدأ بتنفيذ خطة أعدّتها مسبقاً.

لانا مدوّر: هو لم يكن ظرفاً مناسباً عسكرياً، إذا صحّ التعبير، إنما كان ذريعة. ربما لم تكن جاهزة جاهزيّة كاملة كما قيل وقتها. لا أدري إذا كان صحيحاً.

العميد الياس فرحات: هنا يكون خطأ القيادة السياسية. هنا لجنة فينوغراد قالت: الخطأ على رئيس الحكومة ووزير الدفاع ورئيس الأركان بسبب عدم اختيار اللحظة المناسبة. هل نصدّق أن عملية اجتياح لبنان سنة 1982 والوصول إلى بيروت كان بسبب إطلاق النار على سفير أو دبلوماسي إسرائيلي؟ طبعا هذا لا يصدّقه أحد.

لانا مدوّر: دكتور عباس، قال دان حالوتس إنهم كانوا يبحثون في تحقيق عن تصفية قادة حماس، وكان شاليط في وقتها أسيراً.
لو نستعيد معك الأجواء السياسية التي كانت تمرّ بها إسرائيل عشيّة هذه العملية.

عباس إسماعيل: كانت إسرائيل لا تزال...

لانا مدوّر: مشغولة بجبهة مع حماس.

عباس إسماعيل: تعيش صدمة أسر جلعاد شاليط. وأيضاً كانت في وارد القيام بأعمال انتقامية ضد المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة. في صبيحة اليوم كان هناك هجوم إسرائيلي، اعتداء إسرائيلي على اجتماع لقيادات من حماس. وكانت محاولة لاغتيال محمد ضيف. وهذه النتيجة لم تفشل. فيما كانت القيادة الإسرائيلية ... تبحث هذا الموضوع، القيادة العسكرية، كان أولمرت يجتمع مع عائلة شاليط لكي يبرّر ما حصل ويهدّئ من روعهم.

لانا مدوّر: صحيح، كما شاهدنا.

عباس إسماعيل: لذلك، حديث أولمرت عن أنه عندما أُدخلت إليه قصاصة الورق التي فيها أن هناك عملية أسر، قال: قرأتها مرة واثنتين وثلاثا وأربعا، وقام بعمل غير مألوف بأن مرّر الورقة إلى أهل شاليط. هو مرّرها لكي يقول لهم: الآن نحن أمامنا مصيبة جديدة. لسنا فقط في وارد موضوع شاليط، أو أيضا نتيجة الصدمة التي حصلت. كان لافتا أيضا حديث حالوتس عن الاهتزاز وعن الصدمة التي أصابت قيادة المنطقة الشمالية، قيادة الجبهة الشمالية. هو تحدّث مع قائد الجبهة أودي آدم وتحدّث مع قائد الفرقة 91 جال إيرش الذين هم معنيون بالحرب والعدوان على لبنان. عكس أجواء الإرباك، أجواء الصدمة.

لانا مدوّر: لم تكن هناك حتى معلومات استخبارية عن أنه من الممكن لحزب الله أن يحضّر لعمل ما على الحدود. ثبت أنه حتى المعلومات الاستخبارية كانت غير موجودة أو ليست في يد الإسرائيليين.

عباس إسماعيل: ربما شدّة الصدمة على القادة الإسرائيليين هي نتيجة أن الكل في إسرائيل كان يتوقع أن حزب الله سوف يقوم بعملية أسر. حزب الله قال جهاراً نهاراً كما يقال، عدة مرات قال، في كل مناسبة...

لانا مدوّر: هدّد.

عباس إسماعيل: لن نترك أسرانا في الأسر وسوف نشنّ عمليات. وكما ذكر العميد كانت هناك عملية الغجر من قبل. على الرغم من كل الاستعدادات الإسرائيلية وعلى الرغم من كل التحضيرات الإسرائيلية وعلى الرغم من كل السيناريوهات التي تدرّبت عليها الوحدات العسكرية الإسرائيلية المنتشرة على الحدود مع لبنان، نجح حزب الله في عملية الأسر. عملية الأسر بحدّ ذاتها، قرار العملية وتنفيذه ليس مفاجئاً للإسرائيليين. كانت الصدمة نجاح العملية على الرغم من كل الاستعدادات والتحضيرات الإسرائيلية. وأيضا كانت هناك صدمة نتيجة الخسائر التي لحقت بالجيش الإسرائيلي أيضا في الدقائق التي تلت العملية عندما حاولت دبابة الميركافا التغلغل وأيضا تعرّضت لعبوة ناسفة قُتل فيها أيضا أكثر من أربعة جنود. إذاً، كل هذه الأجواء عكست بالنسبة للإسرائيليين واقعاً مربكاً مع بداية الحرب. هذا الواقع المربك استمر حتى اليوم الأخير من العدوان.

لانا مدوّر: وخرق في الجيش الإسرائيلي. هذا خرق في الاستعدادات. لأنه، كما قلت، كانت هناك استعدادات كبيرة. هذا ظهر أكثر ربما مع هذه العملية، عملية الأسر. سنتابع بعد الفاصل لنتحدث عن العملية كما رواها ثلاثي الحرب كما أسميته دكتور عباس. كيف بدأت؟ ما الأهداف التي بدأت منها؟ وكيف استمرت؟ وإلى أين وصلت؟ بعد الفاصل، مشاهدينا. ابقوا معنا.

 


الجبهة الداخلية تحت النار وبيرتس يتوعد السيد نصرالله ويبحث عن صورة النصر

الجبهة الداخلية تحت النار وبيرتس يتوعد السيد نصرالله ويبحث عن صورة النصر

لانا مدوّر: أهلا بكم من جديد مشاهدينا إلى هذه الحلقة الخاصة من "خلف الجدار". نتحدث فيها عن حرب تموز، ونستعرض طبعا شهادات لقادة الحرب. يتحدثون على التلفزيون الإسرائيلي. إذاً كنا وصلنا إلى بداية العملية، إسرائيل وضعت نصب أعينها تدمير المنظومة الصاروخية لحزب الله، للمقاومة. كان هذا ما تريده بالدرجة الأولى. كيف كانت الساعات الأولى لهذا العدوان؟ نشاهد سوية:

 

تقرير بالعبرية

 

لانا مدوّر: يقول دان حالوتس إن 95 بالمئة من منظومة فجر قد دُمّرت، استُهدفت، إنما الصواريخ الأخرى لم يستطيعوا أن يدمّروها. إلى أي مدى هذه المعلومة دقيقة، سيادة العميد؟ وكنت تقول إنه ليست لدى إسرائيل معلومات استخبارية حتى عن أماكن وجود الصواريخ. كان هناك إخفاق؟

العميد الياس فرحات: من الواضح أنه كان هناك إخفاق. وأكثر مظهر من مظاهر الإخفاق هو في اليوم الثلاثين للحرب:
انطلقت رشقة صواريخ من موقع اللبونة، وهو على بُعد كيلومترين من إسرائيل، باتجاه شمال إسرائيل. فكان ذلك مفاجأة كبيرة للإسرائيليين أنهم لم يتحسّبوا أبدا أن يكون على الخطوط الأمامية وأمامهم مباشرةً لا تزال هناك صواريخ تُطلق باتجاه الأراضي الإسرائيلية. لذلك، المعلومات الاستخبارية الإسرائيلية فعلا كانت في مشكلة كبيرة. وهذه الأرقام، 95 بالمئة، هذه أرقام من نسج السليقة وليست مبنيّة على معلومات صلبة ويمكن الأخذ بها. كيف استطاع حزب الله لمدة 33 يوماً أن يستمر بإطلاق الصواريخ؟ هذا سؤال لم تستطع المؤسسة العسكرية الاستخبارية الإسرائيلية بكل فروعها أن تضع له جواباً. وأين هي صواريخ حزب الله؟ أين مصانعها؟ كيف تُنقَل؟ كيف تُضرَب؟ أنا أرجّح أنه يمكن أن تكون أصيبت بعض المنصّات أثناء القتال لأن الآلة العسكرية الإسرائيلية وخصوصا الرادارات والطيران والطائرات من دون طيّار متقدّمة جدا وترصد أرض المعركة بكاملها. لكن على الرغم من كل هذا التقدّم التقني الإسرائيلي في مجال رصد أرض المعركة وإطلاق النار بالصواريخ على بعض المنصّات، إلّا أن معظم المنصّات بقيت تعمل حتى آخر يوم من أيام الحرب. أمّا موضوع المخزون فلا أحد يستطيع أن يعطي هذا الجواب. نذكر أن الأمين العام لحزب الله بعد انتهاء الحرب وإعلان وقف إطلاق النار أو وقف الأعمال العدائية كما أُعلن رسميا بنحو شهر أو شهرين قال إن لدينا 50 ألف صاروخ. هذا هو أكبر ردّ على دان حالوتس عندما قال إن 95 بالمئة من صواريخ فجر. كما أن هناك أيضا تنوّعاً في شبكة الصواريخ، لأنه نعرف نحن أن الصواريخ البعيدة المدى هناك احتمال أن تتعرّض لنيران الصواريخ المضادّة للصواريخ من داخل إسرائيل، من شبكة الدفاع الجوّي المعروفة بالقبّة الحديدية.

لانا مدوّر: صحيح.

العميد الياس فرحات: لكن صواريخ المدى المتوسط والقصير أي من 20 إلى 40 كيلومتراً من الصعب اختراقها. ولاحظنا أن منطقة شمال إسرائيل من حيفا وشمالاً تهجّرت كلّيّاً أو جزئيّاً خلال فترة الحرب. وإسرائيل عانت لأول مرة في تاريخها من مشكلة نازحين في الداخل.

لانا مدوّر: دكتور عباس، لافت في هذا التقرير تنوّع الأهداف. كان الهدف استعادة الجنديين وإذ هناك هدف قصف صواريخ ومنصّات إطلاق الصواريخ لحزب الله وإضعاف قدراته. هل شكّل هذا الأمر أية علامة استفهام في الداخل الإسرائيلي؟

عباس إسماعيل: ما تطرّق إليه التقرير يتعلق بما سُمّي في إسرائيل بعملية الوزن النوعي. وعملية الوزن النوعي هو الاسم الذي أطلقه الجيش الإسرائيلي على ما قال إنه استهداف للصواريخ المتوسطة المدى التي كانت لدى حزب الله. في إسرائيل تم الترويج باعتبار أن هذه العملية هي درّة التاج بالنسبة للعمل العسكري الإسرائيلي والإنجاز الوحيد الذي يتحدث عنه القادة العسكريون والقادة السياسيون في كل إسرائيل من هذا العدوان هو ما سمّوه الوزن النوعي. ولكن لا يوجد أي دليل ولم يقدّم المسؤولون الإسرائيليون لا في المستوى السياسي ولا في المستوى العسكري، لم يقدّموا أي دليل يدعم ما يذهبون إليه من أنهم دمّروا منظومات الصواريخ، من أنهم دمّروا 95 بالمئة من هذه الصواريخ، من أنهم، كما قال أولمرت، ضربوا 68 هدفاً في غضون أربع ساعات. نذكر أن السيد حسن نصر الله في كلمة خاصة كرّسها فقط للحديث عن الوهم النوعي كما سمّاه، قال إن ما يقوله الإسرائيليون عن وزن نوعي إنما كان مصيدة وضعها حزب الله للطائرات الإسرائيلية التي قصفت أهدافا وهمية. لذلك هو سمّاها بأن هذه العملية كانت عملية الوهم النوعي. وبالتالي، القول إن هذه العملية حقّقت نجاحها ليس هناك ما يدعمها. هذه مسألة. المسألة الثانية هي أن حالوتس الذي تباهى في التقرير بإنجازات هذا العمل لم يكن في الأساس من أنصاره أي من أنصار هذه العملية. حالوتس في اليوم الأول، التوصية التي خرج بها حالوتس بعد أن جمع القادة العسكريين وفرض عليهم وجهة نظره، التوصية التي كان يريدها هي الذهاب نحو تدمير البنى التحتية اللبنانية، وكما قال: إعادة لبنان 20 عاماً إلى الوراء. في التقرير نفسه في أماكن أخرى، أولمرت يقول إنه رفض هذا الأمر. الذي اقترح ضرب الصواريخ هو بيرتز وليس حالوتس.
حالوتس ذهب باتجاه الوزن النوعي لأنه بالنسبة له عملية الوزن النوعي كان يعتقد أنها من جهة تتلاءم مع خلفيّته العسكرية باعتباره قادماً من سلاح الجو، ومن جهة ثانية قد تقدّم إلى الرأي العام الإسرائيلي وإلى الإسرائيليين إنجازاً سريعاً. ولكن هذا الإنجاز، على الرغم من أن الإسرائيليين يتمسّكون به، إلّا أن الإسرائيليين لم يقدّموا أي دليل. وأنا أركّز على كلمة أي دليل لأننا اعتدنا أن الإسرائيليين إذا قصفوا سيارة يعرضون أفلاماً، إذا نجحوا في اغتيال قائد أو مقاوم في غزة أو في لبنان يبذلون كل ما لديهم لكي يُقنعوا رأيهم العام. هذه العملية بالذات التي يدّعون أنها كانت قمّة الإنجازات لم يقدّموا حتى للرأي العام الإسرائيلي...

لانا مدوّر: قدّموا صوراً من الطائرات الحربية تقصف أهدافاً.

عباس إسماعيل: صور تقصف منازل. هم قصفوا منازل.

لانا مدوّر: ولكن ليس أكيداً أن فيها صواريخ.

عباس إسماعيل: لا خلاف على أنهم قصفوا منازل وأنهم دمّروا منازل. وبالتالي، هذا لا نقاش فيه. ونقطة ثانية لافتة أيضاً هي أنهم قاموا بهذه العملية على الرغم من إدراكهم بأنها قد تؤدّي إلى مقتل مئات المدنيين اللبنانيين. والمثير للتساؤل هنا أنهم أخذوا موافقة المستشار القضائي للحكومة.

لانا مدوّر: ماذا يعني هذا الأمر؟ أخذوا غطاء قانونياً؟

عباس إسماعيل: "فيك الخِصامُ وأنتَ الخصمُ والحَكَمُ". رئيس الحكومة أولمرت، كي يقول إنه مرتاح الضمير، استدعى المستشار القضائي للحكومة ووافق المستشار القضائي للحكومة. وهذا كثيرا ما نلاحظه أيضاً في العدوان على قطاع غزة.

لانا مدوّر: سيادة العميد، لافت في هذا التقرير الحديث عن الساعات الأولى للعدوان. عسكريّاً، نريد أن نفهم منك، ماذا تعني الساعات الأولى؟ عندما يخرج القادة، يتحدثون عن إنجازات، بالنسبة للإسرائيلي أية معنويات اكتسبها ربما في هذه الساعات الأولى، في هذه الأيام الأولى وإلى حين بدأت تظهر إنجازات المقاومة أكثر؟

العميد الياس فرحات: هناك كلمة للماريشال فوش: يجب أن نتعلّم الكثير لنستطيع القليل. لا مجال للدرس أثناء القتال.
هنا الصدمة: عملية قتل ثلاثة إسرائيليين وأسر اثنين وتدمير آليتين كانت صدمة للقيادة الإسرائيلية وللثلاثي الذي جاء به التقرير. في هذه الصدمة تعلّموا الكثير، لكن أي قليل يريدون أن يقوموا به؟ هنا كان الإرباك. لا مجال للدرس، لا مجال للتخطيط، يجب أن تكون هناك ردّة فعل. خطط الطوارئ الموجودة لدى القيادة الإسرائيلية أصبحت مرتبكة. القيادة ارتبكت في أية خطة..
هل تتّكل على القوّات الجوية، والخطط الجوية جاهزة ومحضّرة منذ زمن طويل؟ أو خطط عمليات برّيّة؟ أو الجمع بين الاثنين؟ أو المفاوضات الدبلوماسية والدولية؟ أو تحريك الوضع في المنطقة؟ فلم يكن هناك قرار حاسم إسرائيلي وكان واضحاً الارتباك الإسرائيلي في لحظة حصول العملية. فيما في الجانب المقاوم كان هناك نوع من الراحة أن الأمين العام لحزب الله قال: مفاوضات غير مباشرة وتبادل، وأن افعلوا ما تريدون. نحن جاهزون، المقاومة جاهزة. وفعلا كانت جاهزة لكل الاحتمالات.

لانا مدوّر: بعد هذه الساعات الأولى، كما قلنا، استعاد حزب الله زمام المبادرة بقصف مباشر للمدن الإسرائيلية. كان الهجوم المضادّ صعب التصديق على الإسرائيليين، في وقت كانت فيه أحلام المسؤولين تتخطّى ما يمكن تحقيقه في الواقع. نشاهد:

 

تقرير بالعبرية

 

لانا مدوّر: إذاً، كان عامير بيرتز خصوصاً يريد الانتقام. حتى عندما قال إنه.. لا أدري إذا تم الانتباه إليه، إنه سيجعل السيد نصر الله لا ينسى اسم عامير بيرتز. هذا ما سُرّب، كما كُتب في الصحف الإسرائيلية.
سيادة العميد، في المفهوم العسكري إذا ما قارنّا بين قيادات المقاومة: العسكرية، الإعلامية، القيادية، الشخصية الكاريزمية، والقيادات الإسرائيلية الأخرى، كيف يمكن المقارنة في ما بينها بالأسلوب وبالصفات وبقيادة الحرب؟

العميد الياس فرحات: ذلك يعود في النهاية إلى ما تفضّلت به وقلت إن حزب الله عاد واستعاد المبادرة. حزب الله منذ اليوم الأول، وخصوصا صدمة العملية، كان مرتاحاً والمبادرة بيده. صحيح أنها مبادرة دفاعية. لم يكن مخطط حزب الله الهجوم إلى الداخل الإسرائيلي، إنما كان يخطّط للدفاع عن لبنان من أي هجوم إسرائيلي والدفاع عن نفسه وعن المقاومة وعن الشعب اللبناني. كانت دائماً المبادرة في يده، وكانت دائما له سيطرة على قوّاته.

لانا مدوّر: أنا أقصد المبادرة الهجومية أي بالصواريخ. لأنه سنشاهدها في ما بعد بقصف البارجة الإسرائيلية.

العميد الياس فرحات: في المقارنة، كان هناك عدم وضوح في الهدف الحقيقي للقيادة الإسرائيلية الثلاثية. فهل هي القضاء على حزب الله والبنى التحتية والعسكرية لحزب الله؟ طبعا هذا كان أحد الأهداف. أو هي الوصول إلى الليطاني وخلق منطقة أمنية مماثلة للّتي خُلقت في عملية الليطاني في آذار 1978؟ أو هي عملية تأديب وضرب للبنى التحتية وإثارة الشعب اللبناني ضد حزب الله عندما يكون جسر المدفون مثلا مدمّراً وجسر المعاملتين مدمّراً؟ أي في مناطق بعيدة عن أجواء الحدود الإسرائيلية.

لانا مدوّر: هي في الوسط.

العميد الياس فرحات: فلم يكن لديهم هدف واضح، أي القادة الثلاثة، سوى أنهم كانوا يشعرون بأن لديهم تفوّقاً عسكرياً تكنولوجياً كبيراً. لديهم أحدث الطائرات وأحدث الصواريخ وأحدث الرادارات ويمكنهم إصابة أهداف في العمق اللبناني. هذا الترف في القوة العسكرية حرمهم من تحديد هدفهم بوضوح في أية عملية عسكرية سوف يقومون بها: إمّا عملية محدودة ضد مارون الراس أو عملية ضد بنت جبيل أو بعدها محاولة اختراق من وادي الحجير. كل هذه الأمور جعلت الخطة الإسرائيلية تتبدّل في أذهان القادة الإسرائيليين مرارا خلال فترة الحرب، فيما في الجانب المقابل عند حزب الله وقيادة المقاومة كانت هناك خطط طوارئ واستعداد للتصدّي لأي تغيّر إسرائيلي. وهذا ما حصل في كل العمليات.

لانا مدوّر: تحضير لكل السيناريوهات.

العميد الياس فرحات: كان هناك تحضير لكل السيناريوهات التي يمكن أن تبدّلها إسرائيل على وقع الواقع الدولي. نحن لا ننسى أن هذا العدوان كان له وقع دولي من كوندوليزا رايس التي جاءت إلى لبنان خلال العدوان.

لانا مدوّر: واجتمعت بأفرقاء لبنانيين.

العميد الياس فرحات: طبعا، هذا إعلان ولادة الشرق الأوسط الجديد. هذا يعني أن هناك اتصالاً أميركياً كبيراً في هذه العملية وليست وحيدة من قِبل إسرائيل.

لانا مدوّر: دكتور عباس، في أقل من دقيقتين ربما، هل الجبهة الداخلية كانت حاضرة لحرب كهذه؟ لأننا شاهدنا مشاهد من الجبهة الداخلية، كيف كان هناك هلع لدى السكان.

عباس إسماعيل: تقرير فينوغراد حسم النقاش في هذا الموضوع أن الجبهة الداخلية لم تكن حاضرة. وصواريخ المقاومة كانت هي التي حسمت هذا الحسم إذا صحّ التعبير. وما قاله المستوطن الإسرائيلي بأنه ليس فقط جنديان إسرائيليان هما أسيران إنما كل (دولة إسرائيل)، بين هلالين، كانت أسيرة. الجبهة الداخلية كانت البطن الرخوة في كل ما حصل. الجبهة الداخلية كانت هي المرة الأولى التي تظهر فيها بهذا الضعف والتي تنكشف فيها أمام صواريخ المقاومة، للمرة الأولى التي كانت فيها الجبهة الداخلية في إسرائيل هي ساحة الحرب طوال مدة الحرب. لأننا نعرف أن النظرية الأمنية الإسرائيلية تقوم دائما على مبدأ نقل المعركة إلى أرض العدو. في عدوان تموز لم تغادر، لن ينجح الإسرائيليون في أن ينقلوا هذه المعركة إلى غير أرضهم. وبالتالي، بقيت الجبهة الداخلية طوال هذه الفترة ساحة حرب وأيضا كانت موضع انتقاد كبير جداً في إسرائيل خصوصاً أن هناك بعض المبادرات التي قام بها بعض المتموّلين الذين قاموا بنقل المستوطنين. كان هناك أيضا تركيز على أن ما شهدته الجبهة الداخلية شكّل مصداقاً قويّاً لما قاله السيد نصر الله في بنت جبيل عن أن إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت. وبالتالي، هذا التعبير استفزّ الإسرائيليين كثيراً لدرجة أنه...

لانا مدوّر: بيرتز كان يريد أن يردّ عليه.

عباس إسماعيل: بيرتز كان يودّ لو أنها تتاح له فرصة أن يعود إلى بنت جبيل لكي يُلقي خطاباً هناك فقط لكي يردّ على خطاب السيد نصر الله في ما خصّ موضوع بيت العنكبوت. هذا المصطلح شكّل عقدة للإسرائيليين. لا يزال حتى الآن المسؤولون الإسرائيليون يعملون على أن يتجاوزوا هذه العقدة بمحاولة إثبات العكس. ولكن في كل مرة لا يُكتَب لهم النجاح حتى الآن في هذا الموضوع.

لانا مدوّر: سريعا سيادة العميد.

العميد الياس فرحات: بدقيقة واحدة. هو مشهد عُرض وقت الحرب: مستوطن إسرائيلي هرب من سديروت إلى نهريّا.
وعندما شُنّت حرب تموز عاد فهرب مرة ثانية من نهريّا. فكانت صورته وكلامه عبر التلفزيون معبّرة جدا عن الواقع الإسرائيلي الجديد على الجبهة الداخلية: يفرّون من نيران المقاومة في غزة إلى نيران المقاومة في جنوب لبنان.

لانا مدوّر: هذا ما وحّد المقاومتين.

عباس إسماعيل: بين نارين.

العميد الياس فرحات: بين نارين.

لانا مدوّر: نحن مع هذه الملاحظة سنختم الحلقة الأولى الاستثنائية من "خلف الجدار" التي نخصّصها لعرض شهادات قادة الحرب، عدوان تموز 2006 على لبنان: رئيس الحكومة آنذاك إيهود أولمرت، وزير الأمن حينها عامير بيرتز، ورئيس هيئة الأركان حينها دان حالوتس. إذاً هذه الحلقة تنتهي، ولكن لدينا حلقة أخرى لأن هناك مزيداً من الشهادات يتحدثون فيها عن ضرب البارجة الإسرائيلية والمفاجأة التي شكّلها حزب الله بهذا الإعلان، وأيضاً عن أمور أخرى خصوصاَ الخلافات بين القيادات العسكرية وهي لافتة جدا. إذاً سنكون مع هذه العناوين في الحلقة المقبلة من "خلف الجدار"، مشاهدينا، مباشرةً من موقع مليتا. شكراً لمتابعتكم، وإلى اللقاء.