خلف الجدار

البرنامج يطلّ على الداخل الإسرائيلي، ليسّلط الضوء على القضايا الداخلية الإسرائيلية، السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية والاستراتيجية. المحرّك الأساسي لهذا البرنامج هو من خلال رصد تعامل الإعلام المرئي والمسموع مع أبرز قضايا الداخل المتعلقة بالإسرائيليين وكذلك الأمر بالفلسطينيين أصحاب الأرض.

19-06-2015

توظيف إسرائيلي لورقة الدروز في سوريا واستباق لتقرير لجنة حقوق الإنسان حول الجرف الصُلب، ومروان مخول إلى الاستجواب والتهمة : زيارة ُ بيروت، أما أونلاين، فبعد اعتقال دام ستة أشهر ، الفراشة الى الحرية.

المحور الأول

في العمق: الموضوع الأوّل: التوظيف الاسرائيلي لورقة الدروز في الجنوب السوري سيناريوهات التدخل الاسرائيلي، دوافعه واهدافه - الموضوع الثاني: اسرائيل تستبق تقرير لجنة حقوق الانسان بحملة عنيفة وتقرير تضليلي - الموضوع الثالث : اتساع الشرخ الثقافي داخل اسرائيل
المحور الأول

لانا مدوّر: أهلا بكم إلى "خلف الجدار".

تهديد المتطرفين للدروز في سورية تتناوله إسرائيل بين القلق والاستثمار، كما تتحضّر لمواجهة تقرير حقوقي إنساني يدين ممارساتها في غزة. في وقت تشتد فيه الحرب الكلامية بين اليمين والمثقفين اليسار. ومن المثقفين نستقبل مروان مخّول في حديث عن رفض اليمين المتطرف زيارته بيروت. كما ستكون معنا الأسيرة المحررة لينة خطّاب بعد إطلاقها في فقرة "فلسطين أونلاين".

إذاً هذه هي موضوعات "خلف الجدار" لحلقة الليلة. والآن نبدأ مع بعض الأخبار:

بعد إعلان انطلاقتها، أصدر رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو تعليمات بالعمل على منع القناة الجديدة للسلطة الفلسطينية "فلسطين 48" في مدينة الناصرة. القناة التي كان من المقرّر أن تبدأ بثّها الأسبوع الماضي يبحث نتنياهو في الطعن بقانونيتها.

وخلافا للتوقعات، تراجعت هجرة يهود فرنسا إلى إسرائيل بنسبة 19 بالمئة بعدما سجّلت موجات الهجرة في فرنسا في العام الماضي أرقاما قياسية.

وفي موضوع لافت، شارك الرئيس الإسرائيلي رأوفين رفلن في احتفال نظّمته السفارة الأردنية في إسرائيل بالذكرى التاسعة والستّين لاستقلال الأردن. وأكّد أنه منذ توقيع معاهدة السلام يتزايد التعاون بين إسرائيل والأردن سنويا في المجالات كافة.

وفي موضوع قانوني، مدّدت الكنيست الإسرائيلية سريان قانون المواطنة الموقّت والمعروف بقانون منع لمّ شمل العائلات الفلسطينية الذي يمنع الفلسطينيين من داخل الخط الأخضر والمتزوجين من مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة من العيش مع عائلاتهم داخل إسرائيل.

وفي خبرنا الأخير، كشف خبراء إسرائيليون أن مجموعة Hackers إيرانية شنّت هجمات إلكترونية على إسرائيل ونجحت في الحصول على معلومات حسّاسة من قرابة 40 جهة إسرائيلية بينها جنرالات متقاعدون وشركات أمنية.

إذاً هذه هي الأخبار التي اخترناها لكم في بداية حلقة "خلف الجدار" لهذه الليلة. الآن نذهب الى النقاش.

                                                       

لانا مدوّر: يبدو الاهتمام الإسرائيلي بحماية الدروز لافتا. ففي الآونة الأخيرة ومع التهديدات التي يتلقّاها دروز الجنوب السوري بدت إسرائيل قلقة وخرج بعض قادتها ليعلن أنه سيحمي الدروز. حتى الدروز داخل إسرائيل كانت لهم مواقف تحثّ الدولة العبرية على حماية أبناء طائفتهم في الجزء الذي يهدّده داعش وجبهة النصرة. إذاً، عن موقف إسرائيل من الدروز وماذا تريد منهم نتحدث الآن في الفقرة الأولى من "خلف الجدار" مع الدكتور عباس إسماعيل، المتخصص في الشأن الإسرائيلي. أهلا بك دكتور عباس.

عباس إسماعيل: أهلا بك.

لانا مدوّر: والبداية تكون لهذا التقرير:

 

تقرير بالعبرية

 

لانا مدوّر: إذاً هناك اهتمام غير مسبوق من قِبل الإعلام الإسرائيلي بما يحصل في الجنوب السوري، تحديدا في محافظة السويداء في جبل الدروز، حتى في المناطق القريبة من الجولان السوري التي يسكنها الدروز. لماذا؟

عباس إسماعيل: بطبيعة الحال، التطورات التي تحصل في تلك المنطقة تستدعي هذا الاهتمام وتجعل الموضوع موضوعا متابعا في إسرائيل. السبب الرئيسي هو أن قرية الحضر تقريبا هي المنطقة الأخيرة المتبقية التي لا تزال في أيدي النظام السوري. تلك القرية يسكنها سكان من الدروز. وفي المقابل هي على تماس مع القرى المحتلة في الجولان المحتل، القرى الدرزية، وهناك علاقات وثيقة وقرابة، وهم بمنزلة أهل. سكان الجولان المحتل وكذلك السكان الدروز في فلسطين المحتلة يشعرون بخشية وقلق كبيرين جدا من أن يتعرض أهلهم في قرية الحضر إلى ما تعرّض له الكثير من السوريين ومن الأقليات من مجازر وما شاكل. وبالتالي هم رفعوا الصوت. في البداية كان التعامل الإسرائيلي مع الموضوع ينحو باتجاه توظيف هذه الدعوات والطمأنة وأيضا التعامل مع الموضوع باعتباره في مجال المفترض وليس في مجال المتحقق. بمعنى أنه كان المسؤولون الإسرائيليون يعتقدون أن النار لن تصل إلى تلك المنطقة بهذه السرعة. الذي حصل في الآونة الأخيرة هو أنه بدأ المسؤولون الإسرائيليون يشعرون بأن النار السورية قد تمسّهم من هذه الزاوية. الخشية الإسرائيلية تنبع بشكل رئيسي من أنه في حال تعرّض سكان قرية الحضر الدروز لهجمات من جبهة النصرة وغيرها وتعرّضوا لمجازر، فهذا الأمر سيؤدي إلى مذابح بحقّ هؤلاء السكان. وبالتالي سيحرّك بالضرورة أقاربهم.

لانا مدوّر: الدروز في الداخل.

عباس إسماعيل: إمّا يقوم الدروز في الجولان المحتل بأن يهبّوا لمساعدة أهلهم وبالتالي سيتم اختراق الحدود.
وهذا بالنسبة لإسرائيل يشكّل مشكلة. وإمّا أن يتم نوع من الفرار الجماعي للمدنيين باتجاه منطقة الجولان المحتل. وهذا ما لا يريده الجيش الإسرائيلي لأن هناك تقريبا مسلَّمتين أساسيتين في كل المقاربة الإسرائيلية للموضوع، ما يسمى الموضوع الدرزي، هما: أولا، ألّا يكون هناك تدخّل إسرائيلي عسكري مباشر يؤدي إلى التورط في المستنقع السوري.

لانا مدوّر: ليست هناك نيّة لذلك.

عباس إسماعيل: لا، هناك إجماع في المستوى السياسي والمستوى العسكري على ألّا يكون هناك تدخّل عسكري مباشر يؤدي إلى التورط في المستنقع السوري.

لانا مدوّر: والنقطة الثانية؟

عباس إسماعيل: والنقطة الثانية هي عدم استقبال لاجئين دروز بأعداد كبيرة تحديدا في منطقة الجولان.

لانا مدوّر: مع أنه كانت هناك بعض التصريحات أن إسرائيل مستعدّة لاستقبال بعض اللاجئين.

عباس إسماعيل: تم التراجع عنها سريعا. تسيفي حطبلّي نائبة وزير الخارجية صرّحت في الأيام الماضية بأن إسرائيل تفكّر وتدرس وعلى استعداد لاستقبال واستيعاب الدروز من منطقة حضر في سورية في الجولان المحتل.
ثم بعد ساعتين بالضبط تراجعت عن هذا الكلام ونفت أن تكون هناك نيّة. كذلك مصادر عسكرية عديدة آخرها مصدر رفيع جدا في قيادة المنطقة الشمالية قال: هم هناك ونحن هنا. لن نسمح بأن يدخل اللاجئون. وكذلك كثير من المعلقين والخبراء.

لانا مدوّر: لذلك ربما فضّلت إسرائيل، كما قال إيهود يعري، محلل الشؤون العربية في القناة الثانية، أن يكون لديها اتصال مع غرفة العمليات الموجودة في الأردن، ما يُصطلَح عليه بغرفة عمليات المعارضة، وهي مدارة من قِبل الـCIA، لمنع أو للقول للنصرة بألّا يدخلوا المناطق الدرزية؟ حصلت وساطة إسرائيلية بشكل أو بآخر؟

عباس إسماعيل: اللعبة الإسرائيلية من كل ما يحصل حتى الآن غير واضحة بالمضامين المضمرة.

لانا مدوّر: غير واضح ماذا تريد إسرائيل؟ الهدف من خلال كل ما تقوم به؟

عباس إسماعيل: نحن نتحدث عن المعلن. المعلن هو أن إسرائيل، المستوى السياسي والمستوى العسكري يحاول أن يصوغ معادلة ترضي الدروز في الجولان المحتل وفي فلسطين ولا تدفع إسرائيل إلى أن تدفع ثمنا من خلال هذا الأمر. بمعنى أنه إذا كان الدروز في فلسطين المحتلة وفي الجولان يطلبون مساعدة أهلهم، إسرائيل لا تريد أن تفعل ذلك من خلال تورّط عسكري مباشر. إذاً هي تذهب لتبحث عن صيغ أخرى، عن بدائل، البدائل في هذا الأمر التي حكي عنها في إسرائيل أو سيناريوهات متعددة. ربما هذه هي المرة الأولى التي يجري فيها الحديث في إسرائيل بهذه الصراحة وبهذه الكثرة عن الاتصالات بين إسرائيل وجبهة النصرة. وجرى الحديث أن إسرائيل بعثت برسائل إلى جبهة النصرة وإلى غيرها من جماعات المعارضة المسلّحة بعدم شنّ هجوم والتعرّض لقرية الحضر. وهناك ما قاله بعض المعلّقين، منهم إيهود يعري، من أن غرفة العمليات الموجودة في الأردن، وربما للمرة الأولى يقولونها في إسرائيل إن هناك غرفة عمليات وإن فيها ضبّاطا من الـCIA وضبّاطا من المخابرات الأوروبية أيضا طلبت من النصرة ألّا تهاجم الآن. هناك أحاديث عن سيناريوهات أخرى.

لانا مدوّر: هناك دروز يقولون إن إسرائيل تعالج جرحى داعش ولا تعالج جرحى الدروز.

عباس إسماعيل: صحيح. وهم هدّدوا بأنهم (...) من وسائل الضغط.. لا ننسَ أن الدروز في فلسطين والجولان المحتل قاموا بجملة من الفاعليات بهدف الضغط، ومنها التظاهرات، ومنها أيضا الحديث...

لانا مدوّر: حتى أعضاء في الكنيست، النائب حمد عمّار.

عباس إسماعيل: هنا يمكن أن نسجّل ملاحظة، وهذا قد يضيء على الخلفية الإسرائيلية، هي أن أعضاء الكنيست الدروز الذين هم من الأحزاب الصهيونية، أيوب قرّة وحمد عمّار، يبدون حماسة كبيرة جدا في موضوع التدخّل الإسرائيلي لمساعدة الدروز في سورية.

لانا مدوّر: لماذا؟

عباس إسماعيل: الجواب غير واضح. ولكن إذا أردنا أن ندخل قليلا في التحليل، واضح أن إسرائيل حتى الآن لا تزال على قرارها بألّا تتورّط في الحرب السوريّة بشكل مباشر كي لا تدفع ثمنها. هي لا تريد أن تتورط لكي تجنّب نفسها نار كل الأطراف الموجودة هناك.

لانا مدوّر: ليست بحاجة لتتورّط أساسا. النصرة لا تشكّل تهديدا لها.

عباس إسماعيل: هي لا تشكّل تهديدا لها. ولكن إذا أرادت إسرائيل أن تتدخل الآن لكي تحمي دروز حضر من النصرة، فهذا قد يؤدي إلى مواجهة. هذا لا تريده إسرائيل. وفي الوقت نفسه هناك حديث كثير في إسرائيل بأن الدروز في حضر وفي محيطها هم من المؤيّدين والموالين للنظام السوري وأيضا لمحور المقاومة. وبالتالي، كثير من الإسرائيليين أثاروا أو طرحوا بعض المسائل: هل يمكن لإسرائيل أن تتدخل لتحمي مجموعات تؤيّد النظام السوري؟ هل يمكن لها أن تؤدي هذا الدور؟ ربما تكون بعض التفسيرات أن إسرائيل حاولت أن تقول للدروز في منطقة حضر تحديدا بأنها هي مَن يمكن أن يحميهم، وبالتالي يمكن من خلال هذا القول ربما تكون قد راهنت على أن الدروز في تلك المنطقة قد يحيدون بولائهم عن النظام السوري، وبالتالي تكون إسرائيل في هذه الحال ضربت عصفورين بحجر واحد: أبعدت النظام السوري عن تلك المنطقة وأيضا أمّنت تلك المنطقة على الحدود معها.

لانا مدوّر: قبل أن ننتقل إلى الموضوع التالي لأن الوقت بدأ ينفد، هناك أمر آخر تم الحديث عنه في إسرائيل وهو مبادرة لبناء جيش درزي من مئة ألف مقاتل بتسليح وتدريب من الأميركيين.

عباس إسماعيل: هذا طُرح في وسائل الإعلام الإسرائيلية، ولكن نقلا عن مصادر درزية على صلة بأوساط القرار في إسرائيل. وبالتالي، حتى الآن، بلحاظ المصلحة الإسرائيلية، هل لإسرائيل مصلحة في أن يكون على حدودها جيش من مئة ألف عربي درزي؟ لأنه، كما أشرنا، إسرائيل تعتبر القسم الأكبر، الغالبية العظمى من دروز سورية هم من الدروز الذين يناصبون إسرائيل العداء. ولكن في الوقت نفسه هناك خشية إسرائيلية الآن أو محاولة إسرائيلية لمسناها في الأيام الأخيرة بعد أن شعرت بأنها باتت أمام ما يسمى معضلة درزية كما يقال في إسرائيل، صدرت محاولات من قِبل المستوى السياسي والمستوى العسكري لتهدئة سكان الجولان السوري المحتل وأيضا دروز فلسطين المحتلة من خلال القول إنه لا يوجد خطر مذابح على الدروز وإن إسرائيل سوف تمنع تعرّضهم لمذابح. ولكن هناك كثير من التقديرات في إسرائيل، بعضها من معلّقين عسكريين، يحذّرون أو يقولون إن الأمور قد تخرج عن السيطرة بسرعة قياسية جدا. وبالتالي، إسرائيل قد تجد نفسها أمام واقع متغيّر وأن عليها أن تكون مستعدة لمواجهة هذا المتغير.

لانا مدوّر: قبل أن نختم هذه الفقرة، فقط أورد ما قاله مراسل القناة العاشرة في الشمال إيلي ليفي: "القيادة الدرزية في إسرائيل تحاول الوصول إلى اتفاق مع الحكومة الأردنية يتضمن أنه حين دخول عناصر داعش إلى القرى الدزرية في سورية ويفرّ الدروز إلى الأردن فإن الحكومة الأردنية لن توقف أحدا منهم." وهنا أيضا يُطرح الدور الأردني بالتوازي، خصوصا أن بعض الجهات أيضا في لبنان ذهبت إلى الأردن والتقت فاعليات أردنية من أجل هذا الأمر.

سننتقل الآن إلى موضوع آخر ومهم ويتعلق بما ستصدره لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة. هذه اللجنة ستُصدر تحقيقا خاصا لتعطي رأيها وتقريرها حول أحداث عملية الجرف الصلب الإسرائيلية في قطاع غزة الصيف الماضي وما تخلّلها من انتهاكات لحقوق الإنسان من الجانب الإسرائيلي ومن الأطراف الأخرى. تطوّر كان كفيلا بأن يدفع بنيامين نتنياهو وحكومته إلى شنّ حملة شعواء لمنع إجراء كهذا. نشاهد هذا التقرير:

 

تقرير بالعبرية

 

لانا مدوّر: واضح أن هناك قلقا من هذا التقرير. كيف ستكون انعكاساته على صورة إسرائيل الديمقراطية والحامية لحقوق الإنسان في العالم؟

عباس إسماعيل: منذ اللحظة الأولى للمجازر التي ارتكبتها إسرائيل في خلال عدوان ما يسمى الجرف الصلب في العام الماضي والحديث عن أن لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة سوف تشكّل لجنة تحقيق في هذه الجرائم، إسرائيل أخذت موقفا سلبيا معاديا بشكل كلي واتّهمت هذه اللجنة، قبل أن تصدر أي تقرير أو أن تقول كلمة، أن هذه اللجنة معادية لإسرائيل وأن تقريرها سيكون معاديا لإسرائيل. الآن بمناسبة قرب صدور تقرير في هذا الموضوع قامت إسرائيل بعملية استباقية إذا صح التعبير. وزارة الخارجية الإسرائيلية أصدرت تقريرا يحاول أن يفنّد أو يعرض الحقائق أو الوقائع من وجهة نظر إسرائيلية. إسرائيل تخوض الآن ما يسمى حربا على الرواية. تحاول أن تفرض الرواية الإسرائيلية لما حصل وأن تنقل الكرة إلى ملعب حركة حماس أو فصائل المقاومة.

لانا مدوّر: لكن إلى أي مدى يمكن أن يضرّ بإسرائيل؟ صدرت تقارير كثيرة في الواقع حقوقية إنسانية عن انتهاكات إسرائيل في الحروب السابقة. لكن هذا التقرير ما القلق الجديد ربما أو نوعية القلق هل تغيّرت عند الإسرائيليين لمحاربته بهذه الطريقة؟

عباس إسماعيل: توجد في إسرائيل حساسية دائما من كل كلمة أو تقرير أو حتى مقالة. إذا عرف الإسرائيليون أن مقالة كُتبت أو تصريحا أو موقفا، هناك حساسية إسرائيلية تجاه كل ما يمسّ أو يكشف حقيقة العدوان الإسرائيلي. وبالتالي، تقرير يصدر عن لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة يتّهم إسرائيل بارتكاب جرائم حرب، هذا بالنسبة لإسرائيل أمر خطير ويؤذيها ويؤذي صورتها في العالم. كل المحاولات التي تقوم بها من أجل تثبيت شرعيتها ومن أجل أن تجمّل صورتها، تأتي هذه التقارير وتضربها. لذلك ثمة في إسرائيل مَن يعتقد أنه حتى كل المساعي الإسرائيلية سواء تقرير وزارة الخارجية أو تصريحات نتنياهو الذي بالمناسبة أمس اتّهم الأمم المتحدة بأن يومها كان يوما أسود فقط لأن الأمين العام للأمم المتحدة انتقد بالأمس جرائم إسرائيل بحق الأطفال الفلسطينيين وناشدها أن تكون ألطف بهم، ولم تنتقد الأمين العام للأمم المتحدة عندما عمل في الأسبوع الماضي على عدم إدراج إسرائيل ضمن ما يسمى قائمة العار أو القائمة السوداء. إذاً، في إسرائيل يعتقدون أنه مهما فعلت إسرائيل فلن تنجح روايتها لأن الذي يشاهد الدمار الذي احدثته اسرائيل ويشاهد الشهداء الفلسطينيين ويشاهد الأطفال فلن يأخذ بالرواية الإسرائيلية. ومهما كانت الرواية الإسرائيلية فيها من الادّعاءات لا يمكن أن تبرّر لأحد لا الاحتلال ولا الاستيطان. إذاً هناك نقاط ضعف عديدة تعاني منها الفرضية الإسرائيلية أو الرواية الإسرائيلية، لن يكون من السهل أن تتغلّب على الرواية الفلسطينية المحقّة في هذا السياق.

لانا مدوّر: سننتقل الآن من مسألة حقوق الإنسان إلى شأن داخلي إسرائيلي آخر وهو يتعلق أكثر بالثقافة والفنون والمثقّفين إذ إن في الفترة الأخيرة حصل صراع يميني يساري في الواقع، يميني على المستوى السياسي ويساري على المستوى الثقافي خصوصا بعد الإجراءات التي اتّخذتها السلطة، تحديدا بعض الوزراء، وتحديدا أكثر ربما نفتالي بينت وزير التربية بحقّ بعض المسارح والمثقفين وتحديدا أكثر مَن هم فلسطينيون عرب أي من فلسطينيي الـ48. إذاً، هذه المسألة يبدو أنها تتّسع أكثر. يشارك فيها أيضا مثقّفون يساريون يدافعون عن حقوق العرب داخل إسرائيل. ما خلفيّة كل ما يحدث الآن؟ وما مدى خطورته؟ هل هذه الظاهرة من الممكن أن تكبر أكثر؟

عباس إسماعيل: هناك صراع حقيقي ثقافي بين اليمين الذي يسيطر الآن وبقايا اليسار.

لانا مدوّر: جيدة هذه الـبقايا اليسار. لم يعد هناك يسار حقيقي.

عباس إسماعيل: نعم، بقايا اليسار حقيقةً لأنه لم يعد هناك يسار. ربما بعض معاقل اليسار التي لا تزال موجودة في إسرائيل يحاول اليمين أن يسيطر عليها أو أن يضربها أو أن يحطّمها. بعض هذه المعاقل مثل وسائل الإعلام، محكمة العدل العليا، مجال الفن والثقافة والكتّاب والمسرحيات والفنون وما شاكل. الآن في هذه الحكومة هناك وزيران من اليمين المتطرف: ماري ريجف التي عُيّنت وزيرة للثقافة ولا علاقة لها بالثقافة، وأيضا نفتالي بينت الذي عُيّن وزيرا للتربية والتعليم وأيضا هو يميني جدا متطرف. الذي يحاول أن يفرضه اليمين في إسرائيل بشكل عام على اليسار بشكل عام هو أنه مَن يأكل من مال السلطان أو من خبزه عليه أن يضرب بسيفه. الآن الحكومة يمينية، التمويل يميني، على المؤسسات الثقافية والمسارح والفنون التي تريد أن تأخذ تمويلا من الحكومة الإسرائيلية عليها أن تضرب بسيف السلطان اليمين وأن تتماهى مع اليمين. وبالتالي، هي تمارس هذه الأمور، وأيضا تمارسها بحق الفنانين والممثلين والمثقفين من فلسطينيي الـ48. هذا فتح السجال في إسرائيل على ما سمّاه البعض حربا ثقافية أو شرخا ثقافيا، ووصلت الأمور إلى تبادل اتهامات وتعابير خارجة عن المألوف. أحد المخرجين المشهورين...

لانا مدوّر: عوديت كوتلر؟

عباس إسماعيل: عوديت كوتلر خلال اجتماع لنقابة الفنانين وصف اليمين الإسرائيلي بأنه قطيع من البهائم.

لانا مدوّر: نشاهد كاريكاتيرا عن هذه القضية؟ وعليك أن تفسّر لنا كثيرا لأنه مكتوب الكثير بالعبرية. نشاهد أول كاريكاتير.

عباس إسماعيل: هنا مكتوب "هنا مركز الثقافة. على مَن يريد أن يدخل أن يخضع للتفتيش من قِبل الوزيرة ماري ريجف. وهنا مدخل لليساريين." وبالتالي، هذه تدلّ على الرقابة وعلى الأهلية وعلى أن المثقف اليساري إذا دخل يجب أن يمرّ من بوابة ماري ريجف وزيرة الثقافة.

لانا مدوّر: الكاريكاتير الثاني.

عباس إسماعيل: هنا ماري ريجف وأيضا عوديت كوتلر، تحدّثنا عنه قبل قليل. مكتوب بالعبرية: "حرية التعبير إلى أين؟" واضح حرية التعبير كيف يتم التعبير عنها بهذه الطريقة.

لانا مدوّر: كاريكاتير معبّر جدا هذا. أعتقد أنه تبقّى لدينا كاريكاتير واحد. إذاً الصورة الأخيرة.

عباس إسماعيل: هذه صحيفة إسرائيل هايوم المقرّبة من بنيامين نتنياهو.

لانا مدوّر: صحيح.

عباس إسماعيل: تصوّر أن كوتلر يرمي حجرا في بركة، ومعروف المثل الذي يقول: الأحمق إذا ألقى حجرا في بركة بحاجة إلى مئة رجل حكيم لكي يزيله من هذه البركة. هنا تشبّه إسرائيل هايوم المقرّبة من نتنياهو كوتلر بأنه أحمق، وتقول: أين سنجد ألف حكيم يصلح الخطأ؟ هذا في إشارة إلى العبارة التي قال فيها كوتلر إن ناخبي اليمين الليكود هم بهائم.

لانا مدوّر: في كل الأحوال، في الفقرة الثانية من "خلف الجدار" أيضا سنكون مع موضوع ثقافي، وضيفنا هو شاعر فلسطيني من الداخل. أشكرك دكتور عباس على الفقرة الأولى، على كل هذه المعطيات، المتخصص في الشأن الإسرائيلي الدكتور عباس إسماعيل، على انضمامك الينا.

مشاهدينا، نتوقف الآن مع فاصل قصير، نعود بعده لنتابع "خلف الجدار". ابقوا معنا.


المحور الثاني

أصحاب الأرض: ليبرمان يدعو المخابرات الإسرائيلية لاعتقال الشاعر مروان مخول بسبب زيارته لبيروت" لاعتبارها بلد عدو”
المحور الثاني

لانا مدوّر: أهلا بكم من جديد إلى "خلف الجدار".

ما أن خرج الشاعر مروان مخّول من أراضي الـ48 وأعلن وصوله إلى لبنان حتى خرج أفيكدور ليبرمان يطالب بسحب الجنسية منه. مروان مخول هو ابن الجليل الأعلى، ولطالما عبّر عن رغبته في زيارة لبنان حيث تتحدّر والدته من إحدى بلداته الجنوبية. نستقبله الليلة في "خلف الجدار" لنسأل عن حال مثقّفي الداخل وما ينتظره بعد العودة إلى فلسطين المحتلة. أهلا بك.

مروان مخّول: أهلا بك.

لانا مدوّر: مروان مخول للمرة الثانية في "خلف الجدار" في وقت متزامن. ونحن محظوظون أنك معنا هنا في الاستديو وليس خلف الجدار. أنت هنا. ولكن قبل أن نبدأ معك الحديث سنذهب إلى هذا التقرير لزميلتنا نسرين سلمي:

 

التقرير

 

مرة أخرى تشنّ إسرائيل حربها على الثقافة العربية في الداخل المحتل. الهدف اليوم هو الشاعر الجليلي الشاب مروان مخول. تهديدات باعتقاله وترحيله أشعلها وزير الخارجية الإسرائيلي السابق اليميني أفيكدور ليبرمان، داعيا جهاز المخابرات الإسرائيلي إلى اعتقال مخول بذريعة زيارته لبنان الذي لا يقيم اتصالات مع إسرائيل.

"الأمر الطبيعي هو ما فعله مروان مخول. الأمر غير الطبيعي هو هذه العلاقة المشوّهة بين هذا المسمى ليبرمان وبين تراب بلادنا ومياه بلادنا وهواء بلادنا. مروان مخول ونهجه هو الباقي."

أعضاء كنيست عرب وناشطون سياسيون اتّهموا إسرائيل بأنها تسعى إلى استهداف كل ما هو عربي وفلسطيني في الداخل المحتل وخصوصا ما يتعلق بالثقافة والشعر والمسرح كجزء من سياستها العنصرية.

"مروان مخول الذي ذهب إلى هناك وارتوى روحانيّا كما قال وسيذهب مرارا وتكرارا رغما عن ليبرمان وأمثاله."

وكان مخول أحيا أمسيات شعرية في بيروت مع الفنانة أميمة الخليل ركّزت في معظمها على رفض مشروع التجنيد الإجباري الذي تسعى إسرائيل لفرضه على الفلسطينيين المسيحيين في المناطق المحتلة عام 1948، ما أثار حفيظة اليمين المتطرف من الشعر الذي قدّمه مخول.

"نحن نطلب ونؤكّد أن هذه القوانين هي قوانين ليست دستورية وهي تمسّ قوانين أساسية مثل قانون حرية الإنسان وكرامته وأن يتواصل الإنسان مع محيطه ومع شعبه ومع أبناء شعبه. هذا حق إنساني من الدرجة الأولى تكفله كل المواثيق الدولية."

مؤسسات حقوقية أكّدت أن إسرائيل تمارس تمييزا عنصريا تجاه البلدات العربية في الداخل ولا سيما في المجال الثقافي، وتحارب مسارح وفنانين فلسطينيين لكونهم ينتقدون بفنّهم سياساتها العنصرية.

 

لانا مدوّر: مروان مخول، هل ستعود إلى فلسطين المحتلة؟

مروان مخّول: طبعا.

لانا مدوّر: ما الذي ينتظرك هناك؟

مروان مخّول: أهلي.

لانا مدوّر: أنت لا تعلم. لكن بعد كلام ليبرمان، هل السلطات الإسرائيلية ستأخذ بكلامه؟ ويقال إن الشاباك أيضا قد يحقّق معك.

مروان مخّول: في الحالتين انتصرنا: انتصرنا إذا اعتقلوني وانتصرنا إذا لم يعتقلوني. فلا يهمّني كثيرا إذا اعتُقلت أو لم أُعتقَل. فهذا الأمر ثانوي بالنسبة لي، وليبرمان بحدّ ذاته ثانوي. وأعتقد أنه يتسلّق عليّ لكي يعيد قليلا من رصيد لنفسه في الانتخابات المقبلة.

لانا مدوّر: ما الذي يريده ليبرمان؟

مروان مخّول: هو يبحث عن شعارات فضفاضة كبيرة صغيرة. شخص ليس ذا قيمة. ليس لديه عمق فكري، ليس لديه عمق سياسي. شخص يبحث دائما عن الفقاعات الإعلامية والمانشيتات والشعارات. هذه لغة سبعينية، أكل الزمان عليها وشرب. لا أعتقد أنه ذو قيمة بالنسبة لي ليبرمان بحدّ ذاته كسياسي.

لانا مدوّر: وما قاله، وما دعا إليه بسحب الجنسية، باعتقالك. ماذا يعني لك هذا الأمر؟

مروان مخّول: يعني لي أن الكلمة فعلا تؤثّر في الواقع السياسي. وهذا ما أسعى إليه أنا أصلا. لا أريد أن أكتب فقط من أجل الكتابة، الفن من أجل الفن، كالمدرسة الكلاسيكية الروسية، بقدر ما أريد تأثيرا. نعم، أنا أعيش في الداخل. كل لحظة فيها تمييز عنصري بحقّي وبحق مليون و800 ألف إنسان. في كل لحظة، في كل موضوع. مَن لا يرى هذا التمييز هو إنسان سطحي لا يعيش الواقع كما هو. إذا صعدنا إلى الحافلة نرى بكل سهولة التمييز ضدنا. لا يجلس إلى جانبك إنسان صهيوني إذا كنت عربية، وينظر إليك نظرة استعلائية دائما. نحن مهمّشون في نواحي الحياة كافة. انظري إلى قرانا، مجرد أقفاص صغيرة مغلقة. الأرض عندنا، لا توجد مساحات للسكن وللبناء. لذلك، الناس تبني بشكل عشوائي. يهدمون لنا ثم نبني ثم يهدمون لنا ثم نبني. هذا الواقع نعيشه كل لحظة. هل هذه رومانسية أن أتحدث عن قضية من خارجها أو من داخلها. أزمة هوية (...  ) يعيش في الداخل أزمة واقعية لحظيّة، أنا أراها كل يوم في كل شيء. كيف لا أتحدث عنها؟ الآن هذا بشكل عام ما يتعلق بفلسطين، علاقتي بفلسطين.

لانا مدوّر: ما أكثر ما استفزّ الإسرائيليين بزيارتك لبنان؟

مروان مخّول: المقولة السياسية الموجودة في النص بشكل طبيعي. المقولة السياسية، طبعا.

لانا مدوّر: أي ليست الزيارة بحدّ ذاتها، بل ما قمت به في هذه الزيارة.

مروان مخّول: سواي زار لبنان.

لانا مدوّر: هناك كثير من الفنانين.

مروان مخّول: طبعا.

لانا مدوّر: ريم بنّا تزور لبنان. حتى ان سياسيين يزورون لبنان، أعضاء في الكنيست. ما الذي استفزّ الإسرائيليين بزيارة مروان مخول؟

مروان مخّول: أنت رأيت ماذا كان وقع الزيارة الى لبنان، الى بيروت. أنا لم أتوقّع هذا الصدى المدوّي.

لانا مدوّر: تفاجأت بجمهورك في لبنان؟

مروان مخّول: طبعا تفاجأت. أمسية الأونسكو...

لانا مدوّر: 1500 شخص حضر أمسية الأونسكو؟

مروان مخّول: نعم، 1500 شخص. القاعة امتلأت على جوانبها. فكانت ثمة حالة. وهؤلاء الـ1500 إنسان كنموذج. هذه الأمسية من عدة أمسيات كانوا يسمعون كلاما عن التمييز العنصري ضد الأقلية العربية في الداخل، عني كمواطن في الداخل، حديث عن مليون و800 ألف إنسان في الداخل هُمّشوا على مدار 70 سنة. كنت أعرّف بهؤلاء المليون و800 ألف شريف يعيشون في الداخل أن هؤلاء جزء لا يتجزأ من العالم العربي وامتداد طبيعي لهذا العالم العربي. فمن طبيعة الحال أن هذا يوجع ويؤلم السلطات.

لانا مدوّر: أنت كنت دائما تقول.. حتى عندما استقبلناك قبل أن تأتي إلى لبنان كنت تقول إن حلمي أن آتي إلى لبنان، أزور بلدة أمي رميش في جنوب لبنان، تبني بيتا ربما هناك على اعتبار أن البلدة التي أنت منها في الجليل الأعلى تبعد خمس دقائق ربما أو هي قريبة جدا. كيف حضّرت لهذه الزيارة الى البنان؟ أريد أن أفهم منك نفسيا، حتى بالنسبة للحقائب، لكل ما حملته معك. اشرح لنا.

مروان مخّول: الحقيبة كانت شبه خالية لأنني أردت أن آخذ من لبنان أكثر مما أعطي لبنان. لبنان حلم كل إنسان يعيش في فلسطين وتحديدا في الجليل.

لانا مدوّر: لماذا؟

مروان مخّول: لأننا جزء لا يتجزأ من هذا المكان. الحدود شيء وهمي مسطّر بحبر. كنت أتمنى أن يكون برصاص كي أمحوه. لكنه بحبر، إذا محوته فسأخدش الواقع والجغرافيا. لبنان جزء لا يتجزأ مني. لا يستطيع إنسان متطرف صهيوني مثل ذاك الذي لا أريد أن أذكر اسمه أن يمنعني من أن أتواصل مع نفسي. أنا نصفي لبناني. إذا كان أبي فلسطينيا وأمي لبنانية فأنا نصف لبناني ونصف فلسطيني. كيف لهذا الإنسان الغريب على الواقع، الهجين، الآتي إلى بلادي، أن يفرض عليّ أن أقسّم نفسي إلى جزءين. هذا هو غير الطبيعي. كيف لهذه الصلافة والوقاحة أن تصل إلى حد منعي من زيارة أقاربي في الجنوب ثانيا، لأن أولا منعي من زيارة أهلي في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين هنا في لبنان. هذا جزء لا يتجزأ مني. كيف له أن يمسّ بعواطفي البشرية؟ هذه السلطات وهذه الشخصيات المارقة في التاريخ تحاول خدش الإنسان، مفهوم الإنسان عندي أنا كشاعر وعندي أنا كإنسان بشكل عام. هو يحاول أن يمنعني من أن أكون إنسانا طبيعيا. لست طبيعيا إذا كنت لا أتواصل مع المحيط العربي. أريد كسر هذا الحاجز. وأنا أعلنها على الملأ. أنا أريد كسر هذا الحاجز. أنا بشكل شخصي كسرته. أريد كسره من أجل أن يدخل من خلفي مليون و800 ألف إنسان يعيشون في الداخل لزيارة لبنان. وهذا ما سيكون، وسأعمل على ذلك. أنا أعمل على ذلك منذ مدة، وسأستمر للعمل على ذلك.

لانا مدوّر: ممتاز. زرت الجنوب.

مروان مخّول: طبعا.

لانا مدوّر: هل شاهدت قريتك من الجهة المقابلة هذه المرة؟

مروان مخّول: طبعا.

لانا مدوّر: صِف لي الوضع. كيف كان المشهد؟ صِف لي هذا المشهد.

مروان مخّول: كان شعورا غريبا جدا. أولا هذا الفرح الذي نحن فيه مزعج للسلطات ومزعج لليبرمان. فلنكن سعداء اليوم لأن هذا بالنسبة لي احتفالي أكثر منه أمر حزين. أنا لست حزينا نهائيا ولن أعطيه هذه الجائزة بأن أكون حزينا. فعلا كنت سعيدا جدا لأنني لم أتصوّر أن تؤدي بي القصيدة يوما ما إلى أن أتواصل مع أهلي الذين حُرمت منهم على مدار 20 عاما. أنا كنت أزور الجنوب...

لانا مدوّر: أول مرة ترى أهل والدتك؟

مروان مخّول: لا، طبعا لا. أنا كنت أزور الجنوب في طفولتي حتى صباي. كنت أزور الجنوب...

لانا مدوّر: عندما كان محتلّا.

مروان مخّول: كان محتلّا، وأنا كنت أعيش في الداخل فأستطيع الدخول إلى لبنان لزيارة أقاربي. ففجأة عام 2000... من قبل، من عام 1998 لم أزر لبنان أو الجنوب على الأقل. فلم  أستطع التواصل مع هذا الجزء الطبيعي مني.
الآن زرتهم لأول مرة وأنا قادم من مطار بيروت، قادم بشكل رسمي، قادم بشرف إلى لبنان، قادم لأتواصل مع طبيعتي اللبنانية. الآن لديّ عدة رسائل للتحدّث مع اللبناني.

لانا مدوّر: ماذا تريد أن تقول للّبنانيين؟

مروان مخّول: جئت لأتحدث إلى اللبناني وإلى الفلسطيني في ذات الوقت لأقول لهما إن بإمكان اللبناني والفلسطيني التعايش سوية وإن العدو خارجي وليس فيهم.

لانا مدوّر: تشعر أنه لدى جزء من اللبنانيين موجودة هذه العقدة؟

مروان مخّول: ولدى الفلسطينيين. الفلسطيني في لبنان أخطأ تاريخيا، واللبناني في لبنان تجاه الفلسطيني أخطأ تاريخيا. كلاهما أخطأ، كلاهما أخطأ والمستفيد كان واحدا. أنا جئت الآن عام 2015 لأقول لهم: تستطيعون أن تحيَوا سوية ولا ضير في ذلك، وأنا نموذج لذلك لأن في جسدي شخصين: في جسدي الفلسطيني واللبناني. هذا ما أريد إيصاله إلى لبنان. هذه هي الرسالة التي أريد تأكيدها. زيارة أقاربي هي أمر شخصي. أقارب، دم ولحم، تحبّهم.
لكن الرسالة ... من خلف الزيارة هي التواصل الفلسطيني اللبناني سواء كان بين المخيمات واللبنانيين، وأنا مع العودة طبعا، أو زيارة أهل الداخل  الى البنان وشرعنة ذلك في المستقبل.

لانا مدوّر: هل يكون ساذجا السؤال لك: أية هوية تغلب على الأخرى؟ الفلسطينية أو اللبنانية؟ أو أن هناك طبيعة خاصة لهذه الازدواجية؟

مروان مخّول: سؤال جيد. بالعكس، سؤال جيد. الهوية الفلسطينية هي الغالبة فيّ لسبب واحد ووحيد أنني إضافة إلى انتمائي العنصري لأصلي لديّ انتماء إنساني لقضيتي ولشعبي الذي عشت معه طوال حياتي منذ كنت أوزّع صحيفة الاتحاد وأنا لا أزال لم أبلغ حتى ذلك الحين سبع سنوات من عمري. أريد أن أقول لك أمرا: أنا لا أشبه نصفي اللبناني سياسيا. أنا أشبه نصفي الفلسطيني سياسيا. لذلك، جئت إلى هنا لكي أؤكّد أن الفلسطيني ليس خطرا على لبنان. ما هو خطر هو مَن دفع بالفلسطيني إلى لبنان. هو الخطر الأول على لبنان. هو الخطر الأول على التغيير الديمغرافي في لبنان. هذه هي الرسالة من كلامي.

لانا مدوّر: بما أنك دخلت إلى موضوع صراحةً حساس ولم أتوقع أن أتحدث به معك، هل لمست أن الجمهور اللبناني بعد كل هذا الوقت على مرور الحرب اللبنانية، انتهاء الحرب، تغيّرت عقليته ورؤيته وأصبح هناك تسامح أكبر ربما مع هذه القضية؟ ونحن نتحدث عن قسم من الجمهور. أنا لا أتحدث عن الجمهور المؤيد من الأساس للقضية.

مروان مخّول: الله يكون بعون اللبناني. كل الدنيا تريد لبنان. كل الدنيا دُفع بها إلى لبنان. ففعلا الله يكون بعون اللبناني. لكن على اللبناني الحقيقي أن يفهم أنه ليس بإرادته جاء اللاجئ السوري أو الفلسطيني إلى لبنان. ليس بإرادته، دُفع به إلى هنا. من أين يحرّر بلده؟ من الفضاء؟ هو كان مضطرّا أن يحرر بلده من البلد الذي إليه نفي. لكن من دون أدنى شك كانت هناك أخطاء فلسطينية كبيرة وفادحة.

لانا مدوّر: لكنني أتحدث الآن عن جمهورك. الجمهور الذي أتى ليشاهد شاعرا فلسطينيا من الداخل. هذه نقطة مهمة.

مروان مخّول: لم أتوقع هذا الاهتمام. لم أتوقع أن يشاهد أمسياتي في غضون أيام قليلة آلاف الناس. لم أتوقع ذلك.
لم أتوقع أن معظم الجمهور كان من الجمهور اللبناني. لم أتوقع ذلك. لم أتوقع أن يتعاطف اللبناني مع القصيدة التي تتحدث عن هوية الفلسطينيين في الـ48.

لانا مدوّر: لبنان هو نموذج عن العالم العربي. لذلك نتحدث عن لبنان. يدركون مشكلات الفلسطيني في الداخل؟
على تماس مع همومكم إلى حد ما؟

مروان مخّول: ليس كثيرا. لكنهم يتعاطفون مع المسألة التي أتحدث عنها. كل إنسان لديه أمر شبيه. فإذا كنت أتحدث عن هويتي كفلسطيني في الداخل، مباشرةً الإنسان الماروني يرى نفسه كأقلية في الشرق. السني كذلك الأمر، والشيعي كذلك الأمر. لا توجد أقليات في الشرق. أصبحنا الآن كلنا أقليات في الشرق. فعندما أتحدث عن الأقلية العربية في فلسطين فأنا أتحدث عن كل أقلية في الشرق. لذلك، يوجد تواصل غير مباشر بيني وبين اللبناني كمتلقّ للشعر وللفن. أردت ... نفسي أن أؤكد الرسالة الأدبية والفنية في هذه الزيارة. لكن للأسف الشديد انجرفت بي هذه الزيارة إلى السياسة. لم أكن أريد لها أن تكون سياسية.

لانا مدوّر: موضوعاتك سياسية، على تماس مباشر مع السياسة حتى لو كنت تتحدث عن قضايا اجتماعية أو لها علاقة بالهوية. هي تمسّ بالسياسة.

مروان مخّول: نعم، هو هذا الصراع بين الشعر. يريد أن يحافظ على أدبيته وفنيته، ولكن السياسة تأخذه إلى مكان آخر.

لانا مدوّر: وصلنا إلى ختام الحوار. إذا كان لديك أي شيء تحب أن تقوله نحن مستعدّون لنسمع. وأريد أن أفهم منك الآن عندما تعود إلى فلسطين المحتلة، إلى الداخل، ماذا ستفعل؟ كيف تتوقع أن يكون استقبالك في مطار بن غوريون مثلا؟ وكيف ستذهب إلى هناك أساسا؟

مروان مخّول: لن أذهب إلى مطار بن غوريون ولن أصرّح إلى أين سأذهب. لكنني سأدخل بلادي سعيدا وفخورا بنفسي وبشعبي. الرسالة التي أريد أن أقولها الآن لك...

لانا مدوّر: هل نستطيع أن نسألك كيف أتيت؟ الطريق؟ أو لا؟

مروان مخّول: افتحوا الأبواب لفلسطينيي الداخل لكي يزوروا نفسهم في بيوتهم. لبنان بلد كريم، والفلسطينيون في الداخل يستأهلون ذلك الكرم.

لانا مدوّر: أنت دخلت بجواز فلسطيني.

مروان مخّول: لن أقول لك لأنني لا أتحدث بأمور...

لانا مدوّر: كُتبت في الصحافة. لن أُحرجك، لن أُحرجك. لا، أبدا. شكرا لك، مروان مخول، الشاعر الفلسطيني، على انضمامك الينا في "خلف الجدار" هنا في الاستديو. وهذا يُعتبر إنجازا. أتعْلم أن هذه أول مرة نستقبل فيها أحد فلسطينيي الداخل في الاستديو؟ دائما هناك جدار بيننا وبينكم.

مروان مخّول: شرف لي وشرف لكم.

لانا مدوّر: شكرا لك. فعلا هذا شرف لنا، على انضمامك، على وجودك في الاستديو في "الميادين". نأمل أن نراك في حلقات لاحقة وأيضا في لبنان. وبالسلامة إذا كنت ستعود إلى الوطن.

مروان مخّول: شكرا.

لانا مدوّر: مشاهدينا، إذاً نختم هذه الفقرة، وتبقّت لدينا أيضا فقرة واحدة من "خلف الجدار" هي "فلسطين أونلاين".


المحور الثالث

فلسطين اونلاين: الاسيرة الفلسطينية لينا خطاب التي تبلغ من العمر 22 عاماً حرة بعد ستة أشهر قضتهم في السجون الاسرائيلية .
المحور الثالث

لانا مدوّر: انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي صور للأسيرة الفلسطينية لينة خطّاب التي تبلغ من العمر 22 عاما وهي تخرج حرّة من سجون الاحتلال الإسرائيلي بعد ستة أشهر قضتها في السجون. نستطيع أن نشاهد صفحة الأسيرة لينة خطّاب. وقد أُفرج عنها بعد ستة أشهر إذاً من الاعتقال، وهي طالبة في بير زيت، وذلك على حاجز جبارة جنوب طول كرم. وكان العشرات من المواطنين وأهالي الأسيرة انتظروا لساعات طويلة على حاجز جبارة حتى أُفرج عنها لتركض نحو عائلتها بعد حصولها على الحرية. لينة كانت اعتُقلت في الثالث من كانون الأول خلال مسيرة نظّمها طلّاب جامعة بير زيت في محيط سجن عوفر العسكري تضامنا مع الأسرى في ذكرى انطلاقة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وانطلاقة الانتفاضة الفلسطينية. ونحن محظوظون أيضا بأن تكون لينة خطّاب معنا الآن عبر الهاتف. نبارك لك الحرية بدايةً لينة. كيف كانت فترة الاعتقال؟

لينة خطّاب: أشكركم أولا، والله يبارك فيك. الاعتقال بشكل عام كان مرحلة صعبة جدا في حياتي. لكن الإنسان يمكن أن يأخذها من جانبين: يمكن أن يأخذها بجانب سلبي ويمكن أن يأخذها بجانب إيجابي. الإنسان في المعتقلات يجب أن يتقبّل الأمر الواقع أنه داخل السجون الإسرائيلية. فأخذتها والحمد لله بشكل إيجابي عكس ما كان يتوقّع جنود الاحتلال أن الإنسان يأخذها بشكل سلبي وأن ....

لانا مدوّر: ماذا بعد الاعتقال؟ هذه التجربة هل ستثنيك عن العمل ربما؟ أو ستحفّز أكثر العمل النضالي لدى لينة خطّاب؟

لينة خطّاب: بالعكس، يعتقدون دائما في الأسر أن الحكم هو حكم رادع للإنسان. بالعكس، الإنسان يأخذها بشكل مغاير. يأخذها بطريقة، بالعكس، تجعل الإنسان يتمسك أكثر بالحق. تعطيه إرادة وصبرا وتمسّكا بالحق أكثر لأن الإنسان داخل الأسر يرى معاناة الأسرى والأسيرات. فبالعكس، تزيد قوّة الحق.

لانا مدوّر: أخبرينا عن هذه المعاناة خصوصا معاناة الأسيرات الفلسطينيات داخل السجون. وما الرسالة التي توجّهينها لهن من "خلف الجدار"؟

لينة خطّاب: بدايةً هي معاناة أن يكون الإنسان دائما بعيدا عن أهله. والسجن لماذا يضعون الإنسان فيه؟ لكي يُبعدوه عن محيطه. يضعونه في مكان معزول عن العالم الخارجي. ومنها أحيانا أنه ليست لدينا أية قناة تلفزيونية تخبرنا ماذا يحصل في العالم الخارجي خارج أسوار السجن. غير معاناة السجن، كانت المعاناة ما تُعرف بالبوسطة ووحدة .... هذه المعاناة كبيرة كانت وما زالت تعاني منها الأسيرات. البوسطة هي عبارة عن وسيلة نقل تنقل الأسيرات من المحاكم إلى المحاكم. هي عبارة عن زنازين انفرادية لا تتّسع لشخص واحد. ويضعون فيها دائما شخصين، وتكون شديدة البرودة ورائحتها كريهة. وتكون داخل هذه البوسطة ما يُعرف بوحدة (.... ) معاملتهم غير إنسانية للأسرى.
بشكل لا إنساني يعاملون الأسرى وبشكل قاسٍ. ونبقى لفترة طويلة، نبقى 24 ساعة ونحن ذاهبون إلى المحاكم داخل هذه الوسيلة التي تُعرف بالبوسطة. وكذلك الأسيرات يعانين من موضوع أنه داخل الأسر لا توجد في العيادة الطبية ممرضات. دائما يضعون لنا ممرضا. ولا توجد اختصاصيات. فهذا يعيق ذهاب الأسيرات إلى العيادة. وفي الحالات الضرورية الأسيرات تأخذ مسكّنا فقط.

لانا مدوّر: التجربة التي تتحدثين عنها هي تجربة قاسية، ولكنك بدأت الحديث بالقول إن هذه التجربة أخذتها أو نظرت إليها بشكل إيجابي. إذاً، هذه هي ربما أقوى رسالة للأسرى. هي أقوى رسالة أيضا على الصمود وقدرة النضال القوية حتى لدى النساء الفلسطينيات. أشكرك، لينة خطّاب، الأسيرة الفلسطينية المحررة، على انضمامك الينا في "خلف الجدار" في هذه الفقرة من رام الله. شكرا لك.

مشاهدينا، إلى هنا نصل إلى ختام "خلف الجدار" لحلقة هذه الليلة. بإمكانكم التواصل معنا عبر مواقع التواصل الاجتماعي أي الـفايسبوك وتويتر وأيضا عبر البريد الإلكتروني الخاص بالبرنامج، وكل العناوين تظهر الآن على الشاشة. شكرا لمتابعتكم، وإلى اللقاء.