المؤرخ البروفيسور نيكولاي هوفانيسيان

غسان الشامي: مساء الخير.

ربما لم تكن العلاقات بين الأرمن والكثير من جيرانهم طيّبة جرّاء تعرّضهم للغزو. لكن علاقتهم بالمشرق والعرب كانت ولا تزال في أفضل حال منذ مجيء العرب إلى بلاد الشام وحتى اللحظة. ولأن الأرمن وأهل المشرق تشاركوا التاريخ والحياة والظلم والإبادة، فإنه من الضرورة محاورة مطّلع وخبير في تاريخ العلاقات بين هذين المكوّنين منذ الحقبة الرومانية والعربية ودور الأرمن في المشرق ومصر وإضافتهم وما قدّموه من إنجاز حضاري واسع. لذلك، يسرّنا في "أجراس المشرق" استضافة البروفسور نيكولاي هوفانيسيان، رجل التأريخ والعلاقات الدولية، المهتمّ بالعلاقات الأرمنية العربية، وهو في الوقت عينه مؤلّف كتب موسوعية عن تاريخ العلاقات العربية لنتكلّم معه على هذا التاريخ المُشترك على مسطبة التاريخ هذا.

أهلاً بك دكتور هوفانيسيان في "أجراس المشرق". إذا بدأنا منذ بداية التاريخ بين الأرمن والعرب، ما العلاقات التي كانت تربط الأرمن بالمشرق قبل المسيحية؟

نيكولاي هوفانيسيان: إنه سؤال رائع. سأجيب عنه بكل سرور. قبل كل شيء ينبغي لنا القول إن الأرمن والعرب ينتمون جغرافيّاً إلى منطقة واحدة. لم تكن تُعرَف باسم الشرق الأوسط والأدنى وقتذاك، إنما كانت آسيا الجنوبية الغربية. وكانت أواصرنا الثقافية والتجارية والعملية شهدت تطوّراً كبيراً قبل ظهور الإسلام أيضاً. وأكبر دليل على ذلك هو قيام الإمبراطورية الأرمنية وعلى رأسها ملك الملوك ديكران الكبير. وقد دُمجت في تلك الإمبراطورية البلدان العربية أيضاً كسورية ولبنان والعراق والأردن وفلسطين وحتى إسرائيل وصولاً إلى حدود مصر. لكن هناك أمر هامّ للغاية هو أن الطبقة السياسية الحاكمة في سورية هي التي طلبت من ملك الملوك الأرمني ديكران الموافقة على انضمام سورية إلى الإمبراطورية الأرمنية. أمّا ديكران فوافق على انضمام سورية إلى إمبراطوريته. ومنذ ذلك الحين تحوّلت الاتصالات التجارية والثقافية إلى اتصالات سياسية حكومية أيضاً، الأمر الذي ترك أثراً كبيراً في ذاكرة تاريخ العرب والأرمن على حدّ سواء.

غسان الشامي: أنت تذكر الفترة الأرمنية في عهد ديكران الكبير بين 95 قبل الميلاد و55 قبل الميلاد. كما قلت، دخل جيش أرمني إلى سورية الطبيعية قوامه 300 ألف مقاتل. ألم يسبّب هذا أي إشكال لدى المواطنين السوريين، لدى المواطنين العرب؟

نيكولاي هوفانيسيان: والعجيب أنه لم يكن هكذا. لقد قمت بإعداد دراسة علمية تناولت هذا الموضوع تحديداً وتم نشرها باللغات الإنكليزية والأرمنية والروسية، وذلك تحت عنوان:
ملك الملوك الأرمني ديكران الكبير والإمبراطورية الأرمنية تحت ضوء أبحاث علم التاريخ العربي.
هذا كان عنوانها. وبالاستناد فيها بشكل أساسي إلى معلومات المؤرّخين العرب يمكنني القول إنه لم تقع خلافات هناك لأن انضمام سورية تم طوعياً. لكن ملكة سورية كليوبترا حاولت زرع الفتنة. وبعد ذلك قام الملك الأرمني بمعاقبتها. في ما يتعلق بكل من العراق ولبنان والأردن ومصر، لا توجد شواهد على وقوع أحداث من هذا القبيل فيها.

غسان الشامي: ماذا تقول المصادر الإغريقية والرومانية؟ على سبيل المثال "سترابو جوستينيان"، "فلافيوس"، "أبيفانوس" عن الدور والعلاقات الأرمنية؟ هل يمكن أن تخبرنا عن هذه المصادر؟ وهي مصادر ليست أرمنية ولا عربية.

نيكولاي هوفانيسيان: صحيح. أنتم على صواب. إنها مصادر حيادية. ولكن يجب القول إن إمبراطورية ديكران الكبير أصبحت منافسة لكل من الإمبراطورية الرومانية وبلاد فارس الباريفية أو ما يُعرف بإيران. وأخصّ هنا بالذكر زيادة قوة إمبراطورية ديكران إلى درجة تمكّنت فيها من تهميش دولة فارس الباريفية، وتنازل الملك الباريفي عن لقبه شاهن شاه أي ملك الملوك الخاص به لـديكران الكبير. أمّا الإمبراطورية الرومانية فهنا على ما يبدو تختلف آراء المؤرخين ورجال السياسة الرومانيين حول شخصية ديكران الكبير. فمنهم مَن لم يُحسن الظن بـديكران، والبعض الآخر كالعضو في مجلس الشيوخ الروماني في العالم القديم شيشرون أو كيكرون فقد حسن ظنّه بـديكران الكبير. ويسمّي شيشرون ديكران الكبير بملك أرمينيا وآسيا، الملك العظيم لآسيا. وأعتقد أنه بحسب رأيهم فإن إمبراطورية ديكران الكبير والإمبراطورية الرومانية كانتا تُعتبران الدولتين العُظميين في الشرق الأدنى أو آسيا الجنوبية الغربية حينذاك. وقد قامتا بتقسيم تلك المنطقة إلى مناطق نفوذ بينهما.

غسان الشامي: جاءت المسيحية إلى المشرق من فلسطين. ما دور المسيحية في تمتين العلاقات وزيادة الحضور الأرمني في المشرق؟

نيكولاي هوفانيسيان: أنتم على صواب. بالطبع جاءت المسيحية من فلسطين ودخلت إلى أرمينيا وانتشرت من هناك إلى بلدان أخرى. وعليّ هنا القول إن أرمينيا هي دولة اعتنقت المسيحية كديانة رسمية لها. حصل ذلك عام 301 للميلاد. ونحن أول شعب مسيحي في العالم. هذا ما أكّده أيضاً بابا الفاتيكان، وهو سيزور أرمينيا عمّا قريب.

غسان الشامي: نعم.

نيكولاي هوفانيسيان: يقول: سأكون مع الشعب الذي كان أول مَن اعتنق المسيحية في العالم. وهذه المسيحية اتّسمت بأهمية بالغة بالنسبة لنا وأدّت دوراً كبيراً بالنسبة للإسلام أيضاً. وماذا أقصد بهذا؟ من المعروف أن رسول الإسلام محمّد كان تلقّى لفترات طويلة علومه على يد معلّم مسيحي يُدعى باهرا. وعن طريق الأخير تعرّف إلى المسيحية. وهل تعلمون أن هناك أموراً كثيرة اتّخذها من المسيحية وغيرها من ديانات العالم؟ وبالتالي، فإننا عندما نتحدّث عن الأديان يجب علينا القول إن المسيحية والإسلام نشأ تعاون بينهما منذ البداية. أودّ أن أخبركم بأمر قد يبدو عجيباً للغاية: لمّا شهد الأرمن انتصارات الإسلام بقيادة محمّد وأصبح الإسلام على الطريق نحو بناء دولة عظيمة، كان الأرمن في تلك الفترة يشكّلون جالية في بيت المقدس. فقرّر أحد رجال الدين الأرمن ويُدعى أبراهام الذهاب إلى مكّة ومقابلة الرسول محمّد هناك. كان الهدف من ذلك اللقاء استلام خطاب خاص من محمّد أو ما يُعرف بالمنشور، على أن يُمنح الأرمن الحرية في ممارسة دينهم وامتلاك معابد مسيحية خاصة بهم. هل تتصوّرون ماذا حصل؟ منح محمّد الأرمن بموجب المنشور الأعظم الحق في الحفاظ على هويتهم القومية وامتلاك كنائس وعقارات خاصة بهم.
وكان هناك أمر واحد فقط مطلوب هو دفع الجزية.

غسان الشامي: هل هذا له وثائق تاريخية؟

نيكولاي هوفانيسيان: أجل. إنها معلومات تاريخية. والمصادر العربية أيضاً تتحدّث عن ذلك: ابن الأثير على سبيل المثال وغيره. ثمة مصادر أرمنية خاصة بتلك الحقبة التاريخية أيضاً تثبت ذلك، إضافة إلى المصادر الأوروبية والرومانية والإنكليزية. حقّاً إنه أمر جيّد جداً بالنسبة لنا. ثمة أمر آخر أيضاً: انظروا، تشكّلت بعد ذلك مجموعة من التصوّرات لدى المسلمين بناءً على المنشورات العُظمى تلك كأهل الكتاب وأهل الذمّة. وبات المسلمون يعتبرون المسيحيين بمَن فيهم الأرمن أيضاً ذمّيّين لا يحقّ لأحد قتلهم. والتزم المسلمون حمايتهم شرط أن يقوم الأرمن بتأدية الجزية.

غسان الشامي: بعد تلك المرحلة المسيحية، يمكن أن نتحدّث عن دور الأرمن في مملكة الرها السريانية في عهد أبجر الخامس؟

نيكولاي هوفانيسيان: بالطبع، يمكننا قول ذلك. إنها حقبة تاريخية وصفحة هامّة جداً في العلاقات الأرمنية العربية. هذا ما ذكره المؤرخ العربي المصري المشهور فؤاد حسن حافظ أيضا في كتابه، وهو كتاب ضخم جدا تحت عنوان
تاريخ الشعب الأرمني من البداية حتى اليوم، خصّص فيه صفحات لمملكة الرها الأرمنية ولا سيما ما يتعلق بالملك أبجر السادس. وهنا تُسرد قصة مثيرة جداً: كان أبجر مريضاً ولا يُشفى من دائه. لكنه بعدما عرف عن وحي المسيح كتب رسالة إليه طلب فيها أن يأتي المسيح إلى الرها ليشفيه من المرض. يشكره يسوع ويأسف لأنه لا يستطيع أن يأتي شخصياً. لكنه يرسل طبيباً ماهراً وبارعاً جداً نيابة عنه إلى الرها. فإذا به يشفي أبجر من المرض. هذا أيضاً من الشواهد. وكما يذكر فؤاد حسن حافظ فإنه يعتبر تلك المملكة إمارة أرمنية سريانية أو مملكة أرمنية سريانية، حكم فيها الأرمن والسريان بالتناوب أي تارة الأرمن وتارة أخرى السريان. فلا أعتقد أن هذا أمر أو واقع تاريخي اعتيادي، بل هو جسر بين الأرمن والعرب والعرب المسلمين الذين تعاونوا مع بعضهم بعضاً في وئام.

غسان الشامي: هذا يدفعني أيضاً إلى السؤال عن حضور الأرمن خلال العصر البيزنطي. كيف يمكن أن تصف الحضور الأرمني خلال الفترة الطويلة من الحكم البيزنطي للمشرق؟

نيكولاي هوفانيسيان: لقد أدّى الأرمن دوراً كبيراً في تلك المنطقة عموماً، كذلك في الدولة البيزنطية التي أُسّست فيها في القرن العاشر سلالة تدعى مقدونيا أو سلالة أرمنية. لكنها في الحقيقة كانت سلالة أرمنية حكمت الدولة البيزنطية من القرن العاشر حتى أواخر القرن الحادي عشر. وكان فيها ملوك وقادة عسكريون ودينيون يفوق عددهم العشرة، وجميعهم كانت لهم أصول أرمنية. وفي تلك الفترة تحديداً كان "برزيغ" الأول أو بازل الأول قد أسّس السلالة الأرمنية هناك إذ إن فترة حكمها تُعَدّ من تلك الفترات التي بلغت فيها الدولة البيزنطية أوج جبروتها. وهناك الكثير ممّا نريد ذكره. على سبيل المثال، قصة هيغينا أو إلينا ابنة شقيق برزيغ الأول. فهي تزوّجت من الأمير الروسي "إفلاتيمير" من روسيا الكييفية بشرط واحد فقط: أن يعتنق "إفلاتيمير" المسيحية. وإذا هو اعتنق المسيحية تتزوّج به، وإذا لا فلن تتزوّج. ولكن "إفلاتيمير" كان يحب ويحترم تلك السيّدة الأرمنية هيغينا لدرجة أنه وافق على تحويل روسيا الكييفية ثم روسيا الحالية إلى دولة مسيحية. وبعد ذلك فقط تزوّجت هيغينا به. وهكذا وضعت هي أسس المسيحية الأورثوذكسية أيضاً، الأمر الذي أعتبره من تلك المواقف النادرة عبر التاريخ العالمي التي لا تعيد نفسها.

غسان الشامي: هل خضع الأرمن أو تعاونوا بالكامل مع البيزنطيين؟

نيكولاي هوفانيسيان: اختلف طابعه مع الوقت. فأحياناً نشأ تعاون بينهما، وأحياناً أخرى كان عكس ذلك، أي جرت حروب بينهما. أريد أن أعطي مثلاً يخصّ الخلافة العربية: في زمن الخلافة العربية عندما استقرّت السلالة الأموية فيها، والدولة الأرمنية لم يعد لها وجود آنذاك، كان هناك منصب الأمير الأرمني الذي كان ثيودورس رشتوني يتولّاه. وقام معاوية حاكم أرمينيا وبلاد الرافدين حينذاك بإبرام معاهدة مع الأمير الأرمني ثيودورس رشتوني عام 652 يمكن وصفها بحسب علم الاصطلاح اليوم باتفاقية تعاون مُتبادل التزم فيها معاوية بتقديم الدعم العسكري للأرمن في حال هجوم الدولة البيزنطية على أرمينيا. وبالفعل لم يكن التزامه كلاماً فارغاً لأنه لمّا هجم الجيش البيزنطي بقيادة بروكوبيوس على أرمينيا، أرسل معاوية جيشاً عربياً قوامه 20 ألف جندي إلى أرمينيا. وقام الجيش الأرمني العربي بسحق جيش بروكوبيوس البيزنطي المؤلّف من 20 ألف جندي.

غسان الشامي: لماذا برأيك ساعد الأرمن العرب على إنهاء الحكم البيزنطي للمشرق؟

نيكولاي هوفانيسيان: السبب الوحيد يعود إلى دعم العرب للأرمن في الحفاظ على هويتهم الأرمنية في تلك الفترة.
كانت الإمبراطورية البيزنطية تطمح إلى إخضاع جميع الشعوب المسيحية في المنطقة لحكمها. أمّا نحن فكنّا نريد استعادة سيادة دولتنا. إلّا أن استعادة الدولة الأرمنية لم تصبّ في مصالح الإمبراطورية البيزنطية، فيما كان معاوية وعد باسم الخليفة بتقديم الدعم العسكري للأرمن. وقمنا نحن والعرب بسحق الجيش البيزنطي. وبفضل ذلك تعزّزت مواقعنا، الأمر الذي كان يتماشى مع مصالح الأرمن القومية.

غسان الشامي: دُمجت أرمينيا بعد الفتح العربي، أي بين 642 و648 للميلاد، دُمجت بالخلافة الأموية. ما الموقع الذي ضمنته الدولة الأرمنية أو الإمارة الأرمنية في الدولة الجديدة؟ ألم يعتبر الأرمن ذلك احتلالاً وانتقاصاً للاستقلال الأرمني؟

نيكولاي هوفانيسيان: يُعَدّ ذلك انتقاصاً للاستقلال واحتلالاً بعض الشيء. لم تتم السيطرة على أرمنيا وحسب، بل حتى على بلاد فارس، تلك الدولة العظيمة التي هُزمت في معركة القادسية. وبعد ذلك دُمجت بالخلافة العربية كباقي الدول الداخلة في قوامها. لكن الخلافة العربية وقفت موقفاً محترساً إزاء الأرمن وأبدت اهتماماً كبيراً بهم. وأقصد بذلك ما تم إنشاؤه عام 701 بموجب قرار كل من معاوية والخليفة أي تم إنشاء وحدة إدارية جغرافية في قوام الخلافة العربية أُطلق عليها أرمينيا، وضمّت كلّاً من "هياسلان" أي أرمينيا نفسها وجورجيا وألبانيا القوقازية أو ما يُعرف بـأران وشروان وأراضي شمال القوقاز. وكل تلك المناطق المنضمّة إلى الوحدة الإدارية المذكورة كانت تُسمّى بأرمينيا. أي يمكننا القول إنها كانت وحدة إدارية تشبه نوعاً ما الدولة.
وقد اتُّخذت مدينة "دوين" أو ما يُعرف بـ"دبيل" عربياً عاصمة لأرمينيا.

غسان الشامي: لم تحصل أية أزمات بين العرب والأرمن برأيك أبداً؟

نيكولاي هوفانيسيان: أعتقد أن فترة الحكم العربي التي دامت حتى عام 885 شهدت اشتباكات عسكرية أيضاً. وكان هناك بعض الأمراء العرب الذين هجموا على القرى والمدن الأرمنية وفرضوا دفع الضرائب أو قاموا بأعمال نهب. وشهدت تلك الفترة حالات هُزم فيها الأرمن على يد العرب خلال الاشتباكات. وتارة أخرى قام الأرمن بردع هجمات هؤلاء الأمراء العرب بالقوة. واستمر الوضع على هذا المنوال إلى أن زادت قوة الأرمن عام 885، ما جعل الخلافة العربية تعترف باستقلال أرمينيا عام 885. فأرسل الخليفة العربي التاج الملكي وهدايا ثمينة للملك الأرمني أشود الأول.

غسان الشامي: في نهاية هذا المحور، واقعياً، ما هو الدور الريادي الذي أدّاه الأرمن، الكثيرون يقولون ذلك، في العهدين الأموي والعباسي؟

نيكولاي هوفانيسيان: ثمة عاملان هامّان يتعلقان بالأرمن في العهدين الأموي والعباسي: أولهما العامل الاقتصادي لأن الأرمن كانوا دوماً بارعين في إدارة الأمور الاقتصادية والمهن الحرفية وصناعة السفن بامتياز. وكل هذه المهارات قدّموها للعرب أيضاً. وما عدا ذلك كان الأرمن أصحاب ثقافة عظيمة. وبالطبع هم تأثّروا بالثقافة العربية العظيمة أيضاً خصوصاً أفكار الفلاسفة العرب كالكندي الذي كان فيلسوفاً عراقياً من بغداد، وأبي العلاء المعرّي وهو كان من سورية، وابن رشد المعروف باسم أفيروس في أوروبا حينذاك. كان للأرمن إسهام كبير في ما كان يُعرف بالكيمياء لاعتبارها علماً شائعاً في تلك المنطقة برمّتها آنذاك. أي إنهم أثّروا على العرب وتأثّروا بهم في الوقت عينه. لذا بدت دائماً الأواصر الأرمنية العربية أكثر متانة. ولم تشمل تلك الأواصر مسائل سياسية فحسب، بل أيضاً مسائل ثقافية وعلمية وتجارية واقتصادية. وعلى سبيل المثال، نهر دجلة والفرات اللذان ينبعان من بلاد الأرمن. وكانت السفن الأرمنية تُبحر في النهرين مروراً بسورية والعراق ثم تخرج إلى الخليج العربي.

غسان الشامي: اسمح لنا إذاً أن نتوقّف مع فاصل.

أعزائي، فاصل ونعود إلى الحوار مع الدكتور نيكولاي هوفانيسيان، من ياريفان، "أجراس المشرق"، انتظرونا إذا أحببتم.

 

المحور الثاني

 

غسان الشامي: تحية لكم من ياريفان.

أعزائي، نذهب إلى تقرير عن متحف "ماتينا ديران" الشهير والمخطوطات العربية، ومخطوطات أخرى، ولكن هناك مخطوطات عربية قيّمة فيه لأن هذا يدلّ على عمق العلاقات الأرمنية العربية. نعود بعدها إلى الحوار مع الدكتور نيكولاي هوفانيسيان.

 

التقرير

 

وسط ياريفان يطلّ بناء بازلتي ضخم من فوق رابية محاطاً بتماثيل لمثقّفي الأرمن الكبار. إنه "ميتنا داران"، وتعني بالأرمنية مكتبة. إحدى أقدم المكتبات في العالم وأكثرها ثراءً، تضمّ أكثر من 17 ألف مخطوطة و300 ألف وثيقة بينهما 11,178 مخطوطة قديمة كاملة و2,227 مخطوطة من الفتات، و497 تعويذة، و2,904 مخطوطات بلغات أخرى من مختلف نواحي العلم والمعرفة.

بدأ المتحف منذ القرن الخامس في "إتش مينازين" بالتزامن مع الأبجدية الأرمنية عام 405، وضخّت فيه الأديرة والكنائس الأرمنية مخطوطاتها. وصل عدد المخطوطات عشية الحرب العالمية الأولى إلى 4,660. لكن الإبادة عام 1915 طاولت المكتبات والمدارس والأديرة والكنائس أيضاً. وفي عام 1921 تأسّس المعهد التاريخي الثقافي لأرمينيا السوفياتية، وجُمعت بجهد كبير المخطوطات الباقية والمخبّأة في أرمينيا وفي مناطق وجود الأرمن في الاتحاد الروسي وأكرانيا. فنُقلت 1,809 مخطوطات من "متنا داران إتش مينازين" إلى ياريفان عام 1939. وأُنجز بناؤه الحالي عام 1959. وجُلبت مخطوطات من مكتبة معهد "لازاريف" للّغات الشرقية في موسكو ومن عائلات أرمنية في حلب ودمشق. وتم تأسيس مركز أبحاث يتبع المتحف.

تعود أول مخطوطة في المتحف إلى القرن الخامس باللغة الأرمنية القديمة "غراباش". وفيه مخطوطة تاريخ الإسكندر الكبير بالأرمنية بعد ضياع النسخة اليونانية، ومخطوطة الأبجدية الأرمنية الأولى من القرن الخامس، وخرائط لأرمينيا الكبرى، ونسخ نادرة من الأناجيل، ومخطوطات طبية وعلمية وأدبية وفلسفية وتاريخية، كذلك مخطوطة بخط يد الطبيب الفيلسوف ابن سينا حول الرياضيات، ومخطوطات ووثائق بالعربية والفارسية والهندية والأفغانية والروسية وغيرها. وقسم منها بات إلكترونيا ومتاحاً.

 

غسان الشامي: أهلاً بكم مجدداً.

بروفسور هوفانيسيان، الأرمن مسيحيون. العرب مسلمون. ذكرت أنت أن قائداً ذهب إلى النبي محمّد. ولكن بعد النبي محمّد، ألم يتعرّض الأرمن لأي ضغط ديني مثلاً، دينياً أقصد، خلال العهود العربية، وتحديداً العهود المتأخّرة؟

نيكولاي هوفانيسيان: هنا أودّ الإشارة ردّاً على سؤالك إلى الخلفاء الراشدين الأربعة وهم: أبو بكر، عمر بن الخطّاب، عثمان، وعلي بن أبي طالب. وقد عرفهم التاريخ خلفاء متّقين وراشدين وأتباعاً ووارثين شرعيين لمحمّد. وعلى ما يبدو، لم تقع خلال حكم الخلفاء الراشدين الأربعة أحداث كتلك. لماذا؟ علينا النظر إلى الموضوع على الشكل التالي: لقد أكّد الخليفة عمر أيضاً ما أفتى به محمّد في المنشورات بخصوص الأرمن والسريان ومسيحيي نجران، أي إنه أبدى تأييده لها. كما حظيت بتأييد علي بن أبي طالب أيضاً. علاوة على ذلك، فإن صلاح الدين أيضاً راعى هذه الحقوق المتمثّلة بالميزات والتسهيلات الممنوحة من قِبل محمّد وعلي. لكن في العصور اللاحقة، خصوصاً بعد ظهور المماليك، تغيّرت الأوضاع، وكانت معاملة المماليك قاسية، كما مع العرب كذلك مع الأرمن والمسيحيين الآخرين. أمّا الخلفاء فقد حاولوا دائماً التفاهم مع الأرمن بصورة عامة. بدورهم، حاول الأرمن دائماً وقادتنا الدينيون شرح قضاياهم للعرب. هنا تتجلّى محاسن أخلاق العرب لا سيما سمة التسامح التي امتاز بها الشعب العربي، لأنه شعب صبور وجلود ومتسامح. لكن، كما تعلمون، أحياناً لا يكون هناك تشابه بين الشقيقين في الأسرة نفسها، بل هما يختلفان عن بعضهما البعض. لقد حصلت أحياناً أحداث مماثلة. لكن الخلفاء الراشدين الأربعة ومَن أعقبوهم حاولوا بشكل عام الحفاظ على العلاقات الطبيعية مع الأرمن، والأرمن كانوا راضين عنهم.

غسان الشامي: لا يمكننا قراءة تاريخ المنطقة من دون قراءة علاقة الأرمن بالفرس، وبعدما أصبحت بلاد فارس إسلامية.
كيف أصبحت العلاقات بين فارس والأرمن؟

نيكولاي هوفانيسيان: هنا لا بدّ من القول إن كليهما كان تحت حكم الخلافة العربية ويخضع للسياسة الداخلية والخارجية التي كان يمارسها العرب. لم تكن هناك دولة أو كيان فارسي مستقل قائم بحدّ ذاته داخل الخلافة، إذ كان الفرس والأرمن شعبين يخضعان لحكم واحد وقتذاك. فلا يمكننا الحديث عن علاقات أرمنية فارسية حتى القرنين التاسع والعاشر أي بعدما نال الفرس استقلالهم وباتوا يمارسون مُجدّداً سياسة غير ودّيّة تجاه الأرمن.

غسان الشامي: جاءت حروب الفرنجة أو ما سُمّي خطأ حروباً صليبية، لتكشف عن ضعف المنطقة. ما دور الأرمن في هذه الحروب؟

نيكولاي هوفانيسيان: يبدو أنكم قرّرتم طرح أسئلة صعبة للغاية اليوم. لا بدّ من أن أقول إن هذا السؤال هو من أصعب الأسئلة. إن الحملات الصليبية التي قادها المسيحيون لم يكن للأرمن أي إسهام في تنظيمها، بل تم تنظيمها من قِبل أوروبا، لا سيما من قِبل كل من بابا روما والقيصر الألماني وملك إنكلترا ريتشارد قلب الأسد وفرنسا وغيرهم. لماذا بدأوا بهذا الصراع؟ لأنهم كانوا يتظاهرون بأن صراعهم يهدف إلى إنقاذ قبر سيّدنا أي قبر يسوع المسيح الكائن في بيت المقدس. وكانوا يدّعون أنهم يذهبون لإنقاذ القبر. ربما انضمّ إلى هذه الحركة أشخاص ساذجون كانوا يؤمنون بأن الهدف من الحملات الصليبية يكمن في ذلك بالضبط. لكن إلى جانب هؤلاء الأشخاص كان هناك مغامرون أيضاً يعتقدون أن بلدان المشرق في منتهى الثراء وتعجّ بالذهب وفيها أصناف وألوان من مأكولات وملابس يذهبون للاستيلاء عليها نهباً. وقد تعامل الصليبيون في طريقهم بسوء مع الأرمن مروراً بـكيليكيا حيث كان هناك حكم أرمني قام وأُسّست دولة أرمنية عام 1080 للميلاد. تصوّروا، هذا كان من أندر المواقف عبر التاريخ: لقد فقدنا سيادتنا في أرمينيا، لكننا ذهبنا إلى كيليكيا وأقمنا دولة أرمنية فيها، وكانت مسيحية. وظهر الصليبيون هناك وفرضوا على الأرمن تزويدهم بما يتوفر لديهم من مأكل ومشرب وأماكن للمبيت فيها وغيرها. كما أنهم تعاملوا بسوء مع الدولة البيزنطية أيضاً، عندما سيطروا عليها وقاموا بتأسيس مملكة لاتينية هناك، هكذا كانت الأمور. لكن الأرمن أبدوا ذكاءً أكثر من خلال دعمهم البسيط لهؤلاء الصليبيين. إلّا أنهم لم يُسهموا جدّيّاً في الحروب الصليبية ولم يقاتلوا العرب المسلمين لا سيما صلاح الدين. وهنا لا بد ّمن القول إن صلاح الدين يرجع في أصوله وأنسابه إلى بلاد الأرمن لأن أجداده ولدوا في أرمينيا، ومن هناك انتقلوا إلى العراق، وأصبح صلاح الدين في مصر وسورية.

غسان الشامي: ولكن أيضاً، الصليبيون، وأنا لا أحب ذكر كلمة صليبيين، أقول فرنجة لأن الصليب كان شعاراً ليكونوا متوحّشين. احتلّوا الرها، وكان هناك أرمن في الرها. في ذلك الوقت ألم يتقاتل الفرنجة والأرمن؟

نيكولاي هوفانيسيان: جرت اشتباكات صغيرة صراعاً على بعض المناطق. لكننا حاولنا كالمعتاد التباعد عنهم ولو قليلاً لأننا كنا نشعر بالخطر الكبير المقبل من الصليبيين والذي كان يهدّد وجود الدولة الأرمنية. بالفعل، لقد تمكّنوا من إضعاف دولة كيليكيا الأرمنية بشكل ملموس. ونحن لا نسامح الصليبيين والدول الغربية على ما فعلوه.

غسان الشامي: حكم العثمانيون المشرق 400 عام بمن فيهم الأرمن. بماذا تقوّم الدور الأرمني خلال الفترة العثمانية؟

نيكولاي هوفانيسيان: انظروا، إنّي أطوّر وجهة النظر التالية، وهي أن العرب والأرمن وجدوا أنفسهم في قوام دولة واحدة ثلاث مرات عبر التاريخ: في قوام إمبراطورية ديكران الكبير الأرمنية التي ضمّت المشرق العربي أيضاً، ثم في قوام الخلافة العربية لكن هذه المرة أخذ العرب دور الصدارة عكس ما كان يتولّاه الأرمن في عهد ديكران، وفي قوام الإمبراطورية العثمانية.
وفي زمن الدولة العثمانية أصبحنا نحن الأرمن والعرب شعبين خاضعين لحكم آخر. ومنذ ذلك الحين أصبح الأرمن والعرب يتقاسمان المصير. ويقول المؤرّخ اللبناني صالح زهر الدين في أحد أعماله: إنني أشاطر نيكولاي هوفانيسيان رأيه أنه منذ القرن السادس عشر أي منذ بداية الحكم العثماني في البلدان العربية أصبح العرب والأرمن يتشاركون المصير. ولأي سبب؟
لقد أصبحت الدولة العثمانية عدوّنا المشترك لأنها كانت تمارس الضغوط علينا وعلى العرب أيضاً على الرغم من أن العرب والأتراك مسلمون. إلّا أن الأتراك كانوا يضطهدون العرب أيضاً، ومنعوهم من تدريس اللغة العربية واستعادة سيادتهم. وكل هذه الظروف لم تكن متوفرة. لهذا السبب، بعث شريف مكّة علي بن الحسين عام 1916 بمكتوب خاص إلى زعماء العالم الإسلامي قدّم فيه أسباب اعتراضه على الجهاد الذي كان العثمانيون قد أعلنوه، قائلاً: لقد قطع العثمانيون والسلطات العثمانية ما كان يربطهم بالنبي محمّد والقرآن الكريم والسنّة. لذا، أنا أطوّر النظرية القائلة إنه يوجد إسلام عربي قائم بحدّ ذاته، ويوجد إسلام عثماني تركي أيضاً. إذ إن الإسلام العربي هو دين التسامُح ويرفض الوحشية. أمّا الإسلام التركي فهو دين الوحشية والجزّارين.

غسان الشامي: إذا أخذنا لبنان مثلاً وجدنا حضوراً ودوراً أرمنياً بدعم عثماني، بمعنى أن الأرمن كانوا يتعاونون مع العثمانيين. كان هناك دائماً متصرف أرمني في لبنان. ماذا يعني هذا التناغم مع العثمانيين في فترات من خلال حكمهم؟

نيكولاي هوفانيسيان: أريد أن أقول إن هذه المسألة مثيرة للاهتمام. لكن لم يكن للمتصرفية وجود بشكل دائم، إنما تم إرساء نظام المتصرفية عام 1861 عندما كانت تجرى حروب دموية في لبنان، لا سيما الحروب بين المسيحيين والمسلمين في سورية عام 1861 وغيرها التي انتشرت إلى لبنان. هذا وقد اجتمعت الدول العربية وأُجبرت لأن الدولة العثمانية أيضاً كانت تشارك في ذلك، وهي التي كانت تحرّض على الفتنة بين المسلمين والمسيحيين كي يخضعوا ويطيعوا حكمها. لذا، قرّرت الدول الأوروبية تشكيل هيئة جديدة عُرفت بالمتصرفية. وكان أرتين كارابيت داوديان أول مَن تم تعيينه في منصب المتصرف الذي بموجب القانون المعتمد عام 1861 كان يجب أن يكون مسيحياً من الخارج وليس مسيحياً محلياً. وتمكّن من فرض النظام والقانون، وكان يعيق السلاطين في سعيهم لزرع الفتنة وإشعال مناوشات بين المسيحيين والمسلمين، إذ إن المصادر اللبنانية الخاصة بتلك الفترة الزمنية أيضاً تذكر أنه في عهد المتصرف الأرمني خُلقت ظروف ملائمة هادئة وتحوّل لبنان إلى بلد مزدهر. وآخر مُتصرّف أرمني هناك كان هوفهانيسيان.

غسان الشامي: الكثيرون لا يعلمون أن للأرمن دوراً في عصر النهضة العربية. لا يعلمون مثلا أن أديب إسحاق الذي قال ذلك البيت الشهير، تعرفه أنت، هو أرمني. ما دور الأرمن في عصر النهضة العربية؟ وهل كانوا مع الثورة على العثمانيين؟

نيكولاي هوفانيسيان: انظروا، عليّ ضبط مشاعري لدى الردّ على هذا السؤال. هل تعلمون لِمَ؟ لأن للأرمن دوراً كبيراً جداً في نشأة النهضة. وقد انعقدت الجلسة الأولى لأنصار النهضة في منزل شخص أرمني. وأقولَ أيضاً، وهذا ليس رأيي بل رأي الأوروبيين، إن رزق الله حسّون أو رزق الله حسّونيان وأديب إسحاق زورمانيان كانا أسطع نجمتين في عصر النهضة، وهما اللذان كانا مؤسّسي النهضة ومقدّمي أفكارها بدعم من بطرس البستاني وغيره من الشخصيات العربية في لبنان. وجميعهم عامل بعضهم بعضاً بوئام. وجاءت النهضة نتيجة مناهضة العثمانيين لأن العرب قبل ذلك الحين كانوا رزحوا لفترات طويلة تحت نير العثمانيين، وكلاهما أي العرب والعثمانيون مسلمون، وكأنهما كانا لا يشعران بهويتهما. وبفضل الأرمن أصبح العرب يشعرون بهويتهم العربية وبأنهم يختلفون عن العثمانيين كقومية وبأن العرب هم الذين أسّسوا الإسلام والذين قدّموا الأبجدية والقرآن.
لكنهم أصبحوا عبيداً في يد العثمانيين. ولذا، أيقظت النهضة العرب إذ أدركوا أن غريمهم الرئيسي هو العثمانيون، وأصبحت فكرة التحرّر من النير العثماني قضية تاريخية بالنسبة لسائر العرب.

غسان الشامي: إذا ذهبنا إلى مصر، هناك كان حضور أرمني واسع. للأرمن كان لهم حضور سياسي ثقافي عسكري اقتصادي. نوبار باشا رئيس وزارة في عهد محمّد علي. كيف تصف ملامح الحضور الأرمني في مصر؟

نيكولاي هوفانيسيان: لمصر دور هام للغاية في العالم العربي برمّته. ونفوذ مصر كان كبيراً لدرجة انتشرت معها سمعتها خارج العالم العربي أيضاً، وهكذا كانت الأمور. لذلك، استوطن الأرمن مصر أيضاً. وهذه طباع الأرمن. فهم لا يقدرون على الجلوس بهدوء، فلا بدّ من القيام بعمل أو نشاط ما سواء تقلّدوا مناصب حكومية أو أدّوا دوراً هامّاً في الجيش. وهذه سمة جيدة وليست سيئة. وفعلاً هكذا جرت الأمور. وقبل التطرّق إلى عهد محمّد علي، ينبغي علينا القول إن الأرمن كانوا يؤدّون دوراً كبيراً في عهد الفاطميين أيضاً، أي ما بين القرنين العاشر والحادي عشر. وبعدما ضعف الحكم الفاطمي، طلب الخليفة الفاطمي حكيم من الأرمن تقديم الدعم له. وكانت هناك شخصية أرمنية تدعى بدر الدين الجمالي الأرمني، وتحت إمرته جيش أرمني مؤلّف من 20 ألف جندي كانوا في طريقهم إلى أكروم في لبنان. ودخل بدر الدين الجمالي الأرمني مع جيشه وقوامه 20 ألف جندي إلى مصر. وهو سمح للخليفة بالبقاء على عرشه في مصر، لكنه فرض النظام والقانون في البلاد. وبالفعل أصبح حاكماً على مصر وأمير الجيوش فيها، أي أنه تولّى القيادة العامة للجيش. وهذا ما قام به نجله أفضل في وقت لاحق. أمّا محمّد علي والحقبة التاريخية الثانية التي أعقبت النهضة، فازدادت أهمية الأرمن فيها بشكل كبير. كان محمّد علي يقوّم عالياً الأشخاص الأذكياء والمثقّفين، وكان يبحث عن مثل هؤلاء الأشخاص فعلاً، فوجدهم بين الأرمن، ومنح مجالاً واسعاً لنشاط الأرمن إذ إن كل وزراء خارجية مصر في عهد محمّد علي كانوا من الأرمن، دمرجيان على سبيل المثال. في حين أصبح نوبار نوباريان المعروف باسم نوبار باشا عندنا أول وثاني رئيس للوزراء في مصر. وهو فعل الكثير لتعزيز مواقع مصر وتحريرها من الحكم البريطاني.

غسان الشامي: المستقبل.. كيف ترى المستقبل الأرمني في المشرق؟

نيكولاي هوفانيسيان: نحن نعتقد أن المشرق العربي هو ذلك المكان الذي وجد فيه الأرمن وطناً ثانياً لهم بعد أرمينيا.
عندما التقيت الرئيس حافظ الأسد والرئيس سليمان فرنجية ثم الرئيس العراقي أحمد حسن البكر، وأثناء حديثنا قلت لهم إن البلدان العربية هي الوطن الثاني للأرمن، وهنا كان الأرمن في أمن وأمان، وكان الأرمن يحظون بالاحترام لأن الأرمن ساهموا في تطوير البلدان العربية. لكن الأحداث الأخيرة أو ما سُمّي العامل الداعشي، تغيّرت بعده الأوضاع بشدّة.

غسان الشامي: أنا أريد أن أشكرك. هذا هو الوقت لديّ.

أعزائي، لا يزال الأرمن مهجوسين بالتاريخ. إنهم يتذكّرونه لأنه المآسي التي علّمتهم المحافظة على الإرث، كما علّمتهم محبة مَن كان نصيرهم.

شكراً للدكتور نيكولاي هوفانيسيان على حضوره في "أجراس المشرق" من ياريفان.
شكراً إلى "لاريسا وسارو غالبت"، هم مَن يقيمون ويحافظون على إرث هذا المتحف للرسّام الأرمني الشهير "غالفت"، وكل هذه الرسوم من لبنان.
شكراً للزملاء في "أجراس المشرق" و"الميادين".
شكراً لكم على المتابعة.

ومن ياريفان:

سلام عليكم وسلام لكم.