الاب يوحنا عقيقي ومعاونه جوزيف الاسد

مراكز الأبحاث في الشرق.

غسان الشامي: مساء الخير.

قبل عام ونيّف نشرت جامعة بنسلفانيا دراسة عن مراكز الأبحاث والدراسات في العالم من خلال 182 بلداً. وأحصت 6603 مراكز أبحاث، كانت حصّة البلاد العربية مجتمعة ومعها إيران وتركيا وقبرص والكيان الإسرائيلي 339 مركزاً ومؤسسة من المجموع العام أي خمسة بالمئة. واللافت أن قائمة البلدان الخمسة والعشرين التي تضم أكثر مراكز الأبحاث تخلو من أي بلد عربي، فيما تحتلّ إسرائيل المركز التاسع عشر. وللاستدلال فقط فإن واشنطن DC تضمّ قرابة 400 مركز فقط لا غير.
نحن أيها السيدات والسادة نعيش في عصر معرفي واقتصاد معرفي ومراكز الأبحاث ضرورة لتقدّم الأمم. ولذلك يسرّنا في "أجراس المشرق" الحوار مع الأب الدكتور يوحنا عقيقي نائب رئيس جامعة الروح القدس الكسليك للأبحاث، ومعاونه الدكتور جوزف الأسد، حول العمل البحثي والمركز ودوره ونتاجه. ننطلق إلى الحوار ولكن قبل ذلك مع تقرير عن جامعة الروح القدس الكسليك:

 

التقرير

 

عام 1938 بادرت الرهبانية اللبنانية المارونية إلى تأسيس جامعة الروح القدس الكسليك، وبدأ رهبانها بإدارتها والتدريس فيها. واعتُرف بها مؤسسة خاصة للتعليم العالي عام 1961 بكلّيّاتها القائمة وهي: اللاهوت والآداب والحقوق والفلسفة والعلوم الإنسانية. ثم حصلت على تراخيص بإنشاء ثماني كلّيّات وثلاثة معاهد هي: كلّيّات إدارة الأعمال والعلوم التجارية، الفنون الجميلة والفنون التطبيقية، العلوم الزراعية والغذائية، الموسيقى، الطب والعلوم الطبّيّة، العلوم والهندسة، العلوم الدينية والمشرقية، معهد التاريخ، المعهد العالي للعلوم التمريضية والمعهد العالي للعلوم السياسية والإدارية. وباتت تستقبل أكثر من ثمانية آلاف طالب. وتمنح شهادات الإجازة والماستر والدكتوراه. وأنشأت مراكز إقليمية في زحلة شرق لبنان وشكّا شمالاً ورميش جنوباً.

سعت الجامعة إلى صون وتعزيز التراث الثقافي الماروني والقِيَم الروحية والمدنية والأخلاقية. وفيها مكتبة مركزية هامّة وأخرى في زحلة ومثلها في شكّا. وتقوم مكتبتها المركزية بصيانة وإدارة محترف المحافظة على التراث المكتوب ومحترف الترقيم والنسخ التصويري والمحافظة على مجموعات نادرة ومتخصّصة من التراث اللبناني ابتداءً من أرشفة المخطوطات الخاصة بالرهبانية اللبنانية المارونية انطلاقاً إلى حفظ واستعادة المخطوطات والصوَر والخرائط والرسوم البيانية والكتب النادرة والصحف والدوريّات الوطنية القديمة مثل أرشيف موريس الجميّل ومخطوطات جبران خليل جبران.

ساهمت الجامعة في النهضة الليتورجية والموسيقية في لبنان. وتعبّر مجموعة الكتب الطقسية التي أصدرتها عن ذلك.

 

غسان الشامي: أهلاً بكم.

أهلاً بك دكتور وأبانا يوحنا عقيقي في "أجراس المشرق".

الأب يوحنا عقيقي: أهلاً بك.

غسان الشامي: أهلاً بك دكتور أسد.

جوزف الأسد: أهلاً وسهلاً.

غسان الشامي: دكتور عقيقي، تحت أي معيار وتلبية لأية حاجة أنشئ مركز الأبحاث في جامعة الروح القدس الكسليك؟
وفعلياً ما الفراغ الذي سدّه أكاديمياً ومعرفياً؟

الأب يوحنا عقيقي: في الواقع إن مركز الأبحاث بالمنظور الذي تتكلّم عليه الآن ليس قديماً في جامعة الروح القدس الكسليك. فهو يبلغ من العمر فقط عشر سنوات.

غسان الشامي: العمر كلّه.

الأب يوحنا عقيقي: ولكن قبل ذلك كانت هناك مراكز كما هي الحال أيضاً لا يزال حتى الآن في كل وحدة جامعية أي في كل كلّيّة وفي كل معهد هناك مختبر بحثي أو هناك مركز اختصاصي معيّن. أمّا الحاجة التي سدّها أو التي حاول مركز الأبحاث عند إنشائه، المركز الأعلى للبحوث عند إنشائه هو لوضع استراتيجية عامّة للبحوث. وعندما نتكلّم على استراتيجية عامّة فهذا يعني أن هناك أطراً يجب احترامها، هناك أهداف معيّنة يجب العمل من أجل تحقيقها، وهناك أيضاً ما نسمّيها.. لا أعرف إذا كان يمكنك أن تسمّيها نوعاً من مكافآت لبعض الأشخاص الذين يعملون في المجال البحثي أن يُظهِروا كفاياتهم، يُظهِروا نبوغهم، وبنوع أخصّ الهدف الأساسي كان أن نضع ضمن الاستراتيجية هذه الهدف الأساسي الذي دائماً نحن كمؤسسة أكاديمية همّنا الأساسي هو الطالب، أي تنشئة جيل جديد من المواطنين الذين لديهم القدرة ليس فقط على البحث وعلى العمل البحثي العلمي الرصين، إنما أيضاً على إبداء الرأي بحرّيّة، على النقد العلمي وعلى التفكير الواسع الأفق.

غسان الشامي: هذا السؤال يجيء من ملاحظة وجود مراكز أبحاث كثيرة اسميّة وصوريّة، ولكن على الأغلب فقط في العالم العربي. يخرج مؤسسو هذه المراكز إلى الإعلام مع صفة أنه مدير مركز كذا. تبحث عن المركز، تبحث عن نتاج هذا المركز فلا تجده. ما هي معايير إنشاء مراكز للأبحاث؟

الأب يوحنا عقيقي: صحيح. في السؤال أنت تضع يدك على الجرح، تضع يدك على الجرح. والجواب قد يكون أشمل من التركيز على إنشاء مركز بحدّ ذاته لأنه حسب ما حاولت أن أقول في جوابي الأول أنه إذا كانت تنشئة الطالب أو المواطن المستقبلي هي في البحث أي تحضّره على أسس سليمة، على أسس علمية متينة فهذا يعني أنه عندما تنشئ مركزاً بحثياً يجب أن يكون مكمّلاً لهذه الرؤية التربوية، الرؤية التأسيسية التعليمية الأساسية التي هدفها الأساسي أيضاً تنمية المجتمع ومساعدة المسؤولين المدنيين أيضاً في أخذ القرارات. فمن هذا المنطلق، الأهداف الأساسية التي يجب أن يتحلّى بها المركز هي بالأساس: لماذا أنشئ؟ حتى يسدّ حاجة معيّنة؟ بعض الأحيان نحن نسأل كثيراً لأن زميلي جوزف اختصاصه علمي، أنا اختصاصي فلسفة، علوم إنسانية.

غسان الشامي: سآتي إليه.

الأب يوحنا عقيقي: هو اختصاصه علمي. في الأمور العلمية نحن نقول دائماً، نحن لا يمكننا أن نسابق أوروبا ولا أميركا بالأمور العلمية. يمكننا أن نساهم، يمكننا أن نكون ويكون لدينا نبوغ معيّن ويكون لدينا أشخاص متفوّقون جداً. ونسمع بلبنانيين أو عرب يتفوّقون في العالم. ولكن على المستوى البحثي، إمكاناتنا والميزانيات التي تُعطى لا تؤهّلنا للمنافسة. بينما لدينا إمكان منافسة بالأمور التي يمكننا نحن أن نتخصّص بها التي تهمّنا في إطارنا هنا. لهذا السبب عندما أريد أن أنشئ مركزاً عليّ أن أنشئه ضمن هدف معيّن كي يسدّ حاجة معيّنة وليس كي ينافس. لاحقاً تأتي المنافسة عندما يفرض ذاته بعمله الجدي وعمله الرصين وعمله العلمي.

غسان الشامي: أنت قلت إن الغاية هي طالب بحثي.

الأب يوحنا عقيقي: نعم.

غسان الشامي: وهذا كلام متقدّم جداً في العلم المعاصر. أذكر أن أول مركز بحثي في العالم، وقلت إن عمر المركز عشر سنوات، كان في بريطانيا عام 1831 وهو المعهد الملكي للدراسات الدفاعية. أول جامعة عملت وقفيّة في العالم للأبحاث، عملت جامعة أكسفورد وقفيّة لتشجيع الدراسات الدينية. مركزكم، مركز الأبحاث لديكم من هذا السياق أين هو؟ وأين تحدّد اهتماماته؟ بماذا يهتمّ فعلياً في قلب هذه المنطقة من العالم وهذه المنطقة المأزومة من العالم؟

الأب يوحنا عقيقي: دائماً نقطة الانطلاق واحدة هي التي حدّدناها ضمن الهدف العام: الإنسان المشرقي. استراتيجيتنا حاولت أن ترسم ثلاث دوائر: الدائرة الأولى هي الحاجة اللبنانية المحلية. الدائرة الثانية هي الحاجة المشرقية، محيطنا الشرقي. والثالثة هي علاقتنا بالمتوسّط أي إطار أوسع قليلاً.

غسان الشامي: البحيرة المتوسطية.

الأب يوحنا عقيقي: نصل إلى أوروبا. فهناك إنسان معيّن وهذا الإنسان حسبما تعرف ويعرف كل المشاهدين وكل الناس الذين يسمعوننا، منطقتنا كانت مهد الديانات. كانت مهد الديانات اليهودية والمسيحية والإسلامية. فمن الطبيعي جداً أن كل مؤسسة حسب انتمائها، ولو كان لديها هذا الانفتاح على الجميع، فمن الطبيعي جداً أيضاً أن تهتمّ بخصوصيتها وأن تكون الأَولى بأن تبحث في خصوصيتها من أن غيرها يبحث فيها. لهذا السبب جامعتنا مذ تأسست وأول كلّيّتين فيها كانتا الفلسفة واللاهوت، وكان العمل الأساسي فيهما أولاً على الصعيد الوطني، وثانياً على الصعيد الكنَسي. لهذا السبب، في كلّيّة اللاهوت وخصوصاً في معهد الليتورجية نشأت أو وُلدت نهضة ما زلنا حتى اليوم تقريباً بعد نصف قرن من العمل، حتى توزّعت النتائج على كل الخارطة المارونية في العالم. اليوم أينما تذهب في العالم تسمع مارونياً يقدّس أو يرتّل يستعمل اللحن ذاته الذي...

غسان الشامي: الذي أخذ وقفيّته الكاملة من هنا.

الأب يوحنا عقيقي: الذي أخذ وقفيّته الكاملة من هنا. واسمح لي أن أوجّه تحية من القلب للراحل الكبير البروفسور لويس الحاج الذي أسّس معهد الموسيقى والذي كان مع الجماعة التي أسّست في معهد الليتورجية وبالكلية الأباتي يوحنا ثابت والحبيس الحالي يوحنا خوند والشاعر الكبير أيضا روفايل مطر –رحمه الله— الذين عملوا باللغة السريانية وترجموا الشعر السرياني شعراً عربياً. وتعرف أنه في القرى اللحن يبقى تقريباً فيه القاعدة ذاتها، لكن كل قرية تغنّيه بشكل مختلف. فالأمر الكبير الذي عمله الأب الحاج، البروفسور الحاج، أنه أعطانا الشيء الأساسي، حتى إنك اليوم أينما تذهب تسمعه نفسه.

غسان الشامي: أعاد السَرْيَنة إلى رهبنة أنطاكية وسائر المشرق السريانية؟ بهذا المعنى؟

الأب يوحنا عقيقي: إلى أصولها.

غسان الشامي: إلى أصولها.

الأب يوحنا عقيقي: إلى أصولها.

غسان الشامي: شكراً. دكتور جوزف الأسد، كونك مختصّاً بالواقع العلمي لمركز الأبحاث، كم بحثاً علمياً تنتجون في العام؟
هل تتوقفون فقط عند مؤتمرات؟ بماذا تهتمّ؟ انظر كم السؤال كبير: لمن تتوجّهون؟ مَن يستفيد ممّا تنتجونه؟

جوزف الأسد: مساء الخير أولاً. اسمح لي فقط بنقطة صغيرة. أهنّئك على المقدمة بالتأكيد، لكن نحن يجب أن ننظر إلى الأرقام بعين مجرّدة وعين لاسوداوية. الأرقام التي ذكرتها دقيقة جداً، لكن هناك مسألة صغيرة يجب أن نوضحها بخصوص هذه الأرقام. الأبحاث في العالم إجمالاً ما تقودها الأبحاث العسكرية. لذلك نرى الكيان الإسرائيلي موجوداً ضمن أفضل 25 دولة من حيث عدد المراكز البحثية.

غسان الشامي: أيضاً سأثني على ما قلته أن إسرائيل تقضم أغلب مراكز الدفاع والأمن في العالم.

جوزف الأسد: مئة بالمئة.

غسان الشامي: في الناسا موجودون. تفضّل.

جوزف الأسد: مئة بالمئة، مئة بالمئة. دائماً الأبحاث العسكرية تكون أحد الدوافع الأساسية. لذلك يجب ألّا نكون إلى هذا الحد سوداويين. نحن لدينا نتائج جيّدة جداً في الأبحاث في العالم العربي على عدة أصعدة. على صعيد الجامعة، المركز الأعلى للبحوث حين تأسّس، تأسّس بهدف قبل أن نقول إننا نريد مركزاً كانت ثمة حاجة إلى المركز كما سبق وتحدّث أبونا يوحنا. الحاجة إلى المركز نشأت من أنه يجب أن تكون لدينا رؤية عامة للأبحاث. لا يمكن أن تبقى الأبحاث لدينا متناثرة في عدة أماكن في الجامعة، في عدة كلّيّات في الجامعة. يجب أن يحصل تنسيق للجهود كي نستطيع أن نصل إلى الأهداف التي نريدها. إذاً، المسألة الأساسية قبل أن نتحدّث عن المنتوج نحن وضعنا لنا أهدافاً. قبل أن نضع الأهداف، الأهداف وُضعت على أساس دراسة أُجريت لواقع بحثنا ما هو وأين هو. رأينا نقاط قوّتنا، رأينا نقاط ضعفنا وقرّرنا. هناك نقاط ضعف سنعمل على تقويتها وهناك نقاط قوة ستكون هي كما يقولون المحاوِر الأساسية التي سنجري الأبحاث عليها.

غسان الشامي: ما دمت تحب النقاط المضيئة، إذا سمحت قل للمشاهدين ما هي نقاط القوة هذه.

جوزف الأسد: كنا نتحدّث خارج الهواء أولاً عن موضوع اللغة. أغلبية الأبحاث هذه مُجراة باللغة العربية. هذا يميّز جامعة الروح القدس الكسليك أن قسماً كبيراً من أبحاثنا مُجرى باللغة العربية وموجّه للعالم العربي وليس موجّهاً للعالم الخارجي.
على الصعيد الأكاديمي وحالياً في فورة تصنيف الجامعات وترتيب الجامعات التي تحصل التي تُدخل ناحية تجارية جداً للأسف إلى الجامعات تخسّرنا هذا الأمر لأن منشوراتنا العربية لا تدخل بأغلبيتها ضمن الترتيبات العالمية ولا تساعدنا ضمن الترتيبات العالمية. لكن هنا الجامعة قرّرت أن تأخذ قراراً أن هذا الأمر فيه إرث، فيه تاريخ علينا أن نحافظ عليه ونظل نمشي عليه.
هذه إحدى النواحي. الناحية الثانية المهمّة جداً في أبحاثنا كانت أننا لسبب أو لآخر نوعاً ما، مقارنة بالجامعات الأخرى، نحن جامعة شابّة. لدينا عنصر شابّ جداً بالباحثين. هذا الأمر يعطينا دينامية كبيرة جداً في الأبحاث، وهذا يعطينا اتصالاً كبيراً جداً مع العالم حولنا، كما قال أبونا إننا بدأنا من الحاجة اللبنانية. الدليل أنه من ضمن باحثينا لدينا خمسة هم مستشارو وزراء حاليين أو سابقين. نتحدّث عن أربعة حاليين ومستشار لوزير سابق. فالجميل في ما نعمله هو أن لدينا أبحاثاً تصل إلى صانعي القرار وتستطيع أن تؤثّر على صانعي القرار. هذه أيضاً واحدة من نقاط القوة التي كانت موجودة لدينا. أيضاً من الأمور التي تميّز جامعة الروح القدس الكسليك ما يُسمّى بالـ
bibliometrics أو نوعاً ما بالأرقام التي تختصّ بالمنشورات أن قسماً كبيراً جداً من منشوراتنا يكون مع كتّاب لاأكاديميين، فهناك علاقة جيّدة جداً تكون مع الصناعي اللبناني. هناك علاقة جيّدة جداً مع المجتمع اللبناني لأن ثمة كتّاباً يكونون من المجتمع المدني، هناك كتّاب يكونون من الحركات البيئية الموجودة في المنطقة.

غسان الشامي: ولكن هذا جزء من عمل مراكز الأبحاث. أي أن تخرج مراكز التفكير من الأكاديميا إلى مبدعين خارج الأكاديميا.

جوزف الأسد: مئة بالمئة. هذا الأمر تميزت به جامعتنا في لبنان وحتى في الشرق الأوسط لأنه في الدول العربية لا نجد كثيراً، كما قلت أنت في البداية، أننا نجد أسماء لمراكز أبحاث لكن لا نرى مفهوم الـthinktanks الذي تتحدّث عنه. لذلك، لا أعرف إذا لاحظت، التحوّل الذي يحصل عندنا في الجامعة يكون ظاهرياً وأيضاً يكون متأثراً بالأبحاث. هو تحوّل يذهب باتجاه البيئة.

غسان الشامي: اسمح لي أن أبقى في الأكاديميا قليلاً معك. كيف يمكن أن تنتج بحثاً معرفياً يرتبط بالواقع ويساهم بتطويره؟
لأن أي بحث ليست له علاقة بالواقع هو بحث في الهواء الطلق كما نجلس نحن الآن في حرم جامعة الروح القدس الكسليك.

جوزف الأسد: مئة بالمئة. هنا كان ثمة دور أساسي للاستراتيجية التي وُضعت في المركز وفي مجلس الجامعة تم التوافق عليها. الاستراتيجية حدّدت أهدافاً أساسية. كنت أتحدّث عن الموضوع البيئي. مؤخراّ ليس هناك موضوع ثمة حاجة له أكثر من الأبحاث البيئية في لبنان. نسمع كثيرين يتحدّثون وناشطين وباحثين، لكن فعلياً أين المنتوج. نحن ركّزنا على الموضوع هذا.
كل سنة نوجّه دعوة إلى الباحثين كي يقدّموا طلباً لتمويل أبحاثهم. هذه السنة أحد الأهداف الأساسية وأحد المحاور الأساسية هو المحور البيئي. جامعة الروح القدس الكسليك طوال عمرها هي بنت بيئتها، نسمع بيئتنا إلى ماذا هي محتاجة. والدليل هو نجاحنا في علاقتنا مع الصناعيين التي كنا نتحدّث عنها. هذا دليل مهم جداً. يقولون إن الصناعي اللبناني ليست لديه الإرادة أن يتعاون مع الأكاديمي. اكتشفنا أنه لا إذا استطعت أن توصل الصناعي إلى هدفه استطعنا أن تكون لدينا علاقة طويلة جداً معه. والدليل أن لدينا عدة علاقات منذ عدد كبير من السنين مع عدة صناعيين موجودين في لبنان أو حتى شركات لبنانية موجودة في الخارج.

غسان الشامي: دائماً هناك الكلام على التمويل. المراكز التي لا ترتبط بجهات سياسية أو بدول أو بجهات رسمية تشتكي من التمويل. لديها هاجس اسمه المال، دائماً حتى لا نختبئ خلف أصابعنا. تمويلكم للمركز من أين يأتي؟

الأب يوحنا عقيقي: أيضاً هذا من الأسئلة التي نعتبرها أساسية في البحث لأنه لا يمكنك أن تُجري بحثاً كما لا يمكنك أن تُجري أي مشروع في الحياة إذا لم تبحث أولاً عن مصادر تمويل له. إذا أردت أن تؤسس شركة أو تبني بيتاً، ما تريد أن تعمل يجب أن تبحث عن مصدر تمويل. وخصوصاً إذا أردت أن تحضّر أطروحة. إذا أردت أن تحضّر أطروحة في الجامعة تحتاج إلى مَن يدعمك، تحتاج إلى مَن يدفع لك قسطك، مَن يدفع لك أبحاثك. في جامعة الروح القدس الكسليك يمكنني أن أقول، من ناحية بفخر، ومن ناحية ثانية أيضاً بقليل من الأسى: بفخر أن جامعة الكسليك تموّل ذاتها حتى الآن. وبأسى أنه ليست هناك نظرة مجتمعية. صحيح كما قال الدكتور الأسد إن لدينا علاقة جيدة مع الصناعيين ومع رجال أعمال في لبنان. لكن لا يزالون حتى اليوم ينتظرون منّا ماذا نعطيهم. لا يقولون هم: هذه مليون دولار اعمل لي المشروع الفلاني أو حدّث لي آليّات فلانية أو مكننة فلانية.

غسان الشامي: فاجأني لأنني أعرف أن الصناعيين بخلاء خصوصاً في العمل البحثي.

الأب يوحنا عقيقي: يستفيدون منّا. قليل جداً، قليل قليل قليل جداً ولا يُذكر الذي نحصل عليه. أغلبية التمويل يمكن أن نعتبر، حتى لا أكون مجحفاً، حتى أكون موضوعياً، تقريباً 90 بالمئة من التمويل هو تمويل ذاتي. ويبقى عشرة بالمئة بالاشتراك مع المراكز العالمية إن كان الأوروبية أو غيرها. ونحصل أيضاً على تمويل مشترك مع بقية المراكز وبقية الجامعات إن كان الأوروبي من إيراثموس، من إيروماد، أو من ... أو غيره. وأتصوّر أن هذه المشكلة ليست مشكلتنا وحدنا. كل الجامعات العربية تعاني من التمويل، تعاني من المصدر الأساسي الذي يجعلك تعمل مرتاحاً لأنه اليوم الأستاذ الذي يعلّم والذي يُعطي من كل قلبه، ثم تطلب منه أن يُجري أبحاثاً ولا يأخذ شيئاً بالمقابل تجاهها..

غسان الشامي: هذا أسى عام في غياب الدول الراعية للأبحاث. اسمح لي أن أذهب إلى فاصل.

أعزائي فاصل ونعود إلى الحوار حول مركز الأبحاث في جامعة الروح القدس الكسليك ومراكز الأبحاث في العالم وكيفية تمويلها وماذا تقدّم مع الأب الدكتور يوحنا عقيقي والدكتور جوزف الأسد. انتظرونا بعد الفاصل.

 

المحور الثاني

 

غسان الشامي: تحية لكم من "أجراس المشرق".

دكتور عقيقي، سألتك في المحور الأول عن التمويل. ويبدو أنه همّ يطول.

الأب يوحنا عقيقي: صحيح.

غسان الشامي: ما دور النُخَب الفكرية في تنمية مراكز الأبحاث والدراسات؟

الأب يوحنا عقيقي: في البحث الجدي والرصين، إلى جانب التمويل أنت بحاجة إلى باحث جدي ورصين. فهذا الباحث يجب أن يكون من النخبة. يجب أن يكون باحثاً لديه شيء جديد يعطيك إياه. لديه أولاً منهجية، لديه فكر، ولديه رؤية لأنه أيضاً من ضمن... إذا عدت إلى سؤالك الأول، أنا حين أعطي بحثاً أو أجري بحثاً معيّناً ليس لأجل البحث، البحث لأجل البحث. هناك أيضاً أبحاث بعيدة وأهداف تنموية وأهداف اجتماعية. أغلبية مراكز البحوث وأغلبية الجامعات اليوم تعمل على ما نسمّيه بالدارجة الأخذ والعطاء. فلا تستطيع كل الجامعات أن تموّل ذاتها في كل شيء. هناك مساندات. ربما اليوم مختبري ليس كاملاً، أستطيع أن أستفيد من مختبر في الجامعة الأميركية أو في اليسوعية أو في الـNDU وإلى آخره. وهم أيضاً.

غسان الشامي: دكتور أسد، كيف يتفاعل مركز الأبحاث في الجامعة مع مراكز أخرى في لبنان؟ مع بيئته؟ مع مراكز أخرى في المشرق والعالم العربي؟ وهل تتفاعل فعلاً السلطات المختصّة؟ هل مثلاً جاءت دولة ما أو رئيس ما أو مجلس وزراء ما وقال لكم: نريد بحثاً عن وضع العمالة في لبنان أو عن وضع الفقراء في منطقة من لبنان؟ هل هذا الأمر موجود؟

جوزف الأسد: فعلياً سنبدأ بالسؤال من أوله كما طرحته أنت. التفاعل مع المراكز الأخرى الموجودة في المنطقة كبير. الدليل أن لدينا أكثر من 180 معاهدة موقّعة مع جامعات ومراكز أبحاث في المنطقة وخارج المنطقة. فلدينا عدة مشاريع تُعمل في إطار المركز الوطني للبحوث اللبناني، كما أن لدينا عدة مشاريع تُجرى مع مراكز أبحاث وجامعات خارج لبنان. بموضوع البحث المؤثّر أو ما يُسمّى بالبحوث التطبيقية أو المطبّقة، مؤخراً كانت لدينا عدة مؤتمرات طرحت من هموم المجتمع الفعلي أكان مؤتمراً عن الطفل أو كان مؤتمراً عن المرأة وحالة المرأة سابقاً إلى البحوث العلمية أكثر والتطبيقية أكثر بالجانب الذي يُسمّى بالعلوم التطبيقية. نحن نعمل على عدة أبحاث. سبق وتم تطوير عدة خطط عربية في داخل حرم جامعة الروح القدس الكسليك. هنا أستطيع أن أتحدث عن الموضوع لأنني كنت الشخص المعني حتى بالموضوع، ما يُسمّى بالإطار العربي لكفاية الطاقة والطاقة المتجددة. عُمل بتعاون بين جامعة الروح القدس الكسليك والمركز اللبناني لحفظ الطاقة وجامعة الدول العربية. هذا العمل كان نتاجاً وُضع في جامعة الدول العربية، مجلس وزراء الطاقة العرب. جامعة الدول العربية، نتحدّث عن أعلى مراكز القرار. لاحقاً ما يُعمل به، ليست مسؤوليتنا نحن. نحن يمكننا أن نوصل النتيجة العلمية للشخص المعني. القرار له في النهاية.

غسان الشامي: أعتقد أن المشاهدين يعرفون ماذا يفعلون في جامعة الدول العربية بهذه المشاريع. تفضّل.

جوزف الأسد: فالتفاعل هنا كان تفاعلاً أساسياً. والتفاعل دائماً يهمّنا أن يكون ما يُسمّى بكِلا الاتجاهين. نحن نرسل من عندنا باحثين كثراً إلى الخارج، كما أن ثمة باحثين يأتون من الخارج إلينا. الفكرة الأساسية هنا أنه إجمالاً المراكز البحثية خارج لبنان لديها القدرة التمويلية أو لديها البنية التحتية كي تستطيع أن تكون لها أبحاث. لكن نحن دائماً لدينا القيمة المضافة بباحثينا، بالأشخاص الذين يكونون عندنا والذين يخرجون من عندنا إلى الدول الخارجية وتكون لديهم قيمة مضافة كبيرة جداً في هذا الأمر.

غسان الشامي: مثلاً مراكز الأبحاث العلمية في العالم العربي، هل لدينا في المنطقة برأيك، بتجربتك العلمية، خطة لهذه الأبحاث؟ خطة للبحث العلمي؟ مَن يُنفق عليها؟

جوزف الأسد: للأسف، لنبدأ من لبنان، ليست موجودة على النطاق الضيّق. على النطاق الأوسع، نطاق الدول العربية، ولا مرة كانت هناك خطة موحّدة للأبحاث. كان هناك بعض المبادرات في بعض الفترات الزمنية لا استطاعت أن تكمل ولا استطاعت أن تعمَّم في مكان ما. بدأت وانتهت بشكل سريع جداً. لكن للأسف، لا، لدينا جمعيات كثيرة تُعنى بالجامعات، لكن لم تستطع أي منها أن تفرض ذاتها كي تقول: هذه استراتيجية للأبحاث في المنطقة العربية. وأحد الأسباب الأساسية هو السبب الذي تفضّلنا وتحدّثنا عنه قبلا وهو التمويل.

غسان الشامي: الأب الدكتور يوحنا عقيقي، بشكل عام، ما هو برأيك فعلاً بعد هذه التجربة الطويلة تأثير مراكز الأبحاث لدى صنّاع القرار؟ هل فعلاً توصّلتم إلى أن لهذه المراكز دوراً في رسم السياسات العامة؟ على سبيل المثال، في الغرب هناك مراكز فعلاً ترسم سياسات عامة. يمكن أن تكون خاطئة، يمكن أن تكون ضدّنا. ولكن هناك دور لهذه النخب الموجودة في مراكز الأبحاث. عندنا، هل هذا موجود؟

الأب يوحنا عقيقي: البعض يعتبر أن الجواب واضح أنه ليس هناك تأثير أبداً. ولكن ظهرت بعض المؤشرات. من جملة الأمور التي قالها الدكتور أسد، حين أجرينا بحوثنا عن المرأة العربية ثم عن الطفل اللبناني، وهذه هي الأجدّ، منذ 2012 حتى الآن، وتحضّر كلٌّ منها لسنتين أو ثلاث، وكان هناك اشتراك من غير وزارة إن كان وزارة الشؤون الاجتماعية أو وزارة العمل أو وزارة الثقافة أو وزارة التربية. دائماً كانت هناك توصيات، وهم يطلبون توصيات كيف نستفيد لاحقاً من بحوثكم.

غسان الشامي: هذا مفرح.

الأب يوحنا عقيقي: ومسألة مهمة جداً أحب أن أنوّه بها، وأريد أن أشكر أيضاً وزير الشؤون الاجتماعية الحالي الأستاذ رشيد درباس، حين كنا نقيم مؤتمر الطفل سمح للمسؤولين عنده الذين يعتنون بشؤون الطفولة وغيرها أن يعلنوا نتائج أبحاث تجريها الوزارة، أعلنوها من عندنا من هنا. كانت لأول مرة تصدر إحصائيات وتصدر دراسات قامت بها الوزارة صدرت من عندنا، على أمل أنه لاحقاً أعمال المؤتمر مع توصياته كلها تصدر في كتيّب بيننا وبين الوزارات المعنيّة. فهذه من المؤشرات الإيجابية. ولكن للأسف أيضاً، بعض الأحيان الوزراء أنفسهم ليس لديهم قرار بأيديهم لأننا نتأثر بسلطات غير حكومية وبسلطات غير رسمية. فهناك الكثير من القرارات تبقى في الأدراج، تبقى على المكاتب، لا تصل إلى أن تنفَّذ.

غسان الشامي: هذا يدفعني، هل المؤتمرات التي لها علاقة بتركيبة المنطقة الروحية، كي لا أذكر كلمة دينية، ولكن بتركيبة هذه المنطقة الروحية، بمستقبل الكنائس لنفترض أو بمستقبل العلاقات الإسلامية المسيحية، تجد لها صدى لدى القادة الروحيين في بلادنا؟

الأب يوحنا عقيقي: نحن اهتممنا كثيراً بالوضع وحاولنا أن نواكب ما يحصل حالياً في منطقتنا مذ بدأ ما سمّوه بالربيع العربي. حاولنا أن نعمل، ومركز البحوث لدينا هو مَن قام بالمبادرة، حاولنا أن نعمل دراسات عن ما هي الثورة التي تتكلمون عليها، هذا الربيع ماذا يعني. وأتوا من مصر وتحدثوا، وأتوا من تونس وتحدثوا، أتوا من الخارج وتحدثوا.

غسان الشامي: وقسم ممّن تحدّثوا عادوا وغيّروا رأيهم.

الأب يوحنا عقيقي: عادوا وغيّروا رأيهم. بالتأكيد عادوا وغيّروا رأيهم.

غسان الشامي: من المتابعة هذا، من متابعتي.

الأب يوحنا عقيقي: وأيضاً حتى قبل ذلك، كنت تكلّمت معك في البداية، حين كنت عميد كلّيّة الفلسفة ركّزنا لأنه كان همّنا الأساسي.. كنا نعرف، أنا ابن الحرب. أنا كنت شابّاً حين بدأت الحرب عام 1975، وكلنا منذ ذلك الوقت حتى الآن نعيش في الجو هذا. وعينا لمسألة أن المشكلة الأساسية في البلد هي مشكلة تربية. فلهذا السبب، عليك أن تربّي إنساناً على مواطنة صحيحة، أن يكون مواطناً صحيحاً. فلهذا السبب أقمنا عدة مؤتمرات وعدة دراسات حتى نوعّي لهذا، من جملتها: الله والحق في الاختلاف. كان فيه تقريباً من 60 دولة أتوا، حتى من الصين والهند، من أستراليا وأميركا وأوروبا ومن هنا من لبنان ومن المغرب العربي. ثم: ثلاث ديانات، إنسان واحد. ثم أقمنا مؤتمراً عن المواطنة، أقمنا مؤتمراً عن الديمقراطية، أقمنا مؤتمراً عن كل الأمور هذه حتى نوعّي لأن هذا هو همّنا الأساسي، لأنه إذا لم تصل أبحاثك إلى مَن يجب أن تصل إليه وتحقّق أهدافها فضعها في الدُرج إذ لا معنى لها. المكتبات مليئة بالأبحاث.

غسان الشامي: دكتور أسد، فعلياً، بالتجربة، ما هي معيقات العمل البحثي؟

جوزف الأسد: لن نعود لنتكلم على التمويل ثانيةً.

غسان الشامي: وخارج التمويل.

جوزف الأسد: خارج التمويل.

غسان الشامي: لنعترف بأننا نعيش في بلاد الديمقراطية فيها شكلانية، حرية عظّم الله أجركم. المعيقات، لنتكلّم للناس على معيقات.

جوزف الأسد: البنى التحتية أحياناً تنقصنا كثيراً في لبنان. لذلك تحدّث أبونا يوحنا عن أنه أحياناً يصبح هناك تعاون على صعيد المختبرات بين عدة جامعات، فنحن نستعمل مختبرات في جامعات أخرى وجامعات أخرى تأتي إلينا إلى مختبراتنا لأننا لا نستطيع أن تكون لنا بنى تحتية بكل القطاعات. من جهة أخرى، أحد المعيقات الأساسية هي أنك أحياناً بحاجة إلى هذا الدعم الداخلي كي تستطيع أن تظل تعمل على أبحاثك لأن مهنة الباحث ليست سهلة أبداً. فكيف إذا قلنا في لبنان إنه باحث وأستاذ ومربّي؟ فهنا تصعب أكثر وأكثر المهنة.

غسان الشامي: أعانه الله.

جوزف الأسد: هذه مسألة ليست سهلة أبداً. ويكون أيضا ربّ عائلة فتزيد صعوبتها أكثر وأكثر. فهنا أيضاً نحن بحاجة إلى أن نستمر بإيجاد حوافز لهذا الباحث كي يبقى قادراً على أن يكمل بحثه، لأنه سبق وقلت لك إن القيمة المضافة لدينا هي بالإنسان. فلا نحن قادرون على أن ننافس الدول الغربية بحجم منشآتنا البحثية ولا بأي شيء آخر سوى بالباحث عندنا، وأساسنا ورأسمالنا يكون الباحث. فهنا التركيز يجب أن يكون عليه، فلذلك يجب أن نرى ما العوائق التي يمكن أن تواجهه شخصياً. سبق وعملنا في استراتيجيتنا، في استراتيجية الأبحاث، وأبونا يوحنا شدّد على أن هذه يُفترَض أن تكون فكرة أساسية. إحدى ركائز استراتيجية الأبحاث كانت الباحث بشخصه، أي نحن ماذا نستطيع أن نقدّم له من حوافز. هذه هنا مسألة أساسية.

غسان الشامي: تريد أن تضيف شيئاً أبونا يوحنا. لكن وقتي صار ضيّقاً. أجِب، ولكن سأسألك سؤالي الأخير لأنني عرفت أنكم ستقيمون مؤتمراً عن الأقليات. أنا دائماً أخاف على استدامة العمل البحثي. سؤالي كان للدكتور أسد أنني متخوّف.
احترامي للأبحاث يجعلني أتخوّف على استدامة العمل البحثي. هل نتكلم أيضاً على مؤتمر الأقليات إلى ماذا.. لأن كلمة أقليات باتت كلمة تعني تمييزاً عنصرياً إلى حد ما.

الأب يوحنا عقيقي: في الواقع، الكلمة لأنها بحدّ ذاتها كلمة جديدة، ليست قديمة كلمة الأقليات، إذا أردت أن أستبق ماذا يمكن أن أقول في المؤتمر الذي فعلا هو من إعداد مركز دراسات الأقليات في الشرق الأوسط، وعنوانه الأساسي: الأقليات في الشرق الأوسط – مسألة الحقوق وتحدّيات المواطنة. والإشكالية واضحة في الموضوع. الأقليات، إذا عدت إلى تايلر الكندي، لم يسمِّهم Minorities، بل سمّاهم Communarities، أي بمعنى آخر، لا أعرف إذا الترجمة العربية يمكن أن توافق الطوائفية أو المجتمعات.

غسان الشامي: المكوّنات.

الأب يوحنا عقيقي: المكوّنات. لكن مكوّنات ماذا؟

غسان الشامي: أو التكوينات. هناك خلاف على التعبير.

الأب يوحنا عقيقي: مكوّنات عرقية، مكوّنات دينية، مكوّنات ماذا. المهم أن ثمة واقعا، والمشكلة عندنا في المنطقة هنا غير مشكلة كندا أو غير مشكلة أوروبا أن الأقليات هي أقليات مميّزة بانتماء ديني أكثر منه عرقي أو غير عرقي أو لغوي. هي دينية. المشكلة هنا. لو لم تكن ثمة مشكلة دينية لما كانت ثمة مشكلة في التسمية. المشكلة الدينية هي التي تسبّب مشكلة تسمية.
لهذا السبب، إذا أردت أن أربط مثلاً مسألة الدين باللغة، نحن نعرف أن العروبة هي الأكثرية، وكل الطوائف في العروبة أقليات.

غسان الشامي: حتى العروبة هناك خلاف عليها.

الأب يوحنا عقيقي: حتى العروبة. مَن يتكلمون العربية.

غسان الشامي: هناك عرب وأعراب. حتى هذه لم يُتّفَق عليها.

الأب يوحنا عقيقي: أي أصحاب لغة الضاد هم الأكثرية.

غسان الشامي: بالتأكيد.

الأب يوحنا عقيقي: وإن كنت مسيحياً أو مسلماً أو كائناً ما كنت، أنا في الأكثرية هذه. فهنا تُغيِّر قليلاً النظرة، أحسن من أن نقول: هذه الطائفة أكثرية أو هذه الطائفة أقلية. حين نتحدث عن مفهوم مواطنة، حين نتحدث عن مفهوم إنسان، حين نتحدث عن مفهوم حقوق، تسقط التسميات الأخرى.

غسان الشامي: يسقط المفهوم الأقلَّوي.

الأب يوحنا عقيقي: بالتأكيد يسقط، بالتأكيد يسقط، لأنه ليس هناك أهم من قيمة الإنسان. الإنسان هو الأكثر. أحببت أن أعلّق على ما كان يقوله، إضافة صغيرة، مشكلة الأبحاث في لبنان خصوصا، أين في غير التمويل لدينا مشكلة في لبنان، هي كثرة الجامعات والمعاهد التي أصبحت فقط كي تعطي شهادات وليست لتُجري أبحاثا. وهذه خلقت جوّا عامّا فلم يعد الهدف الأساسي، كما بدأت أنت، أن تصل إلى نخبة معيّنة، تصل إلى امتياز معيّن. وهذا ما جرّبت أن أتداركه في الأساس أن التربية الأساسية هي تربية بحثية، أنك تنشئ طالباً باحثاً. قبل أن تعطيه شهادة كي يعمل، هو قادر في عمله أن يتميز ويطوّر عمله، وليس أن يعمل عمله كما يجب. وهذا يجعله ضمن وضعه الاجتماعي إن كان أقلَّويّاً أو أكثريّاً أن يكون مميزاً. فحينها تسقط كل الأمور.

غسان الشامي: دكتور أسد، برأيك، في سيرورة هذا المركز، ما هي الأبحاث الضرورية التي يجب في بلادنا التركيز عليها في ظل الأوضاع السائدة؟

جوزف الأسد: سبق وقلت لك إننا مؤخراً أطلقنا المحاور التي سنعتمدها للسنة هذه أو للسنتين المقبلتين. في الشقّ الأول نحن نركّز على الأبحاث التي تتعلّق بالشباب اللبناني بمختلف أوجهه، إن كان يتعلق بإمكانات العمل وفرص العمل للشباب اللبناني، كما أنه في النظم التعليمية الجديدة التي تُطرح للشباب اللبناني، فأخذنا موضوع الشباب أحد الموضوعات الأساسية في محاور الأبحاث لدينا. الموضوع الثاني الأساسي أيضا والمفروض أن نضيء عليه هو الموضوع البيئي. والبيئة هنا بالمعنى الواسع للأبحاث البيئية، أكان بحلول النفايات التي تُعمل، والتي نحن فخورون جداً بأن جامعتنا قريباً ستكون رائدة في هذا الأمر، أو كان في الأبحاث التي تُجرى بكفاية الطاقة أو الطاقات المتجددة. فلدينا الموضوع البيئي موضوع همّ أساسي، موضوع الغذاء والماء دائماً يكون أحد الموضوعات الأساسية عندنا في الأبحاث. والآن صرنا في العالم كله نتحدث عمّا يسمى بالـfood‑water‑energy nexus أي بالمعضلة الموجودة ما بين الطاقة والمياه والطعام، أي واحد يجب أن يأتي قبل الآخر وأي منها أولوية أكثر. فهذا الموضوع أيضا ندرسه. وما نركّز عليه نحن هي المحاور البحثية التي نقول إنها ...... أو التي تمتدّ بغير اختصاص. فكل موضوع نحاول أن ندرسه نحاول أن ندرسه بالشقّ الاجتماعي والشقّ الإنساني له كما أننا نحاول أن ندرسه بالشقّ التقني.

غسان الشامي: معي دقيقة واحدة، أبونا يوحنا عقيقي. هل تخشون من أن تتحوّل، في حفلة الجنون التي يعيشها عالمنا العربي ويعيشها المشرق، مراكز الأبحاث إلى حفلة للعلاقات العامة كما نشهد عند البعض؟

الأب يوحنا عقيقي: أولاً نتمنى أن لا. كما نقول دائماً، ونحن الآن في زمن القيامة، زمن الرجاء، نحن أبناء الرجاء، نحن دائماً نرى الدنيا حلوة، نراها بيضاء، نراها منيرة. لهذا السبب نحن نسعى. ليس فقط أننا نراها هكذا ونتأمّلها. نسعى ونعمل من أجل تحقيق هذا الأمر أن تكون مراكزنا هي مراكز فعل أساسية. وأنا أنتمي وجماعتنا تنتمي إلى رهبانية لبنانية مارونية عمرها تقريباً أساسي، واسمها من اسم لبنان ومن اسم جزء من هذه المنطقة. فنحن نحاول أن نعمل أيضاً لبناء هذه المنطقة كلها إن كان في جامعتنا أو بقية مؤسساتنا. لهذا السبب، الأبحاث يجب أن تصل، لا يجب أن تقف وتصبح فقط تظاهرات اجتماعية.

غسان الشامي: والمشكلة أن عملنا في الإعلام أن نضع يدنا على النقاط السود كي نصل إلى البياض الذي تريده.

شكراً. صحيح أن المستقبل للمعرفة، ونحن بلاد تُساس بعكسها. لكن للتوضيح، فإن الكثير من مراكز الأبحاث في العالم تساس بالمال السياسي. وهذا ما كشفته مؤخراً صحيفة نيويورك بوست من ضخّ دول مثل الإمارات وقطر والناروج واليابان أموالاً في مراكز بحثية للتأثير في السياسات الأميركية. لا تستغربوا إن قلت لكم إن معهد بروكينغز الذي تأسّس قبل مئة عام بالضبط من هذه المراكز.

شكراً للأب الدكتور يوحنا عقيقي والدكتور جوزف الأسد على حضورهما وإضاءاتهما لهذا الكمّ من المعلومات في "أجراس المشرق".
شكراً للزملاء الذين قرعوا معي هذه الأجراس من جامعة الروح القدس الكسليك.
شكراً لكم في بيوتكم على لطف المتابعة.

وسلام عليكم وسلام لكم.

 

وأد الفتنة

المزيد