ثقافة الحج الأكبر

قال الله تعالى في محكم التنزيل: الحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فيهِنَّ الحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلا جِدَالَ في الحَجِّ، وَمَا تَفْعَلوا مِنْ خَيْر يَعْلَمْهُ اللهُ، وَتَزَوَّدوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقوى، والحج مؤتمر إسلامي عالمي كبير، تتحقق فيه الوحدة والتلاقي والتآزر والتعاون بين المسلمين وتذوب فوارق اللغة واللون والإنتماء الجغرافي بين المسلمين، وإذا أردت الحج فجرد قلبك لله من قبل عزمك من كل شاغل وحجاب كل حاجب وفوض أمورك كلها إلى خالقك وتوكل عليه في جميع ما يظهر من حركاتك وسكناتك.

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله وبيّاكم وجعل الجنّة مثواكم.

قال الله تعالى في مُحكم التنزيل "الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ"، وقال تعالى "وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ".

ورُوي عن ابن عباسٍ وطاووسٍ وعمر وعثمان ومجاهد وعطاء وسعيد ابن المسيّب وابن الزُبير وأبي حنيفة والشافعي أنّ يوم عَرَفَة هو يوم الحجّ الأكبر، ويقول عطاء "الحجّ الأكبر الذي فيه الوقوف بعَرَفَة والأصغر العُمرة"، وروى إسماعيل القاضي حديثاً لمخرمة عن رسول الله قوله "يوم الحجّ الأكبر يوم عَرَفَة".

والحجّ مؤتمر إسلامي عالمي كبير تتحقّق فيه الوحدة والتلاقي والتآزُر والتعاون بين المسلمين. وتذوب فوارق اللغة واللون والانتماء الجغرافي بين المسلمين أيضاً. وإذا أردت أن تحج فجرّد قلبك لله من قبل عزمك من كلّ شاغلٍ وحِجاب كلّ حاجِبٍ، وفوّض أمورك كلّها إلى خالقك وتوكّل عليه في جميع ما يظهر من حركاتك وسكناتك، وسلّم لقضائه وحكمه وقدره، وودّع الدنيا والراحة والخلق، وأخرج من حقوقٍ تلزمك من جهة المخلوقين ولا تعتمد على زادك وراحلتك وأصحابك وقوتك وشبابك ومالك، واغسل بماء التوبة الخالصة ذنوبك والبس كسوة الصدق والصفاء والخضوع والخشوع، واحرِم من كلّ شيءٍ يمنعك من ذكر الله ويحجُبك عن طاعته، وطُف بقلبك مع الملائكة حول العرش كطوافك مع المسلمين بنفسك حول البيت، وهروِل هرباً من هواك، تبرّياً من جميع حولك وقوتك، واخرج عن غفلتك وزلاّتك بخروجك من منى ولا تتمنَّ ما لا يحلّ لك ولا تستحقه واعترف بالخطايا بعرفات وجدّد عهدك عند الله بوحدانيته وتقرَّب إلى الله واتّقه بمزدلفة، واصعد بروحك إلى الملأ الأعلى بصعودك إلى الجبل، لبّيك اللهم لبّيك لبّيك لا شريك لك لبّيك إنّ الحمد والنعمة لك والمُلك لا شريك لك.

يقول الرسول ما من مسلمٍ يلبّي إلا لبّى ما عن يمينه وعن شماله من حجرٍ أو شجرٍ أو صدر حتى تنقطع الأرض من هنا وها هنا، يعني عن يمينه وشماله، رواه التُرمذي وابن خزيما والبيهقي بسندٍ صحيح.

ثقافة الحجّ الأكبر عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش فضيلة الشيخ أسامة السيّد مدير فرع جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية في البقاع، ومن مصر الحبيبة الشيخ محمّد عبد الهادي الجاويش من علماء الأزهر الشريف. مرحباً بكم جميعاً.

سماحة الشيخ أسامة السيّد، عندما نتحدّث عن الحجّ، نتحدّث عن فريضةٍ ربانية ثقيلة في ميزان النظرية والتطبيق أيضاً. ما هي مدلولات الحجّ الأكبر؟ وكيف نتعاطى مع الحجّ كمسلمين؟

 

أسامة السيّد: أولاً أشكر لقناتكم العزيزة هذا اللقاء، والشكر موصول لك أستاذ يحيى.

 

يحيى أبو زكريا: حيّاك الله.

 

أسامة السيد: تكلّمت عن الحجّ الأكبر، وبيّنت أنّ الحجّ الأكبر هو عرفات، وطبعاً قيل الحجّ الأكبر أيضاً، هناك أقوال كثيرة أنه هو يوم النَحر، أما ما هو شائع عند العامّة أن الحجّ الأكبر هو أن يتصادف يوم الجمعة مع يوم العيد، هذا كلام لا أصل له، هذا أحببت أن أُبيّنه، هذا شائع جداً جداً.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

أسامة السيّد: حتى ليس عند العامّة، إنما عند النُخبة أيضاً، فيسألون هل سيتصادف اليوم في هذا العيد، صلاة يوم الجمعة مع يوم العيد، فيعتبرونه حجّاً أكبر، هذا لا أساس له. هذه مهمة جداً أن نعرض لها.

لا شك أنّ الحجّ هو ليس فقط أن يقوم الإنسان بالمناسك خالياً من كل المعاني الأخرى الصحيحة والسليمة، ولا سيما الإيمان، ونحن عندما نقول الإيمان، لأنّ كثيراً من الناس قد يقولون "وهل يحجّ غير المؤمن؟" النبيّ عليه الصلاة والسلام قال "رُبّ قائم ليس له من قيامه إلا التعب والسهر ورُبّ صائمٍ ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش"، وقد قيل "ما أكثر الضجيج وما أقلّ الحجيج"، فهذا دليل على أنّ كثيراً من الناس يذهبون وكلّ واحدٍ منهم خالي الوِفاض فيعود أخلى مما كان عليه، لماذا؟ بسبب إما فسادٍ في عقائدهم أو فسادٍ في عبادتهم أو فساد في كثير من التصوّرات.

كثير من الناس، مَن لا يعرف شيئاً يذهب للأسف كالغنم، يُدار كما يدورهم هذا الإنسان المسؤول، لا مُطوّف، لا مُرشد، لا مَن يدلّهم، لا من يذكّرهم على الإطلاق. فلذلك هنا نودّ أن نقول أمراً مهماً جداً أنّ الحجّ فيه مظاهر يُعمَل على إجهادها وإجهاضها. هذه المظاهر العظيمة، مظهر الوحدة، أنت قد تكون تلبس ثياب الإحرام وبجانبك يجلس وزير من دولة ما، لا تعرفه، أو جنرال مثلاً، أو موظف كبير جداً، هناك حيث لا تميّز بين الفقير ولا الأمير ولا الملياردير ولا أي إنسان عادي، هناك الناس كما لا يُخفى عليك سواسية، كلّهم بلغةٍ واحدة، الباكستاني لا يُلبّي باللغة الباكستانية ولا الهندي ولا الإنكليزي، كلهم يُلبّون باللغة العربية، بكلامٍ واحد، وكلهم بلباس واحد، وكلهم على صعيد واحد. التمظُهر في هذه المظاهر الوحدوية العظيمة، كم هو مهمٌ جداً أن يكون درساً نأخذه معنا من أجل أن نغذّي خلايا هذا المجتمع، هذه الوحدة، الوحدة التي طبعاً تقوم على أُسُس صريحة، أسُس صحيحة، أسُس سليمة، ليس الوحدة كما اتّفق، وإلا إذا كانت الوحدة كما اتّفق فإنما هي مُجرّد جموع، جموع لا جدوى لها ولا جدوى منها، إنما طبعاً القاعدة الشرعية، الافتراق على الحق خيرٌ من الاجتماع على الباطل.

فهذه القضية قضيةٌ مهمّة جداً، قضية الوحدة، وأنت ذكرتها في المُقدِمة ذكراً لطيفاً شيّقاً، فبالإضافة إلى هذا التمازُج الروحي المعنوي، إلى الذي ذكرته وقد ذكر الغزالي رحمه الله شيئاً مما ذكرت عن يوم القيامة، مثلاً أخذ من كل مشهد من مشاهد الحجّ موقفاً من مواقف يوم القيامة، بدأ من الوداع، وداع الأهل وهو حيث يودّع الإنسان في جنازته، يودِّعه أهله إلى القبر، ثمّ اعتبر أنّ الذهاب من البيت للوصول إلى الحجّ كالذهاب في البرزخ، في القبر، ثمّ عرفات، هو يعتبره كأنه مشهد الحَشر الأعظَم، وذكر لكل واحدة واحدة بطريقة رائعة من أجل أن يكون الإنسان، أن لا يعيش الإنسان حياة جانبية بعيدة عن الحياة التي جاء إليها بكل ما تعنيه الكلمة.

وهنا حقيقة أودّ أن أقول في الحجّ، هناك مَن يحاول أن يُفسِد على الناس حجّهم بطريقة خطيرة جداً، مثلاً الأمر الذي حصل في الثامن والعشرين من شهر رمضان، هذا الرجل الذي جاء يُريد أن يفجّر نفسه بقبر النبيّ عليه الصلاة والسلام، فاستدركه بعض الشرطة وأرادوا أن يحجزوه عن ذلك، ففجّر نفسه بهم فقتل خمسة من الشرطة رحمهم الله. هذا ماذا كان يريد أن يفعل؟ هم يعتبرون أنّ زيارة قبر النبيّ عليه الصلاة والسلام زيارة شركية، هكذا بالنصّ، أي الذي يفعل ذلك كافر عندهم، وأنت عندما تذهب إلى هناك تجد مَن يقول لك من هؤلاء، جماعة الأمر بالمُنكر والنهي عن المعروف، يقولون لك يا مُشرِك لا تُشرِك، مسلم آتٍ من أجل أن يزور قبر النبيّ، أنا لا أعتقد أنّ مسلماً في الدنيا يعبد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أو يعبد قبراً من دون الله تعالى، جاء هذا الرجل ليُسلّم على رسول الله وعلى صاحبيه وأن يدعو الله.

 

يحيى أبو زكريا: وهو مَن هو رسول الله.

 

أسامة السيّد: لا يقول مُسلم للنبيّ يا محمّد ارزقني ولداً، ولا يقول يا محمّد أرسل لي كذا وكذا، يدعو الله تعالى متوسّلاً برسول الله صلّى الله عليه وسلّم. هذا الرجل أتى من أجل أن يُفجّر نفسه بمَن يُسمّيهم مُشركين.

 

يحيى أبو زكريا: لا حول ولا قوة إلا بالله.

 

أسامة السيّد: يريد أن يُفجّر قبر النبيّ وقبر صاحبيه، وهذه المسائل حقيقة الآن على أجهزة التواصل الاجتماعي اليوم، ما عاد الإنسان بعيداً وبمنأى عن هذه المسائل، هذا اليوتيوب وهذا الفايسبوك وكذا، ترى وتسمع منهم مَن يقول حتى عن الكعبة ظاهرة وثنية، وحتى البعض يقول عن القبّة الخضراء، أنا حضرت مقابلة في قناة العربية من مدّة، يقول المذيع لأحد هؤلاء، يقول هذا كل المجتمع مُشرِك، قال له أنا مُشرِك، قال له أنت مُشرِك نعم، وقال له عن والده، والده مؤذّن في المسجد النبوي الشريف، قال له ووالدك، قال والدي مُشرِك، قال له لماذا والدك مُشرِك، قال لأنه يرضى أن يكون قبر النبيّ داخل المسجد النبوي الشريف.

هذا الكلام ليس تركيبة فيلم، إنما هذا كان بثاً مباشراً، يقول، يكفّر ويكفر ويكفّر الناس، حتى والده يُكفّره لأن والده لا يقوم ويطالب بنقل قبر النبيّ عليه الصلاة والسلام إلى الخارج. وهذا الألباني من الذين قاموا وقالوا وطالبوا المملكة بمثل هذا الأمر، هذا يشوّش على الناس حجّهم بكل ما تعنيه الكلمة.

 

يحيى أبو زكريا: سوف نبحث في كافة التفاصيل، لكن بعيد أن أذهب إلى مصر من فضلك شيخ أسامة.

تحدّث الشيخ أسامة أنّ الحجّ كمدلول إسلامي شرعي هو مدلول ربّاني كبير، وثقافة الحجّ من شأنها أن تدفع المسلمين إلى كل الرؤى الرائعة والخطوات المُتقدمة في سبيل إقامة نهضة المسلمين، لكن أريدك أن تُعرِّج إلى مسألة عَظَمَة الحجّ من خلال التركيز القرآني على الحجّ ومن خلال اهتمام رسول الإسلام بالحجّ والحثّ عليه إلى أبعد الحدود.

 

محمّد الجاويش: بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المُرسلين وخاتم النبيين وإمام المجاهدين ورحمة الله للعالمين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

اللهم صلّ وسلّم وزِد وبارك على سيّدنا محمّد حتى يرضى سيّدنا محمّد واجعلنا اللّهم دائماً أبداً معه يوم لا يخزي الله النبيّ والذين آمنوا معه، وصلّ وسلّم وزِد وبارِك على آل بيته الطيّبين الأطهار الذين أذهَبتَ عنهم الرّجس وطهّرتهم تطهيراً، فكانوا بحولك وقوتك ربّنا مُبلّغين عن جدّهم مراد شرعك إلى جميع خلقك، وارضَ اللّهم عن صحابته الغُرّ الميامين الذين ساروا على دربه ولم يبدّلوا من بعده حتى يلقوه غداً على حوضه ليشربوا من يده الشريفة شربةً هنيئةً لا ظمأ بعدها أبداً وسلّم تسليماً كثيراً. وارضَ اللّهم عن مشايخنا وسادتنا وكل من علَّمنا حرفاً فيك يا ربّنا رواية ودراية وتزكية عنا بهم يا أكرم الأكرمين، اللّهم آمين اللّهم آمين اللّهم آمين.

أما بعد فحيّاكم الله سماحة الدكتور يحيى أبو زكريا وحيّا الله قناتكم المُبارَكة والقائمين عليها، كما أتقدّم بخلاص الشكر لأخي وحبيبي فضيلة الشيخ أسامة السيّد ولجميع الإخوة المشاهدين.

يقول ربّنا جلّ ثناؤه في كتابه العزيز وهو أصدق القائلين بسم الله الرحمن الرحيم "الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ" وفي قراءة مُتواترة "فلا رفثٌ ولا فسوقٌ ولا جِدالٌ في الحج"، "وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ". ولقد تحدّث علماء الإشارة رضي الله عنهم من أهل التصوّف الكِرام، والكلام في كتاب "عرائس البيان إلى بيان حقائق القرآن" ما مفاده إنّ الله سبحانه وتعالى قد وقّت لكلّ عبادةٍ توقيتاً ليتجهّز الإنسان لتلك العبادة بالطهارة، فمثلاً الصلاة واجبة، ومَن لا يتِمّ الواجب إلا به فهو واجب، وبالتالي فالوضوء واجب، فإذا أردنا أن نؤدّي عباداة الصلاة على سبيل المِثال تجهّزنا لها بالطهارة قبلها، إلا المعرفة فلم يوقّت الله سبحانه وتعالى لها توقيتاً، ليبقى العبد المؤمن مشاهِداً لجمال الحضرَة العليّة، بأنوار الذات الإلهية، مراقباً للحضرَة في ما تتطلبه منه، "وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ"، بعدم التفاتكم لغيري وتزوّدكم من محبتي.

وفي الحديث الآخر عن أبي هُريرة رضي الله عنه أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم قال إن الله كتب عليكم الحجّ فحجّوا، فقال رجلٌ هو الأقرع ابن حابس كما فسّرته رواية الإمام ابن عباس ابن عم سيّد الناس، أكُلَّ عامٍ يا رسول الله، فسكت النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، حتى كرّرها الرجل مرّتين أو ثلاث، ثمّ قال مَن لا ينطق عن الهوى صلّى الله عليه وآله وسلّم "لو قلتُ نعم لوَجَبت ولما استطعتم، ذروّني ما تركتكم، فإنّما أهلَكَ من كان قبلكم كثرةُ سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فما نهيتكم عنه فانتهوا، وما أمرتكم به فائتوا منه ما استطعتم"، صلوات الله وسلامه عليه.

لقد قسّم العارفون وأهل الذوق رضي الله تعالى عنهم وعنّا بهم أنّ القاصدين حجّ بيت الله الحرام على ثلاثة أقسام، وإن شئت فقل على ثلاث درجات، أو على ثلاث رُتَب. القسم الأول قسمٌ منهم قاصدون حجّ البيت بأموالهم وأنفسهم لطلب الثواب، القسم الثاني قسمٌ منهم قاصدون حجّ البيت بقلوبهم الصافية عن الدنيا وما فيها والامتثال لأمر الله سبحانه ولطلب مَرضَاة ربّ العالمين، القسم الثالث أو الدرجة الثالثة أو المرتبة الثالثة وهي الخاتمة الحُسنى، قسمٌ يقصدون مشاهدة ربّ البيت جل ثناؤه بأرواحهم العاشقة لطلب المعرفة والقربة وصفاء الوصلة وزيادة مَشاهِد التجلّي في تلك الأماكن.

ولكنّي ألتقط خيط الحديث تتمّةً لما ذكره أخونا العلاّمة الشيخ أسامة السيّد حفظه الله تعالى في تلكم الحادثة الفريدة من نوعها، وهي دخول ذلك الإرهابي إن صحّ التعبير متلبّساً بالمُتفجّرات، في تفجير نفسه في المسجد النبوي، زاعِماً بأنّه يريد أن يطهّر المسجد من المقام النبوي الشريف، وتِلكُم عاداتهم، فالوهابية بكلّ ما تحتويه الكلمة وبلا أدنى موارَبَة ولا مُجاملة لأحد ولا تحامُل على أحد، الوهابية نواصب مجسّمة مكفّرة للسواد الأعظم من الأمّة الإسلامية، من الأشاعرة والماتريدية والصوفية وسائر مَن قال لا إله إلا الله ممّن لم يسِر على منهجهم ولم يتّبع طريقتهم، وحسبنا الله ونِعم الوكيل، وإلى الله المُشتكى وعند الله تجتمع الخصوم. الحجّ أيتها الوهابية ليس بهذه الشاكِلة، إنما الحجّ قربة لله تباركت أسماؤه. الحجّ ليس زيارة البيت إنما هو مشاهدة أنوار ربّ البيت. الحجّ ليس طوافاً، بقدر ما يطوف القلب ويجول في رحى أنوار الحَضرَة العليّة امتثالاً لقوله جلّ ثناؤه، "وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ".

ويقول جلّ ثناؤه "إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ". فالطواف هنا بالسعي بالصفا والمروة لا يُقصَد به مظهره مع إقرارنا به، وإنما يُقصَد به جلب مظاهر التجلّي من الحَضرَة العليّة، لأنّ القلب المُتوَّج والمشحون بمحبّة الله جلّ ثناؤه يُشاهِد أنوار الحَضرَة في كلّ مكان، ويتجلّى ذلك التجلّي عليه في تلك الأماكن الطاهرة المُباركة، وتلكم الحقائق التي نالها أكثر العارفين، أقسم بالله حُرِم منها هؤلاء الوهابيون نسأل الله الهداية لنا ولهم.

 

يحيى أبو زكريا: شيخ محمّد، ونسأل الله تعالى أن نرقى إلى هذا المستوى الذي نستحضر فيه الحَضرَة السرمدية والحَضرَة الربّانية، ونكون من العُشّاق والمُحبين للمولى عزّ وجلّ ولرسوله، ذلك ما ينفعنا يوم يقوم الناس لربّ العالمين.

مشاهدينا فاصلٌ قصير، ثمّ نعود إليكم، فابقوا معنا.

 

 

المحور الثاني

 

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلاً بكم من جديد، ولمن حجّ واعتمر تقبّل الله أعمالكم، وعدتم مغفوراً لكم إلى بلادكم جميعاً. ومَن أدرك حلقتنا الآن، نحن نعالج موضوع ثقافة الحجّ الأكبر.

سماحة الشيخ أسامة السيّد، كان الشيخ يتحدّث عن الدلالات العرفانية للحجّ، فهل لك ما تضيفه إلى المحور الأول؟

 

أسامة السيّد:ابتداءً، أحبّ أن أُثني وأثنّي على كلام فضيلة الشيخ الجاويش أولاً بتحيته لنا، شكراً كثيراً، وكذلك أيضاً بما جاء من كلام رائع جداً في ما يخصّ أمر هؤلاء الذين يُكفّرون الأشاعرة والماتريدية، هم باختصار يُكفّرون كل من سواهم، ليس فقط الاشاعرة والماتريدية، حتى إنهم الآن بدأوا يُكفّرون بعضهم.

 

يحيى أبو زكريا: للأسف.

 

أسامة السيّد: مثلاً جبهة النصرة وداعش قتلت ممّا بينها أكثر ممّا قتل منهم الدولة السورية والدولة العراقية، وكفّروا بعضهم مع أنهم يقرأون بكتابٍ واحد، لا يختلفون لا بالفاصلة ولا بالنقطة.

فإذا كانوا كفّروا بعضهم فماذا يقولون بسواهم؟ هذه مسألة وحقيقة من المُهمّ أن نقف، أمر المناسِك أمر لا شكّ أن المسلم ينبغي أن يعرف المناسِك، لكن المناسِك لها أصول مَعرفية في التلّقي من الأئمّة والعلماء بالشكل الصحيح والسليم.

لكن نحن اليوم هنا في أمر مهم جداً، وهو أنّ هؤلاء الذين تأخّر الناس، تأخّر الناس، تأخّرت الدول، تأخّرت الأنظمة بشكل كبير جداً في أن يوقفوهم عند حدودهم، نحن منذ أكثر من أربعة عقود من الزمن ونحن ننادي بأعلى صوتنا، بأعلى صوتنا ولكن بعض الناس يقولون يا أخي ليس وقتها، الآن وقت الوحدة الإسلامية، وحدة إسلامية مع مَن؟ مع مَن يُكفّرك، يبيح دمك ويحلّ عرضك؟ مع مَن؟ حتى نحن قتلوا سماحة الشيخ نزار حلبي الذي كانت بالأمس ذكراه، بعد أكثر من 20 سنة، قتلوه، لماذا قتلوه؟ لأنه أشعريٌ شافعي، قتلوه لهذا السبب.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

أسامة السيّد: لكن ومع ذلك ما أُخِذَ الأمر على شكل جدّي، فبدأت القضية مثلاً في الجزائر، في الجزائر أحصائية النظام الجزائري، الدولة الجزائرية أنهم قتلوا أكثر من 160000 مسلم في الجزائر من المسلمين من أهل السنّة، ذبحوهم، أكثرهم من النساء وأكثرهم من الأطفال، وكانوا يقولون الناس وكثير من الأنظمة العربية وكثير من الإعلام العربي كلهم يقولون هذا الجيش الجزائري، ولو مسلم يقول لك لا إله إلا الله يذبح طفلاً، يذبح أمرأة، يتجرّأ على ذلك؟ كلهم اتّهموا يومها الجيش الجزائري، وحتى هناك الشيخ عبد الرزاق رجام وهو شيخ أشعري ذبحوه، كان معهم بالقتال، كان معهم.

 

يحيى أبو زكريا: في الجبال، صحيح.

 

أسامة السيّد: نعم، كان معهم في الجبال، قتلوه لأنه أشعري .

 

يحيى أبو زكريا: وذبحوا محمّد السعيد أيضاً رفيقه، وكان إخوانياً انتحارياً أيضاً.

 

أسامة السيد: قتلوا كثيراً من الناس، جماعة عنتر الزوابري وهي الجماعة المُسمّاة الجماعة السلفية للدعوة والقتال، فسكتوا عنهم فحصل ما حصل بالصقيع العربي، للأسف. فلهذا السبب بدأت القضية من أيام الخوارج، هذا الذي قتل سيّدنا عليّ رضي الله عنه الذي هو عبد الرحمن ابن ملجم، ماذا قال فيه شاعر الخوارج عمران ابن حطان؟ قال يا ضربة من تقيٍ ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا إنّي لأذكره يوماً فاحسبه أوفى البرية عند الله إنسانا.

أنظر ماذا يقول عن قاتل عليّ، عن أفضل رجل على وجه الأرض في ذلك العصر الإمام العظيم، مهما تحدّثنا ليس الآن هو وقته، يقول هذا الكلام. لكن ردّ عليه الفقيه الطبري، قال له يا ضربة من شقيٍ ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش خسرانا إنّي لأذكره يوماً فألعنه وألعن الكلب عمران ابن حطانا، الذي قال الشعر الأول.

لهذا نحن نقول ينبغي على الأمّة أن تتيّقظ، يقولون داعش، هي داعش ليست مُجرّد هي في الجرود هنا وهناك، صارت داعش الآن للأسف في عقول كثير من الناس، في أفكار كثير من الناس، وهنا واجب على أهل العِلم أن يتصدّوا لهذا الفكر.

 

يحيى أبو زكريا: شيخ أسامة، في هذا السِياق، أودّ في هذا السِياق أودّ أن أسألك، هل يتعرّض المسلمون يوم الحجّ إلى ضغوط ويتلقّون كتباً وتعليمات من وحي الثقافة التي جئت على التنكّر لها وردّها إسلامياً؟

 

أسامة السيّد: هو حقيقة ينبغي على المسلم أن يكون مُحصّناً. نحن نعلم في ثقافة الطب أنّ الولد يعطونه اللقاحات قبل مجيء المرض وليس بعد مجيء المرض. إذا جاء المرض لا تنفع لا اللقاحات الثلاثية ولا ضدّ الكوليرا ولا ضدّ الحصبة ولا ضدّ أي شيء. المشكلة عند كثيرٍ اليوم من المسلمين أنهم يريدون أن يتلقّحوا بعد مجيء المرض. أنت ترى على أجهزة الإعلام أنّ أطفالاً يُطلقون الرصاص، يَعدمون رجالاً، ويذبحونهم، بعض الأطفال ذبحوا، لماذا؟

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

أسامة السيد: هؤلاء كما قال كثير عزّة. كثير عزّة قال "أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلباً خالياً فتمكّن".

 

يحيى أبو زكريا: يا سلام.

 

أسامة السيّد: هؤلاء ملأوا قلوبهم بهذه الثقافة.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

أسامة السيّد: أنا أريد أن أسأل، أين ثقافة أهل العلم؟ أين العلماء الذين يحصّنونهم؟ كنا نحن نطالب بتحصين الشباب ضدّ هؤلاء فيقولون أنتم تتكلّمون بعلم الكلام أو بعلم الفلسفة. يا أخي ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، هذا ليس من كلام ابي العلاء المعري ولا أبي زيد الهلالي، هذا من كتاب الله تعالى، أن تعلّم الناس أن الله تعالى، العقيدة التي هي على مُخالفة العقيدة الوهابية، أن تعلّمهم أن الله ليس جسماً، ليس له شكل ولا لون ولا صورة ولا حجم ولا هيئة، لا يشبه الإنسان ولا الجان ولا الحجر ولا الشجر، مهما تصوّرت ببالك فالله لا يشبه ذلك، هذه القاعدة الذهبية الحقيقية هي كان ينبغي أن تُعلَّم للأطفال. صلاح الدين الأيوبي عندما انتصر على الصليبيين انتصر بهذه العقيدة، أمر محمّد بن هبة الله المكي أن يَنظُم له قصيدةً في العقيدة عُرِفت في ما بعد باسم العقيدة الصلاحية، وأمر صلاح الدين الأيوبي أن تُعلَّم في المدارس، أنشئت المدارس الصلاحية وأمر أن تُعلَّم هذه العقيدة وأمر أن يُنادى بهذه العقيدة كل يوم قبل صلاة الفجر على المآذن، فلمّا صارت العقيدة، لأن المناهج التربوية، صلاح الدين الأيوبي غيَّر المناهج التربوية، المناهج التربوية الفاسدة التي دخلت عليها عقيدة التجسيم، عقيدة ابن تيمية وعقيدة الفساد، مع أنه هو كان قبل ابن تيمية وكان الفساد قد تطرّق، عقيدة التجسيم، قد تطرّق وعقيدة الحلول وعقيدة الاتّحاد وبعض زنادقة المُتصوّفة الذين نُسبوا إلى التصوّف والتصوّف منهم براء، فجاء أول شيء فعله صلاح الدين الأيوبي أنه عمل على إصلاح عقائد الناس، فمن بعد ذلك كان التحرير.

 

يحيى أبو زكريا: ومن هنا نبدأ، التربية والتكوين ثم الإنطلاق إلى بناء الحضارة. دعنى أعود إلى الشيخ.

 

أسامة السيّد: أريد أن أقول شيئاً فقط لصلاح الدين، صلاح الدين الأيوبي العلم والجهاد شغلاه عن الحجّ، فلم يحجّ، كثير من الناس من المسلمين بفضل الله تعالى الآن يحجّون ويهبونه ثواب هذه الحجّة.

 

يحيى أبو زكريا أحسنت. شيخ محمّد الجاويش، هذا السؤال في الواقع وردني من بعض مُتابعي البرنامج من غير المسلمين أيضاً. يقولون لي لماذا عندما يحجّ البوذيون أو التيبيتيون إلى جبال التيبت أو إلى مناطق التعبّد بطرقهم الخاصة، هنالك السلمية، هنالك السكينة، إلا الحجّ سنوياً فيه اضطرابات كثيرة جداً. هنالك ناس يُحرَمون من الحجّ، السوريون إلى حد الآن لا يتمكّنون من الحجّ، الآن الإيرانيون أيضاً لا يستطيعون أن يحجّوا، بالتأكيد الكثير في العالم الإسلامي يدفع رشوة حتى يحصل على تأشيرة إلى الحجّ.

أما آن للمسلمين أن يُنظّموا أمر الحجّ؟ لماذا نصادف سنوياً الكثير من الإشكالات، الكثير من الشُهداء، الكثير من الموتى، الكثير من الحرائق؟ هل هنالك مَن يريد إفساد فريضة الحجّ حتى لا يُقدّم المسلمون أيّ مظهر من مظاهر التلاقي والتآزُر؟

 

محمّد الجاويش: يا سيّدي الدكتور يحيى، أجيب في جملةٍ بسيطة ثمّ أنطلق من خلالها للجواب التفصيلي.

أقولها ويحفظها جميع تلامذتي عنّي، فضلاً عن سادتنا المُثقّفين من أمثالكم وأمثال شيخنا العلاّمة الشيخ أسامة السيّد ومُشاهدينا الكِرام.

نحن لا نريد تسييس الدين، ولكن نريد تديين السياسة. نحن لا نريد تسييس الدين، ولكن نريد تديين السياسة، ولكن العِلمانية هي الوجه الآخر لليهودية، والعِلمانية إنما تعني فصل الدين عن السياسة، ولكن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم كان سياسياً في وقت السياسة، كان طبيباً يُرشد الناس، كان مُعلّماً يعلّمهم، كان مربّياً يربّيهم، كان مُسلّكاً يسلكهم لدرجة أنه كان يجلس في المجلس، يقول العلماء، كان النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم يجلس في المجلس وكان يشعر آخر واحد في مجلسه بقربه من النبيّ كقرب الصدّيق الذي على يمينه، فالكلّ يأخذ حقه كاملاً مُكمّلاً من سيّدنا صلّى الله عليه وآله وسلّم، أنا أبو القاسم الله يعطي وأنا أقسم، صلوات الله وسلامه عليه.

فكل هذا بنتيجة تسييس الدين، فابتعدنا عن المنهج القويم الذي أراده رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم. سيّدنا ومولانا صلّى الله عليه وآله وسلّم أرسى هذه المبادئ الأخوية في حجّة الوداع، والتي تُسمّى بحجّة البلاغ، والتي تُسمّى بحجّة التمام، وتعدّد التسمية دليل على شرف المُسمّى. ولمّا حجّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ومعه من الصحابة كلّ الصحابة إلا من حبسه العُذر، فكانوا قرابة 120000 حجّوا مع النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، وهناك في حديث غدير خم أناخ الكل راحلته ثم نادى منادٍ من قِبَل النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم استمعوا إلى سيّدنا صلّى الله عليه وآله وسلّم، فأخذ بيد مولانا أمير المؤمنين علي ابن أبي طالبٍ عليه السلام، فقال بأعلى صوته "مَن كنت مولاه فعليٌ مولاه"، فقال الشيخان سيّدنا أبو بكر وسيّدنا عمر رضيَ الله تعالى عنهما، هنيئاً لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولَى كل مسلم ومسلمة.

فالنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم حدّد شُعَبَ الإيمان بين جميع الصحابة الكِرام رضي الله تعالى عنهم بهذا الموقف، وأنّهم إخوة مُتحابون في الله، السياسة هي التي كان يتبعها النبيّ، فكانوا يسيرون في رَكب سياسة النبيّ، وبالتالي جعلوا ما نقوله الآن بلغة العصر وبالتقدّم التقني والتكنولوجي، لا نريد تسييس الدين ولكن نريد تديين السياسة، فالكلّ كان في رِكاب النبيّ.

 

يحيى أبو زكريا: دعني أنقل الموضوع مُجدّداً إلى الأستاذ الفاضل الشيخ أسامة السيّد.

شيخ أسامة السيّد، هنالك مُفردتان ربما نتعاطى معهما عندما نستذكر الحجّ. المُفردة الأولى استحضار القيامة. أنت أمام منظر مهول، ناسٌ بثيابٍ بيضاء على مقاسٍ واحد، فالكل يستحضر القيامة. ثانياً في حجّة الوداع كما أشار الشيخ، كانت هنالك كلمة عصماء لرسول الله، "لا تعودوا بعدي كُفّاراً يضرب بعضكم رِقاب بعضٍ"، وهي الوصية المَنسيّة المتروكة من قِبَل الكثير من المسلمين اليوم، حيث السيف عنوان وحيث قطع الرأس عنوان وأكل الكبد عنوان وما إلى ذلك. ماذا عن هذين الأمرين من فضلك؟

 

أسامة السيّد: يبدو أنّك لن تستطيع أن تنتقل كما تقول، يبدو أن الموضوع متواصل من خلال هذا الحديث المهم.

 

يحيى أبو زكريا: هو الانتقال في نفس السياق، في السياق عينه، لكن الانتقال المكاني من مصر إلى حيث نحن.

 

أسامة السيّد: نحن ومصر واحد.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح، أكيد، يقيناً.

 

أسامة السيّد: ألم يُقَل ومن مصر لتطواني؟

 

يحيى أبو زكريا: أحسنت، صحيح.

 

أسامة السيّد: هو حقيقة دائماً يُقال الحقيقة، ما هي الحقيقة؟ الحقيقة هي أن تعمل في قلب الحقيقة لا على قلبها، أنت تعمل في قلب الحقيقة لا على قلبها.

 

يحيى أبو زكريا: أحسنت.

 

أسامة السيّد: هذا الحديث المُبارك هو استشراف من النبيّ عليه الصلاة والسلام لِما سوف يكون، الله تعالى هو النبيّ في عقيدتنا لا يعلم الغيب لكن الله تعالى يُطلِع بعض عباده على بعض غيبه، ومن خلال الأحاديث التي وردت عن النبيّ عليه الصلاة والسلام، أي وكأنّك تقرأ مقالاً صحفياً، أنه جرى كذا وكذا وكذا وكذا وكذا، ويتطبّق على أرض الواقع مئة في المئة. مثلاً قول النبيّ عليه الصلاة والسلام "يكثر الهَرج"، قيل "وما الهَرج يا رسول الله"، قال "كِثرة القتل، لا يدري القاتل في ما قَتَل ولا المقتول في ما قُتِل".

 

يحيى أبو زكريا: وهو حالنا اليوم.

 

أسامة السيّد: حقيقة هذا الأمر عجيب غريب، لا يدري القاتل، هذا الإنسان الذي جيء به قيل له لك الحوريّات، أي بمُجرّد ضغطة الزرّ تكون بين أحضان الحور العين تتعشّى معهن وتنام معهن، ولا يدري لماذا قَتَل، لا يدري، ومَن هذا، والمقتول الذي قُتِل لا يدري، قد يكون قد خرج من بيته من أجل أن يأتي بطعام لأولاده فتفجّر ولا يدري لماذا قُتِل.

 

يحيى أبو زكريا: لا حول ولا قوة إلا بالله.

 

أسامة السيّد: هذه الحقيقة جعلت اليوم الإسلام والمسلمين يقعون في مأزقين خطيرين، الإفراط والتفريط. التفريط نشأ عن الإفراط. الإفراط، قامت أناسٌ، هؤلاء الوهابية، وأنا مسرور جداً جداً جداً بأنّ الحلقة، لا أحد قال لا أنت ولا أنا ولا فضيلة الشيخ الحبيب كلمة السلفية، هذا شيء أنا اعتبره إنجازاً.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

أسامة السيّد: لأن السلف الصالح شيء وهؤلاء شيءٌ آخر، هؤلاء ليسوا سلفاً صالحاً، أبداً، ولا يشبهونهم، وإذا كنت تريد أن تُصرّ فقُل الصلفية بالصاد وليس بالسين. هؤلاء أفرطوا في تكفير المسلمين وفي ذبحهم وفي سبي نسائهم وفي قتلهم وأخذ أموالهم، أفرطوا، نشأت حركة تفريطية بالمقابل، فهذه الحركة التفريطية بالمقابل بدلاً من أن تنال من هؤلاء، صارت تنال من الإسلام، على أنّ الإسلام هو صاحب الفكرة، على أنّ الإسلام هو الذي يأمر بالقتل، بهذا القتل الشنيع الفظيع، على أنّ الإسلام هو الذي يأمر بالتطرّف، على أن الإسلام، حتى صار كثير من الناس يقولون الإسلام يا أخي كفى ينبغي أن يُحصَر في المساجد، الإسلام لا ينبغي أن يكون له على الأرض شيء لا من قريب ولا من بعيد، وهذه الحقيقة خطوة سرّعت كثيراً من الأمال لهؤلاء، حتى كثير من المشايخ للأسف وبمراكز عُليا ويلبسون العمائم، ليسوا علمانيين ولا يحاضرون في جامعةٍ علمانية، يقومون ويقولون كلاماً على أنه الإسلام والإسلام منه براء. هذه المشكلة حقيقةً أوقعت المسلمين بين فكّي الإفراط والتفريط، فلذلك هنا ينبغي أن نقف عند هذا الأمر.

أما بالنسبة إلى الشقّ الآخر، أنّ الإنسان يتذكّر أنه في مشهدٍ من مشاهد يوم القيامة، هو لا شكّ، المؤمن دائماً دائماً في حال خوفٍ من الله، لذلك من أعلى مراتب العبادة مرتبة ومقام الإحسان، أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. هذا الأمر في الحجّ وفي غير الحجّ، لكن في الحجّ أولَى، في الحجّ أولَى، حيث إنّ هناك كثيراً من الحوافز التي تدعو المرء إلى مزيد من الخشية، إلى مزيد من الطاعة، إلى مزيد من الوحدة، إلى مزيدٍ من التعلّق في قضية المسلمين المركزية الأولى، قضية فلسطين مثلاً، هذه القضية الكبيرة جداً، هذه ماذا نشأ عنها؟ نشأ عنها الآن للأسف، عن الالتزام بهذا الأمر، أن يقولوا لبنان أولاً وهذه أولاً وهذه أولاً وهذه أولاً. غداً أنا أقول مثلاً أسامة السيّد أولاً وأنت تقول يحيى أبو زكريا أولاً، أي تنتقل من منطق الدول إلى منطق الأحياء إلى حتى منطق الأفراد.

إذاً أين قضايانا الكبرى؟ أين قضايانا الكبرى؟ فلذلك لمّا الإنسان يقف في هذا الموقف ويتذكّر مشهد يوم القيامة يزداد خوفاً، يزداد خشوعاً، يزداد إتقاءً من الله سبحانه وتعالى وإتقاءً لله تعالى في هذا الأمر، وإذا أراد أن يفرّ كما قلتَ ابتداءً، فأن يفرّ من الله إلى الله.

 

يحيى أبو زكريا: نعم، أحسنت.

سماحة الشيخ محمّد الجاويش، ما هي المصاديق التي نستطيع تحقيقها من خلال الحجّ؟

قلنا مِصداق الوحدة، مِصداق التلاقي، مِصداق استحضار المولى عزّ وجلّ والقيامة. هل من مصاديق من شأنها أن تدفع حركة النهضة في العالم الإسلامي إلى الأمام؟ ما الذي يجب أن يتعلّمه المسلمون من الحجّ الأكبر على وجه التحديد؟

 

محمّد الجاويش: نعود سماحة الدكتور يحيى إلى نقطة وحدة المسلمين. في جميع أرجاء العالم، الكلّ يلبّي، بقولهم لبيّك اللّهم لبيّك، لا فرق بين مصري أو عراقي أو لبناني أو إيراني أو كذا أو كذا، المسلم هو أخ المسلم في كل مكان، الإسلام لا يعرف حدوداً جغرافيّة، فوحدة المسلمين ترجع بالأصالة إلى تكاتفهم وتعاونهم في فهم مدلول القرآن الكريم والسّنّة النبوية على صاحبها أفضل الصلوات وأزكى التسليمات.

لكن المشكلة العُظمى التي تحرق هذه الوحدة هي فرقة الوهابية، ونقولها بلا مواربة، ابتدعوا قياساً على شيخهم ابن تيمية مسألة توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات، ليخرجوا من هذا كلّه بأن مَن لم يؤمن بهذا التقسيم، مَن لم يقُل بهذا التقسيم ومَن لم يتبع طريقتهم ونهجهم، فهو بالنسبة إليهم كافرٌ حلال الدم، فمن أين تأتي الوحدة؟ ولقد رددنا عليهم في رسالة بعنوان، لي أنا في سلسلة، تصدر الآن تباعاً يا دكتور يحيى لنا في مجلّة لإسلام وطن لسان حال الطريقة العزمية في مصر، مقالات تصدر بعنوان إعلام القاصي والداني بأخطاء ذلك الوهم الكبير ابن تيمية الحراني. صدرت فيها أول رسالة، "فيض المجيد في إبطال دعوى تثليث التوحيد"، ثمّ ثنّيت برسالة أخرى، التجلية بإثبات أنّ الشاب الأمرت معبود ابن تيمية، وإعلام العالم بردة مَن قال بقِدَم العالم، فهؤلاء يمثلّون الوحدة في أي شيءٍ؟ هم ينظرون إلى وحدتهم هم وغيرهم كافرٌ حلال الدم، فنقول ونخرج من هذه البؤرة ومن هذا الحيّز بأنّ المسلم أخ المسلم كما قال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم.

الإسلام لا يعرف حدوداً جغرافية، لا نريد تسييس الدين إنما نريد تديين السياسة، على الحكومات والمؤسّسات الدولية أن تُظهِر علماءها الكِرام، مثلاً في مصر يرافق بعثة الحجّ السيد وزير الأوقاف، وهكذا من العراق، يكون بهذه المثابة، ومن لبنان بهذه المثابة، ومن كذا بهذه الدرجة، وهكذا حتى يجتمع العلماء في وحدةٍ كاملة مُتكاملة لنبذ التعصّب العِرقي، لأن التعصّب العِرقي مذموم كما يقول علماء الأنتروبولوجيا في هذا المقام.

سماحة الشيخ أسامة السيّد تكلّم في هذه النقطة وأشار إلى وجوب نبذ التعصّب العِرقي، فهؤلاء الذين يتعصّبون إلى هويّاتهم العقدية من التيمية الوهابية المتألبنة، وما إلى ذلك، يلفظون كلّ مَن سواهم، فمن أين تتحقّق الوحدة بين المسلمين؟ تحقّق الوحدة ترك التكفير، تحقّق الوحدة ترك التطرّف، تحقّق الوحدة ترك الإرهاب، تحقّق الوحدة التجمّع والاجتماع على مائدة الله جلّ ثناؤه في كتابه، وعلى مائدة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم في سُنّته، وكما قال شيخ مشايخي سيّدي الإمام محمّد زكي الدين إبراهيم رائد العشيرة المُحمدية رحمة الله عليه في كتابٍ له سمّاه على ما يحضرني الآن، أهل القبلة كلّهم موحِّدون ومساجدهم كلها مساجد التوحيد، أهل القبلة.

 

يحيى أبو زكريا: شيخ محمّد، ولا شك أنّ الوحدة تتحقّق عندما نعمل بقوله تعالى "هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ"، "هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ".

الشيخ محمّد الجاويش من مصر الحبيبة شكراً جزيلاً لك. سماحة الشيخ الفاضل أسامة السيّد.

 

أسامة السيّد: أريد أن أعقّب قليلاً.

 

يحيى أبو زكريا: كُليمة، كُليمة وأنت شاعر، تفضّل.

 

أسامة السيّد: الحقيقة أنا عجبت لهذا الرجل الذي يتحدّث، صوفي، للأسف، هو الآن يمثل الخط الصوفي الصحيح.

 

يحيى أبو زكريا: الطريقة العزمية، صحيح.

 

أسامة السيّد: الصوفية الصحيحة هي تقوم على العلم أولاً، لكن للأسف كثير اليوم من الجهات المتصوّفة كانوا مسوّغاً للهجوم على الإسلام، لكن هو يتكلّم بنَفَس علمي قوي جداً جداً جداً، حيّاه الله وجزاه الله خير الجزاء.

 

يحيى أبو زكريا: حيّاه الله وبيّاه، ونقول له كلنا من أهل العزم إن شاء الله.

سماحة الشيخ أسامة السيّد شكراً جزيلاً لك.

 

محمّد الجاويش: يا دكتور يحيى.

 

يحيى أبو زكريا: نعم، في كُليمةٍ رجاءً.

 

محمّد الجاويش: كُليمة، الطريقة العزمية على رأسي تنشر مقالاتي، لكنّي متحدّث إعلامي باسم الطريقة الجريرية الأحمدية بشيخها القطب الجريري.

 

يحيى أبو زكريا: حيّا الله كل الطُرُق إلى الله وكل الطُرُق إلى الله مشروعة إن شاء الله على حد ما قاله الشيخ جلال الدين الرومي، الطُرُق إلى الله بعدد أنفاس البشر.

وصلت حلقتنا إلى تمامها. إلى أن ألقاكم هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبداً ودائعه. بوركتم شيخنا العزيز.