المنشد الشيخ توفيق دغمان ونجله المنشد الشيخ محمد خليل دغمان

زاهي وهبي: مساءُ الخير. لا شيء يُعادل لحظة تجلٍّ أو يُضاهي نشوة انخطافٍ إلى سُدرة المُنتهى ونصاعة المُشتهى وخفّة الوجود في حضرة الموجودِ قبل كلّ موجود، الظاهر في كلّ شيءٍ والمُحتجِب عن كلّ شيء. الليلة يأخذنا ضيفانا إلى سماوات الفن الروحي، إلى فضاءات الإنشاد الصوفي والمدائِح النبوية، إلى ينابيع الحبّ الإلهي الخالِص. يُحلّقُ على متن مركبةٍ ضوئيةٍ من شعرٍ وابتهالٍ ورجاءٍ وعشقٍ آسر مُصفّى. فما الله إن لم يكن حبّاً وخيراً وجمالاً وتسامحاً وغفراناً؟ تعالوا إلى ليلةٍ تسمو فيها أرواحنا وتغتسل أفئِدتنا ومسامعنا، وتشِفّ نفوسنا المُثقلة بما تعيشه أوطاننا من حروبٍ وويلات. تعالوا إلى ليلةٍ مُباركةٍ من ليالي الشهر الكريم، يفتح فيها "بيت القصيد"، بيت المبدعين العرب، أبواب القلب وردهة الإنصات لضيفين كريمين مبدعين هما المُنشد الشيخ "توفيق دغمان" ونجله المُنشِد الشيخ "محمّد خليل دغمان"

توفيق دغمان: أهلاً وسهلاً وأنا ممتن ٌّ جداً لهذه الاستضافة الحلوة أُستاذ "زاهي"، وإن شاء الله قناة "الميادين" تكون من حَسَن إلى أحسن

زاهي وهبي: ألله يسمع منك، ومنوّرة بوجودكما

خليل دغمان: أنا قبل كلّ شيء أُحبّ أن أشكركم على هذه الاستضافة، والأهم أنني تأثّرت بالكلمات لأنني من أشدّ المُعجبين بالأُستاذ "زاهي وهبي"

زاهي وهبي: ألله يخليك، تسلم

خليل دغمان: هي حقيقة ولا أُبالِغ فيها. لغة عربية مُمتازة وتقديم متميِّز، وإن شاء الله يا ربّي نكون في هذا الشهر الجليل، إن شاء الله نكون ضيفين خفيفيّ الظلّ عليكم إن شاء الله

زاهي وهبي: وعلى المُشاهدين الكِرام. قبل أن نطرح أسئِلة على حضراتكم نستمع، أو نُشاهِد ربورتاجاً بعنوان "علامة فارِقة"

علامة فارِقة:     

توفيق دغمان: بالنسبة لـ "حضرة رجال "تونس"، العمل يتمثّل في العديد من الطرق الصوفية القدرية والسلامية وإلى آخره وهذه الطرق موجودة في "تونس" منذ القِدَم. العمل لدي يُسمّى باختصار عملٌ مُخضرَم نقوم به ونمتّع به أهالي "تونس" والأُمّة العربيّة

خليل دغمان: عند والدي حبّ في هذا الميدان، وقبل حبي في هذا الميدان عندي حبّ في الوالد نفسه، فهو إنسان طيّب جداً، حنون جداً، وقاسٍ جداً. في فترة من الفترات شعرت أنه صعبٌ معي إلى درجة كبيرة جداً حتّى أنّه كان يمشي إلى أُمي ليقول لها: " ما باله يتصرّف معي هكذا بهذه الطريقة؟". لكن هو عنده استراتيجية مُعينة عرفتها بعد أن كبرت وتثقفت قليلاً وفهمت

توفيق دغمان: انضمام "خليل" ولدي هو انضمام حلو، والحمد لله اجتمعنا وكانت الإضافة صحيحة جداً وأخذ يدرس الموسيقى والثمرة ها هي والحمد لله. عندي نقد كبير على "خليل" وهو الإفراط في الجديّة

خليل دغمان: كلّ ما تعلّمته من عندك

توفيق دغمان: هذا هو

خليل دغمان: أنا تعلّمت من عنده، وبعد ذلك يأتي ويقول لي عندك نقص من الجديّة

توفيق دغمان: هو أضاف على الجدية (يضحك). الذي وصل إلى الشيء يعني أحبه، ويجب ألاّ ننسى أنّ الفضل لله سبحانه وتعالى وزوجتي، رفيقة دربي التي عاونتني. هي امرأة طيبة    

خليل دغمان: روح الشباب هي أكثر الأشياء التي جعلتني أقدِّم على تجربة  Arab Idol. وجدتها مفيدة وحلوة

توفيق دغمان: وافقته فيها، لماذا وافقته فيها؟ قلت له أَضِف تجربة أُخرى وشاهد كواليس هذه البهرجة

خليل دغمان: بالتأكيد نُفكِّر ونُخمِّن في أن نُقدِم أغاني خاصة، لكن المستوى، ليس هذا الحين، هذا الحين بالنسبة لنا عندي منتوج اسمه "حضرة رجال تونس" واسمه الشيخ "توفيق دغمان". العالمية بالنسبة لي مسألة سهلة جداً لأنّ هذا الفنّ هو فنٌّ روحاني يمسّ خلجات القلب. حتّى الذي لا يفهم الكلمات تصل إليه الروح يصل إليه الإحساس، تصل إليه النغمة (يؤدّي مقطعاً من نشيد)

توفيق دغمان: أخاف على "خليل" من مسألتين، مسألة أنا متأكد منها تماماً وهي الغرور، ومن الغضب المُبالغ فيه

خليل دغمان: أتمنّى للوالِد وللشيخ "توفيق دغمان" الذي هو صاحبي وأخي وعشيري، أتمنّى له مسألة البَرَكة في صحة البدن والصحة والعافية

توفيق دغمان: لبّيت الدعوة وأحببت أكثر أن أوصِّل هذا الفن إلى قاعدة أنا كنت فيها منذ الصِغَر وهي البلدان العربية

خليل دغمان: باختصار شديد، نبحث عن العالمية، وإن شاء الله العالمية قادمة لـ "حضرة رجال تونس". شكراً

زاهي وهبي: يا أهلاً وسهلاً، تستحقّان العالمية وأكثر لأنني أتذكّر قولاً لـ "الطاهر بن جلّون" وهو " كلّما اقتربتَ من مسقط رأسك أكثر كلّما اقتربت من العالمية أكثر"، وما تقولاه هو روح هذه البلاد وهذا الإرث والجذور. شيخ "توفيق"، ما الذي أتى بك إلى هذا العالم، عالم الإنشاد الصوفي والمدائِح النبوية؟ وكم تأثّرت بوالِدك الذي كان صاحب صوتٍ جميل؟

توفيق دغمان: نشأت في بيئة دينية وتأثّرت بصوت الوالِد مع حفظه للقرآن وقراءته ومخارِج حروفه، تأثرت في اللا وعي، ووصلت إلى هذا الميدان. كما أنّه كان عندنا شيخ اسمه، رحمه الله، "محمّد الصحبي التميمي" في هذا الفنّ الصوفي وكانت له دراية كبيرة وتعلّمنا عليه بالأُذن

زاهي وهبي: في السماع

توفيق دغمان: في السماع، عن طريق السمع

زاهي وهبي: لا يوجد أهمّ من الإنصات والإصغاء

توفيق دغمان: والحب، بمعنى أن يحب الإنسان شيئاً ما

زاهي وهبي: لكن يبدو أنّها بيئة دينية مُتسامحة ورحبة وليست مُتطرّفة أو مُتشدّدة

توفيق دغمان: لا، لا. حاشا وكلاّ. عندي عائِلة من حفظَة القرآن في البلاد التونسية وهي عائلة متسامحة جداً

زاهي وهبي: وهذا جوهر الدين الحنيف على كلّ حال. كم أنت تُكرِّر بشكلٍ أو بآخر شيخ "خليل"، إذا كان الوالِد تأثّر بوالده أي بجدّك، كم تأثّرت حضرتك بوالدك؟ قبل أن نتحدّث عما يمكن أن تبتعِد بعد ذلك

خليل دغمان: أعتقد أن تأثّري بوالدي كان أكثر من تأثّر والدي بوالده

توفيق دغمان: صحيح

خليل دغمان: أنا تأثّرت بوالدي أشدّ التأثير والتأثّر. كان بالنسبة لي، ولا يزال، وسيبقى هو المثل الأعلى

زاهي وهبي: كم هو أكثر ما تحبّه فيه؟

خليل دغمان: شخصيته

زاهي وهبي: لكنك قلت عنه بأنه صارِم

خليل دغمان: شخصيته قوية لكنه حنون. في فترة المُراهقة لم أفهمه، كان إنساناً بالنسبة لي أحب دائماً أن أتطلّع إليه، لكن كنت في بعض الطرائِف الصغيرة، حتّى طريقة الأكل أحب أن أتشبه به، أحب التحدّث كما هو يتحدّث، أحبّ أن آخذ المواقف الجديّة كما هو يأخذها، تأثّرت به بطريقة كبيرة  

زاهي وهبي: شيخ، يُقال أنّ الولد سرّ أبيه، لكن في الوقت نفسه وفي علم النفس يُقال أنّ الولد يقتل أبيه معنوياً. أنت أين الآن من هاتين المعادلتين؟

خليل دغمان: أنا أعتقد أنني في المعادلة الأولى لأنّ الوالد سرّ، بالنسبة لي أنا سرٌ كبير وأحبّ دائِماً أن أكتشفه. أُحبّ أن يكون اكتشافي حتّى إلى آخر يوم

زاهي وهبي: على كلّ حال يُقال سيماؤهم في وجوههم، وهو هذا الوجه السمِح الصبوح. الإنشاد الصوفي شيخ، ما هو؟ هلّ هو فنٌ وتطريب أم هو طقسٌ ديني؟ ما هو الإنشاد الصوفي تماماً؟

توفيق دغمان: هناك فئة من التي أنتمي إليها، بالنسبة لي أنا آخذ هذا الإنشاد من الجانب الفني. كلمة "ترويحة" معناها بالنسبة لنا في وقتٍ ما، في السبعينات وفي الستينات، من غير الممكن ألاّ ندخل في الفن، عائلتي وبيئتي دينية وفيهما صرامة من ناحية كيف تدخل إلى الأُغنية. وجدت منفذاً، ومنذ صغري كانوا يقولون لي، "صوتك جميل"، حتى كنت أؤدّي بعض الأغاني، لكن شدّتني الإثنية وتبعت هذا الفنّ الصوفي

زاهي وهبي: ممكن أن نستمِع إلى شيء؟ أن نستهلّ هذه الليلة المُباركة بالإنشاد؟

توفيق دغمان: هذا إنشاد في مقام "السيكا" ونقول "طلع البدر علينا" إن شاء الله

زاهي وهبي: تفضّل

توفيق وخليل دغمان: (ينشدان)

زاهي وهبي: يا سلام. كم إتقان اللغة مُهم ومخارِج الحروف في المدائِح والإنشاد الصوفي؟

توفيق دغمان: من حفظ القرآن، لأننا كنّا نقول في "تونس"، "أفطرت على القرآن" منذ الصغر، ثم بعد ذلك انتقلت إلى المديح الصوفي. الشيخ "محمّد الصحبي التميمي" أذكره لأنّه رجل تربية في التعليم وله دراية كبيرة في النحو والصرف وكنّا مغرمين به كثيراً، حتّى أن الباء والبو والبي كان يُحاسبنا عليها. وكان حين يسرد في سردة المولد النبوي الشريف والمراحل التي مرّ بها سيّدنا عليه الصلاة والسلام، لا تعلم كيف يُباغتك. لذلك أنت مثلاً تكون قد تعلّمت على قاعِدة ومدرسة معه في أتمّ معنى الكلمة .

زاهي وهبي: أنا الحقيقة اليوم أيّ أحد يسألني، كيف يُمكنه أن يُحسِّن لغته العربية أنصحه وأقول له استمِع لتلاوة وتجويد القرآن الكريم

توفيق دغمان: أكيد

زاهي وهبي: أفضل مُعلِّم في هذه المسألة، طبعاً فضلاً عن الجوانب الأُخرى الروحية والأدبية والإيمانية، ولكن في اللغة.  شيخ "خليل"، هلّ لهذا النوع من الفنّ والغناء الصوفي جمهور بين أبناء جيلك الشباب؟

خليل دغمان: هو أكثر مُحاولاتي، ونحن دائماً نتحدّث عنه أنا والشيخ. أكثر محاولاتي هو نوع من التجديد غير المُبالغ فيه، أي لا نمسّ

زاهي وهبي: لا نُخرِّب

خليل دغمان: أجل لا نُخرِّب، لأنّ عندي شيخ هو بالنسبة لي الأصالة، والرجوع عن الأصل هو من الخطوط الحُمر. ولكن أُحاول أن أجذب

زاهي وهبي: شرائِح جديدة، نعم

خليل دغمان: الشريحة العمرية من جيلي أنا، والحمد لله في حفلاتنا الخاصة والعامة، يكون الجمهور متفاعِلاً بطريقة غريبة. وهذه مسألة تُفرِحني كثيراً لأنني فاصل صغير من الجمهور هم من عمري أنا وتشعُر بأنهم متّجهون إلى الأغاني الشرقية وأنا لست ضدّ ذلك. أنا تكويني موسيقي وأحفظ الموشّحات، ولا أُبالغ إن قلت أنّ أغلبية الموشّحات الشرقية قد حفظتها. لكن لماذا لا يكون عند الإنسان اختصاص وإيمان في الشيء الذي تربّى عليه

زاهي وهبي: طبعاً. هلّ من الضروري شيخ وهلّ هو شرط أن تكون القصائِد الصوفية والشِعر والمدائِح النبوية من التراث، من الشِعر القديم، أم يُمكن أن تكون مُعاصِرة وشعراء جُدد يكتبون؟

توفيق دغمان: بالنسبة لي أنا، شرط من الشروط الأساسية أن يأخذوا من تراثنا لأننا لا نعلم أُستاذ "زاهي" وقد يكون قبلاً عندهم فراغ كبير وإبداع كبير. بمعنى كلمات سلسة قوية يمكننا أن نأخذها حتّى للإنشاد والشِعر، قبلاً الإبداع موجود منذ العهد العباسي. لو أخذنا "أبو النواس" مثلاً في "التوبة" (ينشد)

زاهي وهبي: لكن ما هو المانِع شيخ، طبعاً سأظلّ أثني على صوتك وعلى أدائك، لكن ما يمنع أنّ اليوم  هناك شاعِر حديث مُعاصِر يكتب نصاً، إذا كان النص متيناً وكذا، ويُغنّى في "الحضرة"؟

توفيق دغمان: حبّذا. في هذه الحال لا ننسى أن نطوِّر المحاولات الموجودة. لكن أن يأخذوا نصوصاً مُلحّنة قبلاً في نوعٍ معيّن ويأتي هو في مقامٍ آخر يبدِّلها إلى لحنٍ حالي

زاهي وهبي: لا هذا تزييف

توفيق دغمان: بارك الله فيك. أنا لا أُحبّ التزييف، أُحب دائماً، حتّى ابني "خليل" عنده مُحاولات حلوة كثيراً في "البردة" مثلاً، ومعنى ذلك أنّ حاول محاولة حلو كثيراً

زاهي وهبي: مثلاً!

خليل دغمان: في مقامٍ آخر

زاهي وهبي: تفضّل

خليل دغمان: هي "البردة" قيلت في مقامات كثيرة، وأنا قمت بمحاولة

زاهي وهبي: "البُردة" هي أيضاً نوعٌ أيضاً من الغناء الصوفي؟ نسبةً لـ  

خليل دغمان: نسبة للإمام " البوصيري"

زاهي وهبي: نعم، تفضّل

خليل دغمان: نقول منها القليل؟

توفيق دغمان: أجل

خليل دغمان: فإنّ من جودك

زاهي وهبي: أي بُردة الرسول

توفيق دغمان: نعم، "البُردة"

توفيق وخليل دغمان: (يُنشِدان)

زاهي وهبي: هذه تحتاج إلى رقصة التنّورة، "الدرويش"

خليل دغمان: حاولنا التجديد في تسريع الإيقاع للشباب لأنني أعتقد أنه أقرب إليهم

زاهي وهبي: نعم، أقرب إليهم. لو سمحتما لي، نريد أن نتوقّف مع موجز إخباري سريع ثمّ نُتابِع هذا اللقاء المُتميِّز من "بيت القصيد"

المحور الثاني:     

زاهي وهبي: كم نتمنّى هذا الشعور الجميل الذي يعطينا إياه الإنشاد الصوفي، وأن تعمّ السكينة والسلام أرجاء بلادنا العربية والإسلامية والعالم أجمع. قبل أن أطرح المزيد من الأسئِلة، نريد أن نستمِع إلى آراء بتجربتكما من نُخبة من الصحافيين والموسيقيين. سنستمِع أولاً إلى الصحافي الأُستاذ "الهادي السنوسي" إذا سمحتما

كلام يوصل:

الهادي السنوسي - صحافي: الإنشاد الصوفي في "تونس" بصفة عامة ظُلِم. أنا تربيّت أصلاُ في ما يتعلّق بالإنشاد الصوفي على عدّة أسماء مرّت علينا وعلى بعض المشايخ الذين أتذكّر منهم، الشيخ "تميمي" و "محمود عزيز" و"عبد المجيد سعد"، الشيخ " الجلماوي" إلى آخره. لكن في الحقيقة كلٍّ منهم له أفكاره وكلٍ منهم له طريقة مُعيّنة لأنّ طرقهم متعدّدة في الإنشاد الصوفي. بالنسبة إلى ما شدّ انتباهي للحقيقة بصفة خاصّة في تجربة الشيخ "توفيق دغمان" وابنه "خليل"، أنّ الجديد الذي توفّر عندهما والذي ربما جعلهما يخرجان عن المعمول به، عن السائِد، أنهما جمعا كلّ هذا الطيف الصوفي يمكننا القول، جمعا كلّ الطرق الصوفية في العمل الذي قدماه في إطار "حضرة رجال تونس". "شيخ "توفيق" في البداية نُحييك ونُحيّي المجموعة معك في "حضرة رجال تونس" ومنهم الشاب ابنك "خليل" الذي عرِفته معك شخصياً. أُحييك على المجهود الذي قمتما به والذي بفضله جمعتما تقريباً من كلّ الطرق الصوفية، من أغلب الطرق الصوفية جمعتما في عملٍ واحد قُدّمَ في إطار "حضرة رجال تونس" وهذا مجهود تُشكران عليه. لكن بالطبع، هو مجهود شخص، مجهود أفراد، مجهودك أنت بالذات ومعك ابنك وكلّ المجموعة، لكن أنا شخصياً أرى الذي لا تراه وسأسألك هذا السؤال الذي قد تحاول أن تُخمِن فيه وتلقى له جواباَ. ألا ترى أن الوقت حان لأن يخرج أداء الإنشاد الصوفي من إطار الاجتهاد الشخصي للأفراد؟ كلّ شخص يجتهِد عن الموجودين، وإذا كان الأشخاص لا يجتهدون هلّ لأنّ وقتهم ضيِّق؟ أو بسب الخوف من التلاشي مع مرور الزمن؟ ألا ترى أن الوقت حان للعمل في إطار، سواء الاقتراح على وزارة الثقافة وحتى على وزارة التعليم العالي بأن يُدرّس الإنشاد الصوفي في إطار المعهد العالي للموسيقى، أو أن تقوم أنت بيدك ربما بفتح فرع خاص كاجتهاد شخصي، ومن خلاله تُدرّس؟ وخاصة أنا أعرف شخصياً أنّ "خليل" قد درس الموسيقى وهو متمكِن من الموسيقى وساهم بدوره في تطوير العمل لطريقة تقديمكما وهو يجب أن يتبنّى العملية وأنت معه لتشجعه حتى تكون قاعدة الإنشاد الصوفي على قاعِدة علمية صحيحة وليست بالوراثة من اُذُن إلى أُذُن وبالسمع

زاهي وهبي: الشُكر الجزيل للأُستاذ "هادي السنوسي". يُريد جعل الغناء والفن الصوفي مؤسسة

توفيق دغمان: بارك الله فيه، فكرة حلوة كثيراً. والله أُمنيتي هي أن ألتقي بالسيد الوزير والسيدة الوزيرة الموجودان اليوم. لا توجد إشكالية

زاهي وهبي: اليوم الفنانة "سونيا" مُبارك" هي وزيرة الثقافة في "تونس"

توفيق دغمان: "سونيا مُبارك" هي امرأة قيِّمة وأُستاذة بأتمّ معنى الكلمة

زاهي وهبي: وكان لي شرف استضافتها ومحاورتها في يومٍ من الأيام في برنامج "خليك بالبيت"  

توفيق دغمان: الأُستاذة هي قيمة ثابتة. مبدئياً أحب أن نتواصل في لقاء، وعندي بعض الخواطر أحبّ أن أوصلها لها، لكنني لم أجِد فُرصة حتى مع الوزراء الذين تواتروا سابقاً، لم أجد فُرصة. أنا أخدم وهذا ظاهِر للعيان

زاهي وهبي: لكن من المُفترَض أن تكون الأبواب مفتوحة لفنان في مستواك شيخ. من المُفترض أن تكون أبواب الوزراء والوزيرات والمؤسسات الرسمية مُتاحة ومفتوحة أمام الناس أمثالك، وليست مُقفلة

توفيق دغمان: والله أنا من طبعي لا أحبّ

زاهي وهبي: وأنا أقولها مُباشرةً للسيدة "سونيا مُبارك" عبر هذه الشاشة

توفيق دغمان: أنا من طبعي أُستاذ "زاهي" أنني لا أُحبّ طرق الأبواب. مشيتُ مرّة للأُستاذة الوزيرة " باش شاويش" ولم ألقَ إمكانية، مشيت حتّى للوزارة ولم ألقَ نتيجة. بعد هذا العُمر أقعد وأطرق الأبواب؟ لا بأس، أنا أعرِف قدري. أنا أتوجّه للأُستاذة الوزيرة "سونيا" مُبارك" وأقول لها، إن كانت ثمة إمكانية للمزج بيني وبين "خليل" بإمكاننا أن نقوم بمدرسة في هذا الفنّ

زاهي وهبي: يا ليت

توفيق دغمان: بإذن الله

زاهي وهبي: حضرتك أيضاً عمِلت مع المُخرِج الكبير، المسرحي المعروف "الفاضل الجزيري" في عرضٍ بصري وصوتي بعنوان "الحضرة" واستمرّ سنوات هذا العمل. كيف كانت هذه التجربة؟ الخلاصة التي خرجت بها من هذه التجربة؟

توفيق دغمان: من أحسن التجارب بالنسبة لي.  أُستاذ "زاهي"، السيّد " محمّد الفاضل الجزيري" بالمناسبة أسأله عن أحواله وأُسلِم عليه

زاهي وهبي: و"رمضان كريم"

توفيق دغمان: و"رمضان كريم"، ونحبه بحقّ ونقول له، أُستاذ "الفاضل" أمضيت مدة حلوة جداً معك مدة 11 سنة يا أُستاذ "زاهي" وكان يمتاز بالنظام وبالإخراج، إخراج عالمي، وقدّمناها

زاهي وهبي: غير "الحضرة"، هلّ قام بشيء مثل "البُردة"؟

توفيق دغمان: قام بـ "النوبة"

زاهي وهبي: "النوبة" صحيح

توفيق دغمان: قام بـ "النوبة" قبل "الحضرة" و "الحضرة" الموسيقية كانت في الآخر، هو شعبي

زاهي وهبي: واشتغل على هذا الأمر، الموروث التونسي العظيم

توفيق دغمان: واتصل بنا نحن، عدد من الشيوخ، وأتينا بفِرقنا وهو أخذ جانب الإخراج، وقال إنتاجكما لكما إن واصلتما معي، واستمرّت تجربتي معه لمدة 11 سنة وكانت من أجمل فترات حياتي

زاهي وهبي: نمسيه بالخير طبعاً للأُستاذ "الفاضل"

توفيق دغمان: نمسيّه بكلّ خير ونقول له ربّي يُمدّك بالصحة والعافية

زاهي وهبي: ثمّ في ما بعد أسست فرقة أو مجموعة "حضرة رجال تونس"، لماذا "رجال تونس" فقط؟ أين النساء؟

توفيق دغمان: والله أنا أحبّهنّ وعلى رأسي وعيناي، حتّى تسمية "رجال تونس" والله كان معناها إحقاق الحق. هي حقيقة لا تُخفى، زوجتي قالت لي، " ما رأيك في هذه التسمية؟" وأخذنا في البحث عن تسمية ولأنها كانت تجدني جدّياً جداً قالت لي، " ما رأيك في الرجال، رجال، حضرة رجال تونس"؟ لأنّ السيّد "الفاضل" قال لي أسم "الحضرة" لا يخدُم فحاولنا، لكي يكون عندي تسمية، واستقرينا على الاسم والحمد لله. عندي أُنثى في عمر 15 أو 16 سنة مع "حضرة رجال تونس" وهي نشطة وتٌقدِّم

زاهي وهبي: كم هو مجموع الفرقة

توفيق دغمان: 35 إلى 40 فرداً

زاهي وهبي: موسيقيون ومُنشدون؟

توفيق دغمان: نعم

خليل دغمان: وعازفو إيقاع و"كورال"

زاهي وهبي: نعم، ونِعمَ الرجال. نسمع شيئاً؟ إذا سمحتما

توفيق دغمان: هيّا

خليل دغمان: هيّا، تفضل

توفيق وخليل دغمان: (يُنشدان)

زاهي وهبي: ألله، الله

خليل دغمان: شكراً، يعيّشك

زاهي وهبي: جميل، جميل جداً. انتشار الإنشاد الصوفي والمدائِح النبوية في بلاد المغرب العربي، واضح وجود حبّ عند أبناء المغرِب العربي الكبير

توفيق دغمان: صح

زاهي وهبي: ما السبب؟

توفيق دغمان: تاريخ هذا الفنّ الصوفي متوارِث، تلقَى أحدهم يقول هذا "البحر" من "الجزائِر"، وذاك "البحر" من "المغرِب"، حتّى الإيقاع تلقاه في "المغرِب" و"البحور"، مثلاً نأخُذ "علاّمة"، "وليّ صالِح"، "سيدي عبد سلام الأسمر" وهو من "ليبيا" وجاء واستوطن في "تونس"

زاهي وهبي: حتّى الأحياء والمُدن، مثلاً "سيدي بو سعيد" "سيدي بو زيد"

خليل دغمان: هذا يعني أين نسكن نحن

توفيق دغمان: أين نحن نسكن، في هذه الزاوية بدأ "محمّد الصحبي التميمي" في حبّ الله وحبّ الرسول عليه الصلاة والسلام كما يقولون، فكانت "بحور" تخرُج قبلاً وأعادوا إخراجها. "سيّدي عبد سلام الأسمر"، نحن في منطقة "سيدي عبد سلام الأسمر" وهناك "عبد القادر الجيلاني" ومنها أول ما خرج من الطُرق الصوفية القادرية والسُلامية و"الطيبية" والعيساوية" وإلى آخره

زاهي وهبي: على كلّ حال نتمنّى لو ينتشر الحبّ في كلّ الدنيا وعلى كلّ أرجاء المعمورة

توفيق دغمان: أجل والله، إن شاء الله

زاهي وهبي: لحظات سريعة ثمّ نُعاوِد هذه الحلقة المتميّزة من "بيت القصيد"

المحور الثالث:

زاهي وهبي: حلو كثيراً. كم يُمكننا شيخ خليل أن نعتبر أنّ الإنشاد الصوفي والمدائِح النبوية الشريفة هي فنٌ شعبي بمعنى،" طالِع من وسط الناس والأحياء الشعبية ومن الحارات"

خليل دغمان: أكثر الناس وأكثر شريحة من الجمهور في رأيي أنا، وهذا رأيي البسيط، من أناس الحارات. من الناس التي تعود إلى أصلِها وإلى جذورها أكثر. الناس الذين يقولون أنّ كلّ شيء فيه أصل، نحن نقول بالتونسي" فيه "بنّه"، فيه ذوق مميّز. لهذا، تجد المواطن الشعبي في "تونس" دائماً متذوِّقاً ويحب التذوّق والاستماع لهذا النمط الموسيقي

زاهي وهبي: أي بقدر ما هو الفكر الصوفي أو الشِعر الصوفي أحياناً فكرٌ نُخبوي أو للصفوة، لكن الغناء والإنشاد الصوفي شعبي  

خليل دغمان: شعبي أكثر، وهذا هو التميُّز

توفيق دغمان: لأنّ فيه رجوع للجذور

زاهي وهبي: للينابيع

توفيق دغمان: أجل، هذه هي. لذلك نقبل الكتاتيب الذين يُحفّظون القرآن وفي المولِد النبوي الشريف يقومون بـ "البرُدة" بمعنى يعيدون القاعِدة

زاهي وهبي: لكن المتشددين أو المتطرّفين الإسلاميين ينظرون إلى هذا الغناء باعتباره بدعة وكُفراً

توفيق دغمان: ثمة بدع مُستحسنة، مثلاً نأخذ نحن الجانب الفني ونجذب الناس. عندما يكون المرء في حال اكتئاب يسمع الفنّ

زاهي وهبي: نساء "المدينة" استقبلن رسول الله بـ "طلع البدر علينا"

توفيق دغمان: طلع البدر علينا. بمعنى بالدفوف، وهذه كلها مُناجاة لله سبحانه وتعالى وفي مدح سيّدنا النبي.

زاهي وهبي: دعونا نستمع أيضاً إلى رأيٍ بتجربتكما ضمن "كلام يوصل" من الأُستاذ "محمّد ساسي". نسمعه سوياً .

كلام يوصل:  

محمّد ساسي - صحافي: "من شابه أباه ما ظلم" لأنّ الشيخ "توفيق دغمان" تربّى في وسط عائِلي مُتديِّن، والده رحمه الله الشيخ "محمّد" من حَفَظَة القرآن. سي "محمّد خليل" جاء في وسط هذا ووجد فيه جدّه الشيخ "محمّد" ووجد فيه أيضاً جدّه من أمّه الشيخ "الخطوي" الذي هو "زادة زيتوني" ومن حَفَظَة القرآن أيضاً، فكان التواصل لأنّ "محمّد خليل" تبِع والده وكان يرافقه في حفلاته منذ أن كان ولداً صغيراً، بمعنى منذ أن كان عمره تقريباً خمس سنوات كان يمشي معه ويحضر معه. بذلك "محمّد خليل" كوّن نفسه من حيث أنّه درس أو أجرى دراسات في الميدان الموسيقي وحصلَ على دبلوم، وهذا ما جعله يجمع ما بين التراثي وبين الحَضَري. سؤالي أُحبّ أن أوجّهه لـ "محمّد خليل". أقول له سي "محمّد خليل"، موجة الأغاني الشبابية السائِدة والأغاني الرائِجة مثل الراي والراب والفنّ الشبابي والمُذوِد وإلى آخره كيف يمكنك أن تلقى نفسك أو أن تُحافِظ على الفنّ الصوفي في وسط هذه المجموعة ؟ ما هي الأفكار التي يجب أن تلقاها؟ ما هي الأساليب التي يمكنك أن تستعملها من أجل أن تُحافِظ على هذا الفنّ الصوفي وتُكمِل الرسالة النبيلة التي بدأها والدك الشيخ "توفيق دغمان"؟

زاهي وهبي: ألف شُكر للأُستاذ "محمّد ساسي"، تفضّل

خليل دغمان: سؤال مُمتاز ومُتميِّز. أنا أشكره كثيراً فهو صديق للعائِلة وصديق للوالِد. أنا أُحبّ أن أقول له أنّ الذي يتشبّث في الأصل بكلّ جوارِحه وبكلّ ثقافته وبكلّ ما أُوتيَ من قوة بإذن الله يسلك الطريق الصحيح ويجد طريقه. لكن الأساليب، وكنت أتحدّث فيها معك أُستاذ "زاهي"، هي التسريع في الإيقاعات والكلمة البسيطة، وبأن بعض الألحان في المقامات تكون شبابية مثل المقام الكُردي

زاهي وهبي: ما رأيك بالتجارُب لدى بعض الموسيقيين والمنشدين الذين يُدخلون موسيقى غربية؟ يُدخّلون "الجاز"، يُدخلون "البلوز"، يُدخلون

خليل دغمان: لماذا لا!

زاهي وهبي: لا مانع عندك، حلو هذا، أي أنت لستَ ضدّ                      

خليل دغمان: أنا لستُ ضدّ هذا، والناس يعشقون المدائِح. الوالِد عنده رأي مختلِف قليلاً، بمعنى دائِماً يُحاوِل أن يخاف على خصوصية الأصل والتُراث، أنا عندي نظرة أُخرى شبابية وأقول له، "لماذا بابا لا نُدخِل الغيتار باس" 

زاهي وهبي: الأُستاذ الفنان "ظافر يوسف"

خليل دغمان: وهو صديق

زاهي وهبي: يقوم بأصوات وموسيقى إلكترونية، ويعزِف العود

خليل دغمان: شيء مُتميِّز. أنا أُحبّ الاندماج، وأقمت تجربة صغيرة شخصية مع أخي الأُستاذ والفنان "سفيان سفتا" وهو عازِف موسيقى "جاز" وتلاقيت معه وقال لي "لماذا لا نقوم بموسيقى دينية في موسيقى الجاز ونؤدّي عرضاً متميزا؟". أنا حُلمي أن نُدخِل بعض الأنماط الموسيقية العالمية

زاهي وهبي: وتُقرِّب الإنشاد الصوفي

خليل دغمان: إلى العالمية

زاهي وهبي: قدّمتما شيخ وأنشدتما أمام جمهورٍ غير عربي، لا يفهم اللغة وربّما الحال نفسها مع هذا الجمهور في أنه في موقع آخر، لكن كيف كان التفاعُل؟

توفيق دغمان: في "باريس"؟

زاهي وهبي: نعم

توفيق دغمان: في "اليونيسكو" في مهرجان "التسامح" كلّ الجماهير لم تكن تفهم اللغة العربية ولكن الشيء الروحاني وصل إليهم. مسألة مُمتازة ومُمتِعة  

زاهي وهبي: وهذا أهمّ شيء. أريد أن أرجع قليلاً للتصوُّف المغاربي إذا جاز التعبير، بماذا يتميّز؟ هل يوجد فرق مثلاً بين المدائِح والإنشاد في "تونس" أو في "الجزائِر" أو في "المغرِب" والإنشاد في "مصر"؟ مثلاً، "ياسين التهامي" أو مُنشدين آخرين معروفين؟ هناك فرق في الطُرُق؟  

توفيق دغمان: أكيد. هناك فرق من ناحية الألحان. مثلاً أشياء علّمتها لـ "خليل" وهي "الهِنك" للفنّ الصوفي

خليل دغمان: وهي طريقة أداء

توفيق دغمان: طريقة الأداء

زاهي وهبي: أي عندما نقول "السلامي"، "العيساوي" نسبة إلى طُرُق؟

خليل دغمان: نسبةً إلى سيدي بن عيسى" وهناك "سيدي عبد السلام" وهي "السلامية"، ونحن مثلاً في "تونس" أو في المغرِب العربي أي في "المغرِب" أو في "الجزائِر" طريقة الأداء هي التي تكون مُختلِفة. مثلاً في "تونس" نقول (يُنشِد)، وهذه لا تجدها في "المغرِب" ولا تجدها في "مصر". هذه تونسية أصلاً وطابعاً ومضموناً و "هِنكاً" وكلّ شيء. أي هنا يقع الاختلاف

زاهي وهبي: ألا يدخل "المالوف" التونسي مثلاً؟

خليل دغمان: في بعض المقامات، لكن "المالوف" التونسي عنده "هِنك" آخر

زاهي وهبي: نعم

خليل دغمان: ونوجِه تحيّة للأُستاذ الكبير "زياد غرسا" وهو من الممتازين في "الهِنك". يقع هنا الاختلاف في طريقة الأداء لا غير، لكن "السُفن" والكلمات

زاهي وهبي: حتّى أُوضِّحها أكثر، كأننا حين نقول في الرقص الصوفي أو في الفِرَق الصوفية، مثل مثلاً حين نقول "مولوية" أو "نقش بندية"      

خليل دغمان: في "تركيا" غير الموجود في "المغرِب" وغير الموجود في "تونس"

زاهي وهبي: صحيح، هذا هو. ممكن أيضاً أن نستزيد لأنّ الذي يسمعكما يعطش

خليل دغمان: نبقى في هذا المجال ونقول شيئاً متصوِفاً وهو " يا نعم الإمام"

توفيق دغمان: تفضّل  

خليل دغمان: للشيخ الإمام "سيدي أبو الحسن الشاذلي"

توفيق دغمان: (يُنشِد)

زاهي وهبي: جميل، جميل جداً

توفيق دغمان: هذا باقتضاب أُستاذ "زاهي"

زاهي وهبي: شيخ "خليل"، ما الذي أخذك إلى برنامج Arab Idol؟

خليل دغمان: Arab Idol هو بالنسبة لي مرحلة مُهمّة جداً من ناحيتي

زاهي وهبي: ما هي الأهمية، ما هو مكمن هذه الأهمية؟

خليل دغمان: المكمن أنّ أيّ شاب في عُمري أنا، عندما يرى البهرجة الإعلامية وقوة الصورة وقوة الإخراج لا يضعف لكنها تحرِّك عنده حبّ الاطّلاع. أحببت أن أذهب وأرى ما هو هذا الإخراج؟

زاهي وهبي: هلّ خدمتك هذه التجربة؟

خليل دغمان: فنياً لا

زاهي وهبي: فنياً لا! في الحقيقة صوتك أهمّ من بعض الذين كان من المُفترض أن يعطوا رأيهم بصوتك، البعض، البعض مع احترامي

خليل دغمان: مع احترامي لأساتذتي وللكل، لكن فنياً لم تضف لي الكثير. الذي أضافته لي كان كيفية الوقوف أمام الكاميرا، كيف أحاول أن أتحاوَر

توفيق دغمان: لا، لا أقبلها هذه

زاهي وهبي: ليس راضياً

توفيق دغمان: تركته يقوم بالتجربة هذه إضافةً لرصيده من أجل أن يراها بحق. حدثت مُحاولات وحاولوا إبعاده  

خليل دغمان: ولا زالوا في "تونس". يحبون أن يروني في نمطٍ غير موسيقي

زاهي وهبي: هلّ تعلم شيخ؟ لو يُصرَف على الفنون الجدية العميقة ربع أو خُمس ما يُصرَف على الغناء التجاري والترفيهي

خليل دغمان: والله لكنّا في مرحلة أُخرى

توفيق دغمان: وهي ليست مسألة حلوة كثيراً. أنا أمتاز ويسمع بي الكلّ في أنني أُشجِع الشباب كما ابني وكلّهم أبنائي، أصوات جميلة

خليل دغمان: جيل في عُمري

توفيق دغمان: سيدي "علي"، سيدي "فتحي"، الشيخ "فتحي الحطّاب" وهو شيخ على "الطيّبية" التي هي كما نقول نحن طريقة صوفية

زاهي وهبي: على كلّ حال، نستعير من "المُتنبي" إذا لم أكن مُخطئاً، "ومن أراد البحر استقلّ السواقي"

توفيق دغمان: "المُتنبي"  

زاهي وهبي: أنت عندك البحر على كلّ حال وإلى أين ذهبت؟

توفيق دغمان: الحمد لله

خليل دغمان: أكيد ذهبت قليلاً وعُدت إلى الأصل

زاهي وهبي: لا يزال عندي دقيقة قبل الاستراحة الأخيرة، إذا سمحتما، نسمع أيضاً

خليل دغمان: أكيد. نقول

توفيق دغمان: نقول، لا لا سامحني، هي المُناسبة عيد

زاهي وهبي: أجل ونريد أن نقول شيئاً فرِحاً

توفيق وخليل دغمان: (ينشدان)

زاهي وهبي: شكراً، استراحة أخيرة ثمّ نأتي إلى مسك الختام

المحور الرابع:

زاهي وهبي: نريد هذا الوجه السمِح الرحِب الفرِح للإسلام وليس وجه الذبح والقتل باسم الإسلام زوراً وبُهتاناً للأسف. الإنشاد الفردي أم الإنشاد الجماعي أجمل لكما؟

توفيق دغمان: والله في كلّ الحالات، كل إنشاد عنده جمالية. حتّى الإنشاد الفردي جميل وإنشاد الجماعي شيء حلو كثيراً، فيه تناسُق وفيه خدمة كبيرة

خليل دغمان: سامحني، أنا عندي رأي آخر لأنّ الإنشاد يعتمِد على الارتجال، والارتجال يعتمِد على صوت واحِد، وهذا سرّ القوة ونبع القوة في الإنشاد الديني وهو الاعتماد على الصوت الواحِد من دون آلات ومن دون شيء آخر، وهذا مُمتاز في عالم الموسيقى

زاهي وهبي: المعروف أنّ الغناء جلوساً أصعب من الغناء وقوفاً. في الوقوف، يكون المُغنّي مرتاحاً، وصدره مُرتاح ونفسه، لكن ما شاء الله عنك شيخ

توفيق دغمان: أنا في "تونس" يُمكنك أن تقول أوّل من أدّى الفنّ الصوفي وقوفاً. كانوا قبلاً يؤدّونه جلوساً وعلى الكراسي، وأنا أنشدته وقوفاً ومن ثم صرت أقود الفِرقة. أنا أجد راحتي هكذا ويكون تنفّسي سهلاً أكثر. العملية في رأيي فيها ثقة في النفس

زاهي وهبي: ومِراس وتجربة وخبرة مع الوقت

توفيق دغمان: أكيد، والناس تسمع  

زاهي وهبي: لكن الذي يسمعك شيخ أو يسمع الشيخ "خليل" ينتشي، يشعُر بلذّة روحية. حضرتك حين تكون في حال الإنشاد وقيادة الفرقة، ما الذي تعيشه؟

توفيق دغمان: قول الحق يا "خليل" 

خليل دغمان: في بعض الأحيان يتأثر

توفيق دغمان: وحتى حين أُنشد كلّ ليلة أو ليلة بعد ليلة، الكلمة تخرُج من قلبي. أنا في الأصل ليست عندي مهنة وهذا يعني أنني أحببت هذا الفنّ، وحين أُنشده، أُنشد بحبّ

زاهي وهبي: بكلّ جوارِحك

توفيق دغمان: وهذه المسألة تنتقل ولا تقف عند ابني، فهو يُغنّي بكلّ جوارِحه

زاهي وهبي: تأثّر في الربورتاج شيخ "خليل" وأدمعت عيناه

توفيق دغمان: حتى في المُقابل كنت أعطيه وكان يقول لي "لماذا بابا؟". في الحق أحياناً كان يقول لي في بعض السهرات" أنا خلصت"   

خليل دغمان: لحدّ الإشباع التام

توفيق دغمان: بالحق مسألة مُهمة

زاهي وهبي: تفاعُل الجمهور مُهِم أم لا؟ المُنشِد في لحظة الإنشاد ينفصِل عن المكان والزمان؟

خليل دغمان: أُستاذ، هذا في بعض الأحيان، الشيخ يطلب من الجمهور الصمت، هذا يعني أن الجمهور يتبع أوامره

زاهي وهبي: عندنا مثلٌ نحن في المشرِق يقول " إرمِ الإبرة تسمع رنّتها"

توفيق دغمان: صحّ

خليل دغمان: ويسمع ويُنشِد الشيخ ثم يقوم الجمهور بالتفاعل معه، وهذا ممتاز

توفيق دغمان: هذه مسألة لا إرادية معي، وعندما أقوم بهذه الحركة فمعناها أن المُعلِّم يقول وأنتم تردّدون، وفعلاً يكون هناك حبّ مُتبادَل والحمد لله

زاهي وهبي: نستمِع إلى رأيٍ أخير بتجربتكما اليوم من الموسيقي والعازِف الأُستاذ "أنيس فليس"

 

كلام يوصل:

أنيس فليس – موسيقي: الشيخ "توفيق دغمان" بارك الله، تجربة كبيرة في الميدان الفنّي وخصوصاً في هذه النوعية الموسيقية للإنشاد الصوفي والديني. المسألة البائِنة والتي يفرح الناس كلّهم لها هي أنّ "خليل" ابنه معه، وهذه الثنائية خلقت الكثير من الأشياء التي ميّزتهما عن بقية الناس أو الموسيقيين أو العازفين من ناحية تطوير النمط الغنائي أو الأنماط الغنائية الموجودة لأنه قبلاً كنّا نرى المنشدين السابقين يغنّون الأشياء المُردّدة ولا توجد أشياء جديدة. مثلاً لأعطيك مثالاً في الأشياء الجديدة التي وضعها "سي توفيق" و "سي خليل" وأضافوها حضور اللون "الإسطنبولي" وقد دخل بتناسُق. وهذه مسألة تُحسَب للثنائي "دغمان"، ألله يعطيهما الصحة. سؤالي بالطبع سيكون للشيخ "توفيق دغمان" ولـ "خليل دغمان" لأنّه أيضاً معني بالأمر. لماذا لحدّ الآن في "تونس" لا توجد نصوص جديدة وألحان جديدة تواكِب العصر في هذا اللون الغنائي، وأنا أتصوّر أنّه كما يقولون في "تونس"" البلّ تمشي على كبارها"، وأتصور لأنّكما من أقرب الناس في هذا المجال أن تعملا على كلمات جديدة وألحان جديدة ولِمَ لا، توزيع جديد في هذا النمط الموسيقي ليصدر في قرص مضغوط أو على الإنترنت ويسمعه الناس لأن تراثنا الموجود والذي يُغنّى نحبه، لكن إلى متى ستبقى الأُغنية الدينية والإنشاد الصوفي في هذه المرحلة في دائِرة إعادة الأغاني القديمة؟ وأنا أعتقد أنهما سينهضان بتراثنا وفي "تونس" ونحدّثه اليوم بأغانٍ جديدة ونمشي في هذا النمط الغنائي في أغانٍ جديدة، وأظنّ أنكما أقرب الناس لتبحثان في هذا المجال وتقدّمان لنا إن شاء الله أشياء جديدة تنال استحسان الجماهير كلّها

توفيق دغمان: سأجيبه أنا

زاهي وهبي: تفضل

توفيق دغمان: بارك الله فيه، السؤال قيِّم. بالنسبة لي أنا حاولت في بعض الخواطر وكان اختصاصي هو أن اُنشِد. الفكرة الأولى كانت الإبداع الذي يأتي من عند الإله سبحانه وتعالى. أمّا بالنسبة لخلق شيء جديد فهذا نحيله لولدي "خليل" الدارِس للموسيقى، وأنا أصررت حينما كان صغيراً جداً أن يدرُس الموسيقى

زاهي وهبي: بماذا توصيه؟ بماذا تُشدد عليه؟ الوصية بعد عُمرٍ طويل

خليل دغمان: إن شاء الله يا والدي، إن شاء الله. شكراً

توفيق دغمان: يعيّشك. أوصيه بأن يقوم باختيار بعض القصائد بعد أن يختار الكلِمة الحلوة كثيراً

خليل دغمان: وأن أُحافِظ على

توفيق دغمان: الأصالة. بمعنى كما أنت الآن تلبس الجبّة التونسية أن تحاول الحفاظ على الأصالة، وأُحيل الإجابة له هو

زاهي وهبي: حفلاتكما موجودة على أقراص مُدمجة؟

خليل دغمان: إن شاء الله، أنا والأُستاذ "أنيس فليس"، إن شاء الله، أحبّ أن أقول له وهو يسمع، إن شاء الله حين يكون عندنا مشروع مُشترك معه، وهو أُستاذ في توزيع الموسيقى ومعروف جداً في "تونس"، وإن شاء الله يكون التسجيل معه هو

زاهي وهبي: لغاية الآن لم تُصدرا أقراصاً مُدمّجة

خليل دغمان: الأقراص المُدمّجة، الشيخ بالنسبة له يحب الأشياء الحيّة المُباشرة، وأنا أقول له شيخ لماذا لا نُسجّل شيئاً؟

زاهي وهبي: سجِّل حفلة أو سهرة

خليل دغمان: يقول لي

توفيق دغمان: عندنا أقراص موجودة

خليل دغمان: لكنها صوتية وإن شاء الله سيكون معنا الأُستاذ "أنيس فليس" بإذن الله وهذه مسألة نُحضِّر لها .

زاهي وهبي: وإن شاء الله نراكما في "لبنان" في "بيروت" في مهرجانات، فهناك مهرجانات مُميزة في المشرق عموماً

خليل دغمان: أن شاء الله

زاهي وهبي: أنتما قدّمتما في الأُردن" أكيد

توفيق دغمان: "مهرجان التلاقي"

زاهي وهبي: نعم، وإن شاء الله تتكرّر هذه التجربة ونُقيم جسراً إبداعياً بين المغرب والمشرق

توفيق وخليل دغمان: إن شاء الله

زاهي وهبي: قبل أن أترُك الختام معكما إنشاداً أشكركما جزيل الشُكر. أنا سُعِدتُ جداً بهذا اللقاء واستمتعت وأُكرِر أنّ هذا الوجه للدين الحنيف هو الذي ينبغي أن يصل إلى العالم. أتمنّى أن يعُم السلام والطمأنينة والاستقرار في بلادنا العربية وفي مجتمعاتنا وأن تنتهي الحروب وينتهي الاحتلال الإسرائيلي لـ "فلسطين" وتنتهي جراح "سوريا" و"العراق" و"ليبيا" و"اليمن" و"السودان" و"لبنان" وكلّ الأمكِنة الموجوعة و"تونس" طبعاً

توفيق وخليل دغمان: آمين يا ربّ

زاهي وهبي: ويُعاد عليكما بكلّ خير وعلى المُشاهدين الكرام الذين نشكرهم دائِماً ونشكُر فريق العمل ومُخرِج البرنامج الأُستاذ "علي حيدر" ومنتجة البرنامج "غادة صالِح" ومِسك الختام معكما

خليل دغمان: ألله يخليك

توفيق دغمان: تعقيباً على كلام الأُستاذ "زاهي" أقول، إن شاء الله ربي يلطف بنا وبالأُمة العربية ويِبعد عنّا الأحقاد، وأقول بهذه المُناسبة " فهلّ لمّا الحلوة"

توفيق وخليل دغمان: (يُنشدان)

زاهي وهبي: حلوة كثيراً