طرائق الاجتهاد في الإسلام

شكّل الإجتهاد على إمتداد المحطات الإسلامية رافعة للأحكام الشرعية وتحديدا مناطق الفراغ التي لم يرد فيها نص مباشر من الكتاب أو السنة النبوية، وان على الدوام يعتبر وقود الإسلام الذي يبقي دين الله على علاقة بالواقع ومجيبا على المتغيرات التي تطرأ على صيرورة حركة التاريخ.

يحيى أبو زكريا: حيّاكُمُ الله وبيّاكم وجعل الجنّة مثواكُمُ.

شكّل الاجتهاد على امتداد المحطّات الإسلامية رافعةً للأحكام الشرعية وتحديداً مناطق الفراغ التي لم يَرد فيها نصٌ مباشرٌ من الكتاب أو السّنّة النبوية. وكان على الدوام يُعتبَر وقود الإسلام الذي يبقي دين الله على علاقةٍ بالواقع، ومجيباً على المُتغيّرات التي تطرأ على سيرورة حركة التاريخ.

والاجتهاد في الإسلام هو بذل الجهد لإدراك حكمٍ شرعي، من أدلّته الشرعية، وهو واجبٌ على من كان قادراً عليه، لأن الله عزّ وجل يقول "فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ"، ولا بدّ للمجتهد من أن يكون ذا سعةٍ في العلم واطّلاعٍ على النصوص الشرعية وعلى الأصول المرعيّة وعلى المباني الفُقهيّة والأصوليّة وعلمٍ جم بالكتاب والسنّة ومصادر التشريع ومقاصد الشريعة الإسلامية ولغة العرب وعلوم القرآن وأسباب النزول والعام والخاص والمُطلَق والمُقيَّد وغير ذلك.

والاجتهاد قد يكون فرض عينٍ إذا انعدم المجتهدون، وقد يكون فرض كفاية إذا كان هناك من يضطلع بعملية صناعة الفتيا وفق الأسس الشرعية. وقد يكون مندوباً، وذلك وفق مقام الاجتهاد والحاجة إليه والحكم الذي يستنبطه المُجتهد بالاجتهاد، والمُجتهد على ضربين، مُجتهدٌ مُطلقٌ ومُجتهدٌ جزئي. وقد أهملت الأمّة الإسلامية وعلى الرغم من الانهيارات والانكسارات المتوالية الاجتهاد الجماعي أو شورى الفقهاء، الذي لو تم تفعيله لأمكن الدفع بالوحدة الإسلامية والتكامُل الإسلامي إلى الأمام.

وإذا كانت شروط الاجتهاد ثقيلةً وتتطلّب مؤونةً علميةً عاليةً ودقيقةً، ويُضاف إليها التقوى والورَع وتجنّب الهوى والتعلّق بالدنيا، فقد ظهر في العالم العربي والإسلامي مُجتهدون يسيرون على هوى أنفسهم وهوى الشيطان، ينطلقون من الهوى والتخبّط والسياسة والدولار وكلّ العملات المُمكنة لصناعة الفتيا، فضاع الاجتهاد في زحمة الجهل والهوى وحب الدنيا.

والمطلوب اليوم إعادة تصحيح المسار وإعادة الاعتبار للاجتهاد الحقيقي والمُجتهدين الحقيقيين حفاظاً على الشريعة وسيرورتها وتطوّرها أيضاً بما ينسجم مع الواقع المعيش وبما ينسجم وتطلّعات الشعوب العربية والإسلامية. وقد أدّى تعطيل الاجتهاد وغلقه وإلصاقه بدوائر القرار أحياناً إلى تخبّط الأحكام الشرعية وإنتاج حال فوضى الفتاوى وغرابتها، الأمر الذي حوّلها إلى حال كوميديةٍ في العالم العربي والإسلامي.

طرائق الاجتهاد في الإسلام، عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش المُفكّر الدكتور حسن رضا الباحث والأكاديمي اللبناني والمُتخصّص أيضاً في الدراسات الإسلامية، ومن مصر الحبيبة الأستاذ الفاضل الباحث والأكاديمي طاهر زيد. مرحباً بكُمُ جميعاً.

دكتور حسن، مبدئياً، لا بدّ من تحديد ماهية الاجتهاد قبل أن نلِج إلى كل الإشكالات المُتعلّقة بالاجتهاد في الإسلام وفي كل المدارس الإسلامية. ما هي ماهية الاجتهاد كفعلٍ فكريٍ، كفعل استنباطي، ومن ثمّ، هل عندنا اليوم اجتهاد فعلي عصري حضاري؟

 

حسن رضا: بداية ليس لدينا صوغٌ نهائيٌ مُجمَعٌ عليه بين العلماء من أصوليين وفُقهاء قاربوا هذا الموضوع بصورةٍ فيها من الاشتراك في الرؤية ما فيها، إلا أنّ المعروف عموماً أنّ الاجتهاد عبارةٌ عن بذل الوسع والطاقة والقدرة من أجل تحصيل الأدلّة التي يعوَّل عليها من أجل استخراج الأحكام الشرعيّة أو ما يُعرَف بالوظائف العمليّة في صورة عدم تحصيلها. وثمّة من نظر إلى الاجتهاد على أساس أنّه مَلَكةٌ، وذلك باعتبار أنّ هناك مَلَكةً يحصّلها هذا المُجتهد في عملية استخراج الحكم الشرعيّ من المصادر المعروفة أو المألوفة، والتي يوجد خلافٌ كبيرٌ في ما يرتبط بها بين الرؤية السنيّة والرؤية الشيعية، مع العلم بأنّ قضيّة المَلَكة وُضِعت في هذا السياق من أجل درء مشكلة جملةٍ ممّن يمتلكون مقوّمات الاجتهاد من غير أن يبادروا إلى مزاولة هذا الأمر بالفعل. وإذا صحّ التعبير، يمكن عدّ عملية الاجتهاد بمنزلة معوَّلٍ في سياق الفطام عن ذلك الذي شكّل في مرحلةٍ من المراحل صلة الوصل بين المُطلَق والمحدود، أي بين الإنسان الذي كان ينتظر من أجل ملء مساحة الفعل الإنساني بالتشريع الذي يحقّق له السعادة في الدنيا، وبالتالي يمكن في ما يرتبط بالجانب الغيبيّ أن يؤمّن له حضوره الذي ينجّيه على الأقلّ من العذاب، ومن ناحيةٍ أخرى بين الإله الذي نظّم هذا الوجود ورسمه في سياقٍ أذهل هذا الإنسان ودفعه إلى أن يقطف منه جملةً من الأنظمةِ التي تقوم بسدّ الفراغ على مستوى مساحة الفعل الإنسانيّ، التي تُعَدّ حرّةً وإن كانت بعض المذاهب قد ذهبت إلى تحديدها ونفي الحرية عنها.

مهما يكن، فإنّ وجود النبيّ أو وجود الإمام يمثّل (الغنسان) الذي يربط بين الإله من ناحيةٍ والإنسان من ناحيةٍ أخرى، فمع عدم وجوده يأتي المجتهد من أجل أن يُخرِج من هذا المضمون المعرفيّ التراثيّ الذي تُرِك، وهو المعروف بالقرآن والسّنّة، فضلاً عن الإجماع والعقل، الهدف أن يُقطَف منه ما يسمح لهذا الإنسان بأن يتابع مسيرته. وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ المطلوب من الشريعة أن تؤمّن لهذا الإنسان ما يُحقّق له سعادته في ما يرتبط بتحديد أو بتعيير سلوكه البشريّ، فمتى ما لاحظنا مستوى الاجتهاد لكان بإمكاننا أن نشير إلى أنّ المطلب الأساسيّ إنما هو تحقيق المنجزية والمعذرية، وهذا ما يتمثّل في بحث الإنسان المُعاصِر عمّا يُحقّق له درء العذاب سواءٌ في الدنيا أو في الآخرة.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور حسن، عفواً، أشرت إلى صعوبة الاجتهاد، النبيّ يأتيه الوحي فيبلغه عن أمر ربه، ويبلّغ النبيّ عبر الوحي التكليف الشرعي اللازم اتّباعه من قِبَل النبي والأتباع. أما المُجتهد فهو يجتهد ضمن نصوص مُعيّنة، ضمن رؤى مُعيّنة، ضمن مبانٍ مُعيّنة للوصول إلى مراد المولى عزّ وجل. أستكمل معك الفكرة بُعيد الذهاب إلى مصر.

أستاذ طاهر، بناءً على ما ذكره الدكتور حسن، إذاً مهمّة المجتهد مهمّة صعبة وقاسية إلى أبعد الحدود. هو يحاول أن ينسب شيئاً إلى الله، يحاول أن يُفلسف إرادة الله في التكاليف الشرعية وفي الأحكام الشرعية. لماذا كانت مهمّة المُجتهد إما تؤدّي إلى الجنة أو تؤدّي به وبأتباعه إلى النار؟

 

طاهر زيد: بدايةً دعني أحيّيك دكتور يحيى على استضافتي في قناتكم الموقّرة، وأحيّي ضيفك الكريم والسادة المشاهدين. الموضوع الذي نتحدّث فيه الآن هو موضوع جدّ خطير، موضوع الاجتهاد، هذا الموضوع الذي طُرح في كتب الأصول على مدى العصور المُتكاملة، من بداية البعثة النبوية إلى وقتنا هذا في ما سطّره الأئمة على مختلف المذاهب المُتعدّدة. موضوع الاجتهاد حين نطرحه الآن، نطرحه من إشكاليةٍ معرفيةٍ كبرى وهي، في بداية حديثكم طرحتم مصطلحاً وهو ما يُسمّى بمنطقة الفراغ التشريعي، هذه المنطقة تحدّث فيها بعض الأئمة الكبار، منهم الشيخ محمّد مهدي شمس الدين العاملي، وأحد أهم مراجع الإمامية في لبنان، تحدّث عن هذه المنطقة وهو يعني بها أنها هي المنطقة التي أرادها الله سبحانه وتعالى للمُجتهد أن يسير فيها حتى يُصيب الحق بفرط الذهن وقوة القريحة.

الاجتهاد يا سيّدي الفاضل ما هو إلا عملية إجرائية تمر على مراحل مُتعدّدة، لا بدّ للمجتهد حتى تكتمل عنده عملية الاجتهاد من أن تكتمل فيه وفي ذهنه مجموعة من الأمور، أولاً العِلم بكتاب الله سبحانه وتعالى، أن يعرف ناسخه ومنسوخه، أن يعرف مُطلقه ومُقيّده، أن يعرف عامه وخاصه. هذه الأمور إذا علمها جيّداً استطاع أن يتعامل مع كتاب الله، ثم المرحلة الثانية ينتقل إلى السنّة النبوية، فيعرف منها الصحيح والضعيف، يعرف منها حال الرجال، ثم يمتلك بعد ذلك أدوات اللغة. هذه المراحل إذا تمت في عقل المُجتهد مع إدراكه للواقع المعيش، مع إدراكه لمقاصد الشريعة، مع إدراكه للمصالح والمفاسد، يستطيع من خلالها أن يجتهد وفق الأطر المعرفية هذه، ويقدّم لنا نموذجاً معرفياً حضارياً نستطيع من خلاله أن نسيّر الأمور.

ما معنى الاجتهاد؟ دعني أن أقول أن ماهية الاجتهاد تتلخّص في تجريد النص عن قيد الزمان والمكان والسياق والمناسبة. إذا تمّ هذا التجريد بشكلٍ واضح، نستطيع من خلاله توليد مجموعة من الأحكام. هذه المجموعة من الأحكام تستطيع مُسايرة الواقع المعيش، وبالتالي حلّ مشكلاته. هذا يمكن أن يتكوّن من خلال الفرد ويتكوّن من خلال الجماعة، فالفقهاء على تطوّر مذاهبهم، كان على كل مذهبٍ إمام كما هو معلوم، فالحنفية الإمام ابو حنيفة والشافعية الشافعي والمالكية مالك والحنابلة أحمد ابن حنبل. لمّا نأتي، ننظر إلى هؤلاء الأئمة نجد أنهم اكتملت عندهم الأدوات، فاستطاعوا من خلالها استنباط الأحكام فقلنا عنهم أنهم مُجتهدون مُطلَقون، هذا مُجتهد مُطلَق. بقي لنا أصحاب هذا الإمام وتابعوه، هؤلاء يُسمّون مُجتهدين في المذهب، هذا مُجتهد المذهب هذا ينطلق مما انطلق منه الإمام، كيف انطلق هذا الإمام، انطلق من الكتاب ومن السنّة ومن الإجماع ومن القياس ومن الأدلّة المُتّفق عليها والمُختلَف فيها، فنتج لنا اجتهاد، يمكن أن نُسمّيه اجتهاداً جماعياً ويمكن أن نسميه اجتهاد إمام تلخص في تلاميذه. ولذلك كان الإمام ابن دقيق العيد يقول وهو كان مالكياً وثم تحوّل إلى الشافعية، وكان مُجتهداً، سمّوه مُجتهداً مُطلقاً، وتوفى سنة 702 هجرياً في أوائل القرن الثامن، قال ما قلّدنا الشافعية ولا غيرها ولكن وافق اجتهادنا اجتهادهم، أي يُلخّص لنا ويؤطّر لنا قضية مهمة، أنّ الاجتهاد مفتوح ممكن أن يلِجه أيّ أحد، إلا أنه مُقيَّدٌ بشيء مهم وهو امتلاك آليات هذا الاجتهاد.

 

يحيى أبو زكريا: أرجو أن تبقى معي أستاذ طاهر لأكمل بقية الأفكار.

دكتور حسن، الاجتهاد قد يُنظَر إليه أنّه عامل من عوامل الوصول إلى مُراد المشرّع جلّ في علاه، وقد يُنظَر إليه على أساس أنه معول هدم للشريعة أيضاً، بدليل كما يقول أصحاب الاشكال، أنّك تجد في الاجتهادات تضارباً، ممكن مُجتهد يذهب إلى حلية شيء، يمكن لآخر أن يذهب إلى حرمته، ممكن شخص يرى جواز زيارة القبور وآخر يرى أنّه من زار قبور الأولياء يُستتاب وإلا قتل، كما قال ابن تيمية في الفتاوى.

إذاً هنالك اجتهادات مُتضاربة. مَن يعطيني الضمانة الشرعية طبعاً أنّ هذا الاجتهاد سليم وهذا الاجتهاد عقيم، هذا الاجتهاد ربّاني وهذا الاجتهاد شيطاني؟

ما هي المقاييس التي من خلالها نُعمِل النظر في اجتهاد، ونقول أنه توقيع عن رب العالمين، أو اجتهاد آخر ونقول هذا توقيع عن الشيطان الرجيم؟

 

حسن رضا: الحقيقة أنّ الاجتهاد يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمعرفة أصولٍ وقواعد ومُرتكزاتٍ لا محيص عنها في العملية الاجتهادية، وهذه الأمور ليست حكراً على المُجتهد، بل ثمّة مُجتهدون مُتنوّعون مُختلفون مُتباينون من الممكن أن يلتفتوا إلى الأصول والمباني والقواعد التي ارتكز عليها هذا المُجتهد من أجل أن يحكموا على اجتهاده بأنّه يقوم على أسسٍ، أم أنه هوائيٌ ولا يرتكز على الشريعة التي إذا أردتُ أن أدقّق في محتواها، الحقيقة أنّها غائبةٌ، أي ما يوجد بين أيدينا إنما هو نصوصٌ قرآنية ونصوصٌ من السّنّة، وبالتالي فإنّ الشريعة هي التي تمثّلت في هذه المصاديق من أجل أن تعالج بعض المشكلات الخاصّة بزمانٍ ومكانٍ وموضوعاتٍ وشخصيّاتٍ مُحدّدةٍ، إلا أن الواقع أن عملية الاجتهاد اليوم لم تعد لها المباني أو القواعد التي تسمح لها بأن تطفر خارج العصر، لذلك بقيت الأحكام والتشريعات والفتيا بمعظمها قريبةً في مُعطياتها ممّا كان في العصرين الأموي والعباسي.

 

يحيى أبو زكريا: وهذا في كل المدارس الإسلامية؟

 

حسن رضا: وإذا أردنا أن نُدقّق بالفعل.

 

يحيى أبو زكريا: لا، أجبني، هذا في كل المدارس الإسلامية؟

 

حسن رضا: بالتأكيد، إنّ جميع المدارس الإسلامية لا زالت ترضع من الثقافة التي قُدّمت في العصرين الأموي والعباسي، وليس ثمّة قدرةٌ اجتهاديةٌ استطاعت أن تنقل لنا تلك الحال من واقعٍ إلى واقعٍ آخر نعيشه ونفتقر إليه في هذا الزمان. وسبق أن أشرت إلى أنّ الهدف إنما هو تحقيق المعذرية، وأن يكون الإنسان أمام الله مُبرّأ الذمة ليس أكثر، بينما إذا أردنا أن نعود إلى الشريعة، لا بدّ لنا من أن نلتفت إلى أمر آخر ألا وهو حاجة العصر، فنحن نريد أن نلوذ بالشريعة من أجل أن تعالج لنا مختلف المشاكل الاقتصادية والسياسية والتربوية والاجتماعية وغيرها ما يُشكّل منطقة فراغٍ بالنسبة إلينا ويُشكّل نقطة حاجةٍ بالنسبة إلينا أيضاً.

 

يحيى أبو زكريا: هنا دكتور حسن، عفواً، لماذا أبقيت الشريعة ناقصة؟ وطبعاً يفهمني المشاهد وأنت تفهمني. لماذا كثُرت مناطق الفراغ في النصوص الشرعية؟ لماذا المولى عزّ وجل ما قدّم ديناً كاملاً مُتكاملاً للبشر في كل الأحكام الشرعية؟ هل هذا الأمر مطلوب لإثارة العقل البشري وبالتالي دفع العقل البشري إلى مزيد من العطاء والاجتهاد أم أن هذا أمر أراده الله والشريعة هكذا وجاء المُجتهدون والفُقهاء، قالوا لا، الإسلام هو دين لكل زمان ومكان والإسلام فيه كل المُعالجات لكل القضايا فهي مبالغة خلاف الحقيقة الإشكالية؟

 

حسن رضا: بدايةً، لا بدّ من الإذعان بوجود الشريعة، ولكنّ هذه الشريعة لم تظهر لنا من خلال كليّاتها ومُنطلقاتها وأسُسها، وإنما ظهرت في جملةٍ من النصوص القرآنية والتي جاءت في السنّة النبوية، ومُلّحت بها إذا صحّ التعبير السنّة التي أخِذت من الأئمة وبعض الصحابة من أجل أن تكون جملةً من المصاديق، التي إذا ما اعتمدنا منهجاً موضوعياً متطوراً، يمكن أن نرجع لاكتشاف هذه الشريعة التي تخبّأت إذا صح التعبير وراء تلك النصوص، إذ إنّ هذه النصوص تفتقر إلى إزالة الزمان والمكان والموضوع، وفي الوقت ذاته لا بدّ من البحث عن المقاصد والملكات والخلفيات التي أنتجتها، ولا شكّ في أن هذه الشريعة تتضمّن كليات هي قائمة في الأساس على مبادئ أخلاقية يمكن لها أن تضع يدها على مختلف المعارف والعلوم، ولكنّ المشكلة هي أنّ المعارف والعلوم التي ارتبطت بهذه الجوانب الأخلاقيّة من التشريع ارتبطت بزمانٍ مُحدّدٍ أقصاه العصر الأموي أو العباسي، فلم تتطوّر، وإنما بقينا في حال جمودٍ بحُجّة أننا نحافظ على الشريعة ونصوصها، وإذا بنا نعود إلى الوراء، وكأنّ المطلوب اليوم من المُجتهد أن يعود إلى حفظ هذا الطريق أو الدرب الذي رسمه الأولون وليس بمقدوره أن يُبدع أو أن يكتشف أو ان يقرأ الأمور بصورةٍ مختلفةٍ، ولا سيما أنّ الدين ثابت إلا أن المعرفة الدينية هي في حِراك وتغيّر وتبدّل.

فلنأخذ على ذلك مثالاً، إذا كنّا نقارب بعض القضايا المالية وما يرتبط بالربا وغيرها، على أساس جملةٍ من الأنظمة النقدية التي كانت سائدة في الماضي، فإنه بعد اتفاقية جامايكا، غدا عندنا نظامٌ نقديٌ عالمي هو نظام النقد العائم، لم يعد عندنا شيءٌ يُسمّى بالتغطية الذهبية، وإنما قوة الاقتصاد هي التي تحدّد هذا المسار وتحدّد القوة للنقد، وهكذا بالنسبة إلى أمورٍ، فمثلاً عندما جاء الإسلام من أجل أن يقنّن قضية العبيد، هل يرضى الدين وهل يرضى الله وهل يرضى العقل بأن يكون الإنسان مُستعبَداً؟ إنّ باب العبيد وباب العتق وسواها من الأمور التي تدخل في هذا الإطار لا يمكن أن تكون صادرة من الله على أساس أنها تشريعٌ للعبودية، وإنما هي صادرة على أساس أنه لا بدّ من التقنين، وإذا كان لا بدّ من التقنين فإذاً يمكن أن يُستفاد من ذلك أنّ الإسلام قنّن هذا الموضوع درءاً ومنعاً للصراع وللخلاف وللنزاع بين أبناء الأمّة، بينما نظر على مستوى استراتيجي مستقبلي من خلال عَتق الرقبة وربطه بجملةٍ من العبادات والمعاملات وغيرها بهدف أن يقوم بإنهاء هذه الظاهرة في الأمد القريب أو البعيد، وهذا ما تمّ على مستوى مجتمعنا شكلياً أو في بعض أطره، وإن كانت العبودية الفكرية لا زالت حاضرة.

 

يحيى أبو زكريا: أستكمل بُعَيد الفاصل، داهمني فاصل دكتور حسن. سوف نكمل الفكرة يقيناً بُعَيد الفاصل.

مشاهدينا فاصلٌ قصير ثم نعود إليكم فابقوا معنا.

 

 

المحور الثاني

 

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلاً بكم من جديد. عدنا والعود أحمدُ. من أدرك حلقتنا الآن، نحن نعالج طرائق الاجتهاد في الإسلام.

دكتور حسن، كنت تتحدّث فقاطعتك بداعي الفاصل. لماذا ما زال معظم الفقهاء في كل المدارس الإسلامية عندما يكتبون رسائل عملية في تبيان الأحكام الشرعية، ما زالوا متمسّكين بلغة القرن الأول والثاني، فيستخدمون الدرهم البغلي والدينار والفحل الضراب وما إلى ذلك من الأمور؟ لماذا حتى اللغة الفقهية لم تتطوّر لترقى إلى القرن الواحد والعشرين 2016؟

 

حسن رضا: لا يبعُدُ أن تكون هناك جملةٌ من الموانع التي تجعلهم يتعلّقون بهذه الحياة ويرتبطون بالأنساق الأكاديميّة أو الحوزويّة الكبرى، فهم يخافون على سمعتهم ويخافون على أنفسهم من أن يخرجوا عن الخطّ الذي رسمه الأوائل، وكأنّ هؤلاء الأوائل هم الذين يعطونهم نوعاً من الراحة العقلية أو النفسيّة، وإذا بنا نتحوّل إلى الجمود في صورة محاربة الفوضى. هؤلاء لم يبذلوا الجهد المطلوب، وقد سبق أن أشرتُ إلى أنّ هناك لوناً من الجهد الذي ينبغي أن يُبذَل من أجل تحصيل الدليل على الأحكام الشرعيّة أو على الجعلات الشرعية إذا صحّ التعبير. وهنا نجد أنّ هناك قصوراً عند البعض وتقصيراً عند البعض الآخر، فالمنطق على سبيل المثال لا يزال أرسطياً. ما المانع من أن نستفيد من المنطق الرياضي في هذا السياق؟ أليس هذا المنطق التقليدي قد ظهر فساد بعض أدلّته أو ضعف بعض المُعطيات من خلال نقد المنطق الحديث له؟ أليس عندنا جملة من طُرق الاستدلال الحديث التي فاتتنا، وإذا باستدراكنا لها يمكن أن نطوّر الكثير من الأصول؟ أليست المُطارحات الأخلاقية التي جاءت ابتداءً من كانت وصولاً إلى اليوم بما قدّمه الكثير من المُعاصرين، أليس ذلك بمنزلة الضوء الذي يلقي لنا على الظلمة ما يحاول تبديدها؟

الواقع أنّ هناك مشكلة أيضاً على مستوى الفيولوجيا. لا زلنا على مستوى علم أصول الفقه نعالج بعض مباحث الألفاظ، مُكتفين بما جاء من خُرج الماضي والتراث، بعيدين عمّا يمكن أن يستفاد من الفيولوجيين أو اللغويين المُعاصرين بحجّة أنّ هؤلاء هم الكّفار او هؤلاء ليس لديهم ما يمكن أن ينسجم مع منظومتنا، ومن أجل ان لا أخرج عمّا كنت أشير إليه لا بدّ من أن ألفت وليس دفاعاً عن بعض المجتمعات الديمقراطية الليبرالية إلى أنه عندما شرّعوا الزواج المثلي لم يكن ذلك تبنياً منهم لهذا الأمر، وإنما جاء من أجل تقنين هذه الظاهرة الموجودة، فلماذا لا يمكن أن تُقرَأ هذه القضية كما قرئ التقنين في ما يرتبط بقضية العبيد؟ الحقيقة أنّ الإسلام والله والعقل لا يمكن أن يقولوا بأن هناك عبيداً، ولكن فكرة تقنين العبيد إنما هي فكرة أصلية وضرورية ولازمة ليس على أساس أننا تركنا المجال لهذا الأمر بأن يستغرق فيه المجتمع وإنما من باب التقنين منعاً للخلاف والصراع، وهذا ما نجده الآن في بعض المجتمعات الديمقراطية الليبرالية التي قامت بهذا التشريع بهدف أن لا نقع في الصراع ليس أكثر.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور حسن، لا شك أننا سوف نتحدّث عن البيئة والاجتهاد، وأنّ الاجتهاد وليد البيئة، كلّ ذلك سيأتي تباعاً. دعني أعود إلى مصر الحبيبة، إلى أخي الحبيب الأستاذ طاهر فاروق زيد.

قرأت لك مقالة، واقعاً مقالة مُستفزة إلى حد كبير، بعنوان "جنون فتاوى القتل عند ابن تيمية"، وتقول في هذه المقالة "الكفر والفسق والبدعة والزندقة والشرك كلّها تِهمٌ تؤجّج الكراهية وتحضّ على القتل في التراث الذي خلّفه ابن تيمية رقماً مهولاً يجعلنا نقف في حيرةٍ من أمرنا"، ثم تشير إلى بعض الفتاوى التي ما زالت تُتبنّى من قِبَل الإسلام المُسلّح اليوم، الإسلام التكفيري بين قوسين، تقول أنّ ابن تيمية على سبيل المثال استفاض في الكلام حول مسألة الجهر في الصلاة وحكم على من جهر بها أو أصرّ على الجهر أن يستتاب وإلا استحقّ القتل، أحكام زيارة قبور أولياء الله وأن بعض العوام يُسمّيه حجاً مجازاً.

هل تريد أن تقول أنّ اجتهاد قومٍ في قرونٍ خلت ما زال هو عينه الاجتهاد لكثير من الجماعات والمؤسسات؟ هل تريد أن تقول أنّ نظرة شيخ فقيه للشرع الإسلامي هو عينه اليوم الرأي والمنطق لكثير من الجماعات والمؤسسات؟

 

طاهر زيد: بداية سيّدي، ينبغي أن أؤكّد على معنى مهمّ، وهو أنّ واجب المجتهد هو الاجتهاد، هو الاستنباط، لا إصابة الحق. أصاب الحق أو لم يصبه، هو اجتهد بوسع قدره وطاقته. ولذلك عندما نتتّبع كتب الأصول نجدهم يؤكّدون على معنى مهم، وهو استفراغ المجتهد وسعه وبذل جهده في استنباط الأحكام الشرعية من مضامينها، أي أنّها أحكامٌ ظنية، وكما يعبّرون في الفقه يقولون أنّ الفقه من باب الظنون. مقالة ابن تيمية، نجد أن ابن تيمية استخدم مصطلح يُستتاب فإن تاب وإلا قتل في أكثر من 193 موضعاً، في مواضع يمكن لو أنّ الإنسان تركها بالكلية لم يكن عليه إثم، لم يكن عليه وِزر، لم يكن عليه شأن في ذلك. الإشكالية التي طرحها ابن تيمية أنّه يرسّخ لمفهوم القتل والتقاتل، بمعنى أنّ هذا الاجتهاد الذي اجتهده ابن تيمية تزامن بالضرورة مع عصر الجمود الفقهي، عصر الجمود الفقهي مع بدايات القرن الثامن الهجري إلى وقتنا هذا، في مجتمعات ما قبل الحداثة، نجد أنّ ابن تيمية أسّس لمنظومة فكرية اتّخذتها الجماعات الإسلامية على مستوى العالم كأيديولوجية فكرية، يأخذون من فتاوى ابن تيمية، هي المرجعية وهي الدستور الأعلى. نحن لسنا في مسألة عداء مع ابن تيمية كشخص، ربما يكون عند الله أفضل منا، لكن نقول هل تصلُح فتاوى ابن تيمية أن تحكمنا الآن في سنة 2016، هل تصلُح فتاوى ابن تيمية أن تكون مرجعية فكرية لنا الآن؟ الأصل يا سيّدي أنّ الاجتهاد لا بدّ من أن يؤطّر في داخل قواعد. هذه القواعد تتفق عليها الجماعة العلمية. إذا اتفقت الجماعة العلمية داخل المدارس الإسلامية المُتعددة على قواعد منهجية يستنبط منها المُجتهد الأحكام، فإذا جاءنا إنسان مشى على هذه القواعد واستنبط أحكاماً، نقبل منه ما دام على قواعد ثابتة، أما إذا جاء بأحكام ليست على قواعد إنما هي شذوذات فكرية نرفضها تماماً، العقل يقول ذلك.

لماذا ابن تيمية؟ لماذا اخترت ابن تيمية في اختياري لهذا المقال؟ الاجتهاد مرّ بمراحل مُتعدّدة، منذ انتقال النبي عليه الصلاة والسلام، حتى وفي عصره كان يوجد الاجتهاد، لمّا بعث معاذاً إلى اليمن، قال له كيف تقضي يا معاذ، قال أقضي بكتاب الله، قال فإن لم تجد، فبسنّة رسول الله، قال فإن لم تجد، قال أجتهد رأيي ولا آل، فأسّس لمفهوم الاجتهاد، وصار هذا الاجتهاد على ما سار عليه الصحابة فمن بعدهم والأئمة، إلى أن جاء في عصر المتوكّل سنة 310 هجرية مع وفاة أبي جعفر الطبري، وأعلن العلماء في ذلك الوقت غَلق باب الاجتهاد. يمكن أن ننظر إلى هذا من منظورات مُتعدّدة. هل أراد الائمة فعلاً تجميد العقل الفقهي، تجميد العقل الإسلامي ووقفه عند حد مُعيّن، أم أرادوا دحر العوام عن الولوج إلى هذا الباب فيلجه كل أحد؟ ليس عندي إجابة على ذلك. ربما يكون الظرف التاريخي والظرف السياسي لذلك حتّم ذلك المعنى، فسار بعد ذلك من 310 إلى ما بعد التتار، 700 هجرية، سار الاجتهاد والتقليد بالتوازي ثمّ بعد ذلك صار التقليد هو السِمة الأساسية.

دعنا نقول إنّ ابن تيمية عندما جاء في ذلك الظرف التاريخي، ووجود التتار وما إلى ذلك، أنتج مجموعةً من الفتاوي، الإشكالية الآن أنّ بعض مَن ينتمون إلى المدارس العلمية في العالم في بعض الدول العربية يجعلون هذه الفتاوى هي الدستور لهم، يحكمون بها الناس، يرسّخون لهذه المبادئ. يا سيّدي، لو أنّ إنساناً ذهب إلى الصلاة وأراد ان يُصلّي، رجل مُصلٍ ولكنه حين أراد أن يُصلّي، فقال نويت أن أصلّي الظهر أربع ركعات، هذا عند ابن تيمية يُستتاب، فإن تاب وإلا قتل، لكونه جهر بالنية. هل هذا يصدق؟ هل عقل الإنسان يصدق ذلك؟

هناك إشكالية أخرى، أريد أن أعلّق على ما قاله فضيلة الدكتور، ضيفك الدكتور حسن في مقولته أنّ الاجتهاد توقّف. لا، الاجتهاد لم يتوقّف. الإمام السيوطي في بداية القرن العاشر الهجري، توفي سنة 911 هجرية، ألّف كتاباً أسماه "الرّد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض"، وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض. يا سيّدي لا يخلو العالم من مجتهد، لا بدّ من مجتهد لهذه الأمة، إنما الإشكالية الكبرى من يلج هذا الباب، باب الاجتهاد؟ لما نتتبع كتب الأصول في تعريفاتهم للاجتهاد نجدهم يؤكّدون على معنى أنه استفراغ الوسع في طلب الحق وكذا وكذا وكذا، يجعلونه فعل المجتهد. الآن نحن نريد أن نقول أنّ الاجتهاد ليس فعل المجتهد، وإنما هو ملكة، وملكة هذه من مقولة الفعل، من المقولات العشر التي أسّسها إبن سينا، يقول هذه الملكة من مقولة الفعل، مقولة الفعل هذا معناها أنها ملكة يقتدر بها المجتهد على استنباط الأحكام الشرعية من مضامنها، سواء كانت كتاباً أو سُنّة أو إجماعاً أو قياساً أو أدلّة أخرى أو حتى قواعد رسخها الأئمة. ولذلك نجد عندنا في الأزهر الشريف يقولون نحن نتعلّم من الأئمة مناهجهم ولا نأخذ منهم مسائلهم، نأخذ المناهج التي تعاملوا بها مع النصوص ولا نأخذ مسائلهم التي طرحوها في كتبهم.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ طاهر، جميل جداً ما ذكرت، وأرجو أن تبقى معنا.

دكتور حسن، أودّ أن تحدّثني عن مسألتين مهمّتين، إغلاق باب الاجتهاد، المعروف أنّه في العصر العباسي أغلق باب الاجتهاد وظلّ موجوداً في المدرسة الإمامية، طبعاً حتى لما برز الشيخ الطوسي وكتب كتاب "النهاية" عكفت عليه الناس، ولولا الحلي لكان كتاب النهاية هو المرجع لمدرسة أهل البيت إلى يومنا هذا، فهو استفز الطوسي وأزاحه من المشهد الثقافي آنذاك ووضع جديده، وعلى ذلك بنى الذين جاؤوا بعده إلى صاحب المكاسب الشيخ الأنصاري أو صاحب كتاب الكفاية العلاّمة الناييني.

أريد أن أعرف هل أغلِق باب الاجتهاد بالفعل؟ ثانياً، كثير من المُجتهدين في كل المدارس الإسلامية عندما يُسأَل عن رأي، يقول أرى ما رآه أبو حنيفة، أرى ما رآه الطوسي، أرى ما رآه ابن إدريس الحلي، أرى ما رآه  المُحقّق الحلي، أرى ما رآه مالك ابن أنس.

هو اجتهاد اشتراري، لا يوجد إضافة فعلياً، هو تكرار لمقولات سابقة، وبالتالي نعيد إنتاج الموروث الإسلامي، أحياناً ننتج سيئه وحسنه أيضاً؟

 

حسن رضا: أولاً، أيّ اجتهادٍ هذا الذي نجده على مستوى الفِرَق الإسلامية الفقهية كلها، ما دمنا قد التفتنا إلى جملةٍ من القواعد والأصول والمباني التي يُعاد اجترارها من جديدٍ، وعندما نريد أن نضيف، فإنّ إضافتنا ليست سوى شرحٍ أو تعليق أو بيان.

 

يحيى أبو زكريا: أو تحشير.

 

حسن رضا: وفي بعض الأحيان نجد أنّ الحواشي قد أكلت منا كل مأكل لا أجد أن هناك اجتهاداً بكل ما للكلمة من معنى من أجل إظهار هذه الشريعة التي ذكرت أن النصوص في القرآن والسنّة وغيرهما تستتر وراءها، وتحاول أن تكون تطبيقاً آلياً في زمانٍ ومكانٍ مُحدّدين لها. ليس ما يوجد عند المذاهب الإسلامية بمقدّمةٍ لاجتهادٍ، أو بالأحرى ليس بمصداقٍ لاجتهادٍ، ما دمت اريد أن أفكّر ومهما أردت أن أفكّر، لا يمكن ان أخرج من هذا القالب. عندما أفكّر ضمن قالب مُحدّد فمعنى ذلك أن هناك مصادرة على المطلوب وأن هناك لوناً من تقمّص النتيجة قبل إبداعها، وأما عند الإمامية فالأمر على الرغم من انفتاح باب الاجتهاد في ما يرتبط به، إلا أنّه منفتحٌ على مستوى الشكل وليس على مستوى الواقع، فثمّة قواعد أصوليةٌ لا يمكن أن يتجاوزها الفقيه أو المُجتهد، وإذا أراد أن يبني جملة من المباني الأخرى فإنه يقوم كما شاهدنا في الآونة الأخيرة بتعديل بعض المَباحث أو بتغيير بعض الأصول البسيطة، من غير أن يُحدث زلزالاً كبيراً على مستوى هذه المُعطيات، ويكفي أن أتحدّث عن قضية المقولات العشر، ألم يقم كانت بهدمها وهي أرسطية بالتأكيد وإبن سينا أخذها بلون من  التقليد والاجترار ليس أكثر وعمل على بيانها بلغة عربية هو والفارابي وسواه؟ اليوم نحن أمام المقولات الاثنتي عشر وهناك إعادة نظر في هذا المنطق الأرسطي من جذوره.

 

يحيى أبو زكريا: لكن دكتور، عفواً، أوقفك ها هنا، للأسف الشديد الكثير من علمائنا، من مُفكرينا اعتبروا أرسطو وأفلاطون من الأنبياء، الفارابي مثالاً، حتى صاحب "بداية الحكمة ونهاية الحكمة" السيّد محمّد حسين الطبطبائي كان يتعامل بطريقة بديهة مع فكر أرسطو وأفلاطون. أليس هذا هو الخلل، أننا اعتبرنا افلاطون نبياً وأرسطو نبياً، وبالتالي التعامل بيقينية مع معطاه الفكري ومع معطاه الثقافي في ما أُمِرنا أن لا نأخذ إلا من الأنبياء؟

 

حسن رضا: لا ينبغي أن نقلّل من أهمية أو من شأن ما قدّمه كلٌ من أفلاطون وأرسطو وسواهما، إلا أنّ ذلك يرتبط بالعصر الذي أبدعا فيه هذه النظريات. الحقيقة أنّ المجتمع الإسلامي في القرون الوسطى تلقّف هذه الفلسفة اليونانية وعمل من خلال جهود كبيرة وجبّارة على تذويبها في هذا التراث، فدخلت في أصول الفقه وفي علم الكلام وفي علم العقيدة وحتى في عمليات تفسير النصّ القرآنيّ، فضلاً عن النحو والصرف والبلاغة وغيرها. إنّ هذا الأمر تطلّب جهداً، أي عمليات التقريب والتوفيق أخذت وقتاً طويلاً من قِبَل هؤلاء الذين انكّبوا على هذا العمل، وإذا بهم بعد مرحلةٍ زمنيةٍ حوّلوا هذا التراث إلى جزءٍ من سمانة مستواهم أو تراثهم الفكري. بيد أنّ العلماء الذين جاؤوا بعد العصر العباسي إلى يومنا الآن لا زالوا يقتاتون من هذا التراث الذي استند في ركائزه وخلفياته ومبادئه إلى تلك الفلسفة اليونانية. لماذا لا ننفتح اليوم على الفلسفة الغربية التي استطاعت أن تقفز فوق أرسطو وفوق أفلاطون وفوق الكثيرين من الفلاسفة والمفكّرين، بمن فيهم من كان في المجتمع الإسلامي في مرحلة من المراحل؟

إذاً إنّ الجهد الذي ينبغي أن نبذله اليوم ينبغي أن يكون أكبر في قراءة تلك المعارف والأفكار والطروحات الغربية، بالإضافة إلى تراثنا من أجل ان نصقلها وأن نحوّلها إلى جزء من تجربتنا، وأن نقوم بتلافي الأخطاء التي وقعت في تراثنا أو أن نقوم بتجديد هذه الأصول أو الركائز التي يمكن أن نستفيد منها، فعلم أصول الفقه اليوم يحتاج إلى تلك الدراسات التي ترتبط باللغة والفيولوجيا، وعلم أصول الفقه يحتاج إلى جملة من القضايا الأخلاقية والمُقاربات التي تصبّ في هذا الإطار.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور، دعني أنتقل مجدّداً، إذا سمحت إلى الأستاذ طاهر.

أستاذ طاهر، ظهر اليوم مجتهدون حمر أو ما أسميهم المجتهد الأحمر، لا يفتون إلا في الدماء، جواز قتل العقيد معمّر القذافي، جواز قتل هذا الرئيس العربي، قتل الشرطة، قتل الدرك، قتل النظام، قتل الرئيس الفلاني، المدير الفلاني، المطربة الفلانية، حصروا الاجتهاد في قطع الرقبة من الوريد إلى الوريد.

كيف يجب أن نزيل هذا الاجتهاد الذي أنتج الفتنة الكبرى في خط طنجة جاكرتا؟

 

طاهر زيد: دعني سيّدي ألتقط الخيط من ضيفك الكريم، وأقول أنّ علم أصول الفقه الذي نبحث فيه، موضوع هذا الاجتهاد، مظانه حين تريد أن تبحثه تجده مسطوراً في كتب أصول الفقه. إذاً هذا العلم الذي تكوّن على مدى التراث الإسلامي يعنون به في مدرسة الرازي الأصولية فما بعدها بأنه معرفة دلائل الفقه إجمالاً وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد، فقسّموه إلى ثلاثة أقسام، حال المستفيد هذا هو المجتهد، كيف يستفيد المجتهد من النصوص. هناك فتاوى كما تقول حضرتك أسّست للدماء، هذه الفتاوى هل يمكن أن نقبلها الآن أو لا نقبلها؟ فلذلك نجد بعض الأئمّة مثل الإمام القرافي يقول إنّ إجراء الأحكام أو الفتاوى التي مبناها على العوائد، مجراها في أزمانٍ متعدّدة، مختلفة فما بعد، هذا خلاف الإجماع بل هو جنون، لا ينبغي ولا يتصوَّر أن نأتي بفتوى من مئة سنة أو من مئتي سنة، نجعلها هي الحاكمة لعقولنا الآن، وإذا كنّا نبحث في علم الأصول نجد الأئمّة حين يرسّخون لمعنى حال المجتهد وحال المستفيد، نجدهم قد سبقوا في ما ذلك المناهج البحثية الحديثة، مثل روجر بيكون، حين أسس لمناهج البحث الحديثة، نجد قبله الرازي وقبله الأئمة الكبار، نحن لا  ننغلق عند فترة زمنية مُعينة.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ طاهر، ما دمت في مصر، لا بدّ من أن أذكر الدكتور عبد الرحمن بدوي رحمة الله عليه، مناهج البحث العلمي، وهو عقلية إسلامية جبارة، وأرجو من الباحثين أن يعيدوا الاعتبار لهذا الرجل العملاق. تفضّل.

 

طاهر زيد: يا سيّدي، هناك بعض الأمور أو النظريات الحاكمة لبعض العلوم. مولانا الدكتور علي جمعة بحث في بعض مناط أصول الفقه، فوجد أن النظريات الحاكمة للعقل المسلم حين يفكّر تمرّ على عدة نظريات، منها نظرية الحجيّة، كون هذا الشيء حجّة، ما هو الحجّة، ما هو، أنا كمسلم ما هو الحجّة بالنسبة لي؟ الكتاب والسنّة. كيف أنظر للكتاب والسنّة؟ هل أنغلق عند فترة زمنية عند فهم السلف لهذا الكتاب والسنّة فقط، أم أعمِل عقلي في ما أعملوه؟ أعملوا عقولهم في تلقّي وقبول هذا النص، بأية أدوات؟ الأدوات يا سيّدي تتغيّر من زمن إلى زمن فالأدوات التي كانت حاكِمة عندهم ليست هي الأدوات المُتاحة بالنسبة لهم، تخدم أدوات عصره. بعد ذلك.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ طاهر، وبعد ذلك سأمضي إلى نهاية الحلقة لأن الوقت داهمنا، لكن أوافقك القول والله لو قرأنا القرآن بعقلية القرن الواحد والعشرين لرأينا عجباً عجاباً، لرأينا حقائق ورأينا أموراً لا يرقى إليها العقل نهائياً، لكن للأسف الشديد استصحبنا الماضي على عصرنا المُعاصر.

دكتور حسن، بإيجاز وفي كليماتٍ رقيقات، مستقبل الاجتهاد في المنظومة الإسلامية، هل سوف ينطلق الاجتهاد لمواجهة تحديات العصر؟ وهل سوف نخرج من ظاهرة الببغاوية والاجترار في ثقافتنا الإسلامية؟ بإيجازٍ.

 

حسن رضا: أعتقد ان المهمة صعبة جداً، وذلك للسبب الآنف وهو أنّ العقول تُرسَم وفق أنساقٍ محدّدة، فإذا ما أرادت أن تتجاوز هذه الأنساق انفجرت أمامها المُعطيات وغدت خارجة عن الركب الذي رُسِم لها سابقاً. فإذا أردنا أن نخرج لا بدّ لنا من أحد طريقين. الطريق الأول هو أن نقسّم الناس إلى مُجتهدٍ مبيّنٍ يفصح عن الدليل مع فتواه، ومتفقّهٍ ناقد يستمع إلى القول فيتّبع أحسنه. عندما تكون الفتوى مع دليلها موجودةً، عندئذٍ لا تبقى إلا تلك الفتوى التي تقوم على أساسٍ متينٍ، عندئذ تتصارع هذه الأفكار، بالإضافة إلى قضية أخرى وهي عدم الربط ما بين المجتهدين والمجال العام. إذا فصلنا المجتهدين عن المجال العام، وكان دورهم مُختصّاً بعمليات وضع القانون والتنظير من أجل أنساقٍ مرتبطة بهذا القانون ولا سيما في المجتمعات الإسلامية، عندئذٍ نحقّق هذا التطوّر أو نكون مرتبطين بالأفراد.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور حسن، داهمني الوقت للأسف الشديد، ربما نستكمل كل هذه البحوث في حلقاتٍ مقبلة إن شاء الله.

الدكتور حسن رضا شكراً جزيلاً لك، الأستاذ طاهر زيد من مصر الحبيبة شكراً جزيلاً لك.

مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها. إلى أن ألقاكم هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبداً ودائعه.

حرمة إراقة الدماء في تونس

اللحظة التونسية حرجة, والإصطفاف بلغ أوجه وقد دخلت الفتاوى السياسية على الخط, الأمر الذي قد يزيد في تسخين الحالة التونسية والتي لها شبيه في مثيلتها الجزائرية بعد إلغاء الإنتخابات التشريعية وخروج الإرهاب الأعمى من قمقمه, وقد بدأ البعض يفتي بالعصيان المدني ووجوب الخروج على الحاكم الأمر الذي يجعلنا قلقين على تونس في المرحلة الراهنة.. ويجب على التونسيين كل التونسين وهم لا يحتاجون إلى من يرشدهم إلى عقلانية الحل وآليات الحفاظ على أمن تونس المقدس أن النقاش في المسار السياسي جائز، لكن التقاتل حرام والتونسيون يربطهم دين واحد وتاريخ واحد ومحنة واحدة ويجب أن يبنوا بلدهم جميعاً وبناءاً عليه يجب وأد أي صوت فتنة ودعوة إلى حرب الإخوة وتقاتلهم وهنا لا بد أن يتحرك العقلاء للمساعدة للخروج من عنق الزجاجة بأبسط التعقيدات لماذا يعمل البعض على تأجيج الفتنة العمياء في تونس ويستخدم الدين لهذا الغرض؟ كيف سيطيح التونسيون الذين يربطهم دين واحد وتاريخ واحد ومحنة واحدة بأي مشروع فتنوي؟ ألم تكن تونس على الدوام قلعة للتنوير ومقبرة للعنف والتطرف والفتنة؟

المزيد