بيت القصيد

برنامج حواري مع شخصية إبداعية ثقافية أو فنية، يتضمن فقرات مصوّرة، ويتم التركيز في حلقاته على القضايا الإبداعية الفكرية والثقافية والفنية وعلاقتها بالقضايا العامة من خلال استضافة شخصيات عربية متنوعة في المجالات المذكورة: فن، أدب، فكر، فلسفة، نقد، شعر، مسرح، سينما، دراما تلفزيونية، رسم، غناء، إعلام، بالإضافة إلى بعض السياسيين ورجال الدين المثقفين.

الشاعر التونسي انيس شوشان

لم يكن الشاعر والراقص الشاب أنيس شوشان يتوقع الشهرة التي حصل عليها إثر القاءه قصيدته "سلام عليكم ".

المحور الأول

بدايات شعرية وعائلية.

  • المحور الأول
    المحور الأول

زاهي وهبي: مساء الخير. بقصيدةٍ جميلةٍ مناهضةٍ للعُنصريّة، شاعت شُهرته في الأقطار. شاعرٌ شاب متميّزٌ متفرِّدٌ في تجربته ونصِّه وحياته. يأتينا من "تونس" التي وهبتنا مبدعين كباراً في الشِعرِ والمسرح والغناء. نستقبله بالحبّ والترحاب وإيماناً منّا بضرورة احتضان المواهب وتشجيع الشباب. أُرحِّبُ بالشاعِر التونسي "أنيس شوشان"، أهلاً وسهلاً بك في "بيت القصيد"

أنيس شوشان: أهلاً بك، شكراً

زاهي وهبي: السؤال الأوّل عن قصيدتك، التي سمّاها الناس "السلام عليكم"، التي شاعت وانتشرت على وسائِل التواصل الاجتماعي وعلى "اليوتيوب" بشكلٍ خاصّ ونالَت خلال أسابيع قليلة أكثر من 4 ملايين مُشاهدة. القصيدة قرأتها حضرتك في برنامج تلفزيوني تونسي وهو "هات نحكيُه". ما هو سرّ هذه القصيدة؟

أنيس شوشان: ربّما لا أعرف السرّ، أنا حتّى عندما قرأتها قبلاً ربّما من أجل كلّ إنسان يعاني وحتّى أنّها تُرجِمت بالإنكليزية وهي رسالة لكلّ إنسان في هذا العالم بأننا نعيش في وقتٍ عصيبٍ تنتشِر فيه ثقافة الدمّ. هو خطاب، صحيح أنّه انطلق من "تونس"

زاهي وهبي: ولكِنّه يُلامس كلّ الناس

أنيس شوشان: أنا ما زلت لا أُدرِكُ جيّداً ما هو السرّ في هذا

زاهي وهبي: حسناً، هلّ من المُمكِن أن نسمعها إذا أردت؟

أنيس شوشان: بطبيعة الحال

زاهي وهبي: تفضّل

أنيس شوشان:

السلام عليكُم وعلينا السّلام

سلامٌ إليكم وإلينا سَلام

سلامٌ على من ردَّ السلام

وسلامٌ حتى على من لم يّرُد

سلامٌ باسم الرب السّلام

ربُ العبادِ اللهُ الصمد

سلامٌ ترعرعنا فيه

سلامٌ معجونٌ بأرضِ هذا البلَد

 سلامٌ ما عدنا نسكنُ فيه

سلامٌ ما عاد يسكنُ فينا

سلامٌ نراقبه وهو يحزِم حقائبه

 ليهجر رويداً رويداً أراضينا

ويحل مكانَه تسليمٌ و استسلامٌ

 لتأسلُمٍ لا إسلام فيه

 كأن إسلام أجدادنا ما عاد يعنيه

أتدرون لِم يهاجر منا السلام؟

أتدرون لم يعُمّ فينا الظلام؟

ببساطةٍ لأننا مُجتمعٌ يَخاف

نحنُ مجتمعٌ يخافُ الاختلاف

كلماتي لَن تُعجبَ بعضكم

أو جُلّكُم أو كُلّكُم أعرِف

 لكنّي سأقولها لأني رافضٌ

أن أكون من الخراف

نحن مجتمعٌ يخافُ الاعتراف

أنه يعيش التخلُّف

نحن مجتمعٌ يهوى التعالي من فراغٍ

فيزعُمُ أنّه مجتمعٌ مثقف

نحن مجتمع يصيح بكل صفاقة

ويدّعي أنّه حاملٌ لفكرٍ مُختلِف

يا ويلي ما هذا القرف  

فقبول الاختلاف عندنا ليس إلا غلاف

إختلافٌ إختلافٌ إختلاف

إختلاف اللون يؤذينا

إختلاف الشكل يؤذينا

إختلاف الفكر يؤذينا

إختلاف الدين يؤذينا

حتى اختلاف الجنس يؤذينا

لذا نحاول اغتيال كل اختلاف فينا

تحولنا لبعضنا سُماً زُعاف

نحن مجتمع أحمقُ من الحَمْق نعم

نحن مجتمعٌ أحمقُ من الحمق

نتنازعُ على التفاهاتِ والتُرّهات والخُرافات

ونرفضُ دوماً أن نغوصَ في العمق

ولا أبرّئ أحداً لا مواطنين ولا ساسة

 لا مَن يستكين لبَلادَةِ الصمت

ولا مَن يدّعى فينا القداسة

لا من يتبعُ الغربَ كالأعمى

ولا مَن يريدُ إعادةِ أمجادِ الخلافة والنِّخاسة

وتقطيع الأرجل من خِلافْ

دعونا اليوم نُجرِّب أن نَغوصَ فينا، في أعماقِنا

في ذواتنا، دعونا نُجرِّب أن نُعَانِقَ أرواحنا

 دعونا نجرب أن نُعَانِقَ في الأرواحِ اختلافاتِنا

ها أنا أمامكم بلوني، بشَعري، بشِعري، بأفكاري بأطواري

أنا لا أخافكم، أنا لا أخاف اختلافكم عنّي

لأنني منكم ولأنكم منّي

دعونا نغوص في الحلم، دعونا نخلق فن

لنرسي ثقافة بلا سخافة

ليكونَ الرُقيُّ فينا هو أسمى خلافة

دعونا نُذوِّبُ الأعرافَ و الأجناسَ

والأطياف والألوان و الأديان

و لا نرى سوى الإنسان

شكراً

زاهي وهبي: كم نحن بحاجة إلى مثل هذه الثقافة التي تدعو إليها "أنيس"!

أنيس شوشان: تعيش

زاهي وهبي: كم كتبت هذه القصيدة من واقِع تجربة؟ من معاناة شخصيّة واختبارٌ شخصي وحياتي في العلاقة مع الآخرين؟    

أنيس شوشان: هي خليط من تجارب كثيرة. كما قلت لك قبلاً، من أهم الأسباب في الحقيقة هي تلك التي يراها المرء على شاشات التلفزة والتي تفجعه. في أنكّ تشاهد الناس تقتِّلُ في بعضها البعض بطريقة رهيبة في العالم العربي. حتّى في بلادي "تونس" كنا نعيش ونشاهد الوجوه مبتسِمة ونلمس الأمل ونشعر بالحلم وبأشياء حلوة. فرِحنا قليلاً بعد الثورة ولكن دخلت علينا أشياء غريبة ومفاهيم جديدة يرغبون منها تبديل طريقة عيشنا وحتّى مفاهيمنا في إقامة دولة بمعنى أنها دخلت علينا لتسرق لنا بلادنا

زاهي وهبي: هلّ تؤمِن بدورٍ ما للشعر، انطلاقاً من كتاباتك، في مواجهة ثقافة التطرّف، ثقافة العنصريّة، ثقافة تغيير جِلْد الإنسان، جلد الحياة التي نعيشها؟

أنيس شوشان: بطبيعة الحال، لذلك أنا أكتُب. إيماني نابعٌ من ذاتي أنا شخصياً،  فكلماتي دائماً أقولها حتّى لأصدقائي، كلماتي هي فلذات أكبادي ومنّي وتخرُج منّي ومن روحي. أنا بكلّ بساطة إنسانٌ أو بالأحرى أنا من البشر وأحاولَ أن أكون في يومٍ من الأيام إنساناً

زاهي وهبي: كيف نُعمِّم ونُرسِّخ ثقافة الاختلاف في مُجتمعاتنا العربيّة؟ لأنها للأسف، تتعامل بعنصرية مع نفسها ومع شعوبها، ولا أريد أن أقول مع الوافدين،  مع العمّال الآسيويين الوافدين إلينا مع اختلافاتهم الدينية والطائفية، فهي مع نفسها تتعامل بعنصريّة

أنيس شوشان: بالوعي، بالوعي. أساساً مَن يكون هذا الذي يستهدِف الاختلاف؟ مَنْ هو فارِغٌ من الداخل فيُحاوِل أنّ يُقزِّمُك بأيّ شيء كان، أشياء لا تمُتّ له بصلة. مثلاً، يأتيني شخصٌ الآن وينعتني بالعبد إشارةً إلى لوني. عندما كنتُ صغيراً كان ذلك يُسبِّبُ لي نوعاً من الألم والآن صرتُ أضحك، أضحك لأنني فهِمت بأنّه فارِغ

زاهي وهبي: وأنت المليء

أنيس شوشان:  كما قال "عنترة بن شدّاد"، "ليس الفتى من قال هذا أبي بل  الفتى من قال ها أنا ذا"، والكلمة الأولى التي قالها لنا ربّنا هي "إقرأ" لكننا شعبٌ لا يقرأ

زاهي وهبي: لا يقرأ للأسف. ربما السؤال الذي خطر في بال الكثيرين من الذين استمعوا واستمتعوا بقصيدتك هو "من هو هذا الشاب؟ من هو هذا الشاعِر؟ من هو أنيس شوشان؟". إذا طلبتُ منك أن تُعرِّف عن نفسك بكلمات أو أسطُر قليلة ماذا تقول يا "أنيس"؟ مع حفظ الألقاب لحضرتِك طبعاً

أنيس شوشان: لا، لا ألقاب، "أنيس". أنا "أنيس"، أنا "أنيس"

زاهي وهبي: جليسٌ أنيسٌ حضرتك

أنيس شوشان: ألله يعيّشك، شكراً. والله كما قلت لك، أنا من البشر وأحاولُ أن أكونَ في يومٍ من الأيام إنساناً لأنني أؤمِن أنّه كي تكون إنساناً وكي تكون أرفَعُ شأناً من الملائِكة عند الله، يجب الكثير والكثير و الكثير

زاهي وهبي: لكي تستحِقّ إنسانيّتك أساساً

أنيس شوشان: الإنسانيّة هي استحقاقٌ وليست إسقاطاً

زاهي وهبي: صحيح. الشِعر "أنيس"، كيف جاء إليك؟ ما هو دور والِدك الذي كان يقول شِعراً بدوياّ ربّما؟

أنيس شوشان: نعم

زاهي وهبي: ما هو دور والدك، ومتى قررت أو تيقّنت أو اكتشفت أنّك شاعِر؟ قبل أن نتحدّث عن الجوانب الأُخرى في شخصيّتك الفنيّة

أنيس شوشان: أنا لم أُقرِّر أن أكونَ شاعراً 

زاهي وهبي: ولِدتُ شاعراً؟

أنيس شوشان: لا أدري، لكن منذ الصِغَر كان والدي يدللني لأنني كنتُ الأصغر في العائلة وهو حينها خرج للتقاعُد لذلك كنتُ دائِماً أُرافقُ أبي . وحين يمشي كان دائماً يُردّد الشِعر لأنّه من الجنوب التونسي وفي الجنوب التونسي الكلِمة تعني الكثير، وأذكرُ شيئاً

زاهي وهبي: من أين من جنوب "تونس"؟

أنيس شوشان: من "قْبِلّي"، ولاية " قْبِلّي". كان دائماً يقول، ولا أدري إن كنتم ستفهمون أم لا

زاهي وهبي: تفضّل

أنيس شوشان:

بعد لزهو الأيام غرّوا بيَّ

لبست الطويل ودرت حزّا ميه

منين كُنت في الفلاّقه

منين كنت نجدع في الغدايد جاقة

أنا ودقرتي ومعاي زوزَر فاقة

وليتِك المهبول في سوريّا   

بعد لزهو الأيام بيَّ غرّوا

وعليَّ اتلفت والتالي مشومه ولّوا

والأيام كيف الكار طوجوهية

ساعات للها فاتحات يحلّوا

وساعات للها غالقات الظيّه

زاهي وهبي: طبعاً بعض الكلمات مفهومة ولكن المعنى العام!

أنيس شوشان: المعنى أنّها تتحدث قليلاً عن مفهوم الفارِس والفلاّح المقاوم للاحتلال الفرنسي وتتحدث عن الدنيا بشكلٍ عام

زاهي وهبي: هلّ هناك شُعراء أثروا في تكوينك، شعراء عرب؟

أنيس شوشان: طبعاً

زاهي وهبي: مثل من؟

أنيس شوشان: طبعاً، أوّلهم وبدايةً "أبو القاسم الشابّي"

زاهي وهبي: شاعِر "تونس" العظيم

أنيس شوشان: وبفضل المطربة "ماجدة الرومي"

زاهي وهبي: لم تتعرّف على

أنيس شوشان: لأنني مذ كنتُ صغيراً  أذكر حفلة التي كانت الحفلة الأُولى لـ "ماجدة الرومي" في "قرطاج" وهي قديمة ويعاودون عرضها على شاشات التلفزة، وكنت أسمع بها وبعدها تعلّمت القراءة و جاؤوا لي بكتاب "أبو القاسم الشابّي" ولم أكن أفهم به في البداية وكنت أُحاول أن أفهمه وأستمتِع بقراءة الشِعر، وبعد ذلك وجدت روحي حتّى  في قراءةِ قسم منه. كان من هواياتي أن أُلقي الشِعر على الطريقة العربيّة في التضخيم، وكان أصدقائي يصفّقون لي حينها

زاهي وهبي: غير "أبو القاسم الشّابّي"؟

أنيس شوشان: غير "أبو القاسِم الشّابّي" بطبيعة الحال ، "نزار قبّاني" أثّر في شخصيتي وفي طريقة تعاملي مع المرأة أساساً وساهم في تغيير العديد من مفاهيمي. "محمود درويش" أيضاً رجلٌ مهمّ جداً وفخرٌ للإنسانيّة

زاهي وهبي: انحيازك للمرأة" أنيس"، من أين أتى هذا الانحياز للمرأة، الانتصار للمرأة، الدعم للمرأة؟

أنيس شوشان: من أُمّي

زاهي وهبي: والدتك!

أنيس شوشان: أُمّي امرأة رائِعة جداً. أُمّي لم تدرُس في مدرسة ولا تعرِف من الكتابة إلا القليل القليل

زاهي وهبي: ومع ذلك؟

أنيس شوشان: لكنّها زلزالٌ من حُبّ

زاهي وهبي: حلوٌ هذا التعبير "زلزالٌ من حبّ"  

أنيس شوشان: زلزالُ حبّ لأنّها امرأة رائِعة جداً وأحبّت أبي. أنا لا أذكر يوماً أنّ أُمّي وأبي تعاركا مع أنني أرى أن بعض الأمهات والآباء يتعاركان

زاهي وهبي: بين والدتك ووالدك لم تكن هناك أيّة مشاكِل أبداً

أنيس شوشان: بالتأكيد بينهما مشاكل ولكن نحن لم نشاهد أيّها

زاهي وهبي: لم يُشعِرانَكم بها

أنيس شوشان: وأُمّي كانت كما يقولون في "تونس"، "داخلها حديث في حديث". والدي كان قبل والدتي متزوّجاً من امرأة أُخرى وهي من ربّت إخوتي الآخرين ولا تقول عنها سوى أنّها أُمّهم وهذا ما رأيته بعيني. وبعد، كما قلت لك، "نزار قبّاني" وكرهي الشديد للمجتمع الذكوري وفهمه الخاطئ لمعنى الرجولة

زاهي وهبي: نعم، يربطون الرجولة بالاستبداد والتسلّط والقسوة وكأنّ الرجولة ألا بكون المرءُ إنساناً

أنيس شوشان: والله في الحق الذي يدعو إليه ربّي ما لاحظته منهم في الرجولة حين كنتُ طفلاً هي الأعضاء أكثر من أيّ شيءٍ آخر

زاهي وهبي: في الأعضاء التناسليّة، الأعضاء الجنسيّة للأسف

أنيس شوشان: نعم، وهذا شيءٌ مُقزِّز جداً

زاهي وهبي: نعم، الأهل موجودون في "تونس" العاصمة أم في الجنوب؟

أنيس شوشان: عائلتي الصغيرة موجودة في "بنزرت" لكن عندي إخوة منتشرون في العالم

زاهي وهبي: كم اليوم والدتك ووالدك وعائِلتك سُعداء بك وأنت تشُقّ هذه الطريق بنفسِكَ الثوري، بنفسِك الرافِض لأشكال التخلُّف؟

أنيس شوشان: أُمّي قالت بأنّها فخورة بي، وأبي

زاهي وهبي: لم يُعبِّر؟

أنيس شوشان: يراقبنا من السماء

زاهي وهبي: رحِمه الله

أنيس شوشان: تعيش. لكنّه هنا، دائِماً هنا

زاهي وهبي: نعم، موجودٌ دائِماً. كم النَّفَس الثوري عند حضرتك هو نفسٌ موروث من العائلة ومن الأُسرة ومن المجتمع، أم أنّه مُكتَسَبٌ بسبب الأحداث والمُستجِدّات التي شهدتها وتشهدها "تونس" وبلادنا العربيّة؟

أنيس شوشان: أبي علّمني درساً حين كُنتُ صغيراً. سألته ذات يوم، ونحن عندنا حديقة كبيرة وفي وسط الحديقة توجد نخلة، فسألته وقلت له، " لماذا النخلة في وسَط الحديقة؟" فأجابني" عندما أفتح باب الدار أوّل ما أراه هو النخلة وذلك من أجل ألا أنسى أنا من أين أتيت"، وهذا ما استوعبته جداً. إحساسي بالانتماء للأرض، بالوفاء لأجدادي، وبالصبوّ لما أطمح له هو ما اكتسبته في الدنيا

زاهي وهبي: بمعنى وكأنّ الإنسان شجرة مغروسة في تربة بلاده؟ أم أنّ جذوره تعود إلى أماكِن أُخرى ربّما؟

أنيس شوشان: تعود للبدء

زاهي وهبي: لـ ؟

أنيس شوشان: تعودُ للبدء، بداية الحكاية الأولى لأننا كلّنا من "آدم" 

زاهي وهبي: نعم، وكلّنا من التراب

أنيس شوشان: وكلّنا من تُراب

زاهي وهبي: وإلى

أنيس شوشان: وإلى التُرابِ نعود وبعدها سنصعَد إلى السماء لأنّ الموتَ ليس موتاً فعلاً

زاهي وهبي: على كلّ حال، بالشِعر ننتصِر على الموت. عندما نتحدّث اليوم عن "عنترة" وعن "المتنبّي" وعن "طرفة بن العبد" وغيرهم نشعُر وكأنّهم موجودون معنا

أنيس شوشان: هم موجودون

زاهي وهبي: هلّ تشعر بأن لدى الشِعر قوة الانتصار على هذا الخراب العربي الكبير؟

أنيس شوشان: سننتصر لأنّ الإنسان في النهاية هو خليفة الله على الأرض

زاهي وهبي: " وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ" (البقرة: 29)

أنيس شوشان: لكِن ليس بمفهومِ أولئِك الغريبين، فكلٌّ منّا هو خليفة الله. كلٌّ منّا يجب أن يترُك بصمته، أن يكون هو

زاهي وهبي: لكي يكون جديراً

أنيس شوشان: وأن لا يتبع القطيع لكي حين يقف أمام الله يقولُ "حاولت، فهلّ نجحت أم لا؟"

زاهي وهبي: سأُتابِع مع حضرتك "أنيس". البعضُ خطأً يُسمّيك بـ "شاعِر السلام"

أنيس شوشان: أعجبتني التسمية

زاهي وهبي: لمن؟ وما حكاية هذا اللقب أو هذه التسمية؟ ولكِن بعد أن نستمِع إلى موجزٍ إخباريّ سريع ومن ثمّ نُتابِع "بيت القصيد"

 

ما قلّ ودلّ:

¯ أنيس شوشان

Ÿ شاعِر وفنّان وناشِط حقوقي تونسي

Ÿ حاصِل على دبلوم في التقنيّات السمعية والبصريّة ومتخصِّص في الإخراج

Ÿ يكتُب الشِعر باللغة العربيّة والفرنسيّة وباللهجة التونسيّة

Ÿ مُحترِف للرقص المُعاصِر والتعبير الجسماني 

المحور الثاني

قصيدة "سلام عليكم" وأثرها على شوشان.

  • المحور الثاني
    المحور الثاني

زاهي وهبي: مشاهدينا الكرام، صفحتنا على "الفيس بوك" بعنوان "بيت القصيد" وأتمنّى من مُحبّي الشاعِر  "أنيس شوشان"، وهُم كُثُر في أرجاء العالم والعالم العربي، الانضمام إلى صفحتنا لمتابعة أخبار البرنامج. أُستاذ "أنيس" قبل أن أطرَح المزيد من الأسئِلة على حضرتك سنستمِع إلى شهادة بتجربتك من رئيسة جمعيّة "منامتي"، الأُستاذة "سعديّة مصباح". نسمعها سوياً

كلام يوصل:

سعديّة مصباح (رئيسة جمعيّة منامتي): "أنيس شوشان" هو فنانٌ تونسي شاب من مواليد الثورة التونسيّة. عرفتُ "أنيس" في أيام الثورة وهو يختلِف قليلاً عن باقي أعضاء الجمعيّة لأنّه فنانٌ في معيشته وفي حياته وفي تفكيره ولا يتصرف مثلنا فهو يكتُب في الليل، وعند اللزوم يكتب بمفرده دون أن يشعر به أحد. عنده ربّما أماكِنَ معيّنة يكتُب فيها. عرِفته عندما أتى لزيارتي في منزلي مع مجموعة من الأشخاص مثل "حاتِم قرويانِس" و "زكرني".  جاء وأحضرهم معه وقالوا لي " سنجتمِع عندكِ هنا في جلسة شعرية من نوع الـSlam  ". عنده موهبة، موهبة حلوة كثيراً والتي هي موهبة الكلام وفوجئت حين سمعته للمرة الأولى في تسلسل الكلام عنده لأنه لا يقرأه ولا يوجد نصّ بين يديه ولا شيء. هذا هو "أنيس"، هو إنسانٌ بسيط وبسيط جداً وحبّذا يبقى كما هو اليوم ويبقى إن شاء الله كذلك حين يُصبِحُ نجماً كبيراً. "أنيس" يُحبّ الناس ويُحِب الدنيا ويُحبّ أُمّه كثيراً. هذا هو "أنيس"، هو شاعِرٌ وأشعر بأنّه مُلتزِمٌ قليلاً وقويٌّ في أفكاره، وحين يتكلِّم يقوم بفحصٍ كامل للبقعة التي يتواجد فيها، للمناخ الذي يعيشه، لـ "تونس" قبل يناير/ كانون الثاني و"تونس" بعد ذلك بكل أمراضها والتي فيها. هذا هو "أنيس" الذي أعرِفه. "أنيس"، أودّ أن أسألك ولكن أريدك أن تجيبني بكلّ صراحة، في حال نجحت أكثر يا "أنيس" واشتهرت أكثر هل ستبقى تفكِر في عائلتك الثانية، عائلتك من غير والدك ووالدتك؟ لقد تفاهمنا مع بعضنا على الكثير من الأشياء وإن شاء الله نُكمل بها مع بعضنا، وأريدك أن تُجيبني بكلّ صراحة

زاهي وهبي: ألف شُكر للسيّدة "سعديّة مصباح"، تفضّل، الإجابة عند حضرتك

أنيس شوشان: أقول لها "أحبّك كثيراً"، وهي أُمّي الثانية. أذكر دخولي إلى دارها للمرّة الأولى حيث وجدت الكثير من الدفء

زاهي وهبي: فيها دفء وحرارة

أنيس شوشان: الجدران دافئة، الجدران تحكي

زاهي وهبي: الجدران تتكلّم 

أنيس شوشان: وجمعيّة "منامتي" بالحقّ عائِلتي الكبيرة وهي "المنامة" في كلّ شيء، هي "المنامة" التي نحب أن نمشي بها إلى أبعد، هي "المنامة" التي تجمع الدنيا وتجمع الكلّ، هي "منامة" بيني وبينك وبين هذا وبين ذاك بحيث تكون الناس كلّها واعية لكي يتمكّن كلّ واحد منّا من أن يعيش ويدع الآخر يعيش

زاهي وهبي: نعترِف ببعضنا البعض ونقبل بعضنا البعض ونعترِف بحقّ بعضنا البعض

أنيس شوشان: هم أصلاً قاموا بدراسة وأثبتوا أنّ عند كلّ إنسان كيلومتر مُربّع من ملكه الخاصّ، وكلنا نسعى لأنّ نعيش سعداء

زاهي وهبي: على ماذا نتقاتل ونتذابَح؟

أنيس شوشان: هناك 5 بالمئة يسيطرون على 95 بالمئة من الثروات

زاهي وهبي: هلّ حضرتك "أنيس" شخصيّة عاطفيّة؟ هل أنت سريع التأثّر وسريع الانفعال؟

أنيس شوشان: أريد أن أُجيب على سؤال "سعديّة" وأقول لها أنّه طالما ربّي يرزقني تبقى عائلتي دائماً هي عائلتي وأنتم أحضنكم وأحميكم بأجنحتي

زاهي وهبي: ألله يخلّيكم لبعض

أنيس شوشان: تعيش

زاهي وهبي: هل شخصيّتك العاطفية هذه تُشبه أحداً؟ مثل والدتك مثلاً أو أباك؟ أم هي نتيجة تجارب الحياة؟

 أنيس شوشان: لا، لا أشبه أحداً، قلت لك بأنني تربّيت في دار فيها بالحقّ الكثير من الحبّ وفيها تكاتُف وفيها الإخوة يُدافعون عن بعضهم البعض رغم وجود بعض الغُربة بين قوسين من ناحية الأهل أو العرش الكبير في الجنوب التونسي، لكن أنا عندي حبٌ كثير، والحبّ آتٍ من عند ربِّي. ألله محبّة

زاهي وهبي: طبعاً طبعا، ألله يُزيدك حبّا ومحبّة

أنيس شوشان: ألله يعيّشك

زاهي وهبي: حضرتك تكتب نوعاً من الشِعر نسمّيه الـ Slam الذي له علاقة بـ "الجاز"، وربما أوّل من كتب هذا النوع من الشِعر كان شاعراً أميركياً اسمه "مارك سميث" !!

أنيس شوشان: بدأ في أميركا

زاهي وهبي: في الثمانينات، في منتصف الثمانينات

أنيس شوشان: في مقهى بمعنى "الميكرو المفتوح للجميع" لمن عنده شيئاً ليقدّمه

زاهي وهبي: هذا جعل الأمر يختلِط على بعض محبّيك فسمّوك "شاعِر السلام"

أنيس شوشان: كتبوا ذلك في جرائِد إليكترونيّة ولقبّوني بـ "شاعِر السلام" لأنّ قصيدتي بدأت بـ "السلام عليكم". أمّا الـ  Slam فما هو الفرق بينه وبين الشِعر؟

زاهي وهبي: هذا هو سؤالي في الحقيقة، ما هو الـ Slam ؟

أنيس شوشان: الـ Slam هو أنّ مطلق أيّ شخص، حتّى أنت ، تعتلي مسرحاً أمام الجمهور وتكون أنت تعيش حالة مُعيّنة

زاهي وهبي: وتعبِّر عنها بالكلام

أنيس شوشان: وتعبّر عنها بالكلام لكن بطريقة متطوِّرة قليلاً بأن يكون وراءك مجموعة موسيقية متكاملة سواء كنت تريد أن تغنّي أو أن تتكلم. أنا أدّيت ما قمت به ورافقتني موسيقى "الجاز" و"البلوز" و "الفنك"

زاهي وهبي: ورقصت أيضاً أليس كذلك؟

أنيس شوشان: أجل

زاهي وهبي: لم تترُكُ شيئاً إلاّ وقمت به

أنيس شوشان: الرقص هو لغة الجسد ، وإن شاء الله أؤدّيها في أشياء متميّزة

زاهي وهبي: تقصِد في عرضٍ فيه شِعر ورقص وموسيقى؟

أنيس شوشان: أجل، وعرضٌ إن شاء الله يكون ذا قيمة في "تونس" وإن شاء الله حتى في خارج "تونس"

زاهي وهبي: هلّ تُفكِّر في طباعة ديوان شِعر أو كتاب شِعر؟ الكثير يسألون، أين يجدون شِعرَك؟

أنيس شوشان: والله ذلك يُشعرني قليلاً بالذنب والتقصير وأنا حقاً وجدّياً أجمع قصائدي وإن شاء الله سيكون عندي ديوان شِعر في بداية عام 2016

زاهي وهبي: ننتظر ذلك ونستمِع أيضاً إن سمحت لشِعرَك لأنّ مشاهدينا بالتأكيد يرغبون في سماع المزيد

أنيس شوشان: حسناً، أُريدُ أن أقول شيئاً للعرب    

زاهي وهبي: تفضّل

أنيس شوشان:

أنا وُلدتُ في وطنٍ  

زعموا أنّه عربيّ

يعني وأنا أُحدِّثك الآن

تجد أنّه من الطبيعي أن أستعمل اللغة العربيّة

لأنّك أنتَ عربيّ وهو عربيّ وهي عربيّة

 وأنا! هذا لا يُهِمّ

المُهمّ أنِّ لديّ مجموعة من التساؤلات

لكم يا عرب

للذي على الثوراتِ ركِب

للذي ساعد الغريب حين نَهَب

للذي لم يقل شيئاً حين الغريبُ

لأرضنا وعرضنا اغتصب

للذي سأم من القضايا العالِقةِ فهرب

للذي اغتَرَب

للذي طبّلَ ومجّدَ

وللملوكِ والسلاطين تهجّدَ

للذي سمِع فردّدَ

وغيّب عقله وما تردّد

للذي تعلّم الخنوعَ والخضوع

ونسِيَ أنّ لغير الله لا ركوع

 للذي يكنِزُ أموالاً وأُمّةٌ تجوع

فخانها بلا رجوع

للذي يُحرِّمُ الفنون والغناء

ويُحِلُّ في أذهاننا استعبادَ النِساء

يُحِلُّ في أذهاننا اغتصابَ النساء

ويزعُمُ أنّ الظُلمَ ابتلاء

وحقوقُ الإنسانِ كفرٌ ورياء

للذي رَضِيَ بأُمّةٍ تعيشُ في انهيار

للذي رَضِيَ بأُمّةٍ ما انفكّت عن انحِدار

للذي رَضِيَ بأُمّةٍ تُدجِّنُ الأفكار

فتزعُمُ أن الفلاسفة كُفّار

للذي حَصَرَ وجداننا بجُملَةٍ من الأقفال

للذي كبّلَ عقولنا بوابِلٍ من الأغلال

فحصَر حياتنا في الحَرامِ والحلال

وعلّمنا الوقوفَ على الأطلال

وحتّى لذلك المُواطِنِ البسيط

الذي لم يقرأ لا مُعجَماً ولا وسيط

ولم يكُن له صدىً وصيت

أين ذهب عِلمُ إبنِ سينا؟

أما كان إبنُ الجزّارِ فينا؟

أما كان عندنا الجاحِظُ والمَعرّي؟

يا أُمّةً انحَدَرتِ ولم تُقرّي               

أين عُلماؤنا؟

أين أعلامُنا يا أُمّةً أجهضت أحلامنا؟

حتّى متى سنتفاخَرُ بأمجادِ أجدادِنا؟

ماذا سنقولُ إذا سألنا أولادُنا؟

إذا سألنا أحفادُنا، ما كانت هي أمجادُنا؟

أو لماذا هي وضيعةٌ أوطانُنا؟

أو لماذا تراجعت الحضارةُ في زمانِنا؟

أو كيف نسِينا "صبرا و"شاتيلا"؟

ورضينا أنّ يُنكِّلوا بنا تنكيلا؟

وكيف نسيناها "فلسطين"؟

ونُشاهدُ المجازِرَ من خلفِ التلفازِ هادئين

وهم يحرقون أطفالنا

يغتصبون نساءنا

يقتلون رجالنا

أحينها، أحينها سنُمأمئُ ثم نعلِّقُ الفشل على الظروف؟

أم سنقول تقهقرنا لأنّ الحروبَ ما عادت بالسيوف؟

أم سنعودُ مثلكُم إلى الأمجادِ والأجداد؟

يا نعجةً تتباهى بليّةِ الخروف

معذِرةً ، معذِرةً يا أُمّتي إذا كنتُ سليطَ اللِسان

معذِرةً إذا تطاولتُ على مجتمعِ الخِرفان

ولكِن هذه هي حقيقةُ أُمّةً قد غيّبَت قيمةَ الإنسان

ولا أنتظِرُ إجابة

فتساؤلاتي من البداية بلا عنوان

زاهي وهبي: هذه تساؤلات كلّ إنسان عربي في الحقيقة اليوم. هلّ قراتُ قصائد "مظفّر النوّاب" و"أحمد فؤاد نجم"؟

أنيس شوشان: سمعت قصائدهم ويُعجبني جداً "مظفّر النوّاب"

زاهي وهبي: لأنّك تذكِّرني في الحقيقة بهؤلاء، وإن شاء الله تُصبِح لك تجرُبة كتجربة هؤلاء. ولكن، بعض النقّاد وبعض الشُعراء يعتبرون أنّ الشعر من غير اللازِم أن يكون مباشراً إلى هذه الدرجة، أن يُحمَّل بمواقِف إيديولوجية أو سياسية أو أعباء لهذه الدرجة على حساب الصورة الشِعريّة والتشبيه والاستعارة وإلى آخره، وأنت تعرِف طبعاً هذا الأمر، ما هو موقفكَ أو وجهة نظرِك؟

أنيس شوشان: رأيٌ يُحتَرَم لكِنه لا يُمثّلني

زاهي وهبي: لا يُملي عليك

أنيس شوشان: لا يُمثلني. مثلاً، أنا أعشق منذ الصِغَر الشِعر الجاهلي

زاهي وهبي: نعم

أنيس شوشان: بين ظفرين الجاهلي، هذه التسمية الغريبة، لكِن لا قواعِد في الشِعر، لا قواعِد ولا ضوابِط للكلِمة

زاهي وهبي: ولا قوالِب جاهِزة

أنيس شوشان: أنا أعتبِر أنّ الحرف له كلّ الحريّة. هو يخرُج من قلب، يخرُج من عقل، لينطلِق. في بداية الحلقة أنت ذكَرت أنّ الناس هم الذين أطلقوا عنواناً لقصيدتي. أنا لا أُسمّي قصائدي

زاهي وهبي: تتركها بلا عنوان

أنيس شوشان: أنا لا أُسمها لأنني بذلك أُجهِضها، فلماذا أختزِلها؟ فكل من سيقرأ سيفهمها بطريقةٍ مُعيّنة

زاهي وهبي: نعم، يضع لها العنوان الذي يريده، كلّ قارئ يضع لها عنوانا. هلّ تعتقد أنّ طريقتك في الإلقاء، أُسلوبك في الإلقاء هو جزءٌ من عمليّتك الشعريّة؟ بمعنى، أننا ربّما لو قرأنا القصيدة في كتاب سيختلِف الأمر

أنيس شوشان: بطبيعة الحال، لأنّ هناك موسيقى في وسط الحروف، وعندما أُلقي أشعُر بأنني أُبحِرُ بين الكلمات وبين السطور

زاهي وهبي: تعيش الحالة، حتّى أنك تُغمِض عينبك

أنيس شوشان: لأنني هكذا. أنا لا اصطنِعُ شيئاً أو أن أقول بأنني لا أكتب عن أشياء تتطلّب منّي أن أكون صاحبُ موقف. من اللازم أن أكون صاحِب موقف

زاهي وهبي: بعيدٌ أنت عن التكلُّف أيضاً والتصنُّع. أنا أعتقد "أنيس" أنّ صدقك جعل هذه القصائِد، خصوصاً قصيدة "السلام عليكُم" تنتشِر كالنار في الهشيم كما يقال. اسمح لي أن نتوقّف أيضاً مع استراحة سريعة ثمّ نُتابِع "بيت القصيد"

أنيس شوشان:

أنا أعرِف أنّكُم تتساءلون عنّي

تتساءلون عنّي وعن فنّي

تقولون، ما يفعلُ هذا الذي لا يُغنّي؟

من أين جاءنا هذا الفتى؟

تُرى، لماذا أتى؟

ببساطةٍ أنا جئتُ لأجتاحكُم

لأختليَ بكُم في أعماقِ أرواحِكُم

صحيحٌ أنّ كلماتي بسيطةٌ، غيرُ مُعقّدة

لكنّها في أذهانِكم لن تكون مؤقّته

ستجدونها لذيذةً كالخمرةِ المُعتّقة

سأطيرُ فيكم كفراشةٍ تخرُجُ من شرنقة

جئتُكُم حاملاً دستورَ حُبّ

في عالمٍ يدُقُّ طبول حَرب

وشعوبٍ نَسِيَت أنّها في الأصل شعب

نسِيَت أنّ في غابِر الأزمان كنّا كُلّنا إنسان

فلا تتساءلوا عنّي وعن فنّي

بل أصغوا جيّداً لهذا الذي لا يُغنّي       

المحور الثالث

شعر "سلام".

  • المحور الثالث
    المحور الثالث

أنيس شوشان:

منذُ الصِغَر

وأنا تتبعني عبارةٌ بلهاء

وحين كبِرت

عرَفتُ أنّ من ابتدعها مجموعةٌ حمقاء

والآن يواصلون

وفي أذهان الصبية يزرعون

هذه العبارة

وأكيدٌ أنّكُم الآن تتساءلون

ما هي العبارة

يا "زاهي"، أتريدُ أن أقولها؟

أم أزيدُ قليلاً من الإثارة؟

سأستعمِلُ لغة الإشارة

أعرِفتُها؟

الخوف من ربّي

عبارةٌ رافقت دربي

سألتُ نفسي، ما هو خطبي؟

رفعتُ رأسي للسماء وقلت

أنا لا أخافك وهذا ليس ذنبي

كيف أخَافُك وأنت تسكُن نبض قلبي؟

كيف أخافُك وأنت أُمّي وأبي؟

أنت حبيبي، أنت ربّي

ويصدِمُني حين أرى في ذواتِهم كلّ هذا العُهر

يصدِمني حين ينعتونني بالكُفر

فكيف تجرّأوا وتصوّروا أن يكونوا مكانك؟

وأنت الخالِقُ سبحانك

يا إلهي، أنا أُحِبُّك

أُحِبُّكَ في أُمّي، في أبي المرحوم

في سماءٍ تتلبّد بالغيوم

أُحِبُّكَ في أرضٍ ملأى بالسنابِل

أُحِبُّكَ في شدو البلابل

أُحِبُّكَ في حبيبتي، أُحِبُّكَ في صديقتي

أُحِبُّكَ في عشيقتي

أُحِبُّكَ في كأسِ النبيذ

أُحِبُّكَ في أيّ شيءٍ لذيذ

أُحِبُّكَ في لحظات التعربُد

ولحظات التعبُّد

ولحظات التشرُّد

أُحِبُّكَ في الجِبالِ والجِمالِ و الجَمالِ والخَيال

فأنتَ صاحِبُ الجلالةِ والجلال

أُحِبُّكَ من عَبري ومن خلالي

فأنتَ لست شيء بل أنتَ كُلُّ شيء

أُحِبُّكَ ربّاه

زاهي وهبي: رغم كلّ هذا الحُبّ أظنّ أنّ هذه القصيدة سبّبت لك بعض القلق أو بعض المشاكِل، ولكِنّ الله محبّة كما قُلنا. إنّ اللهَ حُبٌّ وهو موجودٌ في كلِّ حالاتنا، كيفما كنّا ألله معنا، وللأسف تربّينا كما تفضّلت منذ أن كنّا صِغاراً بأنّ الله يريد أن يخنُقَكَ والله يريد أن يُميتك وكأنّ الله سُبحانه وتعالى لا عمل له سوى أن يخنُق الأطفال!

أنيس شوشان: المُشكلة حتّى في الألفاظ. الخِشيةُ من الله شيء والخوف من الله شيء

زاهي وهبي: نعم

أنيس شوشان: كيف؟ كيف؟ ودائِماً أُفكِّرُ في هذا، هلّ الله ينتظِرُ أن أخاف منه لكي أدخُل الجنّة أم أدخل الجنّة حُبّاً فيه ورغبةً فيه؟

زاهي وهبي: يقول "عليّ بن أبي طالِب"، " لم أعبُدكَ خوفاً من نارِك ولا طمعاً بجنّتِك، إنّما وجدّتُك أهلاً للعبادةِ فعبَدتُك"

أنيس شوشان: لكِنّهم ينسَون

زاهي وهبي: ينسون طبعاً، يُغفِلون كلّ الجانِب المُشرِق في الإسلام ويركّزون على قضايا للأسف تُعيدنا إلى الوراء. سنستمِع أيضاً إلى تجرُبةٍ بحضرتك "أنيس" من عازِف العود الفنان "غسّان بلحاج عُمَر"، نستمِع إليه

كلام يوصل:

غسّان بلحاج عُمَر(موسيقي): "أنيس شوشان" صديقي وحبيبي وأخي. طيِب جداً "أنيس" مع أصدقائه ولا يضرّ الناس ويحب كلّ الناس. بالنسبة لـ "أنيس شوشان" الشاعِر و"أنيس شوشان" الإنسان، هُما لا ينفصلان عن بعضهما البعض وهما متكاملان. يعيش "أنيس" حياته كفنّان، في شعرِه فنّان، في تصرّفاته فنّان، في معاملاته مع الناس فنّان، في حبّه للناس فنّان. كلّ شِعرِه يُعالِج قضايا إنسانية و قضايا وطنيّة وقضايا تتحدّث عن الحُبّ وقضايا اجتماعية. كلّ الناس الذين يعرِفون "أنيس" ويعرِفون بعضهم البعض يعرِفون أن له قيمة فنيّة كبيرة في الوطن العربي وقيمة نادرة أيضاً. تجده دائماً مهووسا بالشكّ ودائماً يشُك بما يقوم به ويحِب أن يتفوّق على نفسِه، إن لم يجد طريقه أو وصفة الإبداع يسعى إليها. "أنيس" أرغب في أن أسألك سؤالاً، كلّ الناس تعرِف قيمتك الفنيّة، لكن أنت كم تعرف قيمتك في الحقيقة؟

زاهي وهبي: شكراً للأستاذ "غسان بلحاج عُمَر"، تفضّل

أنيس شوشان: (يضحك)

زاهي وهبي: لماذا تضحك؟

أنيس شوشان: "غسّان بلحاج عُمَر" صديقي وأنا أُسميه "أجنحتي" لأنّه عازف عود ممتاز وعازِف غيتار مُمتاز ورائِع جداً. أنا أضحك وهو يعرِف لماذا، ويعرِف بأنني مؤمنٌ بنفسي. صحيح أرغب دائماً في أن أتجاوز نفسي ولا أرغب في تكرار نفسي وأرغب في أن أفرِض على نفسي حتّى إجراء التمارين لنفسي. مثلاً، أُراهِن على نفسي في قصيدة أو شيء كما لو كنتُ ألعب

زاهي وهبي: هلّ عندك شكٌّ بما تقوم به أم عِندَك يقين؟ وكم الشكّ ضروري للفنّان؟

أنيس شوشان: لا أُشكك في نفسي، لكن أحياناً أشعر بالإحباط لكثرة المحاولات من الآخرين التي تحدّ من طموحاتي

زاهي وهبي: هذا موجود، موجودٌ كثيراً في مُجتمعاتنا، من يشدّ بِكَ إلى الوراء؟

أنيس شوشان: ثقتي بنفسي بالحقّ لا تتزحزح

زاهي وهبي: تجربتك في برنامج "أكس فاكتور" هلّ أحبطتكَ؟ ولماذا خرجتَ من البرنامج؟

أنيس شوشان: شعرتُ بالظلم، شعرتُ بالقليل من الظُلم

زاهي وهبي: لماذا؟

أنيس شوشان: صحيح أنّ البرنامج

زاهي وهبي: أيضاً، ماذا أخذك إلى برنامج "أكس فاكتور" مع احترامي للبرنامج؟ فهو له هُواتَه وجمهوره

أنيس شوشان: شاركتُ في برنامج "أكس فاكتور" بمحض الصُدفة . عندي صديق عنده صديقة لبنانيّة تخدُم في فريق إعداد برنامج "إكس فاكتور"

زاهي وهبي: تخدُم بمعنى تشتغِل أو تعمل

أنيس شوشان: واقتَرَح عليها اسمي، فأرسَلَت لي بريداً إلكترونياً وقالت لي بأنها تبحث عن مواهِب جديدة. قلت لها، "ما أعرِفه عن برنامج "أكس فاكتور" أنّه يبحث عن مواهب غنائية وهذا ليس   Arabs  “ Got Talent، فقالت لي "لابأس، شارِك" فشاركت وأنا غير مقتنعٍ به وقبلوني. اشترَطت حينها وقلت لهم،" أنا لا أقول أيّ شيء ليس لي"، فقالوا لي "أوكي". توجّهت إلى "بيروت" ودخلت الاستديو ووجدت "أليسا" و"حسين الجاسمي" و"وائل كفوري" و"كارول سماحة". فقلت قصيدة Slam ووافق الأربعة بـ Yes. من هناك بدأت الحكاية ومشيت مع فريق "حسين الجاسمي" وصوّرت حلقة أُخرى ونجحت فيها ومررت للحلقة التالية، وفي الحلقة الثالثة فرضوا عليّ الشيء الذي أرغب أنا في قولِه وكتابته، وفرضوا عليّ أن أقول شيئاً ليس لي فقُلت قصيدة "نزار قبّاني" "صباحُكِ سُكّر" بطريقة مُختلِفة ومُصاحِبة لموسيقى   "الجاز"، وقلتُها كامِلة وليس كما فعل "كاظم الساهِر" مع كلّ احتراماتي له

زاهي وهبي: لماذا لم تُعجَب بطريقة "كاظم الساهِر" في الغناء؟

أنيس شوشان: ليس بالطريقة، فـ "كاظم الساهر" هو فنّانٌ عملاق جداً

زاهي وهبي: إذاً ما كانت مُلاحظتك؟

أنيس شوشان: مُلاحظتي الوحيدة أنّه نَزَع قلب القصيدة وغنّى الأطراف، بمعنى أنّه سلبها روحها

زاهي وهبي: نسمع منك القصيدة، وطبعاً نحترِم وجهة نظرك ونحترِم تجربة الفنان الكبير "كاظم الساهِر". هلّ تُحِب أن تُسمِعنا؟

أنيس شوشان: هو، وأقولها بكلّ حبّ، أبدَع في الكثير من القصائد, هناك قصائِد لـ "نزار قبّاني" أعطاها بُعداً آخر، ومن غيرتي على ما يُقدّمه هو وعلى شِعر "نزار قبّاني"  قُلتُ هذا

زاهي وهبي: "صباحُكِ سُكَّر"

أنيس شوشان:            

إذا مرّ يومٌ. ولم أتذكّرْ

به أن أقولَ: صباحُكِ سُكّرْ

ورحتُ أخطّ كطفلٍ صغير

كلاماً غريباً على وجه دفترْ

فلا تَعجبي من ذهولي وصمتي

ولا تحسبي أنّ شيئاً تغيّرْ

فحين أنا  لا أقولُ: أُحِبّ

فمعناهُ أني أحبّكِ أكثرْ

إذا جئتِني ذات يوم بثوبٍ

كعشب البحيرات أخضرَ، أخضرْ

وشَعْرُكِ ملقىً على كَتِفيكِ

كبحرٍ، كأبعاد ليلٍ مبعثرْ

ونهدُك، تحت ارتفاف القميص

شهيٌّ، شهيٌّ كطعنة خنجر

ورحتُ أعُبُّ دخاني بعمقٍ

وأرشُفُ حِبْر دَواتي وأسكرْ

فلا تنعتيني بموتِ الشعور

ولا تحسبي أنّ قلبي تحجّرْ

فبالوَهْم أخلِقُ منكِ إلهاً

وأجعلُ نهدكِ، قطعةَ جوهرْ

وبالوَهْم، أزرعُ شعركِ دِفْلَ

وقمحاً ولوزاً وغابات زعترْ

إذا ما جلستِ طويلاً أمامي

كمملكةٍ من عبيرٍ ومرمرْ

وأغمضتُ عن طيِّباتِكِ عيني

وأهملتُ شكوى القميصِ المعطّرْ

فلا تحسبي أني لا أراكِ

فبعضُ المواضيعِ بالذهن تُبْصَرْ

ففي الصمتُ يغدو لعطرك صوتٌ

وتصبح أبعادُ عينيكِ أكبر

أحبّكِ فوقَ المحبّة، لكنْ

دعيني أراك كما أتصوّرْ

زاهي وهبي: إلقاؤك جميل وتعيش القصيدة مع أنّها ليست قصيدتك. طبعاً تحيّة لروح وذِكرى "نزار قبّاني". حضرتُك تنتصِر للمرأة ولحقوق المرأة، وفي الوقتِ نفسه مُعجَبٌ بشِعر "نزار قبّاني" الذي يتّهِمه البعض بأنّه لا يرى من المرأة إلاّ الأُنثى والجسد

أنيس شوشان: وما العيبُ في ذلك؟ فالأنوثة تنطلِق من الروحِ وليس من الجَسَد

زاهي وهبي: طبعاً ليس هناك عيب ولكِن أن لا نختزِل المرأة بالأُنثى، وهذا ليس رأيي أنا بل هو رأي من يأخُذ على "نزار" هذه الجريرة

أنيس شوشان: حسب رأيي، "نزار قبّاني" أعطى قيمة للمرأة

زاهي وهبي: نعم

أنيس شوشان: ومن يتحدّث عن ازدواجية في الرأي، فهو ينظر للمرأة بشكلٍ مغاير ولذلك هو فهم ذلِك من قصائِد "نزار قبّاني" عن الأنوثة، فالأنوثة ليست في الجسد. المرأةُ عقل والمرأة روح قبل أن تكون جسداً

زاهي وهبي: والأنوثة روحٌ أيضاً ثُمّ جسَد. على أيّة حال، علاقتنا بالجسد نحن العرب بحاجة إلى الكثير حتّى تُصبِح علاقة إنسانيّة وعلاقة طبيعيّة. لنّ يتحرّر العقل العربي ما لم يتحرّر الجسد العربي

أنيس شوشان: لأننا زرعنا في أنفُسنا عُقدا غريبة. نملِكُ نفس الأشياء ونفعلُ نفس الأشياء لكِن ننتقِدها. إذاً لماذا تفعلها وأنت تنتقِدها؟ ولماذا حين أنا أفعلُها تقولُ لا؟ هذا مؤسِف

زاهي وهبي: طبعاً، طبعاً. هل صحيح أنّك تتمنّى وتحلمُ بيومٍ تحكُم فيه النِّساء العالَم؟ 

أنيس شوشان: لا يحكُمنَ العالم بل يقُدنَ العالم

زاهي وهبي: هناك فرقٌ بين الحكمِ والقيادة

أنيس شوشان: لا أحد يحكُم أحدا

زاهي وهبي: إلى أين تتصوّر أنّ النساء سيقُدن العالم لو قُدنَ؟ الله يُستُر يا "أنيس"

أنيس شوشان: الأكيد أنّهنّ لن يصِلنَ بنا إلى القاع الذي وصل إليه المُجتَمع الذكوري لأنّنا نحن في أسوأ فترة مرّت على تاريخ الإنسان منذُ خُلِق

زاهي وهبي: لهذه الدرجة تعتبِر هذه المرحلة سوداء وقاتِمة؟

أنيس شوشان: ما رأيُكَ أنت؟ ألا ترى كلّ هذا الدم؟ كلّ هذا الحِقد؟ حتّى في الحيّ الواحِد، من تربّوا معاً فرّقوهُم؛ أنت كافِر، وأنت كافِر وأنت كافِر! أوّل مُلاحظة سلبيّة بعد قصيدة "السلام عليكُم" في قناة "هنيبعل" كانت في الحيّ الذي وُلِدتُ فيه

زاهي وهبي: ماذا حدث معك؟

أنيس شوشان: هي حكاية مُضحِكة قليلاً، أحدهم قال لي: "ماذا تقول؟ حلال وحرام وشرع الله؟" لكن ماذا قلتُ أنا؟ لماذا يُريدون أن يتحكّموا في العقل البشري وأنّ يُفهِموه الدينَ كما هُم فهِموه؟ مثلاً، أنا أعتبر، في هذا الموضوع لأنّه موضوعٌ جداً حساس ومُهِمّ بالنسبة لي، أنني وُلِدتُ في وطنٍ قالوا لي فيه " أنت سُنّي مالِكي"

زاهي وهبي: نعم

أنيس شوشان:  لو أنا وُلِدتُ في " مصر" فأنا سُنّي شافعي، وإذا وُلِدتُ لا أدري أين فأنا حنبلي . إذاً ربطوا الدين بالجنسية ، والرسول صلّى الله عليه و آله وسلّم لم يأتِ لا بشيعة ولا بسُنّة ولا بشيء. أنا أحترم كلّ من يعتقِد لنفسه

زاهي وهبي: لـ يشاء من يشاء ما يشاء  

أنيس شوشان: لكن أنا لستُ شيعياً ولستُ سنياً، أنا مسلمٌ لربّي

زاهي وهبي: نعم، وهذا النموذج نريده أن يُعمّم في عالَمِنا الإسلامي

أنيس شوشان: لا أحدَ منّاً يستطيع أن يؤمِنَ بربّه كالآخر، لا أحدَ منّا يقرأ القرآن ويستطيع أن يفهم القرآن كالآخر. ولماذا الآخر أعمل عقله ليفرِض عليّ أن أترُك ما جاء به "محمد" وليأتيني بمجموعةٍ من الفقهاء ويفرِض عليّ أنّ أتّبِع الفقيه هذا؟

زاهي وهبي: نسينا النصّ واتّبعنا تفسير النصّ، فأصبح التفسيرُ أقوى من النصّ القرآني نفسه للأسف عند البعض. "أنيس"، سأُتابِع مع حضرتك لكنّني مضطرٌّ إلى أخذ استراحة سريعة ثمَّ نأتي بعدها إلى مِسك ختام هذا اللقاء مع الشاعِر "أنيس شوشان" 

المحور الرابع

تونس افريقية وشوشان في بنزرت.

  • المحور الرابع
    المحور الرابع

زاهي وهبي: مشاهدينا الكِرام نُذكِّركُم دائِماً بصفحتنا على "الفيس بوك" وهي بعنوان "بيت القصيد" ونتمنّى انضمامكُم لصفحتنا. ضيفنا لهذه الليلة كما تابعتُم هو الشاعِر التونسي "أنيس شوشان". "أنيس" قبل أن أطرح ما تبقّى من أسئِلة أو ما يسمح به الوقت من أسئِلة، نذهب برفقتِك إلى "تونس" ضمن فقرة "علامة فارِقة"

علامة فارِقة:

أنيس شوشان:

يا حبيبي اشتقتُ لك

يا حبيبي حَلِمتُ بك

حلِمتُ أنّي أحضُنُك،

أنّي عنك أسألُك

أنّي نسيتُ اسمي وأنا أُقبِّلُك

أنّي همستُ في روحِك، قلت لها

ما أجمَلَك

يا حبيبي كلّنا، بقوّتنا، بضعفِنا بفرحِنا بحُزننا

بكلِّ ما فينا يا حبيبي من ثُمالة

نؤمِّن الوجودَ لك رِسالة

يا حبيبي سأنتظِر، يا من كُنتَ المُبتدأ

أن تأتي بالخبر، سأنتظر     

يوماً و أسبوعاً وشهراً ولآخِر العُمر

وليس في انتظاري ضَعفاً وإنّما بُركانٌ خامِدُ

يا من تطلُبُ في الحبِّ عُنفاً         

سأنتظِر بكلِّ وعدٍ كنت لك قد وعدتُهُ

بكُلِّ وعدٍ كنت عنك قد خبّأته

بِكلِّ ما أعددتُ لك من مُفاجآت 

لأجعلَك تعشقُ الحياة

سأنتظِر بكلِّ ما أرسيته في الحُبِّ من ثقافة

لأُثبِتَ أنّ الحُبّ الكبير ليس خُرافة

لأنني أنا "مجنون سُلافة"

سأنتظر بعشقٍ بلا حدود

وقلبٍ أزرعه كلّ يومٍ بالورود

وأُلمِّعَ فيه الرفوف والزوايا

لامرأةٍ كانت حبيبتي من البداية

لامرأةٍ اغتَلتُ فيها شيئاً اسمه النهاية

سأنتظِر

زاهي وهبي: بعد أن شاهدناكَ في "تونِس"، لماذا تعتبِر أنّ الثورة في "تونِس" لم تكتمِل بعد؟ وماذا ينبغي أن يحصل حتّى تكتمِل؟

أنيس شوشان: ثورة ثقافيّة

زاهي وهبي: ثورة ثقافية!

أنيس شوشان: يجب أن تقوم ثورة ثقافيّة. حين نقول ثورة ثقافيّة لا نتحدّث على سينما أو مسرح أو غناء، نتحدّث عن كلِّ مواطِن وعلى تبديل المفاهيم التي تربّى عليها جيداً  وأن يقيم مُراجعات ذاتيّة على نفسه في أبسط تفاصيل حياته اليومية، ويُبدِّل حتّى مفهوم انتماءه للبلد التي يعيش فيها

زاهي وهبي: لا ثورة، على كلّ حال، تنجح من دون مشروعٍ ثقافي وبيان فِكري واضِح

أنيس شوشان: وحسب رأيي، أوّل مشروع وأول ما أعتقد أننا بحاجة إليه رسمياً ونرتئيه في بلدي هو الوعي بهويّتنا الحقيقيّة وبأننا لا ننتمي للمشروع العربي

زاهي وهبي: أف! لمن تنتمون إذاً؟

أنيس شوشان: العرب جاؤوا بدينٍ إسلامي لكِنّهُم لم يجيؤوا بأرض، فالأرضُ كانت موجودة . لم يأتوا بانتماء، لم يأتوا بجنسيّة والدين ليس جنسيّة. حتّى كلامُنا نحن كتونسيين، لماذا تجدون صعوبةً في فهمِه؟ لأنّه خليطٌ من الكثير من اللُغات، وأكثرُ لُغَةٍ موجودة في لُغتنا التونسيّة هي اللغة الأمازيغيّة

زاهي وهبي: نعَم

أنيس شوشان: والعرب، حينما جاؤوا

زاهي وهبي: حضرتُك أمازيغي؟

أنيس شوشان: أنا أفريقي بالأساس. أنا تونسي إفريقي بالأساس، ونحنُ منحنا الاسم لأفريقيا. مثلاً، لماذا لا يُطرَح السؤال على "تركيا"؟ أما كانت الإمبراطورية العثمانية؟ لماذا لا يُطرَح السؤال على "إيران"

زاهي وهبي: ولكن في تونس، بما أنّ اللغة عربيّة والثقافة عربيّة فـ "تونس" جزءٌ من هذه البلاد

أنيس شوشان: جزءٌ من الثقافة العربيّة، سامِحني. هذا لا يعني أنني أُحبّ أن أُفسِّر فأنا لستُ مُستعاراً في الانتماء للعروبة، لكِن هي حقيقة يجب أن تُقال. العرب، مثلاً بلدان الخليج يعتبرون أنّ سُكّان المغرِب الكبير هم عربٌ درجة ثانية وأعطيك العديد من الأمثلة على ذلك. أُذكِّرَك، وكل الناس تعرِف من يكون "أُسامة الملّوك"

زاهي وهبي: لا نريد أن نُعمِّم وأن نقول أنّ سُكان الخليج يعتبرون هكذا، البعض منهم

أنيس شوشان: لا، نحن نحكي هكذا، نحكي على الحُكومات وعلى السياسات.  نحن المواطنين العاديين تربطنا علاقات جميلة جداً لأنّ من يحكُم هو من يُسيء استعمال السُلطة

زاهي وهبي: بالتأكيد للمشرِق خصائِص وللمغرِب العربي خصائِص وللخليج خصائِص ولـ "مصر" أيضاً. ما عاد أحدٌ يتحدّث اليوم عن مشروع عربي وعن وِحدة قسريّة واندِماجية ولكن نحلم بشكلٍ من أشكال الوِحدة. "أوروبا" من ألف جنسيّة ولكنّهم أقاموا شكلاً من أشكالِ الاتّحاد

أنيس شوشان: لكن "أوروبا" قبل أن تُقيم شكلاً من أشكالِ الاتّحاد  كانت كلّ دولة فيه  تعي موروثها  الثقافي، ويعرِف شعبها من أين أتى

زاهي وهبي: وهذا ما ينبغي أن يحصل

أنيس شوشان: نحن عندنا خلطٌ عجيب وغريب، ولا نقبل أصلاً فبعض الأشياء نُفصّلها وأشياء نتبع بها حتّى جماعة الغرب بطريقة غريبة جداً

زاهي وهبي: استنساخ وتقليد. دعني أنتقِل إلى موضوعٍ آخر لأنّنا ربما قد نتناقش حتّى الصباح في هذه القضيّة

أنيس شوشان: تفضّل

زاهي وهبي: ولكِن وجهة نظرَك تُحتَرم طبعاً. درست الإخراج السينمائي "أنيس" ولم تدرُس، رغم أنّك منذ الصِغَر تُحبّ الشِعر، لم تدرُس مجالاُ أدبياً. ما الذي استهواك في السينما

أنيس شوشان: حسناً، قبل أن نتحدّث حتّى عن السينما، أنا درست الثانوية العامة في قسم الآداب، وبعدها أحببت أن أدرُس  في الفنون الجميلة ولكنني لم أفعل ذلك بل درست "التوثيق" وبعدها لم أفكِّر في نفسي وراء مكتب فتخصصت في "الإخراج" لأنني أُحِبّ هذا التخصص على غيره. منذ أن كنتَ صغيراً كنت أحبّ هذا التخصص وكنتُ مغرماً بالصورة ومغرماً بالأفلام

زاهي وهبي: السينما التونسيّة قدّمت أفلاماً رائِعة، هلّ لديك مشاريعٌ سينمائية قريبة؟

أنيس شوشان: أنا قرأت السينما

زاهي وهبي: قرأت تعني درست

أنيس شوشان: نعم، درست وكنتُ متفوِّقا جداً وكنت الأوّل في المدرسة التي درستُ فيها لكن مهنة السينما بالنسبة لي هي مشروعٌ مؤجَّل

زاهي وهبي: لكن في بالِك فيلمٌ عن المرأة، تُفكِّر في إخراج فيلم عن المرأة

أنيس شوشان: نعم، توجد عندي ثلاثة سيناريوهات لأفلام

زاهي وهبي: هلّ تحتاج إلى مُنتِج؟ إلى رجُلِ أعمالٍ يستثمر في السينما ويُدرِك أهميّة السينما كصناعة وطنيّة؟

أنيس شوشان: في حينها أنا احتجت إلى منتِج وكدت أقبل أحدهم لكنني اصطدمت أنّهم يعملون كمجموعات مختلِفة وأنا لا أحب هذه الطريقة، أُحِبّ أن أقدِّم وأن أشتغِل شيئاً. أنا أُقدِّم لك مشروعاً فنياً ويجب أن تتعامل معي على هذا الأساس وليس أن تأتي وتتدخّل في شغلي وتشتري عملي من عندي وتتركني! قرّرت إن شاء الله في أوّل عام 2016 أنني سأُنتِجه بنفسي

زاهي وهبي: بمعنى أن تُنتِج أنت

أنيس شوشان: رغم الكلفة وهو سيُكلِّف وإن شاء الله

زاهي وهبي: أو تتعامل مع زملاء أو مع أصدقاء لك من المُبدعين التونسيين

أنيس شوشان: ربّما إن شاء الله. هو أمرٌ مهمٌ بالنسبة لي

زاهي وهبي: ما شاء الله عنك، عندك قضايا كثيرة يُمكِن أن نحكي فيها، ولكن قبل أن يُداهِمنا الوقت، موضوعُ الرقص والـ "هيب هوب" وخلافه. ما الذي يمنحه لك الرقص؟ كم الرقص يجعل الإنسان حراً في علاقته مع جسده؟ وهلّ تُفكِّر في احتِراف الرقص مع فِرقة راقِصة؟

أنيس شوشان: في مسألة احتراف الرقص، لا يمر يوماً من دون أن أرقُص وحين أستيقظ صباحاً "أشطح"

زاهي وهبي: كلمة "أشطح" تعني

أنيس شوشان: تعني "أرقّص"

زاهي وهبي: لن يعتب أهل "تونس" عليك إذا لم تتحدّث باللهجة التونسية وذلك كي يفهم عليك المُشاهدون العرب في كلّ الأماكِن

أنيس شوشان: الرقص هو شيء تربّيت عليه منذ أن كُنتُ صغيراً مع فريق "الجاكسون فايف"، وبعدها كوّنتُ مجموعة مع صديقي

زاهي وهبي: كنت مُعجَباً بالإخوة "جاكسون"؟

أنيس شوشان: كثيراً، وبعدها أسّسنا مجموعة كبيرة تابِعة لدار الثقافة وشاركنا في مُسابقات وطنيّة، وبعدها اصطدمنا بواقِع المُحاباة وأشياء غريبة وتبديل نتائِج. الرقص شيء مهم عندي وحين كنتُ أرقص كنت دائماً الوحيد الذي يرقُص من دون حذاء لأنّني أملِكُ علاقة مع الأرض وأستمِد

زاهي وهبي: طاقة

أنيس شوشان: قوّة وطاقة إيجابيّة أشعر بها، والرقص أن تعطي جسَدَك فُرصة لأنّ يتحدّث وأن يُعبِر بنفسه، وهي ممارسةٌ مفيدة جداً للإنسان. لابأس، حتّى في الكتابة أُحِبّ أن أطرُق الأبواب المُقفلة وأبواب الجسَد والتي هي غير مُستوعبة، خاصّةً في المُجتمعات الغربيّة

زاهي وهبي: على كلّ حال،  هناك علاقة بين الرقص والأفارقة، علاقة حميمة جداً وتُعتبر جزءاً من إيقاع عيشِهم

أنيس شوشان: وحتى في المقاومة، العبيد في القارة الأميركية استعملوا الرقص

زاهي وهبي: لمقاومة المُستعبِد

أنيس شوشان: من أجل أن يحموا من يتمرّنون على فنون القتال، ووصلوا إلى درجة أن يرقصوا  مع العبيد الذين كانوا يهربون في حقول الذرة والصويا

زاهي وهبي: "أنيس" أنا استمتعتُ جداً باللقاء وإن شاء الله يتكرّر هذا اللقاء في المُستقبل. أريد أن نختُم بشِعرِك إذا أردت

أنيس شوشان: حسناً

زاهي وهبي: تفضّل

أنيس شوشان:

كانوا يتساءلون عنّي

ويقولون، ماذا يفعلُ هذا الذي لا يُغنّي؟

من أين جاءنا هذا الفتى؟

تُرى، لماذا أتى؟

ببساطةٍ أنا جئتُ لأجتاحكُم

لأختليَ بكُم في أعماقِ أرواحِكُم

صحيحٌ أنّ كلماتي بسيطةٌ، غيرُ مُعقّدة

لكنّها في أذهانِكم لن تكون مؤقّته

ستجدونها لذيذةً كالخمرةِ المُعتّقة

سأطيرُ فيكم كفراشةٍ تخرُجُ من شرنقة

جئتُكُم لأُذيب فيكم اختلافي 

لا تخف أنتَ وأنتِ لا تخافي

فجميلةٌ جداً والله ضفافي

جِئتُكُم بجنوني وطفولتي

بفحولتي ورجولتي

جئتكم حتّى بأُنوثتي

لا تُصدموا من هذه الجُرأة 

فأمامكُم المُسانِدُ الرسميُّ للمرأة

فبحقِّ ربِّ السماء

أنا عاشِقٌ لكلّ النِساء

فالمرأةُ أمّي وحبيبتي

أُختي وعشيقتي

أنا أَصلُ حقيقتها

وهي أصل حقيقتي

جِئتُكُم لأتسلّق أسواركُم

وأتسلّلَ في أفكارِكُم

وبِلُغةٍ جديدةٍ أُخاطِبُ إحساسكُم

وأدُقُّ أجراسكم

جئتُكم لأنّي فيكُم أريد أن أتنفّس

وفي أعماقِ أعماقِكُم أريدُ أن أغطِس

والآن وأنتُم هنا في أذهانِكُم سوف أرقُص

جِئتُكُم حاملاً دستورَ حُبّ

في عالمٍ يدُقُّ طبول حرب

وشعوبٍ نَسِيَت أنّها في الأصل شعب

نسِيَت أنّ في غابِر الأزمان كنّا كُلّنا إنسان

فلا تتساءلوا عنّي وعن فنّي

بل أصغوا جيّداً لهذا الذي لا يُغنّي

زاهي وهبي: أتمنّى لك التوفيق في حِلِّك وترحالِك. أهلاً بالشاعِر الأُستاذ "أنيس شوشان". الشُكر دائِماً لفريق العمل، للمُخرِج الأُستاذ "علي حيدر"، لمُشاهدينا في كلّ أنحاء العالم ، نلتقيكم في الأسبوع المُقبِل على خير بإذن الله