خط النار

برنامج بصيغة جديدة وبإيقاع سريع وبمقدم واحد، وبرنامج مؤقت مرتبط بالأحداث الساخنة ويواكبها في حلقات مكثّفة. خط النار من تقديم الإعلامي غسّان بن جدو لوحده، بحيث يعرض المعطيات ويقدّم قراءة وتحليلاً للمواقف ومن ثم يضيف تقدير الموقف. تتضمن الحلقات تقارير ومواقف ومشاهد إضافة إلى بعض الحلقات من الميدان. "خط النار" هو الخط الملتهب في المنطقة.

الجولان..اللغز والسر

الجولان..اللغز والسر.

المحور الأول

معطيات حول واقع واهمية الجولان.
1.mp4

غسان بن جدو: سادتنا مشاهدينا المحترمين سلام الله عليكم.

على مشارف الأعوام الأربعين من احتلال الجولان عام سبعةٍ وستين من القرن الماضي، لا تزال هذه القطعة الذهبية من الأرض السورية تمثل عنوانًا مركزيًا في الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي. الجولان حاضرٌ باستمرار في المشهد السياسي والدولي العام. عاد الجولان إلى الواجهة بقوةٍ في الآونة الأخيرة. عملية القنيطرة الإٍسرائيلية الغادرة حرّكته إعلاميًا بسخونةٍ، لكنّ الواقع أنّ الجولان المحرّر كان ساخنًا وخطرًا منذ اندلاع الأزمة في سورية.

كان التواطؤ العربي الإقليمي الدولي عليه منذ البداية، العنوان حراكٌ شعبي، إسرائيل هي المستفيدة الكبرى. كان اللغز مكشوفًا، لم يصدّقه الرأي العام العربي، نخبٌ سياسية ودينية وإعلامية عربية عدّة أعمت بصيرتها بنفسها، عمدًا أو جهلاً أو تجاهلا. التطورات الميدانية بعدئذٍ كشفت التواطؤ وأكّدته. مع ذلك، بقيت الزاوية الإسرائيليّة غائبة ومغيّبة عن الرأي العام العربي.

اليوم، يعود الجولان إلى الواجهة من جديد. كيف تعبث الجماعات المسلحة بتاريخٍ من الكفاح؟ الأخطر كيف يُمرَّر هذا التدمير لذاكرتنا وإرثنا النضالي باسم جهادٍ وإسلامٍ وثورةٍ؟ هنا السرّ. من يقف وراء هؤلاء؟ من يدرّبهم ويديرهم ويخطط لهم ويموّلهم ويغطيهم إعلاميًا وسياسيًا بل وحتى فقهيًا؟ ولمصلحة من في النهاية؟ أليست إسرائيل هي المستفيد الوحيد؟

خط النار يتحدّث عن هؤلاء اليوم، ربما تثمر دماء شهداء القنيطرة كشفاً للحقيقة وما هو أكثر من الكشف. شهداء القنيطرة كانوا هناك دعمًا وتعاونًا مع إخوانهم السوريين. لم يكونوا ولن يكونوا بديلاً منهم أبدًا. هذه نقطة مركزية وهي حقيقة وواقعة. لكن ربما يحتاج الإنسان العربي باستمرار إلى صدماتٍ ليصوّب البوصلة أو يعيد تركيزها. ربما تكون دماء شهداء القنيطرة هي الصدمة الإيجابية المطلوبة.

أحد كبار هؤلاء الشهداء كان بلا نقاشٍ الشهيد محمد عيسى المعروف لدى أوساط المقاومة وحزب الله "أبو عيسى". يستحقّ كلمة معه. أول الخط.

 

مقطع مصوّر للشهيد محمد عيسى: بسم الله الرحمن الرحيم وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَٰلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. أصلّي وأسلّم على أشرف الخلق محمد وعلى آله وصحبه الطيّبين الطاهرين.

بالنسبة لي، أول وصية أتلوها، سواء كان كتبيًا أو أمام العدسة. هؤلاء الشهداء الأعزّاء الذين نحن بفضلهم وبفضل دمائهم الزكية تحققت الانتصارات المباركة. تمسّكنا وعملنا ومشينا في هذا الخط المبارك منذ اللحظة الأولى لنشأة هذه المقاومة. لا شكّ أنه في هذه المسيرة هناك الكثير من الصعوبات والكثير من التعب والكثير من المعاناة، ولكن أمام النتيجة التي نسعى لنحصّلها والتي هي الرضا الإلهي، كلّ هذا التعب وكلّ هذه المشقة والمعاناة، في الحقيقة تكون بدون قيمة. السير على هذا النهج في الحقيقة ليس فقط من خلال البندقية إنما من خلال تعميم مفهوم المقاومة إن كان على المستوى الأخلاقي أو على المستوى التربوي أو على المستوى النفسي وكلّ المستويات.

لا أريد أن أغفل أن أوصي إخواني الأعزاء المسؤولين قبل المجاهدين، المسؤولين بضرورة التحلي بروح المسؤولية والتعاطي مع إخواننا، مع مجاهدينا على  قاعدة أنّهم أبناء لهم، يشملونهم بعنايتهم، يشملونهم برعايتهم، يحضنونهم، يوجّهونهم. أيضًا أريد أن أوصي إخواننا الأعزاء المجاهدين، أن نتحلى بروح الالتزام والطاعة، أي أننا حاضرون لمواجهة كلّ أنواع المخاطر والتهديدات التي يمكن أن تأتينا من كلّ جانب، وهذا الأمر هو أيضًا مفتاح للنصر.

جزاكم الله سبحانه وتعالى الخير، وتقبّل الله أعمالكم، الله يحشرنا مع محمد وآل محمد، إنه نعم المولى ونعم المجيب، والحمد لله ربّ العالمين.

 

غسان بن جدو: رحم الله الشهيد أبو عيسى. في الحقيقة، ربما لاحظتم في نهاية وصيته أنه كان متأثراً ومنفعلاً. في الحقيقة هذا ليس فقط بسبب بعد الكلام الذي استمعنا إليه، ولكنه في وصيته تحدّث إلى عائلته، ربما هذا الجانب من وصيته العائلية الخاصة قد نشاهده أو نسمعه في مكان آخر، لكن اللافت بأنّ الشهيد أبو عيسى أشار في وصيته إلى أنّها المرّة الأولى التي يتحدّث فيها بوصيّة، لماذا شفهيًا أو بالصورة؟ لماذا هذا الأمر؟ لأنه عادة شباب المقاومة هنا في لبنان بحسب ما نعلم أو نسمع يصوّرونهم لأخذ وصيّتهم. كلّ شابٍ في المقاومة هنا في لبنان يعتبر نفسه شهيدًا، ولا حرج لديه ولا حرج لدى قيادته بأن تبقي ذاكرته حيّة بالصورة والصوت وهو يخاطب إخوانه في المقاومة أو يخاطب عائلته. هي عبارة عن وصية تكون وجدانية أو فيها نبراسٌ ما.

في الحقيقة، ما استمعنا إليه من الشهيد أبو عيسى فيه نبراسٌ ما، بل فيه كثير من المعاني. أولاً معروف أنّ هذا الرجل الشهيد هو منذ طفولته بالمناسبة، انضم إلى المقاومة، واللافت أيضًا أنّ بيئته الحاضنة الأساسية كانت العائلة، لم يكن متمرّدًا على عائلته بحسب ما فهمنا، ولكن العائلة ذاتها كانت تسنده وكانت تدعمه، وهو كان منذ البداية في المقاومة. طبعًا كغيره تلقى دوراتٍ تدريبية خصوصًا في الثمانينات وبعدئذٍ هو شارك في أكثر من عملية معروفة ومباشرة، أكثر من العمليات التي كانت في الثمانينيت وفي التسعينات وخصوصًا منها تلك العمليات التي فيها مواجهة مباشرة.

المفيد في ما استمعنا إليه من الشهيد أبو عيسى أو ما يُعرَف عنه أيضًا هو رجلٌ دائمًا يؤكد على المقاومة كهوية، المقاومة كرسالة، وليست فقط كفعل عسكري وهذا أمرٌ هام جدًا. من يعرفونه جيّدًا يروون قصصًا عدّة عن هذا الرجل، كيف أنه كان حتى معروفًا عنه جرأته، شجاعته، شفافيته سواء داخل حزب الله، داخل المقاومة، بين رفاقه وبين إخوانه، وكان أيضًا معروفًا عنه بأنه يقتحم ما يمكن أن تُعرَف بالمحظورات الاجتماعية إذا صحّ التعبير. كان همّه باستمرار، رغم أنه كان قياديًا عسكريًا ولكن لأنّ همّه كان المقاومة، كان همّه باستمرار أيضًا أن يتعاطى مع الشؤون الأخرى، كان قريبًا جدًا من إخوانه، كان قريبًا جدًا من المقاتلين، من المقاومين، لذا عندما أصبح قياديًا مسؤولاً عن أكثر من محور، مسؤولاً عن أكثر من نقطة، المقاتلون والمقاومون كانوا يعتبرونه أخًا أكبر، حتى ربما أبًا، وهذا سمعناه من أكثر من شخصٍ عرف هذا الرجل عن كثب.

كما قلت أنا قبل قليل بأنه كان معروفًا عنه شفافيته وجرأته، وكان يعبّر عن وجهات نظره وعن آرائه داخل بيئته المقاومة إذا صحّ التعبير، وفي الأخير معروف عنه أنه رجلٌ يلتزم وينضبط انضباطًا شديدًا جدًا، وهذا ما أكّد عليه في وصيته عندما تحدّث عن الطاعة الملتزمة، بمعنى أنّ الذي يكون في المقاومة هو الذي ينضبط لقرارات المقاومة بشكلٍ عام. كما قلت، عندما أراد أن يقتحم البيئة الاجتماعية ويوسّع ويشارك، ليس هو الذي يوسّع فقط ولكن يشارك في عملية توسعة المقاومة، حتى تكون أعماله ليست عسكرية فقط ولكن اجتماعية وثقافية وفي البيئة الحاضنة له بشكل عام، حتى أنه شارك وشجّع للعمل البلدي، بل يُذكَر له مأثرة أنه ممّن دفعوا بقوة أن تشارك المرأة بفاعلية في العمل البلدي.

بالإضافة إلى أنه على مستوى القيادة العسكرية، تُذكَر له مآثر عدّة ليس فقط في الاقتحامات وفي الشجاعة ولكن في أنه كان يحمل رؤية قيادية، كان يحمل كاريزما قيادية، ولكن كاريزما قيادية أيضًا بانضباطٍ وبتواضعٍ شديد. كان مرحًا حتى بحياته بالمناسبة العامة على هامش حياته العسكرية وحياته المقاومة، هو كان يحبّ المزرعة، كان يحبّ الزراعة، ويُذكر أنه كان أيضًا من هواياته تربية الحيوانات أو تربية المواشي. حتى في جلساته كان مرحًا ولكنه أيضًا كان مرحًا بهدوء، كان مرحًا بالتزام. في الوقت ذاته، كان معروفًا عنه شجاعته وقيادته في المقاومة في العمليات العسكرية، وأيضًا كان جزءًا من التخطيط، وقد نجح في أكثر من عملية في أكثر من محور، في أكثر من عملية قيادة وتدريب ونقل الخبرات في لبنان وفي خارج لبنان.

أبو عيسى ومن معه استشهد على أرض الجولان. لم يكن هناك يتبختر زهوًا. كان كما قلت في المقدّمة يتفقد هناك لأنّ شباب المقاومة، شباب حزب الله كانوا يريدون أن ينقلوا خبرتهم إلى المقاومة، إلى السوريين هناك على الأرض، لأنّ همّهم هو تحرير الجولان، والبوصلة هي فلسطين، والجولان هو الذي يجاور فلسطين بشكل أساسي، وربما بسبب التعاون الكبير بين إسرائيل والجماعات المسلحة، نفهم لماذا هؤلاء كانوا هناك، وهذا ما سنتحدّث عنه بعمقٍ هذا اليوم، هذه الليلة، سوف نتحدّث عن أهمية الجولان الاستراتيجية، عن أهميته العسكرية، وفي الوقت ذاته ماذا يحصل على الشريط بين الحدود السورية أو الجولان المحرر وبين الجولان المحتل الذي سنتحدّث عنه هذه الليلة. هذه كلّها معطيات في أكثر من خط، لذا ندخل مباشرة.

أكثر من خط

(مقطع مصوّر)

 

غسان بن جدو: أنا سأدخل أكثر من خط بمعنى الحديث عن أهمية الجولان وبعض المعطيات، ولكنني أودّ أن أشير أيضًا إلى الشهيد أبو عيسى. الشهيد أبو عيسى ربما شاهدنا صورًا نادرة عن الشهيد أبو عيسى ويُقال عنه أنه لم يكن يحبّ الكاميرا كثيرًا ويعتقد أنه ينبغي أن يعيش في الظلّ كثيرًا. طبعًا بما أنّه كان عسكريًا ومقاومًا وقائدًا عسكريًا، هؤلاء إجمالاً، ليس إجمالاً، كلّهم تقريبًا كانوا يعيشون في الظلّ أو خارج الكاميرا، ولكن المقاومة توثق بعض العمليات، توثق بعض الجلسات، توثق بعض التدريبات، وهذا مفيدٌ جدًا في الحقيقة، بمعنى آخر، الابتعاد عن الكاميرا هو جزءٌ من الذات العسكرية ومن التدريب العسكري ومن العقلية العسكرية، ولكن من أجل التوثيق، من أجل ذاكرة الأجيال، مفيدٌ جدًا أن تعلم الأجيال، أن يعلم الشباب من هم هؤلاء القادة، ليس بالضرورة أن نتحدّث عنهم فقط عندما يستشهدون ونذكرهم بالصورة، هذا بالمناسبة قدرهم، ولكن التوثيق والتصوير للذاكرة أمرٌ مهمٌ جدًا.

نعود إلى الجولان. أولاً نحن بدأنا بأبو عيسى وشهداء القنيطرة لأنّ الجولان عاد بقوةٍ وسخونةٍ جدًا، على الأقلّ على المستوى الإعلامي وعلى الأقلّ على المستوى العربي، وإن كان الجولان حاضرًا بقوةٍ منذ بداية الأزمة السورية، وحقيقة وبالفعل. بالمناسبة أيضًا، عندما تحدّثنا عن ردّ حزب الله، كانت إسرائيل تتمنّى فعلاً أنّ ردّ حزب الله يتمّ عبر الجولان، لأنّها تعتقد أنها ربما تكون الخاصرة الأضعف أو الرخوة أكثر وتستطيع أن تعبث كما تشاء.

أودّ أيضًا أن أشير إلى أنه بين عملية القنيطرة الغادرة الإسرائيلية وبين ردّ حزب الله، حاولت إسرائيل أن تردع حزب الله عن الردّ من خلال تمرير معلومةٍ ما، بالحقيقة هي ليست معلومة، هي تهديد بكلّ ما للكلمة من معنى لبعض الأوساط الدبلوماسية مفادها أنّ حزب الله إذا ردّ فإنّ الجولان قد يكون في خطر، وربما أكثر من الجولان قد يكون في خطر، والبعض تحدّث من بعض الأوساط الدبلوماسية الغربية على أنّ إسرائيل كانت تهدّد همسًا حتى بدمشق، طبعًا هذا من أجل الحرب النفسية ومن أجل التهديد ومن أجل الترويع، ولكنّ هذا الأمر لم ينجح كما فهمنا.

بعد عدوان القنيطرة وقبل ردّ مزارع شبعا، أودّ أن أشير إلى نقاطٍ، هذه من المعطيات لأنّها ستفيدنا في اللاحق، قبل الردّ سادتي المشاهدين، حصلت عملية القنيطرة فجأة، جبهة النصرة تتوعّد وتهدّد بتحرير ما تسمّيها بولاية لبنان، فجأة هؤلاء المسلحون والجماعات المسلحة تصعّد من أعمالها في جرود عرسال أي هنا وتهدّد حزب الله سواء ميدانيًا أو بالخطاب أو على الأرض بشكل مباشر، فجأة صدفة ثالثة، بدأ الحديث بشكل مكثف وكبير عن وجود سيارات مفخخة وعن وجود انتحاريين، وفجأة أيضًا يتمّ الحديث عن أنّ الضاحية ستعود إلى عصر التفجيرات وأنّ المنطقة كلّها ستكون مهدّدة بهذه الطريقة.

إذاً أربعة عناصر بين عملية إسرائيل الغادرة وقبل ردّ حزب الله. أنا أقول فجأة، صدفة. هل إنّ هذا الأمر هو فعلاً كان صدفة أم هو جزءٌ من غرفة العمليات التي سوف نتحدّث عنها لاحقاً؟ لكنني أقول هذا الأمر لأنه مفيد سادتي المشاهدين حتى نعلم بأننا لا نتحدّث عن الجولان كجغرافيا ولا نتحدّث عن المقاومة كفصائل ولا نتحدّث عمّا حصل في القنيطرة كعمليةٍ هكذا معزولة. كلّ هؤلاء يتحرّكون ضمن غرفة عملياتٍ واحدة وضمن تخطيطٍ موحّد.

إسرائيل أيّها السادة كانت تخطط منذ اللحظة الأولى، كانت تريد منذ اللحظة الأولى إقامة حزام أمني هناك في الجولان، ولكن تعثر هذا الأمر. نتحدّث عن هذا التفصيل لاحقاً بعد هذا التقرير حول أهمية الجولان الاستراتيجية.

 

تقرير: ليس الجولان مجرّد قطعة أرض محتلة منذ العام ألفٍ وتسعمئةٍ وسبعةٍ وستين ولا معلمًا سياحيًا للتزلج أو نقطة رصدٍ استراتيجيّة مشرفة على مساحاتٍ واسعة من سورية.

الجولان اليوم هو الحدّ الفاصل بين معسكرين، وهو الخاصرة الرخوة التي تسعى منها إسرائيل للتغلغل في الداخل السوري عبر حلفائها في الجماعات المسلحة. ورغم أنّ الجولان يشكّل نحو واحدٍ في المئة من مساحة سورية، يختزن أكثر من أربعة عشر في المئة من المخزون المائي السوري ويوفّر رافدًا يوازي ثلث مياه بحيرة طبريا المصدر الرئيسي للمياه في إسرائيل.

في المنظور الأمني، يمكن لإسرائيل أن ترصد كلّ ما يحصل جنوب سورية من مراصدها المنتشرة من جبل الشيخ إلى الجنوب، إضافة إلى أنّ الموقع الجغرافي للجولان المحتلّ يعطي القوات الإسرائيليّة تمركزًا استراتيجيًا على بُعدٍ لا يتجاوز خمسين كيلومترًا من العاصمة دمشق.

منذ اندلاع الأزمة السورية، عاد النقاش الإسرائيلي عن المصلحة في إقامة حزامٍ أمني داخل الأراضي السوريّة بما يشمل هذه البقعة الجغرافية، غير أنّ التوازنات الدولية والإقليمية لم تسمح بتحقيق هذه الرغبة، فانتقل السعي الإسرائيلي إلى التحالف مع الجماعات المسلحة في هذه المنطقة، وفي طليعتها جبهة النصرة في مشهدٍ يعيد إلى الأذهان تبنّي إسرائيل جنوبي لبنان عام خمسةٍ وسبعين جيش سعد حداد الذي عُرف لاحقاً باسم جيش لحد.

اليوم، تعود قضية الجولان إلى الواجهة مع اتساع رقعة الخروقات الإسرائيلية من هذه المنطقة وتصاعد خشية تل أبيب من انطلاق أعمال مقاومةٍ في هذا المحور حتى بات الجولان بحق ساحة الصراع التي قد تقلب معادلات المنطقة.

 

غسان بن جدو: طبعًا من الواضح في هذا التقرير أهمية الجولان، ونحن نتحدّث عن عمق خمسين كيلومترا فقط بين الحدود وبين دمشق. وهذا ما يجعل الحدود السورية الفلسطينية المحتلة، لنقل الحدود السورية السورية لأنّ باختصار شديد هناك جولان محرّر وهناك لا يزال جولان محتلّ. هذه الأهمية مفيدة جدًا، ولكن كما قلت قبل قليل، بعد بدء الأزمة السورية، بعد ثلاثة أو أربعة أشهر في الحقيقة، المؤكّد قبل شهر رمضان من عام 2011، كانت إسرائيل راغبة في إقامة حزام أمني على غرار الحزام الأمني الذي كانت أقامته هنا في لبنان، في جنوبي لبنان. ولكن هناك أطرافٌ عربية وخصوصًا منها الولايات المتحدة الأمريكية رفضت هذا الأمر، أولاً لاعتبارين، الأطراف العربية الداعمة بشكلٍ كبير للمعارضة السورية كانت مسلحة أو غير مسلحة كانت تعتبر أنّ دخول إسرائيل منذ البدء، منذ الأسابيع الأولى، لنقل منذ الأشهر الأولى، الثلاثة أو الأربعة أشهر الأولى، سوف يُحرجها بشكل كبير وسوف يجعل المسألة ليست بين معارضةٍ ونظامٍ، بين معارضةٍ تصفها بأنّها ثورية تناشد الحرية وبين نظامٍ تصفه بالمستبدّ والديكتاتوري، بل سيجعل المسألة كما تقول القيادة السورية وكما يقول حلفاء القيادة السورية بأنّ المسألة جزءٌ منها معنيٌ به الصراع العربي الإسرائيلي. ولذا دخول إسرائيل على الخط منذ الأشهر الأولى وإقامة هذا الحزام الأمني سوف يصوّب أو يحرف البوصلة. النقطة الثانية أنّ هذه الأطراف وخصوصًا منها هذه الأطراف العربية وتركيا كانت على ثقةٍ بأنّ النظام السوري ساقط لا محالة، وكانت تعد نفسها بأنّ القيادة السورية سوف تسقط، إما مقتولة وإما هاربة، في الحدّ الأقصى في شهر رمضان عام 2011، وكلّنا نذكر ما قيل وما نسب إلى أحد الحكّام العرب وأيضًا إلى رئيس الوزراء التركي بأنّ صلاة العيد ستكون في الجامع الأموي. إذاً إسرائيل كانت تريد منذ الأشهر الأولى أن تقيم حزامًا أمنيًا، ولكن أيضًا هذه الاطراف العربية تحفظت ودعمت الولايات المتحدة الأمريكية في هذه النقطة كما قلت لهذه الأسباب.

المسألة الثانية. نحن تحدّثنا الآن في هذا التقرير عن جيش لحد. في الحقيقة، نحن سوف نتحدّث كثيراً عن هذه النقطة، وهل إنّ الجماعات المسلحة بين الجولان المحرّر وبين الجولان المحتلّ يمكن أن تشكّل ما يُعرَف بجيش لحد أم لا. ليست القضية هنا جيش لحد أي استعادة هذه التسمية. المهمّ هذا الفاصل العربي الذي سيوجد بين سورية العربية وبين الجولان المحتلّ وبين إسرائيل. إسرائيل في لبنان أوجدت نفسها بنفسها هنا على الأرض عبر قواتها العسكرية، ولكنها كانت مضطرة أيضًا إلى إيجاد نخبةٍ عسكريةٍ وعميلة لبنانية تتواطأ معها وتشغّلها كما تشاء من أجل صدّ الجانب اللبناني. يُعاد السيناريو ذاته هنا في سورية، وسوف نتحدّث هنا بالأسماء عن هذه النقطة.

ولكن هنا أودّ أن أشير إلى الزيارة التي قام بها نتانياهو ويعالون إلى الجولان. ماذا يقولان بشكل أساسي؟ يتحدّثان عن أنّ، نتانياهو يقول إيران تحاول منذ فترةٍ فتح جبهةٍ جديدةٍ هنا إضافة إلى الجبهات التي سبق أن قامت بفتحها في جنوب لبنان وقطاع غزة، ويقول أيضًا نتانياهو ومعه وزير الأمن أو وزير الجيش الإٍسرائيلي، نحن هنا نتفقد الاستعدادات التي يقوم بها جيش الدفاع لمواجهة التهديدات التي تتراكم في ما يسمّيها نتانياهو بهضبة الجولان. وبالمناسبة، أفتح قوسين، نخطئ كثيرًا في تبنّي المصطلح الإسرائيلي، والذي أيضًا تعتمده الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي في الحديث عن هضبة الجولان. هذا مصطلحٌ إسرائيلي وتبنّته الأمم المتحدة، ولكنه مصطلح إسرائيلي ونحن ينبغي أن نتحدّث دائمًا عن الجولان المحتلّ وليس عن هضبة الجولان. نقطتان هنا، في ما قاله نتانياهو وما قاله يعالون. النقطة الأولى نتفقد الاستعدادات التي يقوم بها جيش الدفاع لمواجهة التهديدات التي تتراكم في هضبة الجولان. إذاً أيضًا ينبغي أن نسجّل منذ اللحظة أنّ إسرائيل قد تكون تهيئ لعدوان، أو على الأقلّ بهذا الكلام ينبغي أن نسجّل بأنّ الجيش الإسرائيلي يقول بأنه متأهّب للعمل العسكري في الجولان. إذاً أيّ مسألة تحصل هنا في الجولان من الآن فصاعدًا ينبغي أن نشير بأنّ الجانب الإسرائيلي هو الذي يهدّد، هو الذي يتوعّد، هو الذي يحذر، وقالها بوضوح نحن هنا من أجل الاستعداد لمواجهة التهديدات. كيف سيواجه التهديدات؟ إذاً بالعمل العسكري.

النقطة الثانية هي الحديث المتكرّر والمتراكم حول إيران وخصوصًا أنّ الرجل قال أنّ إيران منذ فترة تريد فتح جبهةٍ جديدة إضافة إلى الجبهات التي فتحتها. من هنا، ينبغي أيضًا أن نعاود أن نشير لهذه النقطة، لأنه على مدى السنوات الماضية نحن شبعنا كذباً وشبعنا تزويرًا وشبعنا تمويهاً بالحديث عن هذه النقطة. أولاً هناك إهانة كبرى في الحديث دائمًا عن أنّ إيران هي التي تفتح جبهاتٍ سواء في لبنان أو في فلسطين. لنترك جانبًا سادتي في الرأي العام العربي ومشاهدينا الأعزاء جبهة جنوب لبنان وحزب الله الموصوف بأنه شيعي. لنترك جانبًا لأنه حليف لإيران بشكل مباشر. هل إنّ إيران هي التي فتحت جبهة في قطاع غزة وفي فلسطين؟ أليست إسرائيل هي التي تحتلّ غزة منذ عقود؟ تحتلّ كلّ فلسطين، ولكن نتحدّث عن غزة. المقاومة ألم تنشأ ردًا على هذا الاحتلال؟ ونحن لا نتحدّث عن حلفاء إيران الجُدُد، نحن نتحدّث عن مقاومةٍ فلسطينية فدائية نضالية، منذ عقود، منذ أبو عمّار، منذ فتح، منذ كلّ النضال، الجبهة الشعبية والديمقراطية، كلّ النضال والكفاح الفلسطيني منذ عقودٍ طويلة. كلّه استمرار، وبالتالي فإنّ إيران لم تدخل على الخط هناك في غزة لنقول إنّ إيران هي التي فتحت جبهة، وهذا في ذاته في الحقيقة إهانة للمقاومة الفلسطينية، ولكن من المقاومة الفلسطينية التي يحقّ لها أن تقاوم وتدافع عن نفسها وتكافح هذا الاحتلال، أيضًا ننطلق للجبهة اللبنانية لنقول أيضًا أنّ لبنان كان محتلا قبل نشأة حزب الله، قبل نشأة حزب الله الذي يُعتبر بأنه الحليف الأوثق لإيران، كانت هناك مقاومة هنا في لبنان، مقاومة وطنية، كانت عدّة فصائل من يساريّة وقوميّة وحتى إسلاميّة كحركة أمل وغيرها التي كانت تقاوم الاحتلال الإسرائيلي.

إذاً فتح جبهةٍ للمقاومة هنا في لبنان لم تكن ورقة إيرانية يُقال لها. إذاً هذا الكلام الذي يكرّره للأسف بعض العرب أيضًا ينبغي أن نقلع عنه. المفيد أنّ هذا الكلام الذي يهين المقاومة الفلسطينية ويهين المقاومة اللبنانية يُراد أيضًا القول والتمويه أنّ إيران هي التي تفتح جبهة هناك في سورية من أجل خدمة أغراضها وأهدافها. السيناريو ذاته يتكرّر، ولذا هي رسالة للرأي العام العربي بأننا عندما نتحدّث عن هذه النقطة، نترك جانبًا بعض الخلافات مع هذا البلد أو ذاك، مع إيران في سياستها، ولكننا ينبغي أن ندافع عن الجولان باعتباره منطقة محتلّة، ومن حقّ السوريين أن يقاوموا وأن يحرّروا وليست قضية إيرانية أو غيرها، وبالتالي كلّ الكلام الذي يتذرّع به نتانياهو ويكرّره للأسف بعض العرب هو هذا الذي ينبغي أن نرفضه.

لذا، هكذا إسرائيل تفكّر وتخطّط للجولان في تقرير منال اسماعيل.

 

تقرير: التدخل الإسرائيليّ غير المُعلَن في الأحداث السورية يبقى مجهولاً شكلاً وتوقيتًا ومضمونًا لكثيرين، لكنّ المُعلَن منه لا يخفى على أحد.

التدخل أخذ بداية شكل مساعدةٍ إنسانية، واتّسع ليشمل أشكالاً من التعاون العسكري والأمني واللوجستي كانت ساحته منطقة الجولان السوري على طرفي الحدود.

أول إعلانٍ عن بدء استقبال جرحى المجموعات المسلحة في سورية كان قرابة السابع عشر من شباط فبراير ألفين وثلاثة عشر، في مستشفى زيف في صفد.

في الثامن عشر من شباط فبراير ألفين وثلاثة عشر، التلفزيون الإسرائيلي يكشف عن إعداد مناطق محدّدة بالقرب من الحدود يمكن عبرها إدخال مسلحين من سورية إلى إسرائيل.

في الحادي والثلاثين من شهر آب أغسطس ألفين وثلاثة عشر، القناة الثانية تجري مقابلة مع موتي كهانا، وهو رجل أعمال إسرائيلي أمريكي يدعم المسلحين في سورية اقتصاديًا، وهو أيضًا زار بعض الأماكن داخل سورية.

في الثامن من أيلول سبتمبر ألفين وثلاثة عشر، القناة العاشرة تتحدّث عن أنّ منظماتٍ إسرائيلية تعمل في سورية تحت طابعٍ إنساني. معظم المتطوّعين في هذه المنظمة هم من الخرّيجين في الوحدات الخاصة في الجيش الإسرائيلي، ولديهم التجربة الأمنية الغنية، ويقابلون اللاجئين بهوياتٍ مستعارة.

في الحادي والثلاثين من كانون الثاني يناير ألفين وأربعة عشر، التلفزيون الإسرائيلي يعرض المشاهد الأولى للمستشفى الميداني الذي أقامه الجيش الإسرائيلي على الحدود مع سورية.

في أواخر شهر آب أغسطس ألفين وأربعة عشر، سيطرت المجموعات المسلحة على معبر القنيطرة. التقدير السائد في إسرائيل يفيد بأنّ تلك المجموعات وحتى جبهة النصرة غير معنيّة بقتال إسرائيل.

صوتية: "على مستوى العلاقة بين جبهة النصرة وإسرائيل، ما من عداوةٍ بينهما، وهناك المئات من جرحاهم يُعالَجون في إسرائيل، هم يعتمدون مقولة عدو عدوي صديقي، ومن ناحيتهم لا يرون في إسرائيل عدوًا".

قبل سيطرة المجموعات المسلحة على معبر القنيطرة، زار رئيس الحكومة بنيامين نتانياهو يرافقه وزير الأمن موشي يعالون المستشفى الميداني، وحرص شخصيًا على تقديم كلّ الدعم إلى أحد هؤلاء الجرحى.

وزير الأمن موشي يعالون كان شديد الوضوح والصراحة عندما أعلن في مقابلة مع صحيفة هآرتس في الخامس عشر من تشرين الأول ألفين وأربعة عشر أنّه ليس سرًا أنّ الجماعات المسلحة تتمتّع بمساعدةٍ إنسانيةٍ بشرط ألا تسمح لمنظماتٍ متطرّفة بالوصول إلى الحدود مع الجولان المحتلّ.

 

غسان بن جدو: يعالون بن ديفيد الذي ورد اسمه في هذا التقرير هو من أهمّ المحللين العسكريين في القنوات الإسرائيلية، بل في النخبة الإسرائيلية. قال بوضوح، ليست هناك خصومة أو عداء بين إسرائيل وبين جبهة النصرة. تذكّروا معي هذه الجملة جيّدًا لأننا سنشرحها لاحقاً. ولكن ونحن نتحدّث عن الإسرائيليّين ونظرتهم إلى الجماعات المسلحة، في الحقيقة ليس الحديث فقط عن الجماعات المسلحة التي توصَف بأنّها متطرّفة وتوصَف بأنّها إرهابية. نحن نتحدّث أيضًا حتى عن الجيش الحرّ. يعالون في شهر نوفمبر الماضي أو في آخر شهر تشرين الأول الماضي، في شهر أكتوبر الماضي، يقول بوضوحٍ إلى صحيفة "هآرتس"، لم يعد سرًا أنّ ميليشيات المعارضة السورية المعتدلة تستفيد من مساعداتنا، عودوا إلى هذه الصحيفة، يقول بوضوح، لم يعد سرًا أنّ ميليشيات المعارضة السورية المعتدلة تستفيد من مساعداتنا، إنّ إسرائيل تقدّم مساعداتٍ، لمن اعتبرها بأنّها معارضة معتدلة، كي تحول دون وصول من سمّاهم المتطرّفين إلى منطقة فصل القوات في الجولان السوري المحتل.

إذًا هو يتعاون مع الجماعات السورية المعتدلة وعلى رأسها الجيش الحرّ حتى يحول دون وصول الجماعات المتطرّفة. هل يعالون صادقٌ في كلامه أم غير صادق؟ هل هو فقط يدعم من يصفها بالجماعات، بالجيش الحر، الجيش السوري الحر؟ فقط هذا أو أيضًا هناك تواطؤ بين إسرائيل وبين هذه الجماعات ولا سيما منها ما توصف بجبهة النصرة، ما توصف بأنها جبهة إرهابية، جبهة النصرة؟ سوف نؤكّد لاحقاً أو على الأقلّ من خلال المعطيات إن كان هناك من تعاون فعلي وحقيقي أم لا، المهمّ أنّ كلّ هذا الأمر ليس فقط من تخطيطٍ إسرائيلي، وليس رغبة في تنفيذ خطة إسرائيلية معروفة، هناك أيضًا مشاركة عربية وإقليمية ودولية فاعلة في هذا الأمر، عبر غرفة عمليات مشتركة، واحدة موجودة في عاصمة عربية، وثانية موجودة في عاصمة إقليمية. سوف نتحدّث عنها بأكثر تفصيل، وبوضوح وبصراحة، حول غرفة العمليات المشتركة، ماذا تفعل، ماذا تقوم، من تموّل، من تدير، ماذا تخطط بشكل أساسي، وماذا تفعل وما هو أفقها، ولكن بعد هذا الفاصل سادتي المشاهدين.


المحور الثاني

معطيات حول الشهداء الذين سقطوا في الجولان.
2.mp4

غسان بن جدو: أهلاً بكم مشاهدينا الكرام.

                                                                                                                                                                                          

ونحن نتحدّث قبل الفاصل عن الإقرار الإسرائيلي عالي المستوى، ليس من قبل صحافي ولا محلّل سياسي. إنّه من وزير الدفاع، وزير الحرب، أو وزير الأمن يعالون الذي قالها بشكلٍ صريح، ما هو التعاون الموجود. وللمفارقة بالمناسبة أيضًا أنّ رئيس أركان الجيش الحُرّ بالمناسبة، الذي هو من المنطقة الجنوبية في سورية، كان جريحًا في إسرائيل، ولكن هذا سوف نتحدّث عنه بشكل مفصّل أكثر.

كنت أشرت إلى غرفة العمليات المشتركة، ولكنني أودّ أن أذكّر حتى لا نفقد الذاكرة، لأنه صحيح مرّت سنواتٌ على بدء هذا العبث الموجود في منطقتنا، ولكن بعد أسابيع قليلة، لنقل بعد أشهر قليلة من اندلاع الأزمة السورية، رئيس المجلس الوطني السوري السابق قالها بوضوح، وقتذاك، العدو والخصم الأساسي إيران، لأنه معروف في ذلك الوقت، نحن نتحدّث عام 2011 يا سادتي المشاهدين، ليس الآن عام 2015، كانت سورية لا تزال مستقرّة، بعافيتها، قوية، كانت دولة تبسط سيطرتها تقريبًا على معظم مناطق سورية، والحلف الإيراني السوري كان بيّنًا وبشكل كبير. مباشرة قالوا وقتذاك أنّ الخصم والعدو هو إيران وستتغيّر سياستنا معه. وهذا الكلام منشور في صحيفة الشرق الأوسط في نيسان، عفوًا بعد ثلاثة أشهر، في حزيران من عام 2011. كان القول وقتذاك بوضوح، نحن نتحدّث عن سلامٍ مع إسرائيل وعلاقات جديدة، وهناك قضايا ربما معالجتها.

إذاً البوصلة كانت واضحة منذ البدء، ولكنني ينبغي أن أتحدّث عن غرفة العمليات المشتركة لأنّها جزءٌ من خطٍ ساخنٍ ساخنٍ ساخنٍ كبير ليس فقط في الجولان ولكن في منطقتنا. الخط الساخن.

 

(مقطع مصوّر)

 

غسان بن جدو: أهلاً بكم سادتي. الـ MOC بالمناسبة تسمّى MOC، لأنّها بالإنجليزية، هي غرفة العمليات المشتركة، Military Operation Chamber، غرفة العمليات المشتركة موجودة حول ما يتعلق بالمنطقة الجنوبية في سورية، هذه الغرفة موجودة في عمّان، والغرفة الثانية، ما يتعلق بالجبهة الشمالية لسورية، موجودة في أضنة في تركيا. وهي هذه الغرفة هي حقيقة في شكل غرفتين كما أشرت قبل قليل. الغاية الرئيسية منها، هذه الغرفة، أولاً تأمين المقاتلين من كافة البلدان الذين يمكن أن يأتوا من أجل القتال والجهاد ونصرة الشعب السوري في ثورته. النقطة الثانية، تأمين التغطية لدخولهم، لأنّ غرفة العمليات هذه تأمين التغطية للدخول من الأردن، أنا أتحدّث هنا عن غرفة العمليات المشتركة، هي صحيحٌ موجودة في عمّان، لسنا ندري في الحقيقة إن كانت السلطات الأردنية معنيّة بشكل مباشر أو على علم أو حتى جزء من غرفة العمليات المشتركة هذه، ولكن لنقل ما يلي، هي غرفة عمليات موجودة في عمّان، وهذا كلامٌ ليس قولي فقط بالمناسبة، منشور حتى في الولايات المتحدة الأمريكية، وهذه الغرفة تؤمّن دخول المقاتلين وتدريبهم والإشراف عليهم، ومن ثمّ إدخالهم إلى سورية بسرية مطلقة، والأهمّ ينبغي ألا تصل تفاصيل وأسرار غرفة العمليات المشتركة هذه إلى الإعلام، وإلى معظم الأحزاب المعنيّة بهذا الحلف، حلف المقاومة إذا صحّ التعبير.

النقطة الأخرى، الأهمّ إبقاء السيطرة غير المباشرة على هذه المجموعات الجهادية. بمعنى آخر، عندما يتمّ إدخال هؤلاء المقاتلين، وكلّ هذه المجموعات التي تصبح مسلحة وتقاتل، تمويلها، التخطيط لها، إدارتها بشكل أساسي، لأنني أقول بوضوح، ثمّة عقول استخبارية وثمة عقول عسكرية وثمة أموال هائلة هي التي تتعاون وتدير الأمور مع هذه الجماعات المسلحة. نحن لا نتحدّث عن العساكر وعن المقاتلين البسطاء في هذه الجماعات المسلحة، إن كان تعلم أو لا تعلم. نحن نتكلم عن القيادات المركزية والأساسية، والتي دخلت إلى هذا اللغز الكبير وهذا السرّ الأكبر وهذه المؤامرة الكبرى بكلّ صراحة سواء عن عمد أو عن غير عمد.

ربما في البداية هي تبرّر دخولها لأنّها تريد نصرة من الأردن، من الدول العربية، تمويلاً وتسليحًا وتعاونًا وتخطيطًا، وربما هي تقول أيضًا تحتاج نصرة دولية كبرى سواء على مستوى الأمم المتحدة أو على مستوى الأموال والتسليح، وغير ذلك، ولكن بعد سنواتٍ أصبحنا ضمن ماكينة واحدة فيها تعاون أساسي بين هذه الأطراف العربية وبين الاستخبارات الدولية وبين الاستخبارات العربية بشكل كبير، وأقولها بكلّ وضوح أيضًا بحسب ما هو أيضًا منشور في الولايات المتحدة الأمريكية، أنّ غرفة العمليات المشتركة هذه فيها السعودية، الاستخبارات السعودية، وفيها الاستخبارات القطرية، وفيها الاستخبارات الأمريكية، تمامًا كما أنّ الاستخبارات القطرية والاستخبارات الأمريكية موجودة أيضًا في غرفة العمليات المشتركة في أضنة، بالإضافة طبعًا للاستخبارات التركية. وبالتالي، فإنّ بعض الدول هي موجودة في الغرفتين.

ما يتمّ التخطيط له في الجبهة الجنوبية، أي في المنطقة الجنوبية لسورية، في درعا وتلك المناطق كلّها، فعلاً تُدار بأعتى العقول، وأنا أودّ أن أشير إلى نقطةٍ هنا، أنه قبل أشهر، تمّت السيطرة على معبر القنيطرة. المفاجأة سادتي أنه عندما تمّت السيطرة على معبر القنيطرة من قبل جبهة النصرة، تمّت بالتزامن تقريبًا مع حدث كبير حصل في العراق. أتحدّث عن هذه النقطة بشكلٍ مفصّلٍ أكثر بعد تقرير عن حقيقة ما يحصل من تعاونٍ بين إسرائيل وهذه الجماعات المسلحة.

 

تقرير: النصرة وإسرائيل معًا على معبر القنيطرة المدمّرة في الجولان السوري. عامان وأكثر من المساكنة السرية بين المحتلّ الإسرائيليّ والسلفيّ الجهاديّ تحوّلت إلى عقد احتلالٍ مشتركٍ لمنطقة الفصل أولاً، مقدّمه منطقة أمنية للتقدّم نحو دمشق بعد طرد الأمم المتحدة منها.

صوتية: "تمكّن جنود جبهة النصرة من أسر بعض جنود هيئة الأمم المتحدة، وقد تزامن ذلك مع تداعيات إدراج جبهة النصرة تحت ما يُسمّى ويُعرَف بالبند السابع".

الشرعيّ العام للنصرة سامي العريدي يستعرض أمام الوحدة الأخيرة من جنود الأمم المتحدة الذين ولّوا الأدبار. المقايضة مع الأمير الأردني سهّلتها وساطة قطرية، ولن تخرج تقارير عن الأندوف بعد اليوم، فخلال عامٍ ونصف العام لم تتوقف تقاريرها عن إحصاء اللقاءات المحرّمة في ظلّ الأشرطة الشائكة، عند موقع الرفيد، تسعة وخمسون اجتماعًا بين المسلحين والإسرائيليّين، وعمليات إجلاءٍ لعشرات الجرحى نحو مستشفيات صفد، وكاميراتٌ رافقت بنيامين نتانياهو لاستعراضهم.

الأغلبية من المقاتلين والنصرة لأنّ المنطقة خلت من المدنيين أولاً، ولأنّ النصرة هي من تسيطر على المنطقة. شريف الصفوري سبق النصرة إلى الوحدة 504 الاستخبارية الإسرائيلية قبل أن تزيحه لخلافٍ على الغنائم.

صوتية: " قمنا نحن لواء الحرمين الشريفين مع لواء المرابطين ولواء السبطين بتحميل الغنائم، فتصدت لنا عناصر جبهة النصرة بالأسلحة، ولقمت الأسلحة في وجوهنا".

ثمّ اعتُقِل واعترف للنصرة بما تعرفه.

صوتية: "كانت الفصائل تتلقى الدعم وتنقل الجرحى، مقابل شرط تأمين الجدار الإسرائيلي".

منطقة أمنية إسرائيلية تحت إمارة سامي العريدي الأردني. سلفيّو الأردن القريب أنشأوا جيش الاحتلال الثاني للجولان. إسرائيل خاضت بهم ومعهم بدءًا من معارك التلال الحمر وكلّ عمليات تدمير مراكز الاستطلاع وخطوط الإسناد. تلّ الحارة الذي لم تستطع دخوله في حرب تشرين دمّرته النصرة، ولم تتوانَ عن إسقاط طائرة سوخوي في أيلول الماضي لمنع الجيش السوري من استعادة المواقع. الجهاد السلفيّ الانتحاريّ في خدمة الإسرائيليّ.

في الشيخ مسكين، العملية تستهدف قطع خطوط إمداد الجيش السوري بين درعا ودمشق. خطة إسرائيل للوصول إلى دمشق عبر خان أرنبة والبعث من القنيطرة في عهدة المجموعات المسلحة والنصرة والاستخبارات الأردنية في شرق درعا يدًا بيد مع إسرائيل.

 

غسان بن جدو: يدًا بيد مع إسرائيل في الحقيقة ليس كلام ديما ناصيف فقط وليس كلام الميادين فقط. أنا سأعود معكم سادتي المشاهدين إلى التقرير. في شهر كانون الاول ديسمبر الماضي، في 7 ديسمبر الماضي، عام 2014، كُشف النقاب عن تقرير من تقارير الأمم المتحدة في الجولان المحتل، ويقول هذا التقرير الذي قُدّم إلى خمسة عشر بلدًا في مجلس الأمن الدولي، يقول هذا التقرير بوضوح، أكّد وجود نمطٍ ونطاق تعاونٍ بين إسرائيل وتنظيمات المعارضة السورية، وذُكر في التقارير التي قُدّمت للاطلاع عليها كما قلت في خمسة عشر دولة أعضاء في الأمم المتحدة، وتظهر في موقع الإنترنت للأمم المتحدة، أي نستطيع العودة إلى موقع الإنترنت للأمم المتحدة، تفاصيل عن اللقاءات التي تجري على الحدود بين ضباط وجنود الجيش الإسرائيلي ومسلحين من المعارضة السورية.

إذاً الحديث عن اللقاء والتعاون بين الجيش الإسرائيلي وبين هؤلاء ليس فقط من أجل نقل الجرحى وليس فقط، هذا تقرير الأمم المتحدة يقول بشكلٍ صريح وواضح عن هذا التعاون الموجود بين الطرفين. بالمناسبة، نحن عندما نتحدّث عن هذه الأطراف، أنا قلت أنه في شهر آب أغسطس الماضي عام 2014 جبهة النصرة سيطرت على معبر القنيطرة المحرّر وقتذاك، وأصبحت هي التي تسيطر بدل أن تكون القوات السورية، قوات الجيش السوري هي التي على تماس مع الجيش الإسرائيلي، أصبحت جبهة النصرة.

وهنا افتح قوسين بالمناسبة، جبهة النصرة الآن هي تسيطر هناك وبالتعاون الكامل، بالتخطيط الكامل، تحت الإمرة الكاملة لغرفة العمليات المشتركة التي قلت إنّها موجودة في عمّان، وأكثر من ذلك، إنّ غرفة العمليات المشتركة الآن هي تمنع داعش من الدخول إلى هذه المنطقة بالمناسبة، أي بمعنى آخر، هي التي ترغب في أن تسيطر جبهة النصرة على تلك المنطقة لعدّة اعتبارات، تريد داعش في المنطقة الأخرى. متى سيطرت جبهة النصرة؟ كانت السيطرة في شهر آب أغسطس العام الماضي. تذكّروا معي ذلك الشهر سادتي الأعزاء جيّدًا. في ذلك الشهر، سيطرت داعش على الموصل. صدفة؟ الله أعلم. المهم أنّ داعش سيطرت على الموصل وقتذاك، ولا شكّ، كلّ المعطيات وكلّ المعلومات تؤكد الآن بأنّ داعش لم تسيطر على الموصل فقط لوحدها، وبقرارٍ ذاتي وبعبقريةٍ من قادتها، أو أيضًا فقط بتواطؤ مع أهل الحكم وقتذاك في الموصل.

كان الأمر مخططًا له، ببساطة تامّة، لأنّ الذي حصل قبل أشهر من غزوة داعش إذا صحّ التعبير للموصل وسيطرة جبهة النصرة على هذا الخط، معبر القنيطرة، حتى تكون هي على تماسٍ مع قوات الإحتلال الإسرائيلي، حصل حدثان هامان، فوز الرئيس بشار الأسد في سورية، وفوز رئيس الحكومة السابق نوري المالكي. نحن لا نتحدّث الآن، نوري المالكي لديه أمران، في سياسة داخلية لا علاقة لنا بها، هذا أمرٌ يعني معارضته ويعني حلفاءه، نحن نتحدّث عن نهجٍ آخر. نوري المالكي عندما كان رئيس الوزراء العراقي وقتذاك أدخل العراق في هذا المحور بشكل أساسي. إذاً كان بدٌ له بعد أن فاز أن يتمّ إسقاطه وأن يتمّ إحراجه عبر داعش.

في ما يتعلق هنا في سورية، فوز الرئيس بشار الأسد ثبّت حقيقة قائمة تعتبرها هذه الأطراف بأنها انتصار لهذا المحور بشكل كبير. إذًا السيطرة التي حصلت وقتذاك حصلت بتخطيطٍ كامل من غرفة العمليات المشتركة وبقرارٍ عربي إقليمي دولي. والمفارقة أنها لم تحصل للأسف أيضًا بعد معركةٍ رجل برجل، وعملية قتال حقيقية، تمّت بخيانة، وأقولها بشكل صريح، لأنّ قائد تلك المنطقة هو الذي خان، ويُقال إنّه استلم هدية لا تقلّ عن سبعة ملايين دولار. هناك أمور حقيقية ينبغي أن يوضحها. هذا نتركه إلى آخر الخط.

 

آخر الخط

(مقطع مصوّر)

 

غسان بن جدو: في آخر الخط سادتي المشاهدين، الخطورة الآن هي ما سنشاهده الآن على الشاشة. أنظروا معي هذه الخريطة الآن الموجودة على الشاشة. 70 كيلومترا، 70 كيلومتر، هذا الخط الموجود عرضًا بالجولان، ومن الجولان المحتلّ إلى دمشق هناك 50 كيلومترا، هناك هذه المنطقة التي تشاهدونها الآن باللون الرمادي، 120 قرية تسيطر عليها جماعاتٌ مسلحة، وهي ما يخطط لأن تكون مع سيطرتها على النقاط الأخرى، ما يوصف بالحزام الأمني، ولكن الحزام الأمني ليس فقط بشكل إسرائيلي مباشر، ولكن حزام أمني عبر جبهة النصرة وهو يشبه تمامًا ما حصل مع جيش لحد اللبناني.

أودّ أن أذكّر السادة المشاهدين العرب، جيش لحد أو سعد حداد، كانت هناك مشكلة وحرب أهلية داخلية، جاء سعد حداد وهو كان ضابطًا في الجيش اللبناني، وسانده بعض اللبنانيين بالمناسبة لأنّهم كانوا يريدون مواجهة ما تُعتبر بتجاوزاتٍ فلسطينية. القوى الوطنية رفضته والرأي العام العربي رفضه وقتذاك، وبعدئذٍ أصبح جيش لحد لدى جميع العرب أنه جيش عميل يخدم المصلحة الإسرائيليّة ونهاية هذا الجيش كانت في النهاية الخسارة والخروج الذليل بأتمّ معنى الكلمة.

ما يحصل الآن أيها السادة والرأي العام العربي، ما يحصل الآن في الجولان المحتلّ هو أيضًا شريطٌ حدودي جديد، ولكنه ليس جيش لحد لبناني، وليس جيش لحد سوري. للأسف هناك جيش لحد عربي لأنّ الجنسيات التي تريد الآن أن تقيم هذا الحزام الأمني بالتواطؤ مع إسرائيل من كلّ الجنسيات العربية تقريبًا، ولذا الأساس الذي يمكن أن نقوله الآن من يصمت من الرأي العام العربي، من علماء الدين، من حركات المقاومة، على هذه الجماعات المسلحة التي تريد أن تفصل بين سورية العربية وبين أراضيها المحتلة، وتقيم حزامًا آمنًا بالتواطؤ مع إسرائيل، كلّها تصبح جيش لحد، كلّها تصبح متواطئة في هذا العمل المرفوض تمامًا، ليس السوريون فقط، ولكن أيضًا من عرب من يمكن أن يؤيّدوها، وربما في هذه اللحظة، إذا كان مبرّرًا الصمت قبل سنوات، عام 2015 مع تكشّف كلّ هذه الحقائق وما قلناه لممًا بالمناسبة، كان هذا الأمر يستحق حلقات وحلقات، وربما سنعاود الكرّة لاحقًا، هذا الأمر لم يعد الآن مطيّة لنا من أجل أن نصمت. هذه هي الرسالة الحقيقية.

شكرًا لكم سادتي المشاهدين. ولكن قبل أن أقول لكم في أمان الله، الحلقة المقبلة عماد مغنية في ذكراه السابعة استشهد ولم يمت. في أمان الله.