مستقبل داعش

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله وبيّاكم وجعل الجنة مثواكم.

لا يختلف عاقلان في العالم العربي والإسلامي وفي القارات الخمس أنّ تنظيم داعش كان أفظع وأخطر تنظيمٍ عرفته الساحة العربية والإسلامية، في بدايات الألفيّة الثالثة.

والسؤال الأكثر حضوراً في الدوائر الأمنية ومراكز البحث والدراسات ومراكز الاستشراف ومراكز القرار العربي والعالمي هو، ماذا بعد داعش؟

صحيحٌ أنّ المعارك الضارية ضدّ تنظيم داعش في العراق وسوريا قد تؤدّي إلى فقدانها دولتها المزعومة وخلافتها الوهميّة، لكنّها قد تؤدّي أيضا إلى تنامي معدلات الإحباط داخل صفوف داعش ممّا سيُفضي إلى بروز مجموعاتٍ تتبنّى نمطاً تكفيرياً أكثر تشدّداً وانعزالاً ودموياً ضدّ من ألغوا خلافة الجماجم والرقاب المقطوعة.

والذين يحاربون داعش أعدوا العدّة عسكرياً لكنّهم لم يؤسّسوا لمشروعٍ ثقافي تنويري في بيئات داعش، وفي البيئات المحرومة التي تستقبل أفكار داعش برحابة صدرٍ ورحابة سيف. وبناءً عليه فإن تراجع تجربة داعش سيفضي إلى انشطار الداعشية إلى مجموعات أصلب في أفكارها ورؤاها، كما خرجت من رحم القاعدة قواعد لا تؤمن إلا بالدم المُراق والتفخيخ المُدمّر. وسيصعب على المجموعات الداعشية الاندماج مجدّداً في المجتمعات العربيّة، بل سوف تكرّ وتفرّ وتنعزل استعداداً لفرصةٍ أمنيّةٍ أخرى.

وهنا نذكّر بكلام سيّد قطب في كتابه "معالم في الطريق"، يقول "لا بدّ إذاً في منهج الحركة الإسلامية أن نتجرّد في فترة الحصانة والتكوين من كلّ مؤثّرات الجاهليّة التي نعيش فيها، لا بدّ وأن نرجع إلى النبع الخالص، لا بدّ إذاً من القطيعة مع الجاهلية والاستعلاء عليها ثم تغييرها"، وهو نفس المعنى تدقيقاً ورد في كتيّب "دورة في فنّ التجنيد"، يشير أبو عمر القاعدي إلى أنّ عزل عناصر التنظيم يمر بمرحلتين، يبدأ بالعزلة الوجدانية من خلال توفير المواد الإعلامية والتربوية الخاصة بالتنظيم عن طريق شبكة الإنترنت لنمنح كما يقول عناصر التنظيم حصانة فكرية من التأثيرات المجتمعية المحيطة بهم. وتكتمل هذه العزلة الوجدانية بالعزلة المادية والخروج من المجتمعات، فالهدف الأساس هو عزل الفرد عن البيئة السيّئة التي يعيش فيها، ووضعه في بيئةٍ جيّدة تهدف إلى تحسين إيمانه.

وفي هذا السياق، يُشار إلى أن النظام الرسمي العربي لم يُعِّد لا نفسياً ولا فكرياً ولا ثقافياً ولا تنويرياً أيّة خطةٍ لإعادة استقطاب العناصر التي فجّرت الأمن القومي العربي من أجل الجنّة وحور العين. لقد كانت داعش وأخواتها حصان طروادة للمشروع الإمبريالي العالمي، الذي رسّم معالمه برنار لويس الداعي إلى تقسيم العالم العربي إلى دويلات عبر خلق بؤر توتير هنا وهناك. وهذا الغرب لن يسمح بسحب صواعق التفجير عن العالم العربي.

وبناءً عليه، قد يكون الجنين الذي يخلف داعش أشدّ وأخطر. بالإضافة إلى ذلك، فإن التطرّف الديني والفقهي والمذهبي والتعصّب سيظلّ قائماً. لماذا؟ لأنّ النصوص الدينية التي يستند إليها تنظيم داعش وكلّ الجماعات المسلّحة باسم الإسلام موجودة منذ 1400 عام، وتسرطنت أكثر مع مرور السنين. ثمّ، هل ستلجأ داعش إلى تغيير جغرافيتها وتنتقل من المشرق العربي إلى المغرب العربي الذي يتعرّض لقصفٍ داعشيٍ مهول؟

مستقبل داعش عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش من الأردن الحبيب الأستاذ موسى عبد اللات وكيل الجماعات الإسلامية، ومن مصر الحبيبة الأستاذ ماهر فرغلي الكاتب والباحث في شؤون الجماعات الإسلامية. مرحباً بكم جميعاً.

أستاذ ماهر فرغلي.

 

ماهر فرغلي: السلام عليكم.

 

يحيى أبو زكريا: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. أنت لديك تجربة واسعة داخل الجماعة الإسلامية وأنت الخارج من بوابات الجحيم كما قلت في كتابك "الخروج من بوابات الجحيم"، ثم كتبت "أمراء الدم".

اليوم السؤال المُلحّ الاستراتيجيّ، هل داعش في طريقها إلى الأفول، أم أنّ داعش ستتكوّر، سوف تغيّر مسارها، سوف تتحوّل إلى جماعات أخرى؟ ما الذي تراه من منطلق علمك الدقيق بالعقلية والبنيوية الفكرية للجماعات الأصولية المسلحة؟

 

ماهر فرغلي: بسم الله الرحمن الرحيم. بداية أرحّب بك وبالسادة المشاهدين وبضيفك الكريم. الأمر الذي سألت فيه حضرتك هو أن ليس داعش فقط هو الذي سوف يعيد تموضعه، ولكن كلّ الحركات الإسلاموية تعيد تموضعها بما فيها جماعة الإخوان المسلمين التي تعيد تشكيل ذاتها في المنطقة بأشكالٍ جديدة في الفترة المقبلة.

داعش هي من جماعات اليمين المتطرّف جداً الإسلاموية المتطرّفة شديدة التطرّف، هي سوف تعيد تشكيل ذاتها، لن تنتهي، نحن رأينا كيف مضت العملية الجهادوية من البداية، أولاً كيف كانت في البداية الجهاد جهاد النصرة، حيث ذهبوا إلى أفغانستان بحجّة نصرة المجاهدين الأفغان، ثمّ تطوّرت العملية إلى الجهاد التضامني والجهاد المعولم، وتحوّل تنظيم القاعدة إلى شبكة لا مركزية، وسمعنا في هذه الفترة عن الجهاد النكائي، أي جهاد النكاية في الأنظمة المستقرّة، والبحث عن بيئات للتوتّر، بيئات للفوضى، يستطيعون إيجاد مكان وقدم لهم فيها، ثمّ إنشاء إمارات متنوّعة ووضع خطط لازمة لهذه المسألة.

داعش ظهر في هذه الآونة وخرج بشيءٍ جديد، وهو سياسة ما يُسمّى إمساك الأرض، وهي استراتيجيّة استفاد بها عبر الضبّاط العراقيين المُنشقّين من جيش صدّام السابق والذين انضموا إليه، أو عبر الضبّاط المُنشقين الآخرين في الأنظمة العربية المتنوّعة الذين استطاع التنظيم أن يجنّدهم أو انضمّوا هم إلى التنظيم.

هنا بدأت سياسة إمساك الأرض، السيطرة على قطعة من الأرض، إنشاء إمارة، إعلان مشروع يُسمّى مشروع الخلافة. كان هذا المشروع وإمساك الأرض هو مشروعاً جاذباً، جاذباً للأجانب وجاذباً لشباب عرب وأطفال مراهقين وغيرهم وحتى النساء. هذا المشروع الجاذب تعارض تماماً مع مشروع تنظيم القاعدة الذي كان يضع خططاً طويلة المدى، بعيدة المدى لإنشاء شبكة عالمية وإنشاء إمارات في ما بعد ذلك.

ولذلك استراتيجياً، اختلف تنظيم القاعدة مع داعش في هذه المسألة، ما بين تنظيم يريد أن يجذب كلّ المجنّدين إلى الداخل، إلى مركز وإلى بؤرة مُعيّنة، وما بين تنظيم القاعدة الذي يريد أن يدعم شبكته وفروعه في أنحاء العالم. هنا سوف تبدأ المرحلة الجديدة. حينما تبدا أنت في الدخول إلى قضية إمساك الأرض وإلى هذه الاستراتيجية وإلى الدخول إلى تنظيم داعش وتفتيت هذا التنظيم المتوحّش جداً، فسوف يخرج الجيل المتوّحش، جيل داعش، إلى جيل أشدّ شراسة، يتحوّل إلى السياسة القديمة وهي سياسة النكاية في الأنظمة وإلى الانتشار عبر الفروع وإلى تدعيم الشبكات.

من هنا، نحن رأينا ما فعله داعش، نداءاته المتنوّعة في الفترة الأخيرة لتدعيم الأفرع، لتدعيم الأذرع، داعش يحارب العالم عبر أربعة أنواع، كان يحارب العالم عبر السيطرة وإمساك الأرض في أراضٍ سورية وأراضٍ عراقية وعبر ما أطلق عليه هو الولايات مثل ولاية سيناء أو في ليبيا والصومال وغيرها، وعبر خلايا لا مركزية عنقودية تتواصل مباشرة مع فرع العمليات الخارجية للتنظيم الذي كان يشرف عليه أبو محمّد العدناني، وعبر ذئاب منفردة وذئاب متوحّشة.

في الآونة المستقبلية توقّعاتي الشخصية من يدمج هذا التنظيم ما بين العنقودي وما بين المنفرد، ما بين الخلايا التي تتواصل مباشرة مع التنظيم وما بين ذئاب منفردة ليقوم بعمليات نكاية في الأنظمة بعد انتهاء المركز، كلما تناقص المركز كلما دعم التنظيم أفرعه وأذرعه في العالم، وهذا هو ما اتّضح في رسائله الأخيرة، وهذه توقّعاتي لهذه المسألة.

 

يحيى أبو زكريا: إذاً أستاذ ماهر نسأل الله الستر، ترى أننا سنذهب إلى أدعش مرحلة مقبلة. دعني أذهب إلى الأردن الحبيب، إلى الأستاذ موسى وهو وكيل الجماعات الإسلامية.

أستاذ موسى، هل كما قال الأستاذ ماهر فرغلي، نحن ماضون إلى داعشيّةٍ أدعش من الأولى؟ هل تفكُّك المركز سوف يؤدّي إلى نشاط الفروع والخلايا النائمة، وبالتالي قد نشهد ما عايشناه في فترة الحرب الروسية مع المجاهدين العرب أو الأفغان العرب؟ لمّا بدأ الأفغان العرب يعودون إلى بلادهم، رأينا كيف انشطر الأمن القومي العربي. تفضل.

 

موسى عبد اللات: نعم، بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه الكرام، وعلى كافة السادة المشاهدين على مستوى الساحة العربية والإسلامية.

بدايةً أنا لست، حتى لا يُفهَم كلامي أو رأيي، أنا لست مع تنظيم الدولة الإسلامية، وبالتالي البداية يتوجب أن تكون هناك موضوعية في الطرح، كيف نشأ تنظيم الدولة الإسلامية ومن أين أتى، كافة السادة المشاهدين يعرفون ويدركون أن هذا التنظيم تنظيم الدولة الإسلامية كان بالأساس قبل ذلك، هناك احتلال للعراق وكان هناك مقاومة عراقية للغزو الأميركي بعد إسقاط نظام الرئيس صدّام حسين رحمة الله عليه، وقبل ذلك الاحتلال الأميركي لأفغانستان، وكيف جاءت الخلايا القاعدية، أبو مصعب الزرقاوي وآخرون عبر إحدى الدول، وتدرّبوا في المعسكرات عند الملا كاراكاف، ثم أنشأوا مجموعات عسكرية تقاوم الغزو الأميركي.

وبالتالي هناك نشأة لهذا التنظيم في العراق، ثمّ امتدّ وكَبُر. النقطة الأساسية في الموضوع أنّ التنظيم تحوّل إلى قوة عسكرية بعد التدخّل الإيراني المباشر في العراق، وايضاً السياسات الحكومية العراقية التي قادها المالكي في مواجهة المسلمين في العراق، المسلمين على كل المستويات ومن الكل سواء كانوا من السنّة أو من الشيعة. ومن هنا كانت الاحتجاجات السلمية في الرمادي تُقصَف بالطائرات وساد الظلم والسجون، وبالتالي هناك ساد الظلم على أبناء الشعب العراقي، فلم يعد العراق موحّداً وأصبح الشقيق العراقي يقتل أخاه العراقي والدم يسال بالدم.

وبالتالي نشأت هذه القوة لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق ثم مجازر النظام السوري في سوريا، في ريف دمشق وحلب، وتدخّل هذا التنظيم في إرسال مجموعة من المقاتلين وعلى رأسهم كان أبو محمّد الجولاني لكي يقود تنظيم النصرة في سوريا. ومن هنا نشأت قوة التنظيم، ثمّ انسلخ تنظيم جبهة النصرة عن قيادة تنظيم الدولة، هذا بشكل موضوعي أنا أقول حتى تكون الأمور بشكل صحيح، تنقل المعلومة بشكل موضوعي للمواطن العربي.

الآن في هذا الوضع، أصبح في ظلّ سياسة الأنظمة العربية التي كبّلت المواطنين، في ظل الفقر المُدقع، في ظل البطالة، في ظل التمييز داخل العراق، في ظل التهميش لطرف من المسلمين، أيضاً في ظلّ المجازر والمجازر التي ارتكبت في حق الشعب السوري التي لم تلاقِ محاكمة من قِبَل المجتمع الدولي ومحاكمة للمجرمين.

ثالثاً الاتفاق الأميركي الإيراني والتدخُل الإيراني في العراق بشكل مباشر أوجد هذا التنظيم الذي اعتبر نفسه أنّه يقود أهل السّنّة، وبالتالي قام بإعلان الخلافة وقامت مجموعات مسلّحة في سيناء وفي ليبيا كما نعرف وفي أماكن مختلفة، في ظلّ الإقليم العربي بتأييد زعامة أبو بكر البغدادي لموضوع الخلافة.

المشكلة الرئيسية أنّ في ظلّ التقسيمات في الإقليم، في ظلّ فشل التجربة في مصر تحديداً وسيطرة العسكريين بعد أن وصل الإخوان المسلمين بطرق سلمية ديمقراطية عبر صناديق الاقتراع قام الجيش بالسيطرة على النظام، وبالتالي اتّباع سياسة التهميش والقمع للمعارضة السياسية في البلاد وإلغاء صناديق الاقتراع. كل ذلك كان بإشراف أميركي، والترتيب والاتفاق الأميركي الإيراني في الإقليم، وأيضاً السيطرة الأميركية على الإعلام في كل مكان.

سمعنا في هذا اليوم أنّ الجيش الأميركي دخل الحسكة، وأنّ هناك قوات ترفع العلم الأميركي على الدبابة في مناطق الباب ومناطق سورية، وبالتالي هناك احتلال قادم، أعتقد بعد العراق، بعد تدخّل القوات الأميركية والغزو الأميركي للعراق، هناك تدخّل أيضاً أميركي في سوريا من أجل بسط السيطرة السياسية والعسكرية والإعلامية على الإقليم، وتصفية تنظيم الدولة الإسلامية وتصفية أيضاً المعارضة المسلّحة في سوريا.

أنا ضدّ أن يقتل المسلم المسلم، وضدّ أن يقتل السوري السوري، وضدّ أن يقتل العراقي العراقي، وضدّ أن يقتل أي مسلم يقول لا إله إلا الله لأنّ حرمة دم المسلم هي أشدّ حرمة من هدم الكعبة حجراً حجراً كما قال النبي صلّى الله عليه وسلّم، وأنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم قال "القاتل في هذا الزمان لا يعرف لماذا قتل ولا يعرف المقتول في ما قُتِل".

 

يحيى أبو زكريا: نعم، لا شكّ إننا نحن في هذه الحلقة نتحدّث عن الاستشراف، عن الفتورولوجيا إن صحّ التعبير، فأرجو أن نبقى في هذا السياق، لكن مع ذلك أنتقل إلى الأستاذ ماهر لأنقل له ما ذكرته، بالتأكيد هو سمعك، نقلتنا إلى وجهةٍ أخرى.

أستاذ ماهر، قبيل الانطلاق لتحديد ماهية المستقبل، ضيفنا العزيز الأستاذ موسى تحدّث عن أن داعش نشأت كردّة فعل على الإخفاقات السياسية والانكسارات في النظام الرسمي العربي، وبالتالي لم يكُ للأميركان أيّ دور في خلق هذه الورقة لبعثرة الأمن القومي العربي، وأنّ داعش أيضاً نشأت كردّة فعل على الاتفاقات الدولية والإقليمية بين إيران وأميركا. ما الذي تقوله لكن باختصارٍ؟ أريد أن أعرف المستقبل رجاءً.

 

ماهر فرغلي: دائماً نفسّر حال داعش في أحيان كثيرة تفسيرات اجتماعية وآخرون يفسّرونها تفسيرات سياسية، فمرّة يقولون أن داعش صناعة أميركية ومرة صناعة سعودية ومرة صناعة إيرانية. في الحقيقة دعني من هذا كله ومن هذه التحليلات والتقييمات. أنا يهمّني هنا استراتيجيات داعش ويهمّني ما تقوله داعش نفسها.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

ماهر فرغلي: داعش نفسها تحدّثت أن العمل لديها يسبق التنظيم، أي العمل في هذه الجماعات يسبق الأفكار ويسبق السياسات، هم يقومون بعملية معينة ثم يبحثون لها عن دليل، قد يكون هذا الدليل دليلاً سياسياً فيقولون أن الاحتلال الأميركي هو السبب أو يقولون أن النظام السوري هو السبب ويقولون أن ما حدث في أفغانستان هو السبب.

هذه الجماعات تقول باستثمار السيولة هذا وارد في المذكرة الاستراتيجية لعبد الله محمّد وهو أحد المنظّرين المعروفين لهذه الجماعات، حينما يتحدّث عن استثمار السيولة ويتحدّث ويستدل بحديث للبخاري وهو حديث الغلام والساحر، حينما ذهب الغلام لكي يتعلّم السحر وفي نهاية حديث البخاري يُقتَل الغلام فيؤمن القوم، فيقولون أن قتلنا وحينما نموت وإنما حينما ننتحر هذا كله نصرٌ للإسلام، فيبحثون كيف يُقتَلون ويبحثون عن مقتلة ويبحثون عن مَظلَمة حقيقية يُسنِدون إليها آراءهم السياسية وتوسّعاتهم الأخرى.

في الحقيقة، من الناحية الأخرى، خارطة داعش الفكرية هي أوسع بكثير جداً من الخارطة التي نراها في الطبيعة، وما يحدث في المعارك على الطبيعة، خارطة داعش الفكرية أوسع، فداعش هو من بيننا، من بين أفكارنا، من بين الأفكار التي استشرت في مناهجنا التعليمية وفي ثقافاتنا الموروثة. ومن هنا، داعش ليس فقط وليد سياسات بقدر ما هو وليد أفكار في الناحية الأولى.

الناحية الأخرى الفرصة غير المسبوقة، لقد تحدّث أيمن الظواهري بذاته عن الفرصة غير المسبوقة حينما قال أن ثورات الربيع العربي سوف تهدم أنظمة مركزيّة مهمّة في المنطقة، وسوف تهدم حدوداً، وسوف تهدم أجهزة أمنية، في المقابل سوف تشعل الفتنة الطائفية وهنا سوف نقوم بالتجنيد، وسوف نقوم بإزكاء التعاطف وسوف نقوم بالتجنيد والتوسّع. هذا ما حدث بالفعل من داعش ومن غير داعش، استفادوا من الحال الموجودة، ممّا يُطلَق عليه ثورات الربيع العربي لكي يهدموا أنظمة ولكي يستغلوا حال التوتّر وحال الفوضى في بيئات متنوّعة، ومن هنا تواجدوا في سيناء أو تواجدوا في ليبيا أو تواجدوا في سوريا والعراق.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ ماهر، بُعيد الفاصل سنكمل كلّ تلكم النقاط. أرجو ان تبقى معي.

مشاهدينا فاصل قصير ثم نعود إليكم فابقوا معنا.

 

 

المحور الثاني

 

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلاً بكم من جديد. عدنا والعود أحمد. من أدرك حلقتنا الآن نحن نعالج مستقبل داعش في عالمنا العربي والإسلامي.

أستاذ ماهر دعنا في المستقبل رجاء وكنت قاطعتك بداعي الفواصل.

أستاذ ماهر، بالنسبة لمستقبل داعش، مراكز البحث في الغرب، وأنت تعلم أنها أكثر فعالية من مراكز البحوث عندنا النائمة، بحثت مسألة مستقبل داعش، ولفت نظري هذا الكتاب لأحد الأميركيين، يتحدّث عن الخلافة من داخل الأقسام والمناهج التربوية ويتنبّأ أن الثقافة باقية.

أريد أن أعرف أمرين قبل أن أنتقل إلى الأردن. ما هو المستقبل العسكري لداعش؟ وما هو المستقبل الثقافي الأيديولوجي لداعش؟

 

ماهر فرغلي: بمعادلات سريعة نهاية المعركة محسومة، داعش سوف ينتهي في المركز لكنه سوف يبقى في الأطراف، سوف ينتقل من المركز إلى الأطراف. في المعركة العسكرية نجحت القوات التي تحارب داعش الآن في عمل فواصل عسكرية حقيقية ما بين ولايات التنظيم أو الأماكن التي يسيطر عليها التنظيم وحصارها والدخول إلى مراكز مهمة مثل الموصل. المعركة محسومة، سوف تنتهي عاجلاً أم آجلاً، لكن المشكلة كلها هي في العائدين من داعش والأطراف لداعش.

مستقبل داعش الثقافي سوف يستمرّ، كما تحدّثت قبل الفاصل وقلت أن خارطة داعش الفكرية واسعة كثيراً جداً، داعش له أكثر من 67 كتاباً ولم أجد كتاباً وافياً ولا رداً وافياً على كتاب منها، داعش له مئات من المنتديات، له 200000 تويت يومياً على تويتر، هذا من قبل مراكز الأبحاث الغربية أيضاً، فأنت تتحدّث هنا عن خارطة ثقافية وخارطة فكرية واسعة جداً لا تجد من يتصدّى لها لأنها تحتاج إلى منظومة متكاملة والأنظمة العربية منشغلة بأوراق أخرى اقتصادية أو ملفات أمنية، ولكنها لا تنشغل بوضع منظومة لمواجهة هذه الأفكار.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ موسى، في سياقات المستقبل، هل داعش ذاهبة إلى الأفول أم أنها ستبقى؟ لقد قلنا أن القاعدة ستفنى لكن عادت مجدّداً. ما الذي تقوله؟

 

موسى عبد اللات: هناك مسألة مهمّة، أنّ تنظيم الدولة الإسلامية ليس كائناً فضائياً، ليست مجموعة من الأشخاص الذين أتوا من الفضاء، وبالتالي تنظيم الدولة الإسلامية جاء من العراق وامتداداته كانت من أفغانستان والأطراف، سواء كانت الأردن أو مصر أو لبنان وسوريا. الآن، أعتقد عسكرياً، وهذا أترك مجاله للخبراء العسكريين الذين هم أقدر مني حقيقة في موضوع تحديد الهزائم أو هزيمة هذا التنظيم أو غير ذلك، لكن المشكلة الرئيسية أنه ما زالت هناك حقيقة يتم التغاضي عنها أمام الرأي العام العربي والإسلامي بأن هناك ميليشيات، قوات بدر ولواء الفضل، الميليشيات الأفغانية والباكستانية والميليشيات اللبنانية والميليشيات الفلسيطنية التي تقاتل في العراق والتي تقاتل في سوريا ضدّ الشعب العراقي وضدّ المدنيين تحديداً وترتكب أفظع الجرائم من الاغتصابات والقتل المباشر، وأيضاً تقوم بقتل السكّان المدنيين في حي الوعر وحلب وغير ذلك. وبالتالي، تنظيم الدولة الإسلامية أو ما يُسمّى بداعش يأتي من خلال هؤلاء الأشخاص الذين قُتِل آباؤهم أو نساؤهم أو تم اغتصاب بناتهم، وهذه بشكل موضوعي موجودة على المستوى الإعلامي، وبالتالي هذا التنظيم موجود ما دامت هناك مشكلة من قِبَل المجتمع الدولي، لم يعالج الملف السوري والملف العراقي بطريقة صحيحة، وهناك تهميش لفئات وطوائف داخل هذا المجتمع، بل أيضاً هناك القتل على الهوية، أنا شخصياً ضدّ قتل المسلم للمسلم وضدّ القتل على الهوية فقط لأن يكون شيعياً أو سنّياً. هذا يُمارَس في كل المناطق ويتم من خلال الطائرات التي تحمل القنابل العنقودية، تدمير أحياء بكاملها بحجّة وجود مقاتل أو مسلّح ما، تمّ قتل عشرات ومئات المدنيين في منطقة القائم في العراق بحجّة وجود ما يُسمّى.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ موسى، أنت محامٍ، وتعلم دقّة القوانين ودقّة النصوص، سألتك عن المستقبل وذهبت بي إلى التاريخ. قلت أنّ عوامل بقاء داعش موجودة. عالج لي هذا الأمر من دون أن تذهب إلى الماضي.

 

موسى عبد اللات: نعم، أنا أقول ما دام هناك مجازر وهناك مشاكل ولم تُحَل هذه المشاكل بطريقة يكون للشعب العربي السوري دور فيها، وما دام هناك تدخل إيراني في الإقليم، وأنا لست مؤيّداً لا لتنظيم الدولة الإسلامية ولا لغيره، ولكن أقول كقراءة سياسية أن هذا التنظيم يبقى ما دام هناك تدخل إيراني وما دام هناك تهميش لأهل السنّة في العراق وما دامت المجازر ما زالت مستمرة في سوريا.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ موسى، داعش قتلت النساء، وباعت النسوة المسيحيات والأيزيديات في سوق النخاسة، لكنّ داعش قتلت الناس في سبايكر، لكن داعش حطّمت المساجد والمقامات وقبور الأولياء، لكنّ داعش حاربت الشعوب قبل الدول.

 

موسى عبد اللات: يا سيّدي، أحسنت، أنا أقول لك، أنا ضدّ قتل المسلم للمسلم وضدّ قتل حتى المسيحيين والأيزيديين وقتل أي إنسان كان، لأن هذا الدم سوف يحاسَب الذي قتل لماذا قتل. أنا قلت لك النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال "في هذا الزمان يأتي زمان على أمتي لا يعرف القاتل في ما قَتَل ولا المقتول في ما قُتِل". أنا كموسى عبد اللات بريء من أي دم يُسال من قِبَل أي تنظيم مسلّح ومن قِبَل أي شخص على أي شخص، ومن قِبَل أي نظام، وبالتالي الدم كحرمة مكّة المكرمة.

 

يحيى أبو زكريا: جميل.

 

موسى عبد اللات: بل أن حرمة دمكم هذا في يومكم هذا كما قال النبي صلّى الله عليه وسلّم في حجّة الوداع وبالتالي حرمة دماء المسلمين في سوريا وفي العراق سواء كانوا سنّة أو شيعة أو حتى أيزيديين أو حتى أياً كانوا، نحن نقول أن هذه الدماء محرّمة وأنا ضدّ قتل أي مواطن عراقي أو مواطن سوري، وأيّ مواطن حتى لو كان من أية جنسية بلد أو لأيّ دين انتمى، وبالتالي هناك وليّ الأمر ولا يجوز لهذا التنظيم أو ذاك أن يقوم باستخدام القتل تحت عنوان الهوية السنّية أو الهوية الشيعية.

 

يحيى أبو زكريا: جميل أستاذ موسى، رائع، ونحن متّفقون ونبرأ إلى الله من القتل، شكراً.

 

موسى عبد اللات: وأضيف أن بعض الأنظمة تشرف، أن بعض الأنظمة الإسلامية ومنها إيران تشرف على ميليشيات شيعية تقوم بقتل المدنيين وهذا أيضاً غير مقبول ومرفوض أيضاً، حتى لا يُفهَم بطريقة. نحن ندعو لأن تكون هناك وحدة إسلامية وتفاهم إسلامي وائتلاف إسلامي لنبذ الاقتتال ونبذ الدم من الدول قبل الأفراد ومن الدول والشعوب قبل التنظيمات المسلّحة.

 

يحيى أبو زكريا: جميل، أستاذ موسى، أرجو أن تبقى معي. أنتقل إلى القاهرة.

أستاذ ماهر عفواً إضطررنا إلى التفريع لأنه أحياناً تضطر لتوضيح البديهيات والمسلّمات كما يقول المناطقة.

قلت أنّ داعش سوف تنتهي في المركز، أي في الموصل والرقّة إن صحّ التعبير، لكن هنالك داعش تتهيّأ للبروز والخروج من قمقمها في ليبيا، وهناك تهديد جدّي للجزائر والصحراء الجزائرية واسعة، وبالأمس القريب الجيش الجزائري وضع يده على طن كامل من المواد السامّة القاتلة، بالإضافة إلى الأسلحة، هنالك تونس، هنالك موريتانيا، بمعنى هنااك ساحة مغاربية يُراد من خلالها أن تظهر داعش بقوة وأنت تعلم ولاية سيناء، الدواعش نشطون إلى أبعد مدى في مصر التي نحبّ ونعشق.

هل سوف تطلّ برأسها هذه الحيّة الرقطاء في بلاد المغرب العربي، وهو حزام استراتيجي مهم، ونابوليون بونابرت قال من يحتل الشمال الإفريقي يحتل إفريقيا برمّتها؟

 

ماهر فرغلي: قبل أن أجيب عن سؤالك يا دكتور، دعني أشير إلى نقطة هامة جداً، أن داعش مشكلتها دينية فكرية مرفوعة على رافعات سياسية، مشكلة داعش مشكلة سياسية في المقام الأول ثم هي مشكلة فكرية، فكر في الأساس يبحثون له عن رافعات سياسية، تفسّر وتوظّف هذا الحدث السياسي من أجل التوسّع ومن أجل الانتشار. هذا في المقام الأول والدليل على ذلك أنك سوف تجد دولة مثل تونس في المغرب العربي مثلاً، من المعروف أنه بعد الثورة التونسية حدث فيها نوع من الانفتاح الديمقراطي وتداول السلطة بشكل سلمي، ورأينا ما فعلته النهضة التونسية، وكيف أعلنت عن تحوّلها إلى حزب سياسي وإلغاء التنظيم أو إلغاء الجماعة او إلغاء الحركة.

فأنت هنا تشهد تطوذرات في الدولة التونسية ورغم ذلك فتونس هي من أكبر الجنسيات العربية التي ورّدت وصدّرت مقاتلين إلى هذا التنظيم الإرهابي داعش. هذا إذاً يفسّر الحال، يفسّر أن الموضوع هو موضوع فكري وموضوع ثقافي من الأساس.

من ناحية ما يحدث الآن في المنطقة من قِبَل هذا التنظيم والتوقّعات للمستقبل، كانت هناك نداءات مباشرة قبل مقتل أبو محمّد العدناني وهو تحدّث عن دعم الأفرع وعن دعوته للأفرع إلى العمل حتى لو بالسكاكين، ودعوته للذهاب متوحّداً منفرداً إلى العمل، رأينا داعش يحاول أن يطلّ برأسه على باب المندب، رأيناه هناك في الصومال يسعى إلى تقسيم حركة الشباب الإسلام في الصومال. رأيناه في ليبيا في سرت. ماذا فعل في الوسط الليبي وفي حقول نوفالية للنفط في ليبيا، رأيناه في الشمال الإفريقي. في المقابل كان هناك تنظيم آخر.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ ماهر لا تنسَ بوكوحرام التي بايعت أبا بكر البغدادي في نيجيريا أيضاً.

 

ماهر فرغلي: نعم، وبوكوحرام على سبيل المثال وما تفعله هناك في الشمال النيجيري. في المقابل كان هناك تنظيم يسير بخطى وئيدة جداً وهو تنظيم القاعدة. تنظيم القاعدة أعاد تقسيم العالم إلى سبع مناطق بشكل جديد وأطلق نظرية هي نظرية الذراعين، الذراعين أن يكون متواجداً في ذراعين لكي يطبق على المنطقة، وقال أنه لن يستطيع أن يسيطر على هذه المنطقة إلا بهذه النظرية، نظرية الذراعين، عبر سيطرته على اليمن باعتبار الطبيعة الجغرافية الموجودة فيها سوف تساعده على ذلك، طبيعة الأرض وطبيعة الشعب وطبيعة السلطة الموجودة، وفي الشمال، في الشام، حيث لا بدّ من أن يقوم بإنشاء إمارة. في المقابل وجدناه يتكوّر على نفسه هناك في ساحل الصحراء في إفريقيا، في جنوب ليبيا وفي شمال النيجر وفي جنوب الجزائر ليقيم إمارة. منذ حوالى عشرة أيام تقريباً، أعلن تنظيم القاعدة في هذه المنطقة تحديداً التوحّد ما بين أربع حركات، حركة أنصار الدين، وحركة المرابطين وغيرها من الحركات، وأطلق على اسم الحركة حركة الإسلام والمسلمين، وهي تابعة لتنظيم القاعدة ومبايعة لأيمن الظواهري ومبايعة لابو مصعب عبد الودود.

إذا أنت الآن أمام خطر، خطر أن هناك حركة قوية لتنظيم القاعدة في هذه المنطقة مع الحركة التي يقودها في الشمال أبو مصعب عبد الودود، ويقود المنطقة من ليبيا إلى المغرب وإلى موريتانيا. إذاً نحن الآن أمام مشهدين، مشهد داعش ويحاول دعم الفروع، فروع الشركة، ومشهد تنظيم القاعدة الذي يحاول ان يتكوّر حول نفسه ليقيم إمارات جديدة وتنظيمات جديدة.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ موسى، هذا على الصعيد العسكري. على الصعيد الثقافي، هل ترى أنّ الأيديولوجية التي قام عليها داعش وهي العنف والتشدّد مع عدو الداخل ستبقى في الجغرافية الإسلامية؟

 

موسى عبد اللات: أولاً الزميل الأستاذ في القاهرة، ضيفك الكريم، هذا نوع مخالف لأحكام قانون منع الإرهاب في الدول العربية، وبالتالي يعتبر ترويجاً لتنظيم الدولة الإسلامية حينما يقول أن هذا التوسّع والمبايعات وهذا الكلام.

أنتقل إلى موضوع أنّ الأيديولوجية الثقافية لتنظيم الدولة الإسلامية هي بالأساس منطلقة من تنظيم القاعدة، وبالتالي الجوانب الفكرية والسياسية والثقافية بين حركات الإسلام السياسي، هناك هذا التنظيم تنظيم القاعدة أراد أن يواجه الأنظمة في أفغانستان بعد احتلالها من قِبَل الأميركان وبمساعدة أيضاً أطراف إقليمية معروفة لحكومات محلية، أصبح يقاوم بالجانب العسكري، وبالتالي تحت عنوان الجهاد داخل أفغانستان، وثمّ انتقل إلى العراق والأطراف في الإقليم.

الآن هذا التنظيم تنظيم الدولة أصبح مركزه الإقليمي هو في منطقة المشرق العربي، ولم ينقل قيادته إلى منطقة المغرب العربي أو غيرها، وبالتالي هو يعلن ذلك من خلال البيانات أنه يقود التنظيم عسكرياً في كل مكان، وثقافياً الأيديولوجية ما زالت هي نفسها المتعلّقة بالقاعدة، وبالتالي لا فرق أعتقد من ناحية ثقافية بين تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية.

نقطة أخرى أنّ هناك، لا يوجد حوار، النظام الرسمي العربي بعد التجربة المصرية وإسقاط صناديق الاقتراع، وموضوع الشورى وإسقاط الرئيس السابق وزجّه في السجن، أسقِطت التجربة الديمقراطية في المشرق العربي، وبالتالي لا يوجد بديل سلمي، وبالتالي حتى اعتُبِرت حركة الإخوان المسلمين هي حركة إرهابية، أيضاً حزب التحرير قبل أيام مُنِع من أن يعقد مؤتمره الفكري داخل تركيا من قِبَل الرئيس التركي أردوغان، وتمّ اعتقال الناطق الرسمي لحزب التحرير، مع أنّ حزب التحرير هو حزب سلمي يدعو إلى إقامة الخلافة الإسلامية.

إذاً، التنظيمات الإسلامية المسلّحة المتعلّقة بالقاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية وفروعها مثل بيت المقدس، وأيضاً حركة الشباب الصومالي، وأيضاً حتى في الجزائر وتونس، لكن النقطة المركزية في هذا الموضوع أنّ الأيديولوجية لم تتغيّر، النظام الرسمي العربي لم يقدّم رؤية إسلامية ثقافية تتعلّق بمواجهة هذا المشروع الذي استند إلى رؤية الفقهاء، وبالتالي هناك غياب لعلماء المسلمين الذين لهم علاقة ببواطن الشريعة وبتفسير القرآن الكريم والسّنّة النبويّة، وبالتالي هناك تقصير أعتقد من قِبَل العلماء المسلمين، وأقصد بالعلماء المسلمين الذين يتوجّب أن يتحرّكوا وأن يكون لهم دور موضوعي في وقف هذا الدم وعدم الإسالة وقتل المسلم للمسلم بغضّ النظر عن هل هو سنّي أو شيعي أو غير ذلك، وأيضاً قتل أهل الذمّة في الإقليم، لا يجوز أن نقوم بقتل المسيحيين ولا يجوز أن نقوم بقتل حتى الذين هم ليسوا بدين الإسلام. وبالتالي أن يكون الصراع الفكريّ هو صراع سلمي، وليس صراعاً دموياً باستخدام الأسلحة والمتفجرات وغير ذلك، مع الإشارة إلى أنّ النظام الرسمي الإسلامي بقيادة إيران تتدخّل في العراق عبر دعمها للميليشيات، والآن يتواجد أكثر من 60 فصيلاً مسلّحاً، للأسف الشديد، تحت إشراف هذه الدول وتقوم بقتل المسلمين، وبالتالي تحويل الاقتتال إلى اقتتال إسلامي إسلامي. نحن مع حقن الدماء ووقف الدماء وأن لا يقتل المسلم المسلم وأن حتى أنّ سرّ بقائنا في الأردن هو أننا في الأردن لم نقم بقتل، ولا يوجد قتل ولا يوجد مخفية.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ موسى قلت هذا الكلام، ونحن ندعو الله تعالى أن تأمن الأردن وتأمن كل البلاد العربية والإسلامية.

أستاذ ماهر، النظام الرسمي العربي منشغل بأمور أخرى تماماً، كأنّ ما أصابنا لم يؤثّر عليه لكي يُعِدّ ميزانيات عملاقة للتنوير والثقافة، وحتى إقناع الجماعات المسلّحة بضرورة العودة إلى أحضان الوطن.

لماذا التقصير في هذا الجانب، انعدام التنوير بشكل رسمي وانعدام تكتل علمائي يدعو إلى الحوار وإلى إعدام ثقافة الموت في مجتمعاتنا؟

 

ماهر فرغلي: بدايةً أنا حينما أتحدّث عن توسّع التنظيم وانتقاله من مرحلة المركز إلى مرحلة الهوامش ومرحلة الأذرع والأفرع، أنا هنا أستخدم المنهج الوصفي، ولا أقول أنّ هذا التنظيم سوف يبقى طوال العمر ولا أدعو لدعم هذا التنظيم، فهو تنظيم إرهابي وأنا معروف تماماً في حربي لهذا التنظيم من خلال كتاباتي ومن خلال لقاءاتي.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

ماهر فرغلي: هذه النقطة الأولى. النقطة الثانية هي المسألة الخطيرة وهي أن النظام العربي توجد مخازن حقيقية للفكر الداعشي موجودة لدى الدول العربية، هذه المخازن من المطلوب ومن الأفضل أن تُسَدّ، وسدّ هذه المخازن صعب للغاية، على نظام عربي واحد أو نظام عربي متهلهل ونظام عربي ضعيف، أنت تتحدّث هنا عن مخزن سلفي ضخم جداً موجود في العالم العربي، هذا المخزن الضخم الكبير جداً له قواعد وهذه القواعد هي نفس القواعد، متشابهة تماماً مع القواعد الداعشية. هم في التطبيقات مختلفون بلا شك، هناك تيّارات سلفية تؤمن بالانصياع للسلطة أو تيّار سلفي آخر يؤمن أنه لا يجوز الصِدام مع السلطات القائمة، ولكن هناك قواعد فكرية، هذه القواعد الفكرية يُربّى عليها أيضاً العضو الداعشي. هذه النقطة الأولى.

النقطة الثانية المخزن الإخواني في الحقيقة، وضيفك الكريم لعلّه سوف يعارضني في ذلك ولكن له الحق، المخزن الإخواني مخزن ضخم والسبب المشكلة الحقيقية وهو يتحدّث عن النظام المصري هو وجود الإخوان المسلمين. في فترة الإخوان المسلمين شهدت أكبر تغلغل وأكبر انتشار لهذه الجماعات المنضوية في سيناء، أزمة سيناء الآن سببها هو عام واحد من حُكم جماعة الإخوان المسلمين في مصر واستقدام هؤلاء من الحدود الغربية من ليبيا وتدريبهم على أرض سيناء تحت مرأى ومسمع الأمن ومسمع جماعة الإخوان المسلمين التي كانت في السلطة في هذا التوقيت تحديداً.

نحن نتحدّث عن هذه المخازن في البداية، ثم تتحدّث عن رؤى مختلفة للأنظمة العربية. هناك من يرى أنه لا بدّ من أن يُقضي على هذه الجماعة بضرب الجماعات بعضها ببعض، يضرب جماعة التكفير بجماعة الإخوان، فيسمح لجماعة الإخوان بالشرعية المنقوصة، في مصر مثلاً على سبيل المثال فترة من الزمان كي تضرب الجماعات الأخرى مثل السلفيين أو مثل جماعات التكفير. في هذه الفترة تقوم جماعة الإخوان بالتخزين وبالتجنيد وبالتوسّع وبالانتشار، ثمّ نفاجَأ بأن هناك خطراً إخوانياً وأن هناك مجموعات تُسمّى مجموعات محمّد كمال واللجان النوعية وكلها على الإخوان المسلمين.

 

موسى عبد اللات: مع الاحترام، أنا لي مداخلة وملاحظة.

 

يحيى أبو زكريا: أدلِ بملاحظتك.

 

موسى عبد اللات: لماذا الباحث أخونا الضيف من مصر، حقيقة[HA1]  الرأي العام المصري والأردني والعربي والإسلامي أيضاً واعٍ ويقرأ بين السطور، وبالتالي لا يمكن فقط أن موضوع تقزيم الأمور بهذه الطريقة. الشعب الفلسطيني عانى ما عاناه أيام نظام حسني مبارك، أيضاً الحصار ضدّ إخوتنا الفلسطينيين في غزّة، ومثلما هو قتل الفلسطينيين على أبواب مخيّم اليرموك ويموتون جوعاً، وبالتالي القصة واضحة لدى الرأي العام، لا يمكن الاستغفال، دائماً التهمة جاهزة نحو الإخوان المسلمين، حزب التحرير، أهل التبيلغ، وبالتالي نحو الإسلام وطبعاً الجماعات الإسلامية بمختلف مشاربها.

أقول بصراحة أنه يجب أن يكون هناك تمييز في هذا الموضوع، الإخوان المسلمين لهم دور إصلاحي تربوي توعوي، يقومون بتدريس القرآن الكريم والإشراف على الأيتام وكل ذلك. حزب التحرير هو حزب سياسي فكري يؤمن بالصراع الفكري السلمي للوصول إلى الخلافة، أيضاً جماعة التبليغ تقوم بالتهيئة لإعادة المسلمين إلى الطريق الصحيح برأيهم.

تنظيم الدولة الإسلامية والقاعدة، تنظيم الدولة الإسلامية انبثق عن القاعدة وجبهة النصرة انبثقت عن تنظيم الدولة الإسلامية، وبالتالي الطرفان لا يلتقيان لأن الطرف الأول يؤمن بالصراع المسلّح والإطاحة بهذه الأنظمة بطرق مسلحة والسيطرة على الأرض، لكن التنظيمات الأخرى لا تؤمن بالصراع عبر السلاح واستخدام الوسائل المادية ومنها التفجيرات وغير ذلك. وبالتالي يتوجّب التفريق في ما بين هذه الجماعات، وأيضاً لا يجوز أن نتهم حركات الإسلام السياسي كلها بأنها إرهابية.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ ماهر، تردّ عليه في دُقيقة إذا سمحت، يقول إن الإخوان المسلمين تنظيم إصلاحي وأن حزب التحرير لا علاقة له بنظرية الانقلاب. ما الذي تقوله في ذلك؟

 

ماهر فرغلي: سيّدي الفاضل أول عملية عسكرية، عملية الفنية العسكرية كانت بقيادة صالح سرية، وصالح سرية كان منضماً لحزب التحرير في المقابل. أنت تتحدّث هنا عن حزب يريد إقامة خلافة له هيكلية عسكرية أيضاً، جماعة الإخوان المسلمين تاريخها، كان لها نظام خاص، إقرأ كتاب أحمد عادل كمال أنقاض فوق الحروف لتعرف كيف شكّل جماعة الإخوان المسلمين نظاماً عسكرياً.

 

موسى عبد اللات: هذا كلام ليس صحيحاً.

 

ماهر فرغلي: يا سيّدي دعني أكمل.

 

موسى عبد اللات: دعني أردّ أنا.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ موسى، تكلّمت، دع الأستاذ ماهر يتكلّم.

أستاذ ماهر تفضّل.

 

ماهر فرغلي: جماعة الإخوان المسلمين باعترافات أعضائها المصوّرة بالفيديو صوتاً وصورة وكتابة لها مجموعات تُسمّى مجموعة العقاب الثوري والمقاومة الشعبية وحسبي ولواء الثورة كلها خطّطت وساهمت في كل العمليات المسلّحة العسكرية المسلّحة على أرض مصر خلال الثلاث سنوات الماضية.

أنت تتحدّث الآن عن جماعة مسلّحة، عن انشقاقات، هذا كلام للإخوان المسلمين ما بين مجموعة محمّد كمال ومجموعة محمّد عزّت، وإلا أنت لا تدري ماذا يحدث داخل الجماعة التي كنت وكيلها يا سيّدي.

 

موسى عبد اللات: حقيقة لماذا يتم الحصار على حركة المقاومة الإسلامية حماس ولماذا يتم اعتقال إسلاميين من أحزاب التحرير في مصر ومحاكمتهم لسنوات طويلة ولماذا تتم محاكمتهم في دول عربية.

 

ماهر فرغلي: حماس ساهمت وجاءت إلى مصر بوفد بقيادة إسماعيل هنيّة لتتفاوض مع الدولة المصرية وحماس ثبت تورّطها في سيناء واعترفت بذلك.

 

موسى عبد اللات: أقول بصراحة أن الهيمنة الأميركية على القرار السياسي العربي هي الأساس، القرار الرسمي العربي ليس مستقلاً وبالتالي العداء للإسلام جاء بناء على أجندة من قِبَل الولايات المتحدة الأميركية وغيرها.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ موسى عبد اللات شكراً جزيلاً لك، كنت معنا من الأردن. يبدو أننا في العالم العربي في أمسّ الحاجة إلى إعادة تشريح كل جماعات الإسلام السياسي من الجماعات التي تعتمد الإصلاح إلى الجماعات التي ولّدت العنف. خلاصة القول أنّ كلّ الجماعات مسؤولة عن هذا التدهور في العالم العربي.

مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها. إلى أن ألقاكم هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبداً ودائعه.


 [HA1]