السقيلبية في زمن الازمة

السقيلبية.. تاريخ عريق وحاضر مؤلم ومستقبل يرسمه صمود أبنائها وعنادهم، السقيلبية والتراث والشهداء. لماذا حمل شبابُها السلاح وعمن يدافعون؟ وما ملامح حياة ما بعد الأزمة؟

غسان الشامي: تحية لكم.

نحن الآن في مدينة السقيلبية، مدينة عريقة وقديمة على سهل الغاب وقرب أفاميا معقل الأفلاطونية القديمة وعاصمة سوريا الثانية منذ القدم، أو ما نسميه في علم الآثار "شيلي سيريا" أو سوريا المجوّفة. هذه المدينة مدينة مسيحية عرفناها في التاريخ، أول مطران لها حضر مجمع أنطاكية المحلي سنة 361 للميلاد. إنها المدينة التي شاركت في تاريخ سوريا، في آلامها، في أحزانها، في أفراحها. وهي الآن أيضا تعاني كما يعاني جميع السوريين ممّا تخلّفه هذه الحرب من مآسٍ. والدليل أننا البارحة عندما وصلنا كان هناك تشييع لشهيد سقط في القابون قرب دمشق. وما لفت النظر أن أهل الشهيد كانوا يزغردون.

أعزائي، من مدينة السقيلبية، وللإضاءة على هذا المعقل التاريخي للانفتاح، للحضارة، للثقافة، نحيّيكم.
لديّ ضيفان: الضيف الأول هو الأستاذ أديب قوندراق، وهو باحث ومؤرّخ لهذه المدينة. لديه كتاب عن مدينة السقيلبية، ولديه كتاب في الحوار الإسلامي المسيحي. والضيف الآخر هو الأستاذ نابل العبدالله، وهو قائد الدفاع الوطني في السقيلبية.

لا تستغربوا أن هناك ضيفاً عسكرياً للمرة الأولى. ولكن ضيف عسكري بمنطوق مدني لأن القتال يبدو أنه للضرورة ولحماية النفس.

أهلاً بكما سيّديّ في "أجراس المشرق". شكراً لكما لاستضافتنا، لاستضافة "الميادين" و"أجراس المشرق" في السقيلبية.

أعزائي، سنترككم مع فاصل صغير. البارحة عندما وصلنا كان هناك تشييع شهيد ثم قُصفت المدينة.
شاهدوا جزءاً من الحياة اليومية لأهالي السقيلبية:

 

التقرير

 

عندما وصلنا إلى السقيلبية عن طريق مصياف، كانت تشيّع شهيداً شابّاً سقط في القابون. فدخلنا لنؤدّي واجب العزاء لأهله الذين عبّروا عن صلابة وصمود مدينتهم. وحالما بدأنا التصوير في المدينة، قصفها المسلّحون التكفيريون بالصواريخ. لكنها مدينة الحياة العنيدة. فبعد الردّ عليهم تابع سكّانها حياتهم.

السقيلبية مركز منطقة في محافظة حماة قرب أفاميا. عُرفت منذ عهد السلوقيين في القرن الثالث قبل الميلاد، وتعني إمّا بوّابة سلوقيا أو سلوقيا العاصي. وأصبحت أبرشية وأسقفية منذ منتصف القرن الرابع. ومن أساقفتها: أرسطونيكوس: حضر مجمع أنطاكية المحلي عام 363 للميلاد، ومرقيانوس: مجمع القسطنطينية عام 381، وديونيجس، وأوسابيوس الذي تمثّل في مجمع خلقيدونية عام 451، وكريانوس في عام 536. وفيها معاصر من العهد الروماني.

أمّا السقيلبية الحديثة فتعود إلى عائلات سكنت التلّة أولاً منذ نحو مئتي سنة من قرى جبلية محيطة، وربما من حوران.

زارها المستشرق الألماني إدوار ساخاو في القرن التاسع عشر، وكتب عنها وعن عرس شهده فيها. كما كتب أيضاً المستشرق والرحّالة جون لويس بريكهارت. وشهدت تطوّراً وتوسّعاً بعد منتصف القرن الماضي والبدء بتجفيف سهل الغاب واعتمادها مركزاً إدارياً للمنطقة. فتحوّلت مثلما كانت تاريخياً إلى مركز زراعي هام وتجاري أيضاً. وتطوّرت سكانياً حتى تجاوز عدد سكانها عام 2008 الستة عشر ألف نسمة.

فاجأتها الحرب وأوقفت نموّها، وتحوّل شبابها إمّا إلى الهجرة أو للقتال دفاعاً عن وطنهم وأرضهم.

 

غسان الشامي: أستاذ أديب، من عندك مباشرة: أين السقيلبية من تاريخ سوريا؟ ما هي ملامحها الأولى؟

أديب قوندراق: مساء الخير، وأهلاً بكم في محطة الميادين التي نكنّ لها كل الاحترام والتقدير للعاملين فيها، لصدقيّتها وموضوعية أخبارها ومشاركاتها في أحداث سوريا المؤسفة.

غسان الشامي: الله يخلّيك. واجبنا.

أديب قوندراق: أهلاً بكم في السقيلبية، هذه البلدة التي تفضّلت وقلت عنها، نعم، وُجدت منذ العصر الآرامي، فهي قديمة. بعد أن أنهى الآراميون بناء حوض الفرات انتقلوا لبناء حوض العاصي، وكانت السقيلبية إحدى الحواضر الأفاميّة القريبة من أفاميا وتقع إلى الجنوب منها على مسافة خمسة كيلومترات. فالسقيلبية إسمها يدلّ على وظيفتها، باللغة الآرامية هي السقيلبية أو بالآرامية القديمة السريانية: سْقَلْبو وتعني المضادّ المعاند الصامد المتحدّي.

غسان الشامي: هل أنتم عنيدون فعلاً؟

أديب قوندراق: عنيدون للحق حتى آخر رمق.

غسان الشامي: ولكن أيضاً يقال بالتقليد المسيحي أو قبله، أي بالتقليد الإغريقي "سلوقو بيلوس" أي بوابة العاصي. أيضاً كان العاصي يمرّ من هنا.

أديب قوندراق: نعم، نعم.

غسان الشامي: أي المنطقة كانت منطقة غمر.

أديب قوندراق: منطقة الغمر حديثة. الغمر نتيجة الزلازل.

غسان الشامي: سهل الغاب الذي كان...

أديب قوندراق: في القديم الأفامي لم يكن غاب وإنما كان اسمه مرج أفاميا. وكانت أفاميا تصدّر الخيول التي تربّى في سهل الغاب إلى روما.

غسان الشامي: كيف بدأ الحضور المسيحي في السقيلبية؟ كيف تجذّر؟

أديب قوندراق: كما قلت، السقيلبية تابعة لأفاميا. فكل تقدّم، كل تطوّر ثقافي أو فكري أو فلسفي كان يحدث في أفاميا كان ينتقل بشكل طبيعي إلى السقيلبية. وهناك الكثير من المعالم المسيحية الأثرية القديمة، وللأسف ليست مُكتشفة بشكل تام أو بشكل واضح.

غسان الشامي: يجب أن نتساعد.

أديب قوندراق: ونحتاج ونرجو مَن يساعدنا على اكتشافها.

غسان الشامي: أي أنت متأكّد من أن في مدينة السقيلبية بنى أثرية مسيحية؟

أديب قوندراق: نعم، نعم. وأهم ما أريد أن أقوله وأتمنّى أن يلقى الاهتمام ويحظى بالاهتمام أن باسيليوس بنى ديراً يدعى دير سيديسيا، وهو المفقود من الخارطة الكنسية الأنطاكية. لكن يقال إنه ما بين أفاميا ومصياف. ولا أخفيك أنني وضعت يدي على طرف الخيط للوصول إلى هذا المعلم الهام جداً. لكن أحتاج إلى مَن يساعد.

غسان الشامي: أو تحتاج إلى أمن.

أديب قوندراق: نعم، نعم.

غسان الشامي: أستاذ نابل، البارحة رأيتك بثيابك العسكرية، وكان أهل السقيلبية يرحّبون بك كابن لهذه المدينة. لماذا حملت السلاح؟

نابل العبدالله: أهلاً وسهلاً بكم أولا في مدينة الصمود السقيلبية. السلاح حملناه لمّا حُمل علينا سلاح وتكالب العالم في هذه الحرب الكونية على جيشنا وعلى بلدنا. نريد أن نذود عن أنفسنا. هذا هو السبب.

غسان الشامي: هل حمل السلاح من الثقافة المسيحية برأيك؟

نابل العبدالله: بالتأكيد. أنا أخالف كل الأقوال التي تقول، حتى إنني أتمنّى من الكنيسة أن يكون لها موقف واضح من حمل السلاح وخصوصاً في سوريا لتكون سنداً واضحاً للجيش العربي السوري. الثقافة المسيحية حملت السلاح؛ ألاحظ كثيراً من صوَر قدّيسينا يحملون سيوفاً ويحملون رماحاً.

غسان الشامي: ولكن مار جرجس هو ما قبل المسيحية، ومار الياس...

نابل العبدالله: السيّد المسيح لمّا دخل إلى بيت الله، إلى بيته، ووجد اللصوص في المعبد، تعامل معهم بالسوط ونهرهم وطردهم.

غسان الشامي: ولكن ليس بالكلشنكوف والمدفع.

نابل العبدالله: لم تكن موجودة.

غسان الشامي: لم تكن لديه. هل أنت تعتقد أن السيّد المسيح لو كانت لديه هذه الأسلحة، هل كان تعامل مع الفرّيسيّين واليهود على هذه الشاكلة؟ ها نحن نذهب إلى مقاربة دينية، وطبعاً ليس هذا من برنامجنا.

نابل العبدالله: السيّد المسيح كان لديه السلاح. كان لديه سلاح ولم يتعامل. هو إله محبة وإله سلام. ولكن لمّا وصل الأمر إلى... أعطى توجيهاً واضحاً في هذا الأمر. لم تكن هناك قيامة في المسيحية لو لم يكن هناك فداء. وهو أول مَن فدى بنفسه لأجل الخلاص.

غسان الشامي: أنا لاحظت أن الكثير من شباب السقيلبية، وفعلاً أنت تسلّم عليهم صغيراً وكبيراً، هل هذا المتّحد أو هذه البلدة بكاملها هي ضمن هذا التوجّه أنها مدافِعة مقاومِة، لنقُل ما شئت؟

نابل العبدالله: هذا الأمر واضح، من دون نقاش. المدينة قدّمت 106 شهداء في الجيش العربي السوري، في قوّات الدفاع الوطني، في القوّات الرديفة الأخرى. المدينة مقاوِمة في الأكمل. الهجمات التي حدثت على المدينة تكرّرت وكانت أكثر من ست هجمات على محاور مختلفة وقريبة من المدينة. استُهدفت المدينة بصواريخ الغدر.

غسان الشامي: ومؤخراً قبل عشرين يوماً.

نابل العبدالله: استُهدفت المدينة بصواريخ الغدر. منذ عشرين يوماً كان ثمة هجوم كبير على محور "بريديج المغيّر". أمر واضح أن المدينة مقاوِمة.

غسان الشامي: أنت تدافع عن مدينتك. ولكن أيضاً يمكن أن يقول قائل إنك أنت أيضاً قاتلت في أماكن أخرى مع الجيش السوري.

نابل العبدالله: نعم.

غسان الشامي: يقول لك إنك تدافع عن مدينتك، هذا حقك. ولكن مناطق أخرى.

نابل العبدالله: أدافع عن مدينتي من إدلب، سوريا كلها مدينتي.

أديب قوندراق: جميل.

نابل العبدالله: أن أدافع عن مدينتي، هذه أحاديث أناس لا يعون ولا يتأثّرون بالحاصل في البلد. أنا أدافع عن السقيلبية في درعا، في دمشق، في إدلب. ابن دمشق ألا يدافع عن السقيلبية؟ نحن قوة رديفة للجيش العربي السوري في كل أعماله.

غسان الشامي: ننتقل من العسكر إلى التاريخ.

أديب قوندراق: وسأعيدك لعسكرة السيّد المسيح إذا سمحت.

غسان الشامي: نعم، تفضّل.

أديب قوندراق: يقال إن هناك قولاً للسيّد المسيح: ما جئت لأُلقي سلاماً بل سيفاً.

غسان الشامي: في الواقع، ثقافة السيف هي ثقافة قتل. السيف هو أداة قتل. حتى لا نأخذ هذا الموضوع إلى نقاش، من ثقافة المسيحية هي الحياة، هي ثقافة الحب. ولكن طبعاً الدفاع عن النفس هو أمر حقيقي وضروري. هذا تكفله كل الشرائع والأديان والأخلاق والقِيَم. السقيلبية الحديثة كيف تكوّنت؟ ممَّ تكوّنت؟

أديب قوندراق: أرى أن السقيلبية الحديثة تعود إلى بداية القرن الثامن عشر، وتحديداً إلى 1840. وهذا التاريخ أؤكّده لأن أجدادنا الذين استمعت إليهم كانوا يؤكّدون أن بناء هذه المدينة، هذه البلدة، تم في عهد السلطان عبد المجيد الأول. وهذه المرحلة واكبت السلمية. والسبب أن والي حماة العثماني رفع شكوى إلى الباب العالي في أنقرة واسطنبول يشكو من غارات البدو على شرق حماة.

غسان الشامي: من غارات البدو على شرق حماة.

أديب قوندراق: نعم. ومن المعاصي التي كانت تُربِك وتُحرِج وتسرق الكثيرين. البدو في غاراتهم كانوا يسرقون ويعتدون ويغزون.

غسان الشامي: هذه هي الثقافة العربية.

أديب قوندراق: البدوية. وأيضاً في غرب حماة يوجد نهر العاصي. وغرب نهر العاصي الجبال الساحلية التي كانت تشكّل معصى، عصياناً لكل رافض للسلطة العثمانية. وكانت السلطة العثمانية تعجز عن الوصول إلى هناك.

غسان الشامي: الجبال الساحلية أي ما يُسمّى في علم الآثار "برجيلوس" أي الآن ما يُسمّيه العامة جبال العلويين.

أديب قوندراق: نعم. وهل تعلم ما معنى "برجيليوس"؟

غسان الشامي: نعم.

أديب قوندراق: نعم.

غسان الشامي: قلها.

أديب قوندراق: برجيليوس...

غسان الشامي: هي الأفعى.

أديب قوندراق: أُطلقت على هذه السلسلة الجبلية في أحد العصور نسبة إلى أفعى قصيرة سريعة انتشار السمّ، وهي التي استخدمتها كليوبترا لقتل نفسها، للانتحار.

غسان الشامي: إذاً هذه المدينة تكوّنت عام 1840.

أديب قوندراق: 1840 في عصر السلطان عبد المجيد الأول.

غسان الشامي: كيف تصرّف أهلها خلال فترة الاحتلال العثماني؟

أديب قوندراق: كما ذكرت، العثمانيون أرادوا مَن يحمي حماة، فشجّعوا وصاروا يقدّمون لمن يرغب في بناء حاضرة أو سدّ بشري شرق وغرب حماة بالإعفاء من الخدمة العسكرية، وتقديم 50 ليرة ذهبية لكل مَن ينوي البناء ويقدّمون مادة الخشب. وهذا شجّع. وحتى يحقّقوا ما يريدون، عملوا فرّق تسُد في المناطق التي كان يسكنها المسيحيون مع جيرانهم من المذاهب الأخرى، ما اضطرّهم لاختيار أن يخرجوا من هذه المناطق الجبلية ويؤسّسوا موطناً جديداً لهم فيه جميع المستلزمات.

غسان الشامي: سؤالي: كيف تعامل أهلها مع العثمانيين؟ لأنه بطريقة ما أيضاً تعامل أهل السقيلبية مع الفرنسيين بحدّة. ماذا تقول أنت في هذا الأمر؟

أديب قوندراق: حاربنا العثمانيين وحاربنا بعدهم الفرنسيين أيضاً.

غسان الشامي: بالسلاح الذي أعطاكم إيّاه العثمانيون؟

أديب قوندراق: لا.

غسان الشامي: السلاح ... مَن أعطاكم إيّاه؟

نابل العبدالله: بالسلاح الذي أعطاه الفرنسيون.

أديب قوندراق: بالسلاح، لم يعطونا إيّاه، بل الذي حصلنا عليه بطرائقنا الخاصة. لم نستلم سلاحاً من العثمانيين ولا من الفرنسيين، وإنما بطرائقنا. أجدادنا بطرائقهم الخاصة امتلكوا السلاح. لم يتعاملوا مع العثمانيين ولا مع الفرنسيين. وكنا، يُشهَد لنا ولأجدادنا بمواقفنا الوطنية العاشقة للوطن. والأحداث يمكن أن نروي بعضها وإن ظلمنا البعض لعدم فهمهم، لجهلهم الدور الذي أدّاه المسيحيون في السقيلبية. نحن كنا اليد القوية للثورة الوطنية السورية وقادتها وزعمائها وخصوصاً إبراهيم هنانو قائد ثورة الشمال.

غسان الشامي: الذي أودع قسماً من عائلته لدى أجداد الأستاذ نابل.

أديب قوندراق: نعم.

نابل العبدالله: هناك الشهيد الملازم أول عارف العبدالله الذي استشهد في دير الزور، أول شهيد في المدينة، أول ضابط عسكري عام 1945. ربما الأستاذ أديب يعرف التواريخ. ولكن استشهد أثناء القيام بشقّ الضبّاط عن الجيش الفرنسي.

أديب قوندراق: هذه نقطة هامّة جداً.

نابل العبدالله: شقّ صف الضبّاط وشقّ الجنود، واحتلوا بعض الثكنات الفرنسية في دير الزور، ورفعوا العلم السوري الوطني. كان تشكيلهم من مؤسّسي الجيش الوطني.

غسان الشامي: نعم، نعم. قال الأستاذ أديب قوندراق إنكم أنتم أهالي السقيلبية لم تأخذوا سلاحاً من أحد، لا من الفرنسيين ولا من العثمانيين. أنتم الدفاع الوطني مَن مدّكم بالسلاح؟

نابل العبدالله: الجيش العربي السوري.

غسان الشامي: سلاحكم سلاح الدولة السورية.

نابل العبدالله: نعم. الجيش العربي السوري.

غسان الشامي: ومَن يموّلكم؟

نابل العبدالله: الجيش العربي السوري.

غسان الشامي: بالكامل.

نابل العبدالله: بالكامل، نعم.

غسان الشامي: وهل من قوّات صديقة تقاتل معكم؟

نابل العبدالله: توجد قوّات حليفة واضحة تقاتل في سوريا. في سوريا حرب كونية. قوّات واضحة، قوّات رديفة وصديقة واضحة، واضحة المعالم وليست مخبّأة.

غسان الشامي: كيف كان ردّ فعل أهل المدينة للدفاع عنها لوجود هذا العدد، وهو ما شاء الله عدد وافر من شباب المدينة الذين رأيناهم البارحة في مواقع القتال؟

نابل العبدالله: كانت يداً واحدة. الآباء يقدّمون هذا العدد الكبير الذي تراه من المقاتلين في المدينة هم أبناء المدينة. فهم قدّموا أبناءهم كما رأيت بالأمس. نزفّ الشهيد ونذهب في الدقيقة عينها إلى نقاط المواجهة، وتعود مساءً فترى المدينة تعيش. المدينة أثبتت كل صمود وكل ثبات.

أديب قوندراق: أبناء الحياة نحن. نحن أبناء الحياة.

غسان الشامي: نحن دائماً لا نريد.. ونحن شعوب تستحقّ الحياة. نحن شعوب متألّمة. ولكن اسمح لي بما بقي من هذا الجزء من الحوار أستاذ أديب: كيف تصف العلاقة الإسلامية المسيحية، لأنك أتيت على ذكر إبراهيم هنانو، في منطقة الغاب؟ في منطقة السقيلبية؟ كيف كانت؟ كي لا أقول لك كيف صارت.

أديب قوندراق: نعم نعم. نحن في علاقاتنا مع أهلنا وإخوتنا المسلمين في المنطقة مثل يُحتذى ويُقتدى به. إبراهيم هنانو عرف كيف يردّ معروف السقيلبية، فأعدم الذين اعتدوا على السقيلبية من الأتراك. وعلاقتنا مع أهلنا المسلمين في منطقة الغاب علاقة أسرة، عائلة. حتى إن كاهن رعية السقيلبية لم يكن اسمه فقط خوري السقيلبية وإنما كان خوري الغاب. له مكانة احترام كبيرة في نفوس أبناء البلدات الإسلامية المحيطة بنا.
أعيادهم أعيادنا، وأعيادنا أعيادهم. مشاركاتهم لنا كانت، لا نميّز أحداً عن أحد.

غسان الشامي: ما الذي تغيّر؟

أديب قوندراق: أنا أقول لك، وهذا واضح عندنا وعند جيراننا وأهلنا في الجوار أن التكفيريين الوهّابيين، هذا المذهب الذي نشأ في الجزيرة وخصوصاً السعودية، ونتيجة وجود عمالة سوريّة في الجزيرة، عندما عادوا حاملين هذا الفكر هم الذين جلبوا الفكر النشاذ للفكر السوري وللعلاقات السورية بين البلدات المتجاورة. إذاً، هو حالة نشاذ عابرة، وأهلنا المسلمون في البلدات المحيطة يدركون ذلك تماماً.

غسان الشامي: نعم. أعزائي، سنتوقّف مع فاصل. نحن في السقيلبية نحاول أن نرصد حياة الناس هنا، وضعهم، يمكن أن تسمعوا بعض الأصوات. أعزائي، سنعود إليكم بعد فاصل لنحاور أيضاً الأستاذ أديب قوندراق والأستاذ نابل العبدالله. انتظرونا إذا أحببتم.

 

المحور الثاني

 

غسان الشامي: سلام لكم من السقيلبية في سهل الغاب قرب أفاميا.

أعزائي، نبدأ هذا الجزء بتقرير عن العادات والتقاليد في مدينة السقيلبية، ونعود إلى الحوار.

 

التقرير

 

وصف المستشرق الألماني ساخاو عام 1879 عرسا في السقيلبية وكيف يغنّي الشبّان والصبايا ويقيم الراقصون حلقة مفتوحة مناصفة بين الجنسين تتصالب زنودهم ويدورون ببطء وإيقاعية ويندفعون إلى مركز الدائرة يدقّون الأرض بعزم.

لا يزال أهل السقيلبية يدبكون ويغنّون ولهم في الفرح باع طويل، ولا تزال العتابا السقيلباوية متميّزة. أمّا لباس المرأة التقليدي فقد بات نادراً لا يُرى إلّا في المناسبات. ويرجّح بعض الباحثين أن جذره آرامي، ويختلف بين العزباء والمتزوّجة.

الصبيّة كانت تغطّي رأسها بمنديل حريري يُسمّى القمطة، وهو أسود ملوّن بزهر بنفسجي أو خمري متداخل يُظهِر شعرها المنسدل. وفي المناسبات الاجتماعية والدينية تعتمر الحطّاطة الحريرية السوداء المنسوجة مع خيوط الفضّة أو القصب المذهّب.

أمّا لباس رأس المتزوّجة فيتألّف من العصابة الحريرية السوداء، وتتخلّله خيوط الفضّة أو القصب المذهّب حول الرأس والجبين. وحول الصدغين صفيّة من قِطع ذهبية، وعلى الصدغين رقائق الذهب المزخرف.
ويغطّي العصابة منديل حريري أصفر منسدل على الصدر والظهر. أمّا الفستان فطويل من المخمل الإنجليزي أو الياباني الأزرق أو الأخضر أو البنّي والأسود. ويشدّ الوسط حزام حريري ملوّن.

 

غسان الشامي: أهلاً بكم من جديد في "أجراس المشرق".

أستاذ قوندراق، من أين أتى هذا الزيّ الشعبي الواضح المعالم الجميل إلى السقيلبية؟ قبل أن أعود معك بالتاريخ. ولكن هذا الزيّ الذي مرّ في التقرير لافت للنظر. من أين أتى؟

أديب قوندراق: أتى من البيئات التي كان يسكنها أهلها قبل أن نصبح في السقيلبية، بيئات متعدّدة. والزيّ الذي رأيته أنت ويعجب كل مَن يراه هو الزيّ الملكي. لو عرفت تفاصيل هذا الزيّ...

غسان الشامي: تفضّل، تفضّل، هذا هامّ جداً.

أديب قوندراق: هو من الحرير الطبيعي. غطاء الرأس من الحرير الطبيعي الخالص.

غسان الشامي: والمقصّب بالذهب.

أديب قوندراق: والعصابة هي من الحرير أيضاً المطعّم بالفضّة وأحياناً بالذهب. ويزيَّن غطاء الرأس بـ"إكسسوارات" ذهبية رائعة جداً وغنيّة جداً. أمّا اللباس المحتشم الجميل، لباس الجسم، فهو تقليد للسيّدة العذراء. أمّا غطاء الرأس ولباس الرأس فنرى فيه الزيّ التدمري القديم.

غسان الشامي: البعض يقول إن هذا الزيّ هو وراثة أنثروبولوجية للأزياء الآرامية القديمة؟ هل لهذا بعض...

أديب قوندراق: نعم، نعم. هذا الزيّ، كما قلت، هو عبارة عن حصيلة وجمع لتراث تاريخي وبيئي سكنه أبناء السقيلبية.

غسان الشامي: هذا الزيّ أين موجود أيضاً في غير السقيلبية؟

أديب قوندراق: في الجبال الساحلية وقرى الجبال الساحلية.

غسان الشامي: هل بالإمكان المحافظة على هذا الزيّ؟ أو أنه ينقرض؟

أديب قوندراق: لا، ولن نراه بعد خمس سنوات، للأسف الشديد.

غسان الشامي: بعد خمس سنوات.

أديب قوندراق: نعم.

غسان الشامي: ألا توجد جمعيات صبايا وشباب يحاولون الحفاظ عليه؟

أديب قوندراق: في المناسبات.

غسان الشامي: في المناسبات؟

أديب قوندراق: نعم، في المناسبات الدينية أو الاجتماعية. يعود هذا الزيّ يظهر، لكن ليس لباساً شعبياً وإنما تقليدي.

غسان الشامي: ما هي العادات الأخرى والتقاليد التي لا تزال متوارثة في السقيلبية؟

أديب قوندراق: لدينا الكثير من العادات الجميلة. أعيادنا المعروفة بكبيرها وميلادها، بفصحها وميلادها، يشاركنا بهذين العيدين أبناء البلدات المتجاورة وكأنها أعيادهم. أذكر وأنا طفل أن أبناء الغاب كانوا يحضرون في عيد الفصح إلى السقيلبية فرساناً على ظهور خيولهم ليشاركوا السقيلبية في سباق الخيل الذي كان طقساً لا بدّ منه في اليوم الثاني من الفصح المجيد. وترى منازلنا وبيوتنا مليئة بالمهنّئين من أبناء القرى والبلدات المجاورة.
فكانت فرحتنا بلقائنا تضاهي فرحتنا بالعيد.

غسان الشامي: أستاذ نابل، هل استهداف السقيلبية جاء لأنها فقط وقفت مع الدولة السورية، مع مؤسسات الدولة السورية؟ مَن يمرّ في البلدة يعرف تماماً أن كل مؤسسات الدولة موجودة. هل لأن أهالي هذه المدينة وقفوا مع الدولة استُهدفوا؟

نابل العبدالله: استهداف مدينة السقيلبية هو مثل استهداف أي شبر من سوريا. هم فصائل إرهابية تعمل لأجندة صهيونية وأجندة أميركية، لهم مشغّل وهم آتون ليعملوا على هذا الأمر لإسقاط الدولة السورية. والسقيلبية جزء من الدولة السورية.

غسان الشامي: ولكن يسألوننا في الغرب وهنا وهنا: لماذا يقف المسيحيون مع الدولة؟

نابل العبدالله: نقف مع الإرهاب؟

أديب قوندراق: أو مع الدولة التي تؤمّن الحماية؟

نابل العبدالله: في سوريا إرهاب دولي.

غسان الشامي: أنا لا أحاول استفزازك، ولكن أريد التوضيح لأن الكثيرين يسألون: لماذا يقف المسيحي في مصر وفي سوريا وفي العراق مع الدولة؟

نابل العبدالله: هذا الحديث في سوريا أنه مسيحي أو... الغرب كما يريد، نحن ليس لنا إيمان به. لم نرَه، لا نعرفه، ما هذا الغرب؟ المسيحيون بالشكل يمكن للناس أن يفكّروا أنهم تابعون للغرب. لا. نحن المسيحيين سوريون أولا.ً هذا حديث غير صحيح. المسيحيون يقاومون في سوريا مثلهم مثل كل الطوائف السورية. لم تأخذ الحرب في سوريا المنحى الطائفي. هناك من أهلنا المسلمين في الجيش العربي السوري. لم تأخذ الحرب المجرى الطائفي في سوريا. هناك إرهاب وهناك جيش يدافع عن بلد وعن قانون وعن حدود وعن دستور.

غسان الشامي: أنا سمعتكم تقولون إن لكم أهلاً بين القرى التي هي الآن على خطوط تماس للأسف، وهم يقصفونكم، وهذا ما شهدناه. هل أيضاً من أهل هذه القرى يوجد أناس يعيشون في السقيلبية؟

نابل العبدالله: نعم. استضافت المدينة أربعة آلاف عائلة من أهلنا من الشمال الذي تحت سيطرة العصابات الإرهابية. أتوا إلى مدينة السقيلبية، ومدينة السقيلبية احتضنتهم بالأكمل ويعيشون مثلهم مثل أي... في مدارسنا، في مستشفياتنا، في تعليمنا.

أديب قوندراق: بكرامتهم وراحتهم ...

نابل العبدالله: لأنهم أبناء الجمهورية العربية السورية.

غسان الشامي: أنت من مربّي الأجيال. هذا الذي نراه الآن، هل كنت تتوقّع أنه جزء من السياق الثقافي للسوريين، أستاذ أديب؟

أديب قوندراق: هذا الذي نراه ونعاني منه ليس من تراثنا ولا من طبيعتنا ولا عادات السوريين. قلت لك:
فكر وارد وافد إلينا من المصادر الوهّابيّة المجاورة لسوريا.

غسان الشامي: أستاذ نابل، بالمقابل يقول البعض: ماذا قدّمت الدولة السورية لأبنائها في السقيلبية في منطقة الغاب؟

نابل العبدالله: قدّمت كل إمكاناتها بالأكمل. نحن في ظل حرب منذ ست سنوات. المدينة ثابتة وصامدة. بشكل عام، سوريا ثابتة وصامدة. كل شيء قدّمت. تملك المدينة كل مقوّمات الدفاع عن المدينة.

أديب قوندراق: نعم.

نابل العبدالله: من أين؟ من الجيش العربي السوري، من الدولة السورية. الموظّفون في سوريا كلها رواتبهم مستمرة في ظل هذه الأحداث. المستشفيات في سوريا، التعليم المجّاني في سوريا، حقوق العسكري، حقوق الشهيد. قدّمت كل شيء الدولة السورية.

غسان الشامي: أستاذ أديب، السقيلبية المعاصرة ماذا قدّمت ثقافياً وحضارياً؟

أديب قوندراق: السقيلبية كمركز إداري لمنطقة الغاب الواسع والمتعدّد البلدات والقرى هي عاصمة الغاب، فيها المدارس قبل أن تعرف البلدان المدارس، فيها الأطبّاء، فيها المستشفيات، فيها السوق. وأهم ما فيها فرص العمل التي كانت تضمنها السقيلبية للقادمين إليها من البلدات والقرى المجاورة.

غسان الشامي: بالتحديد، أنا أريد أن يعرف السادة المشاهدون أسماء ثقافية لامعة، أسماء قدّمت لتاريخ سوريا من هذه المدينة.

أديب قوندراق: قديماً أو حديثاً؟

غسان الشامي: قديماً وحديثاً.

أديب قوندراق: قديماً في الفترة الأفامية، السقيلبية مدّت الثقافة الفلسفية بعدد كبير ربما لا تحضرني أسماؤهم لصعوبة لفظها. لكن هناك مَن تحدّث عن شعراء وفلاسفة من السقيلبية، وعن قادة وفرسان قاتلوا في الإمبراطورية الرومانية.

غسان الشامي: في الفترة المعاصرة؟

أديب قوندراق: لدينا الكثير من المثقّفين. السقيلبية البلدة التي بلغ العلم والطب والهندسة فيها مراتب عالية وأرقاماً عالية جداً. قد لا يعنينا الشعر كثيراً، وإنما اهتمام شبابنا وصبايانا هو اهتمام علمي. وهذا ما نرتاح إليه:
الطب، الصيدلة، الهندسة، والبحوث أو الفيزياء. ولدينا علماء على مستوى العالم في الطب وفي الفيزياء النووية، منهم موجود في فرنسا وفي أميركا وفي مناطق مختلفة من العالم.

غسان الشامي: ليس هنا.

أديب قوندراق: لا.

غسان الشامي: وعلى الصعيد الفكري؟ قبل أن أسألك عن الصعيد الفكري، يذكر أن الشباب والصبايا يذهبون إلى الطب والهندسة، ما نسبة الأمّيّة في السقيلبية؟

أديب قوندراق: لا أذكر نسبة. لا أظنّ أن هناك نسبة للأمّيّة في السقيلبية.

غسان الشامي: خالية من الأمّيّة.

أديب قوندراق: نعم. ومن فترة طويلة وليست حديثة.

غسان الشامي: على الصعيد الفكري والسياسي، هذه المدينة ماذا قدّمت؟

أديب قوندراق: على الصعيد الفكري، السقيلبية تُعتبَر محجّاً وقبلة للمثقّفين والمفكّرين السوريين وحتى العرب.
أنا بصفتي رئيساً للمركز الثقافي العربي في السقيلبية، لعشرين سنة متواصلة لا أظنّ أن هناك مفكراً في سوريا إلّا وزارنا وتقدّم إلينا بطلب للحضور إلى السقيلبية للسمعة الثقافية الطيّبة التي تتحلّى بها السقيلبية.

غسان الشامي: أستاذ نابل، ما علاقتكم كمقاتلين بالكنيسة؟

أديب قوندراق: علاقة كل مؤمن بربّه.

غسان الشامي: هل يحتاج المؤمن إلى كنيسة ليصل إلى ربه؟

نابل العبدالله: كل مؤمن له رب يصلّي له. علاقة كل مؤمن بربّه، علاقتنا كمؤمنين بكنيستنا، محافظون على عاداتنا وتقاليدنا. أنا كشخص، والشباب الذين معي كمقاتلين من أول الناس نكون موجودين في الاحتفالات الدينية.

غسان الشامي: رأيت علاقتك البارحة بالكهنة.

نابل العبدالله: الآباء الكهنة علاقتنا بهم علاقة جيّدة. هم بشكل دائم يقدّمون لنا الصلوات ليحمينا الله أينما ذهبنا في مهماتنا مثلما يرفعون الصلوات ليعمّ السلام في سوريا.

غسان الشامي: إن شاء الله. ماذا قدّمت الكنيسة لكم في هذه الحرب؟

نابل العبدالله: قدّمت الصلوات والدعم.

غسان الشامي: فقط.

نابل العبدالله: نعم، الصلوات ليحمينا الله.

غسان الشامي: معونات، كذا.

نابل العبدالله: نعم، قدّمت معونات.

غسان الشامي: حتى نعطي فكرة، لأنه ليس بالصلاة وحدها يحيا الإنسان، وليس بالخبز وحده يحيا الإنسان. ولكن أيضاً هل هناك دعم من الكنيسة للعائلات؟

نابل العبدالله: الكنيسة تقوم بدعم واضح لجريح، لمصاب حرب، لإنسان بحاجة إلى عمل جراحي. الكنيسة تقوم بعمل إنساني كما يتطلّب العمل الإنساني من دون تفرقة بين مقاتل وآخر.

أديب قوندراق: لكن أسجّل عتباً على الكنيسة.

غسان الشامي: من أي نوع العتب؟

أديب قوندراق: مقصّرة بحق رعيّتها في السقيلبية، وتعطي الغير أكثر ممّا يناله أبناء السقيلبية الصامدون، سواء كانوا شهداء، أسرهم، مقصّرة جداً، مقصّرة جداً.

غسان الشامي: أنا أحترم رأيك بالكامل.

أديب قوندراق: وهذا العتب أرجو أن ترفعه أو يصل إليهم.

غسان الشامي: لا رقابة في هذه القناة وفي "أجراس المشرق" إلّا لضميرنا. الكلام الذي تقوله ستسمعه كما هو. أريد أن أسألك: الاغتراب في السقيلبية قديم. لأنه ضاق الوقت.

أديب قوندراق: نعم.

غسان الشامي: هل يرتبط المغتربون بمدينتهم حالياً؟

أديب قوندراق: المغتربون الجدد أو القدامى؟

غسان الشامي: القدامى أولاً ثم الجدد.

أديب قوندراق: نحن شهدنا حركة اغتراب منذ مئة عام خلال فترة الحرب العالمية الأولى أيام سفربرلك والاحتلال العثماني، وكانت الظروف قاهرة لأبنائنا وعلى أهلنا ما اضطرّهم إلى الهجرة. هاجرت أعداد كبيرة من أبناء السقيلبية. وللأسف، وللأسف كانوا في أميركا الجنوبية، البرازيل والأرجنتين، ولم يعد منهم أحد، ولم يغتنِ منهم أحد ولم يقدّم أحد منهم أي واجب تجاه بلده.

غسان الشامي: والجدد؟

أديب قوندراق: واليوم التاريخ أعاد نفسه بظروف مشابهة: حرب، فقر، هاجر الكثير من عائلاتنا اليوم منذ خمس سنوات وحتى الآن. لكن هؤلاء اغتربوا حاملين معهم أوطانهم وخصوصاً بلدتهم السقيلبية وأهلهم، ويقدّمون ويقدّمون ويقدّمون.

غسان الشامي: هل من إحصاء لديكم، أستاذ نابل، عن أعداد الذين غادروا السقيلبية في هذه الحرب المخيفة؟

نابل العبدالله: توجد إحصاءات. للأسف، الهجرة حديث المشرق بالأكمل وسوريا بشكل عام. لم تُصِب الهجرة المسيحيين بشكل خاص. الظروف التي تسبّب الهجرة المباشرة أو غير المباشرة وقعت على أبناء سوريا أكانوا مسيحيين أو كانوا من الطوائف الكريمة الأخرى. ولكن بشكل خاص، هجرة المسيحيين في هذه الظروف تشكّل تغيير وجه كامل البلد، للأسف.

أديب قوندراق: تؤثّر على الديمغرافية.

نابل العبدالله: تؤثّر على العالم بأكمله. هجرة المسيحيين من هذا البلد تؤثّر على العالم بأكمله وليس فقط على سوريا. هو أمر مزعج.

غسان الشامي: ماذا تقول للمغتربين، أستاذ أديب؟

أديب قوندراق: تذكّروا أن لكم وطناً قدّم لكم كل ما احتجتم وكبّركم، فلا تنسوه في محنته.

غسان الشامي: أستاذ نابل، أنت ماذا تقول للمغتربين؟ هم يرونك، وأنا أعرف أنهم يحبّونك لأنهم يرونك على مواقع الدفاع عن مدينتهم. أنت ماذا تقول لهم؟

نابل العبدالله: أتمنّى لهم أن يوفّقهم الله. ليس كل مَن هاجر معه حق، ولا كل مَن هناك ليس معه حق. وهناك أناس باقون هنا معهم حق وأناس باقون هنا وليس معهم حق. نحن المقاتلين لا نشجّع هذا الأمر أبداً. نحن لسنا باقين هنا نواطير. لا يجوز. هذا البلد يطلبه منكم. نعود ونقول: الله يوفّقهم، لهم ظروفهم، الله يوفّقهم. إن شاء الله، الله ينصر هذا البلد ويعودون قريباً.

غسان الشامي: إن شاء الله.

نابل العبدالله: نتمنّى أن نراهم كلهم، اشتقنا إليهم.

غسان الشامي: ماذا تقول للمقاتلين؟

نابل العبدالله: الله يحميهم. أبطالنا هؤلاء.

غسان الشامي: لماذا تتعامل معهم بهذه الطريقة من الأخوّة؟ لم أجد في طريقة تعاملك إلّا هذا الودّ معهم.

نابل العبدالله: أنا مقاتل معهم. المقاتلون أولادنا وإخوتي ورفاقي، وحياتي معهم. أنا أظلّ معهم حتى الخامسة صباحاً. أذهب لأرتاح خمس ساعات ثم أعود ونقضي نهارنا هكذا. شباب صامد ثابت، قابض على الزناد، صاحٍ على خط نار في أخطر منطقة، في أخطر جغرافيا ربما في الكرة الأرضية. لم تكن غزّة أخطر منها أمس أو أول من أمس، ولا أفغانستان. فنحن في خندق واحد، دائماً سويّة، نأكل سويّة. الله يحميهم.

غسان الشامي: بكلمة واحدة أستاذ أديب، سأختم معك: ماذا تقول لأهل السقيلبية؟

أديب قوندراق: أقول لأهل السقيلبية: تفاءلوا بالخير وتذكّروا أن جيراننا هم أبناء بلدنا وهم أهلنا، وبلادي وإن جارت علينا كريمة، وأهلي وإن جنوا عليّ كرامُ.

غسان الشامي: عزيزة.

أديب قوندراق: فليتذكّر أهلي في السقيلبية هذا القول. وسنعود نهدي إليهم المحبة. حتى وإن أهدوا إلينا الصواريخ، سنهدي إليهم الحب.

غسان الشامي: أشكرك. أعزائي، هذا واقع المدينة. هذا واقع حال الناس. هذه هي الحياة في ظل الحروب. الحروب دائماً مؤلمة وقاتلة ومؤذية. أنا أريد أن أشكر كل أهالي السقيلبية على حُسن محبتهم وضيافتهم. أريد أن أخصّ بالشكر الأستاذ غيث العبدالله، وهو صديق وفنّان، قدّم لنا كل المساعدة.
أريد أن أشكر الأستاذ أديب قوندراق على حضوره. أريد أن أشكر الأستاذ نابل العبدالله على حضوره. لا أريد أن أذكر الكثير من الأسماء حتى لا يستهدفهم أحد. ولكن، شكراً لجميع أهالي السقيلبية على ما قدّموه لنا.
شكراً لزملائي الذين جاؤوا معي من بيروت: جهاد نخلة، لور موراني، أحمد دغيم، وجمال حيدر. شكراً لهم على كل ما يقدّمونه لـ"أجراس المشرق".

ومن السقيلبية على كتف أفاميا، على كتف الغاب، مع أمل بسلام لسوريا:

سلام عليكم وسلام لكم.