حمه الهمامي - الناطق الرسمي للجبهة الشعبية في تونس

الانشقاقات والتكتلات الحزبية في تونس وتأثيرها على الوضع السياسي في البلاد، والعلاقات الخارجية التونسية

كمال خلف: سلام الله عليكم مشاهدينا في حوار الساعة.

استطاعت تونس حتى الآن حماية مسار انتقالها الديمقراطي عبر منهجٍ سياسيٍ يقوم على التوافق، إلا أنّ التحوّلات التي تشهدها تونس تستدعي الانتباه إلى مآلات هذا التوافق القائم على ائتلافات أحزابٍ لإدارة الحكم بعد الثورة. فمنذ تأسيس الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة، مروراً بتجربة الترويكا، ومن ثمّ الحوار الوطني برعاية الاتحاد العام التونسي للشغل بعد الأزمة السياسية التي أعقبت اغتيال الشهيد البراهيمي، وصولاً إلى وثيقة قرطاج التي أنتجت حكومة الوحدة الوطنية، بقي التوافق الإطار السياسي السائد.

إلا أن المرحلة المقبلة في تونس تطرح أكثر من تحدٍ يتجاوز إنجاز التوافق هذا، فالوضع الاقتصادي والمعيشي الذي كان أحد أهم أسباب إطلاق الثورة التونسية ومحرّك الاحتجاجات بعدها، ما زال معضلةً ماثلةً، بالإضافة إلى تحديات تتعلّق بالإرهاب ورسم سياسة خارجية واضحة لتونس ولا سيما في محيطها العربي المنقسم.

مشاهدينا، عن هذه التحديات الداخلية والخارجية في تونس اليوم نستضيف الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية التونسية الأستاذ حمة الهمامي.

أسعد الله مساءك أستاذ الهمامي.

 

حمة الهمامي: أهلاً وسهلاً.

 

كمال خلف: حيّاك الله، واسمح لي أن أبدأ بداية من مدخل التوافق الذي اخترناه ليكون في مقدّمة الحلقة.

رغم نجاح النموذج التونسيّ أو ما عُرِف باستثناء الحالة التونسية في الوضع العربيّ الذي ساد خلال سبع سنوات تقريباً، إلا أنّ حركة الاحتجاجات في الشارع في تونس لا تزال مستمرة حتى هذا اليوم، رغم وجود تحوّل ديمقراطيّ أو مرحلة انتقال ديمقراطيّ واضحة، ورغم وجود حالة من التوافق بين القوى السياسية، دعني أقول، التي وصلت إلى الحكم.

إلى ماذا تُرجِع أسباب ذلك باختصار؟

 

حمة الهمامي: الحديث عن التوافق يتطلّب مِنّا التدقيق. هو توافق بين بعض القوى السياسية، وليس توافقاً بين كلّ القوى السياسية في تونس. في الوقت الراهن، هو في الأساس توافق سياسي بين خصمي الأمس، بين حزب نداء تونس الذي أصبح يتشكّل في الأساس في الوقت الراهن من قيادات أو من أشخاص ينتمون إلى النظام السابق، إلى التجمّع الدستوريّ، زمن بن علي، وحركة النهضة. هو توافق بطبيعة الحال بين هذين الحزبين أساساً، وليس توافقاً بين كل الأحزاب السياسيّة، وهذا التوافق في حدّ ذاته هو توافق ملغوم، لأنه ليس توافقاً قائماً على رؤية مستقبلية لتونس، على برنامج مستقبلي لتونس، وإنما هو قائم على مصالح حزبية ضيّقة، وهو فوق ذلك كله، هو توافق مدفوع إليه دفعاً من دوائر أجنبية، وهذا أمر معلوم، من الاتحاد الأوروبيّ، الولايات المتحدة الأميركية، من المؤسسات المالية الدولية.

وبالتالي، فالسؤال الذي يطرح، هو توافق حول ماذا؟ هل هو توافق حول مصلحة تونس؟ هل هو توافق حول مصالح الشعب التونسي؟ نحن في الجبهة الشعبية نعتقد أن هذا التوافق إنّما هو توافق ضدّ الديمقراطية في تونس، ضدّ تجسيد وتكريس الدستور التونسي الذي يحمل مبادئ وأهدافاً ديمقراطية، هو توافق من أجل عرقلة تكريسه في مؤسسات، ونحن اليوم رغم فوات الآجال، فإنّ معظم المؤسسات المنصوص عليها في الدستور لم تتحقّق. ثمّ من الناحية الاقتصادية والاجتماعية، هو توافق ضدّ الشعب التونسي وضدّ سيادة تونس.

 

كمال خلف: أستاذ الهمامي، عفواً، هو توافق ليس فقط توافق النداء والنهضة، قبل ذلك كانت هناك تجربة الترويكا كما تعرف، وحتى موضوع الذهاب إلى الحوار الوطني كان أيضاً مبنيًا على توافق وقبول من قِبَل قوى سياسية، لكن ما يهمني أو ما أريد الإجابة عليه هنا والذي كثير من العرب المتابعين للتجربة التونسية يتساءلون حوله، نجاح التجربة، أو لا نريد أن نذهب بعيداً، استثنائية التجربة، استثنائية التجربة التونسية إذا جاز لنا أن نقول لم توصل إلى تحقيق الأهداف التي خرجت من أجلها الجماهير. حتى اليوم في تطاوين، في أكثر من منطقة في تونس، هناك تظاهرات لا تزال ترفع نفس المطالب التي شهدناها في بداية الثورة التونسية.

لماذا فشلت النخبة السياسية والأحزاب في تحقيق أهداف الناس الذين خرجوا للثورة؟

 

حمة الهمامي: نحن لا نعتبر أنّ الفشل في تونس هو فشل للنخبة السياسية بشكلٍ عام، هو فشل الأحزاب الحاكمة، هو فشل التحالف اليمينيّ الحاكم الذي يتزعّمه بشكلٍ أساسيّ حزبا النهضة والنداء. هذا الفشل وهذا العجز هو عجز هذا الائتلاف وفشل هذا الائتلاف، لأنّه أدار الظهر بالنظر إلى طبيعته كائتلاف يميني، كائتلاف يدافع عن أقليات المهرّبين والمتهرّبين من الجباية واللوبيات، منع الفساد والمصالح، أيضاً الشركات والدول والمؤسسات المالية الأجنبية، هو هذا الائتلاف أدار الظهر للمطالب الأساسيّة التي رفعها الشعب التونسيّ في ثورته التي تمحورت حول شعار شغل، حرية، كرامة وطنية. هذا الائتلاف لم يحقّق الشغل بل البطالة زادت، وهذا الائتلاف الآن يتآمر ويناور من أجل ضرب مكسب الحرية الذي يُعتبَر المكسب الأساسيّ الذي تحقّق في الأرض، وهذا الائتلاف أيضاً هو الآن يطبّق وينفّذ إملاءات المؤسسات المالية الدولية، وبالتالي فهو ينتهك السيادة الوطنية لتونس.

لذلك، في الجبهة الشعبية لا نعتبر أنّ هذا الفشل هو فشل للنُخب السياسية في تونس، هو فشل الائتلاف اليميني الحاكم المتكوّن من حزب نداء تونس، المتركّب من أغلبية كانت تنتمي للنظام القديم، وحركة النهضة وهي حركة الإخوان المسلمين، وهذان الطرفان، هذان الحزبان صحيح معهما بعض الأطراف الأخرى ولكنها أطراف صغيرة وغير مؤثرة، وهو ما كان موجوداً زمن الترويكا، عندما كانت النهضة في الحكم هي التي كانت تحكم وهي التي كانت تدير، والحزبان الآخران اللذان كانا موجودين مع النهضة كانا في حقيقة الأمر في الحكم ولكنّهما لم يحكما تونس.

إذاً الفشل في الوقت الراهن هو فشل الائتلاف اليميني الحاكم الذي يمثّل مصالح نفس الأقليات التي ثار ضدّها الشعب التونسي.

 

كمال خلف: أستاذ حمة، هناك مستجدّ أيضاً اليوم في تونس، الأحد تم الإعلان كما تعرف عن جبهة الإنقاذ والتقدّم، هذه الجبهة تضم عشرة أحزاب أو 11 حزباً كما قالت الأنباء، والهدف هو إعادة التوازن كما قال المؤسّسون لهذا التجمّع أو لهذه الجبهة، إعادة التوازن للمشهد السياسيّ التونسيّ من جديد، وكسر هيمنة الحزبين، النداء والنهضة.

أولاً، أنتم في الجبهة الشعبية ما هو موقفكم من هذا التجمّع؟ وهل تعتقدون بأنّه قد يحقّق ذلك فعلاً، أهدافه، الأهداف التي انطلق من أجلها؟

أستاذ حمة الهمامي، تسمعني؟

 

حمة الهمامي: الآن أسمع.

 

كمال خلف: أنا كنت أسأل حول تشكيل جبهة الإنقاذ والتقدّم يوم أول أمس والأسباب التي دفعت إلى تشكيل هذه الجبهة. القائمون عليها يقولون بأنّها لإعادة التوازن للمشهد السياسي التونسي. هل تعتقدون فعلاً بأنّ هذه الجبهة ستعيد التوازن، والأحزاب التي فيها، عشرة أحزاب، قد يمثّلون تغييراً في المشهد السياسي التونسي وكسر هيمنة الحزبين الحاليين، نداء تونس وحركة النهضة؟

 

حمة الهمامي: من ناحية مبدئية، نحن نعتبر أنّ من حقّ كلّ الأحزاب التي تعتبر نفسها قريبة بعضها من بعض من الناحية السياسية أن تتجمّع، لكن السؤال يبقى هو، كيف تجمّعت هذه الأحزاب؟

لا بدّ من ملاحظة أنّ غالبيّة هذه الأحزاب، وخاصةً طرفيها الرئيسيين، أي المتكوّنين من حزب مشروع تونس والاتحاد الوطني الحر، بالإضافة إلى العديد من العناصر التي كانت والقيادات التي كانت موجودة في نداء تونس، كلّ هذه الأطراف كانت مؤيّدة لوثيقة قرطاج التي قامت على أساسها الحكومة الحاليّة، ما يُسمّى بحكومة الوحدة الوطنية.

قيام هذه الجبهة بالنسبة إلينا هو أولاً وقبل كل شيء عنوان لفشل وثيقة قرطاج، وعنوان لفشل ما يُسمّى حكومة الوحدة الوطنية. هذه الأطراف انفضّت من حول وثيقة قرطاج ومن حول حكومة الوحدة الوطنية، التي ليست سوى غطاء لتغطية فشل الائتلاف الحاكم، غطاء أيضاً لتمرير إملاءات خارجيّة خاصةً في المستوى الاقتصادي والاجتماعي، ما يُسمّى بالإجراءات الموجِعة، الموجِعة للكادحين والموجِعة للشعب التونسي. إذاً قيام هذه الجبهة هو عنوان لفشل ما يُسمّى بوثيقة قرطاج وحكومة الوحدة الوطنية.

الجانب الثاني هو، هل أنّ هذه الجبهة ستحقّق التوازن ما بينها وما بين الائتلاف الحاكم؟ نحن في الجبهة الشعبية نعتبر أنه بالنسبة لأية جبهة سياسية أو حزب سياسي المحدّد والحاسم هو ما هو برنامجه. بالنسبة للجبهة الشعبية، نحن لا نحدّد هويتنا بمعارضة حركة النهضة أو بمعارضة نداء تونس. الجبهة الشعبية تحدّد هويتها ببرنامج سياسي، ببرنامج اقتصادي واجتماعي، ببرنامج ثقافي، وعلى أساس هذا البرنامج الجبهة الشعبية تحدّد موقفها ازاء الائتلاف الحاكم، وإزاء أيضاً القوى السياسية الأخرى.

ما سمعناه إلى حد الآن في الحقيقة لا يمثّل برنامجاً بالنسبة لهذه الجبهة، التي تشكّلت في الأيام الأخيرة. نحن ننتظر برنامجها، نحن ننتظر مقترحاتها لحلّ القضايا الأساسيّة التي تعيشها تونس والتي يعيشها الشعب التونسي.

 

كمال خلف: لماذا السيّد الهمامي أنتم في الجبهة الشعبية بعيدون عن هذه التجارب؟ لماذا لم تدخلوا مع هذه الأحزاب، حتى لو في نقاش، وليس أن تنضمّوا مباشرةً لجبهة الإنقاذ والتقدّم؟ لماذا أنتم بعيدون رغم أن الجبهة بما تطرحه الآن هي تتوافق مع الجبهة الشعبية وتتوافق مع ما تقوله حضرتك، هي كسر هيمنة الحزبين، إيجاد توازن في المشهد السياسي، وهي أيضاً على خصومة دعني أقول سياسية مع النهضة كما أنتم تماماً؟

 

حمة الهمامي: لا، لا بدّ من توضيح بعض الأمور. هذه الأحزاب لم تكن بالأمس في خصومة مع حركة النهضة أو مع نداء تونس. هذه الأحزاب كانت تنظّر للتحالف الاستراتيجي مع حركة النهضة، أو لنقُل، الأحزاب الأساسية والقوى الأساسية في هذه الجبهة هي التي كانت تنظّر بالأمس للتحالف الاستراتيجي مع حركة النهضة، سواء كانت هذه الأحزاب داخل نداء تونس ثمّ انشقّت عنه، أو ما يتعلق بالاتحاد الوطني الحر. هذا جانب.

الجانب الثاني، نحن الجبهة الشعبية ليس هدفها كسر التحالف القائم، ليس هدفها المعارضة من أجل المعارضة. الجبهة الشعبية هدفها الأساسيّ تحقيق برنامج وطني اجتماعي لتونس يحقّق أهداف الثورة التونسية. على أساس هذا البرنامج نحن نعارض الائتلاف الحاكم، وبالتالي عندما نستمع إلى بعض هذه الأطراف لهذه الجبهة تحدّد هويّتها بمعارضة حركة النهضة، فنحن نختلف. الجبهة الشعبية تحدّد هويتها ببرنامجها الوطني الديمقراطي الاجتماعي الوفيّ لأهداف ثورة الشعب التونسي.

في ما يخصّ العلاقة بهذه الجبهة، بطبيعة الحال، نحن ليس لنا موقف مُسبق، نحن ننتظر برامج هذه الجبهة، مقترحات هذه الجبهة من أجل حلّ مشاكل تونس، ومشاكل شعبها، وفي ضوء تلك البرامج وتلك المقترحات، نحن سنحدّد تعاملنا بشكل ملموس مع هذه الجبهة ومع مختلف مكوّناتها.

 

كمال خلف: أنا أفهم منك الآن سيّد الهمامي أنّكم قد تتحالفون، لا تغلقون الباب، لأن هناك من يتّهم اليوم الجبهة الشعبية بأنّ خطابها وطريقة أدائها السياسي في تونس يجعلها في عزلة. الآن أريد أن أفهم منك، أنتم لستم ضدّ هذه الجبهة، لا، على العكس، يمكن أن تتحالفوا معها، وبالتالي يمكن أن تدخلوا السلطة؟ أليس كذلك؟

 

حمة الهمامي: أولاً وقبل كلّ شيء، الجبهة الشعبية ليست معزولة في تونس. الذين يتحدّثون عن عزلة الجبهة إنما هم في حقيقة الأمر يروّجون لأكاذيب. الجبهة الشعبية ليست معزولة عن الشعب التونسي. العزلة الحقيقية هي عزلة الائتلاف الحاكم الحالي عن الشعب. هذا الائتلاف الحاكم حالياً، حتى عندما يذهب وزراء منه إلى بعض الجهات مثلما وقع اليوم مثلاً في منطقة الجنوب في تطاوين، فالجماهير الشعبية ترفض هذه الوفود. الائتلاف الحاكم الحالي هو في عزلة، فهو له مشاكل مع العمال، مع النقابات، له مشاكل مع المحامين، له مشاكل مع الأطباء، له مشاكل مع المُعطلين عن العمل، له مشاكل تقريباً مع معظم الجهات.

أما الجبهة الشعبية فليست في الحكم، نحن لسنا في الحكم لسبب بسيط، نحن لا نريد أن نتواطأ مع الحكومات التي تتستّر على الفساد والفاسدين، الحكومات التي تبيع تونس قطعةً قطعةً للرأسمال الأجنبي وللمؤسسات المالية الدولية. نحن لا نريد أن نكون طرفاً في حكومة تدخل محاور في الوطن العربي، محاور لا مصلحة لتونس فيها.

إذاً الجبهة الشعبية ليست في عزلة. الذي هو في عزلة الائتلاف الحاكم الحاليّ، لأنّه عاجز تماماً، عاجز عن حلّ مشاكل تونس.

 

كمال خلف: هذه واضحة. المشاركة في السلطة، موضوع المشاركة في السلطة؟

 

حمة الهمامي: الجبهة الشعبية هي كقوّة سياسيّة تريد الوصول إلى الحكم، ولكن نحن الحكم ليس هدفاً في حدّ ذاته، نحن، ولسنا أيضاً ضدّ المشاركة في السلطة، ولكن المشاركة في السلطة ليست هدفاً في حدّ ذاتها. نحن طرحنا دائماً وأبداً السؤال التالي، السلطة حول أي برنامج؟ هل السلطة حول برنامج منافٍ لمصالح تونس ومنافٍ لسيادة تونس ومنافٍ لمصالح الشعب، أو برنامج لإنقاذ تونس من الهيمنة الاستعمارية الجديدة الأجنبية، إنقاذ تونس من نهب المؤسسات المالية الدولية، إنقاذ شعب تونس من الفقر ومن البطالة ومن التهميش؟ هذا نحن مع السلطة ونحن مع المشاركة في سلطة لها برنامج يحقق الأهداف الأساسية لثورة الشعب التونسي.

 

كمال خلف: إذاً أنا أريد أن أفهم باختصار سيّد همامي إذا سمحت لي، أنتم الآن تدعون أو حضرتك تدعو الجبهة الجديدة، جبهة التقدّم والإنقاذ، تدعونها إلى برنامج أو تنتظرون برنامجها لتتحالفوا معها؟ أنتم على استعداد، نعم أم لا، أنتم على استعداد للتحالف وفقاً للبرامج؟

 

حمة الهمامي: تحالف أو عمل مشترك أو التقاء أو أي شكل من أشكال العمل المشترك، نحن دائماً وأبداً في الجبهة الشعبية نشرطه بالمسائل البرنامجية، وطالما أنّ هذه الجبهة لم تقدّم مقترحاتها وبرامجها، فلا يمكن الحديث مسبقاً عن تحالف، أو كما لا يمكن الحديث مسبقاً عن عدم تحالف. قد نجد مثلاً أرضية مشتركة داخل البرلمان، قد نجد أرضية مشتركة ونقاط إلتقاء في مجال من المجالات، أما الحديث مسبقاً عن تحالف وهذه الأطراف وهذه الجبهة إلى حدّ الآن لم تقدّم برنامجها، فهذا أعتقد لا يمكن الجواب عنه منذ الآن، خصوصاً وأنّ هذه الأطراف، لا ننسى أن هذه الأطراف كانت مع وثيقة قرطاج، وكانت مع حكومة الوحدة الوطنية التي نراها تكرّس اختيارات أدّت اليوم إلى تفاقم البطالة وتفاقم التهميش وإلى تدهور المقدرة الشرائية للتونسيين، وإلى التفريط في سيادة تونس، وإلى تحويل تونس إلى مجرّد خاضع، ذليل للمؤسسات المالية الدولية.

نحن ننتظر من هذه الجبهة أن تعطينا موقفها من الخيارات التي كانت تدافع عنها، وهل هي ما زالت تدافع عنها إلى حد الآن، هل هي لها مقترحات جديدة. في ضوء ذلك كله نحدّد موقفنا، وأريد أن أؤكّد أنّ كلّ الذين يتّهمون الجبهة الشعبية بكونها معزولة أو بكونها لا تريد المشاركة في السلطة، إنما في حقيقة الأمر لإخفاء عزلتهم هم ولإخفاء برامجهم هم، يريدون توريط الجبهة الشعبية في برامج وفي ممارسات وفي سلوكات معادية لتونس ومعادية لشعبها.

 

كمال خلف: أستاذ همامي إذا سمحت لي، سوف نسأل أيضاً عن موضوع الأحزاب، هناك أحزاب جديدة، حزب البديل، مهدي جمعة، أيضاً المنصف المرزوقي الرئيس السابق شكل حزب حراك تونس.

هل هذا كله سوف يفضي إلى مشهد سياسي جديد في تونس؟ آخذ موقفكم من هذه الأحزاب وأيضاً في ما يتعلق بعلاقات تونس الخارجية، لكن إسمح لي أن أتوقف مع فاصل قصير، بعده نكمل في حوار الساعة.

 

 

المحور الثاني

 

كمال خلف: تحية من جديد مشاهدينا في حوار الساعة نستضيف فيه الأستاذ حمة الهمامي الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية التونسية.

أستاذ حمة، أعود وأرحّب بك من جديد، وأريد أن أنهي بالشق الداخلي المتعلق بالأحزاب والحركة السياسية الداخلية في تونس، ننتقل بعد ذلك إلى موضوع العلاقات الخارجية، وأيضاً قضايا أخرى مرتبطة بتونس.

في ما يتعلق بالأحزاب، هذا المشهد اليوم، جبهة الإنقاذ والتقدّم، لا أعرف إذا كان الإسم مستوحى من جبهة الإنقاذ المصرية التي أطاحت حكم مرسي، وهل هي مستوحاة من ذلك، ربما نسأل أصحاب الشأن في هذا الموضوع، لكن هناك أيضاً حزب البديل كما تعرف لرئيس الحكومة الأسبق، وأيضاً الرئيس السابق المنصف المرزوقي أسّس حزباً.

هل تعتقد أننا أمام مشهد سياسي مختلف، أو هذا سيمهّد لمشهد سياسي في تونس مختلف عن كلّ المرحلة التي سبقت؟ وهنا دعني اسأل مرّةً أخرى عن التوافق، سواء كان هذا التوافق مصلحياً، توافقاً فاشلاً، توافقاً ناجحاً، التوافق بحد ذاته الذي ساد في المرحلة الماضية. ما هو مصيره في المرحلة المقبلة؟

 

حمة الهمامي: المشهد السياسيّ في تونس بالفعل هو مشهد متحرّك، وهذا أمر طبيعيّ، فنحن في فترة ما بعد الثورة، وثورة حقّق فيها الشعب التونسيّ مكسباً أساسياً هو مكسب الحرية السياسية، وضمن هذه الحرية السياسية، نحن حقّقنا مكسب التنظّم، التنظّم الحزبي أو التنظّم المدني في جمعيات ومنظمات. بالتالي سيظلّ المشهد السياسيّ إلى فترةٍ أخرى متقلّباً ومتغيّراً. حزب الدكتور منصف المرزوقي ليس حزباً جديداً، هو حزب تأسّس منذ مدّة، ما بعد انتخابات 2014، وهو في حدّ ذاته كان إلى حدٍ ما جزءاً من حزب سابق، من حزب المؤتمر من أجل الجمهورية، توسّع لأناس آخرين، وشكّل حزب حراك إرادة الشعب.

بالنسبة إلى الحزب البديل التونسي، هو في الحقيقة يرأسه رئيس الحكومة السابق الذي نجم عن الحوار الوطني كذلك في سنة 2014، وهو ذو توجّه ليبرالي أو نيوليبرالي، لا يختلف في الأساس ومن حيث الاختيارات الاقتصادية الاجتماعية عن الأحزاب الحاكمة في الوقت الراهن.

بالنسبة لجبهة الإنقاذ أو التسمية، لا ننسى أنّه وُجِدت جبهة إنقاذ في تونس، وُجِدت جبهة إنقاذ على أثر استشهاد قائد، أحد قيادات الجبهة الشعبية الأستاذ الحاج محمّد البراهمي، وبعد اغتيال الشهيد الرمز وأحد مؤسّسي الجبهة الشعبية وقياداتها البارزة شكري بلعيد. لنا تجربة مع الجبهة، وحتى إسم البديل التونسي، فالبديل هو عنوان لصحيفة، الصحيفة التاريخية أو الجريدة التاريخية لحزب العمال، وهو عنوان أيضاً قائمات حزب العمال الشيوعي التونسي في انتخابات المجلس الوطنيّ التأسيسيّ سنة 2011.

إذاً المشهد سيظلّ متغيّراً، وفي اعتقادي الانتخابات البلدية القادمة سيكون لها دور في إرساء هذا المشهد السياسي الجديد، لأنّ هذه الانتخابات البلديّة ستكون المعيار لقياس قوّة أيّ حزب من الأحزاب السياسيّة.

حول مسألة التوافق، أنا أعتقد أنّ التوافق انتهى، التوافق العام إن شئنا، وحتى عندما حصل الحوار الوطني في سنة 2013 لم يكن توافقاً بقدر ما كان في الواقع تفاوضاً ما بين غالبية القوى الديمقراطية والقوى السياسية والمدنية في تونس وما بين الائتلاف الحاكم، الترويكا بقيادة حركة النهضة. التفاوض فُرِض فرضاً على الترويكا وفُرِض فرضاً بموازين القوى الداخلية والخارجية، أيضاً الاقليمية، فُرض فرضاً على حركة النهضة. حتى التوافق الموجود اليوم في مستوى السلطة إنما هو، وأريد أن أوضح ذلك وأقول بوضوح، هو توافق ضدّ الديمقراطية وضدّ الشعب، ولكن هذه الأحزاب المتحالفة بما فيها حزبا النداء والنهضة يتصارعان في ما بينهما، صراع خفيّ وصراع مُعلن حول ماذا؟ حول الكراسي وحول المناصب، كل طرف يريد وضع يده على أجهزة الدولة وعلى المجتمع. إذاً هما يتّحدان كلما تعلّق الأمر بضرب سيادة تونس وبالولاء للمؤسسات المالية الدولية، وكلما تعلّق الأمر بضرب قوت الشعب التونسي في ما يتعلّق بالإجراءات التقشّفية.

 

كمال خلف: أستاذ حمة الهمامي، إذا سمحت لي، ننتقل إلى نقطة أخرى، ولها علاقة أيضاً ربما بالنهضة والنداء، ولها علاقة برئيس الجمهورية أيضاً.

الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي استقبل الوفد من نواب الجبهة، نواب الجبهة الشعبية الذي زار سوريا مؤخراً. باعتقادك هذا حسم الانتقادات وحسم الجدل في تونس حول زيارة هذا الوفد؟

 

حمة الهمامي: لا، لا أعتقد، هذا الجدل سيتواصل. الوفد الذي زار سوريا في الأيام الأخيرة هو يتكوّن من نواب ينتمون إلى عدّة كتل نيابية، فيهم مَن هو في الجبهة الشعبية، فيهم مَن كان في نداء تونس، وفيهم أيضاً من حزب مشروع تونس كتلة الحرة، وفي هذا الوفد أيضاً مَن هو مستقلّ. النقد لزيارة هذا الوفد جاء من أيّ طرف؟ بكل وضوح جاء من أطراف الترويكا التي كانت تحكم في الفترة الفاصلة ما بين 2011 و2014 بزعامة حركة النهضة، أي تلك الأطراف، أي الترويكا التي قطعت العلاقات الدبلوماسية مع سوريا، وثانياً الترويكا التي كانت مع إسقاط النظام السوري، وكانت مع التدخّل الأجنبي من أجل إسقاط النظام السوري، وهي الترويكا أيضاً التي بشكلٍ أو بآخر سهّلت ويسّرت تسفير الشباب التونسيّ إلى بؤر التوتر، ومنها إلى سوريا، ليلتحق هذا الشباب بجماعات إرهابية إجراميّة ساهمت في تدمير سوريا، وساهمت أيضاً في تدمير أقطار عربية أخرى.

هذه الأطراف هي التي عارضت وهاجمت هذه الزيارة، لأنّها في حقيقة الأمر تخشى، هذه الأطراف تخشى مسألة مُحدّدة، تخشى أن يقع الكشف عن كلّ أسرار تلك الفترة المرتبطة بحكمها، وخاصةً أسرار تسفير الشباب التونسي، ولا ننسى أن وزراء الترويكا.

 

كمال خلف: تعتقد أن هناك صندوقاً أسود في تلك المرحلة هناك من يخشى أن يُكشَف؟

 

حمة الهمامي: فعلاً.

 

كمال خلف: حول ماذا؟ فقط موضوع تسفير الشباب التونسي إلى سوريا أو للقتال؟ كان بإشراف بعض الجهات المشاركة في الحكم، هكذا تريد أن تقول؟

 

حمة الهمامي: الدعوات، دعوات الشباب إلى السفر إلى سوريا وإلى بؤر التوتّر كانت تتمّ في المساجد، كانت أيضاً تتمّ في وسائل الإعلام، بل أكثر من هذا كان ثمة أصوات حتى من داخل المجلس الوطني التأسيسي تمجّد وتدعو إلى تسفير هؤلاء الشباب. كلّ هذه الأطراف كانت تعتقد أنّ النظام السوري سيسقط في مدّة وجيزة، وأنّ الأبواب ستُفتَح إلى خلافة جديدة تضمّ تونس وليبيا ومصر وسوريا على الأقلّ. هذا البرنامج أو هذا المشروع سقط، أو هو الآن في مراحله الأخيرة من السقوط. طبيعي جداً أنّ تلك الأطراف التي كانت مورَّطة سياسياً في هذا المشروع، أو كانت تدعم هذا المشروع، الذي هو مرتبط أيضاً بقوى إقليمية، مرتبط بقطر، مرتبط بتركيا، مرتبط بالسعودية، ومرتبط أيضاً بقوى هيمنية استعمارية هي تخشى انكشاف كل الحقائق، ما تعلّق منها بالعلاقات السياسية أو ما تعلّق منها أيضاً بتسفير الشباب.

 

كمال خلف: كانت المصادر التونسية تتحدّث قبل أن يذهب الوفد بأن حضرتك سوف ترأس هذا الوفد في ذلك الوقت، وكان هذا متوقّعاً وتمّ الإعلان عنه بأنّ الأستاذ حمة الهمامي سيكون على رأس الوفد النيابي، وفد النواب الذي سيتوجه إلى دمشق، لكن هذا لم يحدث. لماذا؟

 

حمة الهمامي: في الحقيقة، خرجت بعض الأخبار أو الشائعات، ولكن لم يكن مطروحاً مطلقاً أن أرأس وفد النواب، لأنّ وفد النواب هو متنوّع، وهو لا يمثّل الجبهة الشعبية كجبهة شعبية، بل فيه نواب من الجبهة الشعبية، وهو وفد متنوّع. ولكن دعني أقول أنه حصل حديث حول إمكانية أن يزور وفد من الجبهة الشعبية القُطر السوري الشقيق لتناول قضايا ذات مصلحة مشتركة، أثارها حتى الوفد، هي قضية العلاقات بين تونس وسوريا التي تضرّرت منها تونس وتضرّرت منها أيضاً سوريا، وكذلك قضية الشباب الذي وقع تسفيره، والذي انخرط مع الجماعات الإرهابية، هذه مسألة أمنية خطيرة، خاصةً في وقت من الأوقات، وقع الحديث عن فتاوى وعن دعوات من أجل إعادة هذه الجماعات الإرهابية إلى تونس، وقع الحديث عن توبة، وقع الحديث عن عفو، ونحن نعتقد أنه بقطع النظر عن الموقف من النظام السوريّ، أو الموقف أيضاً من الحكم في تونس، هذه المسائل ما دامت لتونس مصلحة فيها، فنحن لسنا ضدّ التعامل معها بالعلاقة مع النظام السوري.

 

كمال خلف: اليوم ماذا تفهم سيّد الهمامي من كلام الرئيس الباجي السبسي، عندما قال للنواب الذين استقبلهم، بأنّه ليس هناك ثمّة مانع جوهري من إعادة العلاقات مع سوريا إلى مستواها الطبيعي؟ طالما ليس هناك مانع جوهري، هل نفهم من الكلام ومن الاستقبال أيضاً بأنّ رئيس الجمهورية، الرئيس التونسي، مصمّم على أن يذهب باتجاه إعادة العلاقات؟

 

حمة الهمامي: الرئيس التونسي عندما ترشّح للانتخابات الرئاسية، كان طرح إعادة العلاقات الدبلوماسية مع سوريا، كان طرح إعادة العلاقات كبندٍ من بنود برنامجه، ولكن لمّا تحالف مع حركة النهضة تخلّى عن هذا البند، ونحن نتمنّى، بطبيعة الحال هذا في مصلحة تونس وفي مصلحة سوريا وفي مصلحة المنطقة كلها، نحن نتمنّى أن يقع التخلّص من عصا النهضة أو من فيتو النهضة من أجل إعادة هذه العلاقات الدبلوماسية. هذا بطبيعة الحال لا يعني بأيّ شكل من الأشكال تدخّلاً في شأن سوريا أو تدخّلاً سورياً في شأن تونس، نحن نعتبر أن قضية النظام السياسي في سوريا إنما هي شأن سوري، هي شأن الشعب السوري، ولا يمكن لأية قوة خارجية مهما كانت أن تتدخّل في هذا الشأن، فالشعب السوري هو الذي يقرّر مصيره وهو الذي يحدّد النظام الذي يريده.

 

كمال خلف: أستاذ حمة، حول موضوع عودة الإرهابيين إلى تونس، من جديد، أول أمس نقلت الوكالة الرسمية التونسية بأنّ هناك، ثمّة برنامج لإعادة إدماج الإرهابيين العائدين من الخارج في تونس، وأنّ هذا البرنامج تمّت دراسته وربما إقراره أيضاً.

ما هو رأيكم بهذا الإجراء؟

 

حمة الهمامي: هذا البرنامج لم يفصح عنه إلى حد الآن، ولكن دعني أقول إنّ ما خلق في وقت من الأوقات خشية كبيرة لدى قطاعات واسعة من الشعب التونسي ولدى قطاعات واسعة من الرأي العام الديمقراطي في تونس، هو تصريحات مُلتبسة وغامضة وحمّالة معانٍ كثيرة وإشارات كثيرة، سواء كان من طرف رئيس الدولة، أو من طرف رئيس حركة النهضة، أو من طرف بعض الوزراء الآخرين في حكومة الوحدة الوطنيّة. هذه التصريحات التي خشي التونسيّون والتونسيّات أن يكون الهدف منها إعادة هؤلاء الإرهابيين إلى تونس من دون التحقيق في قضايا أساسيّة، مَن سفّرهم من تونس، وما هي الدول التي تواطأت من أجل إيصالهم إلى سوريا، ومَن هي الأطراف التي استقبلتهم في سوريا، ومَن هي الأطراف التي موّلتهم وسلّحتهم ودرّبتهم وساعدتهم على ارتكاب جرائم على حساب الشعب السوري.

هذا نحن ما طرحناه كحركة ديمقراطية في تونس، وبالطبع هذه الخشية ناجمة عن هذا التحالف وعن هذا التوافق، أو ما أسميتموه التوافق بين نداء تونس وبين حركة النهضة. هذا التوافق في حقيقة الأمر كما قلت في البداية ليس توافقاً فيه مصلحة لتونس. مثلاً بالنسبة لقضية الإرهابيين أو الجماعات الإرهابية، هذا التوافق هو سبب من الأسباب التي قد تعيق كشف الحقيقة، لأنّ أحد طرفي هذا التحالف، هذا الائتلاف، أي حركة النهضة، ليست لها مصلحة، أو لنقل، ليست لها كل المصلحة في كشف الحقائق التي حدثت في تلك الفترة.

 

كمال خلف: أنت كأنّك تشير إلى تورّط حركة النهضة عندما كانت في السلطة بتسفير هؤلاء الشباب أو بتسهيله على الأقل، تسهيل عمليات انتقالهم؟

 

حمة الهمامي: مسألة أنّ حكم الترويكا يسّر وسهّل تسفير الشباب، هذا بالنسبة إلى التونسيين والتونسيات ليس في حاجة إلى دليل، ناهيك أنّ الدعوات إلى تسفير الشباب كانت تمّت في المجلس الوطني التأسيسي وكانت تتمّ في المساجد وكانت تتمّ في وسائل الإعلام، وثمّة زعامات من حركة النهضة كانت تصرّح، أحدهم كان يقول لو كنت شاباً لسافرت أنا بنفسي، وهنالك شخصية كانت في وقتٍ من الأوقات على رأس إحدى الوزارات أيضاً دعت في خطب في المساجد إلى تسفير الشباب. هذا أمر واقع. مؤتمر أصدقاء سوريا عُقِد في تونس بدعوةٍ من الرئيس المؤقّت السابق في وقت من الأوقات، كان هذا التحالف، تحالف الترويكا وتحالف حركة النهضة مع الأطراف الإقليمية، مع تركيا وقطر والسعودية ومع أطراف أيضاً دولية، التي كانت تريد تدمير سوريا وإسقاط النظام السوري، ليس لاستبداله بنظام ديمقراطي كما يقولون، وإنما لاستبداله بكيانات ضعيفة في خدمة الكيان الصهيوني، وفي خدمة أيضاً الاستراتيجية الإمبريالية الاستعمارية الجديدة، وهي بعد مئة سنة من سايكس بيكو تفتيت الوطن العربي وتقسيمه على أسس مذهبية واثنية ودينية.

هذا واضح وهذا بطبيعة الحال، ما من شكّ أنّ حركة النهضة تحاول اليوم أن تبرّئ نفسها من ذلك. السبب واضح لأنّ موازين القوى تغيّرت وموازين القوى انقلبت وهي ليست في صالحها.

 

كمال خلف: سيّد حمة الهمامي، في ذكرى يوم الأرض كان لك كلمة، في الثلاثين من مارس آذار الماضي، قلت فيها أن الأصوات المندّدة بجريمة اغتيال الزواري، الشهيد الزواري الذي اغتيل من قِبَل الموساد الإسرائيلي في تونس سرعان ما خمدت بعد أن تعالت خوفاً على المصالح وفي انتهاك صارخ لسيادة تونس وكرامة شعبها.

هذا ما قلته حضرتك في الكلام. هذا أعطى انطباعاً وكأنك تريد أن تقول بأنّ التحقيق أوقف لأسباب سياسية. هل هذا الانطباع صحيح؟

 

حمة الهمامي: هذا الانطباع صحيح. ما أريد أن أؤكّده وأتحمّل مسؤوليّته هو أنّ السلطات التونسية لها الآن كلّ المُعطيات حول هذه الجريمة، وما نطالب به في الجبهة الشعبيّة هو أن تُكشَف هذه المُعطيات للشعب التونسي، الذي من حقّه أن يعرف الحقيقة، ومن واجب السلطة القائمة أن تُعلِمه بهذه الحقيقة. حتى وسائل الإعلام الصهيونيّة قدّمت اعترافات ونشرت اعترافات لمسؤولين صهاينة يقولون فيها أنّ الموساد هو الذي ارتكب هذه الجريمة، ونحن نعرف في الجبهة الشعبية مُعطيات عديدة حول الأطراف التي ساهمت في هذه الجريمة. ما نطالب به هو الكشف، وإلا فمن حق الجبهة الشعبية أن تتهم السلطات بالتستّر على حقائق خوفاً من بعض الأنظمة العربية وخوفاً أيضاً من قوى استعمارية غربية.

 

كمال خلف: أستاذ همامي، هناك أطراف عربية تضغط على تونس كي لا تكشف نتائج تحقيق يشير إلى إسرائيل؟

 

حمة الهمامي: ليس هذا فقط، فالائتلاف الحاكم الحاليّ ربط تونس بمحور، معروف، المحور القطري السعودي التركي، ونحن نعرف مصالح وارتباطات هذا المحور بالكيان الصهيوني وبحُماة وبرُعاة أيضاً الكيان الصهيوني. أنا ما أؤكّده في الوقت الراهن هو أنّ من واجب السلطات في تونس، من واجبها أن تكشف هذه الحقائق للرأي العام في تونس.

 

كمال خلف: ما الذي يجعلك متأكّداً سيّد حمة الهمامي أنّ السلطات لديها فعلاً حقائق وتوصّلت إلى نتائج نهائية في موضوع اغتيال الزواري؟

 

حمة الهمامي: نحن لدينا مُعطيات مؤكّدة وبعض هذه المُعطيات نشر حتى في وسائل الإعلام، بل دعني أقول أنّ المُعطيات الموجودة تؤكّد أنه حتى بعض الذين ساهموا في هذه الجريمة، جريمة اغتيال الشهيد محمّد الزواري، بعضهم خرج من تونس، وبشكلٍ واضح، وعن طريق أحد موانئ تونس. إذا كنّا نحن في المعارضة لنا بعض هذه المُعطيات، وإذا كانت وسائل الإعلام الجادّة لها بعض هذه المُعطيات، فمن البديهيّ أن تكون السلطات لها إن لم تكن كل المُعطيات، لها غالبية المُعطيات التي تسمح لها بتوجيه إصبع الاتّهام للكيان الصهيونيّ ولمخابراته، باعتباره هو الذي وباعتبارها هي التي ارتكبت هذه الجريمة التي تمثّل انتهاكاً للسيادة الوطنية التونسية.

لذلك نحن، بالإضافة إلى ذلك، نحن طالبنا بتجريم التطبيع منذ البداية، وقدمنا مشروع قانون لتجريم التطبيع. بعد اغتيال الشهيد محمّد الزواري مباشرةً، تقريباً كل الكتل البرلمانية كانت تصرخ وتنادي ضدّ التطبيع، ولكن بعد مرور زمنٍ قصير هذه الأصوات خفتت، ونحن نريد أن نعرف لماذا خفتت هذه الأصوات، مَن ضغط عليها، مَن ضغط عليها كي يخفض صوتها. نحن نعتبر أنّ تجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني هو بند أساسيّ لكلّ وطنيّ في تونس، ليس فقط دعماً للشعب الفلسطيني الذي تمثل قضيته قضية مركزية بالنسبة لكلّ العرب وبالنسبة لكلّ شعوب المنطقة، بل أيضاً نحن نعتبر أنّ في هذا البند حماية لتونس وحماية لشعبنا الذي آذاه الكيان الصهيونيّ أكثر من مرّة، والذي يحاول الكيان الصهيوني التسرّب إليه بألف وسيلة ووسيلة، وبالتالي من باب أولى وأحرى أن نحمي أنفسنا من هذا الكيان الغاصب، من هذا الكيان الفاشستي، وأن ندعم بذلك الشعب الفلسطيني الذي لم يتوقّف عن المقاومة.

 

كمال خلف: سيّد حمة الهمامي، قبل أن ينتهي وقتنا، نريد أن نقدّم في نهاية الحلقة خلاصة أو خلاصات لما تناقشنا به أنا وحضرتك.

في ما يتعلّق بالشأن الداخلي أولاً، الخلاصة الأولى التي يمكن أن نقدّمها في هذه الحلقة، الأمور في تونس، المشهد الكلّي حالياً في تونس، إلى أين، هل يمكن أن نضع استشرافاً أو سيناريو للأمور أين يمكن أن تذهب على صعيد الشارع الذي يحتجّ، على صعيد التيّارات السياسية التي تتشظّى وهناك تجمّعات جديدة أيضاً تنشأ في تونس.

هذا المشهد إلى ماذا سيفضي؟

 

حمة الهمامي: لا بدّ من أن أؤكّد أنّ بلادنا، أنّ تونس الآن تعيش أزمة عميقة، أزمة حكم شاملة، تشمل الجانب السياسي كما تشمل الجانب الأمني والاقتصادي والاجتماعي والثقافي وحتى القِيَمي، كما تشمل أيضاً العلاقات الخارجية. المتسبّب في هذه الأزمة المُتفاقمة هو الائتلاف الحاكم العاجز والفاشل عن إدارة الحياة السياسية في تونس، وعن حلّ هذه الأزمة. هذا جانب.

الجانب الثاني هو أنني في نفس الوقت متفائل، ومتفائل جداً، باعتبار أنّ الشعب التونسي الذي قام بالثورة لم يتوقف عن النضال، متمسّكاً بحريته وبحقوقه الاقتصادية والاجتماعية. وبالتالي فإنّ المسار الثوري في تونس، رغم الانتكاسات، ورغم محاولات الالتفاف عليه، لا يزال مستمراً.

النقطة الثالثة، من واجب القوى الديمقراطية والتقدمية، ومن واجب الجبهة الشعبية أن تنشط أكثر وتعمل أكثر من أجل أن تتشكّل في قيادة سياسية لكلّ هذا الحراك الشعبي والاجتماعي، وأن تصبح قادرة وجديرة لحكم تونس لإخراجها من هذا الوضع، لأننا نعتقد وأنّ القوى الديمقراطية والتقدمية، وفي مقدمها الجبهة الشعبية، هي القادرة حقاً على تحقيق استحقاقات الثورة التونسية، ولا يمكن لقوى اعتادت الاستبداد، ولا يمكن لقوى مرتبطة ومُرتهنة للخارج، ولا يمكن لقوى لا علاقة لها بمشاكل الشعب التونسي، لا يمكن لقوى مرتبطة بلوبيات الفساد وبلوبيات التهريب ولوبيات الاستغلال، لا يمكن لهذه القوى أن تُخرِج تونس من أزمتها، وبالتالي الحلّ هو في مواصلة النضال في تونس جنباً إلى جنب مع هذا الشعب الذي قام بهذه الثورة.

 

كمال خلف: للأسف انتهى الوقت. الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية التونسية الأستاذ حمة الهمامي أشكرك جزيل الشكر، كنت معنا مباشرةً من تونس.

مشاهدينا حوار الساعة انتهى. شكراً للمتابعة. إلى اللقاء.

وئام وهاب - وزير لبناني سابق

المزيد