الموسيقار اللبناني إلياس الرحباني

زاهي وهبي: مساء الخير. تاريخٌ من الفنّ والعطاء، من الشغف والتجلّي، ثالثُ أخوين أعطيا الموسيقى والغناء العربيين أُفقاً رحباً جديداً وكان دائِماً إلى جانبهما شاهداً ومتأثراً ومُشارِكاً في صناعة القلق الأبهى. من ينسى توقيعه على أعمالٍ صدحت بها "فيروز" مثل " الأوضه المنسية" و"دخلك يا طير الوروار"  و"حنّا السكران" و" يا قمر الدار" بصوت "وديع الصافي" وسواها من أُغنياتٍ لأجيالٍ متعاقبةٍ من المُغنّين. يقف اليومَ على مشارِف الثمانين وفي جُعبته كنوز موسيقية نفيسة وحصادُ سنواتٍ سمان، وفي نفسه حسرةٌ من الزمن العجاف الذي آل إليه حالُ الثقافة والفنّ في بلادٍ لم تنهض من كبوتها ما لم تُعلِ شأن العقل وتحترِم مُبدعيها في شتّى ميادين الوعي والمعرِفة. "بيت القصيد"، بيت المبدعين العرب يُرحِّبُ بالموسيقار والفنان الكبير الأُستاذ "إلياس الرحباني" أهلاً وسهلاً بحضرتك

إلياس الرحباني: شكراً، ألله يخلّي لنا إياكم

زاهي وهبي: أهلاً. أُستاذي، في البداية، إذا طلبت من حضرتك أن تضع عنواناً عريضاً لمسيرتك، مثل "مانشيت" جريدة، ماذا تضع عنواناً لهذه المسيرة؟

إلياس الرحباني: أنا أُحبّ أن أقول أنّ الله أعطاني القوة في الموسيقى، في أنه علّمني أُستاذين فرنسيين قويين جداً بدل أن أذهب إلى (باريس)، وكانا في أيام الحرب "عاصي" و"منصور" رحمهما الله، بعد أن توفّى والدي منذ أن كنت في الخامسة من عُمري، هما من استلما العائِلة أي نحن والبنات، وأحضرا لي أوّل أُستاذ أنهيت معه أربع سنوات دراسة وكذلك أُستاذ "بورجو" الذي أنهى لي ست سنوات دراسية، أي أنا أنهيت 12 سنة من الموسيقى وبدأت من عمر 19 سنة في تأليف الإعلانات المُغنّاة إذا تذكُر التي لم يتمكّن أحد من القيام بها ووصلت إلى العالم كلّه، ولغاية الآن لا تزال هذه الوسائل متّبعة. هناك غيري أنا وإخوتي ممن كتبوا الموسيقى لكن أنا كنت أكتب بأربع لغات، الإنكليزية والفرنسية والإيطالية والإسبانية، أوبرا وطرب وما تريده

زاهي وهبي: نعم، سنتحدّث عن كلّ هذه الأشياء التي أشرت إليها حضرتك ولكن دعنا نُشاهدك في البداية في فقرة بعنوان "علامة فارِقة". نسمعك معاً

كلام يوصل

إلياس الرحباني:

— ستون سنة من الفن، أي من عمر 19 سنة وأنا أؤلِّف إلى الآن. عندي الفرح الكبير لأنّ عندي محبة للناس وما زلت أستطيع أن أؤلِّف مثلما كنت أؤلِّف حين كان عُمري 19 سنة

— المرة الأولى التي سمعتُ فيها أُغنية من ألحاني شعرت في نفسي بفرحٍ كبير، وبعدها رجعت إلى المنزل فوجدته أحلى، وحينما أريد أن أنام صارت الأحلام أحلى. لو كنت مظلوماً لما وصلت إلى هذه المرحلة في الموسيقى ولا كان الناس الآن يعلمون بوجود شخصٍ في الشرق على هذا المستوى وربما أعطوني قيمتي أكثر من اللازم

— أوّل لحنٍ كتبته كان أغنية اسمها، لم تكن أغنية بل لحناً اسميته " ما أحلاها"، فسمعني "نصري شمس الدين" وقال لي، " إلياس؟ هلّ كتبت لهذا اللحن كلاماً لأغنيه؟" فقلت له "سأفعل". فكتبت له كلاماً وكانت هذه أول أُغنية ألّفتها في حياتي

— عندي أوسمة كثيرة، أكثر من اللازم ربما، ولا تعني لي الشيء الكثير. أنا شخص يضحك أكثر من الحزن الذي في داخله، لا أقول لكِ أنه لا يوجد حزن عندي لأنكِ في بلدٍ لا يهتم بالموسيقى، وأعتذر لأنني أقولها من القلب، كنت أتمنّى لو مرّة واحدة في كلّ السنوات التي مرّت، رئيس الجمهورية أو غير إنسان، يهزّون في رؤوسهم ويقولون "برفو" ويقومون بشيء، ليس لي، بل لوطنهم! كنت أقول لهم لا تذكرون اسمي، هذه الموسيقى من وطنٍ اسمه (لبنان)

— الفنّ في عالم اليوم، منذ سنة 1990 بدأ في الهبوط، يرمون المال ويغنّي كائِناً من كان. أنا لا أقول أن المُغنين ليسوا جيّدين لكن من المغنين من لا يعرِف كيف ينتقي. المُغنّي يتعاطى بالفن ومعه الملايين، من أين أتى بهم لا أعرِف

— مع "فيروز" أمضينا 62 سنة ونحن نجول العالم. رأيت في جريدة، وأنا زعلت لأنّني كنت أقول في رأسي، "حرام أن يكون مع فيروز ميراثاً لا يقلّ عن نصف مليار"، لكن بين الأميركيين والإيطاليين و "أم كلثوم" ماذا تبيّن أنهم كتبوا في الجريدة؟ 17 مليوناً

— كوكب الأرض جنون. ما دمتِ تجدين منذ أول إنسان هناك دمّ، ويأتي الدمّ من تلك الأيام منذ ملايين السنوات ولم يتوقف حتّى الآن نهر الدماء. يقتلون الناس، ولا يوجد إلّا هَمّ (الجشع) في الحياة  

— أنا إنسانٌ فرِح جداً وأُفكِّر في الموت كثيراً، مسألة غريبة، خصوصاً حينما أتعمّق في التفكير وفي الكتابة، فيزيد هذا مما تخافينه ويدخل معكِ، لكن هناك أشخاص لا يعانون من هذا أبداً. الموت حال موجودة، مهما فكّرنا واخترعنا الحال موجودة، ولا يُمكننا أن نتحدّث ونتفلسف لأننا لن نصل إلى أي مكان

زاهي وهبي: عُمرك طويل إن شاء الله. أُستاذي، طبعاً ليس من السهل على المرء أن ينشأ ويثبُت موهبته في ظلّ عملاقين مثل "عاصي" و"منصور". كم هذه المسألة بالنسبة لك خدمتك؟ أم هلّ ظلمتك؟ في أنّك ثالث "الأخوين الرحباني"؟

إلياس الرحباني: أبداً، لم أشعر بهذه المسألة لأنه حين كنت في التاسعة عشر من عمري لم تكن الـ" بي. بي. سي." تطلب من أحد أربعين أُغنية و13 برنامجاً كنت أقوم بها من توزيع وتسجيل وكلمات وكلّ شيء، أي أنني صعدت بقوة وقمت بشيء ربما البعض لا يهتمون بها لكن البعض يهتمون، "سي دي" من 11 قطعة كلاسيكية

زاهي وهبي: موسيقى

إلياس الرحباني: أخبأتها لأنني أعلم وللأسف عن وجود قلّة احترام للأشياء الإبداعية المُهمة. بقيت أُخبِّئها حتى منذ تسع سنوات

زاهي وهبي: سنعود ونتحدّث عن الموسيقى، عن الأعمال الموسيقية، لكن في موضوع الأغاني، الألحان. عندما شاب عمره 20 سنة تُغنّي له "فيروز" ويغنّي له "وديع الصافي" ويغنون له

إلياس الرحباني: كلّ الكبار، لي فرح كبير أنّ "فيروز" و"صباح" و"وديع الصافي" والمجموعة كلها، 98 مغنياً ومغنية غنّوا من أُغنياتي ومنهم من الغرب من (إسبانيا) ومن (إيطاليا) ومن (فرنسا)

زاهي وهبي: أقصد أنّه في عُمر العشرين سنة، أن يحصل مع أحدهم هذا الشيء يُمكن للبخار أن يضرِب في رأسه. كيف حصّنت نفسك تجاه هذا الأمر؟

إلياس الرحباني: لأنني أنا متواضِع جداً وأقول بأنني تحت "المسيح" بشِبر في كلّ مرة منذ خمسين سنة، ليس بالعظمة بل بالمحبة والغُفران، وإذا قتلوا لي عائِلتي لا أطلُب رأس القاتل، هذا هو الإنسان الذي يتبع الله. أنت رميتم كلمة هنا، على الماشي، أريد أن أقول لك. أنا اكتشفت بنفسي، وصار يأتي في رأسي القاتل وقلت، "هذا هنا ليس صحيحاً، هذا الذبح"، قلت للذين سمعتهم يقولون، قلت" أنّ الله هنا مرّ للحظة، لحظة إلهية كونية وقال لكل واحد منكم يا رجال الدين وغير الدين، لا تقتل"، وذهب. وصار القتل ماشياً كما هو وما زال، إلى المستقبل منذ الآن ما زالوا

زاهي وهبي: أي وكأنه لم يسمع أحد كلمة الله في هذا العالم الذي يحتوي على القتل والموت والحروب والخراب. الفنّ والموسيقى ماذا في إمكانهما أن يفعلا، والشعر أيضاً؟

إلياس الرحباني: الموسيقى، تخفّف قليلاً، والموسيقى، أُريد أن أقول لك، مُعطاة. أي الله والموسيقى توأمان، الموسيقى إذا أردنا أن نقول كي يفهم عليّ الناس ولا يعتقدون أنني أؤلِّفها، كلّ شيء على الأرض فيه روح، من الزهرة، من الحيوانات، كلّ شيء يسمع موسيقى. أمّا مثلاً الله هو الذي كوّننا لكن عند الله الإسلام والمسيحيين والدروز والشيعة والبوذيين

زاهي وهبي: الأديان كلها

إلياس الرحباني: حتى لو يكون تعدادهم خمسة مليارات، لكن الذين يُحبون الموسيقى لا يُحصون في الكون، بالمليارات

زاهي وهبي: إذاً، الفنّ يوحِّد الناس ويُقرِّب الناس من بعضهم البعض

إلياس الرحباني: صحيح

زاهي وهبي: أُريد أن أسألك سؤالاً. ربما منذ 20 سنة تحدّثنا سوياً في إحدى الحوارات التي أجريتها مع حضرتك. حضرتك نشأت في ظلّ "عاصي" و"منصور"، أبناؤك فنانون، أولاد أخويك فنانون، هلّ الفنّ يُوَرّث؟ هلّ توجد جينات فنية؟

إلياس الرحباني: أنا بصراحة شعرت أنّها موجودة عندي، لأنه كما أخبرتك عن خبرية صغيرة، أنّ الولد في أحشاء أُمه

زاهي وهبي: يبدأ يسمع

إلياس الرحباني: لماذا؟ سأقول لك كلمة فقط، بعد 15 يوماً يبدأ يسمع عندما والدته تسمع موسيقى. هذا ما يخيف، عندما نحن نطلب من القيّمين على تلفزيوناتنا وإذاعاتنا، " يا إخوان لا تبثوا شيئاً بشعاً"، لكن لا يهمهم.  البشاعة في اللبناني أنه لا يهمه، يموت ابنه، يموت كذا. أنت تقول لهم أنّ هذه الطريقة غير مُجدية، دعوا الأولاد يكبرون ويكون عندهم أفكار مُختلِفة، لكنهم لا يهمهم. لا يبثّون إلّا، الآن "فيروز" ممنوعة من (لبنان)، "فيروز" و"وديع الصافي" و"صباح"

زاهي وهبي: الإذاعات العربية، في (سوريا) وفي (مصر) وفي (الأُردن) تبثّ أُغنيات "فيروز" أكثر بألف مرة من الإذاعات اللبنانية

إلياس الرحباني: في (سوريا)، منذ أن كان عُمري عشر سنوات إلى أن كبرت مع إخوتي حين كانوا يأخذونني معهم ولغاية الآن، لم أجد أُناساً مُحبين بقدرهم، ورؤساؤنا رأيتهم كلهم، أبداً يسيرون ويمنعون بالقوة لأن رؤساءنا لا وقت عندهم لفهم معنى الموسيقى

زاهي وهبي: للأسف

إلياس الرحباني: وهذه مسألة مؤسفة، والآن، إن شاء الله الرئيس الجديد

زاهي وهبي: الجنرال "عون"

إلياس الرحباني: نعم، إن شاء الله

زاهي وهبي: يُمكنك أن تخبره مُباشرةً هذا الكلام الذي تقوله

إلياس الرحباني: سأزوره

زاهي وهبي: لأنّ علاقتك جيّدة أعتقد مع الجنرال "عون"، فخامة الرئيس

إلياس الرحباني: صحيح

زاهي وهبي: أكثر ما تعتزّ به في ما غنته السيّدة "فيروز" بدايةً. أكثر أُغنيات أو أكثر أُغنية كتبتها وتشعُر بأنها تُعبِّر عنك 

إلياس الرحباني: والله العظيم أقول لك بصراحة، لا يُعدّون، كثيرون

زاهي وهبي: مثل؟

إلياس الرحباني: ماذا سأقول لك، "بعدك على بالي"

زاهي وهبي: "يا قمر الحلوين"

إلياس الرحباني: الآن راودتني، " يا قمر الحلوين". مهما قلت لي، أيّة أُغنية لـ "فيروز" تأخذك إلى عالمٍ آخر. "فيروز" نادرة، وأطال الله في عُمرها، كلّما أسمع على التلفزيون يضعون صوَراً عن (لبنان) ويرفقونها بأغانٍ لـ "فيروز" أجدها حلوة جداً حين نُشاهدها في الليالي

زاهي وهبي: صوت السيّدة "فيروز" هو مُجرّد حامل؟ صوتٌ جميل حامل لشِعر وموسيقى الأخوين الرحباني وحضرتك، أم هو شريك، أي عنده إضافة إلى هذا المشروع "الرحباني"؟

إلياس الرحباني: شوف يا حبيبي، أُريد أن أقول لك أمراً، اليوم إذا أردنا أن نقول الحقيقة، أولاً تولد الموسيقى. إذا كان هناك مُغنياً ولا توجد موسيقى لا يُمكنه أن يُغنّي

زاهي وهبي: صحيح

إلياس الرحباني: كي لا نظل مختبئين

زاهي وهبي: كيف تولد الموسيقى أُستاذ "إلياس"؟ عندما تخطر في بالك معزوفة أو مقطوعة موسيقية أو لحناً، من أين تأتي الموسيقى؟

إلياس الرحباني: هذه الأغاني الحلوة جداً التي ضربت في العالم، عندما أُفكِّر أنني أريد أن أكتب أُغنية، خلال ثلاث دقائق أو خمس دقائِق تبدأ في رأسي وخلال ربما عشر دقائِق ينتهي اللحن على الورق

زاهي وهبي: أي ماذا؟ هو وحي؟

إلياس الرحباني: هذه قوة ليست موجودة عند أحد. لم أجد أحداً يُمكنه أن يقوم بهذا، هذه قوة إلهية تعطيك، وإذا لا تأخُذ تتأخّر

زاهي وهبي: هلّ ما زلت اليوم تؤلِّف موسيقى بنفس القوّة، بنفس الطريقة؟

إلياس الرحباني: أريد أن تُشرِّف حضرتك لعندنا ونتغذى سوياً

زاهي وهبي: تغذينا كثيراً، فضلك سابِق

إلياس الرحباني: وأُريد أن أُنزلك لأُريك، أليس عندي 6,500 لحن، بعد الـ 6,500 عندي 600 لحن جديد. عقلي لا يهدأ، أثناء محاولتي النوم

زاهي وهبي: عفواً، الذي يعيش هذا القدر في عالم الموسيقى، ودعني أعتبر الموسيقى شيئاً ميتا فيزيائياً، شيء يأتي من الغيب ربما، من عالم أصلاً غير محسوس وغير ملموس بالمعنى المادي للكلمة، كيف يُمكنه أن يتأقلم مع الحياة العادية، الواقعية، بمشاكلها، بضوضائها، بكلّ ما فيها؟

إلياس الرحباني: أنا مع أيّ شخص أمام منزله في ضيعة، أجلس إلى جانبه ويُخبرني قصصاً وأُخبره قصصاً. كلّ شيء لكن عندي مكان أقوى في رأسي. إذا كنت تتحدّث إليّ ويطنّ في رأسي، أي اللحن يركب في رأسي أثناء محادثتي معك. أريد أن أقول لك شيئاً، في إحدى المرّات، صاحبنا "سامي كلارك"، أثناء الحرب في عام 1979 كنت أجلس مع شخصين نتحدّث في السياسة وعن الحرب وعن القذائِف، أحدهم يطرق الباب ويدخل "سامي كلارك" ويقول، " مرحباً، أجيبه " مرحباً، ما الذي جاء بك في هذا الشتاء وكذا؟" قال لي، " جاءتني دعوة ثانية" وكان قد ربح في (ألمانيا) بعد أن أرسلته للمرة الأولى، فربِح للمرة الأولى وقال لي، " طلبوا منّا أن نذهب إلى (ألمانيا)"، فأخذتُ قراراً. هنا الوعي قال لي " لا، لا"، وأنا أخاف، كانت الطائِرات حينها تُخطف ولا تعلم إن كانوا سيضربونك على طريق المطار أو شيء من هذا القبيل، فقلت له، " أنا كلياً"، والله أقول لك وكان أمامي شخصان وهو. قلت له، " اجلس لنتحدث في كلّ شيء"، وأثناء حديثنا، وأنا عندي عادة أنني أنظُر إلى الساعة، نظرت إلى الساعة وكانت ربما الخامسة، فصرنا نتحدّث، وفجأة، اعتقدوا أن شيئاً حدث لي، قلت له " سامي، اقترِب من البيانو، بسرعة قبل أن أنسى، قل ورائي"، واستغرقت الأُغنية خمس دقائِق "موري كوري" التي ضربت في العالم وربِحت في (ألمانيا). هذه الأشياء أقولها لكن عيب على رؤسائنا ما عدا الرئيس الحالي، هؤلاء الذين قاموا بالوساخة كلّها وأنا أشرح لهم، (لبنان) يقبُر (أميركا) ويقبُر (فرنسا) بالموسيقى، أنا وحدي أقدِر عليهم، وطالما الأمر هكذا، لماذا أنا ربحت على كلّ هذه الدول الكبيرة والمؤلّفين الكبار؟

زاهي وهبي: نعم. مع أنّ هذا الذي يُميِّز، يُفتَرَض، بلد صغير مثل (لبنان)، في كونه لا يقدر أن يُنافس صناعة الطائِرات ولا صناعة الدبابات، يُنافِس في الشِعر والموسيقى وفي الأغاني. مُشاهدينا الكرام، سنتوقف للحظات سريعة مع موجز إخباري نتابِع بعده هذا اللقاء مع الفنان الكبير الأُستاذ "إلياس الرحباني"

المحور الثاني:

زاهي وهبي: مُشاهدينا الكرام، نُتابع "بيت القصيد" مع الفنان الأُستاذ "إلياس الرحباني". أُستاذي، التجربة الرحبانية، هلّ هي استمرار أم كلّ شخص له تجربته الخاصّة؟ "زياد" في مكان، حضرتك في مكان، "الأخوين" في مكان، و"غسان" و "أُسامة"

إلياس الرحباني: أستطيع أن أتحدّث عن نفسي وعن إخوتي لأنني عشت معهما على طول

زاهي وهبي: كلّ التجربة

إلياس الرحباني: هما استمرارية عظيمة وكانت عندهما سرعة التأليف وأنا عندي الشيء نفسه أيضاً، عندي السُرعة القصوى، وأنا أقول هذا وأجزُم أنّ عندي هذا القدر. الآن، أجلسني وقلّ لي أُريد هذه موديل هكذا وموديل هكذا فأجلس لفترة ويأتيني التأليف، والشباب كلّ واحِد عنده طريقته

زاهي وهبي: تعلم حضرتك، يدور ودار جدال كبير بين الباحثين والنقاد وغيرهم عمّن من هو الأكثر إبداعاً، "منصور" أم "عاصي"، "عاصي" أم "منصور"؟ وبعد وفاة "عاصي" ظُلِمَ "منصور" قليلاً في بعض المقالات. أنا وجهة نظري أنّ "الأخوين رحباني" طالما ارتضيا التوقيع باسم شخص واحد فهما "الأخوين رحباني"

إلياس الرحباني: وأنا، كلّ من تحدثوا معي في هذا الموضوع قلت لهم، "إذا تفهمون في الموسيقى، هناك "موزارت" و"بتهوفن" لنقل"، حين يسألونني أيهما أقول لهم " عاصي" يشبه "موزارت" و"منصور" يشبه "بتهوفن" وأنتم انتقوا". قلت لهم هذا لأنني أعرِف لماذا أقول هذا. أشعر مثلاً أنّ عند "بتهوفن" هناك أحياناً نوع من

زاهي وهبي: المتانة والقوة

إلياس الرحباني: و"موزارت" رومانسي ومن غير نوع، وهؤلاء كلاهما

زاهي وهبي: هلّ يُمكننا أن نقول أنّ "عاصي" كان أكثر سلاسةً، أكثر نعومةً؟

إلياس الرحباني: "عاصي" كان يُجنن وأنا كنت إلى جانبه، وعندما لسوء الحظ حدث معه الانفجار كنت أكتب له النوتة التي كان يقولها لي. لكن "منصور" كان عنده أيضاً، إن راجعت، الأغاني التي ألّفها، ليس "منصور" وحده لكن "الأخوين" لأنهما لا يقبلان، لكن أنا في البيت كنت أمكث إلى جانبهما وكنت أعرِف أنّ "منصور" أيضاً كانت عنده رومانسية خاصة ربما موديلها يختلِف عن "عاصي" لكنهما يُشبهان بعضهما البعض في هذا الجو الذي أقاماه والذي يلصقهما ببعضهما البعض ولا يمكنني أن أفصلهما

زاهي وهبي: نعم، "زياد الرحباني"، هل هو استمرار للمسرح وللموسيقى وللأغنية الرحبانية، أم شيء آخر؟

إلياس الرحباني: كما تعلم، حين كان "زياد" عمره 14 سنة كنت آخذه وأُنزِله إلى "بيروت" معي إلى الاستديوهات وكنت مسروراً به لأنه ذكي، وأثناء نموه كنا نضحك سوياً ونُخبره القصص والنكات، وأنا أؤلِّف منها الكثير، وبعد أن بدأت الحرب ترك المنطقة ولم أعُد أراه. قسّمونا في الحرب

زاهي وهبي: نعم، شرقية وغربية

إلياس الرحباني: نعم، وهو عاش في الغربية وهناك أقام مسرحيتين أو ثلاث أو أربع

زاهي وهبي: أربع مسرحيات

إلياس الرحباني: أربع مسرحيات

زاهي وهبي: وبعدها أقام مسرحيتين، بعدما انتهت الحرب

إلياس الرحباني: فصرت أتصل به هاتفياً، أحياناً يرُد وأحياناً أُخرى لا يرُدّ وأنا لا أُريد أن أُزعجه وفي الحرب لم أكن أذهب إلى أماكن كثيرة. ابني "غسان" عندما هدأت الأمور قليلاً أقام علاقات لأنه مُحِبّ للعائِلة ويريد أن يجمع العائِلة، فصار يتجوّل ذهاباً وإياباً، وبعد مدة، وأنت تعلم أنّ "زياد" يُحب أن ينفرِد لوحده وأنا طلبت منه كثيراً حين أتى لزيارتي منذ ثماني سنوات وقلت له، " أرجوك أقِم مسرحية، أرجوك"، فقال لي وكان واضحاً، قال لي، " أنا الآن لست في حال تُمكنني من القيام بمسرحية"، ولا أدري

زاهي وهبي: في إحدى المرات كتبتُ عن مسألة لا أدري إن كنت توافقني عليها أُستاذ "إلياس"، تفكُّك الأُسرة الرحبانية أو المؤسسة الرحبانية، تفكّكها هو جزء من تفكُّك (لبنان) نفسه. بمعنى، عندما كان (لبنان) صاعداً ومُزدهِراً كانت المؤسسة الرحبانية مُزدهرة وصاعِدة ومُلتحِمة مع بعضها البعض. عندما تفكّك (لبنان) تفكّكت المؤسسة والأُسرة أيضاً

إلياس الرحباني: صحيح، صار هكذا شيء، وأنا أريد أن أقول لك أنني لم أتعاطَ، ألست أنا من يقولون له الكبير، لم أتعاط لأنّ كلّ شخص يفهم، حين يُصبِح عمره فوق الـ 25، إذا لا يفهم لن يفهم. هناك أشياء حدثت، ربما ببساطة، مثلاً أقاموا حفلة من دون أن يعطوا الـ Royalties

زاهي وهبي: نعم، الحقوق

إلياس الرحباني: الحقوق أو شيء، فحدث أن كبّرتها الجرائِد أكبر من حجمها

زاهي وهبي: كم ظهور هذه الخلافات، التي أنا أجدها بسيطة وتحصل ربما في أية عائِلة في الدنيا، ظهورها للعلن وللصحافة والإعلام ألا تُسيء إلى صورة الرحابنة و"فيروز"؟

إلياس الرحباني: بلى، أنا أزعل جداً ولا أُحب لو مهما فعلوا لي، لا يُمكنني أن اُغيِّر ما تربيّت عليه. هذا الجمال الذي كان أول ما تزوجا "عاصي" و"منصور، أقصد "عاصي" و" فيروز"

زاهي وهبي: و"عاصي" و"منصور" تزوّجا فنياً أيضاً (يضحك)

إلياس الرحباني: (يضحك)

زاهي وهبي: زواجاً مارونياً جداً

إلياس الرحباني: كانت "فيروز" ربما أكبر منّي بسنتين أو أكثر، لا أدري، لكن أنا كنت دائماً أُضحِك "فيروز". أُخبرها قصصاً

زاهي وهبي: وأنت تُحبّ النُكتة، تحب الضحكة

إلياس الرحباني: وهي كانت، كيف أقولها لك، مهضومة وتفهم في النكتة وتلقطها، تلتقط الحلو فيها، لكن مع الأسف، الآن واقفة الأمور

زاهي وهبي: حتّى بينك وبين السيّدة "فيروز"

إلياس الرحباني: أنا لا أُريد أبداً أن أُزعِج إنساناً، أليس أنت؟ ربما تريد ألاّ تراني لسنتين، هذا ما هو على بالك، أقنع، لكن أنت في قلبي، وهي في قلبنا. أنا وزوجتي دائماً نتحدّث، في كلّ ليلة نسهر ونسمع "فيروز" وعندنا أغانيها، وكأننا لا نعرِفها، نسمعها من حبنا لها. ربما عندها القليل من التعب الفِكري أو تعب من الحياة ومن الذي حدث في هذه الحياة ومن الولد الذي جاءها

زاهي وهبي: أي أنت تفهم مزاج الآخر وتقبله كما هو، كما الآخر يريد

إلياس الرحباني: حينما تريد أن تكبِس على الزرّ أنا وزوجتي نكون عندها، لكن "ريما" تكون أحياناً همزة وصل بين "غسان" وأحياناً معي إذا كان أحدهم مريضاً أو متضايقاً، أو عن خبرية حدثت، هكذا فقط

زاهي وهبي: همزة وصل

إلياس الرحباني: والقصة منذ سنتين فقط هكذا

زاهي وهبي: نعم، و"ريما" تقوم بهمزة وصل وليس همزة فصل

إلياس الرحباني: (يضحك)

زاهي وهبي: فصل أم وصل؟

إلياس الرحباني: (يضحك)

زاهي وهبي: على كلّ حال نُمسّيهم بالخير هي والسيّدة الفاضلة الكبيرة المُحترمة "فيروز". من الأصوات الجديدة الشابة التي تعاملت معها، الفنانة "باسمة"، وصوت "باسمة" صوت جميل

إلياس الرحباني: أين سمِعتها؟

زاهي وهبي: أريد أن أُسمعك ماذا تقول "باسمة" عن حضرتك

 

 

كلام يوصل

باسمة - مغنية: أستاذ "إلياس" شغلة كبيرة، عشرة عُمر نحن وهو، صداقة تجمعنا كثيراً في أغانٍ قديمة، في "Concerts” أقمناها مؤخراً، أحيينا العديد من الـ Concerts. أُستاذ "إلياس" أب وأخ وصديق، أُحبه كثيراً وخاصة أننا من نفس البرج، برج السرطان، فنتّفق كثيراً معاً وفي اليوم الذي يكون عندنا "بروفات" يفتح لنا الاستديو بكلّ فرح وبكلّ صدرٍ رحب وبكلّ مرح، حتّى أنه صاحب نكتة، ينكِّت ويمزح، لا يُشعِرك أنك تلميذة تذهبين لتدرسي أو لتتمرّني عنده على أُغنية. هذا الإنسان أنا أفتخر به. أُستاذ "إلياس" بالنسبة لي هو خوابي النبيذ عندنا في (لبنان) المُخمّرة جيّداً، بانت كثيراً من اللازم بعد أن تُعطي أكثر، فنحن لا زلنا ننتظر هذا النبيذ الموجود عنده، المُخمّر، لا بأس ليتذوّقه لنا ويُشرِبنا منه، وهكذا يفرح الناس أكثر بما عنده. عنده "خوابي" من الأغاني لم نسمعها بعد، وهذا بالنسبة لـ "إلياس الرحباني"، فكيف إذا كان أخ "الأخوين الرحباني" الكبار، الذين نفتخر بهم، الأُستاذان "عاصي" و"منصور الرحباني" رحمهما الله، صارا في دنيا الحق. "إلياس" أكمل مشوارهما وأنا أرغب في إكمال مشواري معه، فنحن اليوم لا عقد بيننا بل نوايا صافية تجمعنا. في اليوم الذي تكون فيه حفلة كبيرة أجده فوراً اتصل بي وفكّر بي، مشكوراً طبعاً، وأنا أعلم أنني دائِماً في باله. شهادته بي كبيرة جداً، أفتخر وأعتزّ بها وهو دائِماً يقول، "أنتِ فنانة مُحتَرمة صوتاً وصورة". أنا أشكره على محبته لي وأشكُر ثقته بي وهو يعلم كم أُحبه وكم نُسَر في الجلسة معه وكمّ نمزح وكم نعلوا وكم نعود وننخفض. أُستاذ "إلياس" أطال الله في عُمري وفي عُمرك، لكن سؤالي لك أكيد ستتذكّره، أين أصبحت مسرحية " إيفيتا بيرون" التي تحدّثنا عنها واتفقنا عليها؟ أنتظر إجابتك

زاهي وهبي: نشكر "باسمة" جداً

إلياس الرحباني: أشكرها جزيلاً لأنني أُحبها كثيراً ولأن صوتها رائِع

زاهي وهبي: ما من شكّ أنّ صوتها جميل جداً

إلياس الرحباني: وصوتها يؤدّي الغربي، وهي جد فظيعة، تُغني الغربي وتُغنّي الشرقي وتجول وكلّ شيء، لكن المُشكل هو عدم وجود منتجين

زاهي وهبي: لا يوجد منتجون

إلياس الرحباني: لا

زاهي وهبي: هلّ في بالك مسرحية عن "إيفيتا بيرون" بمعنى، هلّ كتبتها أو ألّفت لها موسيقى؟ أو ما هي الفِكرة؟

إلياس الرحباني: كنّا نفكر بها لكن توقفنا، لا يوجد أحد. ينتجون أشياء كثيرة ويدفعون لها لكنها بلا قيمة، من نوع أغانٍ، وأنت أدرى كم هناك من أغانٍ، يخربون بها اللهجة اللبنانية

زاهي وهبي: هناك مأخذٌ عليك أُستاذ "إلياس" أنّك طبعاً أعطيت ألحاناً للذين تشتكي منهم

إلياس الرحباني: مثل من؟ (يضحك)

زاهي وهبي: لا أُريد أن أقول أسماء، طبعاً "باسمة" أكيد هي خارِج الموضوع. "باسمة" صوت كما قلنا، صوتٌ رائِع، ولكنك أعطيت لأسماء ينطبق عليها ما حضرتك تنتقده

إلياس الرحباني: أريد أن أقول لك، جاءت في إحدى المرّات "هيفا" لعندنا

زاهي وهبي: لا، تفضّل، نعم، أنا لا أتحدّث عن "هيفا"

إلياس الرحباني: ألّفت لـ "هيفا" أُغنية كلامها ككلام امرأة عالٍ، وبعد ذلك علّمتها كيف تُغنّي وجعلتها تُغنّي بشكلٍ صحيح، وكانت الأولى في العالم العربي، لكن لا يُكملون

زاهي وهبي: لا بأس، كي لا يُفهم أنني أقصُد "هيفا"، "هيفا" أصلاً لا تطرح نفسها كمطربة. كما تعلم، هي تُقدم لوناً من الفنّ الاستعراضي، وهي من يقول هذا الكلام. لكن هنا أُخريات، نسيت؟

إلياس الرحباني: قلّ لي أُغنية، لا تقول الإسم

زاهي وهبي: إذا حضرتك نسيتهن أنا سأذكِّرك بهن؟

إلياس الرحباني: لا أعلم والله لا يأتي إسم على رأسي. تلك اللواتي مررن على رأسي فقط  

زاهي وهبي: هل هناك معايير، هل هناك مقاييس، هل هناك شروط لمن تريد أن تُعطيه لحنك، للذي سيحمل إسم "إلياس الرحباني"؟

إلياس الرحباني: طوال العُمر كانت الأمور ماشية، أريد أن أقول لك شيئاً. اليوم، النغمة، هناك سرّ أيضاً لا يعرفه الناس، هناك سرّ أو يقولون "عنده كاريزما"، هناك أُناس عندهم كاريزما في الموسيقى، أنا حينما ألّفت أُغنية طلب منّي إخوتي، وأريد أن أخبرك بأمر. في (بعلبك) في المرة الأخيرة، عندما كنا نُقدِّم في (بعلبك)، كان أخي "عاصي" و"فيروز" وكلّ تلك الأشياء الحلوة لا تزال، فجاء أخي "عاصي" قال، "نسينا أن نكتُب أُغنية لـ "جورجيت صايغ"، هل يُمكنك أن تكتبها غداً وتوزّعها؟ هم يعلمون أنه في استطاعتي ذلك لكن غيري لا يستطيع. لأقول لك بصراحة نمت ولم أفعل شيئاً، في اليوم التالي صباحاً جلست لساعة وكتبتها على ورقة

زاهي وهبي: أيّة أُغنية منها؟

إلياس الرحباني: وكتبت النوتة واتصلت بها وقلت لها تعالي. أحضرتُ أوراق النوتة وقمت بالتوزيع، فليفعل ما فعلته أحد في (أميركا)

زاهي وهبي: أيّة أغنية؟

إلياس الرحباني: "يا ناسيني"

زاهي وهبي: يا ناسيني". أُستاذي، اسمح لنا أن نتوقّف مع فاصل واستراحة سريعة ثمّ نُتابع "بيت القصيد"

المحور الثالث:

زاهي وهبي: أُستاذ "إلياس" هناك سؤال دائِماً في بالي. هذا الوطن "الرحباني" الحلو الذي حفِظناه في الأغاني وفي المسرحيات، رغم النفس الثوري والتمرّد الموجودان في الكثير من المسرحيات "الرحبانية"، لكن هناك (لبنان) الأخضر الحلو؛ هلّ كان هذا الـ (لبنان) فعلاً واقعياً، يُشبِه (لبنان) في تلك الفترة أم كان اختراعاً فنياً جمالياً "رحبانياً"؟

إلياس الرحباني: كان فيه القليل من الوهم. أنا أكتب الشعر أيضاً وأكتب موسيقى وأكتب بالفرنسية، أثناء كتابتي وكتابتهم، وأنا كنت مع "عاصي" أتفرّج عليه قليلاً، ويطلب منّي أن أُخبره خبريّة، كنت أراه ونتحدّث ونقول أننا كذبنا قليلاً على الناس لكن كذبتنا كانت مُهمة كي يتعلّم الناس ويكثر الاخضرار، كي يتعلّموا. أليس حراماً، (لبنان) أحلى من ألف بلد في العالم

زاهي وهبي: صحيح. دعنا نسمع أيضاً رأياً بتجربتك، بحضرة جنابك، من المسرحي والكاتب والناقد الأُستاذ الصديق "عبيدو باشا". نسمعه معاً  

كلام يوصل

عبيدو باشا – كاتب ومسرحي: أُستاذ "إلياس الرحباني" هو ثالث الأخوين "رحباني" وهذه مُفارقة كبيرة. مسألة عظيمة أن يكون الأخ الأصغر للأخوين " عاصي" و"منصور الرحباني"، وفي الوقت نفسه مسألة ليست لطيفة لأنّكِ تصبحين تريدين أن تمزّقي نفسكِ كي تجدين مكاناً بين هذين الشخصين الكبار. الأخوان الرحباني علّما "إلياس" الكثير من الأشياء وفي الوقت نفسه علّماه أشياء هو في حاجة لها كي يُكمِل مسيرته على حدة. أحضرا له أُستاذ "بيانو" مثلاً لأن والده لم يكن موجوداً ووالدته أيضاً، فكان عند "إلياس" أبوان، لكن المهم أنّ "إلياس" استطاع أن يبني منصّة خاصّة غير أنه لم يُغادر ذكرى "الأخوين رحباني" ولم يُغادر الخصيصة المُشتركة لـ "الأخوين الرحباني" ولم يُغادر الخصائِص الفردية لكلّ أخٍ منهما على حِدة. فضيلة "إلياس" أنه تعاطى مع اثنين يمثلان شخصاً واحداً، ولم يُميِّز بين الاثنين أبداً؛ تعامل مع "منصور" مثلما تعامل مع "عاصي" وتعامل مع الشخصين مثلما يتعامل مع أولاده الاثنين أيضاً في الوقت نفسه، وأقام مسرحاً خاصاً وكتب أُغنية خاصّة وقام بعمل في مجال الإعلانات كان ربما العمل المتفرِّد الوحيد في التجربة اللبنانية. مسكَ هامشه وزاده اتساعاً بيديه وخلق حضوره على الساحة اللبنانية بحيث أنه لم يعُد هو "إلياس الرحباني" ثالث الإخوة "الرحباني" وأصغرهم وسيرته تفترق عن سرتيهما، لا، أصبح "إلياس" موجوداً وعنده علامات فارِقة، عنده أشياء يُمكننا أن نتجرّأ ونقول بأنها               نوعية على الصعيد الغنائي، وعنده أيضاً شابان نذرا حضورهما لحماية موقع "إلياس الرحباني" والإضاءة على موقع "إلياس الرحباني" لأنّ الكثير من الناس لا يعرِفون بأنّ "إلياس الرحباني" قام بتلك الأشياء. "الأخوان الرحباني" اشتغلا كثيراً على مناخات التشريق و"إلياس" أيضاً اشتغل على مناخات التشريق، ولم تكن عنده أبداً مشكلة في أن يشتغِل على مناخات التغريب، المناخات الغربية. يمكنني أن أتذكّر كلّ مسرحياته التي قدّمها، قدّم وجوهاً جديدة، قدّمَ مُقاربات جديدة في المسرح، وقدّمَ مقاربات جديدة في الموسيقى. أُريد أن أسأل الأُستاذ "إلياس الرحباني"، لماذا تأخّرنا في الإعلان عن إنشاء وافتتاح الأكاديمية التي افتتحت منذ زمنٍ غير بعيد؟ هذا أولاً. والسؤال الثاني هو أيضاً جزء من السؤال السابق، نحن موعودون بقناة تلفزيونية اسمها قناة "الرحباني"، قناة ثقافية. نحن ننتظرها لأنها ستكون على الأرجح قناة ثقافية لا علاقة لها بالأقنية الاستهلاكية، الأقنية البطلة الآن على الساحة اللبنانية

زاهي وهبي: نقول شكراً للأُستاذ "عبيدو باشا"، ونقول له مبروك لأنه تولّى مسؤولية إدارة البرامج في إذاعة "صوت الشعب"، والرحمة لصديقنا "رضوان حمزة"، المدير السابق. إذاً، الأكاديمية نتحدّث عنها بعد قليل لأننا نريد أن نسمع "غسان" أيضاً يتحدّث. لكن هلّ هناك مشروع قناة، قناة تلفزيونية؟

إلياس الرحباني: نعم، صار لنا سنتان، وننتظر شخصاً، ينقصنا شخص. إن شاء الله مع هذا الشخص ستكون محطّة مُختلِفة، كلّها للفرح ولا يوجد فيها سياسة، كلّها ليكون الناس فرحين ونحن نعلم كيف يريد الناس أن يفرحوا

زاهي وهبي: ماذا تقصد بأنه ينقصكم شخص؟

إلياس الرحباني: المموِّل الرئيسي أصبح معه ممول آخر وينقصه ممولٌ ثالث

زاهي وهبي: يحتاج إلى شريك

إلياس الرحباني: نعم شريك

زاهي وهبي: شريك في هذا المشروع

إلياس الرحباني: وحين يعلم الناس

زاهي وهبي: "قناة فرح"، ماذا تعني بقناة فرح، أي ستبث موسيقى وأغانٍ أم كلّ شيء؟

إلياس الرحباني: ستبثّ أيضاً تمثيلاً وكذا لكن بلا سياسة. يقومون بكل شيء يُمكن أن يُقام من دون سياسة. قد تأتينا أفكار، والفكر يتحمّس أكثر كلّما شعر المرء بأنّ الأمور اقتربت. لكن إن شاء الله تنجح هذه المسألة لأنها مُهِمّة

زاهي وهبي: أُستاذي، وصلت إلى الثمانين أم     

إلياس الرحباني: لا يا أخي أنت تُكبِّرني، كلّ النساء يقولون أنني في الخمسين (يضحك)

زاهي وهبي: إن شاء الله خمسين آخرين

إلياس الرحباني: انظُر، ليس المهم العُمر. أنا أتحدّث لك عن خبرة عندي، أنا الآن سرعتي في عملي اليومي، سرعتي في العزف وسرعتي في التأليف، فليقم بهما شخص عمره 15 سنة و30 سنة و40 سنة و50 سنة. بالإضافة إلى أنني لا أؤجّل ما أستطيع القيام به اليوم، لا وجود لمصطلح " لست قادراً" في قاموسي، أنا قادر دائماً، على طول، واقفاً (يضحك)

زاهي وهبي: (يضحك) إن شاء الله على طول تظلّ في همّتك. ما هو حِلمك، ما المتبقّي من أحلامك؟

إلياس الرحباني: لم أعُد أُريد أحلاماً لأن الأحلام، مهما قلت ومهما عشت لا توجد أحلام. أنا مسرور لأنّني في 14 الشهر الماضي (شباط) كان عندي دائِماً خوف، وهذه المرة الأولى التي أقولها على الهواء، في الرابع عشر من شباط وكأنّ الدنيا برمت، من ماذا؟ أنا أبدو مسروراً وأحتفل بالأعياد، لكن داخلي في خوفٍ دائِم

زاهي وهبي: خوف من ماذا؟

إلياس الرحباني: خوف من الموت. والله العظيم كنت أنزل في المِصعَد ووصلت إلى نصف الطريق، كنت أنزل إلى الاستديو من البيت، فجأة شعرت أنّ شيئاً انتهى، شيء لا أعلم ما هو. حين وقف المصعد توجّهت إلى "جاد" وقلت له، "أُنظر بابا، من الآن فصاعِداً، آخر همّي هو الموت"

زاهي وهبي: دعنا نُسمها حِكمة ربّانية. هل لا تزال توجد عندك موسيقى في رأسك؟ هّل لا يزال عندك الكثير من الموسيقى؟

إلياس الرحباني: أفّ، لا أهدأ

زاهي وهبي: لماذا الآن لا نسمع موسيقى "إلياس الرحباني" على أفلام لبنانية، على مُسلسلات لبنانية؟

إلياس الرحباني: عليك أن تسألهم هم، انتبه، أحكي وكلّ أوراقي مفتوحة، يقولون لي لا تقول لكن أريد أن أقول. أنا لا أسأل المنتِج أن يدفع لي مبلغاً معيناً، أقول له، " ادفع ما يُمكنك أن تدفع"، يمكنهم لكنهم يبغضون وأنا أكتشف أنّ عندهم بغضٌ غريب لأنني أُحبهم

زاهي وهبي: الأُذن العربية، نحن اليوم نقول مثلاً " دخلك يا طير الوروار"، وكلّ الناس تعلم أنّ هذه أُغنية للسيّدة "فيروز" وإذا لم يعرفوا اسم الموسيقي المُلحِّن ليس مُشكلة، لكن يسمعونها على الأقلّ

إلياس الرحباني: صحيح  

زاهي وهبي: هل الأُذن العربية تسمع موسيقى مُجرّدة؟

إلياس الرحباني: سأقول لك، عندما كنت حكماً في "سوبر ستار" كان كلّ شباب "السعودية" و"الكويت" والشباب كلّهم، يتحدّثون معي عن "عازف الليل"، أحضروا معهم "عازف الليل" و "لا تقولي وداعاً". لا تقول، هناك أُناس يكذبون عن الناس ويقولون أنهم لا يحبون الموسيقى المُجرّدة. لا، يُحبون، وليس مثل الآن لأنّ هذه موسيقى لبنانية

زاهي وهبي: لكن المُهم أن نُعطيهم ونُسمِعهم

إلياس الرحباني: نعم أُعطيهم، أنا عفواً، أُريد أن أقول لك شيئاً. في إحدى المرات، في الموسيقى عندما أصدرت "سي دي"، وأنا أوّل من أصدرت أسطوانة موسيقية في أيام "شاهين" في فترة الستينات"Music of the Orient " أو "موسيقى الشرق" وضربت الأرض وما زالت، لغاية الآن

زاهي وهبي: تقصد "موزارت شاهين"؟  

إلياس الرحباني: نعم، بين الشرقي والغربي، وأنا اخترعتها خصيصاً. عندما بدأت موسيقى المُسلسلات، كانت شركة أجنبية يديرها لبناني، قال لي، " أريد أن أقول لك "إلياس" لكن لا تفشي سراً" قلت له، "نعم"، ولم يكن يريد أن يُكبِّر لي رأسي لكن أنا لست ممن يكبرون الرأس، فقال لي، " أتعلم أنّك بعت أكثر من هذه وتلك" وكان يتحدّث عن الكبار، قال لي، " أنت تمشي سوياً مع أكبر مغنيين في العالم العربي وأكثرهم مبيعاً"

زاهي وهبي: أُستاذي، ذكرت الـ "Star Academy" قبل قليل. هذه البرامج، برامج الهواة، التي حضرتك من أوائِل الناس الذين كانوا في لجان التحكيم، منذ أيام "سوبر ستار" وما قبل

إلياس الرحباني: صحيح، ضرب الضربة العجيبة

زاهي وهبي: ماذا قدّمت هذه البرامج للفنّ؟ أعطتنا أصواتاً وخرّجت مغنين ومغنيات، لكن أين هم؟

إلياس الرحباني: يا أخي، أنا لا يمكنني أن أراهم يعطونا الكثير، لأقول لك لماذا، لأنّ المسألة ليست في أنّ هذه مهضومة وهذا مهضوم، أنا كنت ومعي "عبد الله القعود"، وكان هناك شاب من المشتركين طيِّباً جدا ولغاية الآن ما زلنا أصحاباً وكان مهضوماً جداً وقال لي، " يا أُستاذ " إلياس" أنا سأعتلي المسرح وستشاهدني زوجتي غداً" ( يضحك)، فقلت له "أكيد"، وكنا نُحضِر آنسة مهذبة وكذا وأنا تقريباً من العيب أن أقول ما كنت أقوله مثلاً لكنني كنت أقول ما أقوله بكلّ محبة، " ننتقي من هؤلاء ومن هؤلاء ونُحضر لهم عدداً هائِلاً من الأغاني

زاهي وهبي: وكانت معكم في مرحلة السيّدة "فاديا الحاج" وقبلاً كانت معكم السيّدة "تانيا مرعب"

إلياس الرحباني: صحيح، كان دورهن غير هجومي في الكلام

زاهي وهبي: يأخذن الدور اللطيف

إلياس الرحباني: نعم، باحترام، لكن الآن، أنا متأسّف، لا يُمكنني أن أرى شيئاً غير

زاهي وهبي: ولكن، هلّ كنت تقول للمشتركين الحقيقة، أي رأيك ما هو في صوتهم وأدائِهم وخياراتهم؟

إلياس الرحباني: طبعاً

زاهي وهبي: وكانت النتائِج، أي المشتركين الذين ينجحون ويفوزون كما أنتم تريدون كلجنة تحكيم أو مثلما إدارة التلفزيون ترغب؟

إلياس الرحباني: أحيانا، سأقول لك كيف. حينما يبدأ الشعب يُقرّر بالتصويت، نحن لا نرى النتائِج. لحد هنا ننتهي من عملنا ويدخلون إلى المكتب وتأتي الاتصالات ونحن لا نتعاطى. لا يُمكنني أن أقول شيئاً وأُحمِّل ضميري، هذا الذي كان، لكن في "سوبر ستار" أرغب في أن أقول للشرق العربي كله، لأنّ هناك فيه كله من أصدقائي، لكن لا أدري لماذا يريدون أن يُقلّلوا من المُستوى. كتبت (أميركا) في مجلّة معروفة جداً الـ New York Times، كتبت، "ماذا يجري في الشرق؟" تصوّر وكأنها حرب، ماذا يجري في الشرق؟ (فلسطين)؟ لا! الحرب مع (إسرائيل)؟ لا! Super Star؟ نعم! هذا ما لا يفهمه الأميركيون، لم تتمكّن الدولة الأميركية من جمع العرب وهذا الرجل الذي يتكلّم، ولا يعرفون اسمي أعتقد، وكذلك في المحطة أخطأوا وأنا شكرت الله أنهم أخطأوا بي كي لا يقولوا أنّ الرئيس "الحريري" دفع مالاً

زاهي وهبي: نعم، لأنه كان البرنامج يُعرَض حينها على شاشة تلفزيون "المستقبل". سأُكمِل معك أُستاذ "إلياس" ولكن اسمح لنا أن نتوقف مع استراحة أخيرة ثمّ نُتابِع "بيت القصيد"

 

 

المحور الرابع:                           

زاهي وهبي: أُستاذ "إلياس"، حضرتك أصدرت، إضافةً إلى الأعمال الموسيقية التي تجاوزت السبعة آلاف الآن على حسابات هذه الليلة، ليست 6,500، لأنك قلت لي أنّ هناك 500 أُخرى. إضافةً إلى الموسيقى والأغاني، هناك الشعر أيضاً، أصدرت كتابين من الشِعر حضرتك

إلياس الرحباني: ليس شعراً

زاهي وهبي: شعرٌ حديث وحرّ

إلياس الرحباني: أنا كتبت

زاهي وهبي: لماذا نقزت وقلت أنه ليس شعراً؟ وكأنها تُهمة؟

إلياس الرحباني: (يضحك) " نافذة القمر" و"الذئاب تُصلّي"، والآن عندي كتاب عن "الكون والله"

زاهي وهبي: لماذا أنت مشغولٌ بالله والكون، أخوك "منصور" رحِمه الله، أنا طبعاً جالسته وحاورته مراراً وتكراراً، كان أيضاً يُسمِعني ما هو غامض، الغامض، المستقبلي

إلياس الرحباني: قال لي مرّة "منصور" ونقِزَ منّي، أنني كتبت في كتابي الأول، لكثرة ما ضربونا وكنا في بداية الحرب، قبل الثمانينات، لم أعد أعلم ماذا سأفعل، لا يُمكننا أن نُسافر ونأخذ أولادنا ونذهب لافتقارنا إلى المال، وحين كنتُ جالساً خطرت مسألة في رأسي ولم أطلبها، وحياتك، استغرقت كتابتها مقطعاً صغيراً وقلت" عندما تحمرّ" وكانت (روسيا) ليست معنا، قلت، " عندما تحمرّ السماء من دم الجريمة تنفجِر عواصم الثلج الظالمة، تهوي ناطحات السحاب في مُدن الجريمة هولاً من غضب الكون، وستزحف جحافِل البؤساء لتنهشَ أجساد حُكّام الأرض. لم يعُد هناك منطِق فالزلازل تُصبِحُ عدالة وتُساوي الجميع بعدالتها"

زاهي وهبي: هذه كتبتها قبل الحادي عشر من أيلول 2001

إلياس الرحباني: نعم، وبعد ذلك، أنا لحّنت نشيد "الكونغرِس" الأميركي يا أخي، لماذا بلادي لا تفتخِر بنفسها وتزيد الدول "الفرنكوفونية" إلى سبعين دولة؟

زاهي وهبي: دعني في الشعر قليلاً فقط أُستاذ "إلياس"، هلّ المُنجَز الشِعري لـ "الأخوين الرحباني" يوازي المُنجز الموسيقي؟ بمعنى أنّ أهميّتهم الشعرية في الكتابة

إلياس الرحباني: كتابتهم للشعر بلى، يكتبونه كموسيقى

زاهي وهبي: مثل كتابة الموسيقى كتابة شعرهم 

إلياس الرحباني: نعم

زاهي وهبي: بماذا يتميّز في رأيك؟

إلياس الرحباني: البساطة، حين تسمع أُغنية لـ "فيروز" كتبها " الأخوان الرحباني" تتساءل لماذا الصوًر الشعرية التي أراها الآن لم أرهَا قبلاً؟ لماذا هذه الأشياء

زاهي وهبي: عندما يخطُر على بالك أن تسمع "فيروز" ماذا تسمع؟ ماذا تحب أن تسمع أكثر؟

إلياس الرحباني: لو أردت أن أسمعها لمئة مرة سأظلّ أفرح

زاهي وهبي: مع من مِن المُلحّنين الآخرين ترغب أن تسمع أغنيات "فيروز"؟

إلياس الرحباني: "فيلمون وهبي"، كان أُستاذاً رهيباً

زاهي وهبي: هلّ "زياد" قدّم إضافة لـ "فيروز"؟ أطال العُمر الفنّي لصوت "فيروز"؟

إلياس الرحباني: لم يقدِّم عدداً كبيراً

زاهي وهبي: لكن عادةً، الشيء الذي له قيمة قد تكون قيمته في معزِل عن العدد

إلياس الرحباني: أنت تقول هذا لأنني إنسان عادي ، لأنني قلت لك، كان هناك البُعد الذي لا أُشاهده، لا أُحضر تسجيلاً وأسمعه

زاهي وهبي: أي لم تسمع الأشياء التي ألّفها "زياد" لـ "فيروز"؟

إلياس الرحباني: سمعتها حين صدرت ولم أعد أسمع

زاهي وهبي: أُفّ!

إلياس الرحباني: اسطواناتي لا أسمعها، لا أسمع شيئاً لي، أسمع دائِماً موسيقى فرنسية منذ أن كان عُمري ست سنوات، حين كان عزّ الفرنسيين في (لبنان)

زاهي وهبي: لكن إصدارات "زياد" ليست إصداراتك بل هي شيء آخر

إلياس الرحباني: نعم، أنا أقول لك حينما أُريد أن أسمع، أسمع أغانٍ فرنسية، أغانٍ إنكليزية، أغانٍ إيطالية. إذا أردت أن أسمع طرباً أسمع "أُم كلثوم"

زاهي وهبي: إذا "زياد" يُشاهدنا الآن هلّ تقول له شيئاً؟ هلّ هناك شيء تريد أن تقوله له؟

إلياس الرحباني: ليتك تفعل مثلما قلت لك منذ ثماني سنوات، ألِّف مسرحية وألِّف لنا أغاني حلوة. ماذا سأقول له أكثر من هذا؟

زاهي وهبي: ألا تقول له أن يُطلّ عليك ويزورك؟

إلياس الرحباني: أقول لك الحقيقة، أتّصِل هاتفياً لكن لا يردّ أحد. أنا شخصُ حرّ ومُحِبّ وأُقبِّل أيادي الناس، أركع وأُقبِّل أحذية الناس

زاهي وهبي: حاشاك، حاشاك

إلياس الرحباني: لا، ليس حاشاني، من أجل أن أُعلِّم الناس كيف يجب أن أكون مُحباً ولستُ لئيماً وحين تبرُم ظهرك أشتُمك. هذه ضدّ عقلي ولا أستطيع أن أحمله

زاهي وهبي: قبل أن أسألك عن شغلك، أريد أن أسألك عن شغل "غسان" ورأيك بشغل "غسان" وبشغل "أُسامة الرحباني" الموسيقي والغنائي، ولكن دعنا في البداية نسمع "غسان الرحباني"، مثلما يقولون، وشهِدَ شاهدٌ من أهلِه. ماذا سيقول "غسان" عن والده الفنان والموسيقار الأُستاذ "إلياس الرحباني"

كلام يوصل

غسان الرحباني - فنّان: "إلياس الرحباني" عنده نوعٌ من الـ Legacy ويجعلكِ تحتارين بما ستقولينه عنه، لأنه أب، أصبح أباً من دون أن يطلُب أن يكون أباً، وأصبح فناناً من دون أن يطلب أن يكون فناناً. تشعرينه أباً وفي الوقت نفسه أخاً وفي الوقت نفسه إبناً. لا ينتبه إلى المُجتمع الذكوري الذي يُحضِّر نفسه ليكون أباً وعنده بيت ومملكته الخاصّة، تشعرينه أصبح أباً ولا يدري أنّ الأب هكذا سيكون، واعتاد أن يكون أباً مع الوقت، لأنّ الدنيا فرضت شيئاً مُعيّناً عليه، وأيضاً أصبح فناناً ليس لأنه وضع في رأسه أنه سيُصبِح فناناً من أجل شيء، جاءت هذه المسألة معه بالفِطرة واشتغَلَ على البركة. منذ عدة سنوات أحاول أنا وأخي أن نُعلّمه في بعض الأماكن أن يبرم زر الـ Business في رأسه لأنه لا يعلم، دائِماً عنده زرّ البركة، وليس من الغلط أن يكون الإنسان هكذا لكن عليه أن يعلم أحياناً أيمتى يستعمل الكوابح. لا يُمكنكِ أن تكوني مع كلّ الناس مثلما تكونين مع عائِلتكِ أو مع شخص يريد أن يجري Business معكِ أو شخص "مقطّع وموصّل"، "إلياس" ليس عنده هذه الأوجه، عنده وجه واحِد. إذا أنت تعرفين "إلياس الرحباني" جيداً تجدين أنّنا جميعنا عندنا شيء منه لكن الناس تأخذ منه الفِكرة في نوع موسيقى معينة. حين بدأ "إلياس" كان بدأ في "الروك" في الشرق، Rock n Roll، فإذا تحدثت أنا عن الروك فهو بدأ في الروك، وإذا تحدثنا عن الكلاسيك فهو كتب كلاسيك. "إلياس" مثل شجرة كبيرة فيها أغصان وكلّ غصن يُعطي نوعاً من الفاكِهة، أخي أخذ من كذا غُصن وأنا أخذت منه كذا غُصن، وهو أراد أن يبني كلّ واحد منّا شخصيته وألا نكون نسخة. أكبر غلطة عندنا نحن كآل "الرحباني" وهي غلطة نقع فيها دائِماً، يسألوننا دائِماً، " من سيُكمِل المسيرة"؟ إكمال المسيرة هو فخّ، لا أحد يُمكنه أن يُكمِل المسيرة، لا يُمكننا أن نقع في الفخ، يجب أن نكون أذكى من هذا لأنه بالنسبة لي كلّ إنسان يقوم بمسيرته إلى جانب مسيرة أحد آخر في العائِلة. "إلياس" أخذ حقه أكثر مما هو لازم، وهو بعيد قليلاً عن الـ Social Media. عندما نحن نؤسس صفحة الأكاديمية على "الفيس بوك" وصفحته الخاصة ونشتغل عليهما نحن نُريه التقارير والكلام الذي يُكتَب له والكلام الذي يُحكى عنه. كم يعرفونه وكم يعرفون تفاصيل ألحانه، أيّ لحن، أيّ لحن يمُرّ له على الراديو أو على التلفزيون أو على "اليوتيوب" صار الناس الآن يعلمون من هو ومن هم "الأخوين الرحباني"، وهو كان يعتقد العكس. لا تنطبق عليه مقولة أنّه أثناء حياته لا يُقدَّر، بلى، هو مقدّرٌ جيداً ولا نلوم أحداً ولا عندنا شيء نقوله ولا نريد شيئاً من أحد، لا نريد شيئاً من الدولة ولا نُريد شيئاً من كلّ الناس، كلهم كفّوا ووفوا وكلّ شيء تمام. أُستاذ "إلياس" أُريد أن أسألك سؤالاً، أُحبّ أن تصف لي شعورك عندما نكون نُعطي الشهادة " الدبلوم" لتلامذة يتخرجون من Elias Rabbani Musical Academy، من معهدك، "معهد إلياس الرحباني للموسيقى". أنا أعلم أنك تكون مسروراً جداً في هذه اللحظات، وعندما نحن نُسلِّم الشهادة لهذا التلميذ الذي يترفّع من مرحلة إلى أُخرى، أشعُر كم أنت ستكون مسروراً. فما هو شعورك في هذه اللحظة، حينما نكون نُعطي هذه الشهادة لشخص يتخرّج من عندك؟

زاهي وهبي: شكراً لـ "غسان الرحباني"، الصديق العزيز والفنان المُحتَرم. إذاً، ما هو شعورك عندما يكون أحدهم يتخرّج من " أكاديمية إلياس الرحباني" ويستلِم شهادته؟

إلياس الرحباني: أشعُر بأن ما يُمكنني أن أفعله هو أن أوقِّع له كي يكون في المُستقبل مقبولاً، وأشعُر وكأنني رجعت ولداً كان يدرُس أيضاً في الموسيقى. قد تقول أنّ هؤلاء الفنانين مهبولون، لا أدري، يرجّعون لك الكون، يعيدون لك كلّ شيء

زاهي وهبي: تعود لتعيش من جديد. قال شيئاً حلواً "غسان" عنك، أنك أصبحت أباً على البركة، من دون أن تطلب أن تكون أباً، وفناناً من دون أن تطلب أن تكون فناناً  

إلياس الرحباني: صحيح

زاهي وهبي: وقال أنك لست أباً فقط بل أخاً وفي بعض الأحوال إبناً

إلياس الرحباني: صحيح. هكذا يشعر أولادي

زاهي وهبي: هلّ تشعُر مع أولادك وكأنك تلعب الدور الذي لعبه أخوتك معك؟ "عاصي" و"منصور"؟

إلياس الرحباني: مع أولادي أنا مختلف

زاهي وهبي: مختلِف

إلياس الرحباني: مختلِف تماماً مع أولادي، وأريد أن أقول لـ "جبران خليل جبران" أنّ قوله " أولادكم ليسوا لكم" لم تركب معي

زاهي وهبي: هذه لها معنى آخر

إلياس الرحباني: أنا أولادي ملتصق بهم وملتصقين بي والحمد لله لغاية الآن

زاهي وهبي: كيف تجد شغل "غسّان" باختصار، بكلمتين

إلياس الرحباني: "غسان" يكتب موسيقى كلاسيكية. زارنا مرة السفير الألماني واستمع، وهو مستمِع رائِع مع زوجته، عندما مرّر "غسان" مقطوعة في منتصف الـ Concert الذي أُقدّمه، مرّر حوالى عشر دقائِق، تسمع أوركسترا على نفس مستوى (أميركا) العالي جداً بأكملها وفي (أوروبا)

زاهي وهبي: على كلّ حال، إن شاء الله يكون لنا لقاء مع "غسان" ونتحدّث عن تجربته معه مُباشرةً. ما يقوم به "أُسامة الرحباني" كيف تجده؟

إلياس الرحباني: أسمع أحياناً لأنه أيضاً يُسجِّل أعماله عندنا، أسمع كلّ شيء. اليوم، ليس هناك تتابع لأنّ ربما طريقته في الحياة

زاهي وهبي: هلّ هو راضٍ، يُرضيك في ما يقوم به؟

إلياس الرحباني: أكون مسروراً حين أسمع مقطوعة وتنتهي، عندما أسمعها أُحييه وأُشجّعه، لكن ليس عنده الفيض، بالنسبة له لا يُمكننا أن نقول هناك فيض، لكن ذلك ليس ضرورياً. هناك أُناس يكتبون ببساطة وينجحون ويصلون إلى حيث يريدون

زاهي وهبي: الفيض تقصد مثل حال "عاصي" و"منصور" مثلاً، مثل حالتك؟

إلياس الرحباني: "عاصي" و"منصور" وأنا عندنا فيض، فيضٌ يغلي

زاهي وهبي: نعم

إلياس الرحباني: أولادنا جيّدون جداً لكنهم أبطأ منّا

زاهي وهبي: نعم، لا فيض عندهم

إلياس الرحباني: لا

زاهي وهبي: في الجيل "الرحباني" الجديد غير موجود هذا الفيض. أُستاذي، في الختام، أعلم أنه كان عندك حلمٌ قديم، أن تؤسّس مطعماً من خشب

إلياس الرحباني: صحيح

زاهي وهبي: لماذا من خشب في البداية؟

إلياس الرحباني: عندي هذا رومانسي

زاهي وهبي: عرزال

إلياس الرحباني: ليس عرزالاً

زاهي وهبي: شيء منه

إلياس الرحباني: تطُلّ فتجد منظراً حلواً ويأتينا الأصحاب وأنا أعزف لهم القليل من البيانو وأخبرهم النكات. عندي النكات بقدر الموسيقى

زاهي وهبي: لكن قصة الزر صرنا نعرفها كلنا، قصة الزر والطائِرة و"عاصي"، عندما ابتلع الزر بعد أن اعتقد انه حبة دواء، أليس كذلك؟

إلياس الرحباني: (يضحك). حين صعدنا إلى الطائِرة أنا كنت مرعوباً، لا أعلم أنها تُخيف وكنت أصعدها للمرة الأولى، فجاء "عاصي" وقال لي وكنت أنا ما زلت في المطار، قال لي، "أخي، لا تَخَف"، وأنا في رأسي كنت أتساءل لماذا يقول لي هذا؟ ولم أفهم. جاء "منصور" من الناحية الأُخرى وقال لي، "لا تخاف"، لأنه أقوى

زاهي وهبي: وكلاهما خائفين

إلياس الرحباني: وحين دخلنا إلى الطائِرة قال لي "عاصي"، " أنا سأصعد أمامك"، وكانا يحمياني، " وأنت تمشي ورائي و"منصور" يمشي وراءك من أجل أن ندخل، وأنا أجلس بجانب الشباك وأنت تجلِس إلى جانبي و"منصور" يجلس هنا من أجل أن نحميك، لربما انفجرت الطائِرة"، فقلت له، "انفجرت الطائِرة؟ وهلّ أنتما من الفولاذ كي تحمياني؟"، راحت معي بهبل وفي أننا نضحك، فجلس "عاصي" وجمِد جمدة واحدة، وكذلك "منصور"، فتكمّشا بالمسكتين وأنا كنت أضع يداي عليهما لكنهما لم يعلما أنهما يداي. "منصور" يده كبيرة وأخذ يضغط وكنت أحكيه لكنه لم يفهم عليَّ. حين ارتفعت الطائرة كانا جامدين ويتمتمان الصلاة. وبعد أن أصبحت الطائِرة في الجوّ ارتاحا، وبعد قليل جلس "عاصي" وكان يضحك للفِرقة وكان عنده زر فأخذ يبرمه ويضحك للفرقة وهو مرعوب، فنده المضيفة وطلب الماء فوضع الزرّ في فمه وابتلعه ونام لأربع ساعات، وعندما استيقظ قال لي، " أقوى من حبّة الفاليوم هذه الحبّة" (يضحك)

زاهي وهبي: (يضحك). أُستاذ "إلياس" أهلاً وسهلاً بحضرتك

إلياس الرحباني: حبيبي

زاهي وهبي: ألله يخليّك بصحتك ويمدّ في عُمرك ويخلّي لك عائِلتك

إلياس الرحباني: لا تعود وتُخطئ في عمري، أنا الآن قد أقفلته

زاهي وهبي: بيني وبينك لن أقول لأحد أننا اقتربنا من الثمانين، إن شاء الله العُمر كلّه

إلياس الرحباني: وأنت داعس على العشرين؟ (يضحك) أكثر الله خيره

زاهي وهبي: (يضحك) ألف شُكر لفريق العمل، لمُخرِج البرنامج "علي حيدر" ومنتجة البرنامج "غادة صالِح" ولمشاهدينا في كلّ أنحاء العالم، نلتقيكم على خير بإذن الله