نقاط القوة في خط طنجة - جاكرتا

تعرض خط عرض العالم الإٍسلامي أو خط طنجة – جاكرتا إلى عمليات إبادة من قبل الحركات الإستعمارية الغربية قل نظيرها في التاريخ البشري, وبعد إستقلال دولة واصلت محاور الإستكبار تستنزف قدراته وتسلب خيراته وتعبث بأمنه وجغرافيته عبر دعم الدولة الصهيونية الغربية جغرافيا وتاريخيا عن جغرافيا العرب والمسلمين. وقد ركزت كتب المفكرين والمصلحين على إمتداد قرن ونيف على عوامل ضعف المسلمين وإنهيارهم, فيما الكتابات عن عوامل قوة العالم الإسلامي كانت محدودة لهول الإنهيارات والإنكسارات في خط طنجة جاكرتا.

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله وبيّاكم وجعل الجنّة مثواكُمُ.

تعرّض خطّ عرض العالم الإسلاميّ، أو خطّ طنجة جاكرتا، إلى عمليّات إبادةٍ من قِبَل الحركات الاستعماريّة الغربيّة قلّ نظيرها في التاريخ البشري. وبعد استقلال دوله، واصلت محاور الاستكبار في استنزاف قدراته وسلب خيراته، وأخذت تعبث بأمنه وجغرافيّته عبر دعم الدولة الصهيونيّة الغربيّة جغرافياً وتاريخياً عن جغرافيا العرب والمسلمين.

وقد ركّزت كتب المفكّرين والمصلحين على امتداد قرنٍ ونيّفٍ على عوامل ضعف المسلمين وانهيارهم، فيما الكتابات عن عوامل قوّة العالم الإسلاميّ كانت محدودةً لهول الانهيارات والانكسارات في خطّ طنجة جاكرتا. كما أنّ الاستراتيجيين الذين يهندسون خارطة صراع الحضارات يهمّهم إبراز عالمٍ إسلامي متوحّش، متراجعٍ، إرهابيٍ، ليتسنّى لهم خلق ذرائع الاستعمار الجديد.

ولا بأس في هذا السياق أن أنقل ما ذكره ويل ديورانت في "قصة الحضارة"، حيث يقول "تتكوّن الحضارة من أربعة عناصر هي المواد الاقتصادية والنظم السياسية والتقاليد الخلقيّة ومتابعة العلوم والفنون والمدنيّة، ولا تتوقف على جنسٍ من دون جنس". قوّة المسلمين تستند إلى الحضارة الإسلامية التي يمتلكونها، طبعاً نحن خرجنا عن نص ديورانت، وتستند أيضاً إلى الإسلام المحمّدي الأصيل القائم على العلم والعدل والعقل، وحتى فكر الإنسنة أو الأنسنة صاغه الإسلام بطريقةٍ لم يُسبَق إليها، ولكنّ المسلمين انشغلوا بالتفاهات وتركوا الكليات الكبيرة لصناعة الحضارة.

لعمرك ما الإنسان إلا بدينه، فلا تترك التقوى إتكالاً على النسبِ، فقد رفع الإسلام سلمان فارسي كما وضع الشرك الشقيّ أبا لهبٍ.

ويمتدّ العالم الإسلامي من شواطئ المحيط الهادئ شرقاً إلى شواطئ المحيط الأطلسي غرباً في قارات آسيا وأوروبا وإفريقيا، وتبلغ مساحة العالم الإسلاميّ بمناطقه في حدود 33 مليون كيلومتر مربع. أما عدد المسلمين فيقارب المليارين في العالم. هنا أذكّر أنّ ملياراً ونصف المليار عدد المسلمين هو إحصاءٌ قديم، وأعدّت له مؤسّسة غربيّة وليس إسلاميّة، هذا للتذكير.

وأكثر الموارد الطبيعية تواجداً في دول العالم الإسلامي هي النفط والغاز الطبيعي، حيث يتوافر النفط في حوالى 35 دولة إسلامية، ويشكّل إنتاجه 43 بالمئة من الإنتاج العالمي. أما الغاز الطبيعيّ، فيوجد في حوالى 25 دولة إسلاميّة، ويشكّل إنتاجه 8 بالمئة من الإنتاج العالمي.

كما أنّ العالم الإسلاميّ غنيٌ بالموارد الأخرى، الحديد والفوسفات والماغنيزيوم واليورانيوم والزنك والرصاص والزئبق والباريت والملح والرخام و، و، و، ناهيك عن الثروات الغابية والسمكية والزراعية والغاز الصخري وغيرها.

ويملك العرب والمسلمون قرابة 60 بالمئة من الاحتياطات النفطية العالمية، وأعيد التذكير بما قاله مستشار وزارة الاستعمار الفرنسية العام 1952، بالحرف، "المسلمون عالمٌ مستقلٌ كلّ الاستقلال عن عالمنا الغربيّ، فهم يملكون تراثهم الروحي الخاص بهم، ويتمتّعون بحضارةٍ تاريخية ذات أصالة، فهم جديرون أن يقيموا قواعد عالمٍ جديد من دون حاجةٍ إلى إذابة شخصياتهم الحضارية والروحية في الحضارة الغربية. فإذا تهيّأت لهم أسباب الإنتاج الصناعي في نطاقه الواسع، انطلقوا في العالم يحملون تراثهم الحضاريّ الثمين، وانتشروا في الأرض يزيلون منها قواعد الحضارة الغربية ويقذفون برسالتنا إلى متاحف التاريخ".

نقاط القوة في خط طنجة جاكرتا عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش من تونس الحبيبة الشيخ فريد الباجي الباحث والمفكّر الإسلامي، ومن فلسطين الحبيبة الشيخ سيّد بركة الباحث أيضاً في الفكر الإسلاميّ.

مشاهدينا مرحباً بكُمُ جميعاً.

سيّد بركة، هل العالم الإسلامي يملك اليوم أن يرتقي إلى مستوى الفعالية الحضارية، ويصنع حضارته، وبالتالي يكون جزءاً، رقماً، معادلةً في المسرح الدولي؟

 

سيّد بركة: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيّدنا وحبيبنا محمد ابن عبد الله عليه وعلى آله وأصحابه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وبعد.

من البديهي أنّ إيجاد الشيء لأول مرة أصعب من تكرار وجوده، لأنّ أول مرّة، أنت فيها سمة الخلق، إن صحّ التعبير. أما تكرار الشيء، فمؤكّد أنه أسهل من خلقه أو إيجاده لأول مرة، وربما أنا دائماً أحاول أن أرى المنطق الديني إن صحّ التعبير في القرآن الكريم، المنطق الديني الذي يجب أن نتسلّح به نحن كمسلمين. عندما استغرب الناس كيف أنّ عيسى عليه السلام ولد من دون أب، جاءهم القرآن الكريم بمنطقٍ راقٍ، عظيم، شبه مغيَّب عن تربيتنا كمسلمين. "إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ"، يا من استغربون ميلاد عيسى من دون أب، هلاّ وقفتم عند آدم الذي خُلِق من دون أب ومن دون أمّ؟ واضح المنطق، السليم؟

 

يحيى أبو زكريا: نعم، نعم، إعجازٌ أكبر.

 

سيّد بركة: إعجاز أكبر، أحسنت، لذلك بشكل مباشر، دكتور يحيى، بالتاريخ الفكرة الإسلامية أوجدت حضارة عظيمة، ملء سمع العالم وبصره، وحقّقت انتصاراً محلياً وإقليمياً وعالمياً إن صح التعبير في أقل من ربع قرن.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

سيّد بركة: إذاً حينما اختار الله سبحانه وتعالى نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم، هذا الأمّي كنموذج إن صحّ التعبير لأمّة العرب، لم يكن بين يدي العرب إن صحّ التعبير أي رصيد في خدمة صناعة الحضارة، بمعنى لم يختره من بلاد فارس مثلاً، لم يختره من بلاد الروم، لأنّ هناك تجربتين حضاريتين لا ينكرهما أحد، اختاره من واقع العرب الذين لا يملكون أهم من المعلّقات السبع أو العشر.

 

يحيى أبو زكريا: وجعل من الصحراء القاحلة ينبوعاً حضارياً.

 

سيد بركة: نعم. إذاً دائماً أنا أقول، يا من تدّعون التسنّن أو ترفعون شعار التسنّن، ولا أقصد هنا السنّة تحديداً، كلّ من يدّعي الاقتداء بمحمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم، لماذا تغيّبون أهم نقطة في الاقتداء، وهي أنا أعبّر عنها بالخط البياني المتصاعد من لحظة إقرأ حتى رحيل أو التحاق محمّد بالرفيق الأعلى صلّى الله عليه وآله وسلّم، خط بياني واجه مصاعب، واجه إن صحّ التعبير بعض الانتكاسات، كما حصل في أحُد أو غيرها، لكن الخط البياني كان دائماً في صعود حتى تحقّق الانتصار، الذي يمكن توصيفه بأنّه تمّ تحرير الجزيرة العربية، وتمّ تجهيز جيش الإسلام لفتح أو لمواجهة الروم والفرس في حينها، في أقلّ من ربع قرن.

إذاً يا دكتور يحيى، ما حصل لأول مرة من انتصار محلي في الجزيرة العربية وتجهيز جيش إن صحّ التعبير ليبدأ رحلة العالمية كما سمّاها المفكّر السوداني الكبير محمّد أبو القاسم.

 

يحيى أبو زكريا: محمّد أبو القاسم رحمة الله عليه، صاحب "الأصولية الجديدة" والكتب.

 

سيد بركة: في بداية العالمية بدأت في الجيش الذي أعدّه الرسول في حياته، وكان على رأسه أسامة الحبيب ابن الحبيب. إذاً هذه من أهم نقاط الاقتداء برسول اللهّ صلى الله عليه وسلّم، أنه كيف تنتبه كي تكون حركتك أو تجربتك أو عملك مقتدياً برسول الله في التزام خطّ الصعود نحو الانتصار ونحو الإنجاز، ولا يكفي فقط أن نقول نحن للناس، والله نحن نعمل والنتائج، نعم، النتائج على الله لكن أنت مطالَب بالإنجاز، أنت مطالب إن صحّ التعبير بمنطق القرآن أن تذهب إلى التي هي أقوم، أنت مطالَب. هناك نص عظيم دكتور يحيى البعض ربما يمرّ عليه مرور الكرام "وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم"، أي حتى كلام الله فيه الأحسن.

 

يحيى أبو زكريا: سنستكمل لا شكّ كلّ المحاور، لكن دعني أنتقل إلى تونس لأطوّر الفكرة وأجلب الفكرة إلى الحداثة، إلى الواقع، ونحن تلفزيون الواقع كما تعلم.

شيخ فريد الباجي، الأستاذ مالك بن نبي يقول "الفكرة إذا فقدت مبرّرات وجودها تموت". السيّد بركة أشار إلى أن فكرة الحضارة وُجِدت في هذه الأمّة عندما تهيّأ لها رجل عملاق كرسول الإسلام روحي فداه، رجالات عظماء كانوا حول الرسول، وأيضاً الفكرة الإسلامية العادلة، نشأت حضارة.

اليوم، دعنا اليوم أستاذي العزيز في القرن الواحد والعشرين، هل يمكن للمسلمين أن يولّدوا مجدّداً تلكم السيرة الحضارية وبالتالي يصبحوا روّاداً من جديد؟

 

فريد الباجي: بسم الله الرحمن الرحيم نحمده ونصلّي على رسوله الكريم، صلّى الله عليه وآله وصحبه أجمعين.

شكراً على الاستضافة، وتحيّة مباركة، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، لجميع متابعيكم ومشاهديكم. أما بعد.

هذا الموضوع في الحقيقة هام جداً، إذا نظرنا باعتبار من هم المسلمون في تاريخهم وحضارتهم. أشير أولاً أنك ما ذكرته، أنّ عدد المسلمين قارب المليارين، أنا أدعمك في هذا وأنا مهتم بهذا الموضوع. مثلاً في الهند يقولون عندهم 300 مليون بينما التعداد الرسمي هو نصف مليار فقط مسلمو الهند، فضلاً عن غيرهم. فإذاً من حيث القوة البشرية والعددية فالمسلمون يُعتبَرون هم الثاني في العالم مع تعدّد الأديان.

ثانياً، العراقة والأصالة الدينية والتاريخية والحضارة الإسلامية عبر التاريخ أثبتت عن جدارة أنها لم ترتفع، ولم تقد العالم إلا إذا توافر فيهم شرطان. الشرط الأول وهو العلوم، ما ارتفع المسلمون إلا بالتركيز على العلوم الإنسانيّة والكونيّة والدينيّة، كما قال الله تعالى، " يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ".

وأكبر دلالة على ذلك أن أول آيةٍ نزلت على حبيبنا المصطفى صلّى الله عليه وآله وصحبه أجمعين، هي "إقرأ". تلك رسالةٌ من الله أنّ أمّة الحبيب صلّى الله عليه وسلّم لن تقوم ولن تقود ولن تتقدّم ولن تكون الحضارة الكبرى إلا إذا جعلت العِلم والعلوم هي المعيار وهي الميزان وهي الأصل، وفعلاً، تاريخياً، رأينا مثلاً جامع الزيتونة، جامع الزيتونة عندما اشتغل بالعلوم، وأدخل في جامع الزيتونة العلوم العصريّة أو العلوم الكونيّة قبل عدّة قرون مثل علوم الرياضيات وعلوم الطب وعلوم الفلك، استطاعوا أن يقودوا العالم، بل إنّ الأندلس كانت تعود إلى جامع الزيتونة لأخذ المعارف والعلوم، والأندلس عندما عظمت العلوم والبحث واتحدوا في ما بينهم أيضاً كانوا يقودون أوروبا، وسأعطيكم دليلاً. أنتم تلاحظون أن في الجامعات الأوروبية ثم أخذت عنهم الجامعات العربية والإسلاميّة أنهم إذا تخرّجوا من الجامعة يعطونهم مثل قلنسوة، هي في الأصل تلك العمامة، لأنّ الغرب كانوا عندما كانت الأندلُس تحكم، كانوا يرسلون أبناءهم ليتعلّموا في الجامعات الأندلسية، ولن يقبلوه إذا رجع إلى بلاده إلا إذا لبس العمّة والجبّة، ولو لاحظتم أنّها فضفاضة لأنّ الأندلس أخذته من علماء الزيتونة مثل هذه الجبّة، تطوّرت قليلاً ولكن بقي الأثر واضحاً.

من هنا التركيز على العلوم الإسلامية، وكذلك التفاعل مع الواقع، لأنّ الإسلام هو دينٌ يصلح لكلّ زمانٍ ومكان، ولن ينجح المسلمون إلا إذا كانوا واقعيّين، وتقدّموا في كلّ العلوم، لأنّ تلك العلوم هي الذين أسّسوا لها.

أنا منذ أيام قرأت عن باحثة في النازا، تقول أنه اكتشفنا ما اكتشفنا، الثقب الأسود داخل مجرّة درب التبانة، التي الأرض جزء منها، عجزت كيف تصل إلى إدراك الثقب الأسود، فماذا فعلت؟ فرجعت إلى كتاب البصريات، علم البصريات لابن الهيثم ونسخته المخطوطة في المكتبة في الكونغرس، يعظّمونها، فلمّا رجعت إليها اعتمدت تلك النظريات في صناعة كيف تزيل العوائق في رؤية قلب درب التبانة، فنجحت في جعل تيلسكوب، والطريقة التي صنعت بها التلسكوب أدّت إلى إدراك الثقب الأسود.

إذاً، نفعنا بالعلوم سابقاً، وقدنا العالم سابقاً، وكذلك الآن ما زلنا نؤثّر. الأمّة العربيّة والأمّة الإسلاميّة لا ينقصها إلا أن يتوحّدوا، وأن يزيلوا ما حولهم من نقاط الضعف التي تتمثّل في الذين لم يعطوا للعلم حقّه، ولمّا اشتغلوا بالعلوم كانوا سطحيّين وظاهريّين وجامدين. لذلك الصهيونيّة لمّا أرادت وعلمت قوة العرب والمسلمين وأرادت أن تضعفهم وأن لا يعودوا إلى مجدهم من جديد، ضربتهم من الداخل، فاستعملت ممّن لا يعظّم العلوم ويحتقر العلوم، وأقولها بكل صراحة، الوهّابية، يأتينا أحدهم ويلقي دروساً ويقول الأرض ليست كروية. من كثرة جمودهم وبعدهم عن التحضّر استعملوا هؤلاء، وهم هؤلاء أنفسهم الذين أدخلتهم في خاصرة الأمّة العربية وهم الذين مزّقوا سوريا ومزّقوا الشرق الأوسط بحروبهم.

 

يحيى أبو زكريا: شيخ فريد، أرجو أن تبقى معي.

سيّد بركة، دعنا من نقاط الضعف. تناولناها من أيام أبي الحسن الندوي رحمة الله عليه، "لماذا تقدّم غير المسلمين، تخلّف وتأخّر المسلمون"، شكيب أرسلان، مالك بن نبي، رفاعة الطهطاوي، قاسم أمين، كلهم كتبوا في الضعف، كلهم كتبوا في الانهيار.

أنا يا سيّد بركة، وأنت من فلسطين الحبيبة، أنا أريد أن أزور القدس في حياتي، أنا أريد أن أزور فلسطين في حياتي. لماذا أحرم من مسرى النبي محمّد؟ أنت أعطِنا نقاط القوة لشبابنا اليوم حتى يتلقّفوا نقاط القوة ويبنوا عليها ولا يبنوا على انهياراتنا.

نقول لشبابنا، إنسوا انتكاسات المسلمين، إبنوا على الأقوى. ما هي نقاط القوة بإيجاز؟

 

سيّد بركة: نعم، هناك عبارة أودّ أن أبدأ بها بسيطة وواضحة وعميقة. باختيارك تكرار الماضي فإنك تمنع الحياة من تجديد نفسها. المسلمون اليوم يجب أن يخرجوا من أسر التقليد والتكرار. اليوم فوق التسعين بالمئة من أحاديثنا من الذاكرة.

 

يحيى أبو زكريا: أحسنت.

 

سيد بركة: وبالتالي مجال الإبداع لا يكاد يُذكر إن صح التعبير.

 

يحيى أبو زكريا: قالوا وقلنا، ذكروا وذكرنا.

 

سيّد بركة: أحسنت مالك بن نبي رحمه الله أعجبتني أيضاً عبارة له، كان يقول، وهو من الأعلام التي يجب أن تُعطى حقها حينما نريد ان نتحدّث عن النهضة والحضارة. التاريخ لا يُصنع بالمشي بالدروب الممشية. إذاً التاريخ عليك أن تشتقّ دائماً طرقاً جديدة.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

سيّد بركة: وعند الغرب مثل وحكمة بسيطة، المياه لا تجري في النهر مرتين، ومن ناحية علمية ثبت أن لا تكرار في الوجود، لا يوجد تكرار في الوجود. جيّد؟ إذاً نحن لدينا مشكلة في الذهنية.

 

يحيى أبو زكريا: وقبل ذلك، قبل أن نفصّل أكثر معك، دعني أمضي إلى فاصل، ثمّ أعود إليك مباشرة.

مشاهدينا فاصل قصير، ثمّ نعود إليكم مباشرةً، فابقوا معنا.

 

 

المحور الثاني

 

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلاً بكم من جديد.

على ذكر مالك بن نبي، صدر لي كتاب قبل أسبوع، "مالك بن نبي فيلسوف مشكلات الحضارة"، إن شاء الله سأعطيك نسخة بإذنه تعالى.

كنت تتحدّث عن الخروج من الأسر التاريخي. أكمل.

 

سيّد بركة: إذاً، رقم واحد، أنا في اعتقادي اليوم، أنّ مشكلة المشاكل لدى المسلمين هي في الذهنية التي ينطلقون منها لفهم القرآن ولفهم الواقع، بمعنى، نحن القرآن الكريم يقول، دكتور يحيى، "صِبْغَةَ اللَّهِ".

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

سيّد بركة: "صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ". أنا أقول، بالتجربة، حتى اللحظة، في أغلب الأحيان، بدل أن نذهب للقرآن كي يصبغنا بصبغته، نحن نصبغ كلام الله وكلام رسول الله بصبغتنا البشريّة، التي لا تخلو من العقد. ومن هنا أنا أستحضر كلمة لعلي شريعتي رحمة الله عليه.

 

يحيى أبو زكريا: رحمة الله عليه.

 

سيّد بركة: اللّهم احمِ عقيدتي من عقدتي.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

سيّد بركة: أغلب إنتاج الفتاوى الإسلامية في العصر الحديث له علاقة بالعُقَد التي تربّينا علينا في أول خمس سنوات من أعمارنا، مشايخ ومفكّرين وعلماء وعامة الناس، إلى حدّ كبير، رؤيتنا للمرأة، رؤيتنا للحرية، رؤيتنا للمختلف معنا.

 

يحيى أبو زكريا: وفقاً للمصلحة.

 

سيّد بركة: رؤيتنا للحياة، رؤيتنا للفن، رؤيتنا للجمال، رؤيتنا للإبداع، رؤيتنا للمستقبل، أغلب الأحيان محكومة للدسك إن صحّ التعبير الذي رُكّب في شخصيتنا في الأربع أو الخمس سنوات الأولى.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

سيّد بركة: وبالحكم الموضوعيّ، أغلب بيئاتنا التي نشأنا فيها كما قلت تحكمها العُقَد المتوارَثة أكثر مِمّا يحكمها الحلال والحرام بالمعنى الصافي، الناقي، النقيّ، أو يحكمها المنطق، المنطق السليم أو البديهة إن صح التعبير.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

سيد بركة: أو الفطرة بمصطلح القرآن الكريم. اليوم يقولون، من البديهي مثلاً أنّ النفس البشرية تطرب للرائحة الزكية، والعكس بالنسبة للرائحة السيّئة أو الرديئة. أنا أقول اليوم، رائحتنا السياسية إن صحّ التعبر في هذا العصر بالذات، وفي هذا الزمن بالذات، تزكم الأنوف.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

سيد بركة: رائحتنا بالمعنى الثقافي أو بالمعنى السياسي أو بالمعنى الاجتماعي أو بكلّ المعاني إن شئت تزكم الأنوف. ما الذي حدث معنا؟ اليوم، حتى البديهيّات، وكأنّه يُراد منّا إن صحّ التعبير طرحها للنقاش وإعادة النظر فيها، وبالتالي إن صحّ التعبير تعريفها من جديد، البديهيات. ولذلك إذاً أنا ما أودّ أن أقوله بشكل حاسم، أنّ هذه الذهنية التي نحملها، أنا أحياناً أقول لأبنائي، اللّهم احمِ أبنائي منّي، أنا أحرص كيف أحميهم مني كمثال حسّي ملموس.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح، مصداق.

 

سيّد بركة: إذاً أنا أيضاً، اللّهم احم إسلامنا منّا، إن صح التعبير، وبالتالي كيف نذهب إلى الله من خلال الوحي، قرآن وسنّة، كما يذهب إن صحّ التعبير المريض المنهَك للطبيب الثقة، الخبير، لا يذهب ويشترط عليه، يذهب للطبيب إن صحّ التعبير كي يُعيد له العافية الجسدية أو الصحية.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح، دعني أتوقّف في هذه النقطة مع الشيخ فريد أيضاً، لتطوير الفكرة أكثر.

شيخ فريد، عندما نتأمّل اليوم واقع المسلمين في سنة 2017، القرن الواحد والعشرين، تراجع، تخبّط، إنكسار، تصوّر حتى في الزراعة عندنا تراجع، بعض الدول في المغرب العربي، أيام الاستعمار الفرنسي كانت تصدّر القمح بنسبة 80 بالمئة إلى كل أوروبا، اليوم تستورد القمح من كندا وأستراليا. فإذاً تراجع كبير.

عندما أريد أن أدقّق أشرح كباحث استراتيجي في مآلات المسلمين، أقول إما الخلل في الإسلام، هذا الإسلام فكرة معطّلة، فكرة مُثبطة، كما ذهب إليه جلال صادق العظم وغيره، أو أقول المشكلة في المسلمين، أو المشكلة في الاثنين معاً. هذه الاحتمالاات إذا أردت أن أتعامل مع الأمر بتجرّد.

سيّد بركة طرح فكرة الخروج من الأسر، لكن كيف أخرج من الأسر، وأنا لا يوجد عندي بديل حضاري إسلامي متكامل؟ كيف ذلك شيخ فريد؟

 

فريد الباجي: تاريخياً، الأمّة العربيّة والإسلاميّة مرّت بحالات صعود وحالات نزول، لكن وجدنا أنّ صعودها في قيادة الأمم ورقيّها وتقدّمها الحضاريّ والأخلاقيّ لا يتمّ بنجاح إلا في فترة الوحدة الإسلامية والاستقرار العام في الأمّة العربيّة والإسلاميّة. إذاً مراحل الفوضى، ومراحل التقاتل بين المسلمين، أدّت إلى ضعفهم تاريخياً، وهذه سُنّةٌ إلهية وقانون إلهي، "فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً".

وعليه، إذا أردنا أن نبني في هذه المرحلة، فينبغي أن تكون أولى أولويّاتنا هي وحدة المسلمين.

 

يحيى أبو زكريا: جميل.

 

فريد الباجي: لا بدّ من أن يخرج المسلمون من التكفير والأسلوب القديم، إما أن تكون على عقيدتي أو أنت لست منّي. المسلمون بجميع خلفياتهم العقائدية لو تعارفوا لتآلفوا، وتوحّدوا، ولو توحّدوا سوف يضعفون التدخّل الخارجي في إضعاف الجسم الإسلامي ببعض أبنائه الأقلية بالنسبة لعامة المسلمين، الذين يغرسون هذا الخنجر ويكرّرونه.

ثانياً، فإذا نجحنا في هذه النقطة، ينبغي أن نستعمل تراثنا وتاريخنا، لكن ليس بالاجترار، لأنّ الإسلام يصلح لكلّ زمانٍ ومكان، والإسلام هو دين التجديد، وقد صحّ عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال "إنّ الله تعالى يبعث على رأس كلّ مئة سنة أو على كلّ رأس قرن من يجدّد لهذه الأمّة دينها"، وهذا الحديث ليس المُراد منه، كما يفهمه البعض فهماً سطحياً، ويظنّ أنّ في كلّ قرن يأتي شخصٌ بفرده ذو زعامة، حتى يقود الأمّة، لا، من، اسم، معنى موصول يفيد العموم. لذلك قال العلماء، في كلّ زمان، إذا طال الزمان ينبغي أن يظهر مجدّدون في الطب، مجدّدون في علوم الشريعة، مجدّدون في علوم الفك، مجدّدون في كل أنواع العلوم الجغرافية وغيرها من العلوم الإنسانيّة، وهذا دليل على أن الإسلام يرفض الجمود وأنّ الاصلاح لا يكون بالجمود.

وعليه، الأمّة الإسلامية في خلفيتها تعود إلى مدرستين، المدرسة الكبرى وهي المدرسة التي تحترم العقل، وهي تجمع أهل السنّة والجماعة والشيعة والأباضية، وهناك المدرسة الظاهرية السطحية الجامدة التي لا تؤمن بالتجديد، وإنما هي في رقبة، معناه دائماً في التقليد والتقليد والتقليد الظاهري، ويريدون إسلاماً حشوياً يُسقِطونه على الأمّة، هذا لن يصلح الأمّة، فإذا نجح المسلمون باختلاف طوائفهم في توحيد أنفسهم، ثمّ بعد ذلك يجدّدون الإسلام برؤية مؤسساتية.

في القرن الواحد والعشرين، انتهت الزعامات الفردية، الأمّة لن تنقاد إلى الزعامات الفردية، بل تنقاد إلى الأفكار ذات الصبغة المؤسساتية الجماعية، ولا بدّ من أن نُظهِر الإسلام بطريقةٍ مختلفة تواكب العصر وتواكب العقل وتواكب الواقع، وقد صحّ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في ما رواه ابن حيان في صحيحه "أنّ في صحف إبراهيم عليه السلام كان يقال وعلى العاقل أن يكون بصيراً بزمانه، مقبلاً على شأنه"، وهو من كلام الله تعالى القدسيّ، الذي نُقِل عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في صحف إبراهيم، فمن لم يكن بصيراً بزمانه وكيف يستعمل الآليّات الحديثة لعصرنة العلوم ومراكز البحوث، وانظر، باختصار، ما دام حُكّامنا لا يعظّمون العلوم، وكما نقول نحن، الشهرية، أي المعاش، بمعنى أنّ الوزير يأخذ راتباً أكثر من الباحث والأستاذ الجامعيّ، فاعلم أنّ البوصلة ما زالت ضعيفة.

إذا مجّدنا العلم والعلوم وتوحّدنا وانفتحنا على الجميع، لأنّ الإسلام قوته إذا انفتح، انظروا مثلاً في فترة من فترات التاريخ الإسلامي، كيف نجحوا عندما انفتحوا على الفلسفة اليونانيّة، وكان العربيّ والمسلم الذي يترجم كتاباً مخطوطاً في أيّ علمٍ من العلوم اليونانية والهندية والصينية في بغداد، كان يُعطى بوزن الكتاب ذهباً، هذه العقليّة وهذه الآليّة مع اتحاد الشعوب، وعلى الحكّام أن يستفيقوا لأنهم إذا واصلوا في هذه السلبية فإنهم لن ينجحوا أبداً في الرقيّ لا بأنفسهم ولا بشعوبهم.

ومن هنا رسالةٌ، من هذا المنبر، على الأمّة العربية والإسلامية أن تتوحّد وأن تجعل مراكز البحوث والعلوم في كل مكان، ولا بدّ أيضًا من عصرنة العلوم الشرعية. وأما السقوط، دائماً ما زلنا في المتون، نكرّر، نحترمها ونحفظها ونحبها، ولكن عقول عامة الناس الآن في هذا الزمان لا يستوعبون مثل هذه الأمور.

 

يحيى أبو زكريا: أرجو أن تبقى معي.

سيّد بركة، طبعاً في العالم الإسلامي قدرات رهيبة، نفطية، نملك ثلثي النفط العالمي، الغاز، الفوسفات، الماغنيزيوم، عندنا بيئة جغرافية وجيوسياسية استراتيجيّة لا مثيل لها باعتراف الاستراتيجيّين الغربيّين.

نعود إلى الحاكم، حيثيّة الحاكم. يبدو لي أنه إذا صنعنا حاكماً مثقّفاً، واعياً، عالِماً، متأثراً، قارئاً، مدركاً لنقاط القوة في الأمة، لنقاط الضعف، عارفاً بالشعب، خارجاً من برجه العاجي إلى الناس، سوف نصنع قراراً حضارياً. أليس كذلك؟

 

سيّد بركة: لا يوجد شكّ، لا يوجد شكّ، لكن قبل الذهاب إلى الإجابة المباشرة عن الحاكم.

 

يحيى أبو زكريا: من الأسر إلى الحكم.

 

سيّد بركة: تكملة أو استكمال سريع للفكرة، إذا تغيّرت الذهنية، جوهر الحديث هو فكرة التجديد، أنا أدّعي أنه لا يوجد لدينا تجديد جدّي وحقيقيّ له علاقة بالعصر وبالزمن الذي نعيش فيه.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح، وهذا ذكره الشيخ فريد.

 

سيّد بركة: تماماً، أنا أتفق معه. أنا أقول، مبرّر ختم النبوة وجود نص بين أيدينا وهو الوحي، قرآن وسُنّة، يختزن بداخله المُعادِل المعرفي والفلسفي والنظري للكون وللوجود.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح، أنا معك.

 

سيّد بركة: وبالتالي إذا أردت أن تستفيد من الكون ليتحقّق التسخير الإلهي لنا كمستخلَفين من خلال اكتشاف قوانين الكون والطبيعة، أيضاً في هذا النصّ العظيم الخاتم، توجد نواميس، وتوجد سُنَن، في الثقافة، في الاجتماع، في الأمن، في الحضارة، في كلّ شيء. ما لم نتعامل مع النص الذي بين أيدينا بهذه الذهنية لاكتشاف السّنَن والنواميس والقوانين، ونقدّم للعالم موازين، وليس مواعظ، وليس مواعظ.

 

يحيى أبو زكريا: معادلات.

 

سيّد بركة: موازين ومعادلات، نعم، "لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ". ألم يكن من الممكن أن يكتفي ربّ العالمين، "وأنزلنا الكتاب" من دون الميزان، ليقوم الناس بالقسط؟ لا يمكن أن يتحقّق العدل أو القسط ما لم يتحوّل الكتاب إلى موازين، الكتاب والميزان، موازين من خلال جهدنا المضني وكدحنا المطلق ليل نهار من أجل استنباط نصيبنا، أنا أسمّيه، من القرآن. من أين جاءت هذه العبارة؟ " ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا"، " ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ".

أنا أتوجّه، وأطالب كلّ مسلم مهما كان مستواه، حتى لو كان أمياً، أن يتوجّه للقرآن، وهو يقول، يا رب أنا أريد نصيبي من الإرث، أريد حصّتي من الإرث.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

سيّد بركة: إذاً هذا الكتاب الذي فيه ذكركم "أَفَلَا تَعْقِلُونَ"، كما جاء في آية أخرى، أين ذِكرنا؟ أين نصيبنا؟ أين حصّتنا؟ أين إرثنا من هذا الكتاب العظيم؟ إذا حصّلنا حصّتنا أو إرثنا أو نصيبنا، هذا الذي يؤهّلنا للشهادة على الناس.

 

يحيى أبو زكريا: أحسنت.

 

سيّد بركة: الشهادة على الناس مهمة الأنبياء والرسل والعلماء والقادة، ليس لدينا قادة شهداء أو معنيّون بأن يكونوا شهداء على الناس. القرآن يقول، "فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ".

أنا أدّعي أنه لا يوجد لدينا تلقٍ لكلام الله، "فتلقّى"، إذاً نحن ماذا؟ استخدم أي مصطلح لكن لا يوجد تلقٍ حقيقي وكما يجب لكلام الله، ثم ننفعل به أو نتفاعل معه ونعطي فعلاً صيغاً راقية وحديثة وجديدة للحياة، تُذهِل إن صحّ التعبير الآخرين.

وكتتويج، دكتور يحيى، عندي أنا مصطلحان في القرآن، النحلة والأنعام. النحلة في نظري رمز الإنسان العالمي.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

سيّد بركة: وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ" وبعد ذلك، "ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ۚ يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ".

كما النحلة، أنا النحلة رمز لي كإنسان عالميّ، أنطلق من الوحي، أنفتح على كلّ ثمرات الجهد البشري من دون عقد ومن دون تمييز، بعد ذلك الانفتاح على ثمرات الجهد البشري مع الوحي الذي انطلقت منه، إن صحّ التعبير، في مصنع الذات البشرية العظيمة، الذات المستخلفة، يخرج معي اجتهادات، "مختلفٌ ألوانه"، أي اجتهادات متعدّدة. القاسم المشترك بين هذه الاجتهادات لا نسبح بالفضاء أو نغرق في الماضي، "فيه شفاء للناس"، فيه معالجة لقضايا الساعة وقضايا الناس. هذه إذا النحلة بمثال.

المثال الآخر نشير إليه إذا كان هناك وقت.

 

يحيى أبو زكريا: أكيد.

 

سيّد بركة: مثال الأنعام، "وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً ۖ نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصاً سَائِغاً لِلشَّارِبِين"َ.

 

يحيى أبو زكريا: جلّ في علاه.

 

سيّد بركة: مهمة السياسي، المهمة الأولى مهمة ثقافية بامتياز، المهمة الأخرى مهمة سياسية بامتياز، كيف تخُرِج من بين كل هذا الواقع السيّىء إن صحّ التعبير لبناً خالصاً سائغاً لقومك، لأمّتك، لشعبك، لأهلك. هاتان المهمّتان هما جوهر إن صحّ التعبير العلاقة مع القرآن الكريم ومع السنّة النبوية.

 

يحيى أبو زكريا: وأنت تريد أن تقول، أيّها المسلمون إقرأوا القرآن بعقل القرن الواحد والعشرين.

 

سيّد بركة: أحسنت.

 

يحيى أبو زكريا: إقرأوا القرآن بعقول واعية، بعقل معاصر نقديّ، وأيضاً محلّل لكلّ تكوينه.

وللأسف، شيخ فريد، معظم الذين قاربوا القرآن من هذه الناحية هم غربيون. موريس بوكاي على سبيل المثال في كتابه الرائع "العلم بين التوراة والإنجيل والقرآن"، قال مقولات في القرآن لم يقلها ابن كثير، لم يقلها الزمخشري، لم يقلها العياشي، لم يقلها المتقدّمون. كيف ترتّب لنا الأولويات بعد سياقات حديثنا، من أين نبدأ؟ وكيف نصنع المستقبل بناءً على هذه الأولويّات التي سترتّبها بعيد قليلٍ؟ تفضّل.

 

فريد الباجي: علم الاستشراف هو علمٌ حديث في شتّى الميادين، وكذلك بناء الاستراتيجيات الإصلاحيّة، كذلك أمر ضروري. وأما الأولويات، فينبغي على المسلمين أن يفهموا، أن يخرجوا من الصراعات الأيديولوجية القديمة، والتقاتل من أجلها، لأنّ الصراعات العقائديّة الأيديولوجية كلّما قامت في الأمّة إلا ودمّرتها وأضعفتها وأعجزتها عن البناء. ومن هنا، لا بدّ من الوحدة السياسية قبل وحدة الشعوب العربية والإسلامية، لأنّه بكل صراحة، العبد الضعيف تجوّلتُ في العالم والتقيت بالمسلمين عرباً وعجماً. المسلمون في عمومهم يحبّون بعضهم البعض، وأنا أسير في بنغلادش وفي أميركا، إذا التقيت يقول لي أنا مسلم فقط أحبه وهو يحبني، لكن المشكلة في السياسيين. عامة من يحكمون الأمّة العربية والإسلامية يتميّزون بنوع من الغباء السياسي، وكذلك ليس عندهم الإبداع، وإن كان الآن بدأ في الفترة الأخيرة السياسيون يتحرّكون بطريقة علمية وبحثيّة، ليفهم السياسيون أنه لو كان موظفاً في أية دولة كانت، لو كان موظفاً داخل أمّة عربية وإسلاميّة موحّدة، فمكانته وتأثيره وحصانته أقوى من رئيس جمهوريّة لدولة عربيّة أو إسلاميّة إذا كنّا مشتّتين.

فمن هنا، بالنسبة لي، الوحدة السياسية بين الأمّة العربية والإسلامية شرط أساسي، ثمّ الوحدة الاقتصادية، وأنت تعلم أنّ كثيراً من البحوث أثبتت لو أن الأمّة العربية والإسلامية توحّدتا اقتصادياً، ستكونان أقوى قوة اقتصادية على الأرض، ونحن في زمان الاقتصاد، وصاحب المال والقوة الاقتصادية يحكم العالم. فمن هنا، الوحدة الاقتصادية بعد الوحدة السياسية، ثمّ الأولوية، أو نقول الأمر يكون مع بعضه، لكن ثالثاً، العلوم ثم العلوم ثم العلوم، وكذلك لا بدّ من أن نجعل حزاماً على الأمّة العربية والإسلامية حتى لا تغزى من أعدائها، ويستعملون ضعفاء العقول من أمتنا ليدخلونا في الحروب والفتن.

فإذا نجحنا في هذه الأولويات، أنا أتوقّع أنّ المجد الذي قد غبر سيعود بأكثر إن شاء الله تعالى، وبقوّةٍ، ونقود العالم من جديد دينياً وسياسياً وحضارياً واقتصادياً، ونكون رحمةً للعالمين، وشعارنا قوله تعالى "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ"، ويقول الله تعالى "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ".

 

يحيى أبو زكريا: نعم، شيخ فريد الباجي، فتحت لنا نافذة أملٍ ربّانية، نستكمل الحديث حولها.

طبعاً سيّد بركة، أنا لا أريد أن أذكر ما قاله مفكّرون مسلمون بشأن عودة الديناميكيّة للحضارة الإسلاميّة، وهو أمرٌ مُتاح موضوعياً وواقعياً، لكن روجيه غارودي في كتابه "وعود الإسلام"، " Promesses de l'islam"، يقول أنّ العرب والمسلمين سيقودون الحضارة الإنسانية. هونيكر الألمانية في كتابها "شمس العرب تشرق على الغرب"، تشير إلى هذه الحيوية الحضاريّة، بل أرنولد توينبي في "تاريخ البشرية"، يقول إنّ المسلمين سوف يسيطرون على العالم، فتّتوهم حتى لا يحدث ذلك. كانت تلك وصيّته للغرب. هل عندنا إمكانية يا سيّد بركة؟

 

سيّد بركة: سيّدي، كلّ ما تفضّلت به عظيم ومهمّ، لكن أنا منهجيّتي إن صحّ التعبير، ربما لا أقبل أن أستدلّ على ما لديّ من الوحي بأقوال إن صحّ التعبير الآخرين، وذات مرّة في طهران طلبت من الإخوة أن يأخذوني إلى عرفاني كبير.

 

يحيى أبو زكريا: من العُرفاء بالله.

 

سيّد بركة: أحسنت، أخذوني ربما إلى أهمّ عرفاني في قم، وجلست بين يديه، وقال لي ابنه بالحرف، مكانك جلس الإمام الخميني حوالى ثماني مرات، أي أنّ الإمام الخميني كان يزور هذا العرفاني الكبير، فاختصرت أنا الحديث معه، يا مولاي بماذا تنصحني، انصحني بكتاب بعد القرآن، قال عليك بالقرآن، وشعرت أنه لم يعطني شيئاً. لاحقاً عندما تأمّلت كلامه، حتى اللحظة وإلى يوم الدين، آمنت أنه ما لم ننفتح على القرآن ونتلقى القرآن كما يجب لا يوجد نهضة دكتور يحيى.

وبالتالي، في الزيارة الأخيرة إلى طهران، سُئلت ربما سؤالاً قريباً من سؤالك، أنه هل هناك أمل، قلت للسائل، لو لم يكن لديّ يقين بأنّ انتصارنا قريب، كمسلمين، والله ما خرجت من بيتي من فلسطين.

 

يحيى أبو زكريا: نعم، سيّد بركة، الوقت داهمني، لكن أنت لم تخبرني عن قصة العارف ولا أعرفه، لكن أسأل، عقلياً، لعلك تقصد الشيخ البهجة رحمة الله عليه؟

 

سيّد بركة: صحيح، صحيح.

 

يحيى أبو زكريا: رضوان الله عليه. الشيخ البهجة، للمشاهدين، هو واحدٌ من قامات العرفان، وأنا تعلّمتُ منه الكثير.

سيّد بركة، شكراً جزيلاً لك، داهمني الوقت، قلت الأمل موجود، وأنا معك، في حلقات الأمل، حلقاتي كثيرة عن الأمل، قريباً إن شاء الله، دمت لنا، وإن شاء الله نعود سويّةً إلى فلسطين المحرَّرة وليس المحتلّة.

الشيخ فريد الباجي من تونس الحبيبة التي نحبّ ونعشق، شكراً جزيلاً لك، وتحيّاتي لكلّ الشعب التونسيّ.

مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها. إلى أن ألقاكم، هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبداً ودائعه.

حيّاك ربّي، جزيت خيراً، ووقيت ضراً.

حرمة إراقة الدماء في تونس

اللحظة التونسية حرجة, والإصطفاف بلغ أوجه وقد دخلت الفتاوى السياسية على الخط, الأمر الذي قد يزيد في تسخين الحالة التونسية والتي لها شبيه في مثيلتها الجزائرية بعد إلغاء الإنتخابات التشريعية وخروج الإرهاب الأعمى من قمقمه, وقد بدأ البعض يفتي بالعصيان المدني ووجوب الخروج على الحاكم الأمر الذي يجعلنا قلقين على تونس في المرحلة الراهنة.. ويجب على التونسيين كل التونسين وهم لا يحتاجون إلى من يرشدهم إلى عقلانية الحل وآليات الحفاظ على أمن تونس المقدس أن النقاش في المسار السياسي جائز، لكن التقاتل حرام والتونسيون يربطهم دين واحد وتاريخ واحد ومحنة واحدة ويجب أن يبنوا بلدهم جميعاً وبناءاً عليه يجب وأد أي صوت فتنة ودعوة إلى حرب الإخوة وتقاتلهم وهنا لا بد أن يتحرك العقلاء للمساعدة للخروج من عنق الزجاجة بأبسط التعقيدات لماذا يعمل البعض على تأجيج الفتنة العمياء في تونس ويستخدم الدين لهذا الغرض؟ كيف سيطيح التونسيون الذين يربطهم دين واحد وتاريخ واحد ومحنة واحدة بأي مشروع فتنوي؟ ألم تكن تونس على الدوام قلعة للتنوير ومقبرة للعنف والتطرف والفتنة؟

المزيد