ابراهيم الأمين - رئيس تحرير صحيفة الأخبار

ذكرى جوزف سماحة و10 سنوات على تأسيس صحيفة الأخبار.

لانا مدور: مساء الخير، وأهلاً بكم إلى حوار الساعة.

لن تكون مهمّةً سهلة، فتلك الحلقة ثقيلةٌ بذكرياتها، لكنّها أيضاً مضيئة باسترجاعها لقلمٍ نيّر في الصحافة العربية.

منذ عشر سنوات، غادر جوزف سماحة هذه الدنيا بعد ستّة أشهر فقط على إطلاق حلمه، صحيفة الأخبار.

بعد عشر سنوات على غيابه، نحاول أن نفهم الرجل بلغة عصرنا. قليلون هم الذين يرحلون ليتركوا مساحاتٍ غير مُكتشَفة.

قد لا تكفي سنواتٌ لفهم إبن بيروت والعروبة، وقطعاً لا يكفي لقاءٌ بخمسين دقيقة للإحاطة بالجوانب الفكريّة كافّة لجوزف سماحة.

ضياع الزملاء بعد رحيله يوقظه يقين التمسّك بفلسطين ومركزيّة قضيّتها.

عن هذه البوصلة التي حدّدت كلّ مسارات العمل الصحافي والسياسي لسماحة، عن الصحيفة والصحافة وتحديات العمل، نتحدّث في حلقة الليلة من حوار الساعة.

نحن موجودون هنا في صحيفة الأخبار في مكتب رئيس تحرير صحيفة الأخبار الأستاذ إبراهيم الأمين لنسأل ونستذكر ونستخلص العِبَر.

 

مشاهد:

(صوت جوزف سماحة) نكون ذاهبين أيضاً لمرحلة بعدها أصعب. العالم، التاريخ بهذا المعنى لم ينتهِ، وهناك أمور عديدة ما زالت مفتوحة.

 

ضحى شمس: عبر تجربتي أنا وأعتبر نفسي تلميذته، وأنا تلميذته لأنني منذ بداية عملي الصحافي في باريس كنت برعاية الأستاذ جوزف بمجلة اليوم السابع التي كانت تصدر في باريس. فدعيني أقول، أول مسألة، فعلاً أعتبرها أساسية بهذه المدرسة أن جوزف كان يحب الشغف بالناس، الناس الشغوفون يحرّكون أمراً عنده.

 

وفيق قانصوه: كان جوزف طبعاً صحافياً موسوعياً، قادراً على تحليل أشدّ الأمور تعقيداً بأكثر الكلمات والعبارات بساطة. بعدوان تموز 2006 وقبل العدوان بحوالى أسبوع، كنّا بمرحلة الإعداد لإصدار الصحيفة، جوزف اختفى فجأة، اختفى لعدّة أيام، وثمّ علمنا أنه كان مسافراً. قال لي أودّ أن أقول لك أمراً، أنا لم أكن مسافراً، لكن أنا ما رأيته بالأيام القليلة الماضية، أنا كنت في الجنوب، ما رأيته يؤكّد لي أن هذه الحرب نحن سننتصر بها.

 

بيار أبي صعب: جوزف سماحة كان هاجسه تحديثياً منذ بداية عمله بالصحافة، الشاب العشريني المتحمّس الدارِس للفلسفة والمتأثّر بياسين حافظ، وأصبح رئيس تحرير جريدة أو مجلة مجانية كانت توزّع تُدعى الوطن، توزّع بعشرات آلاف النسخ، من لحظتها في قلب العمل السياسي بلحظة الحركة الوطنية ومنظمة التحرير سعى وعمل وفكّر بإعلام ملتزم سياسي ولكن في نفس الوقت لديه قدرة الإيصال والتحديث.

 

حسن عليق: كنت أراه بصفتي شخصاً مبتدئاً بهذه الجريدة وصحافياً مبتدئاً، وموظّفاً مبتدئاً، هو رئيس تحرير، وليس أي رئيس تحرير، هو جوزف سماحة. كنت أقرأه منذ الصغر. كرئيس تحرير كان هو شخصاً لطفه زائد بهذا المجال. كان يومها هناك حدث أمني بالبلد وكتبنا شيئاً بصفحة العدل، أنا كتبت شيئاً وما كتبته سيّئ، هو لم يقل لي سيّئاً

 ولم يقل لي ليس جيّداً، بل قال لي لو كنت مكانك لفعلتها هكذا وليس كما فعلتها.

 

ضحى شمس: ناصر عندما ظهر كان بالنسبة لجوزف أباً، الأب الذي لم يعرفه، الأب الحقيقي، الأب الذي سيغيّر المنطقة، سيغيّر القدر وأقدارنا جميعاً، ولن يغيّر فقط بمصر أو سيغيّر إلى آخره، فبهذا المعنى جوزف بتربيته، سيسيليا كانت اشتراكية شيوعية، بيته كان مفتوحاً علماً أنهم لم يكونوا يمتلكون المال.

 

بيار أبي صعب: جوزف حبه الأعظم هو أمه، أمه سيسيليا هذه المرأة التي ربّتهم من لا شيء واستطاعت تربية شقيقين من لا شيء، وتعلّمهم وتكون معهم، حتى وعي جوزف السياسي الناصري جاء من والدته سيسيليا، وبالتالي هناك سوء تفاهم كبير حول جوزف لأن كل هؤلاء الرجال الذكوريين لا يقدرون حكّ نساء، يجدون كل هؤلاء النساء حوله، يعتقدون أنه دونجوان، هو إطلاقاً، هو حاميهن، هو والدهن الروحي إن شئت.

 

ضحى شمس: كيف جمع كل هذه الناس مع بعضها، هذه الناس المُتنافرة الأذواق والميول والأيديولوجيا وإلى آخره، كان يعرف أن يأخذ من كل أحد أفضل ما لديه، ودعني أدّعي أن هذا الأفضل بين كل هؤلاء الناس كان هو القارة التي اكتشفها جوزف سماحة وهي عادت وغابت بموته.

 

لانا مدور: إذاً بدأنا الحلقة بشهادات لزملاء، لتلاميذ لجوزف سماحة.

أستاذ إبراهيم الأمين مساء الخير بدايةً.

 

إبراهيم الأمين: مساء النور.

 

لانا مدور: وشكراً على استقبالك لنا في مكتبك، ونحن في هذه الحلقة سنخصّص جزءاً كبيراً لرحيل جوزف سماحة لاستذكاره وكل ذلك، ولكن أيضاً سنتحدث عن صحيفة الأخبار التي هي آخر مشاريعه وحلمه كما أصبح معروفاً.

لكن في البداية، في الملف الأخير الذي خصّصتموه لذكرى جوزف سماحة، طرحتم سؤالاً استهلالياً هو كيف يمكن تعريف الجيل الجديد، جيل الشباب بجوزف سماحة، وأنا أريد أن أبدأ من هذه النقطة لو سمحت لأسألك، لا أدري إن كانت المهمة صعبة أو سهلة عليك، ولكن لماذا برأيك هذا الرجل يجب أن يكون محطّ إعجاب، محطّ تقدير، أو أن يكون قدوة بالنسبة للجيل الجديد من الصحافيين؟

 

إبراهيم الأمين: جوزف لم يكن هكذا، محطّ تقدير وإعجاب فقط للصحافيين، كان محطّ تقدير وإعجاب للعموم، كل من يتّصل بعالم جوزف، المعرفة الشخصية أو قراءة ما يكتب أو سماع نقاشاته يُعجب به. أنا أعتقد أنه ببساطة شديدة هو لديه سحر، وهذا السحر ليس بالمعنى المُتعارف عليه بأنّه يملك ما يوهم الآخر بشيءٍ ما. جوزف أولاً شخص إشكالي، من الصعب إقناعه أو إرضاؤه بنتيجةٍ ما أو خلاصةٍ ما. ثانياً، هو شخص باحث والباحث يسعى إلى التعلّم والتعرّف، ولذلك عندما يلتقي بالناس ويكتشف بينهم من يساعده على تعزيز معرفته يلجأ مباشرةً إلى بناء علاقة تفاعلية مع هذا الشخص، وليس لديه إشكالية في أن يكون هذا الشخص من مكانٍ آخر، من فكر آخر، من رأي آخر. جوزف قد يكون من القلائل الذين حافظوا على الاتصال الشخصي الإنساني بالآخر من دون أن يكون ذلك مرتبطًا بتوافقات سياسية فكريّة، طبعاً هناك سلّم قِيَم عند جوزف، لم يكن ممكناً أن يكون صديقاً لأشرار بالمعنى الكامل للكلمة وليس بمعنى محدّد. كل هذه الجوانب، طريقة مقاربته لكل ملفات الحياة، جوزف يستطيع أن يتحدّث عن الطعام والرقص والموسيقى ويبحث في مستقبل أزمة المياه في العالم وماذا يحصل في نادي ريال مدريد، وفي نفس الوقت يتابع القضايا السياسية والأمنية والاستراتيجية. لذلك هو يستطيع أن يتحدّث مع أيّ كان. ثمّ هناك شيء آخر أن جوزف لم يكن شخصاً مبتعداً، ليست هناك شهرة توجب عليه اختفاء أو تحوّطاً أو انسحاباً من مشهد ما، بل بساطة حياته جعلته أيضاً على اتصال بناس عاديين. جوزف كان طوال حياته يستخدم سيارة الأجرة للانتقال من منزله إلى مكتب عمله، هذا الاتصال اليومي الذي يجريه مع سائق الأجرة برأيي كان أمراً مهماً في حياته، لا أقصد أنه كان نوعية النقاش مع سائق الأجرة، فكرة الاتصال بالمواطن العادي كانت بالنسبة إليه أمراً مهماً. فبهذا المعنى أنا أعتقد أنّ جوزف هو لديه سحر خاص يجعل كل من يتعرّف إليه معرفة جدّية ينجذب إليه ويتعلّق به، فكيف إذا كان جوزف منتجاً، منتجاً لأفكار ولذات، وجوزف القيمة الإضافية الدائمة في نصوصه أنّه كان يكتب، كاتب يومي، وكان في كل يوم يأتي بجديد.

 

لانا مدور: هذا أمر صعب.

 

إبراهيم الأمين: وهذا بحد ذاته إنجاز ضخم يجعل أي صحافي يريد أن يتعرّف إلى المهنة، إلى الكتابة، إلى طريقة المقاربة، إلى التعرّف على مواضيع ومعرفة خلفياتها يحتاج إلى دليل. بهذا المعنى جوزف دليل يصلح ولا يزال صالحاً. السؤال الذي لا إجابة عليه هو كيف كان جوزف سيتصرّف مع الوسائل الجديدة في الاتصال الإعلامي.

 

لانا مدور: سنأتي على هذا السؤال بعد قليل، ولكن بما أنّك تتحدّث عن شخص بسيط بطريقة حياته، بيومياته، ما هو الأمر الذي كان يعتبره إنصافاً له، أنّه أنصِف على المستوى المهني، على المستوى الشخصي ربما؟ هل أنصف؟ نحن نعلم هو قامة كبيرة في الصحافة. هل أنصفه هذا البلد؟ وهل أعطاه حقه؟

 

إبراهيم الأمين: أنا أظنّ أن الأخبار كانت هي منصة أو هي المكان الذي يمثل ما يرتضيه، ما يرى فيه عدلاً جوزف، أنه المشروع الذي يتولّاه بكامل تفاصيله، الذي يدير كل شيء فيه، كل سياساته وطريقة اختيار الناس، المواضيع، العناوين، التبويب، الموضوعات، الكتابة، المقاربة، لأنه دائماً كان كقيمة لا أقول أنه كان يُستغَلّ، كان لا يُعطى كامل المساحة التي يحتاجها للتعبير عن المتطلبات المهنية وحتى الشخصية.

الأخبار كانت هذا المكان الذي يفترض أن يحقّق فيه جوزف نوعاً من الاكتفاء، الاكتفاء ليس على صعيد التعلم، الاكتفاء على صعيد أنه ليس مطارَداً أو مضغوطًا باعتبارات تخصّ شروط الحياة في مدينة أو في مؤسسة أو مع أشخاص معنيين المدينة. لم تنصفه لأن بيروت مدينة، في مكان ما بيروت لا تستطيع أن تخصّص شخصاً من دون غيره أو تمنحه مكانة خاصة، لكن دعيني أقول أنّ بقاء جوزف حاراً إلى اليوم، هذا دليل أنّ هناك بيئة ومناخاً ينصفه، يشعر دائماً بأن جوزف يمثل شيئاً مهماً وما تركه من أثر لا يزال فاعلاً، وليس فقط أثراً عابراً.

 

لانا مدور: أنا أركّز فقط على هذه النقطة لهدف أستاذ إبراهيم. الآن تغيّرت معايير الصحافة كما تعلم، معايير من يكون صحافياً، وكأننا نشعر بأن جوزف سماحة لم يكن يسعى إلى شهرة. تتحدّثون عنه بتجرّد كبير، بأنه كان لديه هذا التنزّه أو البعد عن كل ما هو يحيط بهذه الصحافة، عدا العمل اليومي، العلاقات، الشهرة، مثلاً.

 

إبراهيم الأمين: أولاً جوزف شخص في غاية الخجل، وهو خجل غير مفتعل. جوزف هذا هو شكله، كيف يسير، كيف ينظر إلى الأرض، كيف يتجنّب الاتصال المباشر بالناس. غالباً في غالب الأحيان الناس يتعرّفون على جوزف وليس هو من يقصد التعرّف عليهم.

جوزف غير متطلّب بمعنى العلاقات الاجتماعية، هو يكتفي بقدر ما، كان لديه مجموعة من الأصدقاء الذين يحاول أينما كان في العالم التواصل معهم، وعندما يتواجدون في مدينة واحدة يجد الوقت الكافي ليمضي معهم الوقت، كان يهتمّ بالمناقشات، التعرّف على الناس من خلال الجانب المهني، لكن جوزف شخص خجول. دعيني أقول صراحة جوزف غير مستعد لدفع متطلّبات ما يُسمّى الشهرة، في كل شيء.

جوزف شخص كان صاحب منطق الاستهلاك الهوائي، كان يقول أنّ الإنسان لا يحتاج إلى الاحتفاظ بأشياء، أن يدفع ثمن أشياء للاحتفاظ بها، يجب أن ينفق على ما يجعله سعيداً إلى أبعد الحدود. ثمّ جوزف كان شخصاً لا يحبّ الشهرة، بمعنى لم تكن لتضيف له شيئاً. أنا أعتقد أنّ كثيرين الشهرة آذتهم وجعلتهم يتراجعون حتى على الصعيد الشخصي. جوزف لم يكن يحتاج لهذا الأمر، لكن أنا أعزو السبب الرئيسي إلى خجله.

ليس صحيحاً أنّ جوزف كان يرفض القيام بدور عام يجعل منه شخصية مشهورة بالمعنى الشعبي، لكن جوزف كصحافي شخص معروف جداً. لم يكن معروفاً بمعنى الشهرة كما تُستخدَم اليوم لحال، ولا أريد أن أتسبّب بأذية لأحد، لحال الفنانين. جوزف ليس ممثلاً ولا فناناً ولا موسيقياً ولا راقصاً، لكن جوزف في عالمه شخص معروف.

 

لانا مدور: طبعاً هذا ما من شك فيه. أيضاً هو كان معروفاً كما قلت أنت بسلّم القِيَم والثوابت، ونحن عندما نتحدّث عن ثوابت جوزف سماحة، أول ثابتة يجب التحدّث عنها هي موضوع فلسطين. هذا أمر كما تحدّثتم كثيراً، وعندما تستذكرونه، ونحن الآن نتحدّث بعد عشر سنوات على رحيله، أنّه على أساس هذا الأمر كان يختار أصدقاءه وأعداءه ومعاركه وكل شيء.

اليوم ماذا كان ليكتب برأيك إبراهيم الأمين عن ضياع قضية فلسطين بعد الربيع العربي؟

 

إبراهيم الأمين: دعيني أكون معك أكثر إنصافاً، بمعنى، جوزف كان رجلاً ضدّ الظلم، بالمعنى الشامل للكلمة، لا أنفي أنّ فلسطين لها خصوصيّة لدينا جميعاً كعرب، وفي هذه المنطقة، لكن عندما عاش في الغرب، كتب وناقش عن أحوال مجموعات بشريّة تعيش واقعاً من الظلم الشبيه بظلم الشعب الفلسطيني لناحية الاضطهاد العام.

في موضوع فلسطين، جوزف كان أولاً هو جزء من المنظومة الفلسطينية خارج فلسطين، جوزف كان حتى في نشاطه السياسي وفي علاقاته وفي نشاطه الإعلامي، كان قريباً جداً من منظمة التحرير الفلسطينية، وكان على صلة شخصية بغالبية قيادات منظمة التحرير الفلسطينية. هو كان يحلم دائماً بالسفر إلى فلسطين، وربما لو تُرِك الأمر له لكان زار فلسطين، لكان استخدم أنّ لديه جنسية أخرى لزيارة فلسطين.

 

لانا مدور: جواز سفر فرنسي.

 

إبراهيم الأمين: لكن المشكلة في مقاربة الملف الفلسطيني مثلما أصيب الجميع بالإحباط بعد اجتياح 82، وجوزف أيضاً تأثّر بهذا المناخ، عاد جوزف ليشعر بأهمية أو بجدوى المقاومة في التسعينات وبعد العام 2000، وبالتأكيد اليوم أنا أفترض وعندما نتحدّث عن شخص مات أو غاب، أفترض بالمعايير التي كان يستند إليها، جوزف كان سيكون حذراً من أيّ شيء يؤثّر على معركة استرداد فلسطين.

 

لانا مدور: حتى ولو كان ذلك على حساب ما قلته، ظلم شعب ما أو مجموعة ما عربية؟

 

إبراهيم الأمين: أنظري، جوزف الموقع النضالي في سبيل فلسطين كان يقدّمه على الهوية العقائدية والفكرية. ما أفترضه أنا الآن أنّ هناك التباساً وصراعاً قائماً اليوم بين الهوية العقائدية وبين الهوية النضالية، كان جوزف ممكناً أن يفيدنا جميعاً في كيفية الفصل بين الأمرين لأجل الحفاظ على موضوعات فلسطين. اليوم هناك مسائل حادّة ومُقلقة في ملف استرجاع فلسطين تخصّ التناقض الجزئي بين العقيدة وبين الهوية النضالية عند قوى كثيرة تقاتل لأجل فلسطين، وكان هذا موضوعاً أساسياً بالنسبة لجوزف.

أنا أقول ما يجري في المنطقة، الصراع على الهوية الجديدة للمنطقة، والهوية ليست هوية الأنظمة، هوية الشعوب أيضاً، وعلى الأدوات النضالية في سبيل فلسطين، كانت لتجعل جوزف منخرطاً في نقاش ليس بسيطاً.

 

لانا مدور: كان ليذهب في الخيار الذي اتخذته صحيفة الأخبار في التعامل مع أحداث المنطقة، أم الخيار الذي اتخذه أصدقاء آخرون لجوزف اعتبروا أنّ مسألة الظلم، العدالة الاجتماعية، الحرية، هي بداية تحرّر فلسطين؟

 

إبراهيم الأمين: دعيني أقول، أنا لا أريد أن أقول أنّ جوزف كان يمكن أن يكون نصيراً لأيّ استبداد في أي مكان من العالم، لكن لنتذكّر غزو العراق، في العام 2003، رفض جوزف الحجّة التي لجأ إليها المثقّفون بما فيهم يسار وليبراليون وحتى شخصيات وطنية عراقية، بالقول أنّه يجب التغاضي عن الغزو الأميركي طالما أن الهدف هو إسقاط نظام استبدادي. كتب جوزف بعنف ضدّ هذا الرأي.

أنا لا أقول أنه كان سيدافع عن أنظمة قمعية أو استبدادية، لكنه كان سيحسب جيّداً آليات التغيير التي تحصل، القوى العالمية التي تقف أو ترعى جزءاً من عملية التغيير، الهوية العقائدية لمجموعات منخرطة في هذا الحراك، وكان هذا سوف يكون بالنسبة إليه سؤالاً مهماً. أنا لا أجيب عنه بالتأكيد، لكن بالتأكيد كان سيكون هناك علامة استفهام دائمة لديه حول ما نصيب فلسطين من الذي يجري.

 

لانا مدور: لنكن واضحين أكثر ولكي أسألك سؤالاً يفتح لنا للملف الآخر، الأزمة السورية بشكل واضح هي مفصل أساسي بتاريخ المنطقة وبتاريخ الصحافة أيضاً أستاذ إبراهيم.

 

إبراهيم الأمين: صحيح، نحن في الأخبار، أول هزّة تعرّضت لها الأخبار هي بسبب ما يجري في سوريا.

 

لانا مدور: سنفصّل أكثر في هذا الموضوع بعد الفاصل.

مشاهدينا إبقوا معنا. نعود بعد قليل إلى حوار الساعة.

 

 

المحور الثاني

 

وفيق قانصوه: الأخبار كانت أول جريدة ربما أو ثاني صحيفة تصدر بحجم التابلويب، هذا كان بحدّ ذاته سبقاً أو يحتاج لجرأة لأن الناس معتادة على فتح الصحيفة باليدين ويفلشها ويقرأ فيها الكثير من الأخبار. إذا شئت نحن جريدة محلية أولاً وجريدة عربية أولاً، نحن لدينا حيّز كبير للقضايا العربية ابتداءً من القضية الفلسطينية مروراً بكل القضايا العربية.

أيضاً جمهورك يريد منك إخباره بالحقيقة وليس ما يدغدغ مشاعره أو ما يرضي طموحاته. لا، حتى جمهورك يفترض أنه باحث عن الحقيقة والقارئ بالنهاية عليه أن يعرف ما الذي يحدث سواء معه أو ضدّه، فبالتالي لا يمكن لأية صحيفة أن تعيش على أنه لديها جمهور جاهز تقول له ما يحبّ سماعه أو تكتب له ما يحب قراءته. أعتقد أنّ هكذا صحيفة لا يمكنها الاستمرار لوقت طويل. الأخبار بالتأكيد لم تأخذ هذا المنحى والدليل أنّه مرّ علينا عشر سنوات وما زلنا مستمرين.

 

حسن عليق: أخطاؤنا قليلة؟ لا، نحن دائماً نرى أن أخطاءنا غير قليلة، لكن هذا ينبع من أمر أساسي أننا نحن نقول القصص كما هي. نحن بالبيان التأسيسي للجريدة وهو الافتتاحية بالعدد الأول بالأخبار، قال جوزف سماحة نحن غير محايدين، قال سنسعى أن نكون مهنيين جداً، ولكنه قال نحن لسنا محايدين، قال نحن منتمون إلى تيّار وإلى حلف وإلى محور، وذكرها بالتفصيل بهذه الافتتاحية، ولكن لا يمكنه القول أنني محايد، هذه تصبح كذبة هنا. دائماً عندما نتّخذ موقفاً حاداً، يأتون ويحاولون تعييرنا بين مزدوجين بأنّكم أنتم جريدة جوزف سماحة، هو لم يكن هكذا. لا، هو كان أكثر من ذلك. نحن حتى عندما نكون صلبين بمواقفنا، هو كان حاداً أكثر منا.

 

فراس الشوفي: أكثر مكان يمكن أن أجد نفسي فيه اليوم بوسائل الإعلام، حتى عندما كانت جريدة السفير موجودة، ربما أجد نفسي بالأخبار أكثر. طبيعة العمل حيوي، أنت ليس لديك خبر وكالة بالجريدة وليس لديك الخبر الكلاسيكي الذي تجده بمكان ثانٍ، أنت مضطر أن تكون يومياً خلاّقاً، وحتى وأنت تكتب مادة ربما زملاء بصحيفة أخرى يكتبونها نفسها، إذا قدّمتها كما قدّمها الآخرون عندها لماذا ستتميز مقالتك عن الآخرين، لذلك عليك أن تبحث عن التطوير، ودائماً أنت بسباق مع نفسك ومع زملائك، أن تقدّم القصة الأجمل أو الطريقة الأفضل حتى لا يمل القارئ ويحصل على المعلومة الموجودة من دون تكلّف إن شئت، بشكل كقصة بسيطة ومعقدة بذات الوقت.

 

(صوت جوزف سماحة) أكيد هذا نهار استثنائي بكل المقاييس، اليوم جداً خاص، منذ أسابيع ونحن نعمل، نعدّ من أجل إصدار الجريدة.

 

لانا مدور: أستاذ إبراهيم الأمين نعود إليك في هذا الحوار.

كنّا وصلنا إلى مسألة الأزمة السورية قبل الفاصل. بعد خمس سنوات على اندلاع هذا الصراع في سوريا، هل نجحتم في تحديد موقعكم من الصراع؟

 

إبراهيم الأمين: هناك التزام أوّلي له علاقة بأننا جزء من محور، نحن لا نخفي هويتنا، لا منذ، فكرة تأسيس الأخبار قائمة على أننا هذه المجموعة منخرطة في معركة كبرى تجري في المنطقة والعالم، ونحن جزء من هذا المحور.

 

لانا مدور: جزء من محور فكراً وتمويلاً؟

 

إبراهيم الأمين: نحن جزء نعيش في كل شيء فيه.

 

لانا مدور: وتمويلاً؟

 

إبراهيم الأمين: كل شيء، نعم، نحن لا نخفي، نحن ليس لدينا أية إشكالية في أننا جزء عضوي من محور المقاومة، وما ندافع عنه من هوامش لا نطلبه كهوامش، دعيني أقول أننا نفترض أنفسنا في مكان ضمن هذا المحور مندون أن يلغي أي خصوصية لدينا. بهذا المعنى نرى ما يجري في سوريا بأنّه يستهدف هذا المحور، لكن هذا لا يلغي أبداً، ليس ملاحظاتنا النقدية على طبيعة النظام الموجود في سوريا أو على السياسات القائمة في سوريا، بل لا يلغي أصل الاشتباك، بمعنى الإشكال اليومي، إلى درجة أنّ الأخبار اليوم جريدة ممنوعة في سوريا، الحكومة السورية تمنع دخول جريدة الأخبار إلى الأراضي السورية، والسبب أنّها تريد فرض رقابة مسبقة عليها، والرقابة تعني أنّ هناك مواضيع وأخبار قد لا تعجب الحكومة السورية، وهي، ما هي الأخبار التي لا تعجب الحكومة السورية؟ التي تتعلّق بنقد، نقد سياسات قائمة سواء على الصعيد السياسي أو على الصعيد الإداري.

 

لانا مدور: ولكنكم لا تنتقدون حزب الله؟

 

إبراهيم الأمين: ننتقد حزب الله بالعكس، ننتقد حزب الله وننتقد إيران. السؤال هو هل أننا جريدة مكلفة بمهمة نقد المقاومة؟ بالتأكيد لا. يأتي من يقول أن الجريدة ليس فيها رأي آخر. نسأل ما هو الرأي الآخر؟ الرأي الآخر وجهة أخرى؟ بالتأكيد هذه جريدة ليست لوجهات أخرى. الوجهات الأخرى لديها منابرها الإعلامية ولديها صحفها ولديها مشكلاتها ولديها الأفول، هي تعيش مرحلة الأفول.

 

لانا مدور: ولكن أستاذ إبراهيم، غالباً، عفواً، ما يؤخذ بكثير من المفاصل، لا أدري صحّح لي ولكن هذا بالنسبة للمراقب أو أقله جزء من المراقبين، أن الأخبار هي صحيفة يمرّر عبرها حزب الله رسائل داخلية وخارجية؟

 

إبراهيم الأمين: أكثر من ذلك، أصلاً هناك أطراف محلية وعربية تعتبر كلّ ما يصدر في الأخبار أنه ناطق بلسان حزب الله. أنا أعتقد محلياً وحتى خارج لبنان، تعرّف كثيرون، وهذا الأمر وعملية الفصل التي تمّت بين الأخبار وحزب الله نحن نريدها لمصلحة الحزب وليس لمصلحتنا، نحن لا نريد أن نحمّل الحزب مسؤولية كلّ ما نقوم به، لأنّه فعلياً يمكن لكثيرين يعرفون الأخبار جيّداً، يعرفون أشخاصنا بالأخبار ويعرفون الحزب أنه يستحيل أن يكون هناك تطابق، نحن حكماً ندافع عن قضية المقاومة، ونحن لكوننا على صلة جيدة بهذا الحزب وبأطراف هذا المحور، نفهم على عقل هذا المحور عندما نكتب أشياء تكون مطابقة نتيجة الفهم، نتيجة أيضاً شكل من أشكال التنسيق وتبادل المعطيات، لكن من الظلم، ليس للجريدة، أنا ليس لديّ مشكلة في أن يقال أي شيء عن الجريدة، من الظلم للمقاومة القول أنّ الأخبار هي ناطقة باسم المقاومة لأن الأخبار تنشر أشياء كثيرة ربما لا تعجب المقاومة.

 

لانا مدور: أستاذ إبراهيم أنت قلت أنك جزء من هذا المحور على كل المستويات.

 

إبراهيم الأمين: تأسيس الأخبار كان جزءاً من هذا المحور.

 

لانا مدور: كيف تستطيع أن تكون جزءاً من هذا المحور الذي يموّل، وبنفس الوقت تستطيع أن تحافظ على هامش الحرية في الكلام؟

 

إبراهيم الأمين: ماذا تقصدين بالتمويل؟

 

لانا مدور: هل لك أن تقول لنا ما هو مصدر العائدات للأخبار؟ هل بيع الصحيفة ورقياً يؤمّن عائدات جريدة، يُحيي جريدة؟

 

إبراهيم الأمين: سؤال جيّد في هذه الفترة لأن كثيرين من الذين يواجهون أزمات على صعيد الصحافة يعزون الأمر إلى المشاكل المادية. أنا أجزم بأن الصحافة في لبنان حصلت على عائدات مالية تفوق مرّتين أو أكثر ما كانت تحتاجه من نفقات خلال الخمسين سنة الأخيرة.

 

لانا مدور: ولماذا وصلت إلى هذا الدّرك؟

 

إبراهيم الأمين: انهارت لأسباب ليس لها علاقة بالشأن المادي، ودعيني أقول من جهة أخرى، هناك صحف تموّلها دول خليجية لديها فائض من الأموال، لكن لا تجعل منها وسائل إعلام قوية ومنتشرة. الشرط المادي هو لتغذية هذه الوسيلة الإعلامية لكي تبقى قائمة.

 

لانا مدور: أستاذ إبراهيم، في وقت من الأوقات كان لديكم أزمة مادية، أليس كذلك؟

 

إبراهيم الأمين: كل الوقت لدينا أزمة مالية. ماذا يعني وجود أزمة مالية؟ يعني أنّه ليس لدينا التمويل الكافي لكي لا يكون لدينا أزمة مالية. عندما نتحدّث عن أزمة مالية نقول.

 

لانا مدور: لماذا تنزّه نفسك عمّا تتّهم به الآخرين؟ أنت تتهم الآخرين بأنهم أهدروا المال. لماذا الأخبار لا تكون من نفس الواقع؟

 

إبراهيم الأمين: لأننا نحن لا نتلقّى، لا نأخذ الأموال، ولا نتلقى الرشاوي، هكذا بالعربي المشبرح.

 

لانا مدور: إيران لا تموّلكم؟ أيضاً بالعربي المشبرح.

 

إبراهيم الأمين: لا، أكيد لا، أكيد لا. أقول لك بشكل واضح اليوم الإعلام في لبنان كلفة الإنتاج الإعلامي لم تعد كبيرة كما كانت في السابق، وتستطيع جريدة وأنا مسؤول عن كلامي، تستطيع جريدة أن تحسّن من حجم انتشارها كسلعة لتؤمّن توازناً مقبولاً بما يجعل أي دعم يأتيها يساعدها على أعمال التطوير والتوسّع.

المشكلة في الصحافة اللبنانية التي كانت قائمة أو التي تواجه أزمات، أتحدّث عن الصحف الأخرى في لبنان، هي أنها حصلت على تمويل ودعم مالي كبير جداً جداً جداً خلال الخمسين سنة الماضية، وهي واجهت أزمات من نوع آخر. هي رفضت مواكبة والتواؤم مع ما يحصل من تحديات في المهنة في المنطقة وفي العالم.

 

لانا مدور: رفضت أو لم تستطع؟

 

إبراهيم الأمين: أنا أزعم أنها رفضت، ليس هناك.

 

لانا مدور: جوزف سماحة مثلاً كان جزءاً من السفير، كان جزءاً من عملية تطويرها.

 

إبراهيم الأمين: إدارة السفير رفضت مشروع جوزف سماحة لتطويرها، ليس الأمر لم يكن  ممكناً، جوزف أفكاره والأشخاص الذين عملوا معه أو انتقلوا معه إلى الأخبار كانوا موجودين في السفير، وفي السفير فريق كبير على رأسه الأستاذ طلال سلمان كان يرغب وكان يفترض أنه داعم لمشروع التغيير، لم يحصل الأمر فقط لأن إدارة السفير رفضت. وأحد أسباب خروج جوزف من السفير هو البحث عن مكان يستطيع أن يحقّق فيه هذا التغيير المنشود على صعيد إدارة الصحافة العربية.

 

لانا مدور: اليوم مثلاً، فقط لنختم موضوع التمويل، الاشتراكات وبيع الصحافة الورقية والإعلانات تؤمّن، تسيّر ماذا؟

 

إبراهيم الأمين: أنا مستعدّ لأن أثبت ذلك علمياً، بأنّ كمية معينة من المبيع والاشتراكات والإعلانات كافية لتحقيق توازن مالي على صعيد النفقات والإيرادات بالنسبة لجريدة كجريدة الأخبار، علماً أنّ موازنتها ليست صغيرة قياساً بالصحف الأخرى.

 

لانا مدور: صحيفة الأخبار هي الأولى في لبنان؟

 

إبراهيم الأمين: أكيد، وهي متقدّمة في العالم العربي أيضاً، ومتقدّمة كثيراً لدى الناطقين بالعربية والجاليات العربية في العالم.

 

لانا مدور: على مستوى المبيع طبعاً والموقع الإلكتروني، أليس كذلك؟

 

إبراهيم الأمين: على ثلاثة مستويات، لديك المبيع، انتشار النسخ، لديك ريتش، ولديك النفوذ.

 

لانا مدور: النفوذ أي التأثير على الجمهور؟ كيف تحتسبون هذا الأمر؟

 

إبراهيم الأمين: يكفي أن تشاهدي الكثير من المحطات التلفزيونية لتكتشفي أنّ جزءاً كبيراً من برامجها  أو موادها مأخوذة من الأخبار، يكفي أن تتابعي برامج التوك شو السياسي لتكتشفي أنّ معظم المواد التي يجري السجال عليها مُستقاة من الأخبار.

 

لانا مدور: من المعلومات.

 

إبراهيم الأمين: واليوم في لبنان والعالم العربي مواقع إلكترونية كثيرة تنشر أخباراً، جيّد، في الفترة الأخيرة صاروا ينسبون إلى الأخبار، كانوا في السابق يأخذون المواد بكاملها ومن دون نسب.

 

لانا مدور: هناك موضوع آخر يتعلّق.

 

إبراهيم الأمين: فضلاً عن سبب آخر هو الحملة على الأخبار، العمل المنظّم من قِبَل أنظمة وحكومات عربية وأجهزة غربية ضدّ الأخبار.

 

لانا مدور: عمل منظّم أم أنكم أنتم تستدرّون هذا الأمر؟ لسبب أنّ الأخبار عندما خرجت، خرجت كشيء جديد أستاذ إبراهيم حتى بطريقة التعاطي مع أخبار لبنان، لأنه عادة كان استقبل وودّع وأنتم ليس لديكم هذه الصيغة ولا تكترثون لها.

ولكن في المقابل أنتم كسرتم، عفواً، قاعدة كلاسيكية في الصحافة، استمرّت لوقت طويل، ولكن في المقابل ألبستكم لباساً فضائحياً. ما ردّك؟

 

إبراهيم الأمين: فضائحي، مثلاً لا يجب للصحافي أن يتحدّث عن صحافي آخر، يقال هذا نوع من ميثاق شرف بين الإعلاميين، كيف أنا يحقّ لي أن أراقب السياسيين والتجار وأساتذة المدرسة والأطباء والمهندسين، ولا يحقّ لي أن أراقب صحافياً آخر، علماً أنّ الفساد وسط الصحافيين لا يقلّ قساوة وشدّة عن الفساد في أوساط أخرى؟ هذا أولاً.

ثانياً تلجأ الصحافة إلى المواربة. ما معنى أن تقول قال مرجع رئاسي لمرجع حكومي بارز أنه يريد فلاناً القريب منه في وزارة؟ ما هذه التورية التي يتم عملها؟

 

لانا مدور: أنتم واضحون.

 

إبراهيم الأمين: ما القصد منها؟ إن قلتِها كما هي يقولون لك فضيحة. ثانياً إذا سياسي أو جهة سياسية تتصرّف بالبلد وأتيتِ لسؤالها كيف تعيش هذه الشخصية، يقولون لك لا، أنت تقترب من الشؤون الشخصية. المشكلة في أن كل هذه الأشياء كان يجب أن تحصل، التواطؤ الخطير الذي هو يؤدّي إلى مقتلة الصحافة، التواطؤ بين الصحافة والسلطة، السلطة السياسية والأمنية والاقتصادية وليس السلطة السياسية فقط، السلطة السياسية.

 

لانا مدور: ولكن أنتم أيضاً لستم ملائكة أستاذ إبراهيم؟

 

إبراهيم الأمين: أنا لا أدّعي أننا ملائكة.

 

لانا مدور: أنتم تنتقدون الآخرين ولكن أيضاً ربما لديكم؟

 

إبراهيم الأمين: ونحن ربما الجريدة الوحيدة التي، نحن يكفي أننا نحن لا نرفع دعوى قضائية، نادراً ما رفعنا دعوى قضائية على أحد.

 

لانا مدور: لكن لديكم دعاوى قضائية؟

 

إبراهيم الأمين: طبعاً نحن لدينا بند في الموازنة السنوية للدعاوى لتغطية الأكلاف القضائية. ما أريد أن أقوله، ما يجب أن ينتبه الناس في النهاية إلى أنّ توصيف ما تقوم به الأخبار، إذا أراده أن يكون فلان على نحو فضائحي ليقل ما يريد، المهمّ ما الذي يبقي الأخبار قوية، وإلى المزيد، وما الذي يجعل الآخرين غير الفضائحيين في حال انهيار. ثمّ نحن، هذا أمر غير مخفي، نحن ليس لدينا صديق عملياً، نحن بوعينا وبقرارنا نريد أن.

 

لانا مدور: في مجتمع أنتم بحاجة، عفواً، سأقولها باللبناني، أنتم بحاجة إلى ظهر، كل لبناني بحاجة إلى مرجع يحميه. من يحمي صحيفة الأخبار؟ من المرجع الذي يحمي صحيفة الأخبار؟ حزب الله يعني؟

 

إبراهيم الأمين: أنت لديك أنطباع بأنه حزب الله، أليس كذلك؟

 

لانا مدور: نعم، أنا وكثيرون ربما؟

 

إبراهيم الأمين: الجميع لديه انطباع أنّه حزب الله، وأنا ليس لدي وسيلة لأثبت أو أنفي هذا الأمر ولا أجد نفسي معنياً أصلاً.

 

لانا مدور: من يحمي إبراهيم الأمين؟

 

إبراهيم الأمين: أنا إذا قلت لك لا أحد يحميني، هل تصدّقين؟ لن تصدّقي. أنا شخص ممنوع أن أدخل لغالبية الدول العربية وثلاث أرباع دول العالم ولديّ مشاكل مع كل العصابات النافذة في لبنان والعالم العربي ومحكمة دولية. لا أفهم ما معنى الحماية.

 

لانا مدور: جسدية أقلّها، ألم تكن مهدّداً في وقت معيّن؟

 

إبراهيم الأمين: ولا زلت، لكن إن كانت المقاومة تحميني أكثر الله خيرها، لكن كيف يمكن أن أنفي لك؟ إن قلت لك لا لأن الانطباع التقليدي البسيط كيف تقوم بكذا وكذا وكذا ان لم تكن محميّاً.

أنا كنت أقوم بأشياء من هذا القبيل قبل أن أكون في الأخبار، كنت أراعي حيث أعمل لكن كان لدي الرغبة والقدرة على القيام بأكثر.

 

لانا مدور: أستاذ إبراهيم، أنت تعترف في المقابلة التي نشرت معك أيضاً في الأخبار بأنكم مقصّرون، يجب أن تتابعوا العصر أكثر.

الآن إذا سألتك كرئيس تحرير، كصحافي متمرّس منذ سنوات، هل تغيّرت معايير الصحافة اليوم بعد صدور الإعلام الاجتماعي، وسائل التواصل والمالتي ميديا؟

ما هو تعريف الصحافي والصحافة الجدية في عالمنا وإقفال صحف ورقية كثيرة؟

 

إبراهيم الأمين: هناك تحديات أخرى أمام المهنة، مثل أيّ أمر في العالم، لكي يبقى موجوداً يجب أن يُظهِر حاجة الآخرين إليه.

إذا لم تستطع الصحافة الورقية أن تثبت أنّ القارئ يحتاجها كصحيفة ورقية حكماً ستموت. هل هناك جهد كافٍ من قِبَل القائمين على الصحف الورقية لإبقاء هذه الحاجة؟ أنا برأيي لا. الأمر الثاني.

 

لانا مدور: لماذا؟ نتحدّث على المستوى اللبناني طبعاً.

 

إبراهيم الأمين: لأنه برأيي الصحافة في لبنان أولاً تحتاج إلى مؤسّسات وشركات تجارية تقود هذه المؤسّسات، أن تسقط الطابع الفردي.

 

لانا مدور: الطابع العائلي تقصد؟

 

إبراهيم الأمين: الفردي، هو أكثر من عائلي، فردي وله تأثيرات هائلة وكبيرة على إدارة المؤسسات. هذا إن لم ننتهِ منه يصعب القيام بمؤسّسات الشركاء والمساهمون فيها يدافعون عن بقائها وعن حمايتها.

ثانياً إعادة الاعتبار إلى المهنة كوسيلة عيش، وليست ترفاً. الصحافة هي صنعة ومهنة وحرفة.

 

لانا مدور: لماذا اليوم الصحافي يعتبر ترفاً؟

 

إبراهيم الأمين: هناك جزء كبير من الصحافة تتصرّف هي ترف، وتتصرّف على أن ما بين أيديها من وسائل إعلام هي أدوات لتغطية حاجات أخرى خارج الإعلام. هذه واحدة من المعضلات الكبرى في الإعلام اللبناني. اليوم هناك الكثير من الوسائل الإعلامية في لبنان مكتوبة ومقروءة ومسموعة ورقمية هي أدوات تستخدم من قِبَل أفراد أو مؤسسات أو جهات لتحقيق غايات أخرى. هذا التحدّي أقول بهذا المعنى هو تحدٍ أمام الصحافيين الحقيقيين، وهذا يحتاج إلى تعديلات كبرى على صعيد البنى، تحديداً البنى النقابية.

 

لانا مدور: عفواً أستاذ إبراهيم غايات أخرى ماذا؟ غايات أخرى سياسية.

 

إبراهيم الأمين: تجارية.

 

لانا مدور: أنتم أيضاً تستخدمون الأخبار لغاية سياسية، قضيتكم.

 

إبراهيم الأمين: أنا لم أقل سياسية، أنا قلت لغايات تجارية ومالية وابتزاز، وللسعي إلى الحصول على مكاسب غير ممكنة بالطرق الأخرى.

 

لانا مدور: من المسؤول عن القيام بهذه النهضة؟

 

إبراهيم الأمين: الصحافيون، أنا قلت أن الصحافيين.

 

لانا مدور: مبادرات كما أنتم بادرتم لإطلاق الأخبار؟

 

إبراهيم الأمين: الصحافيون الحقيقيون يحتاجون إلى مبادرة، طبعاً الدولة يجب أن تساعد، يجب أن توفّر لهم حصانة من خلال أشكال مختلفة من الحصانة، دعم النقابات وتطويرها، دعم مادي لجعلهم غير محتاجين، حتى لا يبقوا تحت رحمة بعض المموّلين والشركات. هذا يسمح لنخبة صحافية لبنانية أن تناضل وتقوم بما يُسمّى دفتر معايير للانخراط في هذه المهنة.

 

لانا مدور: الملفت في حديثك أنك تبدو متفائلاً أن لم يكن هناك جهد فردي أو مجموعة رغم أن الآخرين غير متفائلين على اعتبار أنّ الزمن كله بعكس الصحافة الورقية، الصحافة المرئية، التلفزيون أيضاً يواجه نفس المشلكة؟

 

إبراهيم الأمين: دعيني أقول لك أنا بالأخبار بتجربتنا من عشر سنوات وإلى اليوم، نحن حصل بطء في النمو لدينا، لكن لم يتوقف النمو، بين أن نموك كان 10 و15 بالمئة وبات 2 و3 بالمئة، تراجع النمو صحيح، لكن، اقتصادياً التراجع في النمو يُحسَب خسارة، لكن أنا أقول أنه توسّع انتشار نفوذ الجريدة، سواء ورقياً أو إلكترونياً. المشكلة هي في تحديات المهنة، أي نوع جديد من التواصل عليك القيام به مع الناس آخذة بعين الاعتبار وسائل التواصل الجديدة.

 

لانا مدور: أنتم نشطون على وسائل التواصل، هناك اهتمام.

 

إبراهيم الأمين: ولدينا مشروع، الآن أنجزنا موقعاً إلكترونياً جديداً، ويفترض أن يكون متصلاً بمجموعة خدمات إضافية حديثة، بعض منها له علاقة أيضاً، مثلاً الصحف تحتاج على جانب ما لمنافسة التلفزيون أيضاً.

 

لانا مدور: كيف؟

 

إبراهيم الأمين: هي اليوم ملزمة بأن تقدّم مواد مرئية ومسموعة.

 

لانا مدور: ولكن أيضاً مواد معمّقة لا تشاهدها على التلفزيون، هذا أمر بديهي.

 

إبراهيم الأمين: صحيح هذا أمر آخر، لكن أقول حتى الصحف.

 

لانا مدور: ستدخلون في هذا الأمر، فيديو على يوتيوب؟

 

إبراهيم الأمين: حكماً، حكماً.

 

لانا مدور: لنعد إلى نقطة البداية، إلى جوزف سماحة. هل الأخبار هي كانت أمينة لحلم جوزف سماحة بعد عشر سنوات؟

 

إبراهيم الأمين: دعيني أقول أنا بالنسبة لي ولكثير من زملائي، نحن لم نخن المبادئ التي علّمنا إياها جوزف.

 

لانا مدور: بالمناسبة أستاذ إبراهيم، كأنه هناك انقسام، جزء يرى مبادئ جوزف سماحة بطريقة وجزء آخر يراها بطريقة مختلفة.

 

إبراهيم الأمين: أنا أقول جوزف ليس لي.

 

لانا مدور: وكلكم تلامذة جوزف سماحة.

 

إبراهيم الأمين: لحظة، دعيني أقول جوزف ليس لي، أنا جوزف الذي أعرفه ويعرفه رفقائي هو جوزف الذي عشنا معه كل هذا الوقت وما كتبه جوزف، أنا لا أستند لأمر آخر، أمر افتراضي وأمر غير معلوم بجوزف.

ما علّمنا إياه جوزف على الصعيد الأخلاقي والمهني نحن إلى حدود كبيرة جداً ملتزمون به. الآن هل نحن التزمنا أو حقّقنا ما كان يصبو إليه مهنياً؟ أكيد لا.

 

لانا مدور: تعتب على الزملاء الذين غادروا؟

 

إبراهيم الأمين: لا.

 

لانا مدور: أبداً؟ من تلامذة جوزف سماحة.

 

إبراهيم الأمين: أنا متأكد من أنّ الصحيفة هي ليست حزباً وهي مكان يدخل إليه البعض ويغادر البعض ويعود إليه البعض ويغادر البعض. ومن غير المنطقي ومن غير الأخلاقي أن تتصرّف إدارة أية مؤسسة مع الصحافيين العاملين لديها وكأنهم ملكها.

 

لانا مدور: سؤال أخير لك، تقول أن سماحة ترك لكم كتاب إرشادات وقِيَم.

بصراحة، أنت صريح، في أي مفاصل تاريخية خالفت هذا الكتاب؟

 

إبراهيم الأمين: اليوم، اليوم، أنا هذا تحدٍ لديّ، وواحد من التحديات الرئيسية التي في بالي وما أفكّر بها هو نقد الفكر الديني. جوزف كان يهتمّ بهذا الأمر، وأنا أعتقد أنّ السائد في عالمنا العربي اليوم يحتاج إلى مبادرة جدّية في نقد الفكر الديني.

 

لانا مدور:  كل الفكر الديني؟ السنّي والشيعي؟

 

إبراهيم الأمين: كل الفكر الديني يحتاج إلى نقد، إلى نقاش، إلى مراجعة لأن لديه تأثيرات هائلة على كل نواحي حياتنا، ولا يجوز البقاء والتعامل معه كأنه أمر محرَّم لا يجوز الاقتراب منه، بينما هو يتدخّل في كل ما يعنيننا.

 

لانا مدور: كلمة أخيرة لجوزف سماحة. ماذا تريد أن تقول؟ كلام مشاعر، ليس أكثر.

 

إبراهيم الأمين: لا، ليس لديّ مشاعر. أقول شكراً لكم.

 

لانا مدور: اليوم ذكرى جوزف سماحة، ماذا يشعر إبراهيم الأمين؟

 

إبراهيم الأمين: خذوا ما تشاؤون أو ما تريدون لأنفسكم من جوزف، لكن لا تضيفوا عليه شيئاً. جوزف لديه فائض يكفي الجميع ويبقى، لديه رصيد يكفي كل من يريد أن يأخذ منه، لكن لو سمحتم لا يضيفنّ أحد عليه، لا يركبن أحد له شيئاً. جوزف هو بهذا القدر، يقول أنا لي منه هذا القدر، أريد منه هذا. خذه، لكن لا تضف له أمراً غير موجود لديه.

 

لانا مدور: شكراً أستاذ إبراهيم الأمين رئيس تحرير صحيفة الأخبار وشكراً لك مجدّداً على استقبالك لنا وللميادين.

 

ابراهيم الأمين: شكراً لكم.

 

لانا مدور: مشاهدينا إلى هنا تنتهي هذه الحلقة من حوار الساعة. شكراً لمتابعتكم أيضاً، وإلى اللقاء.

وئام وهاب - وزير لبناني سابق

المزيد