الحريات الدينية

الاسلام في بعده الحضاري شن ثورة على الشرك وعبادة الاصنام والخرافة والأساطير وأرخى العنان للعقل والتفكير, وجعل التفكيره قاعدته المركزية. وقد ورد فعل العقل في القرآن الكريم في 49 موضعا وورد فعل العقل بصيغة "تعقلون" في 24 موضعا في القرآن وإذا كان هذه الآيات بينات فإن بعض المسلمين يصر على مبدأ الإكراه والجبر وحمل الناس على الإسلام بالقوة, وبالمقابل يستأصل الأخر الديني والمذهبي. فهل أقر الإٍسلام الحريات الدينية, وهل أقر جواز نقد الإسلام في حد ذاته؟

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله وبيّاكم وجعل الجنّة مثواكُمُ.

الإسلام في بُعده الحضاري شنّ ثورةً على الشّرك وعبادة الأصنام والخرافة، والأساطير، وأرخى العنان للعقل والتفكير، وجعل التفكير قاعدته المركزيّة.

وقد ورد فعل العقل في القرآن الكريم في 49 موضعاً، ولم يرد بشكل مصدرٍ مطلقاً، وكلّ أفعال العقل تدلّ على عملية الإدراك والتفكير والفهم لدى الإنسان، وورد فعل العقل بصيغة "تعقلون" في 24 موضعاَ في القرآن الكريم، منها قوله تعالى "كذلك يبيّن الله لكم آياته لعلكم تعقلون"، وقوله تعالى "إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون"، وورد بصيغة "يعقلون" في 22 موضعاً منها قوله تعالى "صمٌ بكمٌ عميٌ فهم لا يعقلون"، وما إلى ذلك من صيَغ العقل والتعقّل.

وإذا كانت الأمم المتحدة قد اعترفت بأهمية حرية الديانة والمعتقد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي اعتُمِد عام 1948، حيث تنصّ المادة الثامنة عشر منه على أنّ لكلّ إنسانٍ حقاً في حرية الفكر والوجدان والدين، ويشمل ذلك حريته في أن يُدين بدينٍ ما وحريته في اعتناق أيّ دينٍ أو معتقدٍ يختاره، فإنّ الإسلام المحمّدي كان سبّاقاً إلى وضع أسس الحريات الدينية، عندما لم يجبر أحداً على اعتناق دينٍ بعينه، وهنا يجب التذكير بأنّ الإسلام شيءٌ والمسلمين شيءٌ آخر.

وعندما نتحدّث عن الحريات في الإسلام فقد لا نجد هذه الحريات في مسلكية المسلمين في القرون الأولى وما تلاها. والمقصود في الإسلام المحمّدي الأصيل أنّ الحرية تُعتبَر مدماكاً في البنية الفكرية مصداقاً لقوله تعالى "لا إكراه في الدين قد تبيّن الرُشد من الغيّ".

قضية الإيمان أو عدمه من الأمور المرتبطة بمشيئة الإنسان ونفسه واقتناعه الداخلي، "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"، ولفت القرآن نظر النبيّ إلى هذه الحقيقة، وبيّن له أنّ عليه تبليغ الدعوة فقط، وأنّه لا سلطان له على تحويل الناس إلى الإسلام، فقال "أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين"، وقال "لست عليهم بمسيطر".

وإذا كانت هذه الآيات البيّنات دالّة وواضحة، فإنّ بعض المسلمين يصرّ على مبدأ الإكراه والجبر وحمل الناس على الإسلام بالقوة، وبالمقابل يستأصل الآخر الديني والمذهبي. فهل أقرّ الإسلام الحريات الدينية؟ وهل أقرّ بجواز نقد الإسلام في حد ذاته؟ وهل كفل الإسلام حرية المناقشات الدينية على أساس الاحترام وتجنّب السخرية واستصغار الآخرين؟

تبيّن نصوص الوحي مبدأ عدم الإكراه في الدين، وتبيّن أيضاً أنّ الاختلاف عن الدين سُنّة جارية بين البشرية منذ الأزل، وأنّ الصراع بين الحق والباطل في هذه الحياة الدنيا هو كذلك سُنّة ماضية إلى يوم القيامة.

الحريات الدينية عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش من الجزائر الحبيبة الدكتور جلول حجيمي رئيس نقابة الأئمة في الجزائر، ومن لبنان المفكّر الإسلامي الدكتور حسن جابر صاحب كتاب "فكر المقاصد". مرحباً بكم جميعاً.

دكتور حسن، دعني أبدأ بإشكالية يوردها البعض على هذا المبنى، الحريات الدينية، أنّ الإسلام في عناوينه العامة، في الكليات، هو مع الحرية، لكن في التفاصيل الفقهية، هو مع التضييق، مع الخنق، مع الاستئصال.

كيف نجمع بين هذا المبنى الكلي الآيل إلى الحرية والمبنى التجزيئي الآيل إلى التضييق، إلى القمع إن صح التعبير؟

 

حسن جابر: بسم الله الرحمن الرحيم. الموضوع دقيق وملتبس في الأمر عينه. أما دقّته، فهو كون الآيات التي دعت إلى الحرية، حرية الاعتقاد، هي آياتٌ كلية مكية، أي نزلت في المرحلة المكية، والعزّ بن عبد السلام في كتابه المختصر "الفوائد في اختصار المقاصد"، يقول أنّ كلّ الآيات التي نزلت في المرحلة المكّية هي آياتٌ لها طابع كلّي، وهي حاكمة على كلّ ما عداها، وأقول هذا الأمر لأنّ المشكلة ليست في ما استنبطه الفقهاء، وإنما المشكلة في ما التبس على الناس في المرحلة المدينية، أنّه إذا كان الإسلام يدعو إلى الحرية، أو يترك الناس وشأنهم في مسألة المعتقد، فلماذا كان الرسول يُكرِه الناس على الإسلام في المرحلة المدينية؟ هذا الإشكال الأساسيّ الذي لم يُجَب عليه بصورة حاسمة. أما من ناحية المبدأ، لا إكراه في الدين، هو نفيٌ لجنس الإكراه، يستحيل أصلاً الإكراه في الدين، أيّ دين، ليس فقط الإسلام، أيّ دين في العالم يستحيل إكراه البشر عليه لأن هذا شأن ذاتي داخلي، لا يمكن السيطرة عليه والتحكّم به، ومن قرأ الرسالة في التسامح لجون لوك، وهي على فكرة كتبها بعد نهاية الحرب المذهبية بين البروتستانت والكاثوليك سنة 1683، تجدها وكأنها رسالة لشرح وتفسير للآية القرآنية "لا إكراه في الدين"، هو يقول يستحيل الإكراه في الدين. إذا كان يستحيل، لماذا كان هناك إكراهٌ في المدينة، أي عندما بعث الرسائل للقبائل وإلى آخره؟ هذا مورد الإشكال الأساسي الذي سبّب هذا الالتباس، لكن له حل.

 

يحيى أبو زكريا: وهو؟

 

حسن جابر: له حل. الرسول صلّى الله عليه وآله كان في المدينة يسعى، كان يتعرّض لخطر وجودي من قريش ومن القبائل المحيطة، ولذلك كان مضطراً لحماية هذه النبتة الجديدة، الدعوة الجديدة، كان مضطراً لإيجاد منظومة أمنية، سياسية إلى آخره.

 

يحيى أبو زكريا: وقائية.

 

حسن جابر: وقائية ولذلك لم يطلب أصلاً من الناس الإيمان، هو طلب منهم أن يبايعوا بيعة سياسية، تحت عنوان التشهّد بالشهادتين، يعني كانت شهادة إن لا إله إلا الله ومحمّد رسول الله، كانت بمثابة بيعة، كانت بمثابة طرف من العقد بين الاثنين، ولذلك إذا قرأت التفاصيل، تجد أنّ الرسول كان يغري الناس بالمال. مالك بن عوف الذي خسر كلّ ماله وزوجته وأولاده في حنين، واختبأ في الطائف، سُرّب خبرٌ للرسول أنه يريد أن يخرج والطائف استعصت على الرسول، لم يكن فتحها سهلاً.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

حسن جابر: وبالتالي مالك هو شخصية مهمة ومحورية، لذلك أرسل للرسول أنني جاهز لأن أعتنق الإسلام، لكن شرط، شرط أن تفرج عن زوجتي وعن أولادي، فالرسول بعث له، ليس فقط عن زوجتك وأولادك، ومئة رأس من الإبل من غنائم حنين أعطيت لمالك بن عوف، حتى أبي سفيان عندما أعطي من غنائم حنين كانت مكافأة على تسهيل دخول المسلمين إلى مكّة من دون حرب.

فإذاً هناك سياسة استيعابية المراد منها أغراض سياسية لحماية المؤمنين، وليس الهدف هو الإكراه كإكراه، وهنا حال الإشكال في مسألة التعارض بين سلوك الرسول داخل المدينة والآيات الكلية الحاكمة المكية.

 

يحيى أبو زكريا: طبعاً سوف نعود إلى هذا المبدأ، لكن نذهب إلى الجزائر من فضلك.

دكتور جلول، حيّاك الله وبيّاك وجعل الجنة مثواك. أذكّر أيضاً أنّك من سلالة نقية طاهرة، من سلالة الأدارسة الأشراف المرابطين في الجزائر، من أحفاد مولاي إدريس، مرحباً بك معنا في برنامج أ ل م.

دكتور جلول، الحريات الدينية مثار نقاش كبير اليوم في الخطاب العربي، في الخطاب الإسلامي، في الخطاب العالمي، وكثيراً ما تلوذ منظمات دولية بهذا المبدأ لمحاصرة الدول الإسلامية التي تعمل كما تدّعي بمبدأ الأحادية.

فهل ورد في ديننا شيءٌ يقرّ حرية الأديان؟ ولماذا عندما يجهر شخص في المجتمعات الإسلامية بتحوّله من مذهب إلى آخر، بإلحاده، بتبنّيه للعلمانية، تجد الخطباء يحملون عليه والخطاب الإسلامي يحمل عليه؟ أليس في الإسلام سعة صدر لكل الأفكار، لكلّ المعطيات؟ ألم يناقش الله إبليس في القرآن الكريم، في سورة البقرة والكثير من السور؟ ألم يتناقش الله مع المُلحدين، مع الكافرين؟ ألم يفتح نقاشاً مع الفراعنة في القرآن الكريم؟

 

جلول حجيمي: نسأل الله تبارك وتعالى أن نوفّق في هذه الحلقة وأن نبصر الناس بما يمكن تفسيره بالحقائق الحقيقية قد نناقشها جميعاً سوياً تحت نطاق العقل ورحابة الصدر وحُسن الخلق وتقبّل الآخر مهما كان وكيفما كان، بأسلوبٍ يليق بهذا الدين وبجلالة هَدي النبي صلّى الله عليه وسلّم.

لا شكّ أنّ الإسلام يعترف بالآخر، ولهذا اعترف القرآن الكريم صراحةً بالأقوام الأخرى وبالكتب السماوية الأخرى، وسمّاهم أهل كتاب، "ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن"، "إن الله لا ينهاكم عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من ديارهم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المُقسطين".

وكما ذكر الأستاذ من قبل، هذا موضوع دقيق في غاية الدقة، وقلما كتب له العلماء سواء في العصور الذهبية أو في غيرها، وكتبت رسائل متعدّدة على شكل كتبٍ وتوجيهات سواء إلى العلاقة التي تجمع المسلمين بغيرهم في بلدانٍ كبلاد الأندلس لمّا كانت الحضارة الإسلامية قويّةً، كريمةً، مباركةً، عالية، وكما كتب في بعض المجتمعات المسلمة آنذاك في العصور الغابرة، في تعامل غير المسلمين مع الإسلام. والأصل أنّ العدل هو موضوعٌ مهمٌ في التعامل مع البشر بلسان الحق سبحانه وتعالى، ولهذا الله تبارك وتعالى قال "إن الله لا ينهاكم عن الذين لم يقاتلوا في الدين ولم يخرجوكم من ديارهم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم".

كيف تعامل سيّدنا عمر ابن الخطاب مع الكنيسة التي كانت لغير المسلمين ولم يجبرهم على إخراجها أو على فعل شيءٍ يتنافى والحريات العامة، والإسلام يعطي حق الحريات بمفهومه المطلق، لكن لمّا يكون مجتمع مسلم يعيش في إطار الإسلام وأحكامه ومعاملاته وتعامله، هنا عندما يخرج هذا الإنسان عن إطار هذا المعتقد، فهنا التي تظهر عليه الأحكام الفقهية، والأحكام الفقهية تتحوّل إلى أحكام قضائية، وهذا ما وقع في الفراء في الفقه الإسلامي. أما من حيث المبدأ العام، فإن الإسلام يعامل الناس كبشر، "وقولوا للناس حسنى"، وهذا وهؤلاء أي الناس فيهم الصالح والطالح، فيهم المؤمن والفاسق والكافر، ومع هذا يعامله الإسلام بهذه المعاملة الحسنة الطيبة المباركة.

وكما ذكر الأستاذ من قبل هناك فرق شاسع في طرح المسلمين الآن أو قبل الآن أو بعد الآن وفي طرح الإسلام الذي هو عقيدةٌ وشريعة يحمل مضامين ومفاهيم المجتمع كمجتمع ويحافظ على خصوصيته وعلى قدسية البشر، ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام لمّا أعطى إلى عصمة الدماء، قال ولزوال الدنيا أهون عند الله من إراقة دم إمرئٍ مسلم، وإن قتل غير المسلم كذلك منهيٌ عنه بكل نصوص الشريعة في التعدّي والظلم، ولهذا الله تبارك وتعالى نهانا عن الاعتداء وعن العدوان وعن غيره. هذه المسألة من المسائل أخي الكريم التي طرحتموها، مسائل جد حساسة، وكثير من أهل التحقيق قد يرون هذا ولا يرون ذاك، لكن الأصل الثابت أن الإسلام يحترم الآخر مهما كان بشرط إذا كان في مجتمع مسلم أو في مجتمع مشارك للمسلمين ومجتمع متعاون مع المسلمين، ولهذا كان في أحكامنا الفقهية أهل الذمّة وأهل الجزية وغيرها من الكلمات التي ظهرها الفقهاء والعلماء حتى يضبط المجتمع من دون تعدٍ على الآخر، وهذا الذي هو منهيٌ عنه.

 

يحيى أبو زكريا: أرجو أن تبقى معي دكتور جلول.

دكتور حسن، إذا عدنا إلى أصل التكوين، إلى بداية الوجود إن صحّ التعبير. عندما أوجد المولى عزّ وجل الوجود كان بالإمكان أن يخلق لنا فقط الإنسان المؤمن وهذا لا يعجزه، أن يخلق منظومة بشرية مؤمنة بالكامل، لكنه أوجد هذا الإنسان وأعطاه من معاني الحرية الكثير الكثير.

هل يمكننا أن نسقط هذا المبدأ على تأصيل لمبدأ الحريات الدينية في الإسلام؟

 

حسن جابر: فلسفة الدين قائمة على أنّ هذا الإنسان لديه إمكانيات عقلية ونفسية ومشاعر إلى آخره كبيرة، لكن أيضاً لديه ميلٌ شديدٌ إلى الهوى، إلى ما يمكن أن يخالف هذا السمت الطبيعي للإنسان، وهذا الصراع هو سر وجود البشر على الأرض، خُلِقوا من أجل هذا الصراع، من أجل أن يتجوهر هذا الإنسان، أن يرتقي، أن يسير في سلّم الكمال. مشكلة الإكراه في الدين، أي هو تعطيل لمسألة فلسفة الدين نفسه، للمقصد الأساسي للدين الذي لا يمكن للإنسان أن يسير في معارج الكمال، إن لم يخض هذا الصراع. أكثر من ذلك، أنا لي تفسير لمسألة رمزيّة خروج آدم من الجنة، وهذا تفسير إسلامي، وهناك تفسير مسيحي معروف وتفسير يهودي، لكن التفسير الذي أفهمه لمسألة رمزيّة خروج آدم من الجنة أن آدم دخل إلى الجنة من دون استحقاق، من دون أن يخوض الصراع، ولذلك قال له ولزوجه أخرجا منها، أو اخرجوا منها، باعتبار أن الشيطان، اخرجوا منها بعضكم لبعضٍ عدو، ليدخلوا إلى معترك الحياة ويخوضوا الصراع.

جوهر الحياة قائم على الصراع، وهذا الصراع، كلّ الأدوات الله سبحانه وتعالى خلقها في الإنسان.

 

يحيى أبو زكريا: إذا تسمح أمضي إلى فاصل، وأعود إليك مباشرة لاستكمال الفكرة.

مشاهدينا فاصل قصير ثم نعود إليكم فابقوا معنا.

 

 

المحور الثاني

 

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلاً بكم من جديد. من أدرك حلقتنا الآن، نحن نعالج موضوع الحريات الدينية.

دكتور حسن، كنت تتحدّث عن إدخال آدم وحواء والشيطان إلى معترك الحياة، وبالتالي الصراع للحصول على الجنّة بالاستحقاق وليس بالإعطاء والعطاء الرباني.

 

حسن جابر: ما هي فضيلة الإنسان لو لم تكن هناك حوافز للصراع؟ ليس له فضيلة. أصلاً ارتقاؤه، تطوّره، حتى التطوّر الحاصل الآن على المستوى التقني، فضلاً عن الأفكار، هي نتيجة صراع ومعاناة، لذلك الفلسفة بكاملها قائمة، فلسفة الخلق قائمة على مسألة الصراع، وهذا سر إخراج آدم وحواء من الجنّة ليخوضا الصراع، ويكون لهما ساعتئذٍ استحقاق، استحقاق يناسبهما يوم القيامة إن كانا قد فعلا خيراً أو شراً في المسألة، لذلك هذه الفكرة، كلّ الفلاسفة الذين خاضوا في مسألة التطوّر والتقدّم قالوا لولا الصراع لما كان هناك تقدّم.

 

يحيى أبو زكريا: نظرية التدافع القرآنية أيضاً.

 

حسن جابر: التدافع، هي التدافع، وحتى إذا لاحظت هيغل، كانت وحتى نيتشيه، كلهم يتحدّثون عن مسألة الصراع، أنّ الصراع إذا توقف تنتفي إمكانية حصول تطوّر، لذلك لا بدّ من أن يبقى الصراع، حتى الذين دعوا إلى دولة عالمية وقالوا ليحل السلام لا بدّ من أن تندمج كل البشرية بدولة واحدة، سئلوا وساعتئذ ينتفي الصراع، يقولون لا، لا بدّ من الصراع وإلا لتوقّف التطوّر.

فإذاً الفلسفة الأساسية القائمة، والله أعلم، المقصد الأساسي للخلق هو الصراع "ليبلوكم أيكم أحسن عملاً"، هو الابتلاء والابتلاء هو الصراع، هذه فكرة هي الأساسية التي للأسف الشديد نحن المسلمون لم نلتقط فكرة الصراع، ولذلك ذهبنا إلى التسليم، وهناك فرق هائل بين فكرة الصراع وبين التسليم.

 

يحيى أبو زكريا: يقيناً.

 

حسن جابر: يقيناً، وهي يقينيات موهومة، وليست صحيحة، ولذلك التفكير، كلّ من يخرج عن التفكير، عن سمة التفكير التقليدي يتعرّض لأفواه وأقلام الآخر.

 

يحيى أبو زكريا: والرشق بالرصاص أحياناً.

دكتور جلول، دعنا قليلاً نذهب إلى الفكر الإرهابي الذي ساد في عالمنا العربي والإسلامي، الجزائر بليت بهذا البلاء والحمد لله تعافت وخرجت من هذا القطوع، اليوم العالم العربي يعيش مرحلة انفجار، مرحلة كرنفال الموت، ومعظم الجماعات المسلّحة، الجماعات الإرهابية تنطلق من مسالة جبر الآخرين على الدين.

لماذا بنظرك بنت هذه الجماعات الإرهابية مبناها الفكري على هذا الأساس، أننا نُلزِم المسلمين بالإسلام، قبل الآخرين للأسف الشديد؟ هل مردّ ذلك إلى سوء فهم وتقدير لمبدأ الحريات الدينية في الإسلام؟

 

جلول حجيمي: لا شكّ سيّدي الكريم والإخوة المشاهدون والمشاهدات جميعاً على أنّ الأمّة الإسلامية والوطن العربي بالخصوص مرّ بحقبة زمنية، ظهر ما اصطلح عليه بالصحوة الإسلامية وما إلى ذلك، وبدأ والجزائر أكثر الناس تعطّشاً إلى معرفة الدين وإلى رجوعهم إلى أصولهم وإلى مجتمعاتهم الصحيحة السليمة التي مرت عليها كذا من حركات يسارية وكذا من توجّهات أثّرت سلباً على مستواهم الروحي والاجتماعي والديني وما إلى ذلك، ولهذا كانت هناك قابلية فوق ما يتصوّره العقل في رجوع الناس رجالاً وكباراً، شيوخاً وأطفالاً لهذا الدين ولرحابة الصدر، ولهذا كل من جاءهم باسم الإسلام أو جاءهم باسم الدعوة إلى الله عزّ وجلّ ساروا معه على هذا الدرب حتى ظهرت هذه التوجّهات وهذه الظروف وهذه المِلل وهذه النِحَل وغيرها.

 

يحيى أبو زكريا: نعم، اتّضحت الفكرة دكتور جلول. أحيل نفس السؤال إلى الدكتور حسن.

دكتور حسن، الجماعات الإرهابية اليوم عندما تتحرّك في حمل الآخرين على الإسلام تنطلق من مبدأ أنّ الإسلام دين إكراه يلزم الآخرين، أمِروا أن يقاتلوا الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله.

ما هو تقييمك لأدائها في هذا السياق؟ ولماذا خرجت ونأت بنفسها عن المبدأ الذي كنا نشير إليه وهو الحريات الدينية؟

 

حسن جابر: هذه الظاهرة تحتاج إلى مراجعة، مراجعة ليس لخطابها الراهن، وإنما للخطاب التأسيسي الذي صدر في بدايات الحركة الإسلامية المعاصرة مع الإخوان وحزب التحرير، وإلى آخره، لأنّ، بنظري أنّ هذه الحركات الإسلامية نشأت كردّة فعل على سقوط الخلافة العثمانيّة، وبالتالي كانت محكومة بمسألة الخلافة والسلطة من أول الأمر، ولعبة السلطة والخلافة وإلى آخره تصبح لعبة سياسية، وفيها، بالسياسة فيها مكاسب وفيها هزائم وبالتالي فيها إلغاء، على الأقلّ بالفهم الإسلامي التقليدي للممارسة السياسية فيها إلغاء، ولهذا جنحوا إلى الإلغاء، والهدف ليس مسألة الدعوة إلى الدين بالمعنى الروحي، وإنما الدعوة إلى الدين بالمعنى السياسي الذي يستبطن معنى الإلغاء. هذه الفكرة، هي تحتاج إلى مراجعة نفس الظروف التي نشأت فيها أو نشأ فيها حزب الإخوان، ونعرف بين 23 و24 سقوط الخلافة العثمانية و28 تأسيس، كانت مسألة الخلافة لا تزال هي.

 

يحيى أبو زكريا: ماثلة في الخطاب الإسلامي، نعم.

 

حسن جابر: ماثلة وحارّة وحصلت هناك صدمة عند المسلمين وكأن الخلافة كانت هي كانت تقدّم نموذجاً مرموقاً ورائعاً للدولة في مطلع القرن العشرين، نحن نعرف أنّ المجتمع الإسلامي كان مجتمعاً متخلّفاً، والذي أوصل هذا المجتمع الإسلامي إلى التخلّف هي نفس هذه الخلافة المتوارثة، فإذاً لماذا كان التأسّف أنا لا أفهم، هو نوع من الحنين إلى الماضي، نوع من العودة إلى الأمجاد، وحتى الحنين والأمجاد تحتاج إلى مراجعة كلها.

 

يحيى أبو زكريا: أمجاد وهمية.

 

حسن جابر: وهمية طبعاً، فلذلك يجب أن نبحث في الخطاب التأسيسي الأول، ظروفه، دوافعه، مقاصده، إلى ماذا كان يرمي هذا الخطاب، ولذلك نجدهم، صحيح أنهم عملوا على مسألة التكوين داخل خلايا حزبية إلى آخره لفترة طويلة من الزمن، لكنّهم كانوا مسكونين بفكرة السلطة.

 

يحيى أبو زكريا: هنا دعنا نؤسّس قليلاً للحريات الدينية اليوم في العالم العربي والإسلامي، وحتى لا نكون منبطحين، فلنقتبس من التاريخ الإسلامي وتاريخ التأسيس للشريعة الإسلامية.

في المرحلة المكية، الرسول لم يؤذِ أحداً، لم يجبر أحداً بعنفٍ على الإسلام، كان يعرض التوحيد، كان يعرض مقاصد الشريعة الإسلامية، من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.

في السيرة الملزمة لنا، المرحلة المكية والمرحلة المدنية، لم يكُ هنالك إكراه على التديّن وإجبار على دين.

 

حسن جابر: أنا في بداية الحوار تحدّثت أنه في المرحلة المدينية، كان الرسول يسعى إلى بناء منظومة ردعية أو أمنية، سياسيّة، لحماية هذه الجماعة التي كانت ملاحَقة من مكّة إلى المدينة.

ولذلك، إذا وجدنا أنّ هذه القبائل قد أرسِل لها رسائل وقيل لها أسلمي فأسلمت، كان هذا الإسلام هو نوع من البيعة السياسية، وحتى الرسول لم يشترط، لم يشترط الإيمان على هؤلاء الناس، أصلاً يستحيل الاشتراط، شرط الإيمان يستحيل وضعه شرطاً في البيعة، فقبل منهم هذا الحد الأدنى من الإسلام، هو أن ينطقوا بالشهادتين ويدفعوا الزكاة.

هذه المسألة هي كانت مسألة ظرفيّة، أقول ظرفيّة لحماية هذه الجماعة، لأنّها كانت طريّة العود، ولذلك في المراحل القادمة، التالية بعد الرسول، يجب أن نعود إلى المرحلة الأولى، المرحلة المكية الحاكمة، مرحلة لا إكراه في الدين، وكأنه المرحلة المدينية هي مرحلة الضرورة وللضرورة أحكامها، ولذلك كان فيها خروج عن الأحكام الكلية المكية، لكن عندما نخرج من المدينة لا بدّ من أن تعود مسألة الحرية الدينية التأسيسية الموجودة في المرحلة المكية التي قد تكون الخطاب العامل والفعّال في ما بعد. هذا لم يفهمه المسلمون، ولذلك أبّدوا مسألة الإكراه، وهو لم يكن إكراهاً بالمعنى أنه قال للناس، خيّرهم بين دفع الجزية أو أن ينطقوا بالشهادتين، بمعنى أن يعلنوا التأييد للدولة، المبايعة للرسول. هذا كلّ ما كان يفعله الرسول داخل المدينة، وكان له هدف من ذلك هو خلق مناخ، مناخ آمن من أجل هذه الجماعة المسلمة الموجودة.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور، يبدو أنّ الذين شرّعوا لفكر الإكراه وثقافة الإجبار لم ينطلقوا من حياة رسول الله، إنما انطلقوا من تاريخ المسلمين، جعلوا الدولة الأموية مرتكزاً، الدولة العباسية مرجعاً، ثمّ ما تلاها من دول وصولاً إلى الدولة الصفوية والدولة العثمانية أيضاً.

الخطاب الإسلامي اليوم كثيراً ما يستحضر قصصاً لإنهاك الدين المتواصل. ماذا عن مصاديق حريات التديّن في المجتمعات الاموية، العباسية، الصفوية، العثمانية؟

 

حسن جابر: حتى مصطلح حرية هو مصطلح جديد، على فكرة، لم يتم تداول هذا المصطلح إلا في القرن التاسع عشر في عالمنا. الأوروبيون استخدموا هذا المصطلح، حتى طاهر بن عاشور عندما أضافه وجعله مقصداً سادساً من مقاصد الشريعة، هو يقصد فيه الحرية مقابل الرّق، لم يقصد به هذا المعنى الواسع الذي تحدّث عنه الغرب، مسألة الحريات السياسية وحرية الاعتقاد، حرية التظاهر، إلى آخره، حرية الاجتماع، هذه لم تكن موجودة في أدبيات التاريخ الإسلامي، والسلطة كان كلّما تريده من الدولة الاموية وحتى 1924 سقوط الخلافة العثمانية، كلّ ما تريده هو أن لا تنافَس على السلطة، أما المجتمع فكان هو يفكّر بحرية شرط أن لا يصل هذا التفكير إلى مستوى تهديد السلطة.

 

يحيى أبو زكريا: إلى السلطان.

 

حسن جابر: طبعاً، وهي لعبة سلطة بالنهاية، ولذلك الفقهاء كانوا أحراراً في عملية إنتاج الاستنباط وإنتاج الفتوى شرط أن يكون هذا الفقيه في جعبة السلطان، ولا يهدّده ولا يخاطر، لذلك هذا التاريخ، لا نستطيع أن نقول أنه كانت هناك رقابة شديدة على، لكن كانت بلعبة السلطة كان السلطان مرتاحاً في هذا المضمار.

 

يحيى أبو زكريا: دعني أعود إلى الجزائر من فضلك.

دكتور جلول، سمعت ما قاله الدكتور حسن جابر من أنّ الحريات الدينية هي المبدأ، لكن ممارسات المسلمين شوّهت هذا المعنى.

ما الذي تضيفه إلى هذا السياق من فضلك؟

 

جلول حجيمي: سيّدي الكريم، الدكتور له وجهة نظر طيّبة، وتظهر من خلال ما يستدلّ به من الثراء التاريخي، التاريخ ليس قرآناً أو سُنّة، وليس شيئاً لا يحدَّث به على الإطلاق أو يرمى على الإطلاق، فإنّ أعمال المسلمين عبر العصور كبقية المجتمعات وقعت في أخطاء وفي هفوات وفي انتصارات وفي هزائم، وهذا يمكن أن نضعه في الميزان بعين أهل أصحاب الموازين، لكن النبي عليه الصلاة والسلام في المرحلة الأولى المكية ونحن في نهاية العهد المكي في فتح مكة قال ما تظنوا إني فاعل بكم، قالوا أخ كريم وابن أخ كريم، قال إذهبوا فأنتم الطلقاء، فقد صرّح النبي على الجميع، كل من أخطأ بحقه وتعدّى عليه ومارس عليه الإكراه سواء لفظياً أو نفسياً أو أمنياً أو عسكرياً ومن هنالك صار يُسمّى عام الفتح أو فتح مكة، ومدينة النبي عليه الصلاة والسلام وما عاصرها، الأنصار والمهاجرين ومن بين القبائل الأخرى، عاشت في وضع غير وضع مكة، لأنها أصبحت ترى التشريع والمعاملة والتعامل وأهل المدينة ليسوا أهل مكة والتشريع يختلف بخطابات القرآن الكريم لأهل مكة ولأهل المدينة، ومن ذلك ما أتى بعد هذه العصور الذهبية من عصر النبي عليه الصلاة والسلام، كالعصور الأولى، العصر العباسي أو العصر الأموي أو غيره حتى عصر الأندلس إلى الخلافة التركية أو العثمانية، كل هذا يقع في أنه في الأشياء الإيجابية التي نستطيع أن نتعاون بها اليوم نحن كمسلمين، ما لا يُلزِمنا بالاضطهاد ولا بالعنف ولا بالإكراه من خلال ما نستثمر من هذا التاريخ الحافل بالانتصارات ونترك هذه الأخطاء وهذه الترّهات وهذه التي جعلت حروباً ودماءً وأموراً لا يمكن أن نتحدّث عنها دائماً بإسهاب، لأن هذا الضرر يزيدنا اندفاعاً ويزدينا ضرراً. ما يوحّد المسلمين وما يوحّد مذاهبهم اليوم وأفكارهم في لا إله إلا الله محمّد رسول الله كفيلٌ أن يُبلسم وأن يضمّد كل الجراحات الموجودة الآن في الأمّة. إنّ تاريخنا وعلماءنا وفقهاءنا وفطاحلتنا سواء في مدرسة المشرق الإسلامي أو المغرب الإسلامي أو بلاد الحجاز أو بلاد آسيا، هذا التنوّع وهذا الثراء هوالكفيل بأن يجعله يداوي هذه الجروح، دواء نستطيع أن نتعايش من خلاله في إطار العقل، في إطار النظرة السليمة، بعيداً عن التفجير، بعيداً عن التكفير، بعيداً عن شتم الآخر، بعيداً عن عدم الاحترام للآخر.

ولهذا الأستاذ الدكتور عندما تحدّث عن هذه القضايا لا شكّ أنّ الفقيه مهما كان في أي عصر من العصور، ملابسات ذلك العصر ووضع السلطان وخلافه مع السلطنة الأخرى أو مع الجماعات الأخرى أو مع المذهب الآخر، لا شكّ أنّ الفقيه يعيش وينظر إلى مصلحة الشارع ومصلحة المقاصد ومصلحة المجتمع، فإذا أردنا ان نحاسب هذا أو ذاك نكن قد بعدنا هذه المسافة التي ينبغي لنا أن نجعل عاملاً مهماً وأن نثمّن جهود هؤلاء جميعاً في حُسن نيّةٍ وحُسن ضبط وأن نترك هذه التفاسير لأنها لا تخدم إلا أعداءنا وأعداء الإسلام، وهذا الذي يعملون عليه من إثارة هذه البلابل وهذه القلاقل في تخريب بيوت مجتمعات المسلمين والضرر بممتلكاتهم وببنيتهم التحتية والفقهية.

لا شكّ أنّ مصطلح الحرية مصطلح حديث، لكن كان ما يناسبه في ذلك العصر لأنه كان زمن الرّق وزمن آخر، لكن تغيّر الزمن، فأصبحت الحرية لها مفهوم آخر مرتبط بحرية الاعتقاد، بحرية المعتقد، بحرية الفكر، لكن عندنا في مجتمعاتنا الإسلامية وحتى في المجتمعات المسيحية وغيرها، هناك أمر يسمّى المقدّس، فلا بدّ أن نحترم هذا المقدّس كما يطلقون اليوم عليه السامية أو غيرها، لكن هذا المقدّس لا بدّ من أن نحترمه والإسلام أمرنا أن نحترم الآخرين سواء ديانات، ولكن بتعاون يكون لائقاً بالإثنين أو بهؤلاء الطرفين، حتى نسير مسرى إنسانياً حضارياً راقياً، نحافظ على وحدتنا، على تعاملنا، على أخلاقنا، كيف نتحدّث عن شيء نحن نشتم بعضنا البعض والنبي عليه الصلة والسلام يقول "المسلم من سلم الناس من لسانه ويده أو المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده"، فلو أردنا ان نجعل النصوص حقيقة النبي عليه الصلاة والسلام عن كل ظلم لأي مخلوق، فما بالك بأنفسنا، "وكونوا عباد الله إخواناً"، المسلم أخ المسلم لا يظلمه ولا يحقّره ولا يخذله ولا يثلمه، حرام على المسلم كما قال النبي الصلاة والسلام "دمه وماله وعرضه" فالذي يقتل اليوم هو المسلم والذي يقتل هو مسلم وأصبحنا في هذه المسرحية الطويلة العريضة أصبحنا يضحك علينا الكبير والصغير، الغني والفقير على أن ما أصاب المسلمين من تهوّر ومن تدهور بسبب هذه الألفاظ التي لا تنفع إنما تضرّ ضرراً بليغاً، وها نحن الآن الأقصى مسلوب وديار المسلمين كما ترى وكما نشاهد وما هي إلا أحقاد إضافية تزيدها في برنامج يزيد هذه الشحنة وهذا البغضاء لأبناء المسلمين والآخرون يتفرّجون علينا بل يقتلوننا ويذبحوننا بأفكارهم وبغبائنا الذي نحن صرنا له مطحنة ومفرسة كما تشاهد.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور جلول، إذًا كيف السبيل للخروج من دائرة الإكراه على مستوى الجماعات وعلى مستوى الدول؟ هنا لا أتحدّث عن الدول العلمانية. إذا أردنا أن نتحدّث بطريقة أكاديمية، الإسلام وصل إلى السلطة في أكثر من دولة، في البدايات في السودان في عهد حسن التُرابي رحمة الله عليه، أفغانستان في عهد الطالبان، السعودية دولة مسلمة وإيران دولة مسلمة، لكن رأينا إعدامات في السعودية، في إيران، في أفغانستان وأيضاً في السودان بسبب ما يُسمّى الارتداد أو بسبب الإتيان بشيء مخالف للدين كما أقرّ الفقهاء الذين أجازوا إعدام المعارضين.

فكيف تنظر إلى هذه التجارب الواقعية؟

 

جلول حجيمي: رحم الله من قال كالإمام الشافعي وغيره رأيي صواب ويحتمل الخطأ ورأيك خطأ ويحتمل الصواب، وكل، كما قال الإمام مالك، كلٌ يؤخذ ويرد منه إلا صاحب هذا القبر وأشار إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ومشكلتنا في التعامل السياسي كدول، كهيئات أننا نتعامل مع الآخر كأنه عدو دائماً. لا بدّ من أن نقلّل وأن نمحي هذه الأفكار السيّئة حتى وإن ظهر المخالف، لا بدّ من أن نجعل بساط الأخوّة، بساط المحبة، بساط الدين، بساط رسول الله عليه الصلاة والسلام، بساط حب آل بيته الحب الصحيح السليم الذي أمرنا به رسول الله عليه الصلاة والسلام. هذه المقاييس كلها تجعل منا أن نكون أمّة واحدة ولهذا الخلاف موجود والاختلاف في القضايا الفكرية والقضايا الأخرى متواجد في كتبنا وفي مؤلّفاتنا وفي علمائنا وفي فقهائنا، لكن البغضاء والكراهية والظلم والتعدّي فهذه أشياء منبوذة، لا بدّ من أن نفرّق بين ما هو ضارّ لهذا الدين وضارّ لهؤلاء المسلمين وما هي المساحة التي يمكن أن نتحاور معها في مسألة فقهية أو مسألة عقائدية أو مسألة فكرية أو مسألة في الولاء والبراء أو مسألة في ولاية الفقيه أو في أية مسألة من المسائل.

هذه المسائل لنا مساحة شاسعة متّسعة تسعها صدورنا الطيبة وإحساننا إلى بعضنا البعض واستعمالنا وأن نكون على مستوى هذه المسؤولية في الخطاب السياسي والاجتماعي والديني والروحي من دون تكفيرٍ ومن دون تفجيرٍ ومن دون تعنيف، بأن نجعل أن رأينا صح وقد يكون خطأ وإذا جعلنا هذا الأسلوب فإننا نؤسّس إلى أمّة قد يكون لها شأن عظيم، ونحن العلماء والسادة الفقهاء ورجال الإعلام والمثقفون وكل الخيّرين من أبناء هذه الأمّة بإمكانهم مع السلاطين والحكّام والملوك أن يجعلوا أرضية نتعامل من خلالها مع هؤلاء جميعاً، ننظر إلى مآسي الأمّة وإلى الخراب الذي أصاب الأمّة وإلى الويلات التي أصابت الأمّة وإلى هذه النتائج السلبية، عندما نرى أختاً لنا أو أماً من أبناء جلدتنا في أوروبا تستقبلها الكنيسة ويستقبلها الفاتيكان وإخواننا يغلقون الأبواب عليها، معنى أننا أصبحنا في مستوى من الانحطاط ما عرفته الأمّة من قبل.

ولهذا لا بدّ من أن نؤسّس إلى فكرٍ جديد، هذا الفكر يتعامل مع كل الناس بشرط أن نُحسن الظن والنية، وأن نبتعد عن أفكارنا المذهبية من دون أن لا نتعصّب إلى الدين.

كيف نتعصّب إلى نِحلة أو إلى طائفة أو إلى مذهب وهو إنتاج مدرسة إسلامية قائدها ومعلمها رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولا ننتهض إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام الذي هو صاحب هذا الدين، والذي جاء من أجله عليه الصلاة والسلام، فلا بدّ من أن نجعل الأمور على مستوى غير هذا المستوى الذي نعيشه في إطار الجماعات والأفكار التي تعيش حقلاً منطوياً أو طائرة ملتوية لا نخرج عن إطارها. لا بدّ من أن نفسح المجال إلى العقل الذي ذكرته في المقدّمة، هذا العقل الذي بجّله الله تبارك وتعالى والذي أكرمنا به المولى تبارك وتعالى، نحتاج إلى تبجيل هذا العقل، مع احترامنا لنصوص الشريعة ومقاصدها ومعرفة القياس والإجماع، واحترام كلّ مدرسةٍ وكلّ طائفةٍ على ما هي عليه بشرط أن لا نثير هذه النعرات وأن لا نثير هذه البلابل التي خرّبت أمماً بأكملها كما هو حادث الآن في بلاد الرافدين وفي بلاد الشام، وكما حدث عندنا في الجزائر لولا فضل الله تعالى وحكمة  السلطان، وهؤلاء العلماء والفقهاء والأئمة الذين التفّوا حول مشروع المصالحة الوطنية، فالتفّ الجميع إلى الهدوء وإلى الدعوة بالتعقّل، فنزل المسلّح ونزل الذي كان يعارض معارضةً شرسةً بالقتال، فأصبحنا ولله أخوة متضامنين متعاونين، وهذا الذي يريده ربّ العالمين من خلال الإصلاح، وتعلمون فضل الشريعة، لأنّ إصلاح ذات البين من أعظم القضايا في شريعة رسول الله عليه الصلاة والسلام.

 

يحيى أبو زكريا: أحسنت، ونحن نبارك المصالحة الوطنية الشاملة في الجزائر، وندعو الله تعالى أن تتكرّس المصالحات الشاملة في عموم خط طنجة جاكرتا لتنتهي حفلات الدم المُراق مجاناً في شوارعنا العربية والإسلامية، ولينطلق العرب والمسلمون باتجاه البناء الحضاري.

دكتور حسن، ما هي أهمية النقد في حياة المسلمين؟

 

حسن جابر: النقد هو سُنّة طبيعية في الحياة. الإنسان يفترض أن ينقد نفسه، وعدم نقد نفسه.

 

يحيى أبو زكريا: لا يتطوّر.

 

حسن جابر: معناه يعني أنه لم يتطوّر، معنى ذلك أنّ تفكيره بقي كما هو. لذلك النقد هو يعكس حيوية المجتمع، حيوية تفكير هذا المجتمع، إنتاجه، إبداعه، أما عدمه فمعناه أن هذا المجتمع هو مجتمع ساكن، راكد، لا يتطوّر. المشكلة في مجتمعاتنا العربية أنّ الثقافة التي تعطى للأجيال في المدارس أو في الأحزاب، تُعطى على أنّها ثقافة نهائية ومطلقة، وبالتالي لا يجرؤ أحد على النقد. فعندما نتعلّم على أنّ كلّ ما نأخذه أو نعطيه من أفكار هي أفكار نسبية، وأنّها هي قابلة للخطأ أو ممكنة الخطأ ساعتئذٍ يصبح النقد سبيله ميّسراً ومفتوحاً.

لكن كيف؟ مع أننا كما تقدّم، تفضّل الشيخ، مسألة الأفكار والتجربة التاريخية، أفكارنا التي أنتجناها عبر التاريخ أو التجربة التاريخية بكاملها، يجب أن تخضع للدراسة، لا أن تكون خارج الدراسة خوفاً من الفتنة وخوفاً من، لماذا الفتنة إذا كانت في إطار البحث العلمي؟ والبحث العلمي المتطوّر هو يمكن أن يُضيء على النقاط المهمة في تاريخنا وعلى النقاط السلبية ونتجاوزها.

على فكرة، فكرة الحداثة التي يتباهى بها الغرب هي بداية الحداثة عندما بدأوا بالنقد، أصلاً الحداثة تعني النقد.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح، وما زال التاريخ يتذكّر مُساجلات الفارابي وأبي حامد الغزالي وآراء ابن سينا مع آراء بن يقظان، ولولا ذلك الحراك الفكري لما تقدّمت الفلسفة والفكر الإسلامي إلى الأمام.

دكتور حسن، من باب التعليق على ما ذكرته، اليوم إذا أردنا أن نكوّن رجل دين، فقيهاً، متشرّعاً، نعود إلى كتاب وضِع في القرن الأول والثاني ثم نقول هذا الفقه للقرن الواحد والعشرين، نعم للنقد، نعم للحداثة، نعم للتنوير.

دكتور حسن جابر شكراً جزيلاً لك. الدكتور الفاضل جلول حجيمي رئيس نقابة الأئمة وسليل مولاي إدريس من الجزائر الحبيبة شكراً جزيلاً لك.

مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها. إلى أن ألقاكم هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبداً ودائعه.