الكاتب الروائي كمال الرياحي

روايته "عشيقات النذل" رشحت لنيل جائزة بوكر، ورشحت ايضا للإنتقاد وتم منعها في العديد من معارض الكتاب حول الدول العربية وحتى منعت من التداول والقراءة في الاوساط التونسية المحافظة. من هو الكاتب والإعلامي كمال الرياحي ولماذا يصير على إثارة الضجيج حول اعماله وأن يشاغب في الفكرة والكلمة؟

زاهي وهبي: مساء الخير. مُثقّفٌ واسعُ المعرِفةِ والاطّلاع، كاتبٌ متمكِّنٌ من أدواته، مُنشِّطٌ للحياة الإبداعيّة والثقافيّة في بلده "تونس" التي أطلّ منها روائياً متميّزاً سرعان ما احتلّ مكانةً مرموقةً في دنيا الرواية العربيّة المُزدهرة هذه الأيام. نجول بصحبته الليلة على عالمه الروائيّ المُنحاز للشرائِح المسحوقة من الناس والمظلومين والمُهمّشين ونستطلع طقوس الكتابة لديه وعلاقة نصّه بمكانه وببيئته محاولين  التعرّف على مصادر الوحي والإلهام، أو مناجِم الحبرِ والكتابة لديه. " بيت القصيد" يرتدي حلّةً تونسيّة باستضافته الكاتب الروائي الأُستاذ " كمال الرياحي"، أهلاً وسهلاً بحضرتك

كمال الرياحي: أهلاً وسهلاً ومساء الخير

زاهي وهبي: مساء النور. أُستاذي، "عامِل فلاّحي"، "صائد سحليات" و "خنازير"، "مهرِّب ملابس وأحذية"، "عامل كهرباء"، "بائِع كُتب"، "مصوِّر"، "صحافي"، "منتِج"، "مُقدِّم برامج تلفزيونيّة"، كيف وظّفت كلّ هذا في عالَم الكتابة؟  وهلّ هذا كلّه واقعي وحقيقي؟

كمال الرياحي: صحيح، هذه هي سيرتي الحقيقيّة وكلّ هذه المِهَن بمستوياتها المُتعدّدة والمُتضاربة أحياناً مررتُ بها منذ الشباب، وفي الحقيقة هي كانت مخزوني الأساسي في الكتابة لأنّني أعتبرُ نفسي محظوظاً في أنني مررتُ بها جميعاً لأصل إلى تجربتي الآن التي تتناغم كثيراً مع نوعيّة الكتابة التي ذهبتُ إليها، خاصّةً منها الروائيّة تحديداً

زاهي وهبي: نعم

كمال الرياحي: بعد أن توقّفتُ عن الشِعر بقرار شخصي، لأنني لا أعتبر نفسي أُضيفُ شيئاً للشِعر، ذهبت واخترت أن أبقى في السرد وفي الحكاية لأنني وجدتُ من حياتي هذه ما يدفعني لأن أُحاوِل أن أتميّز في الكتابة السرديّة. ربّما الرواية مثلاً بطبيعتها متعددة الأصوات، فوجدتُ أنني أقرَب إليها من الشِعر، خاصّةً بهذا المخزون وهذه السيرة المُتعددة التي ذكرتها والتي مررت بها من الشباب إلى الآن تقريباً

زاهي وهبي: لكن يبدو كلّه في زمنٍ وجيز وفي عمرٍ قصير، ما زلت شاباً. طبعاً سنتوقّف عند كلّ هذه العناوين وهذه المسائِل ولكن دعنا أولاً نُشاهِد هذا الربورتاج بعنوان "علامة فارِقة"

علامة فارِقة:

Ÿ أنا "كمال الرياحي" ولستُ أحداً غيره، والذي يحبّ أن يعرِفني فعلاً عليه أن يعرِف "كمال الرياحي"

Ÿ شخصيات رواياتي تُشبهني كثيراً خاصّةً منهم الشخصيّات الخطيرة أكثر، الإجراميّة أكثر، المتوحّشة أكثر، برؤية أنني أتعاطف مع المُهمّشين

Ÿ أعتقد أنّ الكتابة الروائيّة هي جريمة مقارنةً مع القصّة القصيرة التي تُعرّف على أساس أنّها جُنحة، لذلك، الجريمة لا بدّ أن تكون محبوكة جيداً حتّى تُصبح جريمة

Ÿ الكاتب والمُبدع بشكلٍ عام أعتقد أنّ من واجبه أن يُزعج لأنّه، لماذا أصلاً نكتُب إذا لم تتصدَّ لنا الرقابة؟

Ÿ الناقد الوحيد الذي أرضى بحكمه على أعمالي هو القارئ، القارئ العادي، القارئ العادي الذي لم يتعرّف على المدارس النقديّة المُتداولة

Ÿ إن لم تجدوا كتُبي طبعاً في المكتبات وفي معارض الكُتب عليكم أن تبحثوا عنها في دواخلكم، في لا وعيكم

Ÿ أُحبّ الكاميرا لأنّ فيها شبهٌ بينها وبين السلاح، وهذا يتقاطع مع كتاباتي للحقيقة في كتابة الجريمة. أحبّ الكاميرا أيضاً لأنني أحبّ التصوير الشمسي والتصوير الفوتوغرافي ولي علاقة كبيرة مع هذا الفنّ

Ÿ لا أعتقد أنّ الكاميرا تُحبّني لأسباب كثيرة، أساساً لا أُريدها أن تُحبّني لأنّه إذا أحبّتني الكاميرا انتهى كلّ شيء. لا أريدها أن تُحبّني أصلاً لذلك أتمنّى أن لا تحبّني

Ÿ الحبّ نصفه كراهية، لذلك عندما نُحبّ نتمنّى أن نلتهم هذا الآخر المعشوق، وكلّ تاريخ العشق هو تاريخ رغبة في أن نُمحي الآخر فينا

Ÿ أنا أريد أن أُحافظ على هويّتي كطفل، أكبر طفل نذل في العالم، لذلك نتحدّث عن الطفل المُبتَزّ دائماً، لذلك الطفولة والنذالة وجهان لعُملةٍ واحدة

Ÿ الأبوّة تفرِض تنازلات، لأجل هذا حوّلتُ وجهة الأُبوّة نحو علاقة أُخرى، علاقة الصداقة

Ÿ أشعُر بالخوف في حالتين فقط في الحقيقة، عندما ألتقي بامرأة جميلة فوق العادة أو عندما يُباغتني ضفدع لأنّ هذا الكائِن غامِض غموض ذلك الجمال، الجمال الأُنثوي أيضاً

Ÿ إذا فكّرتُ أنّكم ستتوقّعون شيئاً من كتابي الجديد فهذا سيدعوني إلى إعادة التفكير في ما فكّرتُ فيه، لذلك الكتابة مُباغتة وهذه طريقتي، أن أُباغِت، أن أكتُبَ شيئاً لا يُمكن أن تتوقّعه وإلاّ سقطت الكتابة في الروتينيّة وفي البرود وفي التوقُّع

زاهي وهبي: وكأنّ غير المتوقّع هو الهدف أو هو المنشود لديك

كمال الرياحي: أعتقد أنّ الكتابة إذا كانت مُتوقّعة

زاهي وهبي: تُصبِح عاديّة

كمال الرياحي: تُصبح عاديّة، ما الهدف من الرواية والحكاية أيضاً؟ لأن هناك نتحدّث عن الغواية أيضاً، الغواية في غياب المُباغتة تُصبِح تشويقاً، وهذا رأيي في الحقيقة، رأيي النقدي في الكتابة السرديّة العربيّة التي سقطت في وقتٍ من الأوقات في الفونولوجية وفي الإيديولوجيا وابتعدت عن وظيفتها في الإمتاع، ولا يُمكن أن نُمتِع إلاّ ونحن نُباغِت الآخرين بحكاية

زاهي وهبي: صحيح، الدهشة دائماً مُمتِعة. قلتُ أنّك لا تُحبّ الكاميرا وأنّك إذا أحببتها ينتهي الموضوع، بأيّ معنى؟ وحضرتك تُقدِّم برنامجاً على التلفزة التونسيّة بعنوان "بيت الخيال"

كمال الرياحي: "بيت الخيال" نعم. في الحقيقة، عندما ننظُر إلى المسألة بعُمق، إذا تبادلنا الحب أنتهى الأمر بمعنى انتهت الحبكة وانتهى التشويق أيضاً. لا بدّ أن يبقى هناك طرفٌ منّا يعشق الآخر لكي نستمرّ في المُطاردة وفي حبكة هذه الحكاية بيني وبين الكاميرا، وأنا أُريد أن أكون وراءها عادةً لأنني اشتغلتُ كثيراً كمُصوِّر فوتوغرافي لكنّي كنتُ أقتنِص الصور ولا أريد أن أكون موضوعاً للصورة، ولكن العمل الثقافي هو الذي يدفعُني إلى ذلك، وفي نفس الوقت كنتُ أستعمِل هذه الكاميرا أيضاً لكتابة يوميّاتي. ربّما أنا

زاهي وهبي: أي تكتُب بالكاميرا

كمال الرياحي: أكتُب بالكاميرا وأكتُب مثل اليوميات انطلاقاً من التقاط صُوَر لوجهي يومياً لكي أُتابِع سير هذا الوجه وسيرة هذا الوجه لأنّ الوجه أيضاً والجسد له سيرة تتحرّك وفق الأيام ووفق الظروف الاجتماعيّة والنفسيّة التي يمُرّ بها الجسد، لذلك ألعب هذه اللعبة مع نفسي

زاهي وهبي: نعم. إذا سمح الوقت سنعود إلى عملك التلفزيوني في خلال الحوار ولكن في ما يتعلّق بالعمل الروائي، المِهَن التي ذكرناها قبل قليل، وحضرتك ذكرت بأنّك مُتعاطِف مع المُهمّشين والمسحوقين. من أين يأتي هذا التعاطف؟ هلّ مردّه تلك المِهن؟ ذاك العالم الذي عشت فيه؟ أم شيء آخر أيضاً؟

كمال الرياحي: فكرة أنني متعاطف مع المُهمّشين هي أصلاً لا بدّ أن تُعدّل لأنّني أنا مُتعاطِف مع جزء من سيرتي عادةً، مع أجزاء من سيرتي، لأنني من هؤلاء المُهمّشين. أتيتُ من الريف واشتغلت بالفلاحة، أنا بطبيعتي وفي جزء منّي فلاّح

زاهي وهبي: فلاّح

كمال الرياحي:  وتعاطيتُ التهريب، تهريب الملابس

زاهي وهبي: بين "المغرِب" و"تونس"

كمال الرياحي:  نعم، بين "وجدة" المغربيّة وكنتُ أمرّ، وكنت حينها شابّاً في السابعة عشر وكنتُ أُغامِر في الصيف بالقطار المغاربي باتجاه "الجزائِر" ثمّ أتنقّل إلى "طنجة"، وكانت تلك الفترة صعبة جداً، فترة التسعينات. كانت الفترة السوداء أو العشريّة السوداء في "الجزائِر"، وكنّا نُغامر بالذهاب إلى هناك، إلى "وجدة" لشراء بعض الملابس لكي نعود بها إلى "تونس" ونبيعها إلى أصدقائنا وزملائنا لكي نواصِل دراستنا في الحقيقة. إذاً، بالنسبة لي، في الحديث مثلاً عن الفقر، أعتبره غنيمة لأّنه يضعنا في موضع الخطر، أن تكتشف نفسك وماذا يُمكن أن تُقدِّم، وفترة التهريب كانت فترة متميّزة أغنتني بالكثير من الحكايات

زاهي وهبي: "كاتب ياسين" ذات يوم اعتبر اللغة الفرنسيّة غنيمة في "الجزائر"، غنيمة حرب وأنت تعتبر الفقر غنيمة. في روايتك المعنونة بـ "الغوريلا" تُقدِم مجتمعاً أنهكه الاستبداد، هلّ تعمّدت هذا الاقتراب من هذا المحظور إذا جاز التعبير؟

كمال الرياحي: صحيح، في بداية ظهور روايتي " النشرة الأولى" كانت هناك مُحاولة لمُصادرتها في "تونس" لكنّها لم تنجح بحُكم أنني تحرّكت في التصدّي لهذه

زاهي وهبي: المحاولة

كمال الرياحي: المُحاولة لأنّ هناك من لم يتصدَّ. بمعنى، هناك من صودرت أعماله لكنّه

زاهي وهبي: سكت

كمال الرياحي: استسلم ، تحت ضغط الوظيفة الحكوميّة أو غيرها وهو في منصب ربّما أرقى من شهادته العلميّة، أنا كنت عاطل عن العمل

زاهي وهبي: لا يوجد عندك ما تخسره

كمال الرياحي: وهو يشتغِل في الصحافة العربيّة كمراسل صحافة عربيّة وعالميّة، فتحرّكت في اتجاه أن أُقاوِم هذه المُصادرة ووصلت إلى نتيجة أنّهم أطلقوا سراح "المشرط" في معرض كتاب 2006 ، ومن هنا بدأت حكايتي مع النظام لأنني كنت طالباً في عام 2006 وبدأت أكتشف أيضاً سطوة هذا الاستبداد لأنّه في تلك الفترة وصل الاستبداد إلى أقصاه، حتّى أنني جُمِّدت في البطالة لمدة 11 سنة تقريباً بعد شهادة الدراسات المُعمّقة أي بعد الماجيستير، ثمّ غايتي ليست الانتقام من النظام في الحقيقة، الشعب كان هكذا وأنا كنت مشغولاً بحياة الناس في الشوارِع الخلفيّة لـ "تونس". هناك أحداثٌ تمُرّ

زاهي وهبي: ألهذا يحضُر الأطفال اللقطاء في رواية "الغوريلا " أيضاً؟ من يُطلق عليهم أطفال "بورقيبة"؟

كمال الرياحي: هذا صحيح لأنني كنتُ أرى أنّ الشعب التونسي كلّه أطفال "بورقيبة"، ذاك الإحساس بعدم الانتماء، ذاك الإحساس بأننا غرباء ومُغتربون في أرضٍ يحكُمها طاغية، وأصبح الطاغية مجموعة من الطغاة لأنّها أصبحت عائِلة تتحكّم في البلد بشكلٍ عام. إذاً، هذا الإحساس عند التونسيين جميعاً بأنّهم يعيشون حالة اغتراب، ونتحدّث عن "تونس" كمنامات ينامون فيها فقط ولكن أرواحنا بعيدة تماماً عن هذا البلد لأنّه لا يُقدِم لنا شيئاً ولأنّه مسلوبٌ وأكثر من أنّه مُستعمَر أصلاً، هذا انعكس طبعاً على الكتابات وأصبحت فكرة "أطفال بورقيبة" لا تعني الأطفال الذين ليس لهم أب شرعي أو غيره إنّما أصبح التونسيون كلّهم يبحثون عن أبّ حقيقي لعودتهم إلى العائِلة، لعودتهم إلى الأرض

زاهي وهبي: نعم. توجد إشارة أيضاً إلى التمييز العنصري من خلال شخصيّة "صالِح" الطفل أسود اللون الذي يتعرّض لمضايقات ربّما بسبب لون بشرته، أي كأنّك تريد أن تقول كلّ شيء دفعة واحدة

كمال الرياحي: هناك أمراض اجتماعيّة في الحقيقة في وطننا العربي بشكلٍ عام وفي "تونس" بشكلٍ خاصّ نسكُت عنها ونعتبرها غير موجودة ومن ضمنها التمييز العُنصري تجاه الأقليّات، الأقليّات الدينيّة والأقليّات الإثنية والعرقيّة

زاهي وهبي: الأثنية والعرقيّة

كمال الرياحي:  نعم، فمن ضمن مسألة سود البشرة في العالم العربي وفي "تونس"، تناولت المسألة في "تونس" من خلال هذا الطفل الذي هو من أطفال "بورقيبة" الذي رفض الجميع في الملجأ أن يأخذوه

زاهي وهبي: نعم، أن يتبنّوه

كمال الرياحي: أن يتبنّوه، وعاش تجربة الضياع الكامل. أنا في شخصية "صالِح" جمعتُ كلّ مآسي الشخصيّة التونسيّة وركّزت في بناء هذه الشخصيّة. أنّه اللقيط، المُهمّش، الأسود، وطبعاً فكرة حكاية تسلّقه لساعة رمز النظام، " ساعة 7 نوفمبر"، رمز النظام الجديد المنقلِب على "بورقيبة" ترمُز إلى أنه كان يبحث عن أب. حتّى عندما قيل له

زاهي وهبي: لمشاهدينا غير التونسيين، هي الساعة التي أُقيمت مكان تمثال "الحبيب بورقيبة". يوجد شارع "الحبيب بورقيبة" الذي يحضُر أيضاً في رواياتك، وكأنّك على علاقة حميمة مع هذا الشارِع

كمال الرياحي: نعم. كلّ ما يحدُث في "تونس" يحدُث في شارع "الحبيب بورقيبة" لكن كلّ ما يُروِّج لشارع "الحبيب بورقيبة" لا علاقة له بشارع "الحبيب بورقيبة" لأنّهم يقدّمون صورة "كارت بوستال"

زاهي وهبي: صورة سياحيّة

كمال الرياحي:  صورة سياحيّة. ولكن في هذا الشارِع تحدُث كلّ التحوّلات السياسية والاجتماعيّة وتظهر فيه كلّ أمراض المُجتَمع قبل أن تظهر فيه صُوَر السياحة وغيرها لأنّ أساساً فيه وزارة الداخليّة وفيه برج "ساعة 7 نوفمبر" وفيه أيضاً تمثال

زاهي وهبي: وفيه "المسرح البلدي" في نفس الوقت

كمال الرياحي:  بالضبط، وفيه تمثال "ابن خلدون"

زاهي وهبي: نعم

كمال الرياحي:  وفيه الكنيسة وكلّ شيء يحدُث تقريباً في هذا الشارِع، ولكن أردتُ أن أنظر إليه بعين أُخرى، العين الأُخرى غير السياحيّة لأنّ "تونس" بالنسبة لي هي الشوارِع الخلفيّة وليست صورة "سيدي بو سعيد". عندما نرى صورة "سيدي بو سعيد" في "تونس" في تلك الفترة لا نشعُر بشيء في الحقيقة ، وكأننا شاهدنا مشهداً من "إيطاليا" أو من "اليونان" أو من غيرها. هذه المنطقة لا تعنينا ولا تُمثّلنا لأنّ ما يعيشه الشعب التونسي وكأنه يعيش في منطقة أُخرى، وهذا ما ظهر بعد الانتفاضة والثورة

زاهي وهبي: نعم. ذكرت في الربورتاج أنّك تعشق الكاميرا لأنّها تُشبه المُسدّس. في "عاشقات النذل"، روايتك الجديدة، تُقدِّم عالم الجريمة والقتل والحبكة التي يُمكن أن نُسمّيها حبكة بوليسيّة بشكلٍ أو بآخر. ما الذي أغراك في هذا العالم، عالم الجريمة والقتل قبل أن ندخل إلى دلالات أُخرى للرواية؟

كمال الرياحي: في الحقيقة، الإنسان من أوّله قائِم على الجريمة. نتحدّث عن "قابيل" و"هابيل"، بدايتنا هي بداية الجريمة، فتصالحنا مع فكرة الجريمة وننظر إليها بعمق أكثر وربما بإمكاننا أن نُفكك هذه المسألة أكثر لأنّ مسألة الجريمة لا أربطها أنا بالحبكة البوليسيّة والرواية البوليسيّة إنّما أربطها بهذا المُجتَمع المتوحِّش نتيجةً للقهر والقمع. فالنظام يقوم بجريمة، المجتمع يريد أن يخلِق جرائمه الصغيرة ليتواصل وليُصبِح حتّى الحبّ عمليّة جريمة في الشارِع التونسي. من هنا

زاهي وهبي: لكن عفواً، الأدب العربي عموماً كأنّه تعامل مع هذا النوع من الكتابة بنظرة دونيّة. دائماً الروايات العربيّة تدور في أمكنة أُخرى، في عوالِم أُخرى. قليل ما وجدنا هذا العالم في الرواية العربيّة. ربّما الآن بدأت الروايات تقترِب إلى هذه العوالِم السُفليّة

كمال الرياحي: لاعتبارات كثيرة، لاعتبارات كثيرة. المُبدع العربي، عندما يصِل إلى مرحلة هويّة المُثقّف

زاهي وهبي: المكرَّس

كمال الرياحي: يُكرِس ويُصبح يتحرّك في فضاءات خاصّة، فضاءات النُخبة، لأنّ الكتابة بالنسبة لي هي للإخراج تماماً، لذلك عندي علاقة بالكاميرا، عندما اُفكِّر وأبدأ في مشروع رواية وأُحدِّد الأماكن التي ستجري فيها الرواية أتحوّل مثل المُخرِج تماماً بالكاميرا وبتلك الإكسسوارات للإخراج لأذهب وأُعايِن الأماكِن وألتقط الصُوَر ثمّ أضعها على "الكومبيوتر"، أحللها، أبحث في بعض الوجوه أيضاً وأستغلّها. فهذه تحيلنا أيضاً إلى مفهوم الكتابة. بالنسبة لي مفهوم الكتابة أيضاً يتعلّق بالصناعة

زاهي وهبي: ولهذا نرى أنّ الأمكنة حاضرة، الأمكنة الفعليّة الواقعيّة حاضرة في رواياتك، أمكنة "تونس"، ولكن مُضافٌ إليها لمسة ما أو إضافة غير واقعيّة أحياناً

كمال الرياحي: هناك ما يُسمّى بالعين المُدرّبة في الكتابة، أنا كتابتي كتابة مشهدية، توصف بأنّها كتابة مشهديّة  لاعتبارات كثيرة ممكن أن تعود حتّى لثقافتي

زاهي وهبي: بصريّة

كمال الرياحي: نعم بصريّة وأنا درستُ السينما إلى جانب الآداب العربيّة وأيضاً مارست الرسم فالصورة حاضرة في ذهني دائماً، عندما أتحرّك في الشارِع أشعُر أنّ التونسيين مثلاً جراء حالة الإحباط والحالة السوداويّة هذه لا ينظرون إلى شيء، تقريباً التونسي يخرج من عمله مُباشرةً وكأنّه يبحث عن وسيلة نقل لكي يصل إلى البيت، وفي هذه المسيرة الكاملة لا يرى شيئاً، لا يرى شيئاً تحت ضغط العمل

زاهي وهبي: ضغط العمل والفقر والحاجة

كمال الرياحي: فمن هنا، عندما أتحرّك في الشارِع التونسي وفي اللهجة التونسيّة المُعقّدة تُحاوِل العين المدربّة أن تستثمر هذا وأن تكتشف أيضاً وأن تتوقّف. لذلك، عندما نتحدث عن العُنصريّة أو لا ننتبه إليها، عندما نتحدث عن العُنصريّة في "تونس" يقولون أنّه ليس هناك عنصريّة على الإطلاق، وبعد ذلك في الأحداث حتّى، أحداث كرة قدم وغيرها اكتشفوا أن الشعب فعلاً عنده

زاهي وهبي: ومن المؤسِف أن يكون هناك عنصريّة ضدّ سود البشرة في "أفريقيا"

كمال الرياحي: نعم

زاهي وهبي: شيء مؤسِف للحقيقة. سنُتابِع مع حضرتك ولكن اسمح لنا أن نتوقّف للحظات مع موجز إخباري نعاوِد بعده "بيت القصيد"

المحور الثاني:

ما قلّ ودلّ:

¯ كمال الرياحي

Ÿ باحث وناقد وروائي وإعلامي تونسي متخصص في اللغة والحضارة العربيّة والأدب الحديث

Ÿ في النقد صدر له: "حركة السرد الروائي ومناخاته" و"الكتابة الروائيّة عند واسيني الأعرج" و "هكذا تحدّث فيليب لوجون" و"هكذا تحدّث واسيني الأعرج" و "نصر حامد أبو زيد : التفكير في وجه التكفير"

Ÿ في القصة والرواية صدر له "نوارس الذاكرة" و"سرق وجهي" و"المشرط" و"الغوريلا" و"عشيقات النذل"

Ÿ حصل على جائِزة القصّة القصيرة في "القاهرة " سنة 2005، وجائزة "الكومار الذهبي" لأفضل رواية تونسية لسنة 2007 عن روايته "المشرط" وتوّج ضمن الفائزين في مسابقة "بيروت 39" لسنة 2009 وتُرجِمَت أعماله القصصيّة إلى عدد من اللغات أبرزها الفرنسيّة والإيطاليّة والإنكليزيّة                     

زاهي وهبي: تابعنا بعض العناوين لأعمال ضيفنا ونبذة موجزة عن الروائي الأُستاذ "كمال الرياحي". أُستاذ "كمال"، قبل أن أطرح المزيد من الأسئِلة، في فقرة كلام يوصل، أوّل رأي بتجربتك سنسمعه من الروائي والمُترجِم التونسي الأُستاذ " جمال جلاصي"، نسمعه سوياً

كلام يوصل:

جمال جلاصي( شاعر وروائي): في الحقيقة، رواية "عاشقات النذل" لـ " كمال الرياحي" فيها جُرعة زائِدة من الجرأة، وأحياناً تصل إلى حدّ النزق أو حدّ البذاءة، لكن هذا لا يمنع أنّها رواية تُعرّي الواقع التونسي ومن ورائه الواقع العربي، هي تنبش تحت الجلد، تحت جلد هذا الواقع لتبيّن لنا عيوبه. هذه التقنية في الكتابة برِعَ فيها "كمال" منذ الـ "غوريلا" و"المشرط" وظهَرَت جليّةً في "عاشقات النذل" حيثُ أنّ القارئ لا يطمئِنّ حتّى للمكتوب الواضِح أمامه. هذه هي قوة "كمال" الروائي السارد، في أنّه يكشِف لك مسرحاً عبثياً، مسرحاً تتحرّك فيه الشخوص بإرادة الراوي فقط. أي هو الذي يُحرّكها بتلك التقنيّات العالية في السرد وقدرته على الشدّ، ثمّ أن يُطيل الحبل. إطالة الحبل بالنسبة لـ "كمال" ليست تقنيّة عبثيّة، هي تقنيّة مُحكمة، فهو كمن يرمي الصنارة ويجعلك تلتقطها ثمّ يُرخي لك الحبل للتوهّم أنّك حرٌ في التأويل وحر في التمتُّع، لكنّه مُباشرةً يصدمك بحدثٍ ينزعُ عنكَ مُتعة الاطمئنان ليُجلِسك على شوك السؤال. صديقي "كمال"، تعلمُ جيّداً أنني أنا أيضاً ضدّ الإرشاد والنصح، وأنّ الرواية جريئةٌ أو لا تكون، ولكن، ألا ترى معي أنّ الوقاحة الزائِدة أو البذاءة قد حرمتنا كمُبدعين من قرّاء مُحتملين تحت سُلطة أوليائِهم التي قد تمنعهم من قراءة هذه الرواية فقط لأنّها، بين ظفرين، رواية ذات سُمعة سيّئة

زاهي وهبي: الشكر الجزيل للروائي "جمال جلاصي"، تفضّل، الجواب عند حضرتك  

كمال الرياحي: شكراً لـ "جمال" على هذه الشهادة التي أعتزّ بها. إجابةً عن سؤاله في الحقيقة، في توصيفه لمسألة الوقاحة والبذاءة

زاهي وهبي: نعم

كمال الرياحي:  أعتقد أنّه من سيتوقّف أو سيتردّد في قراءة رواياتي عليه أن يتردد أيضاً في قراءة وتصفُّح "لسان العرب". لأنّ كلّ ما يتحدّث عنه من بذاءة، ربّما بعض الكلمات أو غيرها التي تأتي في الرواية على لسان تلك الشخصيات الهامشيّة التي لا يجب أن ننطِقَها إلاّ بمُعجمِها

زاهي وهبي: بمعنى أنّ كلّ شخصية تحكي لغة تُشبهها، كلّ شخصيّة لها لغتها

كمال الرياحي: طبعاً، وأعتقد أنّه من الضعف، ضعف الكتابة الروائيّة، أن نُعطي خطاباً أو مُعجماً لشخصيّةٍ هامشيّةٍ أرقى من بنائِها ومن طبيعتها ومن هويّتها. لذلك، مسألة أنّه علينا أن نتخلّص لأنّ هذا الحُكم في الحقيقة، الذي يأتيني دائماً من جهاتٍ مختلِفة ينطلق من فكرة قدسيّة اللغة. لغتنا العربيّة لغة مُقدّسة إلى الآن

زاهي وهبي: نعم

كمال الرياحي: لم نتعامل معها في الأدب بصفتها أداة تواصل، لكن دائماً نتحدّث عن قدسيّة اللغة، لذلك نريد للغة أن تكون دائِماً شفافة وتتحدّث دائِماً عن الجمال وغيره، أن تتحدّث عن جُمَل رائِعة، استعاريّة. في الحقيقة، الرواية عكس ذلك تماماً

زاهي وهبي: ذكرنا أنّ هذه العوالِم التي عشتها وظّفتها في الكتابة الروائيّة، ولكن كم فيها شيء من السيرة خصوصاً أنّ اسم "كمال" في "عاشقات النذل" تحمله أكثر من شخصيّة، تحمل اسم الراوي نفسه

كمال الرياحي: بالضبط، لأنهم دائماً يبحثون عن "كمال الرياحي" في رواياتي السابقة وفي نصوصي وحتّى في مجموعاتي القصصية السابقة. فهذه الرواية، "عاشقات النذل " كُتِبت بنذالة حقيقيّة حتّى موجّهة إلى القارئ في أنّه، "عوضاً من أن تبحث عنّي في هذه الرواية سأُعطيك هذه الشخصيات التي تحمِل أصلاً اسمي، فلا تبحث كثيراً". لكن الحقيقة أنّ هذه الرواية تدخُل أيضاً وتتماس أيضاً مع جنس أدبي آخر وهو "التخيّل الذاتي"

زاهي وهبي: نعم

كمال الرياحي: ويكون ذكر هذه الشخصيات، ليس بالضرورة لأنّها تحمل اسمي، أنّها واقعيّة، فأنا سيرتي أُفتّتها وأُوزّعها بل مواقف من سيرتي وهي ليست سيرتي إنما مواقف ولحظات ربما من سيرتي تختطفها هذه الشخصيّة أحياناً وتلك الشخصيّة بما يتناسب مع موقفي. بمعنى أنني لا أُدخل شخصيّتي مُباشرةً إنما الحكاية هي التي تغرِفُ من سيرتي ما تريده

زاهي وهبي: كم يُمكننا أن نحكي عن رواية داخل الرواية في "عاشقات النذل"، وأنت تنصب فخاخاً وألغازاً للقارئ ونوهمه بشيء ليكتشِف شيئاً آخر مُختلِف تماماً؟

كمال الرياحي: هو هذا لأنني أعتبر أنّ "عاشقات النذل" كانت ردّة فعل على قراءاتي. في مرحلة أردتُ أن أكتُبَ روايةً لنفسي قبل كلّ شيء، لذلك تحت طقوس معيّنة كتبتها. هذه الرواية مثلاً كتبتها في نظام غذائي غريب على المشهد التونسي الغذائي ربّما، فكانت كما نسميها، رواية نباتيّة لأنني لم آكل طوال مدة كتابة هذه الرواية، لم آكل عجائِن على الإطلاق. هي ردّ فعل كما قلت على رواية الدهون والشحوم، فحاولتُ أن أكتب هذه الرواية الرشيقة في أنّها

زاهي وهبي: ماذا تقصد بالدهون والشحوم؟ اللغويّة؟ التي فيها إنشاء وفيها استعارات ؟

كمال الرياحي: في أغلب الأحيان عندما نقرأ بعض الروايات، وهذا هو موقفي وممارستي للنقد أيضاً، نقرأ روايات تصل إلى مئة وخمسين صفحة وتشعُر أنّ الروائي ما زال يبحث عن الحكاية، يبحث عن الحكاية وعن طبعاً الكثير لأننا ما زلنا أيضاً نؤمن بمسألة اسمها الإلهام في الكتابة والوحي في الكتابة، ولم نصل إلى مصارحة أنفسنا بأنّ الكتابة صناعة مثل كلّ الصناعات

زاهي وهبي: والعرب أسموها "الصناعتين"، النثر والشعر صناعتان عند العرب

كمال الرياحي: طبعاً، في مقدّمة "ابن خلدون" يتحدّث عن صنعة الأدب. لا أدري لماذا نُصرّ نحن على أن نتشبّه بالأنبياء بشكلٍ استعاري ونتحدّث عن شياطين الشِعر. أنا أستغرِب مثلاً من مُجتمع تونسي يدّعي الحداثة والانفتاح على العالم، وعندما أسأل شاعِراً يقول ويحدّثني عن الإلهام وأنّه سينزِل عليه شيء من فوق في حين أنّه كان ينِمّ على صديقٍ آخر شاعِر ويقول أنّ شِعره رديء، فكيف يُمكن للوحل أن يكون رديئاً؟ هذه مُفارقة. عندما نُشخِّص المسألة بأنّها عمليّة صناعة نفهم هذا

زاهي وهبي: ألهذا نشعُر في "عاشقات النذل" وجود شيء من السُخرية من الرواية البوليسيّة؟ وشيء من السُخرية من الواقعيّة السحريّة عند "ماركيز" الذي تأثّر به عشرات الكُتّاب العرب؟

كمال الرياحي: صحيح، استعملتُ شكلاً  شعبياً وهو الحدّة البوليسيّة لأحطّمه من الداخل. وحتّى هذه الحبكة تبدو أنّها رواية بوليسيّة لكن داخل الرواية يقع تحطيم هذا النوع الأدبي، ونحن عندما نعود إلى تاريخ الرواية ونشأة الرواية نجد أنّها نشأت في هذا الاعتقاد، عندما كتب " سرفانتس " روايته "دون كيشوت" في الحقيقة

زاهي وهبي: كان يسخر

كمال الرياحي: كان يسخر من أدب الفروسيّة، ولكنّه كيف كتبها؟ كتب روايةً في الفروسيّة ساخرة من رواية الفروسيّة، فربّما هنا أتقاطع في هذه الرؤية وهذه السُخرية من النوع الأدبي في أنّ النوع الأدبي الشعبي ربّما الذي ينظر إليه على أساس أنّه نوعٌ دوني مُقارنةً بأنواع أُخرى، أجناسٌ أدبيّة أُخرى، يُمكن أن يقولَ شيئاً عميقاً

زاهي وهبي: صحيح. أيضاً، تقول حضرتك أنّ الرواية، قلت أنّ اللغة غير مُقدّسة ولكنها عندنا مربوطة بالمقدّس وبالنصّ القرآني. وأيضاً تقول في حواراتك أنّ الرواية غير مُقدّسة، سؤالي أنا، من قدّسها، أي من قدّس الرواية في عالمنا العربي؟

كمال الرياحي: الذي قدّس الرواية والأدب بشكلٍ عام، الرواية هي المؤسسة الأدبيّة، المؤسسة النقديّة. المؤسسة النقديّة لم تتطوّر، المؤسسة النقديّة أكبر مؤسسة سلفيّة في العالم، قمّة السلفيّة، هي الرجعيّة أيضاً. النقد في العالم العربي رجعي تماماً لأنّه نقدٌ إمّا يأتي بالنظريّات ويُسقِطها على الأعمال الأدبيّة ويستنسخها حتّى أنّنا أصبحنا نقرأ تقريباً أُطروحات تُشبه بعضها، تُردِّد بعضها، وكأنّ هذا الناقد لم يقرأ العمل إنّما جهّزَ له إكسسواراته وملابسه ثمّ أقحم الأسماء والشخصيّات، إذاً نحن في حاجة إلى نقدٍ مُفكِّر يُفكّرُ، وكلّ رواية في الحقيقة تخلق أُطروحتها النقديّة. لذلك هناك نقد كبير في الرواية، في مستوى من مستويات القراءة أيضاً إلى النقد، وشخصيّة "تودوروف" في الرواية هي شخصيّة تأتي إلى "تونس" وتعيش تجربة سرياليّة، وهي كتابة في الكوميديا السوداء والسرياليّة وإظهار "تودوروف" هذا المُقدّس أيضاً، باعتباره

زاهي وهبي: ناقداً مكرّساً ومقدّساً

كمال الرياحي: نعم، في حرجٍ طبعاً في الرواية

زاهي وهبي: نعم. على سيرة السرياليّة، أيضاً أنت حتّى كرسّام مُعجَب بالسرياليّة، بالرسم السريالي وبـ "سلفادور دالي"، صحيح؟

كمال الرياحي: صحيح، "سلفادور دالي" وغيره. أنا اهتممت بتاريخ الرسم من "براك" و"بيكاسو" منذ "التكعيبيّة"، ثمّ بعد ذلك حتّى السرياليّة و"الدادئيّة" وغيرها. بالنسبة لي تجربة السرياليين مُهمّة جداً في الكتابة، في الكتابة السرديّة في الأساس، لأنّها تُخرِج اللاوعي البشري. بمعنى، في لوحات "سلفادور دالي" في الحقيقة أيضاً، لو عُرِضَت، وهنا نعود إلى سؤال "جمال جلاصي"، ما يُمكن أن تقول عن أعمال "سلفادور دالي"؟ هلّ تقول أنّها بذيئة وقبيحة لأنّها تلك الدماء وتلك الصُوَر الرهيبة؟

زاهي وهبي: نعم، والأشكال الرخوة

كمال الرياحي: والأشكال الرخوة وغيرها؟ فهذا هو اللا وعي البشري. نحن نكتُب أيضاً فانتازيا، نكتب اللاوعي، نكتب الشرّ أيضاً عندما نتحدّث عن أعمال مثل أعمال "جورج باتاي" مثلاً، هلّ يُمكن أن نصِفَها بأنّها أعمال بذيئة؟ لأنّ كلمة بذيئة هي في الحقيقة حكم أخلاقي للأدب لا أعتقد أنّه بإمكاننا أن نحكُم عليه بمنطقٍ أخلاقيّ

زاهي وهبي: صحيح، في رواية "المشرط، روايتك الأولى، وظّفت الرسم في السياق الروائي وليس فقط أنّها لوحة مُرافِقة للكتاب، لا، صارت جزءاً من الرواية

كمال الرياحي: صحيح

زاهي وهبي: بأيّ هدف وأيّة غاية؟ هلّ وجدت اللغة عاجزة عن أن تقول كلّ ما تريد حضرتك أن تقوله؟

كمال الرياحي: ليس هذا، إنما أنّ الرواية قادرة أن تقول كلّ شيء بما تريد، بمعنى الجنس الروائي هو  مثل الإسفنجة، يمكنه أن يمتصّ أيّ شيء، وهذه قوّة العمل الروائي أو الجنس الروائي، لذلك هو يتسيًد الآن ربّما العالم ولا يموت، وكم من ناقدٍ نظَّرَ لموت الرواية ولكنّها لم تمُت. ولكن في منطقةٍ أُخرى يتحدّث آخرون أنّ الرواية فعلاً ماتت، لكنّها ماتت في صيَغِها القديمة وأصبح يتجدّد دائماً هذا الكيان العجائبي الذي ينبت مثل "الفينيق" الذي ينتفضُ من رماده. فتوظيفها للأجناس الأدبيّة وأيضاً لرُفات الأجناس الأدبيّة، فهناك أجناس أدبيّة بدأت تختفي مثل "الرسالة"، مثل "اليوميات"، لكن تجدها في الرواية، فالرسم أيضاً يعيش في الرواية، وأنا انطلقت من هذه الأعمال لقراءتي بدء الخلق وكيف قدّمه الرسامون العالميون ، ثمّ وقع استنطاق هذه الشخصيّات. وهذه الصُوَر خرجت لتتحدّث عن هذه التجربة طبعاً، وهذا سبب من أسباب مُصادرة الرواية في بعض الدول العربيّة لأنّهم توقّفوا عند الصورة. طبعاً ظهور "آدم و"حواء" لا يُمكن أن يكون بملابسهم في الأعمال وهذا سبب من أسباب مُصادرة الرواية

زاهي وهبي: على كلّ حال، في شيفرة "دافنشي" لـ "دان براون" نجد كيف أنّ الأعمال الفنيّة جزء من كلّ تركيب الرواية

كمال الرياحي:  طبعاً، " ماريو بارغاس يوسا" في روايته " في امتداح الخالة" الشيء نفسه

زاهي وهبي: صحيح

كمال الرياحي:  هو تقليد وليس في الحقيقة اختراع منّي لكنّه تقليد موجود في الأدب

زاهي وهبي: لكن مواقفه هي في شكلٍ جيّد. لو سمحت لي نتوقّف لحظات سريعة ثمّ نُتابع "بيت القصيد"

 

 

المحور الثالث  

زاهي وهبي:  شاهدنا لقطات وصُوَراً لضيفنا الروائي التونسي الأُستاذ "كمال الرياحي"، ونتمنّى من مُشاهدينا في "تونس" وفي كلّ أنحاء العالم الانضمام الى صفحة البرنامج على "الفيس بوك" وهي بعنوان "بيت القصيد"، على اسم البرنامج . تُسعِدنا اقتراحاتكم ومُلاحظاتكم. أيضاً شهادة بتجربتك أُستاذي، هذه المرّة من "مصر"، من الكاتب والروائي "أحمد مجدي همّام". نسمعه سوياً

كلام يوصل:                                                                                             

أحمد مجدي همّام: الحديث مع "كمال الرياحي" عادةً يتشعّب لفرعين: أوّلاً ستجِد أنّه النكتة، السخرية، البارودية (المحاكاة الساخرة parody). في الاتّجاه الآخر "كمال الرياحي" بمثابة عالِم في السرد أو في الناراتولوجي (narratology) لأنّه حضّر دراساته العليا أو دراساته الجامعيّة في هذا المجال وأقام حوارات مع كتّاب إشكاليين مثل " نصر حامد أبو زيد" و "واسيني الأعرج" وآخرين. يمكنني أن أتحدّث عن الكتابة عند "كمال الرياحي" بأنّها غير قابلة للتصنيف، بمعنى آخر أنّك يمكن أن تجد روايته مقسّمة إلى فصول، كلّ فصل من هذه الفصول وِحدة فنيّة مُستقلّة، يمكن أن تكون وحدة فنيّة مستقلّة لوحدها ويُمكن أن تكون في سياق مُتّصل ومنفصل. كمال الرياحي يمتلك أسلوباً مُتفرِّداً تماماً أيّاً كانت الفِكرة التي يُناقشها عبر كتبه الثلاثة وهم روايات "الغوريلا" و"المشرط" و"عاشقة النذل"، وأُسلوبه بصمة. لو لقيت ورقة في الشارِع لا تذكر اسمه وقرأتها ستقول أنّ هذه عائدة لـ "كمال الرياحي". عنده لغة غاضبة وربما ما يُسمه النقّاد "شاعريّة الرداءة"، "اللغة الوحشيّة"، "اللغة الصارِخة". عنده ميل لمُحاكمة العالم ومُساءلة الآخرين، دائماً يأخذ كتاباته في هذا الاتّجاه. عنده في رواية "عاشقات النذل" تقنيّة بوليسيّة لم يستخدمها لأنّها الأنسب أو الأفضل بل استخدمها لكي يُحطّمها ويهزأ منها بطريقة "دون كيشوت" بالضبط، طريقة " ميجيل دي سيرفانتس" عندما سخر من روايات الفروسيّة في أنّه كتب روايات فروسيّة، لكنّها كرتونيّة مُفارِقة إلى حدٍ كبير. "كمال الرياحي" في "تونس" ربّما ظاهرة. توجد أسماء أقدم منه في هذه التجربة ربّما لكنّه مُتفرِّد إلى حدٍّ كبير، والشيء المُدهِش بخصوص "كمال الرياحي" بالنسبة لي هو قدرته على إدارة وقته وموهبته. هذا الرجل روائي يكتب قصّة، سبق له أن أصدَر قصّة، ناقِد، أكاديمي، إعلامي، يدير "بيت الخيال" الذي هو بيته وحوّله إلى مكان يستضيف فيه المثقفين ويقيم فيه "وِرَش" كتابة للرواية، يقيم فيه وِرَش لكتابة المقال الصحافي، بمعنى "عاصفة من الإبداع" ، عاصفة تتحرّك وهذا شيء بالنسبة لي مُتفرِّد جداً في ما يتعلّق بـ "كمال الرياحي" الذي أنا أعتزّ به بالتأكيد كصديق. السؤال الذي أُحبّ أن أوجّهه للروائي التونسي "كمال الرياحي" هو، من كتاباتك ومن المقالات النقدية والمُراجعات النقديّة التي كُتِبَت عن رواياتك الثلاث توجد ملحوظة مُشتركة في أنّ لغتك غاضبة، وثمّة إحالة أو ثمّة ميل في اتجاه "الإيروتيكا" أحياناً، وبناءً عليه أنا مضطرّ لأن أسألك السؤال التالي يا "كمال". "كمال"، هلّ يتمّ تصنيفك على أنّك كاتِب بذيء؟

زاهي وهبي: شكراً للأستاذ "أحمد مجدي همّام" على شهادته، تفضّل. هلّ أنت كاتِب بذيء؟

كمال الرياحي: يمكنني أن أقول ذلك إذا اعتبرنا البذاءة كما يراها "أحمد مجدي همّام" الذي أشكره على هذه المُداخلة

زاهي وهبي: شاعريّة

كمال الرياحي: على شاعريّة البذاءة وشاعريّة الرداءة لأنني قرأتُ نصاً طويلاً في الحقيقة لـ "تشارلز بوكوفسكي"، الكاتب الأميركي، يقول: "أنا شاعرٌ رديء"

زاهي وهبي: لكن ما هي "شاعريّة الرداءة"؟ مثلاً، الذي يسمع الآن، يجلِس في منزله ويسمع هذا المُصطلَح، "شاعريّة الرداءة"؟ ما هو؟

كمال الرياحي: في هذه الكلمة أيضاً "شاعريّة الرداءة" وفيها هذا المُصطلح  الذي هو سخرية من نمطٍ من القراءة، هذه القراءة الأخلاقية للأدب. فالقراءة أيضاً النمطية، القراءة السعيدة، ما يُسمّى بالأدب السعيد الذي أنا ضدّه تماماً

زاهي وهبي: روايات "عبير" وروايات "دانيال ستيل" و

كمال الرياحي:  وغير هذا

زاهي وهبي: نعم

كمال الرياحي: حتّى روايات كُتّاب كِبار موجودون وأسماؤهم كبيرة، يكتبون هذا الأدب السعيد الذي وكأنّه لا يحدِث شيئاً في العالم، لا يحدُث شيئاً في المُجتمعات إنمّا هي قِصص حبّ بارِدة وكذا، ونتحدّث في "تونس" عن "تونس" الياسمين و"تونس" "سيدي بو سعيد" و"تونس" البطاقة البريدية، بمجردّ أن تدخُل في الشوارِع الخلفيّة وتُعطي أصواتاً، وتُعطي صوتاً للمهمّشين، للباعة، للشطّار الصغار، للصوص، للقتلة، وكأنّك دخلت محظوراً لا يجب أن تدخله، وفي الحقيقة أنّه

زاهي وهبي: ولكن هذا هو الواقع

كمال الرياحي: هذا الواقع

زاهي وهبي: كلّ هذا موجود في الواقع

كمال الرياحي: نعم، ومسألة كلمة مُهمّش أصلاً في العالم العربي لا بدّ أن تُراجَع لأنّهم ليسوا أقليّة، أغلبيّة الشعب مهمّش في الحقيقة فمن الطبيعي أن أهتمّ بهؤلاء

زاهي وهبي: الهامش أوسع من المتن في العالم العربي للأسف. قاصّ، روائي، ناقِد، مُنتِج، مُقدِّم برامِج تلفزيونيّة، خضت تجربة النشر وتوقّفت أيضاً، لماذا كلّ هذا؟

كمال الرياحي: هذا لأنني أعتبر

زاهي وهبي: أسماك "عاصفة" الأُستاذ "همّام"

كمال الرياحي: (يضحك)، هو أجرى معي حواراً في وقت من الأوقات وسألني، "كيف تنظِم وقتك؟"، قلت له: "هناك وقت فارِغ بالنسبة لي والدليل أنني أُحاورك الآن"، أنّ هناك وقتاً

زاهي وهبي: للحوار

كمال الرياحي: للحوار

زاهي وهبي: إلى جانب كلّ هذه الأشياء

كمال الرياحي: إلى جانب كلّ هذا. نحن شعوب كسالى في الحقيقة، وأنا أقتطع، أريد أن أُوظِّف هذه الحياة التي أعتبرها محدودة في الزمن وأُريد أن أُوظِّفها في الإنتاج لأنني أعتقد بأنني لستُ حياً إلاّ وأنا أُنتِج، فما دُمتُ قادراً على الإنتاج فليكن. جزء من مُتعتي أيضاً أنني عندما أقرأ رواية أريد أن أترك أثراً فأكتُب مقالاً. بعضهم يرى أنّ هذه مشقّة وأنا أستمتِع في أن أُقابِل كاتباً، أن أشرب معه قهوة، أُجري معه حواراً، وهكذا. فحياتي هكذا لأنني أعتبر أنّه عندما يُقال، عندما يتحدّث معي شخص ويقول أنا أُريد أن أتحدّث مع "كمال" الإنسان أقول له، هذا الرجل غير موجود، ليس موجوداً إلاّ الكاتب، وأتحرّكُ وفق هذا الكاتب. وطبعاً، هناك من نظَّر حتّى من النقّاد إلى هذا وقال، "بمجرّد أن ينبُتَ داخلك مُبدِع تُصبح عبداً له وتُصبِح خادماً له. حتّى وأنت تأكل فأنت تأكل له حتّى يشبع، حتّى يكتُب، حتّى يقرأ، وإذا خرجت إلى فُسحة فأنت لم تخرُج لنفسِك إنّما خرجتَ لذلك الكاتِب الذي في داخلك لكي يستمتع". هذا هو

زاهي وهبي: وكان لديك شغف في التجريب أيضاً، وكأنّك تريد أن تُجرِب كلّ ما تستطيع إليه سبيلاً

كمال الرياحي: طبعاً، أرض المغرب العربي أرضُ تجريب، لذلك أقول رداً على البعض، هناك أرضُ جهاد وأرضُ دعوة. أرض المغرب العربي ارتبطت بالتجريب في الكتابة الإبداعيّة خاصّةً، ولكنني حاولت أن أقرأ أيضاً مسألة التجريب في التجربة الروائيّة المغاربيّة في نظرةٍ نقديّة لأنّها أبعَدت هذه التجربة بالتأثر في الرواية الفرنسيّة في وقتٍ من الأوقات، أبعدت القرّاء عن الأدب. فكيف يُمكن أن تكتُب عملاً تجريبياً راقياً ويحترمه النُقّاد؟ وفي نفس الوقت، أن لا يُمثّل عائِقاً أمام القارئ العادي، وهي مُعادلة صعبة في الحقيقة وحاولت أن أنجح فيها وأن أجدها في بعض أعمالي الأخيرة وأن أختبر ذلك من خلال القرّاء. "عاشقات النذل" مثلاً كانت أكثر مبيعاً في "تونس" وفي بعض الدول الأُخرى ويقرأها التلاميذ، وهذا مُهم، أن تُنافس راوية داخل المعهد الحشيش الذي أصبح وكأنّه الأساسي في أن نداور

زاهي وهبي: للأسف، مُنتشِر في مُعظم العواصم والمُدن العربيّة. "عاشقات النذل" من منشورات "دار الساقي"

كمال الرياحي: " دار الساقي"

زاهي وهبي: "دار الساقي" لمن يرغب. حسناً، توقفت عن كتابة الشعر، أشرنا في بداية الحوار

كمال الرياحي: لأنني كنتُ شاعراً رديئاً فعلاً (يضحك)

زاهي وهبي: (يضحك)، لا أُريد أن أصفك كشاعِر بأيّة صفة، ولكن أيضاً توقّفت عن الرسم

كمال الرياحي: نعم، توقّفت عن الرسم ولكنّي

زاهي وهبي: وكأنّ الرواية بدأت تتغلّب على ما عداها

كمال الرياحي: صحيح، وكان هذا الشعر فعلاً، أنا أخذتُ قراراً بألا أكتُب شعراً لأنني كنتُ أقرأ الشعر كثيراً وأكتُب وشعرت أنّ ما أكتبه منبرياً ولا

زاهي وهبي: لا يُضيف إلى العمارة الشعريّة العربيّة

كمال الرياحي: نعم. وهذا داخل حتّى في سيرتي وأُريد أن أكون ضرورياً في المشهد، أي عندي فكرة لأنني كنتُ طفلاً غير مرغوب فيه، دائماً تردّد الوالدة في أنني كنت طفلاً غير مرغوب فيه لأنني عاشر إخوتي، فهذا الإحساس بأنني أنا زائِد عن الحاجة

زاهي وهبي: كأنك زيادة عدد

كمال الرياحي: زائد عن الحاجة يُزعجني، فأُحاول دائماً أن أكون ضرورياً بالنسبة لأي فضاء، لذلك عندما بدأت كتابة الشعر وجدتُ نفسي أنني غير ضروري فعلاً، لذلك انسحبت. وأتمنّى أنّ هذا الموقف، لأنني أعتبر فيه شجاعة، أن تنسحب من مكانٍ ليس لك، وفي المقابل اهتممت بالرواية وكنتُ أكتُب للمسرح أيضاً وفي الجامعة طبعاً وأكتب القصص 

زاهي وهبي: نعم، ولديك كتب نقدية أيضاً منها عن العالِم الروائي "واسيني الأعرج". "بيت الخيال". أشار الأُستاذ "همّام" بأنّك تُقيم وِرَشاً للكتابة وما شابه. ما هو "بيت الخيال"؟ هلّ هو البيت، المركز، والبرنامج التلفزيوني؟ باختصار

كمال الرياحي: انطلقت هذه الفِكرة منذ سنوات في الحقيقة بأسماء مُختلِفة في طبعاً نوادي للكتابة، ورشة "نهج السرد"، ثمّ بعد ذلك وبعد سنوات، اخترت هذا العنوان بتجربة جديدة، "بيت الخيال في بيتي" وهو عمليّة دمج بين صالونات الكُتّاب، تقليد صالونات الكتّاب

زاهي وهبي: مثل صالون "مي زيادة" والصالونات المعروفة

كمال الرياحي: نعم، والجديد في أن يتحوّل إلى ورشة للكتابة السرديّة  أستضيف فيها طبعاً إلى جانب المُشاركين مجموعة من الأُدباء العرب ويتواصلون على "السكايب" مع المُشاركين داخل هذه الورشة، طبعاً لها برنامج حسب ثيمات معيّنة في هذه الورشة. البرنامج التلفزيوني حمل نفس الاسم، تعدّه معي الزميلة "هاديا حسين" ويُخرجه "محمد مزيان"

زاهي وهبي: نمسيهما بالخير

كمال الرياحي:  نسلِّم عليهما من "بيروت"، نعم

زاهي وهبي: هلّ لديك طقوس للكتابة؟

كمال الرياحي: تحدّثت قبل قليل عن طقس الرواية النباتيّة، بمعنى أن أُخضِع نفسي لنظام غذائي معيّن أثناء الكتابة وهذا حدث لمرّة واحدة مع "عاشقة النذل"، ولكن الطقس الأساسي، وهو الذي أُريد أن أتحدّث عنه، هو استدراج الشخصيّة من المخطوط، من المخطوط الذي أكتُب فيه، استدراجها وأن تُعايشني داخل البيت. يعلم مجموعة من أصدقائي أنّه عندما يدخلون بيتي يجدون إكسسوارات للشخصيّة

زاهي وهبي: للشخصيّة الروائيّة

كمال الرياحي: الروائيّة، وأحياناً أتلبّس بهذه الشخصيّة، ليس من منطق المُمثِّل الذي يتلبّس شخصيّة تُسيطر عليه، إنّما من دافع فكرة استراتيجية لبقائي في الكتابة. ففي عمليّة الانتهاء منها، الانتهاء من الرواية، طبعاً تبقى كلّ هذه الأشياء الموجودة وكأنّه فعلاً هناك شخص عزيز رحل، ولكن عادةً ما تدخُل شخصيات أُخرى دائماً إلى " بيت الخيال" العامر بالشخصيات

زاهي وهبي: إن شاء الله دائماً عامر. ليس فقط الراوي يؤثّر في روايته، الرواية تؤثِّر في راويها أيضاً

كمال الرياحي: نعم

زاهي وهبي: سنُتابع مع حضرتك ولكن نتوقّف مع استراحة أخيرة ثمّ نُعاود "بيت القصيد"

المحور الرابع:                            

زاهي وهبي: إذاً، شاهدنا مزيداً من اللقطات لحضرة جنابك، وأيضاً سنستمع إلى المزيد من الآراء. استمعنا الى رأي من "تونس" ومن "مصر"، والآن سنستمِع إلى رأي من "سوريا" للكاتب والمُترجِم الأُستاذ "يزن الحاج". نسمعه سوياً

 

 

كلام يوصل:

يزن الحاج: خلال هذه السنوات التي مضت، خمس سنوات، كانت هناك انتفاضات وحروب، فكانت الرواية يجب أن تكون شاهِدة على هذه المرحلة.  هذه المرحلة ترافقت مع جوائِز كبيرة، فكان من المفترض أن تشجّع، أيّة جائزة جديدة أو مجموعة جوائز، التنوّع في الرواية. الذي حدث مع الرواية العربيّة أنّها صارت كلّها تُشبه بعضها، صار هناك تلك الرواية الكبيرة، الرواية التاريخيّة، الرواية السياسيّة، الرواية المطلوبة للجوائِز التي هي روايات الستّينات. عدنا إلى هذا الكاتب الذي يريد أن يُدخِل السياسة حتّى ضمن الشخصيّات ويفرِض وجهة نظره. أمّا الرواية الحاليّة وما يحدُث في الشارِع حالياً، لا أحد يعرِف عنها شيئاً. في المقابل جاء "كمال الرياحي" وغيره من الكُتّاب من "مصر" ومن الغرب، أماّ الشرق فلا يزال كما هو. جاء "كمال" وكتب رواية تشويق مع عنوان غريب وطرح جديد، طرح رواية الشارِع، الرواية التي كانت مُحاربة قبلاً، حتّى إذا اعتبرنا أنّ بين قوسين "البذاءة" التي كانت موجودة في الشارِع، لم تكن موجودة في الروايات لكن أدخلها "كمال" بقوّة. حتّى من العنوان الغريب "عاشقات نذل" نجد أنّه أدخلها. بالإضافة، "كمال" اشتغل على نفسه في أنه سوّق لروايته هذه، ولم يتنظر حتّى دار نشر، وهي دار نشر كبيرة  مثل "دار الساقي"، لتسوّق له  بل هو أيضاً سوّق لنفسه، فاجتمع عنده الكاتب والنجم، الـ Celebrity ، فهو اجتمع في هاتين الصورتين اللتين كانتا أيضاً صوراً غريبة بالنسبة للكاتب العربي الذي كان دائِماً منزوياً وفي عزلة تامّة. السؤال لـ "كمال"، ضمن هذه الروايات المُتشابهة، الروايات العربيّة التي صارت، ما سبب ما حدث بعيداً عن التكرار دائماً بأنّ الناقد ذائقته تقليدية؟ الذي وجدناه أنّ الكاتب هو الذائقة التقليدية. هلّ خضع الكُتّاب للجوائز وبالتالي صاروا يكتبون الشِيء الذي تتطلّبه الجوائِز؟ أم أنّ الكاتب عملياً لم يعُد يقرأ؟ عندما يكون الكاتب غير قارئ وغير مطّلِع بالتالي تكون روايته تقليدية ومتماثلة. ما هو السبب؟ هلّ أن فعلاً الكاتب ما عاد يقرأ؟

زاهي وهبي: شكراً للأستاذ "يزن الحاج"، فعلاً سؤاله على الجِرح. هلّ تشعر اليوم أنّ هناك روايات وأعمال كأنّها تُكتَب لأجل نيل جائِزة معيّنة؟

كمال الرياحي: نعم

زاهي وهبي: كيف تجد هذه المسألة؟

كمال الرياحي: والأسوأ أنّ هناك كُتّاباً يعترفون بذلك، أنّهم يكتبون لنيل جائزة. من خلال تصفُّح بعض الأعمال الروائيّة تجِد هذه الملامح، وهذا يُمّثل خطورة كبيرة في الحقيقة على الأدب لأنّه من ناحية الكاتب والأديب والفنان يُنادي بحريّة التعبير وبالحريّة وغيرها، وفي نفس الوقت يورِّط نفسه في أسر جديد، في قفص جديد، ما تتطلّبه الجائِزة طبعاً لاعتبارات كثيرة، لاعتبارات المسائِل الماديّة من ناحية وأيضاً حتّى مسألة الشُهرة، عمليّة الحساب هذه

زاهي وهبي: أي بدل أن تكون الجائِزة، عفواً، رافِعة للأعمال الأدبيّة والروائيّة تتحوّل وكأنّها تُنمِّط هذه الأعمال

كمال الرياحي: لأن من المفروض أن تُلاحق الجائِزة الجديد والمُختلِف، لكن للأسف ما يحصل في الأدب العربي هو هذا التنميط، تقريباً كتابة رواية واحدة، كتابة الرواية بمواصفات، وكأنّ الكاتب يدرُس طبيعة هذه الجائزة وما تتطلّبه بالضبط، ويكتُب وفق هذه الجائِزة. لذلك، هناك من كتب مقالاً عن عاشقات النذل ويقول في آخر المقال أنّ هذه الرواية

زاهي وهبي: لن تنال الجائِزة

كمال الرياحي: لن تنال الجائِزة ولم تُكتَب للجائِزة، وربّما كُتِبَت ضدّها، كُتِبَت ضدّ ثقافة الجائزة لأنّه من المفترض أن

زاهي وهبي: أيضاً موضوع الترجمة، الشيء نفسه أُستاذي. تُلاحظ أنّ هناك كُتّاباً عرباً يكتبون روايات وكأنّها كُتِبَت لأجل أن تُترجَم فقط

كمال الرياحي: هذا صحيح لأنّ الكتابة تحت الطلب تورّط فيها كبار الكتّاب، حتّى بعد الثورات العربيّة والانتفاضات ظهر كُتّاب كبار في العالم العربي من الذين يعيشون في الغرب وكتبوا كتابات رديئة جداً نسفت تجربتهم الأدبيّة نتيجة لهذا التصارع من أجل أن "غاليمار"

زاهي وهبي: تقبل أن تنشُر لهم

كمال الرياحي: من أجل أن "غاليمار" طلبت رواية حول الثورة التونسية فتُكتَب رواية رديئة لكاتب من المفروض أنّه مُكرَّس، وغير ذلك من الأسماء وأنا لا أريد أن أذكر أسماء

زاهي وهبي: طبعاً "غاليمار" دار نشر فرنسيّة شهيرة. حضرتك نلت جوائِز على أعمال أدبيّة وروائيّة، ماذا عنت لك؟ ماذا أضافت الجوائِز التي نلتها إلى تجربتك؟

كمال الرياحي: الجوائز أولاً أنا لم أكتُب لها على الإطلاق وتفاجأت، وإلى الآن يعتبرون أنّ مثلاً حصولي على جائِزة أفضل رواية في "تونس" "الكومار"، وكنتُ أصغر كاتب يحصل عليها وحينها التفت المشهد الثقافي التونسي  وتساءل، من أين جاء هذا الكاتب؟  بالنسبة لي، وبعد ذلك حصلت على جائِزة "بيروت 39" وجائِزة أُخرى في "مصر" حول القصّة القصيرة. فهذه الجوائِز من المفروض أنّ وظيفتها هي تسليط الضوء على هذه التجربة لمزيد من الاهتمام بها وجذب إعلامي أكثر لها لأنّها حتّى جوائِز ماديّة بائِسة لا يُمكِن أن تُغيِّر من حياة شخص في النهاية. ولا أعتقد أنني أُفكِّر في جائِزة، لذلك سُئِلتُ عن رأيي في ترشيح روايتي إلى جائزة "البوكر" من "الساقي"، أجبتُ جواباً دائِما أُجيبه، بأنني سعيد بالترشيح لسبب وحيد، ليس بسبب الجائِزة إنما أعتبِرُ ذلك اعترافاً من دار النشر أنّ روايتي من أفضل الروايات الصادرة هذا العام في دار النشر 

زاهي وهبي: دار النشر نفسها

كمال الرياحي: وهذا يكفيني، أمّا مسألة الجائِزة فلا تعنيني

زاهي وهبي: مسألة الخصومات الأدبيّة والثقافيّة في الوسط الثقافي، في كلّ وسط ثقافي هناك خصومات ولك نصيب من هذه الخصومات، كيف تتعامل معها؟ طبعاً أنا لا أدخُل في القيل والقال ولكن، كيف تتعامل مع هذه المسألة؟ النجاح ثمّ زيادة في عدد القرّاء ثمّ خصوم إضافيين  

كمال الرياحي: هذا بالضبط. أنا أعتقد أنّ كلّ كاتب ينجح ويخطو خطوة إلى الأمام، تظهر أصوات سوداويّة بشكلٍ أو بآخر

زاهي وهبي: تُشكك، تُحبِط

كمال الرياحي:  نعم، لأنّ هؤلاء لهم الوقت، لهم الوقت الكافي ربّما لهذه النميمة التي حتّى النساء في فترة من الفترات، الآن النساء متقدّمات جداً، تنازلنَ عن وظيفة النميمة هذه

زاهي وهبي: ولكن الكُتاب لا يقبلون بالتنازل

كمال الرياحي: نعم، فأنا متأكِد بأنّ كاتباً نمّاماً متى وجد طريقه إلى الكتابة الحقيقيّة سيتوقّف عن هذا لأنّه سينشغِل بالإبداع

زاهي وهبي: تنظُر بإيجابيّة إلى المشهد الأدبي في "تونس"؟ أنا قرأت بعض حواراتك، بعض كتاباتك، ولكنّك في نفس الوقت تقول أنّك لا تنتمي إلى جيل مُعيّن. بمعنى، عدم الرغبة هذه بالانتماء إلى الأجيال وإلى هذه التصنيفات من م ماذا تنبع؟

كمال الرياحي: لأنّه ليس هناك أجيال. فكرة المُجايلة بالنسبة لـ حتّى العالم العربي و"تونس" تحديداً أعتقد من المبالغة الحديث عن جيل أدبي أو جيل فنّي أو غيره. إنّما عندنا أصوات، أصوات ليس بالضرورة أن تكون بنفس الجيل. أنا أعتبر نفسي، أولاً حتّى ثقافتي، تراكُم الثقافة لم تكُن نتيجة لتفاعُلي مع المشهد التونسي لأنني منذ كنتُ طالباً أنشُر في المشرق. في مقالاتي وفي نصوصي كنت أنشُر في المشرق، فلم أحتكّ كثيراً بالمشهد التونسي ولا الجماعات والنوادي وغير ذلك إلاّ بعد حصولي على جائِزة "الكومار الذهبي" لرواية بدأوا يتعرّفون عليها شيئاً فشيئاً. مسألة أيضاً ، أعيش مُنعزِلاً وهذه مُفارقة، أن تنظُر تجدني موجوداً في الشارع مع المُهمّشين، مع غيرهم في الشوارِع الخلفيّة في "تونس"، لكنك لا تجدني في الفضاءات التي تتجمّع فيها

زاهي وهبي: نعم، مقاهي المثقفين أو أماكن

كمال الرياحي: أنا تقريباً أُقاطعها نهائياً ويعلمون ذلك، ومن هنا ربّما تأتي مسألة هذه النميمة والخصومات لأنني أنا في الحقيقة أُريد أن أستغلّ هذا الوقت في الكتابة وفي القراءة وفي العيش أيضاً، لأنّ هذه الفضاءات تُنمّط، يُصبِح بمُجرّد أن يجتمع اثنان يجتمعان على قتل آخر أو يجتمعان على أن يقتلوا أنفسهم أحياناً لأنّهم يضيعون وقتاً في نقاشات

زاهي وهبي: أنا دائِماً أقول للأصدقاء بأنّ الطاولة ملأى بالضحايا في المقهى

كمال الرياحي: صحيح

زاهي وهبي: حين يجتمع أربعة أو خمسة كتّاب على طاولة مقهى يكون عليها 200 ضحيّة. دائماً في هذا الإطار، إطار الابتعاد أو النأي، هلّ العُزلة حاجة ضروريّة للكاتب؟ بمعنى ليس العُزلة عن الشارِع ولكن خلق عالم خاصّ به

كمال الرياحي: ضروري جداً، ضروري جداً بالنسبة لي أن يأخذ الكاتب والمُبدِع مسافة من مشهده، خاصّةً المشهد  الاستعاري الذي ينتمي إليه بشكلٍ أو بآخر لأنّه أولاً خصوصيّة الكاتب تنشأ في العُزلة، تنشأ من تأمّله لتجربته، خاصّةً إذا اكتشف تلك الملكة التي هي سرّ التميّز بالنسبة لي، وهي ملكة النقد الذاتي لأنّه هكذا يكون ناقداً قبل أن يتعرّض إلى النقد، وأيضاً حتّى صداقاته إذا لزِم الأمر، أن يكون هناك ذكاء لاختيار الأصدقاء المُختلفين. عندما نتحدّث عن "ماركيز" مثلاً، عندما يقول أنني أكتُب رواية وأُعطيها لأصدقائي، ولكن ليس أصدقائي الكُتّاب، وليس أصدقائي المُعجبين بي، لأنّ هؤلاء سيقرؤونها بعد نشرها، إنّما أعطها لأصدقائي النمّامين الذين لا يُعجبهم العجب. من هنا، أعتقد أنّ مسألة العُزلة ومسألة تموضعك من العالم أيضاً مُهمّة جداً، ومسألة البحث والاشتغال على العمل هو السبيل إلى أن يُقدِّم

زاهي وهبي: هلّ يوجد مشروع مُقبِل بعد "عاشقات النذل"؟ هلّ عندك تصوّر لعملٍ ما ؟ ما هو؟

كمال الرياحي:  نعم، بالنسبة للرواية القادمة، أنا بصدد كتابة رواية بعنوان مبدئي "عام بلا منتحرين" وهي إعادة كتابة سيرة مزوّرة والبحث في شخصيّة كاتِب روائي أميركي هو " ديفيد فوستر والاس" المُنتحِر في عام 2008، هذا الكاتب الذي بقيَ لُغزاً في الحقيقة في مشهد الأدب العالمي والأدب الأميركي في الأساس وفي أنّه انتحَر في قمّة عطائِه في الوقت الذي قيل أنّه اكتُشِفَ في مشهد الأدب الأميركي كاتب عظيم جداً وكان مدرِّب ورشات أيضاً وكان نجماً من نجوم الأدب الأميركي المُعاصِر وفجأةً يُفاجأ العالم بأنّه

زاهي وهبي: انتحر

كمال الرياحي: انتحر، فرثاه صديقه الروائي المعروف الآن "جوناثان فرانزون" ووصفه بالرجل المحبوب والكاتب المحبوب وسأله في النهاية وفي تأبينه " ما بك يا رجُل؟"، فانطلقتُ من هذا السؤال "ما بك يا رجل؟" واعتبرت أنّ المسألة يُمكن أن يكون فيها شيء ولا بدّ أن نبحث في مقتله أو في انتحاره، هلّ كان انتحاراً ؟

زاهي وهبي: أم جريمة؟

كمال الرياحي: ولكن هذا طبعاً الشكل الذي يبدو أنّه بوليسي أو تحقيقي ولكن في الداخِل تُطرَح قضايا أُخرى، قضايا الأدب، قضايا الإنسان، لأنّ هذه الرواية طبعاً بين "تونس" وبين " الولايات المتحدة "

زاهي وهبي: أتمنّى لك التوفيق وشرّفت "بيت القصيد"، أهلاً وسهلاً بحضرتك

كمال الرياحي: شكراً على هذه الدعوة، كنت سعيداً بها

زاهي وهبي: أهلاً وسهلاً، ومن خلالك تحيّة لـ " تونس"، لمُشاهدينا في كلّ أنحاء العالم، والشُكر المُعتاد لفريق العمل، لمُخرِج هذه الحلقة وللمنتِجة "غادة صالِح". نلتقيكم الأُسبوع المُقبِل على خير بإذن الله 

البرنامج

إعداد
زاهي وهبي وغادة صالح
تقديم
زاهي وهبي
المنتج
غادة صالح
إخراج
علي حيدر
الايميل