خط النار

برنامج بصيغة جديدة وبإيقاع سريع وبمقدم واحد، وبرنامج مؤقت مرتبط بالأحداث الساخنة ويواكبها في حلقات مكثّفة. خط النار من تقديم الإعلامي غسّان بن جدو لوحده، بحيث يعرض المعطيات ويقدّم قراءة وتحليلاً للمواقف ومن ثم يضيف تقدير الموقف. تتضمن الحلقات تقارير ومواقف ومشاهد إضافة إلى بعض الحلقات من الميدان. "خط النار" هو الخط الملتهب في المنطقة.

إعتداء القنيطرة

إعتداء القنيطرة.

المحور الأول

معطيات حول اعتداء القنيطرة على الصعيد العسكري الميداني والسياسي ، المعطيات الاسرائيلية ومعطيات محور المقاومة.
1.mp4

غسان بن جدو: سادتنا مشاهدينا المحترمين سلام الله عليكم.

معذرة منذ البدء لحديثنا عن النار واللهيب وكلّ ما هو ساخنٌ وحارقٌ في مساحتنا الجديدة هذه، "خط النار"، لكنّ واقعنا العربي والإقليمي بل العالمي يشتعل بكلّ ما هو حرّاقٌ.

صراعاتٌ وتوتراتٌ وحروبٌ، انقساماتٌ عربيةٌ، افتقاد رجال الدولة، أحقادٌ شخصية، كراهية متنامية، ظلامية متوحّشة، إرهابٌ يتمدّد ويذبح، نفطنا منهوبٌ، ما يبقى منه يغذّي الفتن والتقسيم، ثروات الغاز والنفط هي في قلب الصراع، ومن أجلها، كلّها باتت خطوط نارٍ، لم تعد خطوط نماءٍ وأمانٍ، واقعٌ من التخلف والعبث بالنار، في ظلّه إسرائيل تغدر وتقتل، هي جوهر الصراع.

إسرائيل والإرهاب وجهان لعملةٍ واحدة. في الجوهر هما واحدٌ. التحالف بين إسرائيل ومن معها وجماعات الإرهاب ومن وراءها بات عضويًا وموضوعيًا. هو حلف النار. حلفٌ عربيٌ إسرائيليٌ دوليٌ رسم خط نارٍ حسب نجاته يسيرة، اعتقد نار خطه من المحيط إلى الخليج نارًا على غيره. اربع سنواتٍ قاتمة بشعة هي امتدادٌ لأربعة عقودٍ قاهرة أليمة.

خط النار إذاً يمتدّ مذ ذاك وما قبل، ما قبل، اليوم خط النار هذا بات مكشوفًا، لا عذر لمن يجهل، لا شرف لمن يتجاهل، لا مبرّر لمن يتفرّج. كان شعار من المحيط إلى الخليج عنوان هويةٍ وعروبةٍ وحلمٍ بالوحدة والتحرير. اليوم عبارة من المحيط إلى الخليج هي خط نارٍ يأكل العقول والقلوب والأخلاق، والأعراف والأرض والنسل والحرث. للدقة أريد له ذلك. نجح في بقاعٍ، لم ينجح في أخرى. الأهم أنه أخفق في سلب الإرادة والثوابت، فأمام الحلف المذكور، إسرائيل ومن معها وجماعات الإرهاب ومن وراءها، تقف قوى تواجه.

هي المقاومة، المقاومة بأشكالها كلّها، خط النار من المحيط إلى المحيط، هو خط الصراع الاستراتيجي الفعلي. اليوم نحن مع خط النار الذي أرادت إسرائيل وحلفاؤها الجدد رسمه بالقوة والغدر والاغتيال والتوحّش. أول الخط بين إسرائيل وحزب الله.

أهلاً بكم سادتي.

 

أول الخط

(مقطع مصوّر)             

 

غسان بن جدو: أهلاً بكم سادتي. أودّ أن أوضح هوية برنامج خط النار. هو قد لا يكون هذا البرنامج ثابتًا، ولكنه سيواكب الخيارات أو الخطوط الساخنة، القضايا الساخنة، ربما بحلقةٍ، ربما بحلقاتٍ، لكننا ندرك أنّ واقعنا العربي الآن كلّه ساخنٌ، فبالتالي قد يمتدّ هذا البرنامج، ولكنني أقول إنّه قد يمتدّ حلقاتٍ ولن يمتدّ أكثر، ولكن في كلّ مرّةٍ عندما تحدث قضية ساخنة كبرى سيعود برنامج خط النار.

خط النار هذه المرة الغدر الإسرائيلي في القنيطرة فرض نفسه حتى نبدأ بهذه الحكاية أو بهذه القضية، ولكنّ حزب الله لم يتأخر في الردّ على عملية القنيطرة، فدمجنا عملية القنيطرة بردّ حزب الله. اليوم، في أول الخط، سوف نتحدّث عن عملية القنيطرة بحدّ ذاتها، خلفياتها وماذا حصل وماذا يمكن أن نكشف من معطياتٍ ومعلومات، سوف نتحدّث عن عملية الردّ الأساسيّة وما هو مُتاحٌ لنا أن نتحدّث فيه، ولكن هناك مُتاحٌ مفيد، ربما اليوم أيضًا سوف نتحدّث قليلاً عن شهداء عملية القنيطرة، جميع الشهداء، ربما عدا الجنرال الإيراني، نتحدّث عنه لاحقاً، ولكنني أقول أمرًا أساسيًا.

لأول مرة على الشاشات العربية، سوف نُظهر مشاهد للشهيد جهاد عماد مغنية، وقبل بدء برنامج خط النار، وضعت الميادين خبرًا عاجلاً مفاده أنّ الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس الإيراني كان هنا في بيروت، كان في ضاحية بيروت الجنوبية وزار ضريح جهاد عماد مغنية. سوف نتحدّث عن هذه المسألة. ولكن نحن نتحدّث عن أول الخط، ولكن في الحقيقة، خط النار له أكثر من خط.

 

أكثر من خط

(مقطع مصوّر)

 

غسان بن جدو: أعذرونا سادتي المشاهدين. هذا البرنامج سيكون إيقاعه سريعًا، فبالتالي أنا سوف أتحدّث بإيجازٍ. ثمة هناك تقارير، ثمة هناك صور، ثمة هناك أيضًا مقالات ومواقف، ولكن كلامي سيكون بحدّ ذاته بإيقاعٍ سريعٍ وبعناوين أساسية.

في ما يتعلق بعملية القنيطرة سادتي المشاهدين، الكلّ في الحقيقة ربطها بالمقابلة التي أجراها سماحة السيد حسن نصرالله الأمين العام لحزب الله مع شاشة الميادين ورفع فيها السقف وتحدّث فيها بكلامٍ استراتيجي كبير، وأغلب التحليلات ربطت عملية القنيطرة بهذا المعطى أو بهذه المقابلة. في الحقيقة، أودّ أن أقول هنا أمرًا أساسيًا مفيدًا جدًا من ناحية المنهجية. نحن نحترم عدونا. بمعنى آخر، الاحترام أننا لا نصغّر من شأن إسرائيل. إسرائيل ليست قبيلة ولا تتحرّك أيضًا بالعواطف وبلغة الثأر والانتقام فقط. هذا موجودٌ لديها بلا شكّ، لكن لديها مؤسسات وبالتالي هي تتخذ قراراتها. هل إنّ عملية القنيطرة قد اتخذتها المؤسسات العُليا داخل إسرائيل؟ هذا ما ليس واضحًا، وكلّ المعطيات تفيد بأنّ الذي اتخذ القرار هو نتانياهو وبن يعالون ورئيس الأركان الإسرائيلي، بطبيعة الحال مع الجيش الإسرائيلي، ولكن خطة في حدّ ذاتها قائمة منذ فترة، ولا يمكن أن نربط ما حصل فقط بمقابلة السيد حسن نصرالله.

لماذا أقول هذا الكلام؟ لأنّ منطقة القنيطرة في الجولان تعتبر في الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية بل في الاستراتيجية السياسية الأمنية الإسرائيلية والأمن القومي الإسرائيلي تُعتبر خطًا أحمر. لا أجد حَرَجًا في القول أنّ إسرائيل وجّهت أكثر من رسالةٍ بشكلٍ غير مباشر إلى المقاومة في لبنان تشير فيها إلى أنّ وجودها هناك يُعتبر خطاً أحمر، وبالتالي حتى إذا كان وجودها عبارة عن خبراء ومستشارين وهذا كشفه السيد حسن نصرالله ولم يجد حرجاً في قوله، هناك أيضًا في القنيطرة، في الجولان المحتل، هناك ما يمكن اعتباره بجماعاتٍ تهيئ لها أن تفتح جبهة مقاومة على إسرائيل. حزب الله هناك موجودٌ ليس بعديد بمعنى من الجنود ولكن بخبراء، وينقلون هذه التجربة، وهذا الأمر ليس خافيًا.

جهاد عماد مغنية كان هناك. سمير القنطار الأسير المحرّر كان هناك، مع عددٍ من كوادر المقاومة. وما أودّ أن أقوله، أنه قبل حوالى بضعة أسابيع، قبل شهرين أو ثلاثة أشهر، إسرائيل سرّبت عبر استخباراتها إلى جهاتٍ غربية، وتحدّثت وقالت أنّ الذي يقود العمليّات هناك في الجولان المحتلّ هو جهاد عماد مغنية، وكان ذاك إنذارًا بأنّ إسرائيل تعتبر وجود جهاد عماد مغنية خطاً أحمر وسوف تستهدفه. الأسير المحرّر سمير القنطار، أنا أستطيع أن أقول إنّ إسرائيل كانت تخطط لاغتياله، وكان يمكن أن تنجح قبل أشهرٍ في اغتيال سمير القنطار، بل إنّها استهدفت سيارة لأحد كوادر حزب الله وكان في حسبانها أنّ سمير القنطار موجودٌ هناك، لكنّ سمير القنطار لم يكن موجودًا.

أكثر من ذلك، هناك معطياتٌ أيضًا تفيد بأنّ الاستخبارات الإسرائيلية كانت تخطط لخطف سمير القنطار إذا نجحت في خطف سمير القنطار. أما ما يتعلق بجهاد عماد مغنية، نستطيع أن نؤكد أنّ الإسرائيليين استهدفوا جهاد عماد مغنية وهم يعرفونه ويعرفون أين كان بشكل أساسي. الجنرال الإيراني الله دادي كان موجودًا هناك بالفعل. هو كان المستشار العسكري، هذا ما هو مُعلَن، كان هو المستشار العسكري الإيراني في سورية، والجهات الثلاث التي كانت موجودة مع بعضها، الجنرال الإيراني والشهيد القائد الكبير أبو عيسى ومن معه وجهاد عماد مغنية، في الحقيقة هي ثلاث مجموعات قد تكون تتكامل في عملها، ولكنها لم تكن تقوم بعملٍ مندمج.

إذاً وجود هذه المجموعات الثلاث كان بجولةٍ تفقدية، والحقيقة بالفعل أنّها كانت في جولة تفقدية كما قال بيان حزب الله. كانوا ينطلقون من نقطةٍ إلى نقطةٍ أخرى، وليس صحيحًا مطلقاً ما قاله الإسرائيلي بأنّ هذه المجموعة كانت تخطط للقيام بعمليات، وليس صحيحًا مطلقًا أيضًا ما قاله الإعلام الإسرائيلي أو القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية أنّها استهدفت هؤلاء قبل أن ينفّذوا عملياتهم. إنّ الجولة كانت تفقدية، لم يكونوا يخطّطون لأيّ عملية، وربما أهل الشأن وأهل القرار في حزب الله هم المعنيّون أكثر بتوضيح ما حصل من تحقيقات، ولكن أستطيع أن أقول إنّ المستهدَف الأساسي كان جهاد عماد مغنية، ونحن اليوم سنعرض مشاهد لجهاد عماد مغنية.

هناك أمرٌ في ما يتعلق بعملية القنيطرة، باختصارٍ شديد وبإيجازٍ أساسي. هذه العمليّة كما قلت هي عمليّة لها بُعد استراتيجي. المسألة الأولى، العنوان الأول في هذا البُعد الاستراتيجي، هي إسرائيلية عسكرية بحتة. بمعنى آخر، أنّ إسرائيل أرادت أن تقول أنّ هذه المنطقة تعتبرها خطاً أحمر، عسكريًا، ولا تريد أن تسمح بانطلاق مقاومةٍ من هناك، وهي لذلك بالمناسبة تسمح للجماعات التكفيريّة ممّا يُسمّى بالمعارضة السورية أن تصول وتجول هناك، تتعاون معها، تقدّم لها الهواتف. وأنا أؤكّد لكم، سادتي المشاهدين، أنّ بعض قادة هذه الجماعات المسلحة في الجولان وعلى الحدود الفلسطينية المحتلة والسورية هم أيضًا يتحدّثون مع الإسرائيلي وبخطوطٍ إسرائيلية، وسيأتي يومٌ ربما نتحدّث عن هذه القضية بتفصيلٍ أكثر، وسيأتي يومٌ ربما سنكشف تسجيلاتٍ لأحاديث بين الإسرائيليّين وبين هؤلاء.

إذاً هذا ما تعتبره إسرائيل خطاً أحمر. إذاً هي أرادت أيضًا أن تقول أنّ هذه النقطة هي خط أحمر. النقطة الثانية هي إسرائيلية سياسية. بكلّ صراحةٍ، إنّ كلمة السيد حسن نصرالله، المقابلة التي أجراها سماحة السيد حسن نصرالله كانت مقابلة ضخمة، كانت مقابلة كبيرة. أنا لا أتحدّث هذا لأنّها على شاشة الميادين. الكلّ يُجمِع أنّها كانت مقابلة من أفضل ما تحدّث السيد نصرالله في بُعدها الاستراتيجي. لقد وجّه رسالة استراتيجية كبرى إلى إسرائيل. أرادت إسرائيل أيضًا أن تردّ بتلك الطريقة، ولكنه جزء من هذه المسألة.

أما النقطة الثالثة في هذه العمليّة، ودعوني أتحدّث هنا أيضًا بكلّ صراحةٍ. نحن أيّها السادة الأعزّاء نتحدّث عن محورين، وأنا قلت في المقدّمة نحن نتحدّث عن إسرائيل ومن معها والجماعات الإرهابية ومن وراءها من أطرافٍ عربية وإقليميّة في مواجهة المحور الآخر. قبل أربع سنواتٍ، كان ما يُسمّى بمحور المقاومة والممانعة أو محور المقاومة والمواجهة، كان في حالة تراجعٍ، كان هجوم كبير على كلّ هذه القوى، على سورية وإيران وعلى العراق وعلى حزب الله، كان هنالك تضييق، كان هنالك حشر في الزاوية. الكلّ كان يتحدّث على أنّ سورية ستسقط، وبالتالي حزب الله سينكفئ، وبالتالي فإنّ إيران ستنكمش. كان هذا هو المسار العام. فإذا بنا بعد أربع سنواتٍ نجد العكس تمامًا. نجد هذا المحور، المحور الأول، الإسرائيلي العربي الغربي الداعم لهذه الجماعات هو الآن في حالة تراجع. عسكريًا في سورية هو في حالة تراجع، هذا لا نقاش فيه، بل إنّ الأطراف العربية والإقليمية الآن لا تستطيع أن تحقق إنجازًا عسكريًا جديًا على أرض سورية. حاولت أن تردّ على انتخاب الرئيس بشار الأسد في ذلك الوقت بعملية داعش في الموصل من أجل أن تسقِط المالكي وتردّ الردّ صاعين كما يُقال، ولكن الآن المحصّلة، نحن نتحدّث أنّ هذا المحور، المحور الأول، هو في حالة تراجع استراتيجي عسكري ميداني، لا نقاش في هذا الأمر، بينما هذا المحور هو يتقدّم. وكانت الخلاصة في الخطاب للتأكيد أنّ هذا المحور هو محورٌ يتقدّم، كانت المقابلة التي أجراها السيد حسن نصرالله.

إذاً عملية القنيطرة كان لها بُعد عسكري، بُعد سياسي ولكن في الوقت نفسه بُعد استراتيجي. لكن ما الذي حصل؟ أّنّ الجولان أو القنيطرة التي تعتبرها إسرائيل خطًا أحمر استهدفت موكبًا لحزب الله، وهذا الاستهداف اعتبره حزب الله والمحور خطاً أحمر. نحن بتنا أمام ماذا؟ بتنا أمام تصارع وتدافع نقطتين أساسيتين بخطين أحمرين. ضربت إسرائيل، لكنّ الضربة كان مستحيلاً أن يتحمّلها حزب الله، كان مستحيلاً أن يتحمّلها المحور. خط أحمر في وجه خط أحمر. كان إذاً بدٌ من الردّ. لكن هذا الردّ أيضًا ليس ردًا انفعاليًا ولا ردًا قبليًا ولا ردًا عشائريًا. هو ردٌ محسوبٌ بعناية. لن أدخل في الردّ بالتفصيل، ولكنني أستميحكم عذرًا لنشاهد الآن تقريرًا لحسن عبد الساتر، كيف يفكّر إجمالاً حزب الله عندما يريد أن يردّ.

 

تقرير: سؤالٌ يُطرَح عند كلّ محطةٍ من محطات الصراع الدامي بين الحزب وإسرائيل الدائر منذ أكثر من ثلاثين عامًا، وها هو يتجدّد اليوم بعد عدوان القنيطرة الأخير. إنّ معرفة ماذا سيفعل حزب الله وما هو قراره القياديّ ليس بالأمر اليسير لدى حزبٍ يتقن الكثير من الفعل والقليل من الكلام، وهي معرفة لطالما حيّرت دوائر القرار في إسرائيل والعالم والكثير من أجهزة الاستخبارات وخبراء تقدير الموقف.

وبشكلٍ عام إذا ما درسنا آلية صنع القرار لدى حزب الله وطبيعة القرارات الهامة التي اتخذها طوال مسيرته النضاليّة نجد أنّها تتميّز بالسمات الأساسيّة التالية:

-       الدقة والرويّة، حيث تتميّز قرارات حزب الله بالهدوء وعدم التسرّع، فلا تُتّخذ إلا بعد استكمال جميع المعلومات والمعطيات المطلوبة ومن مختلف المصادر المتاحة.

-       المشاركة وعدم التفرّد، فقيادة حزب الله هي قيادة جماعيّة، ولا يتمّ اتخاذ القرار إلا بعد التداول به في الهيئات القياديّة وشورى القرار، ومن ثمّ تبليغه أو إعلانه باسم الأمين العام للحزب.

-       الحكمة والعقلانية، حيث يراعي حزب الله جميع العوامل والظروف المحيطة بأيّ قرار سيتّخذه.

-       الاستقلالية والحرية، حيث تتخذ قيادة حزب الله قراراتها باستقلاليةٍ تامّة ولا تخضع لأيّ ضغوطٍ خارجيّة.

-       الثبات ومراعاة الأولويات، يُلاحَظ أنّ حزب الله يلتزم في قراراته تحقيق أهدافه الاستراتيجية وأولوياته الكبرى.

-       الشجاعة والمسؤولية، ففي مقابل عدم التهوّر والتسرّع، تتمتّع قيادة حزب الله بشجاعة اتخاذ القرار المناسب مهما كان حجم التهويل أو التحدّي.

-       السرية والانضباط، حيث تتصف قرارات الحزب بسريةٍ عاليةٍ وكتمانٍ شديد، ومن الصعب جدًا معرفة ما تقرّره شورى القيادة إذا لم تقم هي بإعلانه.

-       التوقيت المناسب، فمن السمات البارزة أيضًا لقرارات حزب الله تنفيذها في الوقت الصحيح والدقيق.

وبالعودة إلى ذاكرة المقاومة، فإنّنا سنجد الكثير من النماذج والقرارات التي تتميّز بالخصائص التي ذكرناها، ومنها على سبيل المثال لا الحصر ذلك السؤال التاريخي الذي استمرّ طوال ثمانية عشر عامًا ولم يجب عليه حزب الله، ولم يتمكن أحدٌ من معرفته: ماذا سيفعل حزب الله إذا ما انسحبت إسرائيل من جنوب لبنان؟

وفي العام ألفٍ وتسعمئةٍ وتسعةٍ وتسعين، شنّت إسرائيل بقيادة رئيس الوزراء وقتئذٍ إيهود باراك هجومًا على البنى التحتية اللبنانية مستهدفة محطات الكهرباء، ومسقطة تفاهم نيسان عام ألفٍ وتسعمئةٍ وستةٍ وتسعين، الذي حيّد المدنيّين إثر فشل عدوان عناقيد الغضب ونجاح المقاومة في إرساء معادلة قصف المستوطنات الإسرائيلية مقابل الاعتداء على المدنيّين اللبنانيّين وبناهم التحتيّة. هدف باراك من العمليّة كان إيقاع حزب الله في فخّ كان ينصبه له، حيث كان يتوقع أنه سيحرج حزب الله ويدفعه إلى قصف المستوطنات، فيما كان الجيش الإسرائيلي قد أنزل سكّان المستوطنات إلى الملاجئ، وينتظر ردّ حزب الله ليشنّ عملية واسعة ضدّه. لكنّ الحزب لم يردّ والتزم الصمت طوال أيامٍ عدّة ما دفع المستوطنين القابعين في الملاجئ إلى الاحتجاج والغضب بوجه حكومتهم. عندها اضطرّ باراك إلى إخراجهم من الملاجئ وإعادتهم إلى حياتهم اليوميّة. في هذا الوقت، ردّ حزب الله وقصف المستوطنات الشمالية بالكاتيوشا، فأربِكت القيادة الإسرائيليّة ولم تتمكّن من تنفيذ ما خطّطت له وفشلت جميع تقديراتها.

 

غسان بن جدو: طبعًا في ما يتعلق بالردّ الذي قام به حزب الله في مزارع شبعا المحتلة، في الحقيقة نحن بلا شكّ، نحن وغيرنا، نترك التفاصيل لأصحاب الشأن حتى يقولوها، وأعتقد كما قال الإسرائيليّ اليوم، هو أيضًا في انتظار كلمة السيد حسن نصرالله. هناك اليوم مقالات إسرائيليّة تتحدّث على أنّ ما سيقوله السيد حسن نصرالله يوم الجمعة سينتظره أيضًا الإسرائيليّون بشغفٍ كبير والقيادة السياسية حتى تعرف ما الذي يمكن أن يكشفه وما الذي يمكن أن يقوله.

المهمّ في ما يتعلق بهذه العملية، الآن أنا سأتحدّث عمّا حصل في هذه العملية، ما هو مُتاحٌ لنا بقوله بطبيعة الحال. أولاً هو كمين ضدّ الدروع. الإسرائيلي طبعًا، كلنا استمعنا أنه يقول أنه استُهدِف، هذا الموكب، استهدِف من قبل كورنيت ما سمّاه الجيل الرابع، بمعنى آخر الجيل الرابع يعني، هو أراد أن يقول إنها كورنيت متقدّمة، هي كورنيت حديثة لأنه يعرف الكورنيت. أنتم تعلمون جيّدًا أنّ واحدة من مفاجآت حرب تموز عام ألفين وستّة كانت استخدام حزب الله لصواريخ الكورنيت التي دمّرت العبقرية الكبرى التي تتباهى بها إسرائيل وهي الميركافا من الجيل الرابع، وطبعًا إسرائيل حدّثت دروعها، شاحناتها وملالاتها ودبّاباتها وآلياتها، طبقاً لذلك الكورنيت. اليوم، هي تمّ استهدافها بما سمّته الجيل الرابع، ونحن لسنا ندري ماذا يعني الكورنيت من الجيل الرابع. المهم أنّها كورنيت هي محدّثة. هل هي محدّثة من قبل الروس أنفسهم أم تمّ تحديثها من قبل حزب الله ذاته؟

الذي حصل أنّ الكورنيت هذه دمّرت، ما حصل في هذا الموكب بشكل مباشر، سادتي الأعزّاء، قبل أن آتي إلى هنا وصلني على هاتفي الجوّال سؤالٌ يتمّ الآن تناوله وتبادله، في أيّ دولةٍ يتمّ استهداف موكبٍ ويُقال سيارتان فقط، لأنّ الحديث الآن عن استهداف سيارتين فقط أو آليتين فقط، ويُقتل كلّ هذا العدد وإصابة كلّ هذا العدد بجراح. أين كانوا؟ هذا العدد، أكثر من خمسة عشر شخصًا، أين كانوا؟ في سيارتين فقط؟ في آليتين فقط؟ المعلومات المتوفرة أنه بالفعل كانوا في تسع آليات، ستّ آليات في موكبٍ واحد، وكانت هناك ثلاث آليات تؤمن هذه الآليات الستّ. بمعنى آخر، الستّ آليات، الموكب، كانت المسافة بين سيارةٍ وأخرى، حوالي ثلاثة إلى أربعة أمتار، بينما السيارات التي تؤمّن، هي الثلاث الأخرى، كانت حوالى خمسين متراً فيما بينها. تمّ تدمير هذه الآليات، والمؤكّد أنه تمّ تدمير الآليّات، ليست الآليّات التي تؤمّن ولكن الآليات الأخرى.

الإسرائيلي اعترف بما يلي، أربعة قتلى، أنظروا معي يا إخوان، أربعة قتلى، المعلومات المؤكّدة لدى، ما وصلنا أنّ هناك ستة من الجنود الإسرائيليّين هم الآن في حالة موت سريري، نتحدّث عن خمسة جرحى آخرين بإصابات متوسّطة، والحديث، تمّ الحديث أيضًا، ليس تمّ الحديث، المعلومات المتوفرة أنّ هناك أيضًا بين ثلاثة إلى أربعة جنود آخرين تاهوا، أصيبوا بهلوسة، بحالة هستيريا. تذكرون أمس عندما كانت هناك تغطية، والإسرائيليّون أنفسهم تحدّثوا أو تردّد أنه يمكن أن يكون هناك أسير إسرائيلي. في الحقيقة، لم يكن هناك أسير إسرائيلي. هناك من بين هؤلاء الذين أصيبوا بالهلوسة والهستيريا الذين هربوا وتاهوا ولم يكن أحدٌ يعرف أين هم، بعدئذٍ اكتشفوا، عثروا على الثلاثة التائهين الهاربين الفارّين، ولكنّهم افتقدوا رابعًا، هذا أصيب بهلوسة يبدو تاه وضاع بين المزارع، إلى أن عثروا عليه.

إذاً هؤلاء هم الأشخاص. نحن نتحدّث إذاً في الحدّ الأدنى عن تسعة عشر جنديًا وضابطًا. هذا هو الذي حصل بشكل أساسي. المقاومة أطلقت عدّة صواريخ دفعة واحدة، من المفيد ربما أن نشاهد بعض الصور أو الغرافيكس هنا. المقاومة، ما أودّ أن أقوله هنا، المقاومة أطلقت عدّة صواريخ دفعة واحدة، ومن قبضاتٍ متعدّدة. نحن نتحدّث عن صواريخ موجّهة. ما الذي يعنيه صواريخ موجّهة أيها السادة؟ صواريخ موجّهة هي بمعنى آخر فيها مرابض وفيها إحداثيات، والذي سيطلق هذا الصاروخ يكون يعرف هذه الإحداثيات بشكل دقيق، ويضعون هذه الصواريخ، إذاً هناك وقتٌ حتى يضعوا هذه الصواريخ ويحدّدوا أهدافهم ويطلقوا الصواريخ، وبعدئذٍ ينسحبون. هذا يؤكد أنّ العمليّة كانت دقيقة ومعقّدة.

المعلومات المتوفرة تؤكّد بأنّ هذا الموكب كان موكبًا قياديًا بالفعل. أودّ أن أشير أيضًا، أنا فقط أقدّم معطيات الآن، أودّ أن أشير أيضًا إلى أنّ كلّ هذه المنطقة بالمناسبة هي يُفترض أنّها محروسة، مؤمّنة من قبل الإسرائيلي بأكثر من رادار، بأكثر من منطقة تنصّت، وبأكثر من منطقة فيها مجساد للرصد وللتنصّت بشكل أساسي. المفارقة أنّ الإسرائيليّ لم يكتشف وجود هؤلاء المقاومين من قبل حزب الله، لم يكتشف وجودهم قبلاً، ولم يكتشف من أين ضربوا واستهدفوا الآليات، ولم يكتشف من أين انسحبوا. هذه قدرة لدى المقاومة وإخفاق لدى الطرف الآخر، كيف استطاعت المقاومة أن تقوم بهذه العملية من دون أن تكشفهم القوات الإسرائيليّة وأجهزة الرصد والتجسّس؟ هذا واحد من أسرار هذه العمليّة، والذي يؤكد بطبيعة الحال أنّ المسألة كانت مهمّة.

نحن نؤكد أيضًا بأنّ المقاومين كلّهم آمنون، هذه المعلومات المتوفّرة لدينا، ولكن أعود وأقول إنّ أصحاب الشأن والقرار في قيادة حزب الله هم المعنيّون وكلامهم الموثّق أكثر في الحديث عن المسألة، ولكن ما نعلمه أنّ جميع الذين قاموا بهذه العمليّة هم آمنون، والذين قاموا بالعمليّة بالمناسبة ليس الذين أطلقوا الصواريخ فقط، هناك من أطلق الصواريخ وربما ما هو متوفر أنّهم كانوا بين تقريباً ألفي متر أطلقوا الصواريخ، وهناك مجموعة أخرى متقدّمة وهناك المجموعة التي تؤمّن انسحابهم. نحن نتحدّث إذاً عن مجموعات من قوات المقاومة التي قامت بهذه العمليّة.

أشير إلى أنّ هذه العملية، عملية ردّ حزب الله، تمّت في أجواء من الاستنفار العالي والرفيع للقوات الإسرائيلية، وبلا شكّ أنّ هذه المسألة تؤدّي بنا إلى أن نشرح هذه المسألة ونلخّص ما حصل من هذا الردّ. هل هو ردّ هام أم هو ردّ استعراضي أم هو ردّ بلا هدف وبلا جدوى وخيّب أمل البعض كما سمعنا وقرأنا بعض الكتابات؟ هذا كلّه جزءٌ من الخط الساخن.


المحور الثاني

قراءة وتحليل حول اعتداء القنيطرة، المواقف الاسرائيلية وخيارات رد حزب الله.
المحور الثاني

غسان بن جدو: أهلاً بكم مشاهدينا الأعزّاء.

كيف تفاعلت القيادة السياسيّة والعسكريّة الإسرائيليّة؟ نسمع سويّة وبعدئذٍ نعلّق ونشرح.

 

صوتية 1 (بنيامين نتانياهو): إنّ من يقف خلف عملية اليوم سيدفع ثمنًا باهظًا. منذ مدّة تحاول إيران عبر حزب الله فتح جبهةٍ إرهابيّةٍ أخرى ضدّنا من الجولان. نحن نعمل بقوة وبمسؤولية ضدّ هذه المحاولة. إنّ حكومة لبنان ونظام الأسد شركاء في المسؤولية عن تداعيات الهجمات التي تُشَنّ من أراضيهما ضدّ دولة إسرائيل. في كلّ هذه الحوادث، مهمّتنا هي الدفاع عن دولة إسرائيل. الاعتبار الوحيد الذي يقف أمامنا هو أمن دولة إسرائيل، وأمن مواطني إسرائيل. هكذا عملنا وهكذا أيضًا سنواصل العمل.

 

صوتية 2: الوضع معقّد. هذا حادثٌ خطيرٌ جدًا واستثنائي، ولن يكون هناك تسوية في كلّ ما يتعلق بمكافحة الإرهاب. يجب توجيه ضربات، وضربات قاسية ومؤلمة، لكن في الزمان والمكان المناسبَين للمصلحة الإسرائيليّة.

 

صوتية 3: لا مصلحة الآن للطرفين في التصعيد، وحزب الله يجب أن يعرف أنّنا سنردّ بقوّة على أيّ تنكيلٍ من هذا النوع باتجاه إسرائيل. يجب أن يعلموا أننا سنردّ، وعلينا نحن أن نعرف أنّ الردّ سيأتي في الوقت المناسب واللحظة الصحيحة.

 

صوتية 4: إسرائيل والجيش يعرفان كيف يردّان على هذا الحادث بقوةٍ كبيرة. مع ذلك، نحن لن نسمح للعدوّ بإملاء مكان وتوقيت وإطار ردّ الجيش الإسرائيلي.

 

غسان بن جدو: سادتي المشاهدين، استمعنا إلى ما قالوه. الخلاصة أنّ الجميع يتوعّد، ويهدّد، وهو يتحدّث أنّ هذه المسألة هي مسألة خطيرة. وأنتم لاحظتم معنا الآن كيف أنّ نتانياهو يتحدّث بكلّ هذه القوة. هو تحدّث عن نقطتين. بطبيعة الحال، هو اعتبر أنّ ما قام به حزب الله هو عملٌ خطير، ولكنّه في الوقت نفسه حمّل المسؤوليّة إلى حكومة لبنان وإلى سورية وإلى إيران، وهذا يعني أنّ إسرائيل وأنّ نتانياهو لا يتعاطى مع حزب الله كحزبٍ فقط وكحزبٍ مقاوم، ولكنّه يتعاطى مع المحور، وهذا مهمّ. هذا ليس مجرّد كلام في الهواء لنتانياهو. كما قلنا في البداية، إسرائيل الآن تتعاطى مع محور، وفي كلّ وقتٍ كانت تتعاطى مع محور، وفي كلّ صراع على مدى السنوات الماضية، هي كانت تتعاطى مع محور، ولكنّ البعض منّا ربما نحن العرب وفي المنطقة الإقليمية، كانوا لا يريدون أن يتحدّثوا عن هذه النقطة، يتحدّثون فرادى: إيران لديها مشروع للهيمنة والنفوذ في المنطقة. سورية تسخر منّا وهي تتحدّث عن ممانعة ولكنها لا تفعل شيئاً. أما حزب الله فهو يريد استغلال الجبهة الفلسطينية من أجل تنفيذ مشروعه الهيمني.

ولكن الحقيقة أنّ هذا المحور هو منظومة كاملة. نحن لا نتحدّث عن محور هكذا، نتحدّث عن منظومةٍ متكاملة. إسرائيل هكذا تتعاطى وهذا الأمر المهمّ، لكن المهمّ أنّ إسرائيل في هذه المرّة أيّها السادة، هي تتحدّث بوعيد وتهديدٍ ولكنّها لا تفعل شيئًا. وهذا يؤكد ماذا؟ هذا يؤكد أنّ ردّ حزب الله كان ردًا هامًا محترفًا وذكيًا وشجاعًا. أما لماذا عدم الردّ الإسرائيلي؟ في الحقيقة ربما، النقطة الأولى أنّ إسرائيل بصراحة بكلّ المقاييس يبدو أنّها لا تريد مواجهة كبرى ولا تريد حربًا كبرى. هي تريد حروبًا موضعية. هذه الحروب الموضعية، جزءٌ من العقيدة، عقيدتها الأمنية العسكرية، الحروب الموضعية بمعنى الضربة الوقائية، الضربة السريعة، وهي بذلك تريد أن تفرض قواعد اللعبة أو قواعد الاشتباك بأنّها تتحكّم في الردع، وما قامت به في القنيطرة أرادت أن توجّه رسالة أساسيّة، هي جزءٌ من عقيدتها الأمنيّة العسكريّة و القوميّة أنّها هي صاحبة الكلمة الفصل والأولى في تحديد قواعد اللعبة، قواعد الاشتباك، وبشكل أساسي عنوان الردع.

الذي حصل في ردّ حزب الله أنه أربك هذه المعادلة. إسرائيل تضرب فإذا بحزب الله يردّ، وهذه هي الخلاصة الأساسيّة المركزيّة أنّ حزب الله هو الذي يتحكّم في معادلة الردّ، وهذا مهمٌ جدًا أيّها السادة، وهو بالمناسبة ليس الأول. أودّ أن أذكّر فقط أيّها السادة الأعزاء بأنّ حزب الله عندما، أو المقاومة في لبنان، والمقاومة الإسلامية في لبنان هي ذاتها حزب الله، ولكن نحن نتحدّث عن المقاومة الوطنية اللبنانية بشكل عام، المقاومة الإسلامية اللبنانية أي حزب الله، عندما انسحبت القوات الإسرائيليّة عندما كانت تحتلّ جنوب لبنان من جزين، إذا كنتم تذكرون عام تسعةٍ وتسعين، لم تنسحب هكذا، انسحبت تحت نار المقاومة، تحت نار حزب الله، أراد حزب الله وقتذاك أن يقول أنتم تنسحبون ولكنّكم تنسحبون تحت النار، وهذه هي المعادلة التي أريد أن أفرضها.

ولكن في كلّ الأحوال، هذا جزءٌ بطبيعة الحال من معادلة الردّ التي سنتحدّث عنها بأكثر تفصيل، ولكن لأنّ المنطقة كلّها تلتهب، فنحن الآن أمام خطٍ ساخنٍ بكلّ ما للكلمة من معنى.

 

الخط الساخن

(مقطع مصوّر)

 

غسان بن جدو: عندما نتحدّث عن الخط الساخن، هل إنّ ما حصل إذًا من عملية القنيطرة وردّ حزب الله، هل هو ربما يؤدي إلى مواجهةٍ كبرى وإلى حربٍ خطيرة بين الطرفين؟

من الواضح أنّ ما قام به حزب الله لا يؤدّي إلى مواجهة وإلى حرب، ومن البين ايضا إنّ ردّ الفعل الإسرائيليّ رغم كلّ التهديد والوعيد الذي تحدّثنا عنه قبل قليل، لم يؤدّ إلى مواجهةٍ على الأقلّ حتى هذه الساعة. قلتُ لأنّ الجانب الإسرائيليّ قد لا يريد حربًا شاملة الآن، بهذا الشكل، خصوصًا بعد ما حصل معه في غزة، رغم كلّ ما يهوّل به بالمناسبة، ويتحدّث بحربه النفسيّة على أنّه قادرٌ على أن يدمّر لبنان ويضرب حزب الله ويضرب المقاومة ويلقّن الجميع درسًا. ما حصل له في غزة كان درسًا له بطبيعة الحال.

النقطة الثانية، في اعتقادي أنّ إسرائيل هذه المرّة أخذت في الاعتبار الموقف الأمريكي. نحن دائمًا نتحدّث على أنّ الولايات المتحدة الأمريكية هي الحليفة الأولى والأساسيّة لإسرائيل. هذا لا نقاش فيه. ولكن بكلّ صراحةٍ، ما حصل في القنيطرة وردّ حزب الله يشير إلى أنّ البيت الأبيض، الإدارة الأمريكية ليست راضية على هذا التصعيد. ربما لأول مرةٍ عندما قامت إسرائيل بضربتها في القنيطرة، اكتفت واشنطن بعدم التعليق، بينما كانت في السابق دائمًا تقول إنّ هذا حقٌ مشروع، ومن حقّ إسرائيل أن تلاحق الإرهابيّين والذين يريدون أن يخرّبوا الأمن والاستقرار في المنطقة. لم يحصل هذا الأمر. عندما ردّ حزب الله، اعتبرت أنّ هذا الأمر لا يؤدّي إلى تصعيد. صحيح أنّها أدانت ما سمّته بعنف حزب الله، ولكنها في الوقت ذاته، كان واضحًا بأنّها لا تريد مواجهة كبرى، وحتى اجتماع مجلس الأمن بالمناسبة، مجلس الأمن الدولي عندما يجتمع بهذه الطريقة ويكتفي بإصدار هذا البيان، وينادي بضرورة إشاعة الاستقرار في المنطقة، هذا من الواضح أنّ الولايات المتحدة الأمريكية والغرب عمومًا والمجتمع الدولي في هذه اللحظة لا يريد تصعيدًا لأنّ هناك عدّة ملفات الآن أمام الطاولة، في مفاوضات الملف النووي، في إدارة البيت الأبيض لها، أولويات أخرى، وبالتالي هي لا تريد هذا التصعيد وإسرائيل أخذته بعين الاعتبار.

النقطة الثالثة، بلا شكّ هي تدرك جيّدًا رغم كلّ قوتها العسكرية وقدراتها وإمكاناتها، ولكنّها إذا أرادت أن تضرب حزب الله هنا في لبنان، فإنّها ستتلقى ردًا أساسيًا.

أودّ أن أقول أيضًا في ما يتعلق بعملية ردّ حزب الله. أنا أشرت الآن إلى بعض المعطيات التي حصلت، ولكنّها عملية محترفة، بمعنى آخر أنّ المقاومين الذين قاموا بهذه العملية هم محترفون من الدرجة الأولى. أنا تحدّثت عن عملية الكورنيت فقط ولكنني أودّ أن أشير في كلّ الحالات إلى أنّ هذه العمليّة تمّت بسرعة فائقة بعد عملية القنيطرة، نحن نتحدّث في مزارع شبعا المحتلة بشكلٍ أساسي، وبحسب ما هو متوفر لدينا بأنّ المقاومة كانت تعلم علم اليقين هذا الموكب، هوية هذا الموكب، توقيت هذا الموكب. نحن إذاً نتحدّث عن قدرة استخبارية معلوماتية هائلة لدى المقاومة في كشف ما حصل، والذي تبحث عنه بشكل أساسي إسرائيل.

النقطة الثانية أنها عملية شجاعة. نحن، كما قلت، نحن نتحدّث عن هذه العملية بالكورنيت، لكن لا شكّ أنّ هناك من هم على الأرض، وهذه العملية الشجاعة التي ضربوا فيها إسرائيل بزاويةٍ ضيّقة جدًا، وربما إذا أتيح لنا مرّة أن نبثّ هذه الصور والمشاهد، فبشكل أساسي سنكتشف هذه المسألة.

أما النقطة الثالثة، فهي عملية ذكيّة. كانت هناك خمسة سيناريوهات أين يمكن أن يردّ حزب الله: الجولان المحتلّ، من داخل لبنان وجنوبه، من داخل فلسطين المحتلة، أو ربما خارج المنطقة ولبنان، النقطة الخامسة وهي الأصعب والأعقد والأكثر ذكاءً هي مزارع شبعا المحتلّة. قام حزب الله، كانت إسرائيل تتمنى وتريد أنّ حزب الله إذا أراد أن يردّ، يردّ من الجولان المحتلّ، لأنها هناك ربما ستقوم باجتياح تلك المنطقة وتوفّر لها ولحلفائها من الجماعات التكفيريّة السيطرة على كلّ المعابر. أما حزب الله، فاختار نقطة في أرض لبنانيّة محتلّة، لم يكن خرقاً للقرار 1701، وهذه العمليّة في حدّ ذاتها لا تؤدّي إلى مواجهة. لذا نقول إنّها عمليّة محترفة، شجاعة وذكيّة في الوقت ذاته.

لكن الوفاء للشهداء، شهداء القنيطرة، يفرض عليها أن نشير إليهم بهذه الطريق إذا سمحتم.

 

(مقطع مصوّر)

 

غسان بن جدو: رحم الله هؤلاء الشهداء، وربما هم لا يعلمون بأنّهم رسموا محطة مفصليّة جديدة في قواعد الاشتباك بين المقاومة وبين إسرائيل. سنتحدّث عن هذا الأمر بأكثر تفصيل في حلقةٍ لاحقة من خط النار، خصوصًا عندما سنتحدّث عن خصوصيّات الجولان بشكل أساسي. تحدّثنا عن هؤلاء الشهداء، ولكن اسمحوا لنا أيضًا أن نخصّص فقرة لجهاد الشهيد الصغير الكبير الفتي الكبير جهاد عماد مغنية. صورٌ نشاهدها لأول مرةٍ، وسنعرف من هو جهاد عماد مغنية.

 

(مقطع مصوّر)

 

غسان بن جدو: نحن نعتقد أنّ الشهيد جهاد عماد مغنية يستحقّ بحقّ لقب أيقونة الشباب المقاوم أو أيقونة شباب المقاومة جهاد عماد مغنية. ونحن نتحدّث عن جهاد عماد مغنية، أودّ أن أشير أيضًا إلى أنّ كلّ شهداء المقاومة كلّهم يستحقّون التقدير والتبجيل والاحترام، سواء كانوا في لبنان أو في فلسطين أو في أيّ منطقةٍ رجالها يقاومون من أجل الوطن ومن أجل التحرير، وليس يرفعون لواء المقاومة أو الثوار أو التحرير عبثاً وارتزاقاً. ربما ونحن نتحدّث عن جهاد عماد مغنية، نحن نتهيّأ أيضًا بكلّ صراحة، نعدّ أيضًا وثائقيًا عن بقيّة الشهداء. هذه الصور التي نشاهدها لجهاد عماد مغنية، بالمناسبة هذه الصور هي للشهداء الذين كانوا معه وهو كان  مع مجموعته.

جهاد عماد مغنية أولاً كان شابًا مؤمنًا. هل تعلمون سادتي المشاهدين بأنّ جهاد عماد مغنية استشهد ولمّا يتجاوز الخامسة والعشرين من العمر بل لم يتجاوز الرابعة والعشرين من العمر، هو من مواليد 91. عدّة مشاهد فيها، كان عمره بين 18 و19 عامًا، جهاد عماد مغنية هو ابن الشهيد عماد مغنية، وأنا أتحدّث الآن بكلّ صراحةٍ، وعماد مغنية كان قائدًا كبيرًا، لا نقاش فيه، وفي المقاومات هناك قادة كبار. الكلّ قادة بالمناسبة، لكن دائمًا يتمّ اختيار رموز، وعندما يتمّ اختيار رموز بالمناسبة، هذا لا يعني لا سمح الله تمييزًا لهذا أو ذاك. ربما حتى أحدّث جمهور المقاومة أيضًا بشكل مباشر، عندما في السادس عشر من شباط في كلّ عامٍ، يتحدّث الأمين العام لحزب الله ووراءه دائمًا ثلاث صور، الشهيد راغب حرب، الشهيد السيد عباس الموسوي، والشهيد عماد مغنية. هل هذا يعني لا سمح الله تمييزًا لهؤلاء الشهداء عن بقية الشهداء؟ إطلاقاً. ولكن في كلّ حين يتمّ اختيار رموزٍ ما لتعبّر عن كلّ هذه الظاهرة وعن كلّ هذا الحشد. حتى أخاطب الشباب المعنيّ، حتى الشباب الشيعيّ ذاته، الذي ربما البعض منه يتحسّس لماذا نميّز هذا عن ذاك. حتى في كربلاء، نحن نتحدّث عن الإمام الحسين ونتحدّث عن العباس، هل نتحدّث عن عشراتٍ آخرين معه. كلهم شهداء، ولكن نتحدّث عن رمزٍ ما. أيضًا عندما نتحدّث عن الخلفاء الراشدين، لا سمح الله هل نميّز صحابة عن صحابة آخرين؟ نتحدّث عن عمر بن الخطاب ونتحدّث عن أبو بكر ونتحدّث عن الإمام علي عليه السلام إلى غير ذلك، بمعنى تقديم هؤلاء ليس بالضرورة تمييزًا عن الآخرين.

ولكن مفيد أن نتحدّث عن جهاد عماد مغنية، ونحن نتهيّأ أيضًا ربما لإنجاز فيلم كبير عنه. كان مؤمنًا جهاد عماد مغنية، كان مؤمنًا بحق، كان مؤمنًا ومتديّنًا بحق، كان أيضًا قياديًا ميدانيًا. بمعنى آخر، لم يكن ابن زعيمٍ كبير وكان يعيش في البيوت المخملية وبين السيارات الفارهة، ولا علاقة له بأجواء المقاومة. كان يمكن أن يعيش بطريقةٍ أخرى، ويمكن أن يتذرّع بكلّ شيء، لكنّه اختار هذا الطريق، جهاد عماد مغنية كان عمره 19 سنة، هذه الصور التي نشاهدها، 19 سنة و20 سنة، وهو يقود الحركة الطلابية لحزب الله، وكان يؤطّر وكان يعلّم وكان يتحدّث وكان يخطب والكلّ ولديه كان كاريزما هائلة جدًا، أيضًا حتى العمليات العسكرية، رأيتم هذه العمليات العسكرية، هذه مجموعات بالمناسبة هو يدرّبها بنفسه، ونستطيع أن نقول أيضًا بثقة، جهاد عماد مغنية في الرابعة والعشرين من العمر كان مكلفًا بثلاث مهام، واحدة منها مجموعة من المقاومين بمهام خاصة أهل الشأن معنيّون بتوضيح هذه المسألة، وأيضًا بالمناسبة كان شابًا يحبّ الحياة، لم يكن شابًا بعيدًا عن هذه الدنيا، لذلك عندما كانوا ينتصرون في الجامعة يقطعون قالب الحلوى وكانوا يلعبون الرياضة إلى غير ذلك.

لكن المفاجأة الكبرى أنه بعد استشهاد جهاد عماد مغنية والشباب المقاومين الآخرين رحمهم الله جميعًا بدون استثناء، الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس الحليف الأقوى والأكبر لحزب الله والمقاومة في لبنان، بعد ثمانيةٍ وأربعين ساعة، كان هنا في بيروت وفي ضاحية بيروت الجنوبية، وزار ضريح الشهيد جهاد عماد مغنية. بقي لساعاتٍ عدّة فقط، ونُظهِر هذه الصور لأول مرّة، وشكرًا لمن سلّمنا هذه الصور.

 

(مقطع مصوّر)

 

غسان بن جدو: هذا الجنرال قاسم سليمان قائد فيلق القدس. هو زار كما قلت ضاحية بيروت الجنوبية لساعاتٍ معدودة، أقلّ من أربع وعشرين وساعة، وقدّم العزاء إلى حزب الله، قدّم العزاء إلى السيد حسن نصرالله، والحقيقة ربما أنهما تبادلا تقديم العزاء بما أنّ الإيرانيين والجنرال قاسم سليماني فقد من أعزّ معاونيه الجنرال الله دادي، وزار ضريح جهاد عماد مغنية، وتلا على روحه الفاتحة، هذه الصور للجنرال قاسم سليماني، واللقاء الذي تمّ بين السيد حسن نصرالله والجنرال قاسم سليماني لم يكن لقاءً عاطفيًا ولكنّه كان لقاءً للتشاور وللحديث، لأنّنا نتحدّث عن منظومةٍ كاملة وعن محورٍ كامل، ولم يجد حرجًا السيد حسن نصرالله في مقابلته الأخيرة أن يقول أنه يعرف الرجل جيّدًا ويتشاوران ويتبادلان كلّ شيء.

إذًا الجنرال قاسم سليماني كان في بيروت، في ضاحية بيروت الجنوبية. رحم الله الجميع. لكن في نهاية هذه الحلقة، آخر الخط.