الغارة الارهابية على كنائس مصر

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله وبيّاكم وجعل الجنّة مثواكُمُ، وتعازينا القلبيّة لكلّ الذين قضوا جراء الأعمال الإرهابيّة ضدّ كنائس مصر الحبيبة.

قال الله تعالى "وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى". قال ابن كثير في تفسير هذه الآية، "الذين زعموا أنهم نصارى من أتباع المسيح عليه السلام وعلى منهاج إنجيله فيهم مودّةٌ للإسلام وأهله". وقال تعالى " إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ"، وقال رسول الإسلام العملاق "استوصوا بأقباط مصر خيراً فإنّ لكم فيهم ذمّة ورحمة".

رغم التوصية الربانية والمحمّدية والعلماء الربانيين في هذه الأمّة بضرورة الحفاظ على الأرواح والمقدّسات لأيّ دينٍ إنتمت، إلا أنّ الإرهابيّين الذين لا دين لهم ولا خلاق لهم فجعوا مصر العربيّة في أحد الشعانين. والإرهابيّون الذين ينتمون إلى تنظيم داعش الذي ملأ دنيا المسلمين والمسيحيين ودنيا الإنسان بشكلٍ عام دماءً وانفجارات وتفخيخاتٍ وسحلٍ وسلخٍ، لم يُسبَق إليها حتى في أعتى عصور الإنسان جاهليّةً وظلاميّةً، ينطلقون من موروثٍ إسلامي مسرطنٍ وجب استئصاله من منظومة المعارف الإسلامية قبل قرون.

فقد ورد في كتاب "السيل الكانس لترّهات باني الكنائس" للشيخ أبي همام بكر بن عبد العزيز الأذري ما يلي "إذا بنى الكُفّار كنيسةً في دارٍ من دورهم، ثمّ قصد المسلمون تلكم الدار ففتحوها بالسيف، فحكمها الهدم". وقال ابن تيمية في "مجموع الفتاوى"، الجزء الخامس، صفحة 120 "والصليب لا يجوز عمله بأجرة ولا بغير أجرة ولا بيعه صليباً كما لا يجوز بيع الأصنام ولا عملها، ومن أخذ عوضاً عن عينٍ محرّمة أو نفعٍ استوفاه مثل أجرة حمّال الخمر فإنّ ذلك محرّم".

وقبل تفجير الكنائس في مصر، أعلن مفتي مصر الدكتور شوقي علام أنّ "دار الإفتاء المصرية اكتشفت وجود ثلاثة آلاف فتوى تحرّض على هدم الكنائس في مصر". وقد ورد في كتاب "النفائس في أدلّة هدم الكنائس" لابن الرفعة، يقول "قال ابن تيمية، أما ما حدث بعد ذلك فإنّه يجب إزالته، ولا يمكَّنون من إحداث البيع والكنائس، كما شرط عليهم عمر ابن الخطاب في الشروط العمرية المشهورة"، وقال "لا يجدّدوا في مدائن الإسلام ولا في ما حولها كنيسةٌ ولا صومعةٌ ولا ديراً ولا قلايا امتثالاً لقول الرسول لا تكون قبلتان ببلدٍ واحد"، رواه أحمد وأبو داود بإسنادٍ جيّد.

وأفتى أعضاء لجنة الإفتاء الدائمة، وهم بكر أبو زيد وصالح الفوزان وعبد العزيز آل الشيخ وعبد الله ابن غديان، بأنّ من زعم أنّ اليهود على حق، وأنّ النصارى على حق، سواء كان منهم أو من غيرهم، فهو مكذّبٌ لكتاب الله تعالى وسنّة رسوله، وإن بناء المعابد الكفرية، هكذا يقول عن الكنائس، معابد كفرية، كما سمّوها، وهي الكنائس والكنّس وغيرها في البلاد الإسلاميّة محرَّمٌ بالمطلق.

الغارة الإرهابية على كنائس مصر عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش من مصر المفكّر الإسلامي أحمد ماهر، ومن تونس المفكّر الإسلامي والاستراتيجي الدكتور مازن الشريف مسؤول قسم مكافحة الإرهاب في المركز التونسي لدراسات الأمن الشامل.

مرحباً بكم جميعاً.

 

(مشاهد فيديو)

 

يحيى أبو زكريا: تعازينا القلبيّة للشعب المصريّ، وتعازينا القلبية لكل الشعوب العربية والإسلامية التي تُقتَل غيلة وغدراً بفقهٍ أعمى.

سماحة الأستاذ أحمد ماهر، فقهنا يقتلنا، موروثنا يذبحنا، ما توارثناه من نصوصٍ هو الذي فجّر معابدنا وكنائسنا والحسينيات في ديارنا.

أما آن لنا أن نفطن، أن نستيقظ، بعد كل هذا الخراب في البصرة وغيرها؟

 

أحمد ماهر: بسم الله الرحمن الرحيم. تعازينا القلبيّة لكلّ الإخوة النصارى والمسلمين في أنحاء الأمّة، والحقيقة أننا ابتُلينا بقومٍ يظنّون أنه لم يهدِ الله أحداً سواهم، وهم أهل الأزهر. كم جاهدنا لخمس سنوات قبل عام 2015 كي يقوموا بتغيير كتب التراث المليئة والمشحونة والملغومة بالهدم والقتل للآخر والمُخالِف، وخصوصاً النصارى واليهود. لكن عبثاً، فها هو كتاب "الإقناع في حلّ ألفاظ أبي شجاع" بطل من أبطال هذا الحادث الأليم المفجع، وها هو كتاب "الاختيار لتعاليم المختار" بطل من أبطال هذا الحادث الأليم المفجع، وهما ممّا يُدرَّس في الأزهر، وهناك كتابان آخران أحدهما اسمه "الحوض المربع في شرح زاد المستقنع على المذهب الحنبلي"، والآخر اسمه "شرح الصغير على المذهب المالكي"، وكلّها كتبٌ تسعى لبثّ الرذيلة الفقهيّة، أو الجريمة الفقهيّة التي حدثت منذ ثلاثة أيام.

يا أخي الفاضل، نحن في محنة وسبب هذه المحنة شيخ الأزهر ورجال الأزهر، لست أدري وأنا أعلم أن المصريين ليسوا أهل علم، هل شيخ الأزهر من الإسلام، رمز من رموز الإسلام؟ هل للإسلام رمز غير القرآن الكريم؟ هل للإسلام رب غير الله سبحانه وتعالى؟ لماذا لا يستقيل هذا الرجل؟

يا أخي الفاضل، حينما يكون في صحيح مسلم، ولا يريد الأزهر أن ينقّيه، أنّه لا تبدأوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لاقيتموهم في الطريق فإضطروهم إلى أضيقه، وصحيح البخاري أيضاً، حينما يكون في صحيح مسلم أنه إذا جاء يوم القيامة جيء لكل مسلم بنصراني ويهودي، ويقول له الله هذان فكاكك من النار، هل هذا يكون رباً؟ هل أهل الأزهر يعبدون الله أم يعبدون رباً غير الذي نعرفه؟ هل الله العادل يأتي بنصراني ويهودي ليقول للمسلم هذان فكاكك من النار؟ هل الله سبحانه وتعالى، وأيضاً في حديث مسلم يقول إن الله سبحانه وتعالى يأتي بالمسلم فيأخذ من ذنوبه ويضعها على كاهل اليهود والنصارى ثم يدخل المسلمين الجنّة ويُدخِل النصارى النار؟

هذه ثقافة، ثقافة حقن فقه الكراهية، ثقافة حقن فقه الضغينة، ثقافة لا تنبع بين يوم وليلة، ثقافة يجب أن يستفيق لها رئيس الجمهورية، يجب أن تستفيق لها أجهزة الأمن في مصر، كان يجب أن يقرأ جهاز المخابرات العامة هذه الكتب، هذه الكتب كان يجب أن تُقرأ من جهاز المخابرات العامة ليعلموا البلايا التي تحويها ويعلموا المصائب التي تؤثّر على الأمن. تصوّر لو أنّ المسيحيين فعلوا مثلما فعل المسلمون، ستكون حرباً أهلية بين 92 مليون إنسان مصري على أرض مصر. لا بدّ أن يؤخذ الأمر بجدية وأن يؤخذ الأمر بصرامة وقوة وشدّة، ويجب إزالة وإزاحة أيّ إنسان وأيّ مخلوق يتصور أنه يدعو لدين الله بهذه الترّهات وذلك الفقه المعتوه.

هذا فقه معتوه ودينٌ غير دين الله. الأزهر يدعو لدين غير دين الله. دين الله عزّ وجل ليس هكذا، دين الله عزّ وجل "ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ"، دين الله عزّ وجل "وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ"، دين الله عزّ وجل "أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ". دين الله عزّ وجل ليس فيه قتل وليس فيه كراهية وليس فيه عنصرية، لكن هؤلاء يبثّون العنصرية ويبثّون القتل ويبثّون الطائفية.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ أحمد، دعني أذهب إلى تونس لاستكمال الفكرة من فضلك، في سياقات الفقه المعتوه، في مناطات الفقه الأحمر المدمِّر.

دكتور مازن، طبعاً وأنت أيضاً باحث، وجدت تقريباً عشرات الكتب عن ضرورة هدم الكنائس في البلاد العربية والإسلامية، والاعتداء عليها هو جهادٌ في سبيل الله، كما ورد في هذه الكتب، ولا أستطيع أن أجلبها جميعاً. ربما في مؤتمر خاص سوف نعرضها إن شاء الله، لكن أخذت من الجزء الخامس من مجموع الفتاوى لابن تيمية صفحتين عن ضرورة هدم الكنائس في سؤال ورد ابن تيمية الحراني من أهل مصر حول جواز هدم الكنائس، رغم أنّ عمر ابن الخطاب أوصى بالإبقاء عليها، فيقول "لا تعملوا بما ذهب إليه عمر ابن الخطاب واهدموا هذه الكنائس"، ثمّ يطالب بقتل الرافضة، كما في مجموع الفتاوى الجزء الخامس صفحة 120.

هل هو الفقه الأعمى الذي يدمّر بلادنا اليوم قبل أن ندخل في الأسباب الأمنية والاستراتيجية ومن يتآمر على أمن مصر العربية؟

 

مازن الشريف: بسم الله الرحمن الرحيم. السلام والصلاة والسلام على نبّي الهدى والسلام.

 

يحيى أبو زكريا: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

 

مازن الشريف: "قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ*يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ"، فسبل السلام التي بسطها الله في قرآنه والتي بيّنها رسول الله في بيانه، والتي أخذ بها الآخذون عنه العلم حقيقةً، واضحةٌ جليّةٌ، أما النزغ الذي كان فيه أقوامٌ توارثوا هذا النزغ وتشابهت قلوبهم، فإنّ الذي قتل الإمام علي كان يرجو أن يلقى الله وقد قتله، يرجو أن يلقى الله ويدخل الجنّة بقتله للإمام علي، والذين نكّلوا بالناس من خوارج وسواهم أيضاً كانوا يكبّرون وهم يذبحون الأبرياء ويقتلونهم.

ابن تيمية ليس فقط ردّ على عمر، على سيّدنا عمر، بل إنما ردّ حتى على أحاديث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وغيره في أمور كثيرة كالتوسّل وسواه، فأعتقد أنّ وجود نوعٍ من اللوثات داخل الكتب القديمة من وضع الواضعين ودسّ من دسّوا فيه ما أرادوا، هذا أمرٌ أقرّ به غير واحد من العلماء. وأعتقد أيضاً من باب البحث ومن باب التقصّي أنّ وجود مثل هذه المسائل وإن كان من قبل ربما تخفى بشأنٍ أو بآخر من شؤون السلطان وسواه، لأنّ أهل الحُكم كانوا يتبعون في الغالب أهواءهم ويأتون بالفقهاء حتى يجعلوا ما فعلوه من مدنَّسٍ أمراً مقدّساً، فإننا اليوم في خطرٍ حقيقي يستوجب مراجعاتٍ فعليّةٍ، ويستوجب استنباطاً وعلماً وحفراً في أعماق جيولوجيا واركولوجيا هذا التاريخ الذي فيه الكثير من الفتاوى وفيه الكثير من الفقه المزيف، والفتاوى التي تدعو للقتل والخراب والتي يستندون عليها في حرق معاذ الكساسبة أو في قتل الأيزيديين وتدمير الكنائس وغير ذلك.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ أحمد ماهر، لكنّ مصر العربيّة التي تُذبَح اليوم من الوريد إلى الوريد، وكلّنا يتطلّع بكثير من الحذر وينظر ويراقب ولاية سيناء أو إمارة المؤمنين في سيناء، هذا الفقه له امتداد إلى دول ترتبط بأوشج العلاقات مع مصر. يفترض بالدولة المصرية أن يكون لها قرارٌ حاسمٌ وحازمٌ ضدّ منابع هذه الفتاوى، لكن لا نرى ذلك في الأداء السياسي الرسمي. لماذا؟

 

أحمد ماهر: الحقيقة أنّ الأداء الرسميّ ترك أمر الدين تماماً للأزهر، والأزهر اختُرِق تماماً من الوهّابية والسلفية، ولعلّك تعني يا أخي الكريم بالمملكة العربية السعودية وفقهها الوهّابي الدموي، تلك المملكة التي تحطّم كلّ من حولها، تلك المملكة التي لها دينٌ خالص تسمّيه الإسلام وما هو قريبٌ من الإسلام. تلك المملكة لها سبتها الخاص لكني أيضا أعيب على رجال الأزهر وفقهاء الأزهر صمتاً مريباً، درسوا، يا أخي، لقد درسوا هذا الفقه، درسوا هذا الفقه، الأزاهرة درسوا هذا الفقه قروناً وليس عشرات السنين، قروناً، ولم يتكلّم فيها.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ أحمد، من فضلك، ممكن تعطيني مصداقاً لما تقوله؟ رفعت عناوين لكن أعطني مصداقاً من فضلك.

 

أحمد ماهر: أخي الفاضل في كتاب الإقناع، ولتعلم التدليس قبل أن أعطيك المثال، لتعلم حجم التدليس، كم جاهدنا لخمس سنوات منذ عام 2010 إلى 2015 فقاموا بتغيير المناهج فجعلوا كتاب الإقناع اسمه تيسير الإقناع، يعني هذا أنّ الإقناع منهج وإن كان المقرّر هذا، وجعلوا كتاب الاختيار لتعليل المختار جعلوه "المختار لتعليم المختار"، هم يضحكون على الأمّة، لكن المثال الذي تطلبه لتعلم جريمة الفقهاء في العصر، ليست جريمة انكبابهم وراء البترودولار أو وراء الوهّابية، لكن خذ مثلاً على سبيل المثال ما درسه مشايخنا ورضوا به ولم ينقضوه.

اسمع يا سيّدي، في صفحة 237، لما روي أنه صلّى الله عليه وسلّم قال، وطبعاً حديث مدسوس على الرسول عليه الصلاة والسلام، "لا تبنى كنيسة في الإسلام ولأنّ إحداث ذلك معصية فلا يجوز في دار الإسلام، فإن بنوا ذلك هُدِم، سواء أشرِط عليهم أم لا، ولا يحدثون ذلك في بلدة فُتِحت عنوة كمصر وأصفهان، لأنّ المسلمين ملكوها بالاستيلاء فيمتنع جعلها كنيسة، وكما لا يجوز إحداثها لا يجوز إعادتها إذا انهدمت، ولا يقرّون على كنيسة".

يا أخي الفاضل، هذا قليلٌ من كثير. خذ مثلاً على سبيل المثال، الذي مر كان على المذهب الشافعي، خذ مثلاً عن المذهب الحنفي، على فكرة أنا رفعت قضية على شيخ الأزهر بصفته لإلغاء فقه المذاهب كلّه. اسمع يا سيدي، "ويجب أن تميّز نساءهم"، نساء المسيحيين، "عن نساء المسلمين حال المشي في الطرقات والحمامات فيجعل في أعناقهن طوق الحديد ويخالف إزارهن إزار المسلمات، ويكون على دورهم علامات تميّز فيها عن دور المسلمين، لئلا يقف عليهم السائل فيدعو لهم بالمغفرة، وحاصد ذلك يجب تمييزهم بما يشعر بذلهم وصغارهم وقهرهم بما يتعارفه كل أهل ملة وزمان".

هل هذا يُعطى عنواناً غير فقه الكراهية، تغذية فقه الكراهية عبر السنين وعبر القرون وعبر الأحقاد؟ هل هذا يُعطى إطلاقاً على أنّه دين الله أم دين صنم من الأصنام؟ إنّهم في الأزهر يعبدون صنماً ولا ينقضونه، يعبدون صنماً ولا ينقضونه، ديننا الذي قال الله عزّ وجل فيه "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ". هم يجحدون الآية في سبيل هذه الكتب، كتاب مرّ عليه 800 سنة وهذا مرّ عليه 800 سنة يجد رواجاً اليوم في عام 2017.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ أحمد، سنواصل بُعيد الفاصل من فضلك.

مشاهدينا فاصلٌ قصير، ثمّ نعود إليكم، فابقوا مع نكبتنا.

 

 

المحور الثاني

 

(مشاهد فيديو)

 

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلاً بكم من جديدٍ. من أدرك حلقتنا، نحن نعالج موضوع الغارة الإرهابية على كنائس مصر.

دكتور مازن الشريف، دعنا نقارن بين إعلامين. هناك إعلام التضليل، وهو يتكلّم بوقاحة وبجرأة، ويدعو إلى الشتائم والتحريض، وإعلام الواقع. دعنا أيضاً في إعلام الواقع وإعلام الحق وإعلام اليقين نتكلّم أيضاً بصوت مرتفع وبحقيقة كاملة.

لا شك أن هنالك استهدافاً لدول عربية حضارية ما زالت تستودع الحضارة العربية والإسلامية والإنسانية. اليمن سُحِق، سوريا دُكدِكت، ليبيا نُسِفت أرضاً، مصر العربية التي فيها ذخائر الحضارة الإنسانية أيضاً تُستهدَف. من يتآمر على أمن مصر دولياً وإقليمياً؟

 

مازن الشريف: الحقيقة أن الأمر ربما دوّنته في مقالٍ لي صدر البارحة، وهو أنّ المشهد الذي جرى سنة 2003، المشهد الأول هو اكتشاف بيت السيّدة خديجة رضي الله عنها، وكيف حُوّل إلى بيت خلاء بشهادة عالِمٍ سعودي هو الذي اكتشف هذا الاكتشاف، وجاءت الجرّافات خوفاً على الناس من الشرك، وإنقاذاً لإيمانهم وتوحيدهم بزعمهم، وفي نفس العام لمّا، سنة الانهيار الذي حدث للعالم العربي وهو يشاهد سقوط بغداد العظيمة، تمّ برنامج تلفزيوني وذكرت الصحافية أنّ الجنود عليهم أن يدمّروا تاريخ العراق، وأن ينزعوا هذا التاريخ، وأن يجرّدوهم من هذا التاريخ، وفعلياً تمّ نهب الكثير من الآثار والكثير من الكنوز الحضاريّة التي وُجِدت في العراق، ثمّ رأينا مثلاً الدواعش عندما دمّروا مدينة نمرود.

إذاً بهذا الإخراج يصبح هنالك حلف صهيو وهّابي يدمّر ومن خلفه من خلفه، طبعاً لصوص الثروات والغاصبون الذين لا يريدون للأمّة أن تنهض مجدّداً، والذين يستعمرون أرضها ويستعمرون حكمها ويستعمرون مقدوراتها وكنوزها، والذين من خلفهم أيضاً من مخابرات وسواها، ولكنّ المعركة في أسّها ولبّها معركة حضارية لتشويه هذا الدين وتشويه هذه الأمّة والوقوف سداً منيعاً ضدّ انتشار الإسلام في العالم بروحانيّته الحقيقية. لذلك يستهدف التصوّف، تُدمَّر الزوايا، تُشوَّه صورة المسلمين حيثما وجدوا حتى يشاع أن المسلم إنما هو قاتل قتّال، وطبيعي أن ذلك يُستنَد فيه إلى تاريخ دموي وعلى ما زُيّف وما دُسّ وما وُضِع في الأحاديث النبوية، وما كان من شأن الفقهاء الذين تفاعلوا بطمع وخسّة، أتحدّث عن جانب منهم، مع ما فعل السلاطين كقولهم في من قطع سلطان لسانه كيف يستاك، وغير ذلك من المسائل التافهة التي أرادوا ان يجعلوها فقهاً وديناً.

إذاً هنالك من يتآمر على هذه الأمّة، هذا ليس من باب الحديث عن نظرية المؤامرة بل من باب الحديث عن تطبيقاتها، وقارئ بروتوكلات حكماء صهيون أو أحجار في رقعة شطرنج أو غيرها من الكتب، أو ما نظّره كيسنجر وسواه يتبيّن له أن المشروع الآن قد أوغل في الأمّة، ما نراه في اليمن وفي سوريا وما نراه في العراق وما نراه أيضاً في ليبيا وما رأيناه حتى في تونس في الاعتداء على متحف باردو، له دلالة حضارية عميقة جداً. هذا المشروع لا يريد للأمّة تاريخاً، لأنّهم يعلمون أنّ التاريخ يسند صاحبه والأمّة التي لديها تواريخ عميقة وقوية تستطيع أن تستمر وتكمل المسيرة، لأنّ التاريخ والماضي هو سند للحاضر والمستقبل، وهذا الأمر لا يقابله عمل من جانب آخر وهو عمل أمني واستخباراتي للدول ، وهو عمل فكري وثقافي وسواه لتبيان القيمة ولمناظرة هذا الفكر بفكر آخر يكون مستنيراً، بفكر الحق وفقه الحق، هذا عمل ما زال منقوصاً رغم وجود هذه المحاولات من هنا وهناك، ولكن يحتاج إلى تجميع الكلمة وتوحيد الصف والوعي أنّ هذه المشاهد ستطرأ مراراً، ما رأيناه في ستوكهولم، ما رأيناه في غيرها سيتكرّر، القتل بكل ما يمكن الوصول إليه لقتل الناس وترويعهم وتخويفهم من هذه الأمّة وتدمير السلم الأهلي والسلم الاجتماعي وإدخال الناس في معارك طائفية، مذهبية، تفتيت المفتّت وتجزئة المجزّأ وغيرها من الأمور التي يجب الانتباه إليها جيّداً، وتحليلها بعمق والنظر استشرافياً خاصة إلى مآلات ذلك وما يُرام منه من فتن بين المذاهب وفتن بين أصحاب الديانات ممّن تعاشروا منذ زمن، بين المقوقص ورسول الله، ماريا القبطية التي أولدت له إبراهيم عليه السلام، والتي كانت قرّة من قرّات عينه ونزل فيها القرآن سورة التحريم، وبينهما من رسالتين كريمتين وما أرسل إليه من هدايا وما أرسل إليه من أمور. وهذه الرحمة التي أوصى بها رسول الله يخالفها هؤلاء ويصمت أصحاب الحق أو لا يحسنون الكلام، ويتكلّم كثير من أصحاب الباطل حتى يصدّق الشباب الذين ليس لهم علمٌ وليس له معرفةٌ ووعي هذه الأمور ويدخلون في هذه المعارك، فيفجّرون أجسادهم في معركةٍ عبثيةٍ من أجل لا شيء حتى لا يبقى على الأرض شيء.

 

يحيى أبو زكريا: وهنا أقول دكتور مازن، أنه أليس على قاعدة احترام زوجات الرسول رضوان الله تعالى عليهن، احترام أبناء ماريا القبطية رضوان الله تعالى عليها؟ أليس أقباط مصر أبناء زوجة رسول الله؟ أليس الرسول أوصانا بأقباط مصر وقال "استوصوا بهم خيراً فإن لكم فيهم ذمّة ورحمة"؟

أستاذ أحمد، لماذا يتمّ الصمت على فتاوى تأتي من جواركم، وتطالب بانتهاك وخدش ودكدكة أمن مصر العربية؟

الشيخ الربيعي يفتي بجواز تحطيم الفراعنة، أبا الهول وغير أبي الهول، وآخرون وجّهوا فتاوى  لتدمير الكنائس. لماذا عندما يكتب مستنيرٌ كتاباً يدعو إلى يقظة العقل العربي النائم في سباتٍ عميق يُعتقَل، وعندما تأتي فتاوى تهزّ الأمن القومي يُتعامَل معها بدبلوماسية رقيقةٍ رقراقةٍ؟ لماذا؟

 

أحمد ماهر: نحن الحقيقة في مصر، لا يخصّ الأمر الأزهر فقط، بل التعليم العام أيضاً لاكه ما لاكه من فقه الكراهية وفقه القتل والدماء، وها هما كتابان، أحدهما على السنة الأولى الإعدادية، والثاني على السنة الثانية الإعدادية، وواضح أن هنا يوجد فارس بسيف وهناك يوجد فارس بسيف وخوذة يُحارب.

نحن الدولة كلها أصبحت داعشية ولكن يوشك كل فرد منا أن ينطلق في لحظة مُحدّدةٍ  له هو من دون سواه. نحن جميعاً وهّابية، أصبحنا وهّابيين، نحن جميعاً أصبحنا سلفيين وإن قلنا أننا سنّية ولا نحب السلفية، نحن جميعاً لا نعلم شيئاً عن الفكر والتدبّر في القرآن الكريم إنما نعلم جيّداً عن الأحاديث النبوية، نحن لا نعلم شيئاً إطلاقاً عن ملّة إبراهيم وعناصر ملّة إبراهيم لكن نعلم علوم السنّة. لذلك دولة في ضلال، دولة من أول إنسان فيها لآخر إنسان فيها في ضلال، لأنّ هذه الدولة جرفتها الوهّابية من دون أن تدري، جرفتها الوهّابية من دون أن تشعر، جرفتها بليلٍ أو بنهار، لا يهمّني، لكن المهمّ أن تستفيق هذه الدولة. متى تستفيق؟ هل تتصوّر حضرتك أنّ هذه الدولة التي تقول أننا نؤمن بالتوارة وبالإنجيل والقرآن يدرَّس فيها كتاب، هذا في الأزهر، يقول أنّه يجوز الاستنجاء بأوراق التوراة والإنجيل؟ ها هو، في صفحة 73، ينفع هذه النجاسة، النجاسة والخسّة، الخسّة الفقهية، تدرَّس في الأزهر لأبنائنا، وثم تقول لي نحن لماذا هكذا أو الدولة؟ الدولة، انتهينا، الدولة أصبحت تنحدر ككرة الثلج مع الوهّابية، ولا تدري أين نواتها. النواة اختفت، وصارت السلفية هي كل شيء.

يجب أن تعطي الدولة الفرصة لأهل الفكر، تعطي الفرصة لأهل التنوير، تعطي الفرصة للباحثين، كفاية مقاومة للتصحيح، كفاية إشاعة بأننا أصحاب أجندات استعمارية، كفاية إشاعة بأننا نهدف إلى هدم الدين. أي دين هم عليه؟ أي دين؟ أي دين ذلك الذي يقتل المرتدّ ويقتل تارك الصلاة ويقتل الزنديق وإن تاب، ويقتل المسيحي ويقتل اليهودي ويقتل كل الناس ويكره كل الناس؟ أيّ دين هم عليه؟ هل الله سبحانه وتعالى يُحيي الناس ليقتلهم هؤلاء؟ هل الله يستأجر قاتلاً ليجاهد في سبيله؟ هل الجهاد في سبيل الله بالقاتل والانتحاري؟

يا أخي، نحن أصبحنا دولة اختفى إسلامها الحقيقيّ، وصرنا على إسلام الوهّابية، الذي حاربه محمّد علي باشا الكبير، العريف الأفغاني الذي أمسك حُكم مصر. لكن هل نتوقّف؟ ومتى نتوقّف؟ ومتى تكون هناك إجراءات حاسمة؟ أنا كما قلت في بداية حديثي، لماذا الرجل الذي يمسك بالأمن، أمن التعليم في المخابرات العامة، وأنا كنت رجلاً ضابطًا في جهاز من أجهزة المخابرات، لماذا لم ينظر في هذه الكتب؟ لماذا لم يرَ أن هذه تؤثّر على الأمن؟ لماذا؟ ومن أجل ماذا؟ ليحاسب الضابط ويحاسب مديرو الأمن ويحاسب وزير الداخلية ويحاسب شيخ الأزهر ويحاسب كل إنسان ينشر هذا التعليم، تعليم الفارس والسلاح والخوذة. لماذا لا يدرّسون مثلاً على سبيل المثال ألكسندر فلمنج الذي اكتشف البنسلين، أعظم اكتشاف في العالم؟

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

أحمد ماهر: لماذا لا يدرّس، لأنه هذا هو البطل الذي يجب أن نتّخذه قدوة، لأنه مسيحي؟ ألكسندر فلمنج اكتشف البنسلين من العفنK وصار البنسلين هذا أيقونة العلاج في العالم حتى اليوم. لماذا لا يجب أن يكون هناك كتاب باسمه حتى تتعلّم الناس أو نريد بلطجية؟ هذا يُنتِج بلطجية، هذا الفارس يُنتِج بلطجية، هذا الفارس يُصدّر عدوانيين. نحن هل نفهم تربية قبل التعليم أو لا نفهم؟ للأسف نحتاج لأن نستفيق، نحتاج للنهوض من الإغماءة التي نحن فيها، نحتاج أن نتخلّص من المملكة العربية السعودية وفقهها. أنا أتحدّث بكلام صريح وواضح ولا أتحدّث بكلام فيه مواراة أو مواربة. لن نُذَلّ من أجل الدولار أو الريال، لن نجوع.

"وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ"، لا بدّ أن نؤمن بها، أوثق من السعودية وأوثق من الكويت وأوثق من كل البلاد، إنما ليكون هذا حالنا وحال أجيالنا وتكون الدنيا والشعب كلّه يفكّر باسم محمّد ابن عبد الوهاب، هذه الصورة مُعيبة في بلد قوامها أكثر من 90 مليوناً، لو قامت فيها حرب أهلية لأكلت الأخضر واليابس.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ أحمد، مع تحفّظنا على ما تقولون، لكن أريد أن أنتقل إلى تونس من فضلك.

دكتور مازن، بالمناسبة، أشار الأستاذ أحمد إلى موضوع المخابرات العربيّة. الفرق بين المخابرات العربيّة والمخابرات الغربيّة أنّ كلّ الانتليجنسيا الغربية تملك مراكز دراسات داخلها، في المخابرات الأميركية مركز الأبحاث والدراسات، المخابرات الغربية، أنت رجل أمن وتعرف استراتيجياً ماذا أعني. أما في المخابرات العربية، فالعكس، المخابرات العربية تسجن رجال الفكر والثقافة وكل من يريد أن يعين وطنه يُسجن أو يُنفى أو تُقلع أظافره، لهذا خابت مخابراتنا العربية.

بالعودة إلى موضوع الأمن المصري، يبدو اليوم أنّ مصر دخلت في دائرة الاستهداف والقصف الأمني، من الكنيسة المرقصية إلى أحداث كنيسة طنطا فالاسكندرية، ذبح الأقباط في ليبيا، الأعمال المتوالية، وأنت بالحسّ الأمني، عندما تلاحظ أنّ البيان التصاعدي للأعمال الأمنية بدأ يرتفع، معنى ذلك يوجد مشروع متكامل يستهدف أمن هذه البلاد.

صرخة يحيى أبي زكريا لا تنفع، صرخة مازن الشريف لا تنفع، صرخة أحمد ماهر لا تنفع، صرخة الأحرار لا تنفع. ما الذي يجب فعله استراتيجياً لتحصين أمن العرب والمسلمين؟ ما الذي يجب أن نفعله؟

 

مازن الشريف: هو في الحقيقة منذ السبعينات بدأت ملامح هذا المشروع وكُتِب فيه، وحتى كيسنجر كان لديه نظريات كبيرة في مسألة تقسيم الدول العربية وإعادة تقسيمها بعد التقسيم الاستعماري الأول. أعتقد أنّ الجانب المخابراتي وجانب أمن الدولة وجانب الاستشراف أيضاً ومراكز الدراسات وإعانة المفكّرين للدولة الرسمية، هذا أمرٌ يجب أن يصبح واقعاً، وأن تعي كلّ الدول أنّها لا تستطيع وحدها بمخابراتها وأجهزتها، لأنّ الحروب نوعيّات، هنالك معارك نمطية لديها نمط مُعيّن تعوّدت عليه الجيوش مثل معركة ستالينغراد، مواجهة بين جيشين، ولكن هنالك معارك أخرى وحروب أخرى تُفرَض على الجيوش ولم تكن قد تدربت عليها، حروب العصابات والعمليات الخاطفة وحرب الإرهاب، الآن المخابرات الغربية لم تتعوّد أبداً على أناس مُصرّين على الموت يقتلون بالشاحنات وبسواها وانفلت الأمر من أيديهم رغم كل تكنولوجياتهم، فما بالك بالعالم العربي اليوم أو ما بقي من العالم العربي، ما الذي بقي لدينا من هذا العالم الذي دكدك كما ذكرت ودُمّر وفُجّر وفُخّخ.

إذاً على هذا الإطار لا بدّ من تعاون بين أهل الفكر وأهل العلم الحقيقيين والإعلاميين المنوّرين الذين لديهم بصيرة ولديهم مصلحةٌ كبيرةٌ في أن تبقى أوطانهم واقفةً صامدةً، لأنّ الجانب المصلحي الذاتي النفعي السيّىء غلب في أحيانٍ كثيرةٍ على الذين تمكّنوا من إشترائهم بأسعار مهما كانت باهظةً فهي زهيدة مقارنة بأوطانهم.

لكن على صعيدٍ آخر، أليس من باب الضرورة أن تكون مواقف الدول العربية مما يجري مواقف أشدّ جلاء ووضوحاً؟ أليس من باب ما يجب فعله أن تتّحد هذه الدول أو ما تبقّى منها حتى توقف هذا النزيف في الشام وهذا النزيف الذي يجري أمام صمت العالم في اليمن وفي العراق وما حصل في ليبيا ليس أمراً مستبعدًا أن يُكرّر؟ مصر مستهدفة بشكل واضح وهذا يتبيّنه الدارس والباحث منذ ما سُمّي بالربيع العربي الذي بدأ حلماً في تونس ثم سُمّم مباشرةً وتحوّل إلى خريفٍ دموي، ومصر التي تُستهدَف يعمل فيها على معرفة بتكوينها، عندما تكون فتنة بين المسلمين والأقباط ونرجو أن لا تكون بأصحاب الوعي من المسلمين والأقباط ولكن هذه الفتنة ستكون جارفة مُدمّرة.

إلى أين يمضى بهذا العالم كله، مع هذا الجنون الموجود، مع هذا الكاوبوي في الولايات المتحدة الأميركية الذي يُشهِر سلاحه ولا يُبالي، وتعلم أن تفكير الكاوبوي تفكير استعراضي بهلواني؟

 

يحيى أبو زكريا: دكتور مازن، لكن هذا الأميركي عندما قام بالتهجّم على دولة عربية مركزية هي سوريا العربية، هلّل العرب والمسلمون وقالوا لترامب رضي الله تعالى عنك وبورك فيك وأنت الذي أرسلك الله إلينا مبشّراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً.

 

مازن الشريف: أعتقد أنه عندما أذكر كلمة قرضاوي حول أن أميركا عليها أن تغضب غضبة لله، والحقيقة أن الولايات المتحدة الأميركية نفسها ستكون أول المتضرّرين، وهنالك حملة كبيرة من مُثقّفي الولايات المتحدة والممثّلين وأصحاب الفكر وكثير من السياسيين والمواطنين ضدّ هذا الميل العنصري الذي بدأ يقتلهم، هنالك كثيرون ممن قتلهم شرطيّون بيض من أهل البشرة السوداء، أعتقد أن هذا الجنون يواكبه خونة وتعلم أن كل زمن له خونته، الذين كانوا يترضّون على يزيد وهو ينكث بالقضيب وجه سبط رسول الله الذي قال عنه الحسين مني وأنا من حسين أحب الله من أحب حسيناً، الذين ترضّوا وما زالوا يترضّون هم أنفسهم الذين يجتمعون اليوم يهلّلون ويباركون كلما قصفت طائرة إسرائيلية أو قصف صاروخ أميركي، والذين من قبل كانوا يقولون أن الوقوف مع الصهاينة ضدّ حزب الله هو أولى من الوقوف مع الشيعة الكفّار بزعمهم، وهؤلاء يستمرّون، لديهم أموال كثيرة، ولكن على الضفة المقابلة على الأحرار أن لا يصمتوا، لا وقت بعد اليوم لا للصمت ولا للمداهنة ولا للدبلوماسية بمعناها الرقيق الرقراق كما ذكرت، بمعناها المنافق، بل أن تكون الأمور جليّةً واضحةً، لأنّ هذه حرب مفصلية، حربٌ عالمية ثالثة بإخراجٍ مختلفٍ، بحروب الوكالة، ويخشى أن تتحوّل إلى حربٍ مباشرة بعد ما تم من هجوم على سوريا.

 

يحيى أبو زكريا: نعم، دكتور مازن، لكن سيُهزَمون ويولّون الدّبر إن شاء الله تعالى.

أستاذ أحمد ماهر، واشنطن اليوم انتقلت إلى مرحلة الفصاحة والبيان المُطلقين، هي تتحدّث عن تقسيم ليبيا إلى ثلاث دويلات ونشرت خارطة لولاية فزان، ولاية طرابلس،  وولاية ثالثة في الشرق. أيضاً قبل فترة، البنتاغون الأميركي وزّع خرائط لبعض مراكز الدراسات التي تعمل معه حول دولتين في مصر، دولة قبطية ودولة سنّية، والأفظع أنّ خبراً في جريدة أميركية أنّ واشنطن على علمٍ بمشروعٍ لدولةٍ خليجية وضعت 200 مليون دولار لاغتيال الرئيس المصري المشير عبد الفتاح السيسي.

ماذا يريدون من بلادنا أستاذ أحمد؟

 

أحمد ماهر: الحقيقة أرى غير ما ترى فضيلتكم دكتور يحيى، أرى قول المولى عزّ وجل واضحاً جلياً "وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى".

نحن بيدنا كتاب الله لكننا لا نفعّل آياته، ونفعّل كتباً لمؤلّفٍ من هنا أو هناك ثم نشكو ونلعن الغرب ونلعن أميركا وترامب. أميركا وترامب هذان من سلّطهما الله عزّ وجل على العُصاة من أمثالنا. نحن نستحقّ هذا الترامب، هذا السكّير نحن نستحقّه، هذا القوّاد نحن نستحقه، هذا الترامب نحن نستحقّه. فأميركا لها، وضع طبيعي أن يكون لها مطامعها في كل مكان في العالم، وكان بالأمس القريب في فيتنام لها مطامع، وكان لها في أفغانستان مطامع، فلا تسألني لماذا هي لها مطامع الآن في منطقة الشرق الأوسط والمنطقة العربية، طالما أننا قوم متشرذمون، قومٌ لا دين لنا، لا دين لنا، نحن نعمل بالدين الموازي.

تأكد سيادتك يا دكتور يحيى أننا نعمل بدين اسمه الدين الموازي وليس دين الإسلام، لذلك لا بدّ من أن تكون معيشتنا ضنكا ولا بدّ أن يسلط علينا عدونا فيستبيح بيضتنا كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام. أما أن نتساءل لماذا، لأننا نجعل البطولة للفرسان ولا نجعل البطولة لأهل العلم. ليس عندنا علم. الله سبحانه وتعالى يأمرنا بالعلم ويقول أفلا يتفكّرون، ونحن نسجن أهل الفكر، يقول أفلا تعقلون، نحن نسجن أهل التعقّل. هكذا نحن فنحن لا نستحق إلا ما نحن فيه، فلوموا أنفسكم، "مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ ۖ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ"، هكذا سيقول الشيطان.

هكذا سيقول الشيطان، "وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ۖ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ ۖ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ".

يا أخي الفاضل لقد بدا الإلحاد في الأمّة الإسلامية يبزغ فجره منذ سنوات، ألا يحسّ أهل السياسة؟ ألا يحسّ أهل الدين؟

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ أحمد، لقد أعدتني إلى القرآن، وبوركت، خير ما أعدتني إليه القرآن الكريم، ودعني أختم بقوله تعالى، "وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ"، لا يكونوا أمثالكم في الإنبطاح، في الخنوع، في الذلّة، في التبعية الحضاريّة. سيأتي قومٌ إن شاء الله يُعيدون لأجيالنا كلّ الألق والتألّق والقوة والعزّة والكرامة.

المفكّر الإسلامي أحمد ماهر من أرض مصر حفظها الله تعالى وأمّنها، شكراً جزيلاً لك. الدكتور مازن الشريف من تونس الحبيبة أمّنها الله تعالى، شكراً جزيلاً لك.

مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها. إلى أن ألقاكم، هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبداً ودائعه.

حيّاكم ربّي.

الانطلاق من القرآن لصناعة المعرفة

لو فهمنا القرآن , لفهمنا السنة ولو فهمنا السنة, لفهمنا مقاصد وكليات الشريعة, ولما تركنا القرآن دبّ فينا الجهل والجهالة, وقدمنا الله على أنه ذبّاح فيما هو يؤكد على مدار سور القرآن أنه الرحمان الرحيم, وقد وردت في القرآن الكريم عشرات الأفعال المضارعة للمستقبل والقادم من الزمان, والهدف من ذلك التأكيد على أن القرآن كتاب إستشرافي مستقبلي, علينا أن نقرأه بعين الإستشراف والمستقبل وليس بعين الماضي.. فالقرآن كتاب صانع للمعرفة والإبستمولوجيا, فكيف ننطلق منه اليوم لصناعة معرفة واقعية تساهم في إنتاج الحضارة!! لماذا لم يخلد القرآن التاريخ الإسلامي بكل تفاصيله؟ هل يستطيع القرآن الكريم أن يبني حضارة جديدة للمسلمين وينقذهم من مخلفات الإرث السلبي؟ كيف يؤسس القرآن للمعرفة الإنسانية ويعيد فتح الإجتهاد لمواكبة التحولات؟ أليس القرآن ينبوعا من المعرفة الدائمة المستمرة، ويملك القدرة على التحدي وتسقط أمامه كل الشبهات التي يطرحا البعض؟

المزيد