الفنان الفلسطيني محمد عساف

زاهي وهبي: مساء الخير. ضيفنا مثالٌ للشاب العربيّ العصاميّ الناجِح. أمسَك حلمه منذ طفولته وتسلّح بموهبته الجميلة وكابد الحياة ومشقّاتها. وكأيّ فتى فلسطيني ذاق مرارة الاحتلال الإسرائيلي الغاصب وتجرّعَ كؤوس العسف والظلم والجور وعاش مأساة اللجوء داخل وطنه واختَبَر معنى المُخيّمِ، لا كبقعة عذابٍ فحسب بل أيضاً كملعب طفولةٍ ومرتعِ أحلامٍ وساحة نضال، كبُرَ الفتى وكبُرَ معه الحلم وتفتّح الصوتُ العذبُ الجميل على الملأ والشاشات فصار الشابُ المُكافِح الموهوب نجم العرب وصوتَ فلسطين ومثال الفنان المُهذّب الراقي المُلتزِم بتقديمِ ما يحترم الذوق العام والوجدان الجمعيّ لمُحبيه. "بيت القصيد"، بيت المبدعين العرب الذي آل على نفسه أن يكونَ منبراً للأجيال كافّةً ولاسيما للشباب منهم، يُرحِّب بالفنان الفلسطيني المحبوب "محمّد عسّاف" أهلاً وسهلاً بك، نوّرت  

محمّد عساف: أهلين وسهلين ويعطيك الصحة أُستاذ "زاهي". شرف عظيم أن أكون معك في هذه المقابلة الطيّبة وعبر قناة "الميادين"

زاهي وهبي: أهلاً وسهلاً. أنا سعيد جداً بوجودك ولا يُمكنني أن اُخبرك كم من مُحبيك ومُتابعي "بيت القصيد" يطالبوننا منذ سنوات عبر وسائِل التواصل أن تكون حضرتك ضيفنا، فأهلاً وسهلاً  

محمّد عساف: أهلاً بك

زاهي وهبي: قبل أن نُشاهِد "علامة فارِقة" مع حضرتك، هلّ صار عندك تصوُّر اُستاذ "محمّد" لهويّتك الفنية؟ للمسار الذي تنوي أن تسلكه؟

محمّد عساف: بالتأكيد، أنا أعتقد أنّه ربما دائِماً ايّ فنان، وخاصةً في بداياته، يُحاول دائِماً أن يصنعَ بصمةً أو لوناً مُعيّناً يبدأ به، ربما أكثر من الألوان الأُخرى

زاهي وهبي: نعم

محمّد عساف: ما حدث معي ربما كان مختلفاً قليلاً. غنّيت بعدّة لهجات عدّة أنواع من الأغاني وكان عندي طريقة مُعيّنة، في أن الناس حين يسمعون صوتي في أُغنية مُعيّنة لا يكون هو نفسه حين يسمعونه في لونٍ آخر من الأغاني، فأنا إذا غنّيت الجبلي أو دعنا نقول الكلاسيكي أو الرومانسي يقول لي الناس، نشعر بأنه يليق بك هذا اللون وذاك اللون أيضاً. لكن اللون الأساسي الذي نشأت عليه والذي بدأت به كان الأُغنية الوطنية والأُغنية الثورية. هذا اللون كان له الجزء الأكبر من الأغاني التي قدّمتها سواءً قبل أن أشتهِر على مُستوى العالم العربي وحتّى بعدما اشتهرت، وبقي في هذه الأُغنية الوطنية

زاهي وهبي: على كلّ حال سنتحدّث أكثر خصوصاً أنّ صوتك يُساعِدك على هذه الألوان التي تفضّلت فيها واللهجات المُتعدّدة. عندك خامة الصوت الواسع الذي يُساعِد على إتقان ألوان مُتعدّدة. سنُشاهِد ما هي آفاق هذه التجربة ونتحدّث عنها بشكلٍ موسّع، ولكن دعنا نسمعك قبلاً في "علامة فارِقة"

علامة فارِقة

محمّد عساف

(محمّد عسّاف الذي يبلغ الثالثة والعشرين من عمره، من (غزّة) قد توِّجَ كـ Arab Idol أو "محبوب العرب" لهذه السنة)  

— أنا "محمد عسّاف"، "محبوب العرب" هو أكثر من وسام أنتم وضعتموه على صدري، وبفضل صوتكم صار لصوتي أُغنية

— تحقّق حلمي، عندي خوف، لا شكّ أنّ هناك خوفاً لكنني مسرورٌ بالذي أقوم به

— خبرة مخيفة وحادّة، منها الكثير من الإيجابيات، في أن يُحقّق المرء حلمه، في أنّ المرء يقوم بشيء يُحبه كثيراً، وهناك سلبيات طبعاً، هذا العالم دعيني أقول لكِ أنّه عالَمُ مصالِح

— أكثر ما أُحبّه هو البحر، أنا ابن البحر، فأرغب أن أُغنّي أُغنية للسيّدة "فيروز" أتت على بالي (يغني – شايف البحر شو كبير)

— كلّ المعاني النبيلة وعظمة الشعب الفلسطيني تعلّمتها في حارات (إزّة). الذي يعيش في المُخيّم وفي (غزّة) يعرِف ما معنى كلمة " معاناة حقيقية" ومعنى أنّ كلّ هذه الدنيا المتوقّفة على (غزّة)، البلد الصغير الذي فيه مليونا بني آدم، العالم كلّه أنا أشعره ضدّها. لماذا؟ كيف؟ ربما من أجل الكرامة، ربما من أجل رفض الذلّ ورفض الهوان. حتّى بعدما خرجت من (غزّة) وأخذت أجول في هذا العالم، تعلّمت أنّ (غزّة)، لا يمكن أن أجد الناس الذين أراهم في هذا العالم كله، من غير الممكن أن أجِد مثل أهل (غزّة) ومثل أصحابي في (غزّة) ومثل أناسي في (غزّة) ومثل كرم الضيافة في (غزّة)، على القليل، على الخُبز والملح. يضحكون رغم هذا الألم

— على أنه أيّ شيء، خلص يكفي، تُربكني الكاميرا، خلص، لا أعرف دائماً وباستمرار حولي، هكذا وهكذا، لا خلص. علاقتي بالكاميرا، أنا أشعُر أنها تجري ورائي أينما أذهب وأينما آتي. خلص، أشعُر أنّ الكاميرا يُمكن أن تأخذني في أية حركة، في أية شغلة، والصورة دائِماً لا تُعطي الحقيقة. بين الفنّ والإعلام هناك الكثير من التقارب كما أشعُر. ما كنت أحلم به لو لم أُصبح فناناً أن أكون إعلامياً أو صحافياً. كلّ شيء يُسعدني بعيداً عن الأضواء، ليس فقط شيء مُعيّن، خلص، لأنني أشعر بنفسي أنني "محمّد"، ليس "محمّد" الفنان بل "محمّد" الإنسان

— لا يعرِف الناس ما هو الواقع الذي يعيشه الإنسان في (فلسطين)، وربما خاصةً في المُخيّمات. لا تعرِف أنه، أنّه.. بسّ (يضحك)

— الثورة ليست فقط بندقية، بل مبضع جرّاح، فأس فلاّح، وعيشة فنان. أيّة حضارة في العالم تقوم على عدّة مقومات والفنّ جزء منها. الثورة الفلسطينية حينما انطلقت، أكثر ما عزّز مفهوم الثورة عند الإنسان الفلسطيني والعربي كانت الأُغنية الوطنية، كانت فرقة "العاشقين" إذا أردت أن تُسمّيها، وكان قبلهم فرقة اسمها فرقة "المجموعة" في "صوت فلسطين"

— على المرء أن يُكافِح في هذه الحياة. الحياة ليست سهلة، لا يوجد أحد يستطيع أن يفعل شيئاً وهو جالِس، ربّنا عزّ وجلّ في القرآن يقول، " لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ " (البلد: 3)، ويقولون في (مصر) أيضاً إذا أردتِ " ما حدِّش بيأخذها بالسهل"

— لو أصبحت مهماً أصبحت أنا متأكِّد أنهم سيظلّون يقولون لي أو يقولون عنّي "الفنان الفلسطيني"

— اليوم "زاهي"، أنا آتٍ كي أتحدّث في مسألتين مهمّتين، أحكي عن فلسطينيتي وعروبتي وآتٍ لأتحدّث عن فنّي

زاهي وهبي: أهلاً وسهلاً بك. "بيت القصيد" بيت (فلسطين) في الوقت نفسه. تقول أنّه ربما أجمل يوم في حياتك هو يوم تحرير (غزّة)، صحيح؟

محمّد عساف: نعم

زاهي وهبي: ماذا بقي من ذاك اليوم في ذاكرتك؟

محمّد عساف: أذكُر في ذاك اليوم أنّ الجيش الإسرائيلي بدأ الانسحاب تقريباً الساعة الثانية عشرة ليلاً

زاهي وهبي: نعم

محمّد عساف: الناس طبعاً بدأوا يذهبون في اتجاه التي كانوا يُسمّونها "المستوطنات" والتي هي مُحرّرات الآن. لم يكن أحد يُصدّق، أنا شخصياً، طوال عُمري، حينما أخرُج من البيت كان هناك إلى جانب بيتنا ما نسمّيها نحن بالفلسطيني " غولبة" أو البرج العسكري. هذه "الغولبة" التي طوال عمرها موجودة خلص راحت، أنت فاهِم كيف؟ بدأت تنسحب (إسرائيل) إلى آخِر دبابة أتذكّر والناس يجرون وراءهم

زاهي وهبي: وكنت معهم

محمّد عساف: أجل، وهم ينسحبون إلى آخر دبابة. أثناء انسحابهم صرنا ندخل إلى هذا المكان الذي كان مُحرّماً علينا دخوله، لا تتخايل، شعرت أنها أكبر من البلد. المنطقة التي نعيش فيها، لنقول المدينة مدينة (خان يونس) ومخيّم (خان يونس) كنت أحسّه كبيراً، فعندما دخلت إلى المنطقة المحرّمة وجدت أنه أخذوا البلاد كلّها ولم يتركوا لنا سوى في هذه المنطقة. كم وجدت أنه عن جدّ، شعرت بشيء لا يُمكن أن أشعر به ربما

زاهي وهبي: على أمل أن تُحرّر (فلسطين)، كلّ (فلسطين) "محمّد"

محمّد عساف: أجل طبعاً    

زاهي وهبي: كونك فناناً فلسطينياً، هلّ تشعُر أنّ هذا الشيء يُحمِّلكَ عبئاً ومسؤوليات ربما الفنانون الآخرون من جنسيات أُخرى ليس موجوداً هذا العبء على أكتافهم؟

محمّد عساف: أكيد. شوف، الفنان الفلسطيني أعتقد له خصوصية

زاهي وهبي: وهي؟

محمّد عساف: حيث أنه ابن قضيّة. الذي يحكمك هو واقع الشعب الفلسطيني، لا يُمكنك أن تعيش حالاً مختلفة عن حالك

زاهي وهبي: طبعاً

محمّد عساف: لا تستطيع ألاّ تكون تعيش حالك وحال شعبك، حال قضيّتك، تعيش الواقع

زاهي وهبي: لا يُمكنك أن تنسلِخ من جلدك

محمّد عساف: لأنه لا يُمكنك، لأنّ لا أحد، لا أنت ستكسب نفسك ولا حتّى ستصير الأحاديث عنك بين الناس، المثل يقول، " من يخرُج من داره"، عندنا

زاهي وهبي: يقّلّ مقداره

محمّد عساف: يقلّ من مقداره"، فالمعنى أنّ هنا فعلاً، الذي يذهب إلى جانب غير منطقته لن يكون مسروراً في داخِله

زاهي وهبي: "محمّد"، أعطتنا (فلسطين) في الثقافة العربية وفي الفنّ العربي قامات كبيرة

محمّد عساف: طبعاً

زاهي وهبي: لا أُريد أن أُعدّد أسماء، لكن أرغب في أن أعرِف بمن تأثّرت من فناني (فلسطين) أو من شعراء (فلسطين)؟ من تُحبّ مثلاً؟

محمّد عساف: بالتأكيد، شوف، (فلسطين) ربما على أصعدة عديدة ربما، على الصعيد خاصةً إذا أردت أن نتحدّث على الصعيد الفنّي، ربما لم يكن هناك فنانون معروفون على مستوى الوطن العربي، لكن إذا أردنا أن نتحدّث عن قامات أدبية وشِعريّة، كان عندنا الكثير، كان عندنا "محمود درويش"، ليس فقط على المستوى العربي بل على المستوى العالمي. "سميح القاسم"، "إبراهيم طوقان"،

زاهي وهبي: "توفيق زيّاد" ومن (غزّة) "معين بسيسو"

محمّد عساف: "توفيق زيّاد" و "معين بسيسو" نعم، وإذا أردت "غسان كنفاني"، هؤلاء قامات قدّموا الكثير، في أدبهم، في شِعرِهم

زاهي وهبي: هلّ تُفكِّر أن تُغنّي لشعراء (فلسطين)؟        

محمّد عساف: أكيد

زاهي وهبي: مثل "محمود درويش" أو "سميح القاسم"

محمّد عساف: أنا أدّيت أُغنية سأُصدِرها إن شاء الله في ألبومي القادم، هي قصيدة جداً معروفة للراحل "محمود درويش" واسمها، " على هذه الأرض ما يستحِق الحياة"

زاهي وهبي: حلوة كثيراً

محمّد عساف: أديّتها في طريقة أُغنية وإذا أحببت اُسمعك منها مقطعاً صغيراً

زاهي وهبي: أتمنّى. ربما تؤدّيها للمرة الأولى

محمّد عساف: طبعاً، للمرّة الأولى (يغني)

زاهي وهبي: جميل جداً، ألحان من هذه القصيدة؟

محمّد عساف: هذه ألحان الأُستاذ الموسيقار الفلسطيني "ياسر عمر". هو من الأصدقاء المقرّبين جداً منّي وهو يُدرِس لغة عربية وصديق عزيز ولحّن لي العديد من الأغاني لكن كانت فكرته أن أُغنّي هذه القصيدة بالتحديد لأنّ، طبعاً قصائِد الأُستاذ "محمود درويش" في الكثير من الأحيان لم تكن سهلة للمستمعين

زاهي وهبي: صحيح

محمّد عساف: فحاولنا أن نبحث كفكرة مبدئية على السهل المعروف للكلّ، فتسأل في (فلسطين) أيّ ولدٍ صغير عمره خمس سنوات وتقول له، "على هذه الأرض ما يستحق الحياة" فيقول لك "محمود درويش"

زاهي وهبي: صحيح، حتّى على ضريح "محمود درويش" أطال الله في عمرك، مكتوبة هذه العبارة. أنا أضعها على مدخل منزلي في الجنوب، نفس العبارة. ربما "مارسيل خليفة" هو الفنان والموسيقي الأكثر تعاملاً مع قصائِد "محمود درويش"، وإن شاء الله نراك متعاوِناً يوماً ما مع "مارسيل خليفة"

محمّد عساف: يا ليت، أنا سأكون سعيداً جداً، يا ليت. الأُستاذ "مارسيل خليفة"، وأتوجّه له بالتحية، هو من الفنانين الذين أثّروا أيضاً في شخصيتي الفنية، كفنان فلسطيني وفنان عربي، وهذا النوع من الأغاني كما تعلم، نحن خاصّةً في (فلسطين) تعوّدنا على هذه النوعية من الأغاني

زاهي وهبي: قلت حضرتك في البداية، أنّ المُقاومة ليست فقط سلاحاً

محمّد عساف: طبعاً

زاهي وهبي: كفنان، كمُغنٍّ، ما الذي تشعُر أنّ في مقدورك أن تقدّمه لشعبك بهذه المواجهة الضارية مع الاحتلال؟

محمّد عساف: أنا قلت في التقرير وما زلت أقول، الأُغنية الوطنية دائِماً هي شاحذة الهِمم. إذا أردنا أن نعود أيضاً عبر التاريخ، منذ انطلاقة الثورة الفلسطينية، كم كانت أغاني "المجموعة" وأغاني فرقة "العاشقين"، أغاني الفنانين الكبار مثل "أبو عرب"، مثل "مهدي السردان" رحمة الله عليه، مثل أيضاً أُغنية " التكتيك"، فهذه الأغاني إذا أردت، كانت تُعطي الكثير من العزيمة والقوة للمقاتل الفلسطيني الذي كان في الثورة الفلسطينية. وعلى مدى الثورة الفلسطينية لحدّ هذا اليوم، دائِماً الأغاني الوطنية، أنا أتذكّر، في بداية انتفاضة عام 2000، كنّا نسمع أُغنية "وين الملايين"؟ يا حمام (القدس)، "يُمّي". هذه الأغاني أنا أذكر، في بداية الانتفاضة كانت، كما تعلم، تستفِزّ مشاعِرنا حقيقةً

زاهي وهبي: هلّ هناك أُغنية أحببتها أكثر من غيرها أو كنت تُردّدها دائِماً؟

محمّد عساف: أنا كنت دائِماً أُردِّد أغاني الثورة الفلسطينية

زاهي وهبي: مثلاً

محمّد عساف: بالتحديد

زاهي وهبي: لو سمحت

محمّد عساف: أغنية من أغاني فرقة "المجموعة" كانت تقول (يُغنّي)، ومجموعة كبيرة من الأغاني

زاهي وهبي: "طالِع لك يا عدوّي طالِع"

محمّد عساف: (يُغنّيها) والكثير من الأغاني بصراحة التي ليست على الجيل القديم بل أيضاً على جيلنا نحن، أنا من الجيل الصغير، كم كانت هذه الأغاني تؤثِّر فينا

زاهي وهبي:  جيلي أنا، هذه الأُغنيات محفورة في ذاكرته وفي وجدانه وفي وعيه. هلّ صحيح "محمّد" أنك ممنوع من الغناء في (غزّة) اليوم؟ وكم يحزّ في نفسك إذا كان هذا الأمر صحيحاً؟

محمّد عساف: دعني أقول لك بصراحة، أنا غنّيت في كلّ مكان وهذه أمنيتي ولا زالت. لم أتمكّن من أن أُغنّي في (غزّة) لاعتبارات كثيرة، وحتّى أنا لم أكن أرغب في أن أُصرِّح في هذا الموضوع

زاهي وهبي: كي لا تتسبّب لك بمشكلة وقضية حرصاً على أبناء الشعب الفلسطيني وأبناء (غزّة)

محمّد عساف: ولا يُمكن في يوم من الأيام، أنا كـ "محمّد الفلسطيني"، أن أقف ضدّ أيّ أحد من أبناء شعبي مهما كان انتماؤه

زاهي وهبي: بارك الله فيك، هذا هو الصحّ

محمّد عساف: هذا شيء مُهمّ بالنسبة لي، ونهائياً لا يُمكن أن أتدخّل في التجاذبات السياسية الموجودة. حتّى هذا الأمر كله يعرفه شعبنا الفلسطيني

زاهي وهبي: على كلّ حال، دائِماً تدعو للوحدة حضرتك

محمّد عساف: طبعاً، شوف، أنا كإنسان فلسطيني أُريد أن أقول لك كلمة، والله العظيم، لسان حال كلّ إنسان فلسطيني، وبالتحديد ربما في (غزّة). يا ليت يا جماعتنا، دعنا نحكي بالبلدي خاصتنا، نضع كلّ هذه المشاكل، أنا أعتقد، الفصائِل الفلسطينية عندنا كلّها ما هو هدف وجودها؟ (فلسطين)؟ إذا كلمة (فلسطين) لم توحِّدنا فماذا سيوحِّدنا؟

زاهي وهبي: أنا دائِماً أقول، بوجود احتلال مثل الاحتلال الإسرائيلي، الشعب الفلسطيني لا يملك ترف الانقسام والخلاف

محمّد عساف: صدّقني، هذا كانت أسوأ، أنا أتوقّع أنّ هذا الانقسام هو أسوأ فترة في حياة القضية الفلسطينية، وأنا أقول أنّ الذي أخّرنا اليوم والذي ربما جعل العالم يهتم قليلاً بالقضايا الأُخرى، أنا أقول أنّ سبباً رئيسياً وراؤه كان الانقسام

زاهي وهبي: للحقيقة أنا سألتك عن الموضوع فقط لكي أقول للقيّمين على (غزّة) الذين نحبّهم ونحترمهم ونُساندهم في مقاومتهم ضدّ الاحتلال الإسرائيلي، أنّ الفنّ والصوت، صوت مثل صوت "محمّد عسّاف" هو صوت مقاوِم وهو إلى جانب الرصاصة، والمقاومة ليست فقط رصاصة إنما أيضاً أُغنية وقصيدة وثوب مُطرّز إلى آخره. سنتوقّف مع موجز إخباري سريع ثم نتابع الحوار

المحور الثاني:

زاهي وهبي: "سيوف العِزّ" بصوتك الرائِع "محمّد". تقول أنّك ترتاح أكثر وبأنه أجمل شيء لك هو حين تكون في (فلسطين). رغم الاحتلال ورغم المصاعب ورغم المعابر والحواجز وكلّ ما يتعرّض له الإنسان الفلسطيني على يد الاحتلال، ومع ذلك هو أكثر مكان ترتاح فيه؟

محمّد عساف: طبعاً. ولا يمكن أن أجد، لا أحد يرتاح خارِج بيته، (فلسطين) هي أصل الحكاية بالنسبة لي أنا كـ "محمّد". أنا ربما لم تحدُث معي كلّ هذه الأحداث هباءً. بالنسبة لي، الإنسان الذي ليس له موطئ قدم في أرضه

زاهي وهبي: في وطنه

محمّد عساف: وفي أرضه لم ينجِز شيئاً. هذا الحب نحن عشناه مع الألم، وقد يُفكِّر كثيرون ويقولون إنه والله تعيشون تحت الاحتلال وخلال 24 ساعة عندكم إما قصف أو حواجز أو أن الاحتلال قطّعَ أوصال المُدن ولا يمكنكم أن تتحرّكوا

زاهي وهبي: لكن هناك شيء آخر، هناك إصرار الفلسطيني على الحياة

محمّد عساف: إصراره على الحياة، وهذا هو الموضوع الذي دائماً أتحدّث عنه. الاحتلال دائِماً يُحاول أن يقتُل فينا كلّ شيء جميل

زاهي وهبي: صحيح

محمّد عساف: لا يُريدنا أن نُفكِّر، لا يريد لشبابنا أن يحلموا أحلاماً ورديّة، لا يريد لأحد أن يبدِع في مجال، ليس فقط في المجال الفنّي، إذا أردت المجال الفني هو مجال بسيط

زاهي وهبي: لا يريد لأحد أن يكتُب، لا يريد لأحد أن يتعلّم، لا يُريد لأحد أن يُغنّي، لا يريد للإنسان الفلسطيني أن يكون إنساناً، هذا باختصار

محمّد عساف: طبعاً، ولاحِظ أنّه سبحان الله، حتّى كلّ مُخطّطاتهم باءت بالفشل. اليوم في عام 2016 أخذنا لقب " أفضل معلِّمة في العالم"، حازت عليه المعلّمة "حنان الحروب"، وأخذنا لقب أفضل مدرسة في العالم، حتّى ليس فقط في الموضوع الفنّي بل في الموضوع العلمي

زاهي وهبي: وأخذناArab Idol  مرة ثانية مع "يعقوب شاهين"

محمّد عساف: وأخذناArab Idol  مرة ثانية (يضحك)  

زاهي وهبي: سنتحدّث عن أيضاً مُشاركتك كضيف في البرنامج الذي انطلقت حضرتك منه، لكن دعنا نذهب إلى (فلسطين) وإلى (غزّة) ونسمع أحد أصدقائك  في شهادة عن حضرتك، وهو "علاء النبريص"

كلام يوصل

علاء النبريص - صديق: أنا و"محمّد" كنّا نسكن في نفس الشارِع، ربينا سوياً وكنّا في مدرسة واحدة إلى أن وصلنا إلى الجامعة، كنّا مع بعضنا البعض إلى أن هو اختار تخصّصاً وأنا اخترت تخصّصا آخر. كان فيها مكان نجلس فيه فوق السطح، كنّا دائِماً نجلِس فيها، جلسة هكذا، بسيطة وكنّا نُسَرّ وحتّى كنّا نرتاح عندما نجلِس فيها. كان "محمّد" يذهب ليحضرني كي نجلس فوق السطح، نطلع عند "أحمد". كانت حياتنا بحيث كنّا دائِماً مع بعضنا البعض، فالاشتياق موجود والاشتياق يزداد دائِماً ولا ينقص، وأتمنّى أنّ يمرّ "محمّد" في ظروف أحسن من هذه الظروف، ونحن مشتاقون لك ونتمنّى أن تزورنا إن شاء الله في القريب. بما أنني صوّرت في ملعب "كوره" / فتبول فنريد أن نتذكّر أيام الكورة، الأيام التي كنّا نلعب فيها في الشوارِع. الأيام، حينما كنا نخترع العارضات، حينما كان كلّ واحد منّا يخلع شبشبه/ حذاءه ونخترع العارضة من شباشبنا/ أحذيتنا. الأيام التي حين أحدهم لا يريد أن يلعب يذهب ويُفسِّد ويُكسِر الزجاج في أرض الملعب أو يخرِّب لنا اللعبة. هناك شغلة أُحبّها كثيراً في "محمّد" وهي أنّ "محّمد" لغاية اليوم لم يخُرج من ثوبنا، الثوب الفلسطيني، وليس أن "محمّد عساف" كبِرَ ووصل إلى النجومية وصار "محمّد" الفنان و"محمّد" الذي معه مال، لا، بقي "محمّد" كما هو. أتمنّى أن ترجع أيام زمان حينما كنّا نخرُج سوياً ونعود سوياً، الحقيقة البسيطة التي كنّا نعيشها، ولا يعني الكلام أنّ اليوم "محمّد" اختلف، لا لم يختلف ولكن "محمّد" يحِنّ لهذه الأيام وأتمنّى أن ترجع وإن شاء الله سترجع. اليوم إذا أردنا أن نتحدّث عن "محمّد عساف" كونه فناناً، أكيد سنتحدّث عن جمهور "محمّد". تأكّد تماماً أنّ جمهورك لم يختلِف يا "محمّد"، الناس الذين يحبونك على العكس يزدادون ولا ينقصون، فطبيعي أنّ كلّ بني آدم ناجِح يجد له أُناساً مثلاً ضدّه أو كذا. لكن تأكّد تماماً أنّ الناس الذين معك هم أكثر من الناس الذين ضدّك. أرغب في أن أسأل "محمّد" سؤالاً، قمنا بلقاءات كثيرة وكلّ الناس سألتنا ما هو "محمّد" بالنسبة لكم، فاليوم أنا أُريد أن أسأل "محمّد"، ماذا نحن بالنسبة لـ "محمّد"؟

زاهي وهبي: شكراً لـ "علاء"، وأنت تسمع مسروراً ومستغرِقاً في الضحك، تفضّل ردّ عليه

محمّد عساف: سأرُد على آخر سؤال سأله لي، قال أنتم ماذا

زاهي وهبي: أصدقاء بالنسبة لك              

محمّد عساف: هؤلاء أصدقائي وأنا بالنسبة لي هم أخوتي هم أهلي، هم عائِلتي، هم الناس الذين أثِق بهم، هم الناس الذين أُحبهم عن جدّ

زاهي وهبي: الشُهرة والنجومية ألم تُغيِّر علاقتك بهم؟

محمّد عساف: ولا يُمكِن

زاهي وهبي: أبداً

محمّد عساف: ولا مرّة. أُريد أن أقول لك شيئاً، عالم الفنّ هذا دعني أقول والعالم الذي نعيشه اليوم هو عالم فنّي

زاهي وهبي: عالم الأضواء والوسط الفني

محمّد عساف: هذا عالم فيه الكثير من المصالِح، فيه كثير من الأشياء

زاهي وهبي: المزيّفة

محمّد عساف: المزيّفة، بالضّبط  

زاهي وهبي: علاقات إنسانية مُزيذفة

محمّد عساف: العلاقات الإنسانية مزيّفة. هؤلاء أصحابي وأنا خرجت منهم، خرجت من الدنيا فيهم. من المستحيل أن أستنجد بأحد سوى بأصحابي، سوى بـ "علاء" أو بـ "أحمد" أو بالناس، بأهلي، بعائلتي، بأبي وأمي وإخوتي، وهؤلاء أصحابي وأنا أعتبرهم منهم

زاهي وهبي: قال أنّ عندك حنيناً لتلك المرحلة، لتلك الأيام

محمّد عساف: طبعاً

زاهي وهبي: وأنا قرأت لك حوارات صحافية ووجدت أنّك تحِنّ إلى مرحلة ما قبل Arab Idol

محمّد عساف: طبعاً

زاهي وهبي: وما قبل نجاحك الكبير، وكأنّ الشُهرة والأضواء أتعبتك؟

محمّد عساف: طبعاً. شوف، دعني أحكي لك شيئاً، ليس رياءً ولا حديثَاً إعلامياً وليس حديثاً صحافياً، الموضوع وما فيه أنّ هذا العالم صعب، ليس فيه علاقات إنسانية حقيقة كما أنت تحدّثت. أنا أحِنّ كثيراً لهؤلاء الناس لأنّهم أناس صادقون معي. أعلم أنني لو كنت "محمّد" الذي هو الآن، أو "محمّد" اللا شيء، سيتعاملون معي هنا كما أنا وهناك الشيء نفسه، لن يتغيّروا معي. لو، لا سمح الله، لم تقف الدنيا معي في يوم من الأيام هؤلاء من سيقفون معي

زاهي وهبي: ألله يخلِّيكم لبعضكم البعض. هناك شباب كثيرون مثل حضرتك، أصوات حلوة كثيراً، خرجوا من برامج هواة ونجحوا، وفي أوّل شهر أو شهرين وأول سنة قدّموا أُغنيات ربما سمعها الناس وبعد ذلك اختفوا. كيف تُحصِّن نفسك؟ كيف تُرسِّخ أقدامك كي تظلّ موجوداً؟

محمّد عساف: دعني أقول لك، أوّل ما أُرسِّخه عندي هو موضوع أنّني إنسان صاحب مبدأ، لا أستطيع أن أُغيِّر مبادئي، أسير على طريق أنا أراه جيّداً لي ومن المستحيل أن أحيد عنه. لن أكون شخصية غير "محمّد"، هذا أولاً. ثانياً، أُحاول دائِماً أن أنتقي النوعية، نوعية الأغاني، وليس الكم مما سأصدره من أغانٍ

زاهي وهبي: الكلمات، الألحان، الموضوع الذي تغنيه. حتّى في كليبات حضرتك واضح توجّهك

محمّد عساف: طبعاً

زاهي وهبي: لا يوجد عندك هذا الابتذال الذي نُشاهده للأسف اليوم، الإسفاف الموجود في الكثير من الأعمال، هذا شيء يُحسَب لك

محمّد عساف: أكيد، وهذا شيء لن أُغيِّره نهائياً. مسألة ثانية، من الذين يشتغلون حولك؟ هذا شيء مُهِمّ، من الذي يرافقك؟ كيف أنني دائِما أُحاول وليس أنني والله وصلت إذاً أنا القصة كلّها كما تقولون باللبناني، أنا لست القصة كلّها ومن اللازم

زاهي وهبي: هناك فريق عمل معك

محمّد عساف: من اللازم أن تسمع من الذين حولك. أنا بالنسبة لي أسمع نصائِح الجميع، آخذ منها ما أحسّه يمشي معي والذي لا يمشي معي لا آخذه، الشي نفسه، لكن أن تسمع من الذين هم حولك دائِماً، حتّى أكثر الناس الذين تشعر بأنه، وأنا عندي قناعة، لا توجد بينك وبينه هذه العلاقة أو لا تحبه بالعربي، أسمع منه وهذا ليس خطأً، عليّ ألاّ أُعادي أحداً. بالنسبة لي لا مُشكلة عندي، تخايل كم هناك الكثير من القصص بين الفنانين، مشاكل، فلان مع فلان وكذا

زاهي وهبي: بعيد عنها

 محمّد عساف: أنا ليس عندي ولا مشكلة. بعض الناس حاولوا أن يستفزّوني ويُهاجموني وكذا، لكن ليس عندي استعداد أن أدخُل في مشاكل مع أحد. عندي مسيرتي الفنية، رسالتي التي أؤمن بها، التي أُقدِّمها. عندي أهداف خاصّة دعني أقول لك

زاهي وهبي: هذا حقك طبعاً

محمّد عساف: وهذا حقّي لكن الهدف العام بالنسبة لي هو أيضاً

زاهي وهبي: أن تكون صوتاً لوطنك، صوتاً لبَلدك

محمّد عساف: أكيد

زاهي وهبي: هذا الوعي، حضرتك شاب في مُقتَبل الطريق والمشوار، رغم أنك بدأت كما أعلم في الغناء منذ أن كنت طفلاً ومررت بمراحل إلى آخره، لكن هذا الوعي هل بسبب كونك فلسطينياً ابن المخيّم وكبِرتم قبل أعماركم؟

محمّد عساف: طبعاً، طبعاً. شوف، أنا أذكُر كلمة قالها لي أحد المدرّسين في مدرستي، قال كلمة ربما في حياتي لن أنساها، أذكرها منذ أن كنت في المرحلة الابتدائية، صدّقني، ربما في صفّ الثالث أو الرابع ابتدائي. تخايل أولاد الرابع ابتدائي ولاحظ الكلام الذي يقوله لنا المُعلِّم في الصفّ، يقول لنا أنّ بلدنا محتلّة وأن الاحتلال قد يطول، بهذا المعنى، وقال لنا، "ما لكم سوى علمكم وثقافتكم، اقرأوا، تعلّموا" كان يقول لنا. كان يقول لنا، النصيحة التي أنصحكم بها أن تقرأوا، حتّى أتذكّر حينما كنت في الإعدادي وفي الثانوي كانوا أساتذتنا يقولون لنا، " لا تقرأوا فقط كتاب الوزارة هذا "

زاهي وهبي: اقرأوا كلّ شيء يقع تحت أيديكم

محمّد عساف: اقرأوا كلّ شيء، تعلّموا من التاريخ

زاهي وهبي: من أجل هذا، بين الشعوب العربية، أعلى نسبة تعليم هي عند الشعب الفلسطيني

محمّد عساف: طبعاً

زاهي وهبي: قبل أن نتوقّف أيضاً مرّة أُخرى مع استراحة، هؤلاء الأصدقاء في المُخيّم وفي "غزّة" وفي كلّ (فلسطين) نهديهم بصوتك، أنت اختار ما تريده، ليس بالضرورة وطني، أيّ شيء، ممكن حُبّ، ممكن

محمّد عساف: ممكن أن أُعنّي أُغنية خاصّة لأهلي وأحِبّتني في (فلسطين) وبالتحديد في (غزّة)

زاهي وهبي: تفضّل

محمّد عساف: (يغنّي – غزّة)

زاهي وهبي: ألف، ألف شُكر، سنُتابِع مع حضرتِك "محمّد". تحيّة مُجدّداً لأهل (غزّة)، أهل (فلسطين)، لمُشاهدينا في كلّ أنحاء العالم، لحظات ونُتابِع "بيت القصيد"

 

المحور الثالث:

زاهي وهبي: هذا هو ما كنت أتحدّث عنه قبل قليل في أغانيك المصوّرة بمعنى أنك بين الناس تأكل "الكشري"، وأنت في الشارِع ولست في طائِرة خاصة أو سيارة آخر موديل، وكأنّ الحبّ، وكأنّ الرومانسية مرتبطة بالمال والمظاهِر. لا، "عبد الحليم" كان يُغنّي على الدرّاجة، كان يُغنّي وهو يأكل سندويشاً، حلو هذا التوجّه

محمّد عساف: هذه حال أن تكون أنت قريباً من الناس. أنا دائِماً، صدّقني، أنا دائِماً أُحبّ أن أكون قريباً من الناس البسيطين، من الناس الفقراء، إذا أردت أن تُسمّيهم

زاهي وهبي: عموم الناس، هم الغالبية في بلادنا، كلنا

محمّد عساف: لأنّ أغلب الناس هكذا، أنا لم آتِ من "نيويورك" ولا أتيت وفي فمي ملعقة من ذهب، فأُحِبّ أن أكون مع الناس وهؤلاء الناس هم مَن يرفعون الفنّ  

زاهي وهبي: أتعلم "محمّد"؟ هذا أقوله عن نفسي وينطبق عليك. أقول، ولِدت وفي فمي ملعقة من تعب وليس من ذهب

محمّد عساف: طبعاً

زاهي وهبي: وهذا أكيد ينطبِق عليك. غنّيت باللهجة المصرية، باللهجة اللبنانية، باللهجة الخليجية، طبعاً إضافةً إلى لهجتك الفلسطينية. هلّ هناك لهجة معيّنة وجدت نفسك ترتاح فيها أكثر من غيرها؟ غير الفلسطينية

محمّد عساف: دعني أقول لك لهجة أهل الشام بشكلٍ عام، أحب أغاني (الشام). أُحبّ الأغاني اللبنانية، لا تتخايل كم أُحبّها. أنا في ألبومي القادم معظم الأغاني قدّمتها باللهجة اللبنانية

زاهي وهبي: كنت تسمع وأنت فتى ومُراهِق؟

محمّد عساف: طبعاً أكيد

زاهي وهبي: من كنت تسمع؟

محمّد عساف: أُريد أن أقول لك، كنت أسمع الكثير من مثلاً "جورج وسوف"، كنت أسمع "وائِل كفوري"، "فضل شاكر" إذا أردت، من أيضاً؟

زاهي وهبي: من صبايا وسيدات؟

محمّد عساف: كنت أسمع كثيراً لـ "فيروز"، للأُستاذ "وديع الصافي" طبعاً، أنا تحدّثت عن الجيل الجديد لكن من الجيل القديم طبعاً " نصري شمس الدين"، مثلاً "فؤاد غازي" الفنان السوري مثلاً، هذه الأغاني كنت أُحبها كثيراً خاصّةً اللبنانية. أمرٌ آخر أيضاً، الأغاني المصرية، كنت من الناس الذين يحبّون كثيراً أن يسمعوا للفنان "محمّد عبد الوهاب"، كنت أُحبّ أغانيه كثيراً. عنده أُغنية اسمها "كلّ ده كان ليه" كنت أحفظها منذ أن كنت صغيراً وكنت حفظت قصيدة "فلسطين" أيضاً لـ "عبد الوهاب"

زاهي وهبي: هلّ يُمكن أن نسمع من قصيدة "فلسطين"؟ يا ليت

محمّد عساف: طبعاً. هذه القصيدة علّمها لي أُستاذ اللغة العربية وكانت معنا

زاهي وهبي: في المناهج المقرّرة في المدرسة 

محمّد عساف: أجل طبعاً، وعلّمني عليها وكنت أّغنّيها. أتذكّر مسألة راودتني للحظة، للمرة الأولى غنّيتها في احتفال للمعلمين الذين سيتقاعدون، في أوّل مرة اعتليت المسرح وغنّيت هذه الأُغنية كان هناك صف كبير من المعلّمين الذين يحبونني ودائِماً يستدعوني إلى الحفلات، حتّى حفلات المعلّمين الخاصّة، فحينها حين غنّيت هذه الأُغنية أخذ المعلّمون حسبما أتذكرّ يبكون، لقدر ما لهذه القصيدة

زاهي وهبي: والآن سيكونون مسرورين بك وفرحين. إن شاء الله يكونون يُشاهدونا الآن

محمّد عساف: يا ليت والله

زاهي وهبي: تفضّل

محمّد عساف: (يغنّي – قصيدة فلسطين)

زاهي وهبي: الله يا "محمّد"، ألله، بأمثالك صوتاً وإحساساً وخياراً يُعاد الاعتبار للفنّ المُلتزِم، للفنّ الراقي. وعندما نقول الفنّ الملتزم، ليس بالضرورة أن يكون الفن من أغاني سياسية مباشرة

محمّد عساف: طبعاً أكيد

زاهي وهبي: ولكن الملتزِمة بأن ترفع من قيمة الإنسان وليس أن تحُطّ من ذوقه ومن احترامه ومن قيمته

محمّد عساف: أكيد طبعاً

زاهي وهبي: في اللهجات، قبل أن نسمع رأي صديق آخر من أصدقائِك، في موضوع اللهجات، كنت أسألك إذا كان هناك لهجة وقلت لي اللهجة اللبنانية وكذا وإلى آخره، وقلت لي المصرية وأثرها بتكوين وجداننا كلّنا. غنّيت باللهجة الخليجية أيضاً، في عملك الجديد

محمّد عساف: الألبوم الجديد الذي صدر منذ يومين

زاهي وهبي: ما اسم الأُغنية؟

محمّد عساف: أغنية " ما وحشناك"، وهي أغنية في اللون الخليجي لكن ليس الخليجي الـ Pure

زاهي وهبي: نعم، التي يمكننا فهمها قليلاً في تعابيرها

محمّد عساف: لهجة بيضاء قليلاً، طبعاً أكيد، وهي من كلمات الشاعِر "على الخوار" وألحان "هادي شرارة"؛ إلاّ أنه يدخل العنصر اللبناني في الموضوع (يضحك). أُغنية رائِعة جداً وحازت على المرتبة الأولى حالياً في العالم العربي

زاهي وهبي: تستأهِل كلّ خير "محمّد". دعنا نسمع أيضاً رأياً من صديقك "أحمد عوّاد". نُشاهِد "أحمد" وماذا يقول

محمّد عساف: "أحمد" من أعزّ أصدقائي، ابن مدرستي، منذ الصفّ الأول الابتدائي إلى الثانوية العامة ونحن في الصفّ نفسه، من المستحيل أن تكون بالصدفة

كلام يوصل

أحمد عوّاد – صديق: "محمّد" مُرضي الوالدين وإنسان صادق وصدوق معنا ومع أصحابه ومع الجميع.  في كلّ المواصل التي وصل إليها "محمّد" إلاّ أنه لا يزال يتمسّك بشخصية "محمّد" ابن المُخيّم البسيطة. "محمّد" فتحَ نافذة أمل للكثير من الأشياء بالنسبة لنا، فتح نافذة أمل لكلّ الشباب، كخيط من الشمس أضاء في العتمة. مهما حكيت وتكلّمت عن المجالات والأُفق التي فتحها "محمّد" لنا كشباب وكفلسطينيين وكعَرب وعلى مستوى عالمي، هناك أمل وحياة وهناك غدّ أحلى مما كان. الشيء الجميل في "محمّد" أنّ ما في قلبه على لسانه، لم يكن يعرِف أن يُخبّئ أيّ شيء. هو صريح، حبّوب، طيّوب، مهما تحدذثت لن أتمكّن من أن أفيه في الكلام. المواقف الحلوة التي أتذكّرها مع "محمّد" هي مواقفنا في "البحر" عندما كنا نأتي لنسبح في البحر هنا وعندما كنا نأتي إلى هنا ونجلِس ونتذكّر مواقف كانت تحدُث بيننا، شيء رائِع جداً، شيء جميل جداً أن تجلِس أمام البحر وأن ترى الموج، ومع كلّ موجة تأتيك تتذكّر موقفاً من المواقف التي عشناها سوياً. أُريد أن أُذكِّر "محمّد"          بأيام المدرسة، أيام كنّا نقفز عن الحيطان ونشرُد من ناظر المدرسة ويلحقنا في الشارِع، وعندما مرّة كنّا نأكل "البازيلاء" على درج المدرسة، ونططنا من فوق الطابق الأول وشَرَدنا من المدير. أرغب أن أسمع من "محمّد" دعاءه، عندما دائِماً يدعو، وأُحبّ أن أسمع صوته في أغانٍ كنّا زمان نُغنّيها حين كنّا صغاراً، أُغنية مثلاً " أخي جاوز الظالمون المدى" وأغنية "على بابي واقف قمرين"، وأُغنية لـ "محمّد عبد الوهاب" "كلّ ده كان ليه". هذه الأغاني أنا أُحبّ أن أسمعها من "محمّد" ولا أُطرَب معها فقط بل أكون في قمّة السرور والسعادة حينما أسمعها. "محمّد" الآن أصبحَ نجماً عالمياً، وأصبح بصيص أملٍ للكثير من الناس في هذه الحياة. على صعيد علاقتي بـ "محمّد" كصديقه وكابن بلده، كفلسطيني، أنا أفتخِر بـ "محمّد" وأفتخِر في كلّ ما يفعله "محمّد" لأنّ "محمّد" يوصِل رسالة سامية إلى كلّ العالم، أنّ في الفنّ يُمكن أن نُسمِع كلّ شيء. إذا هناك سؤال أسأله لـ "محمّد"، نحن تحدّثنا كثيراً عن أشياء وذكريات بيننا وبينه، السؤال لـ "محمّد"، ما هو أكثر شيء أو أكثر ذكرى كنت ترغب أن تعيشها معنا في هذه اللحظات؟

محمّد عساف: (يضحك)

زاهي وهبي: فضَحَك أيّام المدرسة، كنت تلميذاً شيطاناً 

محمّد عساف: (يضحك)، هذه من المواقف (يضحك)، أتذكّر في يوم، حين كنّا في الثانوي، كنّا بصراحة كبيرة

زاهي وهبي: شياطين

محمّد عساف: أجل، كنّا نقوم بأشياء فظيعة. اليوم يتحدّث عنها وهي ولا على بالي، سبحان الله أنه ذكّرني بموقف مُضحِك جداً

زاهي وهبي: وما أكثر ما تتذكّره أو تُحبّ أن تعيشه معهم؟

محمّد عساف: أكثر ما أحبّه هو أن أمكث في منطقة، كنّا نُسميها، ما كنّا نسميها يا "محمّد"؟

زاهي وهبي: المهم

محمّد عساف: منطقة وراء بيت "أحمد"، منطقة شوارِعها صغيرة، هناك منطقة مربّعة مثل هذه المساحة تقريباً

زاهي وهبي: أزقّة تقصُد؟

محمّد عساف: نعم، لكن هذه بالنسبة لنا منطقة واسعة، هذه المساحة ملعب. فكنّا نجلس خلف بيت "أحمد"، نفرِش حصيرة، وأحمد يُحضِر فرشة من عندهم من البيت ونفرشها في الخارِج، خاصّةً في الصيف، وأتذكّر في أكثر الأحيان في شهر "رمضان". بعد الإفطار نذهب إلى هناك فنجلِس ونتسامر ونتحدّث وكذا. أحياناً يكون والده مثلاً، والد "أحمد" كان صياداً، فكان يُحضر لنا "أحمد" السمك، فتشاهدنا والدته وتسألنا " لماذا أنتم في الخلف، وتشعلون النار"؟ أحياناً حتّى في الشتاء، في نفس المكان، تشوي ثلاث أو أربع سمكات على الخفيف وتُتبِّلهم مع الليمون (الحامض) والملح وتعطيهم لنا ونحن نشويهم على النار ونأكلهم، أرغب بشدّة أن أعود وأشوي سمكاً في تلك المنطقة

زاهي وهبي: نعم. إن شاء الله تُحقّق كلّ الأُمنيات في المستقبل وما تريد استعادته من الماضي. اسمح لنا أن نتوقّف مع استراحة أخيرة إذا سمحت، ثمّ نأتي إلى مسك ختام "بيت القصيد"

المحور الرابع:

زاهي وهبي: ماشي حالك في اللبناني، تمام، ستكرّرها؟ هذه الأُغنية كلمات الشاعر "أحمد ماضي" وألحان "زياد برجي"؟ 

محمّد عساف: "زياد برجي" غنّيت له أُغنية أيضاً في هذا الألبوم

زاهي وهبي: تحدّثنا عن اللهجات. سريعاً، حضرتك شاركت في أوبريت بعنوان "عناقيد الضياء" في (الشارقة)، إلى جانب "لطفي بوشناق"، "علي الحجار"، حسين الجسمي"، أسماء وأصوات عظيمة. غنّيت بالفُصحى في هذه الأوبريت

محمّد عساف: طبعاً

زاهي وهبي: الغناء بالفُصحى بالنسبة إلى حضرتك، وسمِعنا في بداية البرنامج أنّك غنيّت لـ "محمود درويش". هذا يستلزِم طبعاً مخارِج حروف، إتقان اللغة، كلّ هذا حضرتك متمكِّن منه؟

محمّد عساف: أكيد أنّ اللغة الفُصحى

زاهي وهبي: أنا أسأل حضرتك عن الفُصحى لأنه حتّى تجويد القرآن، وحضرتك تجيد هذا

محمّد عساف: هذه المسألة لها دور أيضاً لأنني منذ أن كنتُ صغيراً في المسجِد كنت أحفَظ القرآن، التلاوة والتفسير وهذا أيضاً له دور كبير. أيضاً، أنا كنت شاطراً جداً في اللغة العربية، حتّى أنني أيضاً خرِّيج إعلام، فيجب أن تكون اللغة العربية

زاهي وهبي: لا، من الجيّد أنّك امتهنت الغناء لأنّك كنت أمكثتنا في بيوتنا لو أردت أن تشتغِل في الإعلام

محمّد عساف: (يضحك)، لكن أنّه طبعاً، موضوع مخارِج الحروف في التلاوة والتجويد وفي أحكام التجويد، هذه تُغطي الكثير من الخبرة في هذا الموضوع، مخارِج الحروف كما تحدّثت. أنا شاركت في أوبريت " عناقيد الضياء" وهي أوبريت رائعة تتحدّث عن السيرة النبوية

زاهي وهبي: للشاعر "عبد الرحمن عشماوي"

محمّد عساف: طبعاً، وكانت من ألحان "خالِد الشيخ"

زاهي وهبي: "خالد الشيخ"، طبعاً، الفنان البحريني العظيم

محمّد عساف: طبعاً، كانت فرصة طيّبة جداً أنني كنت في هذا المشروع الكبير بصراحة. كنت مع فنانين، قامات كبيرة في الفنّ العربي وأنا بالنسبة لي كان شرفاً كبيراً  

زاهي وهبي: أنما تسنّى لي أن أكون في حفل الافتتاح وكنت حضرتك إلى جانبهم بكلّ ثقة وبكلّ براعة وبكلّ تمكُّن

 محمّد عساف: الحمد لله

زاهي وهبي: ونحن دائِماً نتحدّث للإعلاميين والفنانين عن أنّ إتقان اللغة هو مسألة ضرورية، وأنّ القرآن الكريم أحسن معلِّم

محمّد عساف: مئة في المئة

زاهي وهبي: أن يسمعوا القرآن والتلاوة وأن يقرأوا

محمّد عساف: أكيد

زاهي وهبي: أيضاً مؤخراً كنتُ حضرتك ضيفاً في البرنامج الذي انطلقت منه، الذي هو Arab Idol على شاشة الـ MBC، ما كان شعورك حينما كنتُ ضيفاً وتُشاهِد متبارين، وأنت قبل عدّة سنوات كنت في نفس الموقف الذي هم فيه

محمّد عساف: أكيد إذا أردت أن أتحدّث لك باختصار، هذا والحمد لله بالنسبة لي، أقول الحمد لله يا ربّ أنّ هذه ثمرة النجاح. أنا جئت إلى هذا البرنامج كمُشترِك واليوم أنا آتي كنجم وكضيف وأُغنّي مثل أيّ فنان من الفنانين الموجودين في الساحة الفنية العربية. هذا بالنسبة لي، هذا هو الإنجاز. وفي نفس الوقت أحسّ وكأنه بالخوف، وشعرت بالمشتركين حينها، شعرت بخوفهم وصارت ترجع بي الذاكرة فصرت أشعُر بالتوتّر

زاهي وهبي: ربما أنت بين أكثر الموجودين كنت تحسّ بذلك لأنّك عشت اللحظة نفسها

محمّد عساف: بالضّبط، وشعرت كم كانت أسئلتهم مثلاً، " محمّد، بماذا تنصحنا؟" وكذا، فعشت جواً بصراحة

زاهي وهبي: بماذا نصحتهم؟ بماذا نصحتهم؟ باختصار

محمّد عساف: أولاً قلت لهم كلمة " التواضع ثم التواضع ثم التواضع"، قلت لهم هذه رقم واحد. قلت لهم ألاّ يغيّروا قلوبهم، ألاّ يغيّروا مبادئهم بل يحاولوا دائِماً أن يختاروا الكمّ وليس النوع

زاهي وهبي: لأنّ الوقت يُداهمنا، فقط، هلّ كنت تتوقّع فوز "يعقوب شاهين"؟ الذي نُبارِك له

محمّد عساف: طبعاً، أكيد ألف مبروك

زاهي وهبي: وأن تكون "فلسطين" مرّة أُخرى هي الفائِزة؟

محمّد عساف: لا أُخفي عليك

زاهي وهبي: أنت كنت تتمنّى فوز "أمير" ربما؟

محمّد عساف: أنا أحببت صوت "أمير" جداً، "أمير" صوت قوي جداً، لكن بالنسبة لي هناك اثنان وأنا صرت محتاراً، فقلت يا ربّ يأخذها مشترِك فلسطيني، أكيد ليس لأنّه من (فلسطين)، أنت تعلم أنّ الإنسان دائِماً يغلب عليه هذا الطبع، بلده وكذا، ونحن محتاجون أيضاً لفرحة، صدّقني. تعلم، عندي شغلة مهمة جداً لكن إذا تسمح لي أن أحكي فيها

زاهي وهبي: تفضّل

محمّد عساف: كم هناك أُناسٌ قالوا، " وماذا يعني؟ هلّ حرّرتم (فلسطين)؟ الموضوع أننا لم نُحرِّر (فلسطين) لكن دعونا نُفرِح هذا الشعب الذي تعِبَ

زاهي وهبي: يستحقّ الفرح، يستحق الفوز ولو بكلام أغانٍ

محمّد عساف: لا يوجد فرح، صدّقني. هذا الكلام مهم جداً لأنني شعرت أن الكثير من الناس ينتقدون ويقولون أننا نحتاج لأن عندنا احتلال وعندنا، نحن على العكس، نحن لا نُقلِّل من قيمة شهدائنا ولا نُقلِّل من قيمة أسرانا ولا من قيمة مقاومتنا ولا من قيمة أيّ إنسان فلسطيني في كلّ مكان هو موجودٌ فيه. لكن نحن نُعطي بصيص الأمل والفرح. في (فلسطين) طوال عُمرنا، في نفس اليوم الذي يكون هناك شهيد يكون أحد جيرانه يريد أن يتزوّج

زاهي وهبي: عريس، والشهيد استشهد لأجل الحياة الحرّة الكريمة

محمّد عساف: أكيد. دعنا نذهب مرة أُخرى إلى صديق من أصدقائك، السيّد "محمّد أسمر" ونسمع ماذا يقول عنك

كلام يوصل

محمّد أسمر – صديق: بالنسبة إلى علاقتي بأخي وحبيبي وصديقي "محمّد عسّاف"، هي علاقة أكثر من أُخوّة وعلاقة قديمة جداً. اثنان يعيشا سوياً كلّ ما يحدث في المخيّم، ما يحدث عليه يحدث عليّ ويحدث على الكل. في اليوم الذي لا يكون عنده حفلة نذهب لنجلس في منطقة عندنا في مدينة (رفح)، عند أصحاب لنا. نسترزق رأي "ياسر عمر" الذي نحن دائِماً نشتاق له ودائِماً نفتقده هو و "أبو علاء"  و"باغيت" والصحبة كلّها، نجلس ونحضِّر الشاي على الحطب، على النار، و"ياسر عمر" يعزِف لـ "محمّد" على العود و "محمّد" يغني، الحقيقة حلوة هكذا، بسيطة. والأشياء التي كانت تنفِّس عنّا غير هذه الأشياء أننا كنّا نلعب الكورة/ فُتبول ونذهب إلى البحر. أنت تعلم أنّ (غزّة) كلّها ليس فيه منفس، أبداً، إلاّ البحر، بحر ورياضة. كنّا في الطريق من (رفح) إلى (خان يونس)، إلى منازلنا وكانت الدنيا ليلاً. طلبته والدته على الهاتف وقالت له أنهم أحضروا إعلان Arab Idol وعليه أن يُسجِّل ويذهب فقال لها إن شاء الله. "محمّد" خرج بصعوبة كبيرة، ما حدث معه حين ذهب إلى مصر إعجاز. أول شيء أصلاً فعله هو أنه دفع مالاً، تنسيقاً من أجل أن يذهب، دفع مالاً مرّة ومرّتين، والمرّة الثالثة تأخّر كما الكلّ يعلمون، تأخّر على "بيروت" وانتظروه ليومٍ آخر، والذي حدث له سبحان الله أثبت أنها عن جد مُعجِزة، وهو أثبت أنه هو مُعجِزة أيضاً لأنّ "محمّد" لا يُمثّل نفسه اليوم، "محمّد يُمثِّل كلّ الشعب الفلسطيني. يا حبيب القلب، متى سنراك عريساً؟ نريد أن نفرح بك، نريد أن نُزِفّك، نريد أن يكون العُرس على الطريقة التي نوينا عليها زمان،    مثل أيام المُخيّمات، نزفّك ونُحمّمك، إن شاء الله، إن شاء الله، الله كريم

زاهي وهبي: حين تُشاهِد أصدقاءك يتحدّثون عنك هكذا بحبّ، يتحدّثون عنك بمودّة عالية، أكيد شيء يُفرِحك، شيء يجعلك تقول، الحمد لله أنّك لم تتغيّر في نظرهم

محمّد عساف: الحمد لله، هذه هي أهم مسألة. أنا أقول لك، هؤلاء هم الناس البسطاء، هؤلاء هم أصحابي، هم رأس مالي. سنعود إلى نفس الموضوع في البداية حينما قلت لك أنا، لو الدنيا تذهب في الإنسان وأيّ شيءٍ كان ولا يظلّ إلّا الحقيقة، من يظلّون أصحابي، من أكلوا وشربوا معي والذين يعرفونني كشخص وليس كفنان

زاهي وهبي: صحيح، وهو يريد أن يفرح منك كما كان يقول، يريدك أن تتزوّج. هلّ هذا الشيء في بالك وفي مُخططاتك أم أنك تُبت من التجربة الماضية؟ قبلاً كنت تجربة خطوبة وليست زواجاً 

محمّد عساف: دعني أقول لك أنني تركت هذا الأمر ودائِماً أقول "يا ربّ أينما ترسلني"، أنا من هكذا نوعية، هكذا أهلي وهكذا تربيت وهكذا اعتدت. دائِماً أقول، يا ربّ أين ترسلني سآخذ نصيبي. حالياً لا أُفكِّر في الموضوع لأنّ عندي أشياء أهم. بالنسبة لي، أريد أن أثبِت نفسي في توجّهي الفني

زاهي وهبي: تكوين هويّتك الفنية، إلى آخره

محمّد عساف: بالضبط

زاهي وهبي: نحن الوقت للأسف داهمنا، وقبل أن أطلب منك أن تختُم بصوتك الجميل هذا اللقاء، سأؤجِّل الكلام إلى لقاء آخر حول الجوائِز والتكريمات وصعودك على المسرح وعلاقتك بالجمهور وكلّ هذه المسائل. فقط كلِمة لمُكتشِفك، الفنّان الفلسطيني "جمال النجار". في كلمتين ماذا تقول له إذا كان يُشاهدك؟

محمّد عساف: طبعاً، أريد أن أقول للأُستاذ "جمال نجار" أنه هو الإنسان الذي اكتشفني، وهو أول شخص أصدر لي أغنية وكان قبلاً أصدر لي أُغنية سنة 2001 تقريباً بعنوان "شدّي حيلِك يا بلدي" حين كنت صغيراً، وهو الذي أصدر لي نفس أُغنية "علّي الكوفية" التي يعرفها الجميع، هو نفسه. أنا أريد أن أقول له، " أبو أحمد" أنت بالنسبة لي أبّاً روحياً، أنت كان لك الفضل الكبير. أنا أتمنّى يا رب، أن نرجع ونلتقي عن جدّ، مع أننا نلتقي بين فترة واُخرى، لكن أنا أتمنّى منه، أريد أن أطلب منه أنه يا "أبو أحمد" اشتقنا لك في أن تعاود وتمسِك العود مرّة أُخرى وتعود تسمِعنا أغانيك وتعطيني أُغنية، يا ليت

زاهي وهبي: لأهل (مسراطة)، مدينة (مسراطة) الليبية التي حضرتك وُلِدت فيها وعشت أول خمس سنوات من طفولتك فيها، ماذا تقول؟ جملة

محمّد عساف: أقول عن جدّ، أنّ ربنا يفِك

زاهي وهبي: مشاكلهم وحروبهم

محمّد عساف: مشاكلهم، يا ربّ، لأنه حرام، أنا حتّى أقيسها على أهلي، كم أهلي زعلانين عليَّ لأنّ أهلي تقريباً عاشوا 17 سنة

زاهي وهبي: من حياتهم في (ليبيا)

محمّد عساف: أجل طبعاً، ربنا إن شاء الله يُصلِح حالكم يا ربّ ولا نعود نسمع هذه الحروب وهذه المشاكل يا ربّ

زاهي وهبي: ماذا تقول للوالِدة والوالِد ولإخوانك وأخواتك؟

محمّد عساف: أنا أقول لوالدي ووالدتي، ألله يديمكما تاجاً فوق رأسي ويطيل في أعماركما، يا رب. لأخوتي أريد أن أقول لهم أنني أحبهم، من الصعب على المرء كما تعلم في هكذا مواقف أن يقول كلّ مشاعره، لكن بالمُختَصر. أنا أُحبّ إخوتي، إخوتي أناس طيبّون جداً على أكثر من "محمّد" بكثير من الدرجات

زاهي وهبي: ألله يخلّيكم لبعضكم البعض. كلمة لـ (فلسطين)

محمّد عساف: كلمة لـ (فلسطين)، كلمة واحدة لـ (فلسطين) لا أستطيع، أريد أن أحاول أن أقول أمرين إذا تسمح لي أُستاذ "زاهي" عبر برنامجك وعبر قناة "الميادين". أريد أن أقول جملة صغيرة، أتمنّى أن ينتهي هذا الانقسام الذي ذبَحَ (فلسطين) وذبح القضية الفلسطينية

زاهي وهبي: مئة في المئة

محمّد عساف: يا إخواننا السياسيون، يا فصائِلنا الوطنية، أنا أتحدّث كمواطن فلسطيني وليس كـ "محمّد " الفنان ولا كـ "محمّد" سفير النوايا الحسنة ولا أيّ شيء. أنا أتحدّث كمواطن فلسطيني أحمل الهوية الخضراء وأقول لكم " كفى انقساماً". قضيّتنا أعدل قضية في الدنيا وعلينا ألاّ نضيّعها بأيدينا وألاّ نسمح للاحتلال أن يعبث فينا ولا كلّ الذين يتآمرون على شعبنا ولا كلّ الذين يتآمرون على قضيتنا كائنين من كانوا. هذا الانقسام يجب أن ينتهي، امزعوا هذه الصفحة واحرقوها  

زاهي وهبي: أضمّ صوتي إلى صوتك بالتأكيد. أشكر فريق العمل وأشكُر فريق عملك أيضاً على تعاونه معنا، مدير أعمالك، وأشكُر مُخرِج البرنامج "علي حيدر" ومنتجة البرنامج " غادة صالِح". أشكرك جزيلاً على تشريفك

محمّد عساف: شرف عظيم كان لي صراحةً هذه المقابلة، الله يخلّيك

زاهي وهبي: أهلاً وسهلاً، وأترُك لك أن تختُم كما تشاء

محمّد عساف: (يغنّي – أيمتى الزمان يسمح يا جميل) 

المخرج العراقي فيصل الياسري

المزيد