تاريخ المسيحيين في المشرق خلال عهد الامويين والعباسيين والفاطميين

علاقة الأمويين والعباسيين والفاطميين بالمسيحيين في المشرق، كيف تم تصنيفهم والتعامل معهم؟ ما هو موقع الموارنة والمردة وما أسباب انحسار المسيحيين إلى الجبال وثورة المنيطرة وعلاّقة؟

غسان الشامي: مساء الخير.

هناك الكثير من المرويات الشعبية عن واقع المسيحيين منذ الفتح العربي لبلاد الشام. لكن الدراسات الأكاديمية التي تابعت حضورهم اجتماعياً وثقافياً وانزياحاته جرّاء الحروب كانت قليلة. إن استكناه علاقة الدول المتعاقبة على حكم المنطقة بالمسيحيين يحتاج حلقات كثيرة. في هذه الحلقة من "أجراس المشرق" نستضيف الأستاذ الدكتور الياس القطّار للحديث عن واقع المسيحيين في الدولتين الأموية والعباسية وصولاً إلى الفاطميين، علّنا نصل أكاديميّاً إلى معرفة أفضل لما حدث في المشرق ولبنان تحديداً وإلى التبدّلات التي حصلت والقوانين التي سُنّت، متّكئين على كتابه
لبنان في القرون الوسطى: من الفتح العربي الإسلامي إلى الاحتلال الإفرنجي، على أمل أن نكمل في حلقات مقبلة اعتماداً على كتبه الأخرى.

ولكن، قبل الحوار، نعرّفكم بالدكتور القطّار:

 

التقرير

 

وُلد الياس القطّار في جزّين عام 1948. نال البكلوريا اللبنانية القسم الثاني عام 1968، وحصل على الإجازة في التاريخ من كلية التربية في الجامعة اللبنانية عام 1973، وشهادة الجدارة في التاريخ عام 1974. وحاز دكتوراه في التاريخ من السوربون باريس الرابعة عام 1977 عن أطروحة بعنوان أبحاث في المجتمع في الجبل اللبناني في عهد المماليك، ودكتوراه دولة في التاريخ عن أطروحة بعنوان نيابة طرابلس في عهد المماليك: دراسة في المجتمع والحضارة عام 1992.

يعمل أستاذاً في كلية الآداب في الجامعة اللبنانية. وترأّس قسم التاريخ فيها على فترتين ولمدة تسع سنوات. كما أدار ونسّق سبعة مؤتمرات علمية وأشرف على طباعة خلاصاتها العملية، وهي: أسد رستم: الإنسان والمؤرّخ "1982"، المؤتمر الأول لأرشيف تاريخ لبنان "1983"، الذكرى المئوية الرابعة لتأسيس المدرسة المارونية في روما "1984"، المؤتمر الثاني لأرشيف تاريخ لبنان "1995"، المناطق اللبنانية في ظل الاحتلال الإفرنجي "1996"، اليوبيل الذهبي لاستقلال لبنان "1996"، لبنان الكبير 1920-1996: 75 سنة من التاريخ والمنجزات "1997".

ومن مؤلّفاته أيضاً: مدخل إلى علم التاريخ: تطوّره، منهجه،
مختصر تاريخ جبل لبنان: تحقيق لكتاب أبي خطّار أنطونيوس العنتوريني، قواعد الآداب حفظ الأنساب.

 

غسان الشامي: أهلاّ بكم في "أجراس المشرق".

أهلاّ بك دكتور قطّار في "أجراس المشرق".

الياس القطّار: أهلاّ بك.

غسان الشامي: اسمح لي أن أبدأ بالسؤال، مع الدخول العربي وبداية الدولة الأموية إلى بلاد الشام وتحديدا إلى دمشق، أن أسأل عن وضع المسيحيين في الدولة الأموية بشكل عام في منطقة المشرق ولكن في لبنان تحديداَ.

الياس القطّار: عملياً، وضع المسيحيين في عهد الأمويين هو الوضع الأفضل على ما أعتقد في القرون الوسطى، لأن الأمويين كانوا متسامحين، وخصوصاً كانوا متسامحين مع المسيحيين. ونعرف أن الدواوين التابعة للخلافة كيف كانت تستقبل الشعراء النصارى ومنهم الأخطل، وبأية حالة كان يدخل إلى الخليفة. إذاً الوضع هو وضع جيّد. والمساهمة في عهد الأمويين في إدارة الدولة كانت على يد...

غسان الشامي: كان لهم دور سياسي؟

الياس القطّار: بعد الفتح الإسلامي ليس للمسيحيين دور سياسي، ولكن لهم دور إداري ودور اقتصادي. على صعيد الإدارة، نعرف أن الإدارة الأموية كانت إدارة مسيحية.

غسان الشامي: ... منصور بن سرجون.

الياس القطّار: وحتى الذي كان يدوّن في السجلّات في زمن البيزنطيين استمر يدوّن أيضاً في السجلّات في بداية الدولة الإسلامية الأموية. وفي البداية كانوا يدوّنون أيضاً على الطريقة البيزنطية، إلى أن جاء عبد الملك وعرّب النقود وعرّب الدواوين. عندها بدأ التدوين باللغة العربية. وينبغي أن نعرف أن المنطقة قبل دخول المسلمين كانت منطقة مسيحية. الشعب كان مسيحياً. وبقيت الأكثرية في لبنان وفي سائر بلاد الشام أكثرية مسيحية. أعتقد أن الجغرافية السكانية بقي العنصر المسيحي فيها كبيراً وقوياً وكثيفاً حتى القرن التاسع والقرن العاشر.

غسان الشامي: هل من خلافات في التعامل مع المسيحيين في العهد الأموي، في طريقة التعامل بين معاوية الأول ومَن أتى بعده من الخلفاء؟

الياس القطّار: أعتقد أن الفتح الذي تم للبنان ولسوريا كان فتحاً صلحاً. وبمجرد أن يكون الفتح صلحاً، وُقّعت اتفاقية أو معاهدة بين المسلمين والمسيحيين. هذه المعاهدة تنصّ على حرية الناس في اقتناء منازل، في عقود الزواج، في الكنائس، في إدارة الشؤون الاقتصادية. ومقابل هذه الشروط وهذا الإنعام الذي أُعطي للمدن المفتوحة صلحاً، أن يدفعوا ضريبة هي ضريبة الجزية. إذاً هناك عقد يحدّد العلاقة بين المسيحيين والمسلمين. وهذا العقد منذ الفتح، أي منذ أبي عبيدة ومنذ خالد بن الوليد. واستمر طيلة التاريخ الإسلامي.

غسان الشامي: أي منذ 634.

الياس القطّار: لأن هذا عقد شرعي، يُفترض أن يبقى حتى اليوم؛ لأن ما يحصل اليوم هو خروج عن هذا الاتفاق الشرعي الذي تم منذ الفتح. إذاً، العلاقة هي علاقة يُفترض أن تكون جيّدة. لم يكن مسموحاً للمسيحيين بأن ينخرطوا في الجيش وأن يشاركوا في حروب المسلمين، باستثناء جماعة واحدة وحيدة سُمح لها هي المردة الجراجمة لاحقاً.

غسان الشامي: سآتي إليهم. لماذا إذاً يقال إنه تم التضييق على المسيحيين في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز؟

الياس القطّار: لنكن صريحين، تُنسَب إلى عمر بن عبد العزيز الشروط العمرية. ولكن أعتقد أن هذه الشروط ليست من عهد عمر بن الخطاب كما يظن البعض ولا من عهد عمر بن عبد العزيز، بل هي من مطلع الدولة العباسية. لأن التركيب الفقهي للدولة العباسية السنّيّة لم يتم إلّا لاحقاً. وهذه الشروط بدأ تطبيقها بشكل جدّي بعد كتاب أبي يوسف الذي وُضع بطلب من الخليفة هارون الرشيد. إذاً، قبل العباسيين يُنسَب إلى عمر بن عبد العزيز، ولكن التطبيق الجدّي هو من عهد العباسيين لأن العباسيين اتّخذوا منحى فقهياً دينياً محدداً. الأمويون لم يكونوا مهتمّين لهذه الدرجة بوضع أسس فقهية، بينما العباسيون وضعوا لمصلحتهم السياسية طبعاً.

غسان الشامي: نقل الموارنة كرسيّهم إلى لبنان خلال العهد الأموي. بمعنى أن مار يوحنا مارون أو يوحنا السرومي من سرمانية، وهو البطريرك الأول، توفي سنة 707، وُلد سنة 628 أي قبل الفتح العربي بستّ سنوات. هل هناك علاقة وثيقة ربطت الموارنة بالأمويين ليسمحوا لهم ببطريركية في مناطق هم يحكمونها؟ بينما هناك بطريركية في أنطاكية للمسيحيين.

الياس القطّار: الوجود الفعلي للسلطة الأموية على الساحل اللبناني لم يكن وضعاً قوياً، لدرجة أن الأسطول البيزنطي كان دائماً في غزوات لهذا الساحل. فطيلة العهد الأموي كان البيزنطيون يدخلون حتى إلى الداخل اللبناني. فما حدث لم يتدخّل في شأنه الأمويون. بالعكس، الأمويون، نتيجة الخلاف الذي حصل لاحقاً بين السريان الأورثوذكس الذين كانوا يسمَّون في ذلك الزمن اليعاقبة،

غسان الشامي: المونوفيزيت.

الياس القطّار: المونوفيزيت والموارنة دعاهم الخليفة للتباحث أمامه في جدل لاهوتي.

غسان الشامي: يبدو أنه فقيه بالمسيحية أيضاً.

الياس القطّار: أولاً لأن زوجته مسيحية.

غسان الشامي: نعم، ميسون.

الياس القطّار: ونعرف أن العرب كانوا يأتون إلى دمشق لأن دمشق كانت العاصمة التجارية التي تؤمّن تموين القوافل إلى الداخل العربي. ما حدث هو أمر آخر؛ نتيجة الفتح، هناك عدد كبير من السكان لحقوا بالبيزنطيين. وعادةً، مَن يلحق بدولة كانت موجودة؟ الأغنياء، أصحاب الأملاك الكبيرة، كبار رجال الإكليروس، هربوا باتجاه بيزنطية، وبقي الفلاحون والعمّال المتواضعون.

غسان الشامي: كما العادة.

الياس القطّار: بطريرك أنطاكية هرب، وأصبح كرسي أنطاكية شاغراً. بعد مدة من الزمن، بعد عشرات السنوات، حاولت بيزنطية تعيين بطريرك على أنطاكية مجدداً. ولكنْ بطريرك لا يُحسن اللغة السريانية والناس تتكلم السريانية. ليس هناك إلّا الأرستقراطيين يتكلمون اليونانية. ولن يكون مقيماً في أنطاكية، وليس من أهل البلاد. فما هذا البطريرك الذي هو ليس من البلاد ولا يتكلم لغتهم ولا يسكن معهم؟ الموارنة كانوا من الفلاحين، من أهل الريف، مزارعين. فأخذوا مبادرة وانتخبوا بطريركاً هو يوحنا مارون، وهو أول بطريرك عليهم. يوحنا مارون هو أسقف. وكونه أسقفاً ورئيس أساقفة يستطيع أن يكون بطريركاً. والأسقف يعيّن أساقفة ويعيّن كهنة. أخذوا مبادرة أن يكون لهم مسؤولاً منهم ومقيماً عندهم.

غسان الشامي: ضمن الرعاية الأموية.

الياس القطّار: ضمن الرعاية الأموية. هذا الأمر لم يستسِغه البيزنطيون. والضغط لم يأتِ على الموارنة من المسلمين.
الضغط كان على الموارنة من البيزنطيين ومن الروم، أو من المسيحيين الملكيين، لم نكن نسمّيهم روم، الذين اعتبروا أنه لماذا الموارنة مستعجلون أن يعيّنوا بطريركاً عليهم. الآن انتصر المسلمون العرب والزمن سيأتي وربما تتغير المعادلة ويرجعون إلى الشرق مجدداً. فهذه المبادرة بالضغط الذي حصل من المسيحيين على الموارنة اضطرّ هذا البطريرك أن يهرب من سهول العاصمة. هم في السهل، السهل لا تكون عادةً إمكانات الدفاع فيه كما يجب.

غسان الشامي: من منطقة ...

الياس القطّار: إلى الجبال. لجأ إلى كفرحي في منطقة البترون، في أعالي البترون. وهناك أقام كرسيّه.

غسان الشامي: هنا نأتي إلى دور المردة والجراجمة في العهد الأموي. ما دورهم؟

الياس القطّار: المردة والجراجمة هي مسألة إشكالية عادةً في التاريخ. نحن نجتهد ولكن لا يمكن أن نقدّم حقائق. لأنه في التاريخ، لأكون صريحاً، التاريخ إذا لم يكن مستنداً إلى وثائق، ووثائق أكيدة، يصبح من باب الاجتهاد. فالاجتهاد ليس حقيقة.
المصادر البيزنطية تتكلم على مردة. المصادر العربية وعلى رأسها البلاذري تتكلّم على جراجمة. المصادر السريانية مثل ميشال السوري الكبير.

غسان الشامي: ميخائيل السوري.

الياس القطّار: ميخائيل السوري وابن العبري بعده.

غسان الشامي: غريغوريوس بن العبري.

الياس القطّار: يتكلمون أن المردة والجراجمة هم شعب واحد في تسميتين. ما صادف أن ثمة مدينة اسمها جرجومة فوق أنطاكية. هذه المدينة يبدو أنه كانت فيها كثافة سكانية معيّنة. ويبدو أن هؤلاء الجراجمة كان يستعملهم البيزنطيون حرساً للحدود. فجاءت قوّات من بيزنطية، من عسكر بيزنطية، دخلت إلى جرجومة. جاء مع الجراجمة مَن هرب من الفتح الإسلامي ومَن لجأ إلى مدينة جرجومة واجتاحوا هذه البلاد. الاجتياح كان محاولة إعادة السيطرة على بلاد الشام من قِبل البيزنطيين. حصلت محاولة أولى أيام معاوية، وحصلت محاولة أيام عبد الملك، وحصلت محاولة لاحقاً أيام الوليد. المحاولة الأولى، تمكّن معاوية بدهائه المعروف من أن يبدأ مفاوضات. هذه المفاوضات سكّنت الوضع أي هدّأت الوضع، وتوقّف المردة الجراجمة عن الغزو الذي قاموا به. ثم مجدداً أيام عبد الملك شعر البيزنطيون بأن البلاد الإسلامية منقسمة ما بين عبد الملك والمناهضين له. حالة الانقسام هذه شجّعتهم على محاولة احتلال المنطقة مجدداً. أيضاً عبد الملك اعتمد أسلوب معاوية نفسه ودفع مالاً للإمبراطور البيزنطي. فاضطرّ الإمبراطور البيزنطي لقاء المال أن يسحب قوّاته إلى أرمينيا، ولاحقاً يقال إنهم ذهبوا إلى ألبانيا. فهذه القوّات اجتاحت المنطقة، ثم ارتدّت من المنطقة إلى الداخل.

غسان الشامي: إذا انتقلنا إلى المرحلة العباسية، كيف تعامل العباسيون مع المسيحيين؟

الياس القطّار: العباسيون لم يتعاملوا بشكل جيّد مع المسيحيين لأنه منذ الخليفة المنصور بدأ التضييق على المسيحيين واستعمال القوة أو استعمال الشروط التي سمّيناها الشروط العمرية: أي بإلزامهم بلبس ثياب معينة، بالتصرّف مثلاً بعدم ركوب الخيل بل الركوب على الحمير، المرور في الشوارع بطريقة معينة. هذه في أيام هارون الرشيد مع أنه هو العهد الذهبي. أيضاً مارس هذه الشروط.

غسان الشامي: هارون الرشيد أيضاً مارس هذه الشروط المُجحفة بحق المسيحيين؟

الياس القطّار: بحق المسيحيين، حتى لدرجة أن هارون الرشيد تعامل مع المسيحيين الموجودين على الحدود مع بيزنطية كما يتعامل مع قطعان الغنم. قطعان الغنم يضعون لها حديداً.

غسان الشامي: وسمهم؟

الياس القطّار: وسمهم بحديد حامٍ ...

غسان الشامي: هل جرّاء خسارة أية معركة؟

الياس القطّار: هو نتيجة الصراع بينه وبين البيزنطيين لأنه أيام العباسيين، وحتى أيام الأمويين، كانت دائماً هناك الحملات الصيفية والحملات الشتوية.

غسان الشامي: الصوائف ...

الياس القطّار: لمحاولة احتلال القسطنطينية، فلم ينجحوا. فوصلوا أحياناً إلى باب القسطنطينية ولكن لم ينجحوا. أمّا الأخطر فكان أيام المتوكّل. هذا استعمل قمة الاضطهاد للمسيحيين لمّا صار يضع لهم صوَر شياطين على منازلهم ولمّا ألزمهم بقطع الغيار أي اللبس بشكل غير معهود. الشروط العمرية كانوا في أوقات معينة يذكّرون بها ويفرضونها ثم تتراخى الأمور ثم يعودون مجدداً إليها. لأنه دائماً كان الموظفون مسيحيين، والخلفاء العباسيون كان أطباؤهم عائلة بختيشوع. كانوا في بلاطهم.

غسان الشامي: أليس مستغرباً أن تكون أسرة بختيشوع، حنين بن إسحاق...

الياس القطّار: كل العائلة كانت بتصرّف الخلفاء العباسيين. ومع هذا كله... ربما هذا لإعطاء صورة الكيان الديني المتكامل كانوا يضطرون إلى أن يستعملوا هذه الطريقة معهم.

غسان الشامي: كيف يمكن لهارون الرشيد مثلاً، كتصوّر، أن يضطهد المسيحيين وصولاً إلى أن يَسِم جلودهم أو أبدانهم؟
وفي الوقت عينه يستقبل مبعوثاً أو يستقبل وفداً لـشارلمان؟

الياس القطّار: وأكثر من ذلك، وهذا أمر لا يعرفونه في التاريخ، هارون الرشيد أهدى لـشارلمان ساعة تدقّ. إذا ذهبنا إلى مدن أوروبا القديمة، مثلاً أنا أذكر آخر مرة رأيت في ميونخ ساعة البلدية الموجودة تدقّ. هذه الساعة تخرج منها مثل تماثيل صغيرة تدقّ كل وقت معيّن. هذه كانت موجودة في الدولة العباسية. الآن في كل بلداننا لا توجد ساعة تدقّ ولا أي شيء، وما زالت موجودة في أوروبا. ثم إن بلاطه، الذي هو بلاط يُحكى ألف ليلة وليلة...

غسان الشامي: أليس هذا تناقضاً؟

الياس القطّار: هذا لأن السلطة السياسية دائماً بامتصاص النقمة الشعبية تحتاج دائماً كما يقولون بالفرنسية bouc émissaire، لا أعرف كيف نترجمها إلى العربية. فدائماً في النظام السياسي لا بدّ من أحد نضحّي به حتى نستعيد هيبة السلطة. كبش محرقة يسمّونه.

غسان الشامي: وصولاً إلى أيام المقتدر بقليل من الوقت. طيلة الدولة العباسية خضع المسيحيون لاضطهاد؟

الياس القطّار: نعم، تقريباً كل الخلفاء، بالتأكيد ما عدا المأمون لأن المأمون سار بنظام محاولة عقلنة الدين وعقلنة المجتمع.
على كل حال، فشل.

غسان الشامي: اسمح لي بأن أتوقّف مع فاصل.

أعزائي، فاصل ونعود إلى الحوار مع الدكتور الياس القطّار. انتظرونا.

 

المحور الثاني

 

غسان الشامي: تحية لكم. نبدأ الجزء الثاني من الحوار مع الدكتور الياس القطّار بتقرير عن لبنان في خلال العهدين الأموي والعباسي:

 

التقرير

 

أبقى العرب خلال العهد الأموي على التقسيمات البيزنطية، فتبع لبنان أجناد دمشق واقتصر الحكم غالباً على السواحل.
وحصلت غزوات متبادلة بين العرب والبيزنطيين.

عمد معاوية بن أبي سفيان إلى ترميم السواحل وإنشاء أسطول ضخم في طرابلس لمقاتلة البيزنطيين، وكانت أشجار لبنان مصدراً غنيّاً. فيما واجهت عبد الملك مسألة المردة. وقد اختار الأمويون عنجر مركزاً للاستجمام. وزار اثنان من الخلفاء هما معاوية الأول ويزيد بن عبد الملك لبنان.

وشهد العصر الأموي تركّز الموارنة في لبنان عبر نقل مار يوحنا مارون كرسيّه إلى كفرحي. فيما رابط في لبنان أبو ذر الغفاري والإمام الأوزاعي.

لم يكد يأتي العباسيون إلى السلطة عام 750 للميلاد حتى بدأت القلاقل في لبنان. وجرّاء فرض الضرائب والظلم والتضييق على الناس في عهد أبي جعفر المنصور، حدثت ثورة المنيطرة عام 760، وأدّت إلى إبعاد المسيحيين عن الدروب الساحلية، وتم توطين أقوام أخرى كالقبائل التنوخية. كما عانى لبنان من الصراعات ولا سيما الثورة السفيانية عام 810 وثورة المبرقع وتفسّخ الدولة العباسية. وبلغ وضع أهل الذمّة مبلغاً مزرياً ابتداءً من عهد أبي جعفر المنصور الذي أمر بوسم النصارى واليهود بالحديد الحامي. كما باتت مدن لبنان الكبيرة أقرب إلى البلدات داخل أسوارها.

 

غسان الشامي: أهلاً بكم مجدداً في "أجراس المشرق".

دكتور قطّار، في العهد العباسي حصلت في لبنان ثورة قام بها المسيحيون هي ثورة المنيطرة. ما يلفت النظر أن يقوم مسيحيون، وهم قد باتوا قلّة، مع أن الساحل كما في كتابك قد أصبح في أغلبيته ساحلاً تسكنه أقوام إسلامية جاء بها الأمويون والعباسيون. كيف يمكن لأحد أن يقوم بثورة ضمن هذه الحال؟

الياس القطّار: السكان المسيحيون قاموا بثورة لأن العباسيين عمدوا إلى إعادة مسح الأرض وفرض ضرائب جديدة، ما أثقل كاهل الناس. التذمّر لم يكن فقط من قِبل المسيحيين بل كان التذمّر من قِبل كل الناس. وصادف أن إنزالا بيزنطياً حدث في طرابلس، فتشجّع المسيحيون وأعلنوا الثورة ونزلوا من المنيطرة وبسكنتا إلى سهل البقاع. حتى يتمكن العباسيون من ضرب هذه الثورة، ادّعوا أن المسيحيين خالفوا الشروط العمرية التي تمنع استحداث كنيسة أو بيعة جديدة، بل تسمح بترميم ما كان سابقاً. فهذا الحدث، أي البناء الذي تم، كان سبباً لاقتحام الجبل وطرد السكان منه. وهرب قائد الثورة الذي كان يدعى بندار، ولحق بالبيزنطيين. وطبعاً يُفترض أنه ذهب مع الأسطول إلى بيزنطية. هذه الثورة كانت لها نتائج وخيمة على الجبل اللبناني لأنها أفرغت وسط الجبل من السكان المسيحيين، ولم يعد إلّا قسم قليل منهم بعد تدخّل الإمام الأوزاعي وفتواه الشهيرة.

غسان الشامي: ما دور البيزنطيين فعلاً في دفع مسيحيي المشرق ولبنان للانقلاب على الدولة العباسية؟

الياس القطّار: هذه الثورة هي وجه من وجوه هذا الدفع للانقلاب على المسلمين، لأن السكان المسيحيين لربما كان لديهم شعور بإمكان عودة المشرق إلى حضن الدولة المسيحية. فلذلك كانوا يستغلّون الفرص عندما تحين الفرص لمحاولة مدّ اليد إلى البيزنطيين أو البيزنطيون اليد إليهم للثورة كما جرى في عهد المردة الجراجمة.

غسان الشامي: بهذا المعنى، هل كان المسيحيون تحت وقع نارين: النار البيزنطية من جهة أو الحلم بأن بيزنطة ستعود كحكم مسيحي، وجور الولاة العباسيين من جهة ثانية؟

الياس القطّار: المسيحيون ليسوا فئة واحدة. هناك الملكيون والسريان الأورثوذكس المونوفيزيت والموارنة.

غسان الشامي: والموارنة سريان.

الياس القطّار: نعم، سريان. وهناك أيضاً اليوم نسمّيهم الأشوريين أي النسطوريين. كل فئة من هذه الفئات لها موقف. في التعامل مع بيزنطية، كان الملكيون هم الأقرب إلى التعامل مع بيزنطية من البقية التي ذكرت لأنهم أساساً كانوا معادين. الموارنة بعد ترك الكرسي أصبحوا في حال عداء. أمّا النساطرة ومَن كانوا يسمَّون باليعاقبة كانوا في حال عداء كاملة مع البيزنطيين.

غسان الشامي: أين أُجلي المسيحيون بعد هذه الثورات؟

الياس القطّار: المسيحيون أُلزموا بترك المنطقة، واستُقدمت قبائل عربية وُضعت في أعالي الجبال. وهذه الثورة أثارت شخصية مهمة جداً في التارخي الإسلامي هي شخصية الأوزاعي. وعلى ما أعتقد هو المذهب الأكثر تسامحاً بين المذاهب السنّية. الأوزاعي حاول الدفاع عن المسيحيين، وأفتى بأنه كيف تؤخذ العامّة بذنوب الخاصّة. أي إذا قامت جماعة قليلة بمبادرة معينة ضدّ الدولة، لماذا يؤخذ كل المسيحيين بهذه الجريرة؟ حتى قال أيضاً في هذه الفتوى الشهيرة إن الرسول يقول: مَن ظلم معاهِداً وحمّله فوق طاقته فأنا حجيجه يوم القيامة. على كل حال، مداخلة الأوزاعي أثمرت بعودة بعض المسيحيين وليس كل المسيحيين. يُفترض أن يكونوا انسحبوا باتجاه شمال لبنان حيث القاعدة السكانية بقيت، أي المناطق الجبلية: الكورة والسفوح والبترون وغيرها، حيث الأكثرية بقيت أكثرية مسيحية.

غسان الشامي: الأقوام التي أتت، وإذا استطعنا أن نوصّفها، من أين أتوا بأقوام وأسكنوها الجبل؟

الياس القطّار: منذ الأمويين، اعتمد الفتح سياسة أنه حيث جلا الناس عن بيوتهم وعن أراضيهم استقدام عائلات عربية للسكن وملء الفراغ. إذاً عادةً يأتون بهم من الجزيرة أو من الداخل السوري لأنه أيضاً في الداخل السوري كانت هناك هجرة عربية قبل الفتح العربي الإسلامي.

غسان الشامي: ما هي أوضاع المسيحيين الاجتماعية خلال الفترة العباسية؟

الياس القطّار: الأوضاع أيام الأمويين كانت أفضل من أيام العباسيين لسبب بسيط جداً: الأمويون كانوا دولة متوسطية، أمّا العباسيون فهم دولة داخلية.

غسان الشامي: قارّيّة.

الياس القطّار: قارّيّة. الأمويون منفتحون على حوض المتوسّط. العباسيون منفتحون على الداخل باتجاه حتى الصين. لذلك، حتى دمشق ضعفت وماتت ومات دورها في عهد العباسيين. الأرياف أيضاً ضعفت لأنه لا تجارة. والساحل اللبناني الذي كانت فيه تلك المدن الشهيرة ما قبل الفتح العربي تحوّلت إلى قرى. حتى بيروت، مع أن الأوزاعي سكن في بيروت وأنشأ مدرسة فقهية مهمة، بقيت قرى وليست مدنا. المناطق تحوّلت إلى أرياف، والأرياف عادةً تكون أريافاً فقيرة إذا لم تتعاطَ التجارة.

غسان الشامي: كيف كان يُنظَر إلى الشيعة والإسماعيليين خلال العهد العباسي؟ كيف تعامل العباسيون معهم؟

الياس القطّار: الإسماعيلون تأخّر ظهورهم إلى مرحلة لاحقة.

غسان الشامي: لنبدأ بالشيعة الاثني عشرية.

الياس القطّار: أيام الأمويين كان صراعاً حزبياً بين حزب الإمام علي وحزب الأمويين. أمّا مع العباسيين فاتّخذ منحى فقهياً، صراعاً فقهياً، صراعاً دينياً بكل معنى الكلمة. فالعباسيون استعانوا بالشيعة لطرد الأمويين أو الانقضاض على الأمويين.
وعندما وصلوا إلى السلطة، أول ما بادروا إليه هو الفتك بالشيعة. وبقي العباسيون يفتكون بالشيعة كل التاريخ العباسي لأن الشيعة هم المنافسون المحتملون للخلافة العباسية. فوضع الشيعة لم يكن وضعاً جيداً. لذلك، الشيعة لجأوا أيضاً، كما لجأ الموارنة والأقوام الأخرى، إلى الجبال. سكنوا في جنوب لبنان لأنها منطقة جبلية.

غسان الشامي: جبل عامل.

الياس القطّار: تؤمّن إلى حد ما حماية.

غسان الشامي: والإسماعيليون؟

الياس القطّار: الإسماعيليون تأخّروا. قبل الفاطميين لم يكن... الإسماعيليون لم يكونوا أقوياء. في مرحلة قبل الفاطميين كان التحرك القرمطي لخضّ الدولة العباسية، أي في أواسط الدولة العباسية، خلق لهم مشكلة كبيرة القرامطة الذين هم فرع من الإسماعيلية. ولكن، الإسماعيليون الذين كان مركزهم في السلمية في سوريا لم يكن أحد يعرف أنهم أئمة. لم يعرف أحد إلّا القرامطة. لذلك، القرامطة في أحد اجتياحاتهم اجتاحوا السلمية وقتلوا كل الناس، وقتلوا حتى الحيوانات لأن الإسماعيليين يؤمنون بالتقمّص، حتى إن التقمّص يمكن أن يكون بحيوان. هو تناسخ. التناسخ يكون بالحيوانات. ولكن التقمّص يُفترض أن يكون بنفس بشرية. مع هذا كله، قضوا على كل كائن حي في مدينة السلمية للقضاء على الأئمة الإسماعيليين. وهذا خلق مشكلة لاحقاً للفاطميين أنه هل الإمام الفاطمي الإسماعيلي هو فعلاً الإمام؟ أو هو داعي الدعاة الأول؟ خلق مشكلة.

غسان الشامي: إلى أية حال بعد انهيار الدولة العباسية وصل وضع المسيحيين خلال العهد الفاطمي في مطلع القرن العاشر؟ أي، نريد بعد إذنك أن نوصّف حال المسيحيين ونحن داخلون إلى العهد الفاطمي.

الياس القطّار: الوضع المسيحي لم يكن وضعاً جيداً. بعد المتوكل هناك مسألة حدثت، عنصر مهم جداً هو انتقال الجند من الفرس الذين كانوا اليد اليمنى للدولة العباسية إلى الأتراك. والأتراك هم مسلمون جدد. وعادةً عندما يعتنق الإنسان ديناً جديداً يصبح متطرفاً ومتشدداً. الأتراك هم أكثر مَن أساء لكل العناصر التي هي خارج العنصر السنّي في الدولة العباسية سواء كانوا شيعة أو إسماعيلية أو مسيحيين على أنواع المسيحيين.

غسان الشامي: العلويون أين هم من هذا؟

الياس القطّار: العلويون في تلك الفترة لم يكونوا ظاهرين، لم يكن واضحاً وجودهم. سننتظر أيام الفرنجة الصليبيين حين تكاثف الوجود الشيعي على أنواعه سواء إسماعيلي أو علوي أو شيعة إمامية، تكاثف في الساحل وفي الجبال اللبنانية. والعلويون لا نسمع عنهم كثيراً إلّا في مطلع العهد المملوكي لاحقاً.

غسان الشامي: ما هي صفات حكم الفاطميين؟

الياس القطّار: الفاطميون حاولوا أن ينافسوا العباسيين في كل شيء، لدرجة أنه إذا كان المأمون أنشأ بيت الحكمة، هم أنشأوا أيضاً دار الحكمة في القاهرة. والقاهرة، قليل من الناس يعرفون لماذا اسمها القاهرة. القاهرة هي قاهرة بغداد. كان يحلم الإسماعيليون الفاطميون باسترداد الخلافة وباجتياح بغداد. فشلوا، لم ينجحوا في ذلك. حتى دمشق كانت في أوقات مع الفاطميين وفي أوقات أخرى مع العباسيين. ثمة نزاع عليها. الساحل اللبناني بقي ساحلاً فاطمياً. إذاً، الفاطميون جرّبوا أن يقلّدوا العباسيين في كل شيء، وأيضاً في مظاهر الغنى لأنهم أحاطوا أنفسهم بأبّهة لها أول وليس لها آخر. ولكنّ الفاطميين لم يكونوا دائماً بحُسن علاقة مع المسيحيين خصوصاً أيام الحاكم بأمر الله.

غسان الشامي: كيف تعاملوا إذاً مع مكوّنات المجتمع الأخرى؟ لنبدأ بالمسيحيين.

الياس القطّار: لنأخذ مثلاّ أيام الحاكم بأمر الله. هو نموذج.

غسان الشامي: هو النموذج الأكثر قساوة.

الياس القطّار: الأكثر تطرّفاً وقساوة. هدم كنيسة القيامة ثم أعاد بناء كنيسة القيامة. ألزم مثلاً المسيحيين بتعليق صلبان برؤوسهم تصل إلى أخمص أقدامهم. تصوّر مسيحياً يعلّق صليباً ويسير. اليهود ألزمهم بقرامي توت يعلّقونها برقابهم. فاستعمل وسائل كثيرة لإهانتهم والتضييق عليهم. وهناك قول أو اجتهاد أن انقلاب المنطقة من المسيحية إلى اللون الإسلامي أو العقيدة الإسلامية جرى بسرعة في عهد الفاطميين نتيجة التضييق الذي أجراه هؤلاء على المسيحيين. قبل ذلك كان لا يزال هناك الكثير من الأرياف من المسيحيين. ولكن في عهد الفاطميين أي القرن العاشر هو الانقلاب الأكبر في تاريخ هوية الشرق.

غسان الشامي: إلامَ يعود هذا التشدّد الفاطمي برأيك؟

الياس القطّار: لربما إلى هذا الصراع بينهم وبين العباسيين على تقلّد مقاليد القيادة في الدولة الإسلامية، فرض عليهم هذا المنحى من التطرّف، لربما.

غسان الشامي: ولكنّ العباسيين أيضاّ كانوا متطرّفين.

الياس القطّار: كلاهما يتنافسان في التطرّف.

غسان الشامي: التنافس على التطرّف.

الياس القطّار: حتى الحاكم بأمر الله أمّه كانت مسيحية. ومع هذا كله تصرّف بهذه...

غسان الشامي: وأمّ عمر بن عبد العزيز كانت مسيحية، وزوجة معاوية كانت مسيحية. هذه المنطقة كانت بحيرة مسيحية.
بمعنى من المعاني، بعض المرويات الغربية تقول إن سبب حروب الفرنجة هو ما فعله الحاكم بأمر الله بهدم كنيسة القيامة.
هل هذا صحيح؟

الياس القطّار: لا، هذا ليس صحيحاً. موضوع الحروب الإفرنجية هو موضوع آخر، له عدة أسباب. هناك وجه ديني.

غسان الشامي: سنتكلم نحن في حلقة لاحقة.

الياس القطّار: ولكن الوضع الاقتصادي في أوروبا هو الذي... أنا أعتقد أن الناس عادةً لا يتحرّكون لسبب ديني، بل يتحرّكون لسبب اقتصادي، وإن يكن الشعار شعاراً دينياً.

غسان الشامي: في عهد الفاطميين سنة 997، وهذا أيضاً أمر لافت للنظر، حدثت ثورة في مدينة صور.

الياس القطّار: نعم.

غسان الشامي: كان اسمه علّاقة؟

الياس القطّار: علّاقة، ثورة علّاقة.

غسان الشامي: ثورة علّاقة. كيف؟ كل هذا الطغيان إذا قلنا، كل هذا الحضور الواسع للدولة، وثورة في صور مسيحية.

الياس القطّار: لا، علّاقة لم يكن مسيحياً. علّاقة ليس مسيحياً.

غسان الشامي: ولكنّ المسيحيين شاركوا في الثورة.

الياس القطّار: لربما شاركوا، ولكن الثورة هي ثورة من قِبل مجموعة من الناس الفقراء. هو ملّاح فقير، ويبدو أنه كان هناك ضغط على صور من قِبل السلطة. الناس لم يستطيعوا تحمّل هذا الضغط، فتحوّلوا إلى ثورة بقيادة علّاقة. ظاهرة الثورات كانت موجودة في العهد الفاطمي في المدن، ما نسميها الزعر، حرافيش، إلى آخره.

غسان الشامي: الطبقات المسحوقة.

الياس القطّار: كانوا يتجمّعون في الأحياء ويشكّلون نوعاً من عصابات محلية ويثورون على السلطة ويفرضون شروطاً على الناس ... لهؤلاء الناس. فهذا النمط تحرّك في صور على يد علّاقة، وشعاره واضح: "عِزٌّ بعد فاقة، الأمير علّاقة". فهذه الفاقة التي كان يعيش بها الناس دفعتهم إلى الثورة. دائماً العامل الاقتصادي، لا شيء سوى الجوع يحرّك الناس إلى الثورات عادةً. فقاموا بثورة. هذه الثورة قُمعت بالتأكيد من قِبل الحاكم بأمر الله. استنجد علّاقة بالأسطول البيزنطي. ولكن الأسطول البيزنطي لم يستطع أن يصل إلى صور لأن الأسطول الفاطمي انتصر عليه. الفاطميون كان لديهم أسطول قوي. ربما في التاريخ الإسلامي هو الأسطول الأقوى، ثم العثمانيون كانوا هم الأسطول الأقوى. كسروا الأسطول البيزنطي فحوصر علّاقة. وبعدما حاصروه أخذوه إلى القاهرة. وكان لدى الفاطميين نمط أن يسلخوا الناس وهم أحياء، يسلخون جلودهم ويضعون لهم تبناً ويعلّقونهم ويدورون بهم بين الناس لترويع الناس بطريقة من الطرق.

غسان الشامي: نحن نتكلّم على العصور الوسطى. ولكن الآن هناك سلخ...

الياس القطّار: الآن أيضاً حصلت. في الأحداث التي تحصل حدث شيء منه.

غسان الشامي: سؤالي الأخير لك: بماذا تستخلص انحسار الحضور المسيحي منذ الفتح العربي حتى الدولة الفاطمية؟

الياس القطّار: هناك عدة أسباب: سبب هو الضغط الذي مورس على المسيحيين. صحيح أن الإدارة كما قلنا، حتى مع المسيحيين كان هناك مسيحيون في الإدارة. وفي كل الدول الإسلامية المتعاقبة كان المسيحيون مشاركين في الإدارة. ولكن هذا لا يكفي.
إذاً، الضغط الذي كان يمارَس من مرة إلى أخرى لأسباب: لامتصاص النقمات الشعبية. ليس دائماً أن حالة الإكراه تكون موجودة، ولكن من مرة لمرة تتكرّر حالة الإكراه. هذا من جهة. من جهة ثانية مغريات السلطة. المسيحيون كانوا معرَّضين طيلة هذا الوقت لحروب واجتياحات ولمشكلات، ومن جهة أخرى هناك مغريات السلطة لأن مَن يدخل إلى السلطة يتحوّل من حياة البؤس إلى حياة أخرى. فبين العنصر المادي من جهة والإكراه من جهة أخرى، فضّل المسيحيون أن يعتنقوا الإسلام.

غسان الشامي: أو يرحلوا.

الياس القطّار: أو يرحلوا إلى أين؟ لا مجال أن يرحلوا. كما قال لهم: البحر أمامكم والعدو وراءكم. فليس هناك حل آخر.

غسان الشامي: أريد أن أشكرك.

هِيَ الْأُمورُ كَما شاهَدْتَها دُوَلٌ. صحيح هذا. لكن ما حصل طيلة القرون الماضية للمنطقة كان لا يسرّ الخاطر وخصوصاً في ما بعدُ بعدَ انهمار الترك والمماليك والسلاجقة والتتر.

شكراً للدكتور الياس القطّار على حضوره في "أجراس المشرق".
شكراً لزملائي في البرنامج وقناة الميادين على مشاركتي في قرع هذه الأجراس.
شكراً لكم على طيب متابعتكم. وأيامكم بلا غزاة.

وسلام عليكم وسلام لكم.