خلف الجدار

البرنامج يطلّ على الداخل الإسرائيلي، ليسّلط الضوء على القضايا الداخلية الإسرائيلية، السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية والاستراتيجية. المحرّك الأساسي لهذا البرنامج هو من خلال رصد تعامل الإعلام المرئي والمسموع مع أبرز قضايا الداخل المتعلقة بالإسرائيليين وكذلك الأمر بالفلسطينيين أصحاب الأرض.

14-08-2015

عدوان كلف دما وخلف دمارا لكنه أيضاً، حمل صبراً وايمانا، وولد قوة وعنفوانا فأقفلت ايامه على انتصار. في الذكرى السنوية لعدوان تموز 2006، اسرائيل تتذكر تفاصيل آلمتها وكسرت هيبتها.

السيد نصرالله والمفاجأة البحرية في بث حي ومباشر.

السيد نصرالله والمفاجأة البحرية في بث حي ومباشر.

لانا مدوّر: مساء الخير.

حرب تموز كانت مرحلة مهمة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، للمراقب أن يستخلص منها الدروس والعِبَر. سنعرض في حلقتنا الثانية الخاصة من "خلف الجدار" أبرز المحطّات الهامّة بحسب ما صرّح به الإسرائيليون وأعلنه قادة الحرب من تفجير البارجة الإسرائيلية إلى محاولة تصفية الأمين العام لحزب الله وصولاَ إلى الإخفاقات داخل الجيش والصراعات بين قادته.

أرحّب في هذه الحلقة أيضاً بالعميد المتقاعد الياس فرحات، الخبير العسكري والاستراتيجي. أهلاً بك من جديد.

العميد الياس فرحات: أهلاً، أهلاً.

لانا مدوّر: وأيضا بالدكتور عباس إسماعيل، المتخصص في الشأن الإسرائيلي. وسترافقاننا طوال هذه الحلقة التي نبثّها ونصوّرها من معلم مليتا المخصّص لتخليد إنجازات المقاومة في هذه الحرب وأيضاً طيلة الاحتلال الإسرائيلي للبنان.

إذاً أهلاً بكم مشاهدينا إلى "خلف الجدار".


لانا مدوّر: شكّل قصف البارجة الإسرائيلية قبالة الشواطئ اللبنانية مفاجأة الحرب ومحطّتها المميّزة، ليس فقط لأن بارجة إسرائيلية متطورة قد جرى استهدافها وإحراقها، إنما لأن الطريقة الاستعراضية التي اعتمدها السيد نصر الله لإعلان الخبر شكّلت ضربة قاسمة لمعنويات الجيش الإسرائيلي. تقرير:


تقرير بالعبرية


لانا مدوّر: سيادة العميد، فلنعد بالزمن إلى هذه الحادثة، إلى هذه العملية. كيف استطاع حزب الله أن ينفّذ عملية دقيقة ومتزامنة كقصف البارجة الإسرائيلية؟

العميد الياس فرحات: من الناحية العسكرية كانت مفاجأة كبيرة جداً لحزب الله هي استعماله الصواريخ المضادّة للبحرية، للسفن، في ذلك الوقت. طبعا هذه دونها عقبات. أي جهاز رادار يلتقط هذه السفينة سوف يُكتشَف من قِبل الأجهزة الإسرائيلية وأجهزة الرصد في كل أنحاء العالم حتى. لذلك كان الوقت قليلاً جداً، بينما إخراج الرادار من مخبئه وتدوير الرادار وتشغيله والتقاط الباخرة وإطلاق الصاروخ باتجاه الباخرة.

لانا مدوّر: وأن يعلنها الأمين العام لحزب الله.

العميد الياس فرحات: لا، هذا من الناحية العسكرية.

لانا مدوّر: عملية معقّدة. مسألة ضرب البارجة عملية فعلاً معقّدة.

العميد الياس فرحات: أنا شاهدت، مثل آلاف المواطنين، الصواريخ تنطلق تحديداً فوق سليم سلام.

لانا مدوّر: جسر سليم سلام في بيروت، قرب المطار.

العميد الياس فرحات: جسر سليم سلام باتجاه البحر، ولم يقدّر أحد ما هذا الذي ينطلق بهذا الاتجاه إلى أن سمعنا في الإذاعات والتلفزيونات كلمة الأمين العام لحزب الله يتحدث عن إطلاق الصواريخ ضد البارجة "ساعر" وإلى أن التُقطت بعض الصور من الساحل اللبناني ومن منطقة الروشة تحديداً للسفينة وهي تحترق ولهيبها ظاهر للعيان. التقطته بعض محطات التلفزيون وبُثّ عبر الإعلام. هذه تتطلّب سرعة في التنفيذ ويقظة تامّة.

لانا مدوّر: كم من الوقت؟

العميد الياس فرحات: الخروج من المخبأ...

لانا مدوّر: دقائق؟ نتحدث عن دقائق قليلة؟

العميد الياس فرحات: مسألة دقيقتين لا أكثر وإلّا يُكشَف ويُدمَّر. يخرج من المخبأ، يشغّل الرادار، يلتقط الهدف، يُطلق الصاروخ ويعود إلى مخبأ آخر. هذه مسألة دقائق وثوانٍ أيضا لها قيمتها في هذه العملية. من الناحية العسكرية، أدّت هذه العملية إلى مفاجأة كبيرة في الجانب الإسرائيلي وإلى تحييد سلاح البحرية الإسرائيلية والبارجات طوال فترة الحرب. 

طبعا حصلت عملية إنزال في جلّ البحر في صور بزوارق صغيرة. إنما هذه البوارج الكبيرة "ساعر" حُيّدت طوال الحرب بعدما تلقّت إصابة خطيرة جدا أدّت إلى مقتل عدد كبير من الجنود، ولولا المسارعة في الإسعاف والإمكانات الضخمة للبحرية الإسرائيلية وربما أعانها أحد آخر وانتُشلت البارجة. هنا أريد أن أروي حادثة حصلت حول مدى تعلّق الشعب اللبناني والشعوب العربية بهذه الحادثة. فقد كنت جالساً في أحد المطاعم وسمعت صوت الأمين العام لحزب الله يقول: 

الآن، وفي عرض البحر، بارجة انظروا إليها تحترق. ثم سمعته مرة ثانية يقول كذا. لفت نظري، ما هذا؟ فإذا بأحد الشبّان وضعها رنّة هاتف نقّال.

لانا مدوّر: وهو ربما من أهم الخطابات للسيد نصر الله.

العميد الياس فرحات: أصبح كل ما يرنّ هاتفه نسمع: الآن في عرض البحر.

عباس إسماعيل: يُسقط بارجة.

لانا مدوّر: من أكثر الخطابات الموجودة في الوعي العربي.

العميد الياس فرحات: كان لها وقع. كما أنني كنت في بيروت في ذلك الوقت ورأيت رصاص الابتهاج، سمعت رصاص الابتهاج.

لانا مدوّر: إعلامياً نجح حزب الله في أن يستثمر. كان جوّاً استعراضيّاً إذا صحّ التعبير.

العميد الياس فرحات: إعلاميّاً وشعبويّاً وتعبويّاً. جذب الجماهير ليس في لبنان فقط بل في كل العالم العربي والإسلامي.

لانا مدوّر: وكان له وقع الصدمة في إسرائيل. هذه العملية كيف كان وقعها في الداخل الإسرائيلي، دكتور عباس؟

عباس إسماعيل: بدايةً لا بد من الإشارة إلى أنه في إسرائيل كانوا يتابعون إطلالات السيد نصر الله وكلماته بشغف كبير لأنه، كما قال عوفر شيلح الذي لاحظناه في التقرير...

لانا مدوّر: الصحافي والآن نائب في الكنيست.

عباس إسماعيل: بالضبط. هو أعدّ كتابا أسماه أسرى في لبنان. الآن هو رئيس كتلة حزب مستقبل في الكنيست. هو قال إن السيد نصر الله أهان الزعماء الإسرائيليين، أهانهم لأنه وصل إلى مرحلة بات الرأي العام الإسرائيلي، والمفارقة الكلام لـعوفر شيلح، الرأي العام الإسرائيلي ينتظر زعيم العدو كي يعرف منه ماذا يحصل بدل أن ينتظر زعيمه أو المسؤولين عنده. وبالتالي، كان لمتابعة الإسرائيليين السيد نصر الله أهمية كبيرة. كان هنا إجماع على صدقية ما يقول، على أهمية ما يقول. وكان هناك تحدٍّ كبير في مواقف السيد نصر الله لأنه في كل إطلالة، كما قال عوفر شيلح، في كل مرة كان يطلّ فيها كان يوجّه رسالة إلى الداخل الإسرائيلي لها علاقة بعمق المجتمع الإسرائيلي وتعكس إدراكاً تامّاً لما يحصل في المجتمع الإسرائيلي.

لانا مدوّر: كانوا يصدّقونه أكثر من قادتهم.

عباس إسماعيل: هذا قاله غير خبير وغير معلّق. وهذا في إسرائيل تجاوزوه لجهة الصدقية وأهمية ما يقوله. عندما قال السيد نصر الله على الهواء إن البارجة تحترق كان ملاحَظاً أن أحداً في إسرائيل خصوصاً من المعلّقين لم يسارع إلى التشكيك، لم يسارع إلى أن يقول: ما هذا الكلام الذي يقوله، لا أساس له من الواقع. إنما كان الانتظار سيد الموقف لأنه عكس بأنهم كانوا، والاعتقاد كان أنه إذا قال السيد نصر الله إن هناك بارجة تحترق فيجب البحث عن البارجة التي تحترق. لذك، إذا لاحظنا عميرام ليفين كان جالساً في استديو، وعميرام ليفين كان أيضاً قائد المنطقة الشمالية، كان الذهول على وجهه. حتى المحلّل كان يتحدث، سريعاً جاءت المعلومات أن هناك بارجة تحترق. وبالتالي، هذا كان يعكس أن كلام السيد نصر الله كان له وقع كبير جداً في إسرائيل. النقطة الثانية المهمة جداً في هذا الموضوع هي ما قاله عامير بيرتز من أن عملية استهداف البارجة، "أحيحانيت" كما يُطلقون عليها، جعل من إنجاز ما يسمى بالوزن النوعي هباء منثوراً لأنه قال إن الإنجاز الذي كنا نعتقد أننا حقّقناه والذي هو درّة التاج، جاءت هذه العملية لكي تذهب به. وأكثر من ذلك، أقرّ بأن هذه العملية كان لها تأثير ردعي كبير جداً، وعكس أن الجيش الإسرائيلي لم يستوعب حتى تلك اللحظة أنه في حرب، وكأنه يقول إنه لم يستوعب أنه أمام خصم يشكّل تحدّياً جدّيّاً للجيش الإسرائيلي.

لانا مدوّر: هذا ما سأسألك عنه بعد قليل. سيادة العميد، كنت تتحدث عن عملية معقّدة تتطلّب قدرات عالية قتالية لدى العنصر البشري، وأيضا عنصر تقني. هل أظهرت هذه العملية مدى تقدّم حزب الله أو تقنيات حزب الله أكان في القتال أو حتى في كفاية عناصره؟

العميد الياس فرحات: لكي تستطيع مجموعة صغيرة تجهيز صاروخ وتشغيل رادار وإطلاقه في أقل من دقيقة، يتطلب تدريباً فترة طويلة وكفايات عالية جدا. هذا المثل يمكن أن نعمّمه على كل الوحدات العسكرية في حزب الله التي شاركت في حرب تموز خصوصاً وحدات صواريخ أرض-أرض ووحدات الصواريخ المضادّة للدروع التي أثبتت فاعلية كبيرة ودمّرت الدبابة ميركافا وأفقدتها صيتها الدولي ودفعت دولة الهند إلى إلغاء عقد بـ500 دبابة مع إسرائيل. وأثار ذلك انهياراً كبيراً في سمعة السلاح الإسرائيلي في العالم. كله من جرّاء التدريب والتأهيل لعناصر المقاومة. هذا التأهيل أتيح له أن يُختبَر في ميدان المعركة. طبعا يأسف المرء أنه في بعض الجيوش في العالم هناك أناس لديهم مؤهّلات كبيرة جداً لكن لم يُتَح إظهارها في معارك أو في مناسبات. إنما ما حصل في حرب تموز أن كل هذه المؤهلات والكفايات قد ظهرت فعلاً على الأرض: عند المشاة، عند الصواريخ، وعند المضادّة للسفن، وعند جميع الوحدات.

لانا مدوّر: دكتور عباس، معناه أن إسرائيل عندما يقولون إنهم وجدوا أنفسهم بالفعل داخل حرب، بدأت تتورّط أكثر في حرب استمرّت لـ30 يوماً؟ تورّطت في حرب لم تكن تريدها بهذا الشكل وبهذه القوّة؟

عباس إسماعيل: تدرَّجَ التقدير الإسرائيلي لطبيعة ما يحصل. عامير بيرتز احتاج إلى ثلاثة أسابيع لكي يقول إننا دخلنا في حرب. في البداية كان الاعتقاد لدى المستوى السياسي والعسكري في إسرائيل بأنهم أمام عملية واسعة قوية من شأنها أن تحقّق نتائج كبيرة جدا. هذا الاعتقاد أو الانطباع لدى الضبّاط أو القادة الإسرائيليين جزء منه ناجم عن نشوة أو إحساس بنشوة انتصار في الأيام الأولى عندما جرى الحديث عن أن الجيش الإسرائيلي دمّر صواريخ فجر وبدأ هناك إحساس بالنشوة بأن مخالب حزب الله قد نُزعت وبقيت هناك الصواريخ القصيرة المدى، وكان هناك اعتقاد بأن الجيش الإسرائيلي أمام إنجاز كبير جداً. ولكن في فترة لاحقة تبيّن أن الحسابات الإسرائيلية لم تكن دقيقة، أيضا أن الوعود أو التقديرات التي قدّمها المستوى العسكري للمستوى السياسي لجهة القدرة على أن يُلحق بحزب الله ضربة قوية جداً لم تكن أيضا تتطابق مع الواقع. وفي المقابل أن حزب الله أظهر قدرات كبيرة، أظهر أيضاً كفايات عالية، وأظهر أنه يتمتع بمفاجآت. لذلك، نلاحظ أنه في الفترة الأولى كان التركيز على عمل جوي، كان رئيس الأركان يرفض فكرة استدعاء الاحتياط، في العمل البري كان هناك تردّد كبير جداً. في فترات لاحقة أدرك الإسرائيليون أن التكتيك الأول أو الأسلوب القتالي الأول غير مجدٍ، لذلك بدأوا يبحثون عن أسلوب آخر علّه يكون مجدياً، وهو لم يكن كذلك في نهاية المطاف.

لانا مدوّر: في كل الأحوال، إضافة إلى هذا البحث عن الأسلوب العسكري، قيادة الجيش الإسرائيلي لم تكن متجانسة حينها. لم تكن متوافقة في ما بينها. لم تكن متضامنة خلال هذا العدوان. في التقرير التالي أو هذا الجزء من التحقيق الكبير الذي سنعرضه الآن سيكشف لنا ما كان يدبَّر لإفشال دان حالوتس، رئيس هيئة الأركان، ومن خوف من تفعيل القوّات البرية الإسرائيلية:


تقرير بالعبرية


لانا مدوّر: كلام مهم جداً لـدان حالوتس في الواقع. سيادة العميد، سأبدأ مع مسألة تخبّط القيادة العسكرية، كيف عملت على إضعاف الجيش الإسرائيلي؟ أنت كنت في الجيش، وتعلم عندما يعطي قائد أوامر لجنوده. كان هناك حديث مُرّ من قِبل دان حالوتس لأنه لم تكن تنفَّذ أوامره. ماذا يعني هذا الأمر؟

العميد الياس فرحات: لا يجوز أبداً أن تكون القياة متردّدة. أي تردّد يؤدي إلى الفشل. والفشل الإسرائيلي كان أحد أسبابه تردّد القيادة الناشئ من خلافات بين القادة العسكريين بسبب عدم ظهور معالم الحسم للمعركة. الكل كان يتوقّع ملامح الحسم. في عام 1978، عملية الليطاني، كان الهدف الوصول إلى الليطاني وتحقّق الهدف. في عام 1982، عملية سلامة الجليل، وصلوا إلى بيروت. أمّا اليوم فإنهم لم يحقّقوا شيئاً. بدأت الخلافات، ادفعوا بالقوات البرية، طوّروا الهجوم الجوي، قوموا بعمليات خاصة، استعملوا صواريخ، استعملوا إنزالات. حصلت كلها بشكل ارتجالي وعفوي ووسط تخبّط في خطة العمليات.

لانا مدوّر: وتصفية حسابات. عدا عن الخطة، وكأنه طفت على السطح خلافات داخل الجيش الإسرائيلي، خلافات القيادة.

العميد الياس فرحات: بالطبع، إن ما حصل في الأداء العسكري يعكس تماماً أن هناك خلافات قسم منها ظاهر إلى السطح وشاهدناه في هذا التقرير، وقسم آخر لم يظهر بعد لكنه كان حادّا جدا لدرجة أن هذا الخلاف أثّر على سير المعركة وأسهم في فشل إسرائيل. هنا أريد أن ألفت النظر إلى الجبهة اللبنانية. في الجبهة اللبنانية من ناحية المقاومة لم نسمع أية خلافات في الرأي. كانت الخطة موضوعة ومستوعَبة وتنفَّذ، وهناك خطط طوارئ وبدائل لكل الأوضاع المستجدّة على الجبهة. وأيضا أريد أن ألفت النظر إلى الجيش اللبناني المنتشر في منطقة الجنوب والذي بقي في مراكزه، في بعض الأحيان قام الجيش اللبناني بمهمّات: جسور دُمّرت أعاد بناءها بسرعة ما أدّى إلى قيام الطيران الإسرائيلي بقصف فوج الهندسة في منطقة الجمهور واستشهاد عدد كبير من الضبّاط والعسكريين. كما أن الجيش اللبناني المنتشر في الجنوب أسهم في بعض العمليات في مراكزه بإحباط عملية تسلّل بحري إسرائيلي من جل البحر باتجاه أماكن المقاومة. وقد قيل وقتها إن هذه العملية نجحت استخباريّاً في تحديد منزل أحد قيادات المقاومة لكنها فشلت عسكرياً لأن الجيش اللبناني كان متمركزاً في تلك المنطقة ولم تحسب إسرائيل أنه يمكن أن يتدخّل، فتدخّل الجيش اللبناني وسقط للجيش عدة شهداء في هذه المعركة. 

أيضا كان هناك تنسيق عملي على الأرض بين الجيش والمقاومة. وهذا تنسيق الأمر الواقع وتنسيق الضرورة وتنسيق الدفاع عن الوطن، لم تحصل تنافسات، لم تحصل خلافات.

لانا مدوّر: وهذا أمر مهم.

العميد الياس فرحات: هذا أمر مهم جداً أدى إلى نجاح المقاومة في إفشال العدوان الإسرائيلي.

لانا مدوّر: دكتور عباس، دان حالوتس كان يبالغ في مسألة أنهم كانوا يريدون إفشاله ربما لكي يجد ذريعة لنفسه؟ أو فعلا ًالواقع حينها داخل الجيش كان قائما على توازنات تريد الإلغاء، كل جنرال أو كل قائد يريد إلغاء الآخر؟

عباس إسماعيل: لا شك في أن دان حالوتس معني بأن يُشرك آخرين في الفشل الذي كان من حصّته لأنه كان مؤكّداً، وهذا بإقرار فينوغراد وغيره، بأنه كان هناك خلل كبير في أداء الجيش الإسرائيلي. فهذا توظيف من قِبل حالوتس لكي يخفّف عبء الفشل عن نفسه. ولكن في الحقيقة ما قاله حالوتس يعكس واقعاً موجوداً في الجيش الإسرائيلي. لا ننسَ أن دان حالوتس، وهو كما قال جاء من سلاح الجو، عندما عيّنه شارون رئيساً للأركان كان أول رئيس أركان يأتي من سلاح الجو ويتولى رئاسة أركان الجيش الإسرائيلي. كانت هناك، كما يحصل عادةً، حرب جنرالات في إسرائيل. عند تعيين كل رئيس أركان تحصل حرب جنرالات، وفي كل حرب نشهد حرب جنرالات. ضبّاط هيئة الأركان الذين هم من غير سلاح الجو كانوا معنيين بأن يكون أحدهم هو مَن يتولى رئاسة الأركان. وبالتالي، كان هناك أيضاً نوع من عدم الرضا عن تولّي دان حالوتس رئاسة الأركان. وهناك أيضا مسألة ثانية عكسها بأن الثقافة العسكرية الموجودة في سلاح البر أو في الأسلحة التي هي غير سلاح الجو مختلفة عمّا هو في سلاح الجو.

لانا مدوّر: ممتاز، هذه نقطة مهمة.

عباس إسماعيل: وهذا ما قاله دان حالوتس، نقله عن آيزنكوت. لأن دان حالوتس يبدو من خلال حديثه وكأنه آتٍ من عالم آخر. هو يقول إنه عندنا في سلاح الجو الأمور ليست كذلك، وإن جادي آيزنكوت الذي كان في تلك الفترة في الحرب كان رئيساً لشعبة العمليات والآن هو رئيس للأركان. جادي آيزنكوت هو مَن لفت نظره إلى أن قادة الجيش الإسرائيلي لن ينفّذوا أوامره وأنه آتٍ من عالم آخر. هذا في ما خصّ عصيان الأوامر أو الاستخفاف بالأوامر. ولكن هناك نقطة ثانية مهمة أيضاً هي خشية الجيش الإسرائيلي وتلكّئه عن تنفيذ بعض العمليات على الأرض خشية الخسائر التي تحدّث عنها. ونقطة مهمة جداً وهي ذات دلالة قيميّة مهمة جداً: الحديث عن المهمة مقابل حياة الإنسان. هذا المصطلح أو هذه المعادلة طفت في العقود الأخيرة على سطح النقاش في إسرائيل وعكست تغيّراً كبيراً ليس فقط في بنية الجيش الإسرائيلي إنما أيضا في بنية المجتمع الإسرائيلي. بمعنى أنه فيما كان في السابق الحديث أن جنود الجيش الإسرائيلي يتمتعون بروح التضحية وما شاكل، الحروب الأخيرة تعكس بأن هناك خشية كبيرة من الخسائر البشرية، من أن هناك تردّداً في تنفيذ المهام العسكرية خشية الخسائر البشرية.

لانا مدوّر: هذا ما يُضعف القوّات البرية الإسرائيلية؟ وما هو التقويم لهذه القوات بالنظر إلى سلاح الجو والأجهزة الأخرى في الجيش الإسرائيلي؟

العميد الياس فرحات: القوات البرية الإسرائيلية ذات كفاية عالية. لا ننكر ذلك. لكن قيادتها كانت فاشلة في هذه المعركة. والسبب هو أن رئيس الأركان جاء من القوات الجوية. في بلد صغير مثل إسرائيل ليس لديه عمق استراتيجي لا يمكن لضابط من القوات الجوية أن يفهم التكتيكات على الأرض وقيادة الحروب البرية. عندما يصبح رئيساً للأركان، أصبح قائداً للقوات البحرية والبرية والجوية. في بلد مثل إسرائيل، أكبر خطأ أن يأتي ضابط طيّار من القوات الجوية وأن يكون رئيساً للأركان لأنه ليس على دراية تماماً بكل العمليات الأرضية وإن كان يعرفها نظرياً وإن كان لديه مساعدون. إنما يبقى القرار عنده، وهو بخلفيته جاء من القوات الجوية. في النادر أن يعطي أمراً يهضمه ويستوعبه تماماً ويقتنع به قادة الفِرَق والمناطق على الأرض. لذلك، ما قاله جادي آيزنكوت له: تأكّد أنهم لن ينفّذوا أوامرك، هو واقعي وصحيح لأنه كان يعطي أوامر ليست لها قابلية للتطبيق لدى القوات البرية على الأرض وخصوصا قادة الفِرَق وقادة المناطق والمنطقة الشمالية تحديداً.

لانا مدوّر: بعد هذا الفاصل سنتابع الحوار وسنتحدث عن تطوّر الأهداف لدى إسرائيل التي وصلت إلى تصفية قيادات حزب الله. بعد الفاصل إذاً مشاهدينا. ابقوا معنا.



محاولة تصفية قيادة حزب الله، اهداف وهمية وغير واقعية للعدوان.

محاولة تصفية قيادة حزب الله، اهداف وهمية وغير واقعية للعدوان.

لانا مدوّر: أهلا بكم من جديد مشاهدينا إلى هذه الحلقة الخاصة الاستثنائية من "خلف الجدار".

أهداف إسرائيل مع الوقت تطوّرت خلال حرب تموز 2006، فأصبحت إضافة إلى استعادة الجنديين وتدمير الصواريخ تضع نصب أعينها تصفية قيادة حزب الله وعلى رأسهم السيد حسن نصر الله. نشاهد كيف كان ثلاثي هذا العدوان، الثلاثي القائد للعدوان، يفكّر في هذا الوقت:

 

تقرير بالعبرية

 

لانا مدوّر: سيادة العميد، الكل يسأل في الواقع: هذا اللغز، تضليل قيادة حزب الله للطائرات الإسرائيلية، للاستخبارات الإسرائيلية. كيف استطاعت القيادة العسكرية الإسرائيلية خلق كل هذا الوهم للإسرائيلي؟

العميد الياس فرحات: لنكون واقعيين، الاستخبارات الإسرائيلية ناشطة في لبنان منذ زمن طويل، وتضع إمكانات كبيرة في لبنان. وقد حقّقت عمليات كثيرة منذ عملية نيسان 1973 بقتل قادة المقاومة الفلسطينية إلى اغتيال بعض قادة المقاومة: الشهيد أبو حسن سلامة، علي ديب في عبرا، وبعده الشهيد غالب عوالي، وقبله الشهيد علي صالح والشهيد جهاد جبريل. كلها كانت عمليات موساد وبناءً على معلومات استخبارية. هناك حضور إسرائيلي، حضور استخباري، لكن أيضا في المقابل هناك يقظة كبيرة من المقاومة ومن حزب الله استطاعت أن تحمي الجسم الأكبر من القيادات وخصوصاً قائد المقاومة السيد حسن نصر الله. حرب الاستخبارات لا تزال قائمة حتى الآن وعلى جميع الجبهات.

لانا مدوّر: أكبر دليل تفكيك شبكات كثيرة إسرائيلية في لبنان في الأعوام الماضية.

العميد الياس فرحات: تفكيك شبكات.

لانا مدوّر: أجهزة تنصّت.

العميد الياس فرحات: وأيضا اغتيال الشهيد اللقيس واغتيال الشهيد عماد مغنية. حرب مفتوحة بين المقاومة وإسرائيل على صعيد الاستخبارات. إنما المناسبة التي جاءت في حرب تموز هي استعمال الطيران والصواريخ لضرب وقتل قادة من المقاومة بناءً على معلومات استخبارية أثبتت أن المعلومات الاستخبارية الإسرائيلية ضعيفة جدا عن قادة حزب الله.
لم يستطع الإسرائيليون استغلال هذه الحرب حيث متاح لهم استعمال كل أسباب القوة لديهم من أجل قتل أي عنصر أو أي مسؤول في حزب الله. لم يستطع الوصول إلى أي قائد من حزب الله خلال 33 يوماً من الحرب، سوى، كما ذكرت في أول الحلقة، قاموا بإنزال كبير جداً وقبضوا على شخص اسمه حسن نصر الله من منطقة البقاع ظنّاً منهم أنه هو الأمين العام.

لانا مدوّر: اسمه حسن نصر الله.

العميد الياس فرحات: ربما عملية تضليل بين المخبرين أوقعتهم في هذه المهزلة التي سارعوا إلى السكوت عنها لأنها فضيحة استخبارية عندهم. سَلِم قادة المقاومة بفضل اليقظة وبفضل التدابير وبفضل الجهد الاستخباري العملاني، ليس فقط استخبارات استراتيجية وإنما استخبارات عملانية أثناء العمليات من حزب الله.

لانا مدوّر: دكتور عباس، واضح أن الحرب تطوّرت إلى تصفية قيادات. لماذا اكتسب هذا الأمر هذه الأهمية بالنسبة للقادة العسكريين والسياسيين؟ ومَن دفع باتجاهها أكثر؟ المستوى السياسي أو المستوى العسكري؟

عباس إسماعيل: المستويان لم يكونا مختلفين حول أنه يجب القضاء على قيادة حزب الله، وتحديداً على شخص السيد حسن نصر الله. بالنسبة للإسرائيليين، منذ اليوم الأول للحرب كان الإسرائيليون يبحثون عن صورة للنصر.
بحثوا عنها في كل مكان. عملية بنت جبيل، محاولة احتلال بنت جبيل أحد أهدافها هو البحث عن صورة للنصر. هذا كان من جهة. من جهة ثانية، كان الإسرائيليون أيضاً معنيين بأن يبحثوا عن عمل يكون له وقع الصدمة يؤدي إلى حسم المعركة أو يتيح للإسرائيلي بالحد الأدنى أن يخرج من المعركة مع إنجاز كبير جداً. وبالتالي، القضاء أو النجاح في اغتيال الأمين العام لحزب الله أو مستوى قيادي في حزب الله سوف يُعتبَر إنجازاً كبيراً جداً لإسرائيل. وهذا الإنجاز ليس فقط إنجازاً بالمعنى الإعلامي أو بالمعنى الذي يمكن تسويقه...

لانا مدوّر: يُضعِف الحزب.

عباس إسماعيل: إنما هو إنجاز سوف تكون له تداعيات كبيرة على مجريات الحرب لأننا نتحدث عن شخصية مركزية في إدارة الحرب. وبالتالي، يتصوّر الجميع أنه لو نجح الجيش الإسرائيلي في اغتيال السيد نصر الله ما مدى التأثير الذي سيكون على مجريات الحرب.

لانا مدوّر: سأسأل هذا السؤال لسيادة العميد.

عباس إسماعيل: في اعتقاد الإسرائيلي أن نجاحه في تحييد السيد نصر الله أو القضاء عليه كان سيكون له تأثير كبير جداً. ولا ننسَ، كما أشرنا، أن القادة الإسرائيليين شعروا بالإهانة. كلام السيد نصر الله في المؤتمر الصحافي عندما طلب من الإسرائيليين أن يتأكدوا من خبرة هؤلاء القادة الجدد وأيضا في غير محطة، كان له أيضا دور كبير في هذا القرار الإسرائيلي.

لانا مدوّر: سيادة العميد، ماذا لو نجحت إسرائيل في اغتيال شخصيات من حزب الله حينها؟ هل كان الحزب سيضعف؟
على مستوى هيكلية الحزب، خصوصا عندما نتحدث عن السيد نصر الله.

العميد الياس فرحات: سبق لإسرائيل أن اغتالت الأمين العام السابق للحزب الشهيد السيد عباس الموسوي عام 1992. وكانت وقتها المعلومات الصحافية الإسرائيلية تشير إلى أن إسرائيل كانت تعتقد أن بعد هذا الاغتيال سوف ينتهي حزب الله أو يضعف وتضعف معه فكرة المقاومة. فإذا بحزب الله يقوى ويتبيّن أن حزب الله قادر على إنتاج قيادات. هو حزب مؤسسة، حزب مقاوم، خلافا لبعض الأحزاب في لبنان والدول العربية القائمة على شخص أو على فكرة معيّنة. هو حزب مؤسسة ويستطيع التعامل مع أي ظرف كان وأية مستجدّات حتى بفقدان بعض قياداته. نحن رأينا أن بعد اغتيال الشهيد عماد مغنية عام 2008 قال الكثيرون إنه انتهى العقل العسكري لحزب الله. فإذا بنا عام 2014 في عملية الغجر التي قام حزب الله في فترة قليلة جدا بقتل جنديين وجرح أربعة ردّا على اغتيال الشهيد جهاد مغنية. فإذا بنا أمام عماد مغنية جديد. مَن هو؟ لا أعرفه ولا أحد يعرفه. لكن هذا الحزب يُنتج قيادات عسكرية ويُنتج قيادات سياسية. وبالتالي، فإن فكرة الاغتيال التي سعت إليها إسرائيل وتسعى إليها دائما باغتيال القيادات، لكن أنا أعتقد أن حزبا بهذه المنظومة الموجودة فيه يُنتج الكثير من القيادات ويستمر، ولن تستطيع اقتلاعه إسرائيل باغتيال أحد قياداته.

لانا مدوّر: دكتور عباس، في الحديث عن الفشل الاستخباري في اغتيال قيادات حزب الله، كان معبّراً جداً تعبير إيهود أولمرت، كيف عبّر عن الموضوع: نضرب الصواريخ، نعمّق أكثر، ولكن لا نجد شيئاً. هل كان هناك حديث عن فشل استخباري في التقاط الرؤوس المهمّة في حزب الله، خصوصاً السيد نصر الله؟ كيف كان وقعها في الداخل الإسرائيلي؟

عباس إسماعيل: في الحقيقة، الحديث في إسرائيل عن الفشل لم يقتصر فقط على الفشل الاستخباري. واضح أنه كان هناك فشل استخباري ليس فقط في ما خصّ العجز عن استهداف قيادات حزب الله والعجز عن اغتيال السيد نصر الله. وحتى هذا الفشل الاستخباري دفع إلى إجراء مفعول رجعي للفشل. عندما سئل حالوتس: ألم يكن يجدر اغتيال السيد نصر الله في إطلالته العلنية الأخيرة عندما عقد مؤتمرا صحافيا؟ لأنهم يعتبرون أنهم قد فوّتوا الفرصة. كان هناك فشل استخباري من دون أدنى شك في جمع معلومات عن المستوى القيادي في حزب الله. كما كان هناك فشل استخباري في تقدير القدرات الحقيقية لحزب الله. لا ننسَ أن العميد تحدّث في بداية الحلقة عن موضوع صواريخ الكورنت المضادّة للدبابات التي كانت مفاجأة مفاجآت الحرب. الصواريخ التي بقيت، كان حزب الله قادراً على استهداف العمق الداخلي، كانت مفاجأة من المفاجآت. استهداف البارجة، فشلا ًاستخبارياً بامتياز كان بالنسبة للجيش الإسرائيلي أيضاً. وبالتالي كان الفشل الاستخباري الإسرائيلي عابراً، إذا صحّ التعبير، للمجالات في هذا الموضوع.

لانا مدوّر: سنصل الآن إلى خلاصة هاتين الحلقتين وخلاصة هذه الحرب وخلاصة التقرير الذي تم عرضه على التلفزيون الإسرائيلي لأن طموح قادة إسرائيل بكسر حزب الله وبقتل قادته والتوغّل في لبنان، اندثرت هذه الطموحات. وفي وقت ضاعت الأهداف الرئيسة للحرب في خضمّها، أجبرت الهزائم المتلاحقة القادة على وقف إطلاق النار والعودة إلى المربّع الأول والاعتراف بأن استعادة الجنديين غير ممكنة بالحرب.

 

تقرير بالعبرية

 

لانا مدوّر: سيادة العميد، قاد حزب الله حرباً نفسية بعد الحرب على إسرائيل في عدم إعلان مصير الجنديين، هل هما على قيد الحياة أو قُتلا. بالنسبة للحزب، إذا أردنا أن نستخلص من وجهة نظر المقاومة، وجهة النظر اللبنانية، هذه الحرب بماذا خرجت؟ ماذا أضافت؟ ماذا أعطت لصورة المقاومة ولجاهزيتها؟

العميد الياس فرحات: من نتائج حرب تموز أنه ظهرت ولأول مرة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي مقاومة منظّمة ممنهجة، لديها عزم وتصميم وجدّيّة بالغة وحماية شعبية واكتفاء ذاتي، استطاعت أن تحرّر الشريط المحتلّ عام 2000 واستطاعت أن تردّ هجوماً إسرائيلياً وتُفشل إسرائيل، وهذه أول مرة تحصل في الصراع العربي الإسرائيلي. في الحروب العربية الإسرائيلية كان هناك ضبّاط عرب بكفاية عالية وشجعان، وهناك تضحيات كبيرة قدّمتها الجيوش العربية في 1948 و1956 و1967 و1973. لكن المشكلة كانت في القيادة وفي العزم والتصميم. وهذا ما جاء به حزب الله ليزرعه كمقاومة شعبية وليس كنظام حكم معيّن. هذا الأسلوب الجديد في المقاومة هو الذي دفع إسرائيل إلى مراجعة حساباتها وأيضا دفع حلفاء إسرائيل في العالم إلى اعتبار أن الخصم الأكبر لهم هو حزب الله. لم ننسَ بعد كلمات جيفري فلتمان عندما كان مساعداً لوزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط في جلسة استماع في الكونغرس عندما قال: دفعنا لغاية عام 2010 500 مليون دولار لتشويه صورة حزب الله. كم دفع غيره؟ نترك الكلام للمشاهدين كي يقدّروا كم دفع غيره لتشويه صورة حزب الله. هذه المقاومة الشعبية الراسخة الجدّيّة هي نتاج كبير ولا تزال صامدة على الرغم من كل حملات التشويه السياسي والإعلامي والتحريض من جميع الاتجاهات، لا تزال تحسب لها حساباً إسرائيل. والدليل الأساسي على حساب إسرائيل، أكبر حساب هو أن رئيس الأركان الإسرائيلي الجديد جادي آيزنكوت أجرى أربع مناورات منذ تعيينه من نحو خمسة أشهر على الجبهة الداخلية خوفا من أية حرب محتملة أو مفاجئة مع حزب الله كي لا يصيبه ما أصاب دان حالوتس الذي قال له: انتبه، إنهم لا ينفّذون أوامرك.

لانا مدوّر: ما العبرة التي خرجت بها إسرائيل من هذه الحرب، دكتور عباس؟ وكيف هي جاهزيتها لحرب مقبلة؟

عباس إسماعيل: نتائج العدوان على لبنان كانت لها تداعيات كبيرة على الداخل الإسرائيلي على غير مستوى. منها ما له علاقة بثقة المجتمع الإسرائيلي بالجيش الإسرائيلي باعتبار أنه كان هناك اعتقاد أو انطباع أن هذا الجيش له ما يريد، إذا أراد شيئاً يحصل عليه. تجلّت هذه الصورة بأنها صورة ضعيفة، تعجز إسرائيل، كما قال تقرير فينوغراد، تعجز إسرائيل عن أن تقهر منظمة تضمّ آلاف المقاتلين فقط. جاء في التقرير أن الجيش الأقوى في الشرق الأوسط يفشل في إخضاع منظمة تضم آلاف المقاتلين. العبرة الثانية الرئيسية هي ما له علاقة بالنظرية الأمنية الإسرائيلية. بدا واضحاً وتأكّد أن النظرية الأمنية الإسرائيلية التقليدية التي كانت موضوعة منذ أيام بن غوريون لم تعد مجدية في الحروب غير التقليدية الحالية. بمعنى أن مفهوم الإنذار والحسم والردع لم يعد مجدياً في مواجهة فصائل المقاومة. المفهوم القائم في موضوع الحسم القائم على أن تُحسَم المعركة بأسرع وقت وأن تُنقَل المعركة إلى أرض العدو بأسرع وقت لم تعد مجدية. تجنيب الجبهة الداخلية تبيّن من خلال العدوان أنه لم يعد أمراً ممكناً. لذلك، إحدى العِبَر التي استُخلصت في إسرائيل هي أن يتم تطوير النظرية الأمنية من خلال إدخال عنصر رابع على النظرية الأمنية أسموه عنصر الحماية. والمقصود هو حماية الجبهة الداخلية وذلك عبر الدفاع السلبي والدفاع الإيجابي ومن خلال تحصينات ومن خلال منظومات الصواريخ المعترِضة.
العبرة الثالثة أو ربما الخلاصة هي ما أشار إليه دان حالوتس من أنه لم تعد هناك قناعة في إسرائيل بإمكان الدخول البرّي والحسم البرّي. وهذه وإن كانت منذ أيام رابين موضوعة، ولكن ازدادت، وترسّخت مع الحروب والاعتداءات التي خاضتها إسرائيل على قطاع غزة. إذاً بات هناك إدراك في إسرائيل نتيجة عدوان تموز وما تلاه أن إمكان الحسم البري، إمكان الاحتلال، لم تعد هذه الأمور محسومة أو نزهة كما يقال.

لانا مدوّر: سيادة العميد، في أقل من دقيقتين، متى المواجهة المقبلة؟ وكيف سيكون شكلها؟

العميد الياس فرحات: أعتقد أنه بعدما جرّبت إسرائيل في غزة ثلاث مرّات في 2008-2009 أول مرة وفي 2012 و2014 أضحت عملية الهجوم البرّي عملية معقّدة جداً ومن الصعب أن تدخل إسرائيل بها. إسرائيل تحاول بالتعاون مع حلفائها إثارة الخلافات والحروب الداخلية داخل الدول العربية. وقد نجح كل هذا الحلف في حروب داخلية في العراق وسورية ومصر وليبيا واليمن ومناطق أخرى. أمّا أن تدخل إسرائيل في حرب برّيّة مع المقاومة اللبنانية أو حتى مع المقاومة الفلسطينية في غزة فإنّي أستبعد ذلك في الوقت الحاضر لأن لا أحد في إسرائيل يجازف بأي قتال بري في الجنوب اللبناني كونه متأكداً من أن هناك خسارة كبيرة سوف يُمنى بها. مثلاً، أذكّر بأنه في العملية التي جرت في منطقة الغجر ردّاً على اغتيال الشهيد جهاد مغنية ورفاقه في القنيطرة، كانت العملية مدروسة وهناك قياس واضح أن يُقتل اثنان أو ثلاثة من الإسرائيليين ويُجرح عدد قليل. إلّا أنه لو قُتل عشرة إسرائيليين أو 50 إسرائيلياً فإن إسرائيل عندها ستكون بحاجة إلى شنّ حرب لا أحد يعرف في أي اتجاه ستكون. وستكون وبالاً عليها وعلى المنطقة بكاملها.

لانا مدوّر: أشكرك سيادة العميد الياس فرحات، الخبير العسكري والاستراتيجي، على انضمامك لنا في هذه الحلقة الاستثنائية، وأيضا الدكتور عباس إسماعيل، المتخصص في الشأن الإسرائيلي. شكراً لكما. والشكر الأكبر لكم مشاهدينا على متابعة هاتين الحلقتين اللتين نختتمهما الآن الاستثنائيتين من "خلف الجدار" واللتين خصّصناهما لموضوع حرب تموز. شكراً لمتابعتكم، وإلى اللقاء.