دور العلماء في الثورات ضد الاستعمار.. الجزائر نموذجاً

يكون الإسلام عظيما عندما يكون في عهدة العلماء الربانيين العرفاء بالله المدركين لمقاصد الشريعة الإسلامية, ويصبح خطيرا مدمرا وقاصما لعرى الدول والمجتمعات عندما يكون في عهدة علماء الشيطان الذين يعبدون هواهم ويجيرّون نصوصهم للغرف السوداء. عندما كان العلماء يدركون مقاصد الشريعة الإسلامية والأبعاد الكبرى لأهداف الرسل والأنبياء الذين أوصوا كل خير بالأوطان, نافحوا عن الأوطان وقادوا الثورات ضد الإستعمار الغربي، وربما نحتاج صدقا إلى ملايين الحلقات للحديث عن علمائنا الأفذاذ الذين دافعوا عن الأوطان وأبرز مصداق على ذلك الثورة الجزائرية المباركة التي إندلعت في أول نوفمبر – تشرين الثاني 1954. والتي ساهم علماء الجزائر في إطلاقها وفي بيانه الذي دعا فيه الشعب الجزائري للثورة على فرنسا قال الشيخ الإبراهيمي في بيان طويل، إن أقل القليل مما وقع على رؤوسكم من بلاء الاستعمار الفرنسي يوجب عليكم الثورة عليه من زمان بعيد، ولكنكم صبرتم، ورجوتم من الصخرة أن تلين، فطمعتم في المحال، وقد قمتم الآن قومة المسلم الحر الأبي فنعيذكم بالله وبالإسلام أن تتراجعوا أو تنكصوا على أعقابكم، إن التراجع معناه الفناء الأبدي والذل السرمدي. وذهب ذلك الزمن الجميل وجاء زمن بات بعض العلماء يقولون فيه: إن النبي لو عاد للدنيا او لو كان حيا لوضع يده بيد حلف الناتو, وإن أمريكا تحافظ على إستقرار المسلمين والعالم.

 

يحيى أبو زكريا: حياكم الله وبيّاكم وجعل الجنة مثواكم.

يكون الإسلام عظيماً عندما يكون في عهدة العلماء الربانيين، العرفاء بالله، المدركين لمقاصد الشريعة الإسلاميّة، ويصبح خطيراً، مدمّراً، وقاصماً لعرى الدول والمجتمعات عندما يكون في عهدة علماء الشيطان الذين يعبدون هواهم، ويجيّرون نصوصهم للغرف السوداء.

عندما كان العلماء يدركون مقاصد الشريعة الإسلامية والأبعاد الكبرى لأهداف الرسل والأنبياء الذين أوصوا كلّ خيرٍ بالأوطان، نافحوا عن الأوطان وقادوا الثورات ضد الاستعمار الغربي. وعندما أرادت فرنسا أن تكسر شوكة الثورة الجزائرية المباركة، قال البشير الإبراهيمي إننا كلما ذكرنا ما فعلت فرنسا بالدين الإسلامي في الجزائر، وذكرنا فظائعها في معاملة المسلمين لا لشيءٍ إلا لأنّهم مسلمون، كلما ذكرنا ذلك احتقرنا أنفسنا، واحتقرنا المسلمين، وخجلنا من الله أن يرانا ويراهم مقصّرين في الجهاد لإعلاء كلمته. وكلما استعرضنا الواجبات وجدنا أوجبها وألزمها في أعناقنا، إنّما هو الكفاح المسلّح، فهو الذي يسقط علينا الواجبات، ويدفع عنّا وعن ديننا العار، فسيروا على بركة الله وبعونه وتوفيقه إلى ميدان الكفاح المسلّح، فهو السبيل الواحد إلى إحدى الحسنيين، إما موتٌ وراءه جنّة، وإمّا حياة وراءها العزّة والكرامة.

وفي العام 1912، أعلنت روما ليبيا مستعمرةً إيطاليّةً. منذ ذلك الوقت، قاد أسد الصحراء الشهيد عمر المختار البالغ وقتها من العمر 53 عاماً المقاومة الليبية ضد المحتلّ الإيطاليّ، وطوال هذه الفترة الممتدّة لعشرين عاماً من 1912 إلى 1931 وحتى إعدامه، لم يغب عمر المختار عن ساحات القتال، ومن أقواله "يمكنهم هزيمتنا إذا نجحوا باختراق معنوياتنا"، وقال "وإنني أؤمن بحقي في الحرية وحق بلادي في الحياة، وهذا الإيمان أقوى من كل سلاح".

ولله ذر الثائر المغربيّ الحرّ عبد الكريم الخطابي الذي كان يقول "إذا كان الكورسيكيّ الفرنسيّ يفتخر أنه حفيد نابوليون بونابرت فأنا حفيد محمّد بن عبد الكريم الخطابي"، وكان يقول أيضاً "أنا لا أريد أن أكون أميراً ولا حاكماً، فقط أريد أن أكون حراً في بلدي". وإذا عرّجنا إلى تونس، سنجد الشيخ عبد العزيز الثعالبي الذي اعتقله الفرنسيون عام 1912 وأخرجوه خارج البلاد، فأضربت تونس ثلاثة أيام، وأصرّ الشعب على رجوعه، فأبى أن يعود حتى يحقّق الفرنسيون مطالبه. ولا ننسى مقولة شيخ الجزائر عبد الحميد بن باديس "والله لو طلبت مني فرنسا أن أقول لا إله إلا الله لما قلتها".

وربما نحتاج صدقاً وصدقاً إلى ملايين الحلقات للحديث عن علمائنا الأفذاذ الذين دافعوا عن الأوطان، وأبرز مصداق على ذلك الثورة الجزائرية المباركة التي اندلعت في أول نوفمبر تشرين الثاني 1954، والتي ساهم علماء الجزائر في إطلاقها، وفي بيانه الذي دعا فيه الشعب الجزائري للثورة على فرنسا، قال الشيخ الإبراهيمي في بيان طويل "إنّ أقل القليل مما وقع على رؤوسكم من بلاء الاستعمار الفرنسي يوجب عليكم الثورة عليه من زمانٍ بعيد، ولكنّكم صبرتم ورجوتم من الصخرة أن تلين، فطمعتم في المحال، وقد قمتم الآن قومة المسلم الحرّ الأبيّ، فنعيذكم بالله وبالإسلام أن تتراجعوا، أو تنقصوا على أعقابكم، إنّ التراجع معناه الفناء الأبدي والذل السرمدي".

وذهب ذلك الزمن الجميل، وجاء زمنٌ بات بعض العلماء يقولون فيه إنّ النبيّ لو عاد للدنيا أو كان حياً، لوضع يده في يد حلف الناتو، وإنّ أميركا تحافظ على استقرار المسلمين والعالم. رحم الله ذلك الزمن الجميل.

دور العلماء في الثورات ضد الاستعمار الجزائر نموذجاً عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش من الجزائر الأستاذ جمال يحياوي المدير السابق للمركز الوطني للبحث في الحركة الثورية الوطنية، ومن تونس الدكتور فوزي العلوي رئيس مركز مسارات للبحوث والدراسات الفلسفية.

مشاهدينا مرحباً بكم جميعاً.

 

(مشاهد فيديو)

 

يحيى أبو زكريا: أبدأ من الجزائر وفي البدء كانت المقاومة في الجزائر.

أستاذ جمال، حبذا لو تضعنا في صورة المقاومات التي انطلقت في الجزائر مع بداية الاحتلال الفرنسي للجزائر في تموز 1830، العلماء الذين قادوا لواء المقاومة ضد فرنسا في كل الولايات الجزائرية. تفضّل.

 

جمال يحياوي: شكراً أستاذ يحيى لك على هذه المقدمة القوية، والتي أحطت فيها بدور العلماء، العلماء الأجلاء، هؤلاء العلماء الذين ضربوا لنا أروع الأمثلة في الدفاع عن الأوطان، في الوقوف إلى جانب قضاياهم العادلة، إلى جانب شعوبهم في دفاعها المستميت عن حقّها في الحياة، عن حقّها في سيادتها، عن حقّها في التشبّث بمبادئها وقيمها الإسلاميّة الأصيلة.

شكراً لكلّ الإخوة العاملين في قناة الميادين على اختيار هذا الموضوع في هذا اليوم الأغرّ، وتحيّة من الجزائر في عيد الثورة، عيد ثورة نوفمبر 1954، هذه الثورة التي غيّرت الكثير من الأحداث العالمية، واستطاعت أن ترفع صوت الحقّ، صوت الإسلام، صوت الدين الإسلامي على حساب صوتٍ آخر أراد أن يغيّب الجزائر عن مسار التاريخ، عن مسارها العربيّ الإسلاميّ.

أنت قد أفضت في ذكر علماء أجلاء في المغرب العربيّ، ومنهم علماء الجزائر، وأشرت إلى علامة الجزائر الشيخ عبد الحميد بن باديس، وأيضاً إلى فخر علماء الجزائر وأحد جهابذتها العلامة محمّد البشير الإبراهيمي، ولكن في مسارنا التاريخيّ الطويل، العلماء وقفوا دائمًاً موقفاً مشرّفاً تجاه الوطن. منذ أن وطأت أقدام المستعمر الفرنسي أرض الجزائر عام 1830، هبّ العلماء وخاصة طلبة الزوايا والمدارس القرآنية آنذاك وأئمة المساجد للدعوة للجهاد ضدّ الكافر المحتلّ، ضدّ هذا الغاشم الذي اعتدى على أرض الإسلام، فكانت المقاومة الأولى عسكريّة مسلّحة، يقودها قادة الزوايا، ومقدّمو الزوايا، وأغلب علماء الأمّة آنذاك، هؤلاء الذين هبّوا من الشرق ومن الغرب ومن الجنوب، من إخواننا الإباضيين أيضاً الذين هبّوا للدفاع عن العاصمة والوقوف في وجه المحتل الغاشم، وكان أن عقدوا أول اجتماع في منطقة تامندفوست الآن التي توجد بها واحدة من كبريات المدارس العسكرية البحرية الجزائرية، وعقدوا أول اجتماع أعلنوا فيه الجهاد ضدّ المحتلّ الأجنبيّ، وقاد العلماء مختلف حركات المقاومة المسلحة في مختلف مناطق الوطن.

لا نجد مقاومةً مسلحة بدايةً من 1830 إلى غاية ما بعد الحرب العالمية الأولى إلا وكان العلماء هم الموجّهون، هم القادة الفعليّون والميدانيّون، وحتى القادة الروحيون لهذه المقاومات، ولا أجد من دليلٍ على ذلك، الأمير عبد القادر الجزائري، هذا القائد العسكري، هذا العالم الجليل، هذا الأديب، هذا المفسّر، هذا الشاعر الذي ضرب أروع الأمثلة في المقاومة وفي الاستبسال لمدة 17 سنة، إلى أن دفعته الظروف أن يخرج من الجزائر، ويواصل نفس الرسالة في بلاد الشام، وضرب أروع الأمثلة في العمل الإنساني هناك، إضافةً إلى قادة الزاوية الرحمانية الذين ضربوا أيضاً مثالاً آخر في المقاومة والجهاد ضد الاستعمار الفرنسي في الجزائر.

أغلب قادة المقاومات كانوا من مقدّمي الزوايا، العلماء أو النخب المثقفة آنذاك، بدايةً من حمدان عثمان خوجة، وأيضاً المفتي ابن الكبابتي وابن العنابي وغيرهم ضربوا أيضاً مثالاً آخر في التصدّي للغزو الفكري الاستعماري الفرنسي، وتركوا لنا أقوالاً وأقوالاً، كلها تدحض ما كانت تروّج له الدعاية والمدرسة الاستعمارية الفرنسية.

إذاً علماؤنا في بداية الاحتلال أو خلال القرن التاسع عشر كابروا وما صاغروا وما هانوا ولا استهانوا، بل وقفوا إلى جانب شعبهم، إلى جانب مبادئهم، دافعوا عن دينهم، عن هويتهم الإسلامية العربية، وأغلبهم استشهدوا، وهناك من نفي، وحتى هم في المنفى، خاصة في بلاد الشام وفي تونس والمغرب، واصلوا على نفس النهج الجهادي، والوقوف في وجه القوى الاستعمارية أينما كانت في المغرب أو في المشرق العربي. هنا تأتي مرحلةٌ أخرى.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ جمال، سندخل في المرحلة الأخرى، لا أملك إلا أن أترحّم على هؤلاء الفطاحلة، العلماء الذين أبلوا في سبيل الحفاظ على وحدة الأوطان وقدسيّتها كلّ البلاء رحمهم الله جميعاً. دعني أمضي إلى تونس الغرّاء، إلى الدكتور فوزي العلوي لأستكمل مسار الفكرة رجاءً.

دكتور فوزي، الإرث العلمائي في الجزائر يشبهه أيضاً إرث علمائي في تونس، في المغرب، في ليبيا، في موريتانيا، لكأنّ هذا الحزام الشمال الإفريقي أنتج أسوداً لا بل أنتج ناساً قاوموا الاستعمار ولم يظلوا في المساجد عاكفين على العبادة ولا رضخوا للدنيا أيضاً، بل حملوا القرآن بيد والسيف بيد أخرى، وعندما سُئل الجنرال لاكوست وهو يغادر الجزائر لماذا انهزمتم في الجزائر وأنتم من الحلف الأطلسي وتملكون ما تملكون من السلاح، قال قولته الشهيرة "وماذا أفعل إذا كان القرآن أقوى من فرنسا في الجزائر".

أبناء القرآن الحقيقيون الذين نافحوا عن الأوطان في المغرب العربي، ماذا عنهم أيضاً الدكتور فوزي العلوي؟

 

فوزي العلوي: بسم الله الرحمن الرحيم. أريد أن أتوجّه بالتحية للدماء الزكية، لشهداء ثورة الفاتح من نوفمبر العظيمة في الجزائر، وبهذه المناسبة، فإنني أعتبر أنّ ما حدث في الجزائر إنما هو تعبير عن خيار علمائي، ربّاني، يستحضر المدلولات القرآنية التي تقول "ولتكن منكم أمّة". نحن نعلم في السياق القرآني أنّ الأمّة الإسلامية هي أمّةٌ واحدة، "إن أمّتكم أمّة واحدة وأنا ربّكم فاعبدون"، فكيف تكون من الأمّة أمّة. هنا نفهم أن داخل هذه الأمّة هناك نخبة الأمّة وصفوتها التي تعبّر عنها هذه الضمائر العلمائية الثائرة المقاومة، التي تستحضر من المدونّة الوحيانية القرآنية ملامح الثورة وملامح البطولة والفداء.

إذاً هؤلاء العلماء الربّانيون هم الذين قادوا مسيرة تبقى غرّاء وستظلّ منحوتة على الذاكرة الحيّة لشعوب المغرب العربي والغرب الإسلامي، وكذلك في امتداداتها إلى جنوب الصحراء الكبرى، أي الامتدادات الإفريقية. إذاً هؤلاء العلماء الربّانيون الذين سطّروا ملامح قرآنية حيّة، جعلوا من مقاومة الاستعمار ومقاومة الظلم مظهراً من مظاهر الإباء، ويمكن اعتبار هؤلاء العلماء هم أوّل تعبيرة صادقة عمّا يُسمّى بالعلماء المقاومين أو علماء الممانعة، هؤلاء الذين حاولوا أن يكونوا أوفياء مع تاريخ المنطقة وجغرافيتها وذاكرتها، وهم لم يعانوا من الانبتات ولا من التنّكر لهذه الذات، ولم يتواطأوا، وهنا يجب أن نشير إلى أن التاريخ يجب أن يستحضر هذه العلامات المضيئة، وأن ننتبه أيضاً إلى ما تسرّب من تقييمات تاريخينية لدور فعّال للتصوّف في بلاد المغرب العربي وفي إفريقيا، لا سيما أنه عندما يُتّهَم هؤلاء الدُعاة، هؤلاء المتصوّفة الربّانيون، وعلى رأسهم العديد من الثائرين أمثال عمر المختار وغيره، هم متصوّفة عرفانيون ربّانيون ثوريون جعلوا من الرباطات ومن الزوايا ومن المدارس القرآنية مدارس لتخريج رجال مقاومين، مؤمنين، حافظوا على الهوية الدينية لمجتمعاتهم، وكذلك أضافوا إليها البُعد المقاوم الثائر للاستعمار، والمحافظ على ثوابت العروبة والدين الحق.

لذلك، فإنّ ما حدث في الجزائر في الحقيقة هو، يجب أن نشير إلى أن مقاومة العلماء لا سيما في الجزائر، ونحن نحتفي بهذه الثورة الغرّاء في الجزائر في هذا اليوم العظيم وهذه المناسبة العظيمة، فإننا نقول إنّ علماء الجزائر كانوا في طلائع القوى الثورية، القوى المغيّرة، القوى المتمرّدة على الإملاءات الاستعمارية، وخير ضمير لشعبنا في المغرب العربي والغرب الإسلامي هم هؤلاء، الفئة الصادقة التي جعلت الحاضنة الشعبية تلتفّ حولها لأنّها كانت أمينة ووفية لجمهورها ولأصولها، ولم تتنكّر أبداً لمثل هذه المرجعيات.

لذلك، يجب أن نشير إلى أنّ مقاومة الاستعمار في بلاد الغرب الإسلامي والمغرب العربي كانت أولاً مبادرات فردية، علمائية، ثمّ تحوّلت بعد ذلك إلى ممانعة ومقاومة علمائية رسمية، تمثلت خاصة في الجزائر في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، التي تأسّست بعد مئة سنة تماماً من الاحتلال المباشر الفرنسي للجزائر.

إذاً نغّص إعلان قيام جمعية العلماء المسلمين الجزائريين على الفرنسيين نخوتهم بانتصار مشروعهم في ذوبان الهوية والشخصية الجزائرية والإلحاق القسري لما يسمّونه بالجزائر الفرنسية، هنا قيام هذا الهيكل العظيم لجمعية العلماء المسلمين الجزائرية بعد مئة سنة هو إعلان لبداية الدور الجهادي العلمائي الربّاني في مقاومة الاستعمار، وفشل السياسة الاستعمارية بعد مئة سنة من انتصاب هذا العدو الاستعماري في بلاد الجزائر والغرب الإسلامي، وكذلك بداية مشروع ثوري حقيقي يتمثّل في التحام العلماء المجاهديين الربّانيين في صفوف الشعب.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور فوزي، وتأكيداً لكلامك، عندما انتزع الجزائريون استقلالهم بفضل مليون ونصف مليون شهيد سقطوا في مدّة سبع سنوات، خرج الجزائريون يهتفون يزغردون، ينشدون، يا محمّد مبروك عليك الجزائر عادت إليك. أهدوا انتصارهم الساحق لمحمّد ابن عبد الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.

مشاهدينا فاصل قصير، ثمّ أعود إليكم، فابقوا معنا.

 

 

المحور الثاني

 

(مشاهد فيديو)

 

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلاً بكم من جديد. من أدرك حلقتنا الآن، نحن نعالج دور العلماء في الثورات ضد الاستعمار الغربي في بلادنا.

أستاذ جمال، لا شكّ أنّ ثورة الجزائر كانت دويّة، كانت قويةً، جعلت جاك لاكوتور يكتب في جريدة لوموند ذات يوم في السبعينات أنّ الجزائر أصبحت كعبة الأحرار، ودعني أنقلك إلى ما قاله شاعر الجزائر مفدي زكريا "واروِ عن ثورة الجزائر للأفلاك والكائنات ذكراً مجيداً، ثورة لم تكُ لبغي وظلم في بلاد، ثارت تفك القيود، ثورة تملأ العوالم رعباً وجهادا، يذروا الطغاة حصيدا كم أتينا من الخوارق فيها وبهرنا بالمعجزات الوجود واندفعنا مثل الكواسر نرتاد المنايا ونلتقي البارود".

علماء الجزائر كان لهم الدور في التأسيس لثورة التحرير المباركة على عكس ما روّجت له بعض الدراسات المغرضة للأسف الشديد، أنّهم كانوا حلساء المساجد والزوايا. ماذا عن العلماء وثورة نوفمبر المجيدة أستاذنا الفاضل جمال؟

 

جمال يحياوي: دعني أستاذ يحيى أولاً أترحّم على شاعر الثورة الجزائرية، الشاعر الكبير، والمثقّف والأديب والنخبوي، لأنه كان يمثّل النخبة، الشاعر مفدي زكريا صاحب الألياذا وصاحب النشيد الوطني قسماً.

 

يحيى أبو زكريا: رحمة الله عليه.

 

جمال يحياوي: حقيقةً أنّ علماء الجزائر، قلت في بداية تدخّلي لم يستكينوا ولم يهينوا ولم يتخلّفوا عن أداء واجبهم الوطني، حينما اندلعت الثورة رأينا أنّ أغلب المنضمّين إلى صفوف المجاهدين الجزائريّين كانوا من طلبة المدارس القرآنيّة، الكثير من الأئمّة والمدرّسين في هذه المدارس قد انضمّوا فرادى إلى ثورة التحرير، قاموا بدور كبير جداً في التعبئة الجماهيرية، في دعوة المواطنين إلى الالتحاق بالثورة، من خلال المبدأ الديني وهو الجهاد ضدّ الكافر، الجهاد ضد العدو والمحتلّ، ولذلك كانت الصرخة الأولى الله أكبر، وكانت كلمة السرّ هي طارق وعقبة، فكل مبادئ الثورة التحريرية انطلقت من مبادئ إسلامية، كان وقودها العلماء، وانضمّ إلى هؤلاء العلماء، خيرة علماء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، التي أعلنت رسمياً عن حلّ نفسها سنة 1956 والاندماج والانضمام في جبهة التحرير الوطني للدفاع عن الجزائر، وقبل ذلك الشيخ بشير الإبراهيمي أصدر بيانه الشهير من القاهرة، بعد أسبوع من اندلاع الثورة يدعو الشعب الجزائري إلى الجهاد، إلى حمل راية الجهاد ضد المستعمر الفرنسيّ.

العلماء الجزائريون لم يتخلّفوا يوماً عن نصرة قضيتهم، عن الوقوف إلى جانب شعبهم، عن الدفاع عن هويتهم العربية الإسلامية، ولدينا أروع الأمثلة التي ضربها الشهيد العربي دبيسي، والذي استشهد تحت التعذيب، ولا زلنا لحد اليوم لا نعرف قبره، فهو ميت قد أخاف وأرعب الجنرالات الفرنسيّين، ولذلك أخفوا جثته إلى اليوم، مثلما أخفوا جثث الكثير من الشهداء، ابن القبطان، وعلماء الجزائر قاموا بدور كبير أثناء الثورة.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ جمال، لمّا ذكرت كلمة العربي، بكلّ صراحة هززتني وأثرتَ لواعجي، لأنّ عربيَّين من الجزائر صفعا فرنسا في كلّ خدّها، العربي اتباسي والعربي بن مهيدي رحمة الله عليه.

 

جمال يحياوي: العربي بن مهيدي.

 

يحيى أبو زكريا: العربي بن مهيدي الذي قال عنه الجنرال باجار، لو عندي عشرة من أمثال هذا الرجل لأفتح العالم. أكمل يرحمك الله.

 

جمال يحياوي: فعلاً، العربي بن مهيدي واحد من هذه النماذج، من هذه ربما النخب القوية في ثورة التحرير، هذا الرجل الذي كان عبقرياً بامتياز، قال في بداية الثورة حين سأله بعض الزملاء حول الهدف من العمل المسلح، فقال الهدف الرئيسي هو تحرير الجزائر من هذا الاستعمار، وعندما تساءل بعض الرفقاء عن الإمكانيات، كان حكيماً فعلاً كما كان يلقَّب، إذ قال لهم سنحارب أربع سنوات وتنتشر الثورة في كل مكان، ثم نحارب أربع سنوات ويتحقّق الاستقلال الوطني، وفعلاً الرجل استشهد قبل أن تنتهي المرحلة الأولى، الأربع سنوات الأولى، وفعلاً حاربنا أربع سنوات إلى غاية 58، انتشرت الثورة في كل مكان، ثمّ أربع سنوات أخرى وتحقّق الاستقلال، فهو رجل خالد، قال مقولته الخالدة.

ولذلك لدينا في ثورتنا وفي جهادنا، يجب أن نسمّي الأمور بمسمّياتها، نحن لم نخض حرباً على غرار بعض حركات التحرّر، ولكن خضنا ثورة جهادية، كان جهاداً ضدّ الاستعمار. كل المصالحات التي استخدمت أثناء الثورة التحريرية، الجندي عندنا يُلقّب بالمجاهد ومن استشهد فهو شهيد، ونشاهد بالمسبل، وكل مصطلحات الثورة كانت قرآنية، ربّانية، محمّدية، قادة الثورة كانوا يقومون بدور كبير أيضاً، لأنّه القائد كان إماماً، كان مربّياً، كان مصلحاً اجتماعياً، كان قاضياً وكان قاضياً شرعياً يعقد ربما جلسات الصلح بين المواطنين، يفك الخصومات، يعلم الناس دينهم وأكثر من ذلك يعقد الزواج والطلاق، فهو قاضٍ شرعي وجندي يحمل السلاح ضد المستعمر. ولذلك نخبنا خاصة علماؤنا.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ جمال، ولذلك دعني أقول لك أولائك إبائي فجئني بمثلهم لله ذرهم. سأكمل معك بعيد حين.

دكتور فوزي، لا شكّ أن علماء الجزائر كانوا يحطون الرحال في جامع الزيتونة، في جامع القرويين في المغرب، وكان المغاربة واقعاً، روحاً واحدة، وكانوا جسداً واحداً، وفكراً واحداً. كيف كانت هذه الحواضر العلمية، سواء جامع الزيتونة أو جامع القرويين، محط رجال علماء الجزائر وكان التنسيق قائماً بين كل علماء المغرب العربي لتحريره من رجس الاستعمار الفرنسي؟

 

فوزي العلوي: لا شكّ أنّ الحواضر شمال إفريقيا بما احتوته من دور علمائي، تتمثل في الدور الطلائعي والمركزي للمساجد، خاصة جامع الزيتونة بما كان يعبّر عنه من رمزيّة حضاريّة إسلاميّة رساليّة، حيث أنّ العديد من علماء الجزائر وعلى رأسهم الشيخ بن باديس وكذلك من زعماء الثورة الجزائرية من الرئيس بومدين وبن بلّة، وكذلك بقية الزعماء الجزائريين هم خرّيجو جامع الزيتونة بفروعه المختلفة.

إذاً دور المسجد كان أساسياً في شحذ هِمَم العلماء والطلبة، نفس الأمر ما ينطبق على جامع الزيتونة، الحاضنة لكامل النخب العلمائية والفقهاء، من الجزائر ومن ليبيا ومن تونس، يمكن أن نستحضر أيضاً دور جامع فاس، فجامع فاس بما مثّله من دور طلائعي هو الذي مهّد الطريق أمام عبد الكريم الخطابي وثورته المجيدة، كذلك نستحضر دور الشنقيطي وما قدّمه الشيخ الشنقيتي في موريتانيا من إذكاء لمهام النضالية الحركية المرابطة للزوايا ولدور تحفيظ القرآن الكريم.

إذاً مثل هذه العلامات المضيئة في تاريخ دور المسجد في الدعوة والجهاد والوفاء للهوية الوطنية لشعوب المنطقة، إنما نستحضرها ونفتخر بها، لا سيما أنّ في إطار هذا التضامن المغاربي الكبير، نستحضر أيضاً اختلاط الدماء والتجاوز بين الشعوب وبين الشعبين خاصة الجزائري والتونسي، نحن نعلم أنّ مقرّ قيادة الثورة الجزائرية كان في معتمدية غار دماء الملاصقة تماماً لسوكاهراس وللطارف، كذلك نستحضر، وهناك متحف في غار دماء اليوم، في مدينة غار دماء على الحدود الجزائرية، هناك متحف للذاكرة ومتحف للعمليات العسكرية لا زال شاهداً إلى اليوم على عمق هذه الروابط بين الشعب الواحد في منطقة جغرافيّة ممتدّة واحدة أيضاً.

كذلك يجب أن نشير إلى أنّ الحدود كانت وهميّة، لا سيما أنّ معركة ساقية سيدي يوسف تعبّر عن خير التقاء للإرادة الشعبية والعلمائيّة، وحتى الرسمية، لذلك نقول أنّ الدور الطلائعي الذي لعبته المساجد هو دور أساسيّ ومركزيّ، وهي التي أسّست للهوية الثقافية والحضارية والدينية لشعب المغرب العربيّ، كذلك أسّست للعروبة الحقيقيّة، ونحن نذكر العربيّين بن مهيدي والتبسي، فإنّ العروبة الحقيقية عبرت عنها هذه المقاربة التي جعلت من التضامن بين الشعوب والامتداد الجغرافي الواحد، وكان العدو هو عدو استعماري يتمثل في برنامج لتغيير الهوية والذاكرة وطمسها.

لذلك أنا أتحفّظ أن نقول أنّ علماء الجزائر، وهم واجهوا الكفر، هم لم يواجهوا الكفر بل واجهوا مشروعاً استعمارياً، مشروعاً لمسخ الهوية الجزائرية العربية الإسلامية وهوية المنطقة. لذلك علماء الجزائر بما مثلوه من دور ليس طلائعياً وليس تقدّمياً، بل يمكن أن نسميهم خير من عبّر عن دور المثقّف القدوة، هم كانوا قدوة وكانوا في مقدمة القوى التغييرية الحيّة والضمائر الناطقة لما تختلج به صدور وضمائر وقلوب الشعب العربي الواحد في منطقة الغرب الإسلامي.

إذاً لم تكن مهمّتهم هي مهمّة مواجهة الكفر، بل كانت مهمّتهم مجابهة الاستعمار في إطار مقاومة وممانعة وحركة تحرّرية عبّرت عن عروبة أصيلة وليست عروبة العربان التي نراها اليوم تستقوي بالأجنبي، كذلك هي عبّرت عن مواجهة فلول الاستعمار ورموزه في المنطقة وبدايات تشكّل تشويه لفكر يساروي ولفكر ليبرالي مستغرب عن البيئة والثقافة والذاكرة، وكذلك كانت ضامنة للمكوّن الأساسيّ، وهو المكون الأمازيغي.

 

يحيى أبو زكريا: طبعاً للإشارة فإن علماء الجزائر وهم يذودون عن الجزائر ويعيدون لها ألقها الحضاري ويعيدونها إلى حضيرة الإسلام، كانوا أيضاً يتنقلون في خط طنجة جاكرتا متفاعلين مع الأحداث الإسلامية، فلسطين بالدرجة الأولى، قضية مصر، كانوا يذهبون إلى القاهرة وكانوا يذهبون حتى إلى فلسطين المحتلة، وكان همّهم نهضة العالم العربي والإسلامي.

أستاذ جمال، بين زمنين، بين قرنين، تغيّر المسار في العالم الإسلامي، من رجلٍ كبن باديس الذي صرخ قائلاً والله لو طلبت مني فرنسا أن أقول لا إله إلا الله لما قلتها، وعلماء اليوم أو بعض علماء اليوم الذين دعوا الله أن تأتي أميركا إلى العالم العربي وتطيح بحكوماته ودوله وجيوشه، أو الذين قالوا لو كان محمّد موجوداً لكان عضواً في حلف الناتو الذي يذبح العرب والمسلمين في القارات الخمس.

ماذا عن هذا التغيّر الاستراتيجي في مسلكية بعض علماء التكفير والضلال والذبح والسلخ والحرق؟

 

جمال يحياوي: إسمح لي أستاذ يحيى ربما أن أعلّق على نقطة مهمّة جداً أشرتَ إليها في ما يتعلق بهذا البُعد العربي الإسلامي لعلماء الجزائر خاصةً، من خلال تدخّلكم أيضاً وتدخّل الدكتور فوزي حول الترابط بين علماء الجزائر وتونس. يجب ألا نغفل الدور الكبير الذي قام به العالم عبد العزيز الثعالبي وأيضاً محمّد الخضر حسين، هذا الذي أصوله تعود إلى الجزائر، قاوم الاستعمار الفرنسي في تونس وحُكم عليه بالاعدام، ففرّ وهاجر إلى بلاد الشام، لم يستكن ولم يهن بل واصل جهاده ضد الاستعمار رافعاً راية الحق، وفي بلاد الشام يُحكم عليه مرة ثانية بالإعدام وظل مقاوماً. لدينا نموذج أحمد توفيق المدني وعشرات العلماء. في ليبيا أيضاً، الجزائري أو العالم الجزائري لم يكن يؤمن بالقطرية، بهذا الفكر الحدودي الضيّق، بل كان يدافع عن قضايا الأمّة العربية الإسلامية، في المغرب وفي تونس وفي ليبيا، الشيخ الفضيل الوركلاني في بلاد اليمن وفي مصر وفي لبنان، ولدينا أسماء كثيرة من العلماء الذين تركوا بصمات واضحة، عائلة السمعوني في بلاد الشام. لدينا حتى في مرحلة متقدّمة أو ربما كان واحداً من أصول جزائرية أصبح قائداً لأركان الجيش السوري وهو وزير أول عبد الرحمان خليفاني رحمه الله من بلاد القبائل في الجزائر.

أما فلسطين قضية الجزائريين الأولى وقضية المسلمين قاطبة فكانت الشغل الشاغل لعلماء الجزائر، ونحن تحت الاستعمار، لم ينس علماؤنا أن يدلوا بدلوهم في الدفاع عن فلسطين وفي إرسال المتطوّعين والمجاهدين إلى فلسطين، ولدينا أسماءٌ كثيرة حفظها التاريخ ممّن انتقلوا براً من الجزائر في ظروف صعبة، تجشّموا مشاق السفر والمرور عبر الصحراء الليبية الشاسعة والقاحلة وتحمّلوا العطش والجوع والسير حفاة واندمجوا مع إخوانهم السوريين في معسكرات التدريب في قطنة، وانتقلوا إلى داخل فلسطين وانضموا إلى الفوج التاسع الذي كان يؤازره الجيش العربي السوري وبعض الكتائب من الجيش اللبناني، وضربوا أروع الأمثلة في الجهاد ضد المحتل الصهيوني، وما زالت مدن طبريا، وصفد تحفظ أسماء هؤلاء، وخاصة معركة الشجرة التي امتزجت فيها دماء الجزائريين مع إخوانهم السوريين واللبنانيين، وحتى بعض المتطوّعين من العالم الإسلامي من السودان ومن يوغوسلافيا، من البوسنة والهرسك وهؤلاء ظلوا دائماً مرابطين داخل فلسطين، يدافعون عن المسجد الأقصى.

علماء الجزائر لم يتخلوا يوماً عن دورهم في الدفاع عن العالم العربي والإسلامي لغاية استقلال هذه الأقطار، وما زال لدينا أيضاً، أعطيك بعض الأمثلة، ربما من الامثلة الرائعة، من مجاهدي جيش التحرير، هؤلاء الربّانيون، هؤلاء الذين سافروا سيراً على الأقدام للدفاع عن فلسطين والجهاد بعد النكبة عامي 47 و48 ثم عادوا للمشاركة في الجهاد في الجزائر.

إذا هذا محمّد القباني من مدينة البليلة، قريبة من العاصمة، كان يفتخر وهو جندي في جيش التحرير، مجاهد، بأن يرتدي لباس الجيش العربي المتطوّع للدفاع عن فلسطين، ونفس الأمر بالنسبة للمجاهد محمّد بن إبراهيم القاضي من الأورست، ولدينا أيضاً نموذج الشهيد نزار شريط من منطقة دبسا في الحدود الشرقية للجزائر، هذا الذي يُقال عنه وفعلاً هو شهيد الثورات الثلاث، الرجل ذهب مع مجموعة من المجاهدين للجهاد في فلسطين، بعد ما حدث عام 1948 عاد وأثناء الطريق اندلعت الثورة والمقاومة في تونس، فانخرط مع المجاهدين التونسيين للدفاع عن تونس والوقوف في وجه الاستعمار الفرنسي، ثمّ اندلعت ثورة التحرير فدخل إلى الجزائر، وخاض معارك ضروس ضد الاستعمار الفرنسي واستشهد ونال بذلك حق التسمية، شهيد الثورات الثلاث، الثورة الفلسطينية، والتونسية، والجزائرية.

وهنا أفتح قوساً، هذا النموذج من العلماء، من هؤلاء الرجال الربّانيين افتقدناه اليوم وهو على عكس ما نرى من بعض العلماء، ولا أقول كل العلماء، ولكن ممن ارتموا في أحضان الامبريالية، في أحضان الناتو، ممن باعوا أنفسهم من أجل مكاسب دنيوية، من أجل مصالح شخصية، وخانوا شعوبهم، خانوا مبادئهم، خانوا مبادئ هؤلاء الرجال الذين جاهدوا لعشرات السنين ضد الأمبريالية العالمية، ضد الاستعمار أينما كان في بلاد العرب والمسلمين.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ جمال، وهذا البُعد العربي تجلّى حتى في قصائد علمائنا، قصيدة الشيخ بشير الإبراهيمي المعروفة في هذا الشأن، وأيضاً نشيد أو قصيدة شعب الجزائر مسلم وإلى العروبة يتنسب، ختامها وإذا هلكت فصيحتي تحيا الجزائر والعرب، هذا ما قاله الشيخ عبد الحميد بن باديس.

 

جمال يحياوي: إذا سمحت لي، أستاذ يحيى، تحضرني الآن وأمامي مقولة رائعة جداً، لفضيلة الشيخ محمّد البشير الإبراهيمي، وهو يصف حال العالم العربي، لأنّ الرجل لم يكن يعيش للجزائر على غرار أقرأنه من العلماء، بل كانوا يرون في القضية العربية والإسلامية همّهم وشغلهم الشاغل.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح. ماذا قال الشيخ؟

 

جمال يحياوي: سنة 1949، وكان يوم عيد، فلاحظ أحد رفاقه بأن الرجل لم يكن فرحاً، بشوشاً بيوم العيد، فتساءل، كيف للشيخ بشير الإبراهيمي واليوم يوم عيد ألا يفرح، فردّ عليه بمقولةٍ شهيرة، اسمح لي أن أقرأ أهم المقاطع منها، وهو يصف ويتفاعل مع قضايا الأمّة العربية والإسلامية.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ جمال، تعطيني جملة صغيرة، لأنّ الوقت داهمني من فضلك. جملة واحدة رجاءً، وسنخصّص للبشير الإبراهيمي حلقة كاملة إن شاء الله.

 

جمال يحياوي: يقول "جاء هذا العيد والهوى في مراكش يأمر وينهى والطغيان في الجزائر بلغ المنتهى مع فرنسا الظالمة المتجبّرة، والكيد في تونس يسلّط الأخ على أخيه، والأيادي العابثة في ليبيا تمزّق الأوصال وتداوي الجروح بالقروح، وفرعون في مصر يحاول المحال ويطاول في الآجال، واليمن السعيد شقيّة بأمرائها مقتولة بسيوفها، والحجاز مطمع مراقٍ متعاكسين ونهزة شركاء متشاكسين، وقد أصبحت بيته"، يقصد البيت الحرام، "معلقة بحماية زيد"، ويواصل وصف باقي الدول العربية.

 

يحيى أبو زكريا: لله ذرّه ولو عاد لوجد الحال هي الحال والعرب هم العرب، لم يتقدّموا قيد أنملة نحو العزّة والكرامة.

دكتور فوزي العلوي، جيلنا اليوم أخِذ إلى الطرب، أخذ إلى البرامج الخادعة، الراقصة، الماجنة، العفنة، الساقطة، الهابطة. قلنا لهم يا أصحاب البرامج نريد مقاومي العرب، نريد علماء العرب، نريد مفّكري العرب، فأبوا إلا أن يصرفوا مليارات الدولارات على راقص العرب ومغنّي العرب.

اليوم كيف نعيد شبابنا إلى هذا الإرث الذي لا ينضب، إلى هذا المعين الذي لا يجفّ، إلى هذا البحر بل المحيط بل القارات من العلم والفكر والثقافة واللغة والتفسير والرجولة والمروءة؟

 

فوزي العلوي: هذا لا يكون في تقديري إلا بتمثل بُعدَيّ الهوية والعروبة، الهوية من حيث أن تستوحي من الشكل التديّن، لأن المشكلة ليست في الدين بل في التديّن، فمظاهر التديّن هي التي أساءت إلى ثنائية الهوية والعروبة.

الهوية نأخذها من حيث أنّ الدين يمثّل رسالة حضارية شاملة وعالمية وليست معولمة، وهي تكون بالتالي ضامنة للحرية، للاستقلال، ضامنة للكرامة البشرية الواحدة، ورافضة لسائر أشكال الاستيلاب والاغتراب والاستعمار والإلحاق والاستقواء بالأجنبي وهذا ما تمثله هؤلاء العلماء الربّانيون.

ثانياً مفهوم العروبة الحقة، العروبة التي تكون جامعة ومانعة لكل مظاهر الإساءة إلى الذات، وتجميع هذا الشتات الذي يعبّر عن فسيفساء جميلة، مثل هذه المواقف إنما يجب أن تعبّر عن رسالة العلماء الحضارية ضمن مرجعيّة مقاومة وممانعة لسائر مظاهر الإلحاق والاستعمار.

وفي تقديري أنّ مثل هذه الأدوار لا يجب أن يضطلع بها العلماء كفرادى، بل هي جهود مؤسساتية فيها ما هو رسمي، دولة، وفيها ما هو مجتمع مدني وأحزاب ومنظمات حقوقية وغيرها. هنا، يجب أن تضطلع كل الفئات والطبقات الاجتماعية الحيّة التي تعبّر عن ضمير الأمّة وعن ضمير الشباب وعن ضمير التغيير الحقيقي نحو الانعتاق من سائر الاستيلاب والإلحاق والاستعمار والتبعية.

هنا، يمكن أن أقول بإيجاز أنّ علماءنا قد عبّروا عن هذه الرؤية الطلائعية الحقيقية، من حيث أنّهم رفضوا كلّ شكل من أشكال الوطنية المشوّهة نحو مواطنة عميقة وحقيقية وأنهم عبّروا عن رؤية عروبية، كانت القضية الفلسطينية رغم حال الاستعمار هي جاثمة على صدورهم إلا أن فلسطين كانت هي القبلة وكانت هي البوصلة الحاضرة دائماً.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور فوزي، ولذلك لم أجانب الصواب واليقين عندما قلت في مقدمة الحلقة نحتاج فعلياً إلى ملايين الحلقات لإبراز دور علمائنا في التصدّي للاستعمار، الشيخ صالح العلّي، سلطان باشا الأطرش، في سوريا، ثورة العشرين في العراق، عز الدين القسام، شيوخ الأزهر الذين تصدّوا لنابوليون بونابرت وما تبعه بعد ذلك وتصدّوا للإنكليز. علماؤنا كانوا شوكة في وجه الاستعمار ولم يكونوا منادين للاستكبار والاستحمار والاستدمار.

دكتور فوزي العلوي من تونس الحبيبة شكراً جزيلاً لك. الأستاذ الفاضل جمال يحياوي من الجزائر الحبيبة شكراً جزيلاً لك.

مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها. إلى أن ألقاكم هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبداً ودائعه.

البرنامج

إعداد
د. يحيى أبو زكريا
تقديم
د. يحيى أبو زكريا
المنتج
منى عبد الله
إخراج
محمد يحيى
الايميل