طارق خوري - نائب في البرلمان الأردني

 

 غسان الشامي: مساء فلسطين.

رجلا الشهيد إبراهيم أبو ثريّا اللتان بُترتا عام 2008 لم تُقعِداه عن النضال ضد إسرائيل. زرعهما زيتونة طيّبة باسقة، أصلها في فلسطين، وعند استشهاده باتت فروعها في سماوات الخلود، فاضحاً بهما القعود والقاعدين والمُقعَدين عن نصرة فلسطين. كرسي إبراهيم أبو ثريّا المدولب كشف عورات كراسي النظام الرسمي الفلسطيني والعربي بعدما تركه على الأرض وأمعن مع إصبعَي النصر في معراج الشهادة. الانتفاضة مستمرة والألم مستمر والتضحيات سمة الفلسطيني الطيّب منذ 60 سنة ونيّف، الفلسطيني الذي لا يزعزعه السيرك السياسي الأوسلوي ولا التجاذب الديني المذهبي ولا خلافات الجبنة السلطوية. وأخشى ما يخشاه أبناء آوى ويهوه استمرار مسيرة الانتفاض. لذلك، بعدما دجّنوا الكثيرين في بلاد العرب، ها هم يحاولون احتواء المنتفضين وتدجينهم.

أرحّب بالأستاذ طارق خوري، النائب في البرلمان الأردني، والصوت الصارِخ من أجل فلسطين، لنبحث في ما يحصل.ِ

أستاذ طارق، أهلاً بك في "أجراس المشرق".

طارق خوري: مساء الخير. الله يسعدك.

غسان الشامي: هذه الصورة التي رأيناها معاً للشهيد إبراهيم أبو ثريّا وهو يقتعد ثرى فلسطين رافعاً إشارة النصر وعلم فلسطين بلادي الأخرى، ماذا قدّمت لك؟

طارق خوري: أنا دائماً كنت لمّا أقول إنّ الشعب الفلسطيني يعلّم كل العرب البطولة، يعلّم كل العرب الفداء، يعلّم كل العرب الجهاد، يعلّم كل العرب الرجولة، كنت أحياناً أتردّد. أقول إنه ربما توجد شعوب عربية لديها هذه الصفات الموجودة في هذا الشعب. لكن بعد قصة إبراهيم ومشاهدتي له البارحة، وكما تفضّلت: علامة النصر مرفوعة وعلم فلسطين مرفوع وهو مقعد، مبتور الرجلين كاملاً، تيقّنت أنه بالتأكيد هذا الكلام صحيح مئة بالمئة، والآن لمّا أقوله لن أتردّد بسبب إبراهيم. والنقطة الثانية، برأيي، أنّ دم إبراهيم مسؤول عنه كل عربي. كل عربي متخاذل مسؤول عن دم إبراهيم، وكل عربي لا يعمل للقضية الفلسطينية مسؤول عن دم إبراهيم، وكل عربي تنازل عن شبر من أرض فلسطين مسؤول عن دم إبراهيم.

غسان الشامي: نعم، ولكن هذه الصورة لا سابق لها في التاريخ. لا يوجد قبلها هذا النوع من الإرادة، هذا النوع من الإيمان بالنصر، هذا النوع من المقاومة. هذه الصورة يمكن تحويلها إلى قضية رأي عام، رأي عام في العالم العربي المتردّد. الكثيرون ما زالوا متردّدين، وهناك كثيرون في العالم يفقهون في هذا النوع من الصوَر.
كيف يمكن تحويلها؟ مَن يحوّلها إلى قضية رأي عام عالمي؟

طارق خوري: برأيي أنّ الرأي العام العالمي لا نستطيع أن نركن إليه بشكل عام. فلنتكلّم على رأي عام للأحرار لأنّ الرأي العام العالمي بالنسبة للعديد من الناس وحتى العرب، ربما لو سرنا في الشارع وتحدّثنا مع عشرة عن إبراهيم، ستجد اثنين أو ثلاثة فقط رأوا صورته واهتمّوا بصورته. فبرأيي، هذا دافع لكل حر، وربما رأي عام عند الناس الفاهمة، عند الناس الذين يريدون أن يعرفوا الحقيقة وليس المغمضي أعينهم ولا يريدون أن يعرفوا الحقيقة. وأيضاً برأيي أنّ هذه بالنسبة لي هامّة لأطفالنا. هذه الصورة هامّة للجيل الصاعد. هذه الصورة هامّة جداً للأطفال الذين هم جيل المستقبل، الذين سيكونون مقاومين، الذين سيتحمّلون هذه القضية لأننا كلنا نعرف أنه للأسف الشديد في المدارس، وأنا أتحدّث وأعرف عن مدارس في الأردن أنه لم تعد ثمة قضية فلسطينية، لم يعد هناك تعليم إسمه العدو الصهيوني. صارت إسرائيل الجار، الدولة، كذا. لم يعودوا يقولون حتى كلمة كيان. فبرأيي، هذه يجب أن تُستغَلّ بشكل قوي وفي البيوت لكي يعرف كل شاب في مدرسة وكل طفل أن له عدوّا وله ليس عدوّا طبيعياً، عدو بلا إنسانية، بلا قلب، بلا رحمة، عدو لمّا يقتل شخصاً مثل إبراهيم وبالوضع الذي فيه إبراهيم، برأيي أنّ هذه ستبقى راسخة في كل أطفالنا وفي حياة أطفالنا ومستقبل أطفالنا. بالعكس، أنا أقول إنه يجب أن نستغلّها لأطفالنا أكبر استغلال. الرأي العام الخارجي الدولي، برأيي، لم يعد يهمّنا أبداً لأنّ أميركا لن تتغيّر والكيان الصهيوني لن يتغيّر. نحن يجب أن نتغيّر. إبراهيم يجب أن يغيّر كل واحد منا ويجعل فكره مختلفاً ويجعل موضوع أنّ هذا سلم وتفكير سلم ومؤتمر سلم واتفاقية سلام، هذا نلغيه من قاموسنا نهائياً. فهذه ضربة لكل...

غسان الشامي: سنأتي إلى موضوعات كثيرة تهمّ الشارع في الأردن والشارع في فلسطين والعالم العربي.
ولكن الرأي العام العالمي، برأيي، أيضاً هامّ جداً لأنه في تردّدات ما نراه أحياناً في شوارع أوروبا، هذه الصور، أنت تتذكّر صورة محمّد الدرّة كم فعلت. هنا كيف يتفاعل الشارع الأردني مع ما يحصل في فلسطين؟

طارق خوري: أنا أريد أن أقول إنّ الشارع الأردني لأول مرة يكون كله موحّداً، أي كله موحّد على الأصعدة كافة، أي الشعب، النيابة، حتى مستوى رسمي حكومي هذه المرة، حتى الأجهزة الأمنية تتعامل مع القضية بشكل ممتاز جداً. فالآن توحّد الشعور الأمني وشعور المواطن العادي بأنّ هذا الشأن مسّهم جميعاً. فنرى أريحية في التعامل، أريحية بالتظاهر، أريحية بالتعبير في التظاهرات؛ حتى الكلمات التي تقال والهتافات في التظاهرات، برأيي قبل ذلك لم أسمعها: تهجّم على بعض الدول العربية المتآمرة كان واضحاً في المسيرات. فأنا أقول إنّ هذه يجب استغلالها؛ أية مسيرات، ولنقُل إنّ ثمة اتفاقاً ضمنياً، تفاهماً على الموضوع بين الشعب والأجهزة الأمنية والحكومة الرسمية.

غسان الشامي: أي هذه المرة الأولى التي يكون هناك تفاهم أو هذه العلاقة المغضوض النظر عنها إذا أردت بين السلطة والشارع؟

طارق خوري: السلطة والشارع هذه المرة، برأيي، متوحّدون، القضية مسّتهم جميعاً، موضوع القدس، مع أنني سأتكلّم إلى الأمام: القدس هي جزء من القضية، لا نريد أن تكون كلّ القضية، لكن موضوع القدس وحتى موضوع الوصاية الهاشمية على القدس أيضاً شأن مهم بالنسبة للأردن وشأن مهم بالنسبة للقيادة. فهذا الموضوع بالتأكيد أثّر لأنه نوع من أنواع الاستفزاز ونوع من أنواع، فلنقُل إنّه كانت تعتقد الدولة الأردنية والحكومة الأردنية أنّ أميركا حليفتها، وحليفتها الأبدية والأزلية. لكن رأينا ماذا فعلوا. وليس فقط هذا، بل أتبعوه بموضوع عمر البشير، الرئيس السوداني، كضغط على الأردن. وبالتأكيد هذه حركة أميركية صهيونية مئة بالمئة.
وكان سابقاً لهذا الكلام موضوع صندوق النقد الدولي والضغط على الأردن لرفع الضرائب. تحصل ضغوط.

غسان الشامي: ولكنّ الأردن، وأنت نائب في البرلمان الأردني، أول ما ذهب ذهب إلى مصر وإلى السلطة الفلسطينية. فمصر وفلسطين والأردن دول ثلاث لديها علاقات دبلوماسية ولديها معاهدات مع الإسرائيلي.
أقل الإيمان وقف هذه المعاهدات.

طارق خوري: أنا أسمّيها، وطوال عمري أقول عنها معاهدات ذلّ. هذه معاهدات لم ولن تخدم الفلسطينيين ولن تخدم أية دولة عربية. هذه معاهدات وُضعت ورُسّخت وسُخّرت لخدمة الكيان الصهيوني. وهي بالفعل تخدم الكيان الصهيوني في كل شيء. فهي موجودة لخدمته. نحن طبعاً بالتأكيد كشعب، أنا أقول لك إنّ 90 بالمئة من الشعوب الثلاثة ضد هذه الاتفاقيات. والآن مثلما قلت في البداية، إنها فرصة تاريخية لنا للضغط في هذا الاتجاه. ونحن كمجموعة من النواب أو حتى أغلبية من النواب وقّعنا كتاباً إلى الحكومة لاستصدار قانون لإلغاء اتفاقية وادي عربة، ومجلس النواب حوّله إلى اللجنة القانونية لإجراء الأمور الدستورية حوله. وأنا مثلك أقول إنّ الآن ثمة فرصة يجب استغلالها لأنّ الدول الثلاث التي ذكرتها، الأردن وفلسطين ومصر، هي الآن في وضع لا تُحسَد عليه. فكل تحالفاتها وكل اهتماماتها وكل اتفاقياتها مع أميركا ومع الكيان الصهيوني تبيّن أنه عند مصلحة الكيان الصهيوني أميركا لا تسأل عن أحدهم نهائياً، وأصبحوا بالنسبة لها لا قرار لهم ولا معرفة لهم. وهذا هو الواقع، وهذا ما يجب أن نستغلّه. أنا أقول إنّ هذه فرصة تاريخية يجب استغلالها لأنّ الناس بدأوا يصحون، المسؤولون بدأوا يصحون، الحكومات بدأت تصحو.

غسان الشامي: هل يمكن استغلالها؟ هل يمكن استغلالها فعلاً بعد ما حصل ويحصل؟ ماذا يوجد أكثر من القدس؟ ماذا يوجد أكثر من فلسطين؟ بعيداً عن اختصار المسألة الفلسطينية بالقدس، ولكن ماذا يوجد أكثر من هذا يمكن أن يحصل يا أستاذ خوري؟

طارق خوري: أنا معك. أنا أقول لك إنه يجب استغلالها، ونحن نعمل على استغلالها، وبالتأكيد هي مسألة لأول مرة يمكن أن يكون عندنا فيها مجال لأننا شاعرون بهذا الموضوع وشاعرون بأهمية القدس وبأهمية فلسطين وشاعرون بهذه الاتفاقيات وماذا تقدّم للكيان الصهيوني. لكن الآن المفروض أنّ المسؤول، مفروض أنّ المعني بهذا بدأ يصحو. لذلك أنا أقول لك الآن إنها فرصة يمكن أن نقوم بعمل أي شيء في هذا المجال، مثلما رأينا أنّ الضغط الشعبي كان مؤثّراً على قرار الحكومة الأردنية بعدم عودة السفير الصهيوني إلى الأردن. فبرأيي، الآن ما يحصل، التصعيد الذي يحصل من ترامب يخدم القضية الفلسطينية ويخدم صحوة الشارع العربي وأيضاً يخدم الدول العربية كافة، وبين هلالين الدول الموقّعة اتفاقيات سلام مع إسرائيل. فقرار ترامب أتى لخدمة هذه القضية، ولو ترامب لم يصعّد كانت لا تزال البوصلة متّجهة إلى ما يسمّى بالربيع العربي، والناس ملتهون بالاقتتال الداخلي وينسون فلسطين. لكن ترامب حوّل البوصلة إلى فلسطين. وهذا الأمر، برأيي، أتى لصالح القضية الفلسطينية وأنعش القضية الفلسطينية. وما نراه دليلاً على ذلك.

غسان الشامي: أي شكراً مستر ترامب يجب أن نقول؟

طارق خوري: مئة بالمئة، شكراً مستر ترامب لأنّ الشعوب العربية، لا نقُل الشعوب، الأنظمة العربية بشكل عام، الحكومات العربية أصبح هذا الموضوع بالنسبة لها ثانوياً. لكن ترامب أعاد القضية الفلسطينية إلى الواجهة.
وفي موضوع القدس، حتى أعاد إحساس بعض الناس حتى من الناحية الدينية إلى موضوع القدس.

غسان الشامي: بالنسبة للناحية الدينية، كيف قرأت موقف القيادات المسيحية، تحديداً في الأردن، من المسألة؟

طارق خوري: في الأردن، فلنقُل بشكل عام إنّ الشارع، أنت تعرف، أو الكنيسة حتى أو المسيحيين المشرقيين في الأردن منقسمون حول موضوع الكنيسة وحول موضوع القدس وما يقوم به البطريرك في القدس. لكن بشكل عام، بعيداً عن رجال الدين، فلنقُل المسيحيين في الأردن...

غسان الشامي: المواطنون.

طارق خوري: المواطنون العلمانيون حسب تسمية الكنيسة، بالعكس، كانوا مشاركين في المسيرات كافة، والقضية تعنيهم مئة بالمئة، وهم في حال غليان. وأنا دائماً أقولها: عداء المسيحية لليهودية عداء لا يقارَن بأي عداء آخر، من الإنجيل ومن كلام المسيح لليهود. فهذا الموضوع نحاول أن نستعمله لأنّ رجال الدين بشكل عام، ربما أنت متابع ولديك غير برنامج، هناك جزء خصوصاً الروم الأورثوذكس منبطحون مع البطريرك الذي يقوم بالبيوعات داخل القدس. لكنّ البقية الأغلبية برأيي بالعكس، موقفهم كان مشرّفاً، حتى إنّ المسيرة التي قام بها تجمّع الكنائس كانت مسيرة تعبّر عن شيء جميل، وكانت فيها أيضاً كلمات قوية وكلمات قريبة من الواقع.

غسان الشامي: نحن نحيّي كل رجال الدين المسيحيين في القدس الذين رفعوا هذه الـلا الكبيرة بوجه الإسرائيلي وبوجه هذه الصورة التي حاولت أن تقدّمها أميركا أنّ المسيحيين قابلون بما قام به ترامب. سأعود إلى هذا في المحور الثاني لأنني أريد أن أناقش معك أيضاً موقف الكنيسة الأورثوذكسية في القدس. ولكن هذه الانتفاضة، هؤلاء الشهداء، بمراقبتك، وأنا أعلم أنك موجود بين الناس دائماً، كيف أثّرت في السلوك العام للأردنيين، الشرق أردنيين، وللفلسطينيين الموجودين في الأردن، وهم أردنيون بطريقة أو بأخرى إذا أخذنا هذه البلاد كبلاد واحدة. ولكنّ السلوك العام بماذا تأثّر في هذا الذي حصل؟

طارق خوري: بدايةً، الشهداء هم حبر التاريخ. وكلما زاد عدد الشهداء، برأيي، اقترب النصر واقترب التحرير، وكلما زاد عدد الشهداء توحّد العالم خارج فلسطين أو العرب خارج فلسطين. بالنسبة للشارع الأردني، أنا أقول لك إنّ موضوع شرق أردني وغرب أردني غير موجود نهائياً. هذه القضية بشكل غريب جدا وممتاز ومميّز وحّدت الآراء كافة في الشارع الأردني. وحتى مَن كان في وقت من الأوقات يعتقد أنّ اتفاقية وادي عربة هي لمصلحة الأردن ومصلحة الشعب الفلسطيني، أدرك الآن أنّ هذه الاتفاقية لا تخدم أحدا. فأنا أقول الآن إنّ موضوع ما حصل وموضوع القدس وحّد الشارع الأردني بشكل غريب، من شعبي إلى رسمي. وحتى المسيرات الآن مختلطة، وفي كل مدن وقرى ومخيّمات الأردن. لا تقول مثلاً إنّ المسيرات فقط موجودة في عمّان، في المخيّمات، أمام المساجد. لا، الآن موجودة في كل قرية أردنية. الآن كلّ الشارع الأردني موحّد في هذه القضية، ومرة أخرى أقول شكراً ترامب الذي وحّد الجميع وحرّك الجميع وجعل هذه القضية بارزة وسيطرت على كلّ الخلافات الجانبية التي كانت موجودة. الآن أصبحنا كلنا نمثّل الأردن، وكلنا واحد. ومثلما قلت لك، الدليل الأكبر أنّ كل منطقة داخل الأردن قامت بمسيرات جميلة جداً.

غسان الشامي: اسمح لي بأن أخبرك ماذا قال منذ أيام مركز الدراسات الاستراتيجي الدولي في واشنطن CSIS، يقول: إنّ إعلان ترامب سيُلحق الضرر بالمصالح الأميركية الاستراتيجية. الأردن كبلد يقيم معاهدة مع إسرائيل، وعلاقته طيّبة بأميركا، هل أحسست بأنّ المصالح الأميركية قد لحق بها ضرر؟

طارق خوري: بدايةً التعاطف، بدايةً الذين كانوا سابقاً يقولون لك إنّ أميركا داعمة وأميركا مموّلة للأردن وأميركا وأميركا، صرنا نسمع كل مسيرة الآن فيها هجوم مباشر على أميركا. هذا الأمر لم نكن نراه سابقاً.
كان 90 بالمئة من الهجوم على الكيان الصهيوني، وربما جزء بسيط على أميركا. الآن يعامل الشارع الأردني الكيان الصهيوني كما يعامل أميركا في المسيرات وفي الهتافات. وبرأيي، بالتأكيد المصالح الأميركية تأثّرت في المنطقة بشكل كبير وكبير جداً. وهناك مصالح محلية مع المصالح الأميركية. فموضوع المساعدات الأميركية لبعض الدول العربية أيضاً سيتأثّر، برأيي، لأنّ الحكومات العربية لا تستطيع أن تقف كما كانت سابقاً.
وبالتأكيد أنت كمتابع تلاحظ أنّ ما يحصل في سلوك وردّ فعل من الحكومات العربية هو درجة، لا نقول متقدّمة كثيرا، هو درجة متقدّمة إلى الأمام عن السابق. فبرأيي، العلاقات الأميركية والمصالح الأميركية في المنطقة بالتأكيد تتأثّر. يكفي موضوع المقاطعة، موضوع المنتجات، وأيضاً موضوع تقبّل الأميركي أو تقدّم السياسة الأميركية تقبّلها أصبح الآن... كنا في السابق حين نهاجم أميركا مثلاً، فلنقُل إنّ 50 بالمئة يقفون معنا و50 بالمئة يقولون لا، هي داعمة لنا بكذا. الآن لم تعد تسمع أحداً يدافع عن أميركا، لم تعد تسمع أحداً يدافع عن السعودية، لم تعد تسمع أحداً يدافع عن الكيان الصهيوني. كل هذا راح.

غسان الشامي: لديّ دقيقة فقط في هذا المحور. سابقاً شكّل عدم الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل نوعاً من عدم الاعتراف المبطّن بشرعيتها. عدم اعتراف أميركا بالقدس عاصمة جعل الكثيرين لا يعترفون بها. بعد هذا الإعلان، برأيك هل ستكرّ السبحة ويعترف الكثيرون بالقدس عاصمة لإسرائيل؟

طارق خوري: في الحقيقة، شخصياً لا يهمّني إن اعترفوا أو لم يعترفوا. هي أرض محتلّة. كما هي سفاراتهم موجودة في تل الربيع، الأمر نفسه أنها موجودة في القدس وحيفا ويافا، أينما وضعوها هي أرض فلسطينية وكل شبر من أرض فلسطين يعني الأمر ذاته. فأنا لا أعتقد أنّ هذا الأمر هامّ ولا يؤثّر على عملية الاحتلال ولا يؤثّر على عملية التحرير. فبالعكس، التصعيد ممتاز.

غسان الشامي: إذاً، دعني أذهب إلى فاصل ونعود. ما دام هذا موقفك، دعنا نذهب إلى فاصل.

أعزّائي، فاصل ونعود إلى الحوار مع الأستاذ النائب طارق خوري، النائب في البرلمان الأردني. انتظرونا.

 

المحور الثاني

 

غسان الشامي: أهلاً بكم مجدّداً في "أجراس المشرق". ضيفنا من عمّان في الأردن النائب في البرلمان الأردني الأستاذ طارق خوري.

كيف تقرأ موقف السلطة الفلسطينية منذ إعلان ترامب؟

طارق خوري: السلطة الفلسطينية بشكل عام لا أعوّل عليها. السلطة الفلسطينية محاصَرة من الكيان الصهيوني.

غسان الشامي: هل فقط لا تعوّل عليها لأنها محاصَرة، فقط؟

طارق خوري: لا، أيضاً لأنها اتفاقية سلام و...و...و...، لكن الصحيح أنني لا أضعها ضمن حساباتي أو خياراتي في موضوع الحل الفلسطيني أو في موضوع التحرير أو في موضوع أي شيء نتحدّث عنه بالنفَس الذي نبحث عنه. هي مغلوب على أمرها بدايةً، وهي تمارس مثل الآخذ غرفة في بيت ويتقاسم مع جيرانه، ويسير في هذه الممارسة. وبرأيي أنّ كل سلوك... لا أرغب دائما في الحديث عنه لأنني أظلّ أعتبر أنهم تحت الاحتلال.
فظرفهم أصعب قليلاً من الدول العربية المرتاحة والتي لديها جيشها ولديها أمنها ولديها حدودها ولديها تركيبة دولتها وتتعامل بشكل أسوأ من شكل السلطة الفلسطينية. فدائماً أحاول أن أتجنّب موضوع السلطة الفلسطينية للأسباب هذه التي ذكرتها لك. لكن بالتأكيد نحن نتأمّل أكثر. رأينا في خطاب الرئيس الفلسطيني في تركيا كان أعلى قليلاً من سابقه. ومثلما قلنا إنّ موضوع ترامب وقرار ترامب يجعل حتى البعض يرفع سقفه والبعض يتحرّك ويتحدّث بطريقة لم يكن يتحدّث بها سابقاً. لكن أنا أريد أن أؤكّد، بين قوسين، أنّ أملي دائماً في الانتفاضة الفلسطينية والمقاومة الفلسطينية، هي الأمل. فأنا غير متأمّل بأي قرار لأية حكومة عربية. أبداً، حتى عالمياً ودولياً، مع أنّ قرار ترامب، إذا لاحظت، لم يلقَ إجماعاً دولياً عليه ولم يلقَ تأييداً دولياً. فهذا أيضاً أضرّ بأميركا في علاقاتها في هذه الدول، عزلها قليلاً في موضوع القضية الفلسطينية وفضح أنها هي راعية سلام.

غسان الشامي: ولكن هذه المسألة هي مسألة فلسطينية في الصميم. كثير من المحلّلين في السلطة، وإن كان في حماس، يصرّون على أنّ هذه المسألة مسألة فلسطينية وأن لا أحد يتدخّل. لكن هذه السلطة هل يمكنها الاستمرار في سياسة  اللعن وفي سياسة رجل في البور والرجل الأخرى في الفلاحة الدولية؟ أي البور المحلي والفلاحة في البور الدولي. هل يمكن بعد الذي يحصل، إذا تمّ هذا القرار، معنى ذلك أنه لا عاصمة بالمفهوم الدولي --لا سمح الله-- لفلسطين.

طارق خوري: أنت تقول عاصمة لفلسطين وكأننا ننتظر القرار من العالم. هذا القرار نأخذه بتحرير فلسطين. اسمح لي. وتحدّثت أنّ القضية هي قضية الفلسطينيين. لا، هي قضية الأمّة. نحن لا يجوز أن نصغّر القضية ونقزّمها ونجعلها قضية فلسطينية. هذه قضية الأمّة، هذه مسؤولية كل عربي. نحن لا نريد أن نقول إنها قضية فلسطينية فقط لأنّ هذا كان الهدف منها في تقزيم هذه القضية بكل ما حصل في الخمسين سنة الماضية. تقزيم هذه القضية وجعلها قضية فلسطينية، برأيي، خطأ. هذه القضية تعنينا مثلما تعنيك مثلما تعني أي واحد شريف ولديه وطنية ولديه غيرة على قضايا أمّته. فبرأيي، هذه ليست قضية فلسطينية، هذه قضية الأمّة بامتياز، وأيضاً لا يجب أن نفكّر فقط بالقرار الدولي لأنّ ثمة مصطلحاً يستخدمونه ويعيدونه: حق العودة، حق العودة، حق العودة.
هذا المصطلح خاطئ ويجب أن نلغيه من قاموسنا لأنه لا يوجد أحد يعطي الشعب الفلسطيني حق العودة.
هذا المصطلح يجب أن يتغيّر إلى حق التحرير والعودة، حتى يعودوا. فلا نريد أن نظلّ متأمّلين بدول العالم العربية وغير العربية في موضوع القدس عاصمة للكيان الصهيوني أو ليست عاصمة للكيان الصهيوني.

غسان الشامي: بمن تتأمّل إذاً؟

طارق خوري: أملي الوحيد بالمقاومة، أملي الوحيد بالمقاومة في غزّة، أبطال حرب غزّة الأولى والثانية والثالثة، أملي الوحيد بأبطال الانتفاضة الأولى والثانية، أملي الوحيد بإبراهيم، إبراهيم الذي شكّل حالة في الشارع الفلسطيني وفي الشارع العربي، ومفروض أن يكون إبراهيم أيقونة الآن للانتفاضة الثالثة ورمز الانتفاضة الثالثة. ومن قناتكم أنا أدعو الشعب الفلسطيني إلى أن ينتقم لإبراهيم. إبراهيم حالة يجب أن تكون أيقونة ويجب على كل الشعب الفلسطيني الآن أن يقوم بانتفاضته الثالثة ويستمر فيها لأنّ ما يحصل بحاجة إلى جهدكم، وأملنا الوحيد بكم أنتم الشعب الذين تعلّموننا البطولة ولا أحد يستطيع أن يزايد عليكم ولا أحد يستطيع أن يدلّكم على ما تفعلون لأنكم دائماً السبّاقون.

غسان الشامي: وهناك موقف لجامعة الدول العربية، أظنّك قد سمعته. الخليج صامت، دول الخليج بأغلبها كأنّ على رؤوسهم الطير. المؤتمر الإسلامي الذي عُقد في تركيا. إذا رأيت هذه المؤتمرات الثلاثة، ألا تظنّ أنّ التحرير قادم؟

طارق خوري: قلت لك، التحرير من هذا الطرف ملغي، وأنا لا أتأمّل به ولا أفكّر به، ولا عندي واحد بالمئة أمل من أي موقف عربي أن .... ننظر إلى تركيا وكلام أردوغان، وفي النهاية أذهب وأعمل قواعد عسكرية في قطر. يتحرّر عن تحرير فلسطين ويبعدها آلاف الكيلومترات عن فلسطين. فهذا شأن واضح. ثم، كل مَن يتحدّث بمصطلح القدس الشرقية هو مؤيّد لقرار ترامب. كل مَن يتحدّث بمصطلح القدس الشرقية هو متنازل عن نصف فلسطين، هو متنازل عن يافا، عن حيفا، عن عكّا، عن اللد، عن الرملة، عن طبريّا. فكل مَن يقول لك القدس الشرقية تنازل عن ثلاثة أرباع القدس وعن باقي فلسطين وكل أراضي الـ48. لذلك، أي مصطلح يخرج من أية جهة يتحدّث بالقدس الشرقية يجب أن نلغيه من اعتباراتنا، أي لا يكون له دور أبداً، لأنك حين تقول القدس الشرقية، وكلنا نعرف أنه بالمفهوم الصهيوني القدس الشرقية هي خارج الجدار العازل، هي أبوديس. لمّا نقول أبوديس، معنى ذلك أنه حتى المقدّسات الإسلامية والمسيحية غير موجودة من ضمن هذه الأراضي. فهذه كذبة أو ضحك على اللحى مثلما نستعملها عندنا أنهم يستعملون: القدس الشرقية عاصمة فلسطين. لا يا عمّي.
عاصمة فلسطين كل القدس. لا نريد القدس الشرقية ولا نتكلّم بالقدس الشرقية. وكل واحد يتكلّم بالقدس الشرقية لا يمثّل الشارع العربي، لا يمثّل الأحرار. هذا موضوع تنازل وتنازل كبير. فقرار ترامب أسهل من أن يخرج القادة في المؤتمر الإسلامي في تركيا ويقولون القدس الشرقية في بيانهم الختامي.

غسان الشامي: ولكن أيضاً الكثيرون يُجهدون أنفسهم فعلاً لتحويل القدس إلى قضية دينية، همّ ديني. أنت لاحظت أنه في المؤتمر الإسلامي لم يُحكَ عن فلسطين كل فلسطين. القلة تحدّثوا عن فلسطين كل فلسطين. تحدّثوا عن القدس كقضية دينية، وقضية دينية بالمعنى الإسلامي أي تخصّ المسلمين أنفسهم. ما هو، من هنا، موقف رجال الدين وموقف العلمانيين من هذه القضية؟ هل يمكن فعلاً تحويل قضية وطنية هي آخر قضية تحرّر في العالم إلى مجرّد قضية دينية؟

طارق خوري: قضية إبراهيم وما حلّ به أليست قضية دينية؟ ألا يجب أن تحرّك المشاعر الدينية لكلّ العالم؟
أنا أستغرب من هذا الأمر. هل رأيت يوماً ديناً يملك أرضاً؟ هل رأيت يوماً ... أرض باسم الدين الإسلامي أو الدين المسيحي أو الدين الكذا؟ لا يوجد شيء يسمى ملكية أرض لدين. من ناحية دينية عاطفية لا مشكلة فيها.
لكن كل شبر من فلسطين واحد، من أولها إلى آخرها. لا يوجد أنّ شبر القدس أغلى على قلوبنا من شبر يافا وحيفا، لا. حبّة تراب في القدس قيمتها نفسها في كل مكان. هذا الأمر كذبة كبرى، وهذه يلعبون بها على موضوع أنّ القدس عاصمة الأديان الثلاثة. لا، الدين لا توجد له عاصمة، والدين لا توجد له أرض. هذه الأرض لأصحابها، هذه الأرض لأهلها، هذه الأرض لمن سكنها. فهذه أيضاً مؤامرة أخرى تحاك وتروَّج في موضوع الديانات أنّ القدس عاصمة الديانات الثلاث. لماذا؟ لماذا القدس عاصمة؟ لماذا ليست الفاتيكان؟ لماذا ليست مكة؟ لماذا ليس كذا؟ فهذا الأمر بالنسبة لي هو خطر ويروَّج بشكل خطير ويجب أن ننبّه الناس. الديانات على رأسنا وعيننا. الديانات في أماكن العبادة. الديانات في تقديرها واحترامها وطهرها. لكن لا نقول نحن إنّ هذه الأرض مملوكة لهذا الدين وذاك الدين. هناك شعب، والشعب الذي يعيش بغضّ النظر عن دينه، مسيحي أو مسلم، هو صاحب هذه الأرض. أمّا أن نحوّلها إلى ملكية لشيء في الخيال أو بالعاطفة أو بكذا، فهذا الكلام غير صحيح ولا يجب أن يكون. وبالعكس، يجب أن نتصدّى له. يجب أن نعمل على هذا الموضوع بشكل قوي أن نبعد الناس عن التفكير بأنّ الدين يملك أرضاً. الدين لا يملك أرضاً. الدين يملك سماء.

غسان الشامي: يملك سماء ويملك أرواحاً للناس. هناك أرواح تنزع إلى الدين.

طارق خوري: نعم.

غسان الشامي: ولكن في هذا الموضوع أيضاً، قبل يومين أو ثلاثة ربما أبلغ بطريرك اليونان الأورثوذكسي ثيوفيلس الأردن أنه لا وصاية أردنية على الأماكن المقدّسة المسيحية. كنت ذكرت في المحور السابق في بداية الحلقة أنّ الأردن وصيّ، نعم، الأردن وصيّ على القدس الشرقية وعلى المقدّسات المسيحية والإسلامية.
ماذا يعني أن يقول ثيوفيلس للإردن: ليست لكم وصاية على الأراضي، على الوقف؟ ماذا فعل الأردن أيضاً للحفاظ على هذه الأرض في القدس؟

طارق خوري: أولاً، ثيوفيلس في هذا الموضوع أنا لم أتأكد بعد. وصلني الخبر بشكل أو بآخر عبر الإعلام وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، لكنّي لم أتأكد منه. لكن هذا لا يغيّر شيئاً. فقرار ثيوفيلس تكلّم أو لم يتكلّم، ثيوفيلس شخص مدعوم من الكيان الصهيوني، وشخص قوّته بقوة الكيان الصهيوني. هو سهّل وجود هذا الكيان على أرض فلسطين وعلى أرض القدس، وهو مَن ثبّت وجودهم في القدس. فبرأيي، كلامه عن الأردن بهذا الشأن برأيي لن يغيّر شيئاً، مع أني لم أتأكد بعد منه، أي لم يحصل شيء رسمي أو سمعنا به رسمياً، فلا يجوز أن نبني عليه. لكن ثيوفيلس معروف ما موقفه. وثيوفيلس، إذا كنت تذكر، قبل سنوات لمّا ضغطنا على الحكومة الأردنية وسحبت جواز السفر الأردني منه، لا أعرف إذا كنت تذكر لأنّ السنة راحت عن بالي.

غسان الشامي: نعم نعم.

طارق خوري: تمّ سحب جواز السفر منه لمدة 48 ساعة. ومَن تدخّل لإعادة جواز السفر إليه مع الحكومة الأردنية وضغط على الحكومة الأردنية هي أميركا والكيان الصهيوني واليونان: السفارة اليونانية والسفارة الأميركية وسفارة الكيان الصهيوني، وأعادوا له الجواز. فهذا الرجل محمي من دول مؤثّرة ولها قراراتها ومؤثّرة أيضاً على الأردن وتستطيع الضغط بشكل أو بآخر على الأردن. فهذا الموضوع، برأيي، لا يهمّ كثيراً.

غسان الشامي: ولكن ماذا فعل الأردن للحفاظ على الأراضي التي هو في العرف والقانون الدولي وصيّ عليها في القدس؟

طارق خوري: هو وصيّ على المقدّسات. أنا لا أريد أن أتكلّم على الأملاك، لكن لم يفعل شيئاً. بكل وضوح، بكل صراحة، لم يفعل شيئا. ونحن لمّا وقّعنا، 118 نائباً من أصل 130، على عريضة إلى الحكومة ومطالبة للحكومة بالتدخّل بموضوع الكنيسة والبيوعات وعمل لجنة تدقيق وعمل لجنة تقويم ورقابة على الأراضي التي كانت مملوكة سابقاً ولمن صارت مملوكة الآن وأين الأموال ذهبت، طبعاً لم يحرّكوا ساكناً مع توقيع 118 نائباً.
أنا أريد أن أنصف مجلس النواب الأردني في قضية القدس وفي قضية الكنيسة الأورثوذكسية وفي قضية فلسطين بشكل عام، الآن موقفهم قوي وقوي جداً ومتقدّم. برأيي، أنا شخصياً منذ الـ2007 موجود في المجلس النيابي، ما شاهدت موقفاً لأي مجلس متقدّم بهذا الخصوص وحتى متّفقين على كل الخطوط. ولمّا يوقّع معي 118 نائباً على مذكّرة ضد ثيوفيلس وضد البيوعات، برأيي هذا شأن إيجابي، والآن مفروض أن نعود ونضغط على الحكومة بهذا الشأن، مع أنه برأيي أنّ الحكومة تعرف كلّ التفاصيل وتعي كلّ التفاصيل، ويوجد في الخفاء مَن يقوم بدعم ثيوفيلس وتقوية ثيوفيلس في هذا الشأن.

غسان الشامي: في الخفاء أو في العلن، سأقول لك: عندما ننظر أين يوجد ثيوفيلس حين يأتي إلى الأردن، نجده في الصفوف الأولى، نجده قرب الأمير غازي، نجد أنّ هناك مَن يستقبله من الديوان الملكي. هناك مئات آلاف الدنمات يا أستاذ طارق خوري، مئات آلاف الدنمات تباع، هي ملك لفلسطين. الآن انتفاضة قائمة لأنّ ترامب باع أرضاً ليست له بعد وعد بلفور بعد مئة سنة. وهناك شخص قاعد، وحتى الآن لا يقومون بدعم تعريب الكنيسة وهم من الدول الثلاث الوصيّة على الملف الفلسطيني، على ملف الكنيسة.

طارق خوري: أنت ذكّرتني بمقولة اللبنانيين: لكل خائن حبيب. فبرأيي، موضوع البيع والبيوعات موضوع بالتأكيد يوجد توافق عليه، ليس موضوع أنه والله ثمة جهة ممانعة وجهة موافقة. وثيوفيلس واستقباله ووجوده وتقديره وقيمته ضمن هذه المعادلة وضمن هذه المؤامرة على القدس وأراضي القدس. وفي النهاية فلنفكّر أنا وأنت بتفكيرنا المنطقي: لو باع كلّ القدس ولو قبض ثمن كل شيء، في النهاية سيأتي التحرير ويحرّرها من هؤلاء الغاصبين. موضوع باع واشترى هو خيانة، وهي خيانة عظمى. وبرأيي أنّ ما يقوم به يخالف حتى تعاليم المسيح. أنا حضّرت بعض الآيات من الإنجيل أريد أن أوجّهها لكل مسيحيي الغرب ماذا كان يقول سيّدنا المسيح عن اليهود وكيف كان يعاملهم. وحين تصحّ لي الفرصة، إذا سمحت لي، أريد أن أقرأ بعض الآيات.

غسان الشامي: سأعتبرك كاهناً أورثوذكسياً واقرأ، ولكن قليلاً.

طارق خوري: لو أني كاهن لكنت حافظاً.

غسان الشامي: كاهن علماني.

طارق خوري: "يا أولاد الأفاعي، كيف تقدرون أن تتكلّموا بالصالحات وأنتم أشرار، فإنه من فضلة القلب يتكلّم الفم." هذا كلام المسيح لليهود. ثم يقول لهم: "أنتم من أب هو إبليس، وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا، وذلك كان قتّالاً للناس منذ البدء ولم يثبت في الحق لأنه ليس فيه حق، متى تكلّم بالكذب فإنه يتكلّم ممّا له لأنه كذّاب وأبو الكذب." وأيضا آية أخرى: "فأنتم تشهدون على أنفسكم أنكم أبناء قتلة الأنبياء. أيها الحيّات، أولاد الأفاعي، كيف تهربون من دينونة جهنّم؟" فكلام قوي، مفروض أنّ كل مسيحي، وأولهم ثيوفيلس أن يعي ما قال الإنجيل وما قال المسيح عن اليهود، وحتى مسيحيي العالم كلهم يجب أن يعود المتديّنون الذين يتكلمون بالدين أن يقرأوا هذه الآيات الموجودة في الإنجيل.

غسان الشامي: دعني أقُول لك أمراً: قرأت خبراً في بداية هذه الانتفاضة يقول إنّ البطريرك المسكوني بارتلماوس استلم دكتوراه فخرية من الجامعة العبرية يوم إعلان ترامب قراره. نحن في معركة، معركة معرفية، معركة ثقافية. معركة تعريب هذه الكنيسة مَن سيقوم بها يا أستاذ خوري؟

طارق خوري: هذا هو الكلام الذي أقوله. هدفنا وغايتنا وخلاصنا الوحيد هو بتعريب هذه الكنيسة. الكل يخاف من مصطلح تعريب الكنيسة، تعريب الكنيسة، لأنه موضوع ديني. يقول لك: هؤلاء رجال دين وليست لدينا تفرقة في الدين. لا، نحن أهل الكنيسة ونحن أصحاب الكنيسة ونحن أول مَن كان في هذه الكنيسة وأول ما انطلقت المسيحية من أرضنا، والمسيح ابن بقعة الأرض هذه، ابن فلسطين. نحن أصحاب الحق في هذا الأمر ويجب العمل على تعريب الكنيسة بما أوتينا من قوة. لكن، كما أقول لك، وكل مَن شاهدتهم، القريبون من رجال الدين والذين يتحدثون في الجمعيات الأورثوذكسية، جميعهم يبتعدون عن مصطلح تعريب الكنيسة لكي لا يُتّهَموا بالعنصرية. لا، أنا لأجل فلسطين عنصري، لأجل القدس عنصري، لأجل تحرير فلسطين عنصري، لأجل تعريب الكنيسة عنصري. فكّروا بها كما تريدون. تعريب الكنيسة هو حلّنا الوحيد، ويجب العمل على تعريب الكنيسة، وهذا لا يأتي بقرار حكومي. هذا يأتي بقرار شعبي، يأتي بثورة شعبية ضد هذه الكنيسة الأورثوذكسية. فيجب الوقوف مع المطران عطا الله حنّا الذي يخوض معركة شرسة في هذا الاتجاه ويحارَب من كلّ الاتجاهات ويجب ألّا نتركه وحده. يجب أن نقف إلى جانبه وندعمه ونعمل منه حالة عربية تطالب بتعريب الكنيسة.

غسان الشامي: كلنا مع المطران عطا الله حنّا في الواقع لأنّ ما يقوم به هو لافت وفعّال ويملك ناصية هذه اللغة العربية ويرفعها بيرقاً مثل العلم الفلسطيني، مثل الذي رفعه المرحوم إبراهيم أبو ثريّا.
أريد أن أسألك قليلاً عن فلسطينيي الـ48، أين هم من هذه الانتفاضة؟

طارق خوري: أيضاً لكي تعرف النظام العربي الرسمي، جعلنا لفترات طويلة نقاطع عرب الـ48 أو عرب الأراضي الفلسطينية المحتلّة عام 1948، وجعلنا نعتبر أنّ جوازات سفرهم إسرائيلية وهؤلاء يهود. أصلا ما دفعهم إلى هذه إلّا هذه الأنظمة، وما جعلهم يكونون حاملين جوازات سفر إسرائيلية إلّا هذه الأنظمة.
برأيي، عرب الـ48 جزء مهم من المعادلة، وانتماؤهم لا يقلّ عن فلسطينيي الـ67، ولا يقلّ عن أي فلسطيني في العالم. انتماؤهم وحسّهم الوطني وغيرتهم على قضيتهم وعملهم لأجل قضيتهم لا يقلّ عن أية بقعة أخرى من فلسطين. فهؤلاء لا يجب أن نظلّ مبعدين لهم في معادلاتنا، يجب ألّا نظلّ مبعدين لهم في أحاديثنا. هؤلاء جزء منّا وجزء أساسي من القضية الفلسطينية وجزء أساسي من تحرير فلسطين في المستقبل. فيجب أن تكون لهؤلاء معاملة كأنهم فلسطينيون، ونقطة. لا نريد أن نظلّ نقول فلسطينيي الـ48 وفلسطينيي الـ67. هذا فلسطيني مثله مثل غيره. الظروف والأمّة العربية والنظام العربي هو ما دفع به إلى أن يكون حاملاً جواز سفر إسرائيلياً، وهو ما دفع به إلى أن يكون تحت هذا الاحتلال ومواطناً تحت هذا الاحتلال. لذلك أنا أقول إنه يجب أولاً أن نبتعد عن مصطلح الـ48 والـ67. كلهم فلسطينيون. أينما كان يعيش على أرض فلسطين هو فلسطيني، ويجب أن نعاملهم ونتقرّب منهم ونحاول أن ندعمهم، ولا يظلّ البعبع الذي وضعوه في رؤوسنا مذ كنا أطفالاً أنّ هذا تطبيع وإذا تكلّمت معهم فأنت مطبّع. لا، هؤلاء أبطال وهؤلاء ليسوا مطبّعين وهؤلاء يجب أن نقف إلى جانبهم ويجب أن ندعمهم في المحافل كافة.

غسان الشامي: وأين هم الآن ممّا يحصل؟

طارق خوري: نرى تحرّكات. ثمة تحرّكات، لكنها أصعب من أراضي الـ67 أو الأراضي المحتلّة عام 1967، لكن ثمة تحرّكات كثيرة في يافا، في حيفا. نرى تحرّكات لكن ليس بالشكل المطلوب وليس كما نريد. لكن برأيي كل شيء سيسير. هذه كرة من الثلج ستجرّ معها، ستبدأ بقوّة وسترى كلّ الشارع الفلسطيني، كلّ المدن والقرى الفلسطينية ستراها في هذه الانتفاضة وفي هذه الثورة.

غسان الشامي: في الانتفاضات السابقة كان هناك شعراء وأدباء ونخب وكتابات. هل هذا موجود الآن برأيك؟

طارق خوري: شعراء المقاومة وشعراء القضية الفلسطينية الذين كانوا والذين تربّينا عليهم منذ الصغر، للأسف لم يبقَ منهم أحد. نحن نقول إنّ الشاعر الذي يموت، للأسف لا يأتي بدلاً منه. الآن لو أردت أن تعدّد اسم شاعر أو اثنين أو ثلاثة أو خمسة، بالكاد تكملهم في حالتنا العربية المأساوية. الآن شعراء المقاومة، الشعراء الداعمون لقضيتنا هم قلّة. وأنا أرى، أنا أتابع بعض الشعراء يقومون، ونحن وحدنا الآن كشعب متحمّس، كشعب ملهوف لهذه القضية، وحدنا إذا لاحظت عبر مواقع التواصل الاجتماعي كلنا بدأنا ننشر كلام الشعراء حول القضية الفلسطينية وحول المقاومة وحول التحرير وحتى الأغنيات. وأذكر هنا الفنّانة جوليا بطرس المقاوِمة، كلنا الآن رجعنا نسمع أغنياتها من "وين الملايين" إلى "قاوم"، حالة نرجع إليها.

غسان الشامي: أنا سألت لأتكلّم على النخب فعلا، ألّا تتحوّل المسألة الفلسطينية إلى شعر وغناء، أن تتحوّل إلى نموذج إبراهيم أبو ثريّا. شكرا سيدي.

أعزّائي، إنّ علم فلسطين بيد إبراهيم أبو ثريّا وشارة النصر المرفوعة باليد الأخرى لحظة استشهاده يدفعان بكل مَن لا يزال يحمل ذرّة من الشرف والكبرياء والعزّة والحق الإنساني أن يتحرّك من أجل فلسطين وشعبها الذي لم يستطع بؤس التاريخ ليّ عنقه وإرادته وبتر قدميه. ولا يزال الكثيرون منه يتابعون السير شامخين.

نشكر النائب طارق خوري على حضوره في "أجراس المشرق"، وزملائي في البرنامج وقناة الميادين على جهودهم.

وأنتم أعزّائي نشكركم على المتابعة.

النصر والزيتون والسلام لفلسطين.

وسلام عليكم وسلام لكم.