محمود جبريل يكشف خيوط المؤامرة على ليبيا

 

سامي كليب: أهلاً بكم أعزّائي المُشاهدين إلى هذه الحلقة الجديدة من برنامج "لعبة الأمم" عبر قناة "الميادين". حين تدخّل حلف شمال الأطلسي عسكرياً في (ليبيا) لإسقاط نظام العقيد "مُعمّر القذّافي" وعَدَ الليبيين بالحريات، بالديمقراطيّة، بأنهار اللبن والعسل. بعد سبع سنوات على ذلك التدخُّل صار في (ليبيا) اليوم ألف وستمئة فصيل مُسلّح، فيها عشرون مليون قطعة سلاح، فيها حكومات تُقاتِل حكومات ومؤسسات تُحارِب مؤسسات وفيها حدود مُشرّعة للسلاح والإرهاب وجيشٌ يُقاتل الإرهاب في منطقة ويُقاتلونه في مناطق، وفيها نزعات انفصاليّة تقسيمية وفيها اقتتال ودمار وفِتَن وخسائِر بشرية ومادّية كبيرة، نذكُر منها فقط خسارة مئة وثمانين مليار دولار من قِطاع النفط وحده. يصمُت ضمير العالم عن واحدةٍ من أسوأ كوارث القرن ثمّ يصحو فجأةً ليُسلِّطَ الضوءَ على مأساةٍ إنسانيةٍ جديدة يتعرّض لها المُهاجرون الأفارِقة من (أفريقيا) في طريقهم إلى (ليبيا) أو على الأرض الليبيّة، فما المقصود؟ ولكيلا نبقى شهودَ زورٍ على دمارِ بلدٍ كان يُمكن أن يكون الأكثر رفاهيّةً ونموّاً بفضلِ ثرواته وقلّة سكّانه الذين يفوقون بقليل الستة ملايين نسمة. سوف نسأل في هذه الحلقة، هلّ ثمّة مؤامرة دوليّة وإقليمية جديدة فعليّة تُحاك ضدّ (ليبيا) لتحويلها فعلاً إلى وجهة الهِجرة الإفريقية بدلاً من الدول الأوروبيّة؟ هلّ تأخير الحلول السياسية وغضّ الطرف عن استمرار مُسلسل العُنف والدماء والدموع وتمرير الإرهابيين هو لتسهيل هذه المؤامرة ونهب ما بقي من مالٍ ليبي؟ ثمّ نعود في الذاكرة قليلاً لنسأل، هلّ تدخُّل الأطلسي ودُوَل عربية في (ليبيا) فعلاً كان لمُساعدتها أم لتصفية حساباتٍ مع "القذّافي" ونظامه؟ لماذا قُتِلَ القذّافي وتُرِكت (ليبيا) للمجهول؟ ما هو مُستقبلها السياسي والأمني؟ لماذا العجز عن تشكيل حكومة وِحدة وطنيّة والاتّفاق على دستورٍ وانتخابات وجيش وطني يفرِضُ سُلطته وينزع سلاح الميليشيات؟ ومن لا يزال حتّى اليوم يُغذّي هذه الميليشيات ولماذا؟ ما هو وما هي أدوار الجوار العربي من (مصر) إلى (تونس) فـ (الجزائِر)؟ ماذا كان دور (قطر) و(تركيا) في دعم الحركة الإسلامية؟ في هذه الحلقة من "لعبة الأُمم" سندُقُّ ناقوس الخطر ونفتح ملفّاتٍ كثيرة مع رئيس تحالُف القوى الوطنيّة ورئيس الوزراء الليبي السابق السيّد "محمود جبريل"، أهلاً وسهلاً بك أُستاذ "محمود جبريل"

محمود جبريل: أهلاً وسهلاً، أهلاً وسهلاً

المحور الأوّل:                            

سامي كليب: أهلاً وسهلاً بك سيّد "محمود جبريل" وأهلاً بضيوفي الكرام، وكما قدّمنا في هذه الحلقة هناكَ العديد من الأسئِلة حولَ بعض الملفّات ولكن أخطرها الآن ما يتعلّق بالمُهاجرين الأفارقة. العالم كلّه قام ضدّ المُمارسات التي تجري في (ليبيا) ضدّ أُناس تركوا بلادهم بسبب الفقر والجوع ولجأوا إلى دولةٍ أُخرى. حضرتكَ حسبما قرأت لك مؤخراً تقول، " إن ثمة مؤامرة أوروبيّة لتحويل (ليبيا) إلى وطنٍ بديل للمُهاجرين الأفارِقة". أُريد لو سمحت أن تشرح لنا ماهية هذه المؤامرة وكيف تجري

محمود جبريل: بسم الله الرحمن الرحيم. أولاً شكراً على الاستضافة أُستاذ "سامي"

سامي كليب: أهلاً بك

محمود جبريل: لو سمحت لي أبدأ أولاً، لأنّ (ليبيا) البارِحة واليوم تمرُّ في يومٍ حزين نتيجة هذا العمل الإرهابي الذي حدثَ في (بنغازي) ليلة البارِحة

سامي كليب: نعم

محمود جبريل: أنا أتقدَّم بالتعازي لأهالي الضحايا وأنا أتمنّى من الله سُبحانه وتعالى الشفاء العاجل للجرحى الذين طالتهم هذه المُصيبة. قضيّة ما سُميَ الهِجرة غير الشرعية، أولاً هناك خطأ قاتل يتعلّق في المُسمّى لأنّ ما يحدُث في (ليبيا) هو جريمة مُنظّمة عابِرة للحدود أركانها موجودون في عواصِم أفريقية وعلى الأرض الليبية وفي عواصم أوروبيّة، فهي جريمة مُنظّمة عابِرة للحدود وهذا ليس تعريفي أنا بل تعريف المكتب الإقليمي للأُمم المتّحدة لمُكافحة الجريمة والمُخدّرات، وبالتالي ما يُسيّس من وراء هذه الظاهِرة قد يُراد به مآرِب أُخرى غير عمليّة النظرة الإنسانية لهؤلاء الأفارِقة "الغلابة" الموجودين على الأرض الليبية الذين يُعانون الأمرّين في حقيقة الأمر

سامي كليب: صحيح. سيّد "محمود جبريل"، أُريد لو سمحت وآسف لمُقاطعتك، نُريد من دون قفّازات دبلوماسية كما عوّدتنا في الكثير من المقابلات، أنه لنقُل الأمور كما هي. من هي الدول التي تُخطِّط لهذه المؤامرة ضدّ (ليبيا)؟ بغضّ النظر، ونحن لا نستطيع أن نغُضّ النظر كثيراً عن مأساة يتعرّض لها الكثير من أهالينا في (أفريقيا) أيضاً في (ليبيا)  

محمود جبريل: هناك دُوَل تحدّثت صراحةً، رئيس وزراء (المجَر) في حديث تلفزيوني منشور وليس سرّياً تحدث بشكلٍ صريح وقال، " لمَ لا تكون (ليبيا) بلداً ووطناً بديلاً للأفارِقة بدلاً من هذه الهِجرة غير الشرعية؟". (إيطاليا) عندما تتعاقد مع قادة ميليشيات داخل (ليبيا) لإبقاء المُهاجرين الأفارِقة قسراً ورغماً عن إرادتهم داخِل الأرض الليبيّة مع معرِفتها المُسبقة بما تتعرَّض له (ليبيا) وما تمُرّ به من حرب أهليّة. أُستاذ "سامي" الدول الأوروبيّة من دون استثناء والولايات المُتّحدة تنصح وتُحذِّر رعاياها بعدم الذهاب إلى (ليبيا) لأنّها منطقة خطِرة، منطقة اقتتال وعُنف، منطِقة غير آمنة، بينما تفرِض على الأفارِقة قسراً البقاء داخل (ليبيا)

سامي كليب: حين تقول أُستاذ "جبريل"، حين تقول إنّ (إيطاليا) تتحالف مع ميليشيات في داخل (ليبيا)، أي تدفع لها أموالاً لكي حين تطرُد (إيطاليا) المُهاجرين الأفارِقة يذهبون إلى هناك، واليوم تحديداً هناك البعض قائِمة قائِمته إذا صحّ التعبير في (ليبيا) ضدّ الموقف الإيطالي من رفع القوّات المُسلّحة الإيطاليّة داخل (ليبيا). هلّ (إيطاليا) وحدها، وطالما ذكرت دول أوروبيّة أُخرى، من هي الدول الأُخرى المتورِّطة أيضاً في هذه القضيّة؟

محمود جبريل: هناك حديث عن (النمسا) ولكن ليست هناك دلائِل موثّقة. أنا أتحدّث عن وقائِع حقيقية وعن تصريحات حقيقية، وهناك مؤشرات أن هناك الكثير مما يدور داخل الكواليس ولكن لا أستطيع أن أُدلي بذلك بشكلٍ صريح لأنّه ليست لديّ براهين مؤكّدة في هذا الاتجاه. كلّ المؤشرات تدلّ أنّ هناك ترحيباً وأنّ هناك دفعاً لأن تكون هذه الأرض الليبيّة وطناً بديلاً للأفارِقة. هناك الآن أكثر من خمسة مُعسكرات اعتقال داخل الأرض الليبيّة فيها أكثر من سبعمئة ألف مُهاجر، وهناك ثلاث مسيرات للهجرة أحدها عن طريق (مالي) وعن طريق (الجزائِر) وآخر من (أغاديس) في (النيجر) يصل إلى (سبها) وثالث من (أديس أبابا) عبر (الخرطوم) إلى (طرابلس) وكلّها تصُبّ في إطار واحد، هؤلاء الأفارِقة يُحاولون الوصول إلى (أوروبا) لأنّ (ليبيا) دولة معبر وليست دولة مقصد. عندما يتمّ إبقاء هؤلاء الأفارِقة قسراً داخل الأرض الليبية، بعد فترة أُستاذ "سامي" سيكون هناك من منظور حقوق الإنسان مُطالبة بأنّ يكون لهم مدارِسهم وأن يكون لهم مُستشفيات وأن يكون لهم بيوتهم، وهكذا بدأت المُستوطنات الإسرائيلية كما تذكُر. فهذه خطوة أولى وبالتالي، التحذير لجيراننا العرب والتحذير لليبيين في أنه يجب مقاومة هذا الاتجاه. (ليبيا) طوال عُمرها كانت بلداً مضيافاً لأشقّائها الأفارقة ومن النادر أن تجد عاصمة أفريقية ليس فيها استثمارات ليبيّة داخل هذه الأرض. ما يتعرّض له الليبيون، نعم

سامي كليب: سيّد "محمود جبريل"، أوكي. الآن من جهة هناك كما تتفضّل بعض الدول التي ربما تُريد تحويل (ليبيا) إلى ذلك ولكن هذا لا يُبرِّر المُمارسات اللا إنسانية التي تحصل داخل (ليبيا)، هناك تعذيب لأُناس، بيع أُناس وفقَ ما رأينا عبر شاشة الـ "C.N.N.".  اليوم (السودان) يستدعي السفير الليبي ويُقدِّم اعتراضاً لأنّ الكثير من إخواننا السودانيين على ما يبدو تعذّبوا داخل (ليبيا). هذه الميليشيات، إذا كانت تريد أن تُحوِّل (ليبيا) إلى معقل من المُفتَرَض أن تُحسِن معاملتهم عملياً إذا كانت متورِّطة في مؤامرة مع الخارِج

محمود جبريل: ليست هناك سُلطة مركزيّة ليبيّة تبسط سيادتها على كلّ الأرض الليبية

سامي كليب: أوكي

محمود جبريل: الأوروبيون والأفارِقة يعرِفون جيداً أنّ (ليبيا) مُجتمع من دون دولة، أنّ الميليشيات هي القوّة الحقيقية على الأرض. السؤال أُستاذ "سامي"، لماذا تسمح الحكومات الأفريقية لرعاياها بعبور الحدود إلى الأرض الليبية مع معرِفتهم المُسبقة بالخطر الذي ينتظرهم داخل (ليبيا)، هذا الأمر الأوّل. الأمر الثاني، ما يتعرّض له الليبيون على يدّ إخوتهم الليبيين هو أكثر بكثير مما يتعرّض له الإخوة الأفارِقة على الأرض الليبية. (ليبيا) في حال حرب، حرب أهلية وبالتالي، حوالى ثلث السكان الليبيين من ذوي البشرة السوداء في الجنوب فكيف نعرِف إذا كان ما يتعرّض له هذا الشخص ذو البشرة السوداء؟ وهلّ هو ليبي أم لا؟ هناك، إلى البارحة، كانت هناك تفجيرات ضدّ الليبيين، القتلى والضحايا من الليبيين أضعاف مُضاعفة مما هو موجود لدى الأفارِقة، ولكن تسليط الضوء على الجانب الأفريقي وهذه المأساة الإنسانية في هذا الوقت، لماذا لا يُسلّط الضوء على الليبيين الذين حُرموا من ثروتهم ويموتون كلّ يوم؟ محرومون من ثرواتهم ويموتون أمام البنوك

سامي كليب: هلّ في رأيك سيّد "محمود جبريل" استمرار القتال وانتشار الميليشيات وعدم التوصّل إلى حلّ سياسي، عدم تسهيل العمل السياسي حتّى اليوم، أحد أهدافه هو إبقاء (ليبيا) مفتوحة أيضاً وغارِقة في الفوضى من أجل تحويلها إلى معقل للأفارِقة أو إلى دولةٍ للمُهاجرين الأفارِقة في رأيك؟

محمود جبريل: في عالم السياسة هذا احتمال لا يجب أن يُستَبعَد إطلاقاً، هذا أحد الاحتمالات. أولاً بدأ يُحصَر الإرهاب في بُقعةٍ مُحددة خصوصاً بعدما تعرّضت له "داعش" حين هزيمتها في (سوريا) وفي (العراق)، الكثير من هذه العناصر ذهبَ إلى الأرض الليبيّة. هناك حديث الآن عن أن بعضاً من هذه العناصر بدأ يتسرّب إلى أراضٍ أفريقية، وآخرها ما حدث في (غانا)

سامي كليب: نعم

محمود جبريل: (ليبيا)، إن لم يُعالَج هذا الأمر، ولو تحّولت هذه القارة السمراء إلى بؤرة للإرهاب فلن تستطيع قوّة على الأرض وقف المدّ الإرهابي، هذا هو الأمر الذي لم ننتبه إليه. قد تكون أطماعاً قريبة المدى لدى بعض الدول، يُحاولون علاج أمر فيُفسِدون أمراً أكبر وأخطر بكثير، هذا ما نُنبِّه إليه. قضيّة الهِجرة غير الشرعية يُمكن أن تُحلّ بطُرق أُخرى، بطُرق تنموية وليس بهذه الطريقة، على حساب آمال ومطامح ومُستقبل الليبيين

سامي كليب: بعض التصريحات ذكرت معاليك بعضها، والمنظمة الدوليّة للهِجرة تتحدث عن وفاة أكثر من ثلاثة آلاف ومئة وستة عشرَ مهاجراً أفريقياً في طريقهم إلى (ليبيا) في العام الماضي فقط، والمبعوث، وردني أنّ المبعوث السابق "مارتين كُبلير" كان قد أشار صراحةً في مجلِس الأمن إلى احتمال توطين المُهاجرين الأفارِقة في (ليبيا) لحلّ مُشكلة الهِجرة إلى (أوروبا). في الواقع أنا لم أتأكّد من هذا التصريح تماماً ولكن ورَدني اليوم، والسيّد "غسان سلامة" المبعوث الدولي إلى (ليبيا) قال في تقريره الأخير الموجود على موقع الأُمم المتّحدة، أنّ هناك حالة إنسانية تدعو للقلق الشديد وهي الوضع المأساوي الذي يُعاني منه العديد من المُهاجرين في (ليبيا) وقد رأيت ذلك بأُمّ عيني في الشهر المُنصرِم حين تفقّدت أحد مراكز الاحتجاز في مدينة (غريان). هذا يعني، في النهاية هناك تسليط ضوء دولي كبير على هذه المسألة عملياً

محمود جبريل: هذا كلام صحيح. أولاً هناك ثلاثة أشياء من اللازم أن نؤكِّدها أُستاذ "سامي"

سامي كليب: نعم

محمود جبريل: ما يتعرّض له الأفارِقة في مُعسكرات الاعتقال لا أحد يستطيع أن يُنكره؛ مُعاملة لا إنسانية ويتعرّضون إلى كلّ أنواع المُعاملة السيّئة التي يُمكن أن يتخايلها بشر، لا خلاف في ذلك. السؤال، لماذا سُمِحَ لهم بالقدوم إلى (ليبيا) مع المعرِفة المُسبقة بما تُمثله (ليبيا) من خطر؟ حتّى بالنسبة لأهلِها فما بالك من غير أهلِها. الأمر الثاني، صاحب الاختصاص في هذا الأمر هو المكتب الإقليمي لمُكافحة الجريمة والمُخدرات وليست بعثة الأُمم المتحدة. الأمر الثالث، ما صرّح به "مارتين كُبلير" هو تصرح صحيح وموجود ومُثبَت في مجلِس الأمن، وهذا يُدلِّل أكثر من الخوف أنّ هناك أمراً قد بُيِّتَ في ليل. عندما يُصرِّح مبعوث الأُمم المتحدة أنّ (ليبيا)، هذه الدولة مُتسِعة المساحة وقليلة السُكان فماذا لا ننظر إلى موضوع الهِجرة غير الشرعية من منظور استراتيجي؟

سامي كليب: إذاً معهم حق

محمود جبريل: هذا التصريح يحمِل في ثناياه، نعم؟

سامي كليب: إذا معهم حق بعض الليبيين حين يكونون حذرين من المبعوثين الدوليين أو من بعض موظّفي الأُمم المتّحدة هناك. إذا كان "كُبلير" الذي كان المبعوث الخاص يقول صراحةً أنهم سيحوّلون (ليبيا) إلى مكان لهِجرة الأفارِقة، هذا كلام خطير عملياً من الأُمم المتحدة

محمود جبريل: نعم، التصريح لم يكُن تصريحاً موفّقاً ونحن كحِزب أصدرنا بياناً واحتججنا على هذه البيان في ذلك الوقت

سامي كليب: سيِّد "محمود جبريل"، ذكرت في حديث سابق لكَ أنّ في (ليبيا) اليوم أكثر من ألف وستمئة ميليشيا مُسلّحة، هلّ في الأمر عجز محلّي؟ دولي؟ أم هذا أيضا جزء من مؤامرة ضدّ (ليبيا) بسبب المال ولنهب ما بقيَ من مال في (ليبيا)؟

محمود جبريل: يا سيّدي الفاضل، في سبتمبر/ أيلول 2011 كان هناك قرار من المكتب التنفيذي الذي رأسته في تلك الفترة بحلّ الميليشيات العسكرية، وكان هناك آنذاك ثماني عشرة مليشيا فقط في (طرابلس)، وللأسف أُلغيَ هذا القرار من المجلِس الانتقالي بسبب ضغط خارِجي لا أعلم مصدره، ولكن المجلِس الانتقالي يعلَم هذا المصدر جيِّداً، وكُلِّفت شخصيات أُخرى ثمّ بعد ذلك رُفِضت أو فُسِخت مذكّرة التفاهُم التي وقّعتها مع الأُمم المتحدة والبنك الدولي في الإبقاء على تجميد الأموال الليبية وعدم التصرُّف فيها، فتمّ الإفراج عمّا يُقارِب من أكثر من مئة مليار دينار ليبي وانتشر تشكيل الميليشيات انتشارَ النار في الهشيم، ذلك لأنّ (ليبيا) ليس فيها اقتصاد الآن والاقتصاد هو اقتصاد ميليشياتي واقتصاد إرهاب بامتياز يقوم على تهريب البشر، تهريب السلاح، تهريب المُخدّرات، المُتاجرة وغسيل الأموال. هذا هو الاقتصاد الحقيقي، ثمّ ارتبطت هذه الدوائِر الميليشياتية ببعض دوائِر المُخابرات الأجنبية فأصبح هناك ارتباط حقيقي بين من يُهرِّب البشر ويُهرِّب الوقود ويُهرِّب البنزين من مثلاً (الزاوية) ومن (صبراتا) وأماكن أُخرى إلى (مالطا) وإلى (إيطاليا) لأنّ لهم شركاء على الأرض الأوروبية، فهذه جريمة دوليّة متكاملة الأركان. لكن أن توجّه أصابِع النهب إلى الليبيين فقط والقول أنّ (ليبيا) هي مصدر الخطر، لا، جانب الطلب موجود لديه على الأرض الأوروبية. أُوقِف جانب الطلب فلن يجد جانب العرض من يُصدِّر إليه هذا الوقود

سامي كليب: سيّد "محمود جبريل" أوكي. لو سمحت لي، طالما فتحنا موضوع الميليشيات، هذا يقودني إلى أُمور حصلت معكَ شخصياً حين كنت لا تزال رئيس المكتب التنفيذي في المجلِس الانتقالي. أذكُر أنّ حضرتك تلاسنت مع القطريين في (باريس)، تحديداً مع أمير (قطر) حين قاطعكَ في مؤتمر صحافي وأنت تقول أنّه يجب نزع سلاح الميليشيات. رفض ذلك عَرَض عليك أن تبقى رئيساً للوزراء ولكن ألاّ تكون لك أيّة علاقة بوزارتي الدفاع والداخلية وأنت رفضت. أولاً هلّ هذا صحيح؟

محمود جبريل: المؤتمر الصحافي كان مؤتمراً صحافياً عالمياً ومُعلَناً، هذا ليس سرّاً يُكشَف لأنه كان منقولاً على الهواء مُباشرةً وكان التاريخ الأول من سبتمبر/ أيلول 2011. كنّا نتحدّث عن خطّة لنزع سلاح المُسلّحين في ذلك الوقت وكيفية إدماجهم في وظائِف وبدائِل متعدّدة، وقوطِعت من قِبَل أمير (قطر) بأن "الثوار لا يلقون السلاح أبداً". فكانت هذه في الحقيقة بداية إعطاء الضوء الأخضر لمزيد من التسليح لهؤلاء الشباب

سامي كليب: حسناً، لماذا آنذاك أمير (قطر) رفض نزع سلاح الميليشيات؟

محمود جبريل: أولاً أُستاذ "سامي هذا الآن تاريخ، لكن أنت تبحث عن أسباب مشكلة حالية وجذورها كيف بدأت. الحقيقة بداية هذه الانتفاضة في السابع عشر من فبراير / شباط 2011 لمدة شهر وأربعة أيام. لحد التاسع عشر من مارس/ آذار، من الخامس عشر من فبراير إلى التاسع عشر من مارِس 2011 كانت انتفاضة ليبيّة مئة في المئة. لم يكن هناك مُجتمع دولي ولم يكن هناك تدخُّل عسكري من المُجتمع الدولي الذي اختُصِر في ما بعد في "الناتو"، لأنّ الذي تدخّلَ أُستاذ "سامي" سبع وأربعون دولة و"الناتو" ثماني وعشرون دولة، ولكن إعلام النظام بدأ يصوِّب منذ ذلك الوقت على أنه تدخّل من “الناتو، لا، التدخّل كان من سبع وأربعين دولة. عموماً لحد يوم التاسع عشر من مارس/ آذار لم يكن هناك أيّ تدخُّل خارجي، كانت انتفاضة ليبية وفي أغلبها سلمية ودُفِعَ هؤلاء الشباب لحمل السلاح دفاعاً عن أنفسهم. شهر وأربعة أيام كان الشرق بالكامل، من (مساعد) إلى (جدابية) خارِج سيطرة النظام، ثمّ (مِصراته) ثمّ (الزاوية) ثمّ (زنتان) ثمّ (الرجبان) وبعض مُدن جبل (نَفوسة) هذه كلّها كانت خارِج نطاق سيطرة النظام قبل أن يتدخّل المُجتمع الدولي. للأسف، هذا الأمر يغُضّ الكثيرون الطرف عنه. إذا كانت فعلاً هذه مؤامرة، المؤامرة بدأت بعد يوم التاسع عشر من مارس/ آذار إذا كانت هذه مؤامرة كونها تدخّلت دول أجنبيّة، نحن اكتشفنا في ما بعد أنّ هذه الدول لم تتدخّل حمايةً لليبيين كما ادّعت وإنما تدخّلت لتصفية حسابات مع "القذّافي"

سامي كليب: بالضبط. هذا سيّد "محمود جبريل" الذي سنتوقف عنده بعد الفاصل، لأن المجتمع الدولي تدخّل، تدخّل حلف شمال الأطلسي بناءً على توصية من مجلِس التعاون الخليجي وتبنّت التوصية جامعة الدول العربية وتدخّل الأطلسي بعد شهر من بدء المعارِك في (ليبيا)

محمود جبريل: نعم

سامي كليب: ولكن هلّ تدخّل من أجل الليبيين أم لتصفية حسابات؟ وما هي الحسابات التي تمّت تصفيتها؟ ولماذا قُتِلَ العقيد "مُعمَّر القذّافي"؟ إضافةً إلى الحلول السياسية المطروحة الآن. كلّ ذلك سنُناقشه بعد موجز للأنباء أعزّائي المُشاهدين، ابقوا معنا إن وجدتم هذه الحلقة مُفيدة لكم

المحور الثاني:

سامي كليب: أهلاً بكم مُجدداً أعزّائي المُشاهدين لمواصلة هذه الحلقة من "لعبة الأُمم" نتحدّث فيها عن (ليبيا) في الداخل و(ليبيا) في الخارِج، هلّ ما تتعرّض له (ليبيا) اليوم هو نتاج مؤامرة فعليّة خارجية رُسِمت خطوطها منذ تدخّل حلف شمال الأطلسي أم هناك أسباباً أُخرى؟ يُسعدني أن أعود وأُرحِّب بالسيّد "محمود جبريل" وهو رئيس تحالُف القوى الوطنية ورئيس الوزراء الليبي السابق ورئيس المكتب التنفيذي سابقاً في المجلِس الانتقالي. سيِّد "محمود جبريل"، كنّا بدأنا الحديث عن حلّ الميليشيات وهلّ (قطر) كانت تُريد أو لا تُريد هذه الميليشيات؟ سأعود إلى هذه القضيّة لأنّه مهمّة أدوار الدول العربيّة مذ ذاك حتّى اليوم. ولكن، طالما حضرتكَ ختمت قبل الموجز بالحديث عن أنّ حلف شمال الأطلسي تدخَّل ليس لأجل الليبيين وإنما لتصفية حسابات مع العقيد "معمَّر القذّافي". نُشير إلى ما نشره مجلِس العموم البريطاني في الرابع عشر من أيلول/ سبتمبر، تقرير خطير حولَ ما وُصِفت بكذبة (ليبيا) واستندَ إلى العديد من الوثائِق وجلسات الاستماع مفادها التالي:

- أولاّ، إن رئيس الوزراء البريطاني "ديفيد كاميرون" تبِعَ على نحوٍ أعمى رغبة الرئيس الفرنسي "نيكولا ساركوزي" في شنّ الحرب

- إنّ التدخّل العسكري لإسقاط العقيد "القذّافي" استنَدَ إلى معلومات خاطِئة، وأن الذريعة الأولى التي ساقتها (أميركا) و(فرنسا) و(بريطانيا) لتبرير اجتياح (ليبيا) والمتعلِّقة بالقلق من أن يقتل "القذّافي" مدنيين فيها الكثير من المغالاة

- جرى غضّ الطرف عن وجود الكثير من العناصر المُتطرِّفة بين المتمرّدين

سامي كليب: الكلام لك سيّد "محمود جبريل"

محمود جبريل: قضيّة وجود عناصر مُتطرِّفة داخل الجبهات أو داخل الثوار، هذا الأمر لم يبدأ في الظهور إلّا تقريباً في أواخِر أبريل/ نيسان - بداية مايو/ أيار، وكان هناك جلسة مع الأخّ "مصطفى عبد الجليل" الذي كان يرأس المجلِس الوطني الانتقالي لأنني كنت وزملائي نتنقّل في عواصم وكنّا أحياناً نُسأل هذا السؤال فننفي وجود هذه العناصر. لماذا؟ لأنّ مصدرنا كان السيّد "مُصطفى عبد الجليل" الذي كان ينفي بشدّة وجود هذه العناصر وأنّ هذه كانت دعاية من إعلام "مُعمّر القذّافي" إلى أن كانت جلسة داخل المجلِس الانتقالي تقريباً في بداية مايو/ أيار وذُكِر هذا الأمر، فهؤلاء هم حوالى ثمانية عشر عنصراً وأنا أعرِفهم بالإسم وأنا ضمنتهم لأنني كنت وزير العدل. كانت هذه في الحقيقة المرّة الأولى التي نعرِف أنّ هناك بعض العناصر المُتطرِّفة داخل الجبهات. السؤال أُستاذ "سامي"، المُجتمع الدولي معرِفته بهذه الانتفاضة، في الشهور الأولى لم يكن لديهم معرِفة بمن هو وراء هذه الانتفاضة لأنّها لو كانت مؤامرة فعلاً لا يسألون السؤال. أنا في أوّل لقاء بيني وبين "هيلاري كلينتون" كانت تقول لي، "من أنتم"؟ ما هي تركيبة المجلِس الوطني الانتقالي؟ أنا أدّعي أنه كان هناك مُخطط لتمكين الإسلام السياسي الذي سُميَ المُعتدِل بالذات من "الإخوان المسلمين" للحكم ولإمكانية احتواء التطرّف لأنّ (أميركا) جرّبت مُحاربة التطرُّف في (أفغانستان) وفي (العراق) بالقوّة المُسلّحة وفشلت، فكان هناك نصيحة من "راند كوربوريشن" تحديداً وهي Think Tank Center معروف مفادها أنه ربما أن تتحوّلوا من استراتيجية المواجهة إلى استراتيجية الاحتواء، فكان هناك دعم وكان هناك توجّه لتمكين الإخوان المسلمين من أن يُمكّنوا في الحُكم في بعض الأنظمة العربية. تمكّنوا من الحُكم في (مصر) وتمكّنوا من (تونس) وبقيت (ليبيا). (ليبيا) لو تمكّنوا منها لكانت هي بيت مال المُسلمين الذي يموِّل المشروع. في (ليبيا) لم ينجحوا في الانتخابات وبالتالي هنا بدأت عمليّة فرض هذا الأمر بالقوّة، أُقصي تحالف القوى الوطنية من الحُكم بالقوة رغم أنه هو الذي فاز شعبياً في الانتخابات، ثمّ أُقصيت الحكومة الشرعية ومجلِس النواب بفوز التيار المدني مرّة أُخرى في يونيو/ حزيران 2014 وطُردت الحكومة من (طرابلس). للتذكير يا أُستاذ "سامي" عندما حدث نفس الشيء في (صنعاء) والحوثيون طردوا الحكومة الشرعية من داخل (صنعاء)، خرج علينا مجلِس الأمن في جلسة عاجلة يُطالب بعودة وضرورة عودة الحكومة الشرعية (صنعاء) وانطلقت "عاصفة الحزم" العسكرية لاسترجاع الحكومة الشرعية إلى (صنعاء). في (ليبيا) قالوا لا، القضيّة قضيّة توافُق من اللازم اقتسام السُلطة

سامي كليب: سيّد "محمود جبريل"، أنا سأعتمِد على صراحتك وسأكون صريحاً أيضاً معك في الأسئِلة. حضرتك تقول الآن أنّ المُجتمع الغربي لم يكن يعرِف من الذين يقومون بالانتفاضة ضدّ العقيد "معمّر القذّافي" وإنّهم كانوا يُريدون تنصيب "الإخوان المُسلمين" وأنتم لا تعرِفون أنّه كان يوجد متطرِّفون في التحرُّك الذي حصل. عملياً، إمّا غُرِّرَ بكم أو أنتم غرّرتم بالليبيين ووصلنا بـ (ليبيا) إلى ما وصلنا إليه عملياً. أنا لا أعرِف كيف أُناس تتحرّك على الأرض ولا تعرِف أُفقها الدولي، لا تعرِف ما هو في الداخل ونصِل إلى ألف وستمئة ميليشيا اليوم

محمود جبريل: لا أُستاذ "سامي". أولاً الانتفاضة كانت عملاً تلقائياً وليست عملاً مُخططاً. هذا لم يكن مشروعاً انقلابياً مثل الانقلابات التي حدثت في الخمسينات والستّينات وحتّى في سبعينات القرن الماضي، هذه انتفاضة تلقائية في أغلب الدول العربية نتيجة الأحوال المعيشية القاتِلة. البطالة في (ليبيا) عندما قامت الانتفاضة أُستاذ "سامي" كانت 33 % في بلد نفطي المفترض أن تعداده ستة ملايين فقط، بمعنى تكفيه ثروته وتفيض بعشرات الأضعاف

سامي كليب: لكن دفع ثمن موقفه السياسي، العقيد "القذّافي" دفعَ ثمن موقفه السياسي. تحدّى الغرب، وقف ضدّ (إسرائيل)، دعم الحركات الوطنيّة، دعم الفلسطينيين عملياً. نعم تفضل

محمود جبريل: أنا قد أختلف سيّد "سامي". شوف، الدول التي قامت فيها انتفاضات كانت سمناً على عسل مع الدول الغربية ومع مُخابراتها تحديداً. العقيد "مُعمّر القذّافي" مخابراته كانت أكثر المُخابرات التي أعطت معلومات عن "القاعِدة" وعن "أُسامة بن لادن" تحديداً. من بعد نهاية التسعينات وبداية، نعم؟

سامي كليب: كيف تعرِف حضرتك؟

محمود جبريل: الأمر معروف، مُسجّلة زيارات الأخ "عبد الله السروسي" و "موسى كوسا" إلى (لندن) بحقائِبهم وجلساتهم في أثناء موضوع "لوكربي"، أُعطيَت كلّ الملفّات وكلّ المعلومات

سامي كليب: ضدّ الإرهاب

محمود جبريل: كان هناك تعاون استخباراتي حقيقي ضدّ الإرهاب

سامي كليب: ممتاز

محمود جبريل: لا تُفرِّط الولايات المتحدة، "حسني مُبارك" كان حليفاً قوياً للولايات المتحدة، "زين العابدين بن علي" كان حليفاً قوياً للولايات المتحدة، "علي عبد الله صالِح" كان حليفاً قوياً للولايات المتحدة، لكن القضيّة كانت ماذا؟ بدأ هناك توريث والحديث عن التوريث، البطالة استشرت، كانت بوادر ظهور جيل جديد يُنادي بالتغيير ويُنادي بحياة أفضل فكانت المُطالبة، إمّل أن تستجيبوا وإمّا أن تتغيّروا"، تفضل

سامي كليب: سيّد "محمود جبريل" صراحةً أنتَ تُصدِّق أنّ هذه هي الأسباب؟ هناك توريث في (السعودية) فلماذا لم يحصل نفس الشيء؟ هلّ التوريث هو المُشكِلة؟

محمود جبريل: لا، أنا أضع جملة أسباب جعلت المواطن يتدخّل وليس الغرب. الغرب لا يهمّه لا توريث ولا تهمّه ديمقراطيّة ولا يهمه شيء، أتّفق معك تماماً. أنا أتحدّث عن المواطن البسيط الذي لديه من الثروات ما يكفي أن يعيش مُرفّهاً داخل أرضِه مُعززاً مُكرّماً ورغم ذلك هو محروم من السكن ومحروم من الوظيفة. يا سيّدي الفاضل متوسِّط سنّ زواج البنت، أنا كنت في مجلِس التخطيط في (ليبيا)، في (ليبيا) وصل إلى 39 سنة، لأوّل مرة يحصل في تاريخ (ليبيا) هذا الأمر

سامي كليب: أوكي، لكي نعود إلى الوقائِع هي مُهمّة لأنّ هذه أوّل إطلالة لكَ في البرنامج والناس تريد أن تعرِف منكَ أكثر. دعنا نعود قليلاً إلى دور الدول العربية لأنّ هذا مهم. إذا كان الأطلسي تآمر على دول فلنسأل عن الدول العربية. قلت في حديثٍ سابق حضرتك لصحيفة "الحياة" أنّ (الدوحة) سعت منذ البداية إلى تنصيب "عبد الحكيم بلحاج" وهو الأمير السابق للجماعة الإسلامية المُقاتلة رغم أنّه اليوم صار شخصاً آخر وأنا قرأت آخر مُقابلة له مع "جونا فريك" وهو يتحدث بعصرية وحداثة وما إلى ذلك، لم يعُد له أيّة علاقة بتاريخه. تقول حضرتك إنّ (الدوحة) سعَت منذ البداية إلى تنصيب "عبد الحكيم بلحاج" قائِداً لثوّار (ليبيا) وأنّ الشيخ "حمد بن خليفة آل ثاني" أمير (قطر) السابق عارَضَ علناً جمع السلاح من أيدي الثوّار، وهناك شخصان داخل (قطر) يُمسكان بالملفّ الليبي هما وليّ العهد السابق الأمير الحالي الشيخ "تميم" الذي أصبح أميراً وكان دوره الإشراف العام، أمّا العمل الميداني داخل (ليبيا) فكان من مسؤوليّة رئيس الأركان في الجيش القطري "حمد العطيّة". تقول علناً سيّد "محمود جبريل" إنّ أمير (قطر) عارضَ جمع السلاح من أيدي الثوار عملياً

محمود جبريل: نعم. نحن تحدّثنا في هذا اُستاذ "سامي"، هذه جذور القصة. نحن نتحدث عن سبتمبر/ أيلول 2011، في البدايات. كان هناك توجُّه لتمكين تيّار الإسلام السياسي من الحُكم، كان هناك توجُّه في هذا الشكل. أنا أتحدث عن بدايات هذه الانتفاضة، هذه الانتفاضة قام بها شباب أنقياء والإسلام السياسي لم ينضمّ للانتفاضات يا أُستاذ "سامي" سواء في (مصر) أو في (ليبيا) أو في (تونس) إلّا بعد أُسبوع من قيامها، عندما عرِفوا ألا قيادة لها ولا مشروع لها ولا تنظيم لها، فكانت فُرصة سانِحة للمشروع الذي خُطِّط له أن يبدأ تنفيذه

سامي كليب: سيّد "محمود جبريل"، الذي لفتني أنّ حضرتك حين تتحدّث هكذا عن (قطر)، و(قطر) معروف أنه كانت علاقتك فيها مُمتازة واستضافتك وعمِلت مع القطريين ودرّبت في قناة "الجزيرة" وحتّى أنت من مُدرّبي السيّد "وضّاح خنفر" أيضاً وعمِلت سابقاً في تدريب الكوادر الإداريّة وما إلى ذلك. هلّ مع الوقت شعرت أنّ (قطر) هي ضدّ (ليبيا)؟ ضدّ الاستقرار في (ليبيا) وانسحبت؟ أم لأنّك هُمِّشت بسبب تقديم "الإخوان المُسلمين" عليك وعلى الآخرين من الليبراليين؟

محمود جبريل: لا يا سيّدي، نحن نتحدث عن مراحل مُختلِفة. عندما أعدت هيكلة قناة "الجزيرة" ودرّبت قيادات قناة "الجزيرة" كانت العلاقات بين النظام الليبي والنظام القطري من أفضل العلاقات المُمكنة سواء على مُستوى الأُسر الحاكمة في البلدين أو على مستوى الأنظِمة والمسؤولين. العلاقات كانت سمناً على عسل ولم يكن هناك عداء ولم تكن هناك مؤامرات، هذا الأمر لم يحدث. في ذلك الوقت أنا كنت أعمل استشارياً وأُقدِّم خدمات الاستشارات الإدارية لكلّ الدول العربية ومن ضمنها كانت (قطر). لكن المرحلة الأُخرى التي هي مرحلة الانتفاضة، (قطر) قدّمت لي المكان الآمن لأننا كنّا مُطاردين من النظام في الأشهُر الأولى

سامي كليب: صحيح

محمود جبريل: فـ (قطر) قدّمت، لكن عندما بدأت الملامِح تتضِح أنّ هناك مشروعاً و أن هناك دعماً لتيار مُعيّن وهناك توجُّه مُعيّن للاستيلاء أو لاحتواء هذه الانتفاضة والسير بها في اتجاه مُعيّن. بدأت القصة تتضِح أكثر بعد الاختلافات الحادة التي حصلت بيني وبين بعض المسؤولين القطريين. الذي حدث فِعلاً أنّ طائِرتي التي كانت قادمة من (عمّان) وتحطّ في (الدوحة) مُنِعَت ثلاث مرّات من الهبوط في مطار (الدوحة)

سامي كليب: أوكي

محمود جبريل: في اليوم التالي وضّبت أغراضي وغادرت (الدوحة). فالقضية ليست أنني اكتشفت فجأة أنّ (الدوحة) إلى آخره، لا كان هناك توجُّه مُعيّن أنا غير راضٍ عنه وبالتالي لا أستطيع أن أكون في مكانٍ يسير في اتجاه أنا أراه ضدّ مصلحة بلدي وأن أكون في نفس المكان

سامي كليب: حسناً. غير (قطر)، مَن الذي دعم من الدول العربية "الإخوان المسلمين"؟ لأنه طبعاً هناك حديث منك ومن الآخرين عن (تركيا) غير الدول العربية ولكن من الدول العربية غير (قطر)، هلّ كان هناك دعم لجماعة الإخوان المُسلمين في (ليبيا) غير قطري؟

محمود جبريل: لا أعلم إذا كان هناك دعم آخر من دُوَل عربية أُخرى لكن (تركيا) من الدول التي دعمتهم فعلاً ولا زالت

سامي كليب: على كلّ حال، الناطق باسم السيّد "خليفة حفتر" جدّد قبل أيام الاتهامات لـ (تركيا) بالتدخُّل وبأنها وضعت (ليبيا) في موضِع الضعيف ضدّ الإرهاب كما يقول، ونعرِف نحن أنّ التفجيرات التي حصلت في (بنغازي) تستهدِف أيضاً قيادة الفريق "حفتر". حضرتك مؤيِّد له حسبما أفهم من تصريحاتك

محمود جبريل: للأسف، دائِماً الأُمور تُطرَح بشكلٍ شخصي أُستاذ "سامي". نحن في تحالُف القوى الوطنية حتّى قبل أن تنطلِق عملية الكرامة كنّا ننادي وبقوة أنّ الخطوة الأولى هي بناء جيش وطني. لماذا حصلت خلافات بيني وبين (قطر) أصلاً؟ لأنها كانت على هذا الأمر. أنا أتحدث عن إنشاء جيش وطني وعدم قيام شيء اسمه الحرس الوطني وفكّ أو نزع سلاح المُسلّحين أو الميليشيات وكان هناك توجُّه آخر مدعوم من (قطر) بعدم قيام هذا الجيش ووجود حرس وطني واستمرار هذا التسلُّح الذي نراه اليوم. فمن دون المُناداة بجيش وطني يحمي البلاد لا حديث عن سيادة أيّة دولة على الأرض. أمّا قضيّة من يقود هذا الجيش فهذه قضية داخليّة تحددها الجهة الشرعية التي هي البرلمان وقد أخذت قرارها ونحن في عهد الشرعية

سامي كليب: سيّد "محمود جبريل"، حضرتك شاطر جداً في الإجابات وتُجيب كما تريد وهذا شغلك، ولكن سأُكرّر السؤال. هلّ حضرتك كقيادي ليبي مؤيِّد للفريق "خليفة حفتر" في ما يقوم به خصوصاً أنه قال مؤخراً أنه يؤيِّد الانتخابات ولكن إن لم تسِر الانتخابات فليتولّى الجيش قيادة البلاد عملياً 

محمود جبريل: لا شوف، قضيّة الانتخابات أنا أؤيِّد ما قاله السيّد "غسّان سلامة". الانتخابات لها شروطها وعندما تكون هذه الشروط موجودة نحن نؤيِّد الانتخابات كتحالُف قوى، هذه قضية الانتخابات 

سامي كليب: سنعود إلى "غسّان سلامة" ولكن موقفك من "خليفة حفتر"

محمود جبريل: موقفي من أية ناحية

سامي كليب: هلّ تؤيِّد "خليفة حفتر"؟     

محمود جبريل: في أيّ اتجاه؟ في مُحاربة الإرهاب نعم، أؤيّده في أيّ اتجاه. إذا كانت مُحاربة الجيش للإرهاب نعم، نحن مع هذا الموقف وبقوّة

سامي كليب: أوكي. سيّد "محمود جبريل"، أيضاً هناك قضيّة شغَلت العالم في لحظة مُعيّنة وانطفأت، رئيس المؤسسة طبعاً الوطنية للنفط الليبي المُهندس "مُصطفى صنع الله" يقول إنّ قطاع النفط خسِرَ أكثر من مئة وثمانين مليار دولار لكن اللافت أنّ كلّ مُنشآت النفط وأنابيبها محميّة الآن. القضية التي شغلت العالم في إطار النفط كانت وزير النفط السابق "شُكري غانم" الذي قيل حسب الرواية الرسمية أنه انتحر في النهر في (فيينا)، ويبدو أنّ كثيرين لا يُصدِّقون هذه الرواية وأعتقد أنّ حضرتك لا تُصدِّق أيضاً

محمود جبريل: أنا أتمنّى في هذا الأمر، التحقيقات التي أجرتها (النمسا) لا بدّ من أن تظهر للعلَن لأنّ أهل الفقيد من حقّهم أن يعرفوا ماذا حدث، الليبيون من حقهم أن يعرِفوا ماذا حدث خصوصاً أنه ظهرت هناك بعض الشائعات عن أنّ هناك أموالاً وأن بعض الشركات كانت متورّطة في صفقات وأنها كانت وراء عمليّة الاغتيال. هذا الأمر لا بدّ من أن يُكشَف وبالتالي أنا أتمنّى فعلاً من السُلطة الليبية القائِمة أيّاً كانت شرعيتها أن تتقدّم بطلب حقيقي للإنتربول ليطلب من الحكومة النمساوية كشف حقيقة هذا الأمر. النائِب العام الليبي يطلب من الحكومة النمساوية ومن السُلطات النمساوية أن تُشرِكه في هذه التحقيقات لأنّ الذي مات مواطناً ليبياً في النهاية

سامي كليب: وضعت الإصبع على الجرح الحقيقي. لماذا حتّى الآن السلطات الليبية، مهما كانت هذه السُلطة وسواء كانت لها سلطة على الأرض أم لا، لكن هناك حكومة شرعية، حكومتان على الأقل. لماذا لم يتمّ الطلب فعلياً التحقيق الجدّي في مقتل وزير نفط كان يمتلِك الكثير من الأسرار والمعلومات وربّما اغتيل

محمود جبريل: نعم، هذا مطلب مُلِحّ ويجب أن يتِمّ للحقيقة

سامي كليب: لماذا لم يتِمّ؟ في رأيك على ماذا يُغطّون؟

محمود جبريل: لا أعلَم. الحقيقة، ليست هناك سُلطة حقيقة على الأرض يا أُستاذ "سامي". أنا كنت أتحدّث مع مجموعة مسؤولين أوروبيين الأُسبوع الماضي. للأسف، أعطني دقيقة واحدة في هذه الفِكرة

سامي كليب: تفضّل

محمود جبريل: حدثت تغيّرات كونيّة كثيرة جداً منذ منتصف الثمانينات، سمِّها العولمة، ظهور مُجتمع معرِفة، أياً كانت، طالت الاقتصاد وطالت الاتصالات وطالت الإعلام وطالت الثقافة ولكنّها لم تطل السياسة. السياسة لا زالت تُمارَس بأساليب ما قبل الحرب العالمية الثانية، هذه الهوّة خطيرة لأن لاعبين جدداً ظهروا على الساحة من أفراد ومجموعات إرهابية، هذه المجموعات من اللاعبين الجُدد غير موجودة لا في القانون الدولي ولا في ميثاق الأُمم المتحدة وبالتالي هناك خطورة حقيقية. فالدول الأوروبية عندما اقتربت من الحال الليبية لم تكُن هناك دولة فافترَضت أنّ هناك دولة وابتدأت تتحدّث مع هياكِل ضعيفة من أضعف ما هو موجود على الأرض بينما الأقوياء هم الميليشيات، هم شيوخ القبائِل، هم بعض التيارات السياسية وأخذت تتحدّث مع حكومات هشّة لأنها اعتادت في ممارستها للعمل السياسي أن تتحدّث مع الحكومات وهذا مكمن الخطر. وبالتالي حتّى عندما جاء "برناردينو" بدأ يتحدث عن اقتسام السُلطة، أقام هيكلاً لدولة غير موجودة وبدأ يُقسِّم بين أطراف عديدة. سيتكرّر هذا الفشل مرّة واثنين وثلاثة، لماذا؟ لأننا لم نضع أيدينا على توازن القوى الحقيقي على الأرض وعلى اللاعبين الفعليين على الأرض

سامي كليب: سيتكرّر حتّى مع شخص عنده خبرة كبيرة مثل "غسّان سلامة" المبعوث الدولي الآن؟

محمود جبريل: "غسّان سلامة" تشخيصه حقيقي وصائِب لأنه عالج الأمور من ثلاث زوايا. واحِد، بدأ يقترِب من توازن القوى الحقيقي على الأرض باقترابه من اللاعبين المؤثِّرين. اثنان، افتراضه وتشخيصه أن مشكلة (ليبيا) عدم وجود دولة وليست اقتسام سُلطة دولة غير موجودة

سامي كليب: صحيح

محمود جبريل: ثلاثة، أنّ الصراع في (ليبيا) هو صراع على المال وليس صراعاً سياسياً. والأشياء الثلاثة هي حقيقية ونحن نتّفِق معه. "غسّان" للأسف، أنا أعتقد أنّه يتعرّض لبعض الضغوط التي لن تمكّنه في الاستمرار في خطته كما هو يُريد

سامي كليب: من قِبَل مَن؟

محمود جبريل: ضغوط من بعض الدول، من بعض الدول

سامي كليب: مَن؟

محمود جبريل: أرى مثلاً، أنا لا أستطيع أن أؤكِّد أيّة دولة بالضبط لكن المؤشِّرات تدُلّ أنّه كان هناك توجُّه إلى مؤتمَر جامِع يُعقد في فبراير/ شباط، والآن بدأ الحديث عن أنّ هذا المؤتمر أُجِّلَ وتحدثوا في أن يضعوا عوضاً عنه ماذا؟ حكومة وِحدة وطنية. حكومة وِحدة وطنية، كنت أتمنّى أن يكون التوجُّه أن تكون هذه الحكومة حكومة تكنوقراط، حكومة أزمة مع برنامج عمل مُحدّد يُخرِج البلد من أزمتها العاجلة

سامي كليب: ولكن من الذي يضغط سيّد "محمود جبريل"؟ لا أريد أن نتحدّث فقط بالدبلوماسية، حضرتك قيادي ليبي والناس تستمع إليك. مَن هي الدول؟

محمود جبريل: لا، ليست دبلوماسية. أنا لو أعلَم علم اليقين لذكَرت لكن أنا معلوماتي أنّ هناك بعض الدول تدفع مثلاً لإبقاء السيّد "السرّاج" رئيساً للمجلِس الرئاسي، رئيساً للحكومة

سامي كليب: لأنه هو طرح الآن تعديل الحكومة

محمود جبريل: أنا لست ضدّ السيّد "السرّاج"

سامي كليب: السيّد "السراّج" طرح تعديل الحكومة عملياً، ربما للبقاء رئيساً للحكومة

محمود جبريل: عندما يطرَح تعديل الحكومة، الآن عندنا عدد محدود من الوزراء، الآن الحديث عن حكومة موسّعة من ثلاثين إلى خمس وثلاثين إذا كانت هذه الشائِعات حقيقية. الهدف الحقيقي هو إرضاء أكبر عدد مُمكن من أعضاء مجلِس النواب في صفقات فرديّة، هذا من الجنوب، هذا من الشرق، هذا من الوسط، هذا أُعطيه منصب وزير وذاك منصب وكيل وزارة. يا سيّدي إذا كنّا نحن في عدد محدود من الوزراء وحصل هذا الإهدار للمال العام وهذا النزيف، عندما يزداد عدد الوزراء ماذا يتبقّى من مال لليبيين؟ أنا وجهة نظري، إذا كان فعلاً هناك توجُّه أن يستمرّ السيّد "السرّاج" في هذه الحكومة أن يبدأ بخطة عمل حقيقية لإخراجنا من هذه المُصيبة. يتمّ التوافق عليها وبعده يأتي بمن يأتي، لكن نحن نتحدث عمّن؟ ونُهمِل خطة العمل؟ هذا معناه أنّ القضية قضيّة صفقات وإرضاء لأشخاص عديدين. هناك خطورة يا أُستاذ "سامي" وأنا أُحذِّر على شاشتكم الموقّرة أنه لو حدث هذا الأمر، إرضاء بعض الأطراف في المشهد، قد يحدُث انشقاق حقيقي. هذا الانشقاق قد يُهدِّد ليس خارِطة الطريق فقط بل قد يُهدِّد مُستقبل أيّة عملية سياسية في (ليبيا). عندما تستبعِد بعض أعضاء مجلِس النوّاب ورئيس مجلِس النوّاب وإلى آخره وتمشي في اتجاه آخر لإرضاء أطراف أُخرى فأنت تُعمِّق الخلاف وتُعمِّق الانشقاق داخل الوطن. الآن المطلوب مشروع وطني يتّفِق عليه الليبيين ثمّ نأتي بالحكومة وليس الحكومة أولاً

سامي كليب: على كلّ حال، في ختام الحلقة طبعاً سنتحدّث عن الأُفق السياسي وما طرحه "غسّان سلامة" والأُمم المتحدة والدول الخمس (زائِد خمسة) و "صخيرات" وما إلى ذلك، ولكن دعني أعود إلى لبّ المُشكِلة لو سمحت سيّد "محمود جبريل". قلت في مناسبات عديدة أنّ الأطلسي لم يتدخّل في (ليبيا) لأجل الليبيين وإنما لتصفية حسابات مع العقيد "مُعمّر القذّافي"، وأنّ الهدف كان الاستيلاء على أموال ليبيّة مُجمّدة وكانت بحدود 120 مليار دولار. لماذا أُريدَ تصفية الحساب مع العقيد "مُعمّر القذّافي" ومن الذي أراد تصفية الحساب فعلياً؟

محمود جبريل: شوف، سِجلّ النظام السابق فيه معاداة لكثير من الدول وأحاديث عن دعم الإرهاب كان سجلّاً حافلاً، هو لم يترُك فُرصة تشفع لهذا النظام رغم أنه، للأمانة كما ذكرت في السابق، في السنوات الأخيرة تمّ حلّ الكثير من المُشكلات في فترة الانفراج أو ما سُمّيَ بفترة الإصلاح في العشر سنوات الأخيرة السابقة للانتفاضة. ربما وهذه وجهة نظري

سامي كليب: صحيح. وعودتك إلى (ليبيا) كانت جزءاً من الإصلاح أيضاً لتطرح مشاريع إصلاحية أيضاً. كان الرجُل بدأ ينفتِح

محمود جبريل: نعم، طُرِحت ولكن لم يُستجب لأيٍّ منها للأسف. كانت العمليّة تجميلية أكثر منها حقيقية وأنا أقول هذا الكلام كمُشارِك حقيقي في هذه المشاريع لإصلاحية التي تتحدّث عنها. أنا وجهة نظري أنّ النظام استنفذ أغراضه بالنسبة لهم، بمعنى خلص الـ Expiry Date، صلاحيّته انتهت، وكان هناك توجُّه لمشروع آخر في المنطقة ككلّ. هذه قراءة بناءً على ما طُرِح من شركة "راند كوربوريشن"، بناءً على التوجُّه في الإدارة الأميركية لدعم الإسلام السياسي المُمثل في "الإخوان المُسلمين" ولكن المشروع كان مُقدراً له أن ينطلِق في عام 2012. الانتفاضات التي حدثت باغتت المُجتمع الدولي، رجال الـC.I.A. والمسؤولون الأميركيون كانوا موجودين في "ميدان التحرير" يبحثون عمّن يُحرِك هذه المُظاهرات. نحن في الأيام الأولى كان السؤال الذي نقابله في أيّة دولة أوروبية، " من أنتم؟ هلّ المجلِس الانتقالي يشمَل كلّ (ليبيا) أم هو حركة انفصاليّة كما يقول نظام القذّافي؟" لأنّ نظام "القذّافي" كان في الأيام الأولى يقول أنّ هذه حركة "سنوسيّة" انفصالية. فكان هناك نوعٌ من التساؤل، " من أنتم؟". لكن عندما وجدوا فعلاً عدم وجود تنظيم أو خطّة أو مشروع أو قيادة كانت الفُرصة سانحة لمن هو مُموَّل تمويلاً عالياً، لمن هو مُنظَّم تنظيماً عالياً، لمن هو مدعوم، ومن لديه توجّه خطّة سابقة لأن يحكُم في هذه المنطقة

سامي كليب: سيّد "محمود جبريل"، إذا كانت دول عديدة تريد تصفية الحساب، الآن هناك كُتب عديدة كشفت الكثير من المستور حول كيف ومن قتل العقيد "مُعمّر القذّافي". لا تقل لي أنّ حضرتك، كنت في أواخر عهد "القذّافي" وكنت في طليعة المجلِس الانتقالي وتُمارِس السُلطة على رأس تجمُّع أيضاً سياسي، أنك لا تعرِف اليوم من قتَلَ العقيد "مُعمّر القذّافي" وكيف قُتِل الرجل؟

محمود جبريل: أنا لا أعرِف فعلاً من قتل "مُعمّر القذّافي" ولكن أنا صرّحت عدّة مرّات، أعتقد أنّ مَن قتل "مُعمّر القذّافي" له مصلحة في أن يصمُت "مُعمّر القذّافي" إلى الأبد لأنّ "مُعمّر القذّافي" يعرِف الكثير من الملفّات. أنا شخصياً كنت ضدّ قتل "مُعمَّر القذّافي"، أنا شخصياً كنت وقلت هذا الكلام في عدة لقاءات، كنت أتمنّى أنّ يحظى هذا الرجل بمُحاكمة عادلة أمام الليبيين لنعرِف لماذا (ليبيا) بقيت 42 سنة في هذا الشكل

سامي كليب: ذهبت وقلت هذا الكلام للرئيس الفرنسي "نيكولا ساركوزي" حضرتكَ شخصياً وقلت، "فليُحاكَم الرجل " وما إلى ذلك ولكن حسبما فهِمت كان هناك رفض لهذا الموضوع أو العكس، هو الذي طرح وأنت رفضت؟

محمود جبريل: هذه كانت مُبادرة كان يقول "ساركوزي" أنه استلمها من "بشير صالِح" الذي هو كان مدير مكتب "مُعمّر القذّافي"، واستُدعيت أنا من (واشنطن) وجلست واستمعت إليه، فقال إن هناك خيارين وبأن "بشير صالح" كان عنده قبل يوم ويعلم أن النظام يقول أنّ يتنحّى "مُعمّر القذّافي" عن الحُكم ويكون موجوداً إمّا في الجنوب وتحت حماية فرنسية، وهذا كان طرح "ساركوزي" أو أن يكون خارِج (ليبيا) فما رأيك أنت؟ فقلت له، رأيي أن يحظى بمُحاكمة عادلة. أمّا المُبادرة في حدّ ذاتها فهذه تُعرَض على المجلِس الانتقالي، ونقلتها حرفياً للسيّد "مُصطفى عبد الجليل" ثمّ استلمت الردّ بعد يومين في أنها مناورة وكذا وكذا، وأنا أعتقد أنّ تلك المُبادرة ربما كانت فُرصة وتُجنِّب البلد الكثير لأنها كانت حلّ وسط في تلك الفترة

سامي كليب: سيّد "محمود جبريل" تقول إن الرئيس "ساركوزي" عرَضَ أن يكون العقيد "القذّافي" في الجنوب بحماية (فرنسا)؟ هذه أوّل مرّة أسمعها!

محمود جبريل: نعم، وهو كان يقول في "تراغِن" تحديداً وهي المدينة التي منها السيّد "بشير صالِح"

سامي كليب: نعم

محمود جبريل: فقلت له، "لكن هذا فيه خطر" فقال لي، لا، " نحن يمكن أن نجعل منها مثل منطِقة منعزِلة بحماية فرنسية ويتحرّك داخل هذه المنطقة

سامي كليب: الآن هناك تحقيق في (فرنسا)، أنه ربما (فرنسا) هي التي قتلت العقيد "مُعمّر القذّافي" وأنّ الرئيس "ساركوزي" ربما هو متورِّط لأنّ العقيد "مُعمَّر القذّافي" موّل الحملة الانتخابية للرئيس "ساركوزي" بحوالى خمسين مليون دولار أو يورو لا أدري، ولكن خمسون مليوناً. هلّ حضرتك تشُكّ في ذلك أو توافِق على ذلك؟

محمود جبريل: أنا أشُكّ وعندي شكوك قوية أنّ "مُعمّر القذّافي" قُتِل بواسطة مُخابرات أجنبيّة لكن أية دولة لا أعلَم

سامي كليب: حسناً، دعني أقرأ لك ما جاء في آخر كتاب وهو كتاب في الواقع خطير جداً بعنوان Histoire Secret سنراه على الشاشة وهو لكاتبين فرنسيين في الواقع حاولنا التواصل معهما ولكن كان هناك صعوبة في أن يحضر أحدهما وهما "فبيس آرفي" وكارل لاسكيه"، Avec Les Compliments Du Guide  أو "مع تحيات العقيد" عنوان الكتاب. يقول التالي:

- "رامي العُبيدي" منسِّق الاستخبارات الخارجية للمجلِس الوطني الانتقالي يقول أنّ عُملاء استخبارات فرنسيين هم الذين قتلوا "القذّافي" مُباشرةً

- إنّ أحد أبرز أسباب القتل هو تهديد "القذّافي" بفضح عمليّات تمويل حملة "ساركوزي" الانتخابية 2006- 2007

- "محمود جبريل" قال على شاشة "دريم" المصرية أنّ عميلاً أجنبياً اختَرقَ اللجان الثورية الليبية وقتل "القذّافي

- "بوتين" قال غاضباً لرئيس الوزراء الفرنسي "فرنسوا فيون"، "لقد خدعتموني وانتهى الأمر، لقد قتلتم "القذّافي"

- لم يتِمّ عمل أيّ شيء للإبقاء على "القذّافي" حيّاً وتحويله أمام محكمة الجنايات الدولية، وكان الخيار بين قتلِه أو تركِه يموت، وفي الحالين ما عاد "القذّافي" قادراً على الكلام

سامي كليب: ما رأيُك؟

محمود جبريل: أولاً، التصريح الذي ذُكِرَ على لساني لا أساس له من الصحّة. أنا لم أقُل إطلاقاً أنّ هناك عميلاً أجنبياً اخترق الثوّار وقتل "القذّافي"، هذا غير صحيح. الشيء الذي أنا أقوله بالنسبة لهذه الكُتب التي بدأت تظهر ومنها الكتاب الذي أصدره السيّد "برنارد ليفي" الذي اكتشفنا أنه هو من خطّط للثورة الليبية والانتفاضة الليبية. هذه الكُتب في الحقيقة كتب تجارية فيها الكثير من المُبالغة وفيها الكثير من المُغالطات. هذا لا يعني أنّ كلّ ما ورَد فيها ليس حقيقة، البعض منها قد يكون حقيقياً، لكن أدعو إلى التحرّي. السيّد "رامي العبيدي" ظهَرَ في بداية الانتفاضة في الشهر الأول مع المُخابرات الإيطالية، كان قادماً على طائِرة مع المُخابرات الإيطالية ثمّ اختفى وقُبِض عليه في (بنغازي) من قِبَل بعض التشكيلات المُسلّحة في ذلك الوقت وحُقِّق معه وبعدها اختفى فجأةً. الآن يُقدَّم في هذا الكتاب أنّه مسؤول الاستخبارات العائدة للمجلس الوطني الانتقالي وهذا غير صحيح بالمرّة. فأقصد أنّ هناك الكثير من الاختلاقات والافتراءات التي توضَع في هذه الكُتب وتُباع بسعرِ رخيص جداً وهي قائِمة على فِكرة الإثارة. هذا ليس مقصوداً به إطلاقاً أنّ بعضها ليس صحيحاً

سامي كليب: طبعاً الكتب وخصوصاً "دار فيار" مُهِم جداً ولا يُطلِق كتاباً هكذا على علّاته. سيّد "محمود جبريل"، هلّ كان عندكَ معلومات أنّ العقيد "القذّافي موّلَ الرئيس "ساركوزي"؟

محمود جبريل: هناك حديث في هذا الاتجاه ولكن أنا على المُستوى الشخصي لم يتوفَّر لديّ أو تحت يديّ أيّة وثائِق أو أيّ دليل يؤكِّد أو ينفي هذا الكلام

سامي كليب: حسناً. جاءتني اليوم رسالة من أحد المسؤولين الليبيين في الواقع تقول أنه أثناء شهر "رمضان" قرّرَ "ساركوزي" وقف العمليات احتراماً للصوم، وربما لإقناع "القذّافي" بتسوية كان بدأها "بشير صالِح" مُدير مكتبه وهو اليوم مُستشار رئيس (جنوب أفريقيا). يقول أنّ السيد "محمود جبريل" ذهب آنذاك بطائِرة خاصّة مع "برنار هنري ليفي"، الفيلسوف الفرنسي الذي ذهب إلى (ليبيا) منذ البداية، لإقناع "ساركوزي" بمواصلة وتكثيف الضربات ليس بوقفها في شهر "رمضان"، صحيح هذا الكلام؟

محمود جبريل:  جزء منه صحيح وجزء غير صحيح

سامي كليب: نعم

محمود جبريل: الجزء الصحيح أنني تحدّثت عن وقف القتال احتراماً لشهر "رمضان" وأن القتال سواء في "رمضان" أو غير "رمضان" هو مُحرّم ما بين الإخوة، والتحجّج بـ "رمضان" ثمّ الاعتداء بعد "رمضان" هذه ليست حُجّة دينية. لكن أنني ذهبت مع "برنار ليفي" هو افتراء ومحض اختلاق. هذا الرجل لم أره إلّا مرة واحدة فقط وكان ذلك داخل قصر "الإليزيه" أمّا غير ذلك فلم أر الرجل في حياتي

سامي كليب: لم تكن لك علاقة به؟

محمود جبريل: إطلاقاً

سامي كليب: هناك أيضاً كتاب آخر سريع ولن نتوقّف طويلاً عند هذه الكُتب، لـ "سيرج لافارج" وهو بعنوان "الحرب السريّة لـ (فرنسا) في (ليبيا) و(سوريا)، يقول التالي:

- إنّ رجال كوماندوس فرنسيين كانوا موجودين في (طرابلس الغرب) في مهمّات شبه سريّة

- في العشرين من نيسان / أبريل 2011 استقبل الرئيس الفرنسي "نيكولا ساركوزي" رئيس المجلِس الوطني الليبي "مُصطفى عبد الجليل" وفريقه وناقش الرئيسان الخطط السريّة المُستقبلية للسيطرة على (طرابلس) ووعدهم "ساركوزي" بإرسال ضبّاط ارتباط من القوات الخاصّة لتنسيق هجمات المتمردين مع الضربات الجويّة الأطلسية. سؤالي سيّد "محمود جبريل"، إذا كان الرئيس "ساركوزي" حصلَ من العقيد "القذّافي" على الكثير، أُطلِق سراح المُمرضات والمُمرِض الفلسطيني، ذهبت زوجته، وعد العقيد "القذّافي" بالكثير من الصفقات مع (فرنسا) ويُقال وأنا لا أدري ولكن التحقيق قائِم في (فرنسا) ولا أستطيع التدخُّل فيه، وربما ساعدَ في الحملة الانتخابية. لماذا كان استشراس "نيكولا ساركوزي" في القضاء على العقيد "مُعمّر القذّافي"؟

محمود جبريل: أنا أعتقد أنّ له أسبابه، أولاً كان هناك تراجُع وإلغاء لصفقة طائِرات "الرافال" التي كان هناك توجُّه ليبي لشرائِها في ذلك الوقت وكانت صفقة ضخمة وكانت تُحدِث تأثيراً كبيراً في الاقتصاد الفرنسي. ثانياً، كانت هناك هذه الشائِعات التي لا أعلَم مدى صدقها في تمويل العقيد "القذّافي" للحملة الانتخابية لـ "ساركوزي". ثالثاً، كان هناك العامل الشخصي لأنّ "ساركوزي" جاء هو وزوجته لإطلاق سراح المُمرِّضات فرُفِض الأمر، ثمّ عندما جاءت زوجته منفرِدةً أُطلِق سراحهنّ. وظهرت شائِعات كثيرة في هذا الاتجاه، فهناك من الأسباب والدوافِع

سامي كليب: شائِعات عن علاقة بين العقيد "القذّافي" وزوجة الرئيس "ساركوزي"؟

محمود جبريل: نعم، نعم. ظهر كلام في هذا الشكل. أضِف إلى ذلك أنّ شعبيّة "ساركوزي" لو ترجع أُستاذ "سامي" لفترة التدخّل الفرنسي من خلال تدخّل المُجتمع الدولي، كانت في أقلّ مستوياتها، فكان يبحث عن نجاح لتحسين هذه الشعبية

سامي كليب: صحيح

محمود جبريل: فكانت لديه من الأسباب خصوصاً أنّه تأخَّرَ في اتخاذ موقف في (تونس) وفي (مصر)، فكان يُريد أن يُعالِج هذا التأخُّر في الحال الليبية

سامي كليب: سيّد "محمود جبريل" حضرتك عملت في (لبنان) وكنت على علاقة بالكثير من الأطراف اللبنانية تاريخياً. هناك قضيّة رمز لبناني كبير الإمام "موسى الصدر" الذي اختفى في (ليبيا)، وتعرِف أنّ كلّ اللبنانيين يُحبّون هذا الرجل على مُختَلَف انتماءاتهم. حضرتك قلت سابقاً، "كنّا قد قطعنا شوطاً لمعرِفة مصير الإمام لكن رئيس الحكومة آنذاك "نجيب ميقاتي" لم يُرسِل لنا المُساعدة الطبيّة التي طلبناها للمُساهمة في الكشفِ عن مصيره. هلّ تستطيع أن تقول لنا، أولاً ماذا جرى؟ وثانياً هلّ سماحة الإمام حسب معارِفك لا يزال على قيد الحياة؟ قُتِل؟ انتهى ملفّه؟ ضاع ملفُّه؟ ضُيِّعَ ملفّه؟

محمود جبريل: بعد دخولي (طرابلس) في السابق كان هناك ملفّان على سبيل التحديد وكان عندي اهتمام مباشر بهما، ملفّ الإمام "موسى الصدر" وملفّ المرحوم "منصور الكيكي" رحِمه الله. كنتُ أُحاول أن أبحث عمّا هو مصير هذين الرجلين، وكُلِّفَ بعض الأشخاص المقرّبين وعلى ثقة بأن يأخذوا هذا الأمر على محمل الجدّ وعلى محمل السريّة أيضاً، وبدأنا البحث في سجن "أبو سليم" ووجدنا أنه كان هناك شخص موجود تنطبق عليه إلى حدٍّ ما مواصفات الإمام "موسى الصدر" لأنه كان أبيض البشرة وكان طويلاً، والخفير الذي كان يحرس الزنزانة كان يقول أنّ لهجته غريبة فشككنا أن تكون اللهجة لبنانية وغير معروفة لهذا المواطن الليبي البسيط، وكان عنده مرض السُكَري. المُصادفة الغريبة أنّ كلا الرجلين كان لديه مرض السُكّري وكلا الرجلين أبيض البشرة وطولهما متقارِب. المُهم، توفّى هذا الرجل في نوبة سُكّري كما يبدو وآمِر السجن يبدو أبلغ القيادة فقالوا له ضعوه في ثلاجة، فأحضروا ثلّاجة وأصبحَ هذا الحارِس يحرس هذه الثلّاجة إلى أن قامت الانتفاضة في يوم 20 أُغسطس/ آب عندما حدث القصف في (طرابلس) للسجن وانقطعت الكهرباء ويبدو أنه نتيجة ذوبان الثلج وكذا سقط الجُثمان على الأرض ويبدو أنّه تمّ جرّ هذا الجُثمان إلى خارِج السِجن. المجموعة المُكلّفة بالبحث حفرت أغلب المناطق المحيطة في السجن ولم نجِد أثراً، وبحثنا في المُستشفيات. ثمّ وجدنا مقبرة في منطِقة اسمها (السبيعة) فيها العديد من الجثامين المجهولة. هنا اتصلت بـ "نجيب ميقاتي" وطلبت منه أن يُرسِل لنا طبيباً شرعياً آخر للتشريح لأنه كان لدينا طبيب واحد وكان هو يتولّى الأمر، وهو بالمناسبة وزير التعليم الحالي في (ليبيا) الآن

سامي كليب: نعم

محمود جبريل: فكان الجُهد كبيراً جداً وكان الرجل يعمل لوحده ليلاً نهاراً إلى أن شعرت في ذلك الوقت بعدم وجود تعاون كافٍ من الجانب اللبناني لأنه كان عندنا طبيب شرعيّ واحد والجثامين كانت كثيرة والمُستشفيات، حوالى ثلاثة أو أربعة مستشفيات وجدنا فيها جثامين قديمة منذ نهاية السبعينات موجودة في الثلّاجة وكنّا نبحث عن سند طبّي

سامي كليب: وطويَ الملفّ؟

محمود جبريل: إلى حين قدّمت استقالتي. المهم، في ما بعد اتّضح أنّ هذا الجثمان هو للمرحوم "منصور الكيكي" وليس للإمام "موسى الصدر". بعدها كانت هناك مُحاولات باستمرار، حتّى بعد أن تركت، مع رجال الأمن في (لبنان) والسيّد رئيس الجمهورية السابق وحتّى الحالي في محاولة لكشف مُلابسات هذا الأمر. أذكر أنّه أبّان حكومة السيد "زيدان" أنني توصّلت إلى نوع من الحلّ وهو أن يأتي اللواء "عباس" المُكلّف بالأمن إلى (طرابلس) ويلتقي بـ "عبد الله السنوسي" ليسأله بعض الأسئِلة فقط، وإذا كانت هناك بعض مُقتنيات للإمام "موسى الصدر" يعود بها، وفي المُقابل تُحلّ هذه القضية. للأسف، السيّد "علي زيدان" في آخر لحظة تراجع عن هذا الأمر

سامي كليب: لماذا تراجع؟

محمود جبريل: هذا مرّة أُخرى للتدليل أُستاذ "سامي" أنّ الحكومات التي كانت موجودة ولا زالت موجودة حتّى اليوم هي حكومات على ورق، لا تحكُم، والحكم الحقيقي كان في أيدي الميليشيات. السجن كان في أيدي الجماعة الليبية المُقاتلة وليس بيد "علي زيدان"

سامي كليب: أوكي. سيّد "محمود جبريل"، هذا الرجل كما قلت لك رمزاً لبنانياً كبيراً ويستأهِل حلقة لوحده ولكن عندي بعد سؤالان وأُريد أن أختُم بقضية الإمام "موسى الصدر". حسب معلوماتك ماذا كان مصير الإمام "الصدر" بما توفَّرَ إلى أن تركت أو لحدّ اليوم. حسب معلوماتك، ماذا كان مصير الإمام "موسى الصدر"؟

محمود جبريل: يُقال أن هناك ثلاث شخصيات يُمكن أن تُجيب عن هذا السؤال، التي كانت لها علاقة في الموضوع. أحد هذه الشخصيات توفّى في الانتفاضة او قُتِل وكان اسمه "سعيد راشد". شخصية أُخرى وهو "عبد الله حجازي" الذي كان يمسك جهاز الاستخبارات في تلك الفترة وهو رجل كبير في السنّ، أعتقد أُطلِقَ سراحه أخيراً وهو موجود في (ليبيا)، ثمّ هناك شخصية أُخرى وكان مديراً لسِجن "أبو سليم" وقت قيام الانتفاضة

سامي كليب: نعم

محمود جبريل: هذه الشخصيات الثلاث هي أكثر ثلاث شخصيات تستطيع أن تُجيب عن مصير الإمام "موسى الصدر". أمّا ما عدا ذلك

سامي كليب: يعني حضرتك لا تعرِف

محمود جبريل: لا لا، إطلاقاً. نحن حاولنا أن نعرِف وفشِلنا للأمانة

سامي كليب: على كلّ حال، إن شاء الله يبقى الأمل عند أهلِه، وربما، لا أحد يعرِف. إن شاء الله  لا يزال على قيد الحياة. سيّد "محمود جبريل" الآن هناك كلام، ولا يزال عندي للأسف ثلاث دقائِق فقط لنجيب على كلّ الأسئِلة، انتهى الوقت بسرعة. هناك كلام على صفحة "إبراهيم الدبّاشي" وهو مندوب (ليبيا) السابق، أنّ هناك ضغوطاً دوليّة مع بعض الدول على المُدّعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية لإلغاء مُذكّرة التوقيف الخاصّة بـ "سيف الإسلام القذّافي" وأنّ هناك معلومات تفيد أنه قد يتم تغيير النائِب العام الليبي للمُساعدة من خلال القضاء الليبي والهدف زيادة خلط الأوراق واستدامة الفوضى وفق ما يُقال. لكن السؤال الذي يهمني، هلّ تعتقد أنّ "سيف الإسلام القذّافي" يُمكن أن يعود ليلعب دوراً سياسياً في (ليبيا)؟

محمود جبريل: أنا أعتقد لو هذه القضية تمّ الانتهاء منها، قضية محكمة الجنايات الدولية، وهو كأيّ مواطن ليبي له الحق تماماً أن يُمارِس حقوقه السياسية

سامي كليب: حضرتك على كلّ حال رفعت شعاراً منذ سنوات طويلة عن وجود فرق بين النظام وبين من عمِلَ مع النظام، وفي النهاية هناك الكثير من الشخصيات التي ليس لها أيّة مسؤولية في ما حصل. حسناً، حضرتك تؤيِّد عودة "سيف الإسلام" إلى حياته السياسية؟

محمود جبريل: إذا هذه الشوائِب تمّ إزالتها نعم، الباقي لنا أُستاذ "سامي" هو المُستقبل وليس الذي مضى. ليس هناك بيت ليبي واحد لم يتضرّر في هذه الانتفاضة، كلّ البيوت طالها الضرر. أنا قُتِلَ أخي ودُمّر بيتي ولا يوجد بيت لم يطاوله الضرر لكن الباقي لنا هي (ليبيا) القادمة. إذا كان هناك مشروعٌ وطني يجمع الليبيين يجب أن يُشارِك فيه جميع الليبيين الذين يوافقون على هذا المشروع

سامي كليب: حسناً، السؤال الأخير طبعاً حول المُستقبل السياسي وكنت أودّ أن يكون له دور أكبر. "غسّان سلامة" طرح في بيانه الأخير أمام الأُمم المتحدة العديد من الشروط المُهمّة في الواقع حول كيفية المُستقبل السياسي لـ (ليبيا) وطرح ثلاثة أمور منها طبعاً المُصالحة الوطنية، منها الانتخابات. هلّ الانتخابات في رأيك مُمكنة الآن؟ هو قال تحديداً وحرفياً، " أولاً الدستور، (ليبيا) في حاجة إلى إطار قانوني قوي ودائِم. لا يُمكن الانتهاء من المرحلة الانتقالية قبل أن تستنِد (ليبيا) على دستور حقيقي. ثانياً، المُصلحة الوطنية، ثالثاً الانتخابات وسُجّل 600 ألف ليبي جديد للتصويت في خلال ستة أسابيع وبلغَ عدد الأشخاص المُسجّلين في السجلّ الانتخابي إلى الآن مليوني شخص. هلّ توافق على ما جاء في كلام السيّد "غسّان سلامة"؟

محمود جبريل: أُوافق على كلامه إذا توفّرت الشروط الثلاثة للانتخابات، الشرط الأمني والشرط التشريعي وشرط القبول بنتائِج الانتخابات مُسبقاً وقبل إجرائِها. أنا أعتقد أنّ هذه الشروط الثلاثة حتّى هذه اللحظة غير متوفِّرة

سامي كليب: حسناً، سؤالان سريعان أخيران. هلّ لـ (إسرائيل) دور في منع قيام جيش ليبي كما ألمحت في إحدى المُقابلات سيّد "محمود جبريل"؟

محمود جبريل: لا، أنا قلت أنّ (إسرائيل) لها مصلحة، عندما تُدمَّر القُدرات العسكرية العراقية والقُدرات العسكرية السورية والجيش المصري يُصبِح معنياً في قضية الإرهاب في الدرجة الأولى وليس على الحدود الإسرائيلية فلماذا يقوم جيش ليبي؟ سيُخالِف هذه القاعدة. المصلحة أن تكون هناك جيوش عربية قوية

سامي كليب: مُلاحظات أخيرة وردتني من مُحيط "سيف الإسلام القذّافي" واسمح لي أن أقولها في ختام الحلقة، كنت أود أن نختُم في شيء آخر ولكن. يقول المُقرّبون منه أنّ السيّد "محمود جبريل" دعَم "سيف الإسلام" ثمّ انقلَب عليه، دعم (قطر) و(الإمارات) ثمّ انقلب عليهما، دعم الأطلسي والآن يُهاجمه، أسس ميليشيات من قبيلة "الزنتان" احتلّت نصف العاصمة. لا وجود لتحالُف القوى الوطنية إلّا كأفراد وغادرته أغلب الشخصيات الوطنية، مُعظم قيادات التحالف صاروا مليونيريين وبورجوازيين. الجواب يحتاج إلى الكثير من الوقت ولكن بكلمتين لو سمحت

محمود جبريل: أولاً أنا لم أدعم "سيف الإسلام" أنا دعمت مشروعاً. عندما كانت هناك نيّة للإصلاح دخلت في هذا المشروع رغم أن "سيف الإسلام" يعرف والمحيطون بـ "سيف الإسلام" كيف تمّت عملية الدخول. ورغم ذلك ولمدة سنتين وفي فريق عمل متكامِل من الليبيين المُخلصين حاولنا جاهدين أن نُقدِّمَ شيئاً ولم يتحقق أّي شيء من كلّ المشروعات التي قُدِّمت. وأنا أعتقد أنه لو تحقّق شيئ منها لما كنّا في ما نحن فيه اليوم، هذا الأمر الأول. ثانياً، أنا لم أتحالف مع (قطر) أو مع أيّة دولة عربية حتّى أنقلِب عليها. ثالثاً، بالنسبة إلى تحالف القوى الوطنية نعم، كان هناك بعض الشخصيات التي أثرَت وأفسدت، هذا صحيح. وتحالف القوى الوطنية أعاد هيكلة نفسه في انتخابات شفافة وكلّ قياداته شابّة وتنتظر تحالف القوى الوطنية القادم

سامي كليب: شكراً لك سيّد "محمود جبريل" على هذه المُقابلة، طبعاً كانت تحتاج إلى وقت أطول. شكراً على صراحتك والمعلومات الكثيرة فيها. "محمود جبريل" أعزّائي المُشاهدين كان رئيس تحالف القوى الوطنية ورئيس الوزراء الليبي السابق ورئيس المكتب التنفيذي السابق في المجلِس الانتقالي الليبي. لا نتمنّى لـ (ليبيا) إلّا كلّ الخير لأنه بلد لا يستأهِل إلّا الخير وعودة السلام والأمان إلى أهله. شكراً لكم وإلى اللقاء في الأُسبوع المقبل إن شاء الله مع حلقة جديدة من "لعبة الأُمم" وقناة "الميادين"

 

البرنامج

إعداد
كمال خلف
تقديم
كمال خلف
المنتج
زاهر أبو حمدة
إخراج
بترا أبي نادر
الايميل