الباحثة والكاتبة اللبنانية الدكتورة فادية كيوان

 

زاهي وهبي: مساء الخير. مثقفةً وباحثةٌ لبنانية تُمثِّلُ وجهاً مشرقاً للنساء اللبنانيات والعربيات. أمضت ردحاً طويلاً من عُمرِها مُكافِحةً لأجل حقوق المرأة في مُجتمعٍ ذكوريٍّ يُرخي بظلاله وأثقاله وقوانينه على النساء. أكاديميةٌ منفتِحةٌ على الثقافة والسياسة، مُنحازةٌ لجوهر الوطن اللبناني، بوصفه كياناً ثقافياً وإبداعياً عربياً متنوِّعاً مُستنيراً يَقفدُ معنى وجوده إذا تخلّى عن دوره هذا، مثلما هي مُنحازةٌ لحقّ اللبنانيين والفلسطينيين والشعوب المُضطهدة في مقاومة المُحتلّ بالوسائِل المشروعة كافةً. شغَلت الكثير من المواقع والمناصب وظلّت أمينةً لدورها كمُثقفةٍ رصينة تُدرِك مسؤولية الكلِمة ودور المُثقف في المُجتمعِ وبين الناس. "بيت القصيد"، بيتُ المُبدعين العرب يرحِّب بالباحثة والكاتبة اللبنانية الدكتورة "فاديا كيوان"، أهلاً وسهلاً شرّفتِ "بيت القصيد"

فاديا كيوان: أهلاً، شكراً جزيلاً

زاهي وهبي: سنوات طويلة أمضيتِها حضرتك في النشاط والنضال لأجل قضايا مُتعدِّدة ربما من أبرزها قضية المرأة

فاديا كيوان: صحيح

زاهي وهبي: بعد كلّ هذا المشوار ماذا أثمرت هذه المسيرة؟ على الأقلّ بالنسبة لكِ

فاديا كيوان: ماذا أثمرت لي؟ تجربة كبيرة غنيّة جداً أثمرت تقدماً للقضايا التي ناضلت من أجلها باستثناء قضيّة (لبنان)، في هذه القضية عن جدّ سأرفع العشرة، قضية ديمقراطية (لبنان)

زاهي وهبي: لماذا؟ مستعصية بلدنا؟

فاديا كيوان: شوف، بلدنا يدور ويعود إلى شفير الهاوية. يذهب نحو الاستقرار، ونؤمن به؛ شوف، الشعب اللبناني شعب طيِّب وليس غبياً أبداً وشُجاع، في أكثر من مُناسبة أظهر هذا ولكن لا أدري ماذا يحدُث لنا، تسقُط علينا اللعنة! والآن ندور ونعود إلى شفير الهاوية، هذا الموضوع يقهرني جداً. القضايا الأُخرى رأيتها تتقدّم رويداً رويداً، هناك أمور وضعت يدي فيها ورأيت أشياء نبتت، مثلما يزرع المرء وتنمو النبتة

زاهي وهبي: على كلّ حال سنتوسّع في كلّ هذه القضايا والأمور التي تُشيرين إليها ولكن دعينا بدايةً نُشاهدكِ في علامة فارِقة ونسمع ما ستتفضلين بقوله

فاديا كيوان: شكراً

علامة فارِقة

فاديا كيوان

- الأماكن التي أُحبّها في (لبنان) لا تشبهني كلّها لكن تُشبِه أحياناً الحُلم الذي يراودني. أحِب أماكن أليفة مثل القرية التي وُلِدت فيها. أنا من (جاج) وهي ضيعة في الجرد وفيها جبال ليست وعرة لكنها منفرِدة قليلاً وليست معزولة. أحبّ (بيروت) كثيراً، (بيروت) تشبهني ربما وأشبهها لأنها تحتوي على الكثير من التناقضات. القسم الأكبر من (بيروت) يشبه الحلم الذي يُراودني، وهناك حنين أيضاً لـ (بيروت) مثلما كانت قبل أن تفتُك فيها الحرب

- أنا شخص عنده وفاء أكثر من اللزوم ربما يمنعه من التغيير، لكنني في نفس الوقت شخص لا يقبل الشواذ ولا يقبل الواقع الظالم ويسعى للتغيير، إذا هكذا وهكذا. أنا كنت متمرِّدة عندما كنت مُراهِقة وكنت صعبة الطباع، وأذكُر أنني أتعبت أهلي كثيراً. هذا الشيء يخلق عندي مرارة عندما أشعُر كم صبروا في مرحلة كنت أنا فيها عندي ثورة على كلّ شيء وكان كلّ ما يقولونه أُعاكسه، كذلك في ظروف الحرب التي فُرِضت علينا، كنت أيضاً أعاكس السير وأريد دائِماً أن أخرُج من التقوقع وأن أُحاول العبور بينما كان في إمكان الناس أن يتقوقعوا، وأُحاول، على العكس، أن أشهد لمبادئ كانت عائِلتي أيضاً تعتمدها وهي رفض التقسيم. لذلك، لم أبحت عن الحياة السهلة، كنت دائِماً أبحث عن الحياة التي تحتوي قهراً للذات لكن أنا رضيت عن نفسي

- عموماً السياسة من اللازم أن تكون فنّ المُمكن لكن أعتقد عندما يهتم الناس بالسياسية في عُمرٍ فتي يكون عندهم مثالية ويريدون تحقيق المُستحيل، لذلك أنا لا زلت في صراع داخلي في ذاتي بين المبدئية في السياسة وبين الواقعية التي هي في النهاية فنّ المُمكن والاختيار بين شرّين وتختارين الأدنى. بصراحة، ليس طبعي أنا المُهادنة وتدوير الزوايا، لكن أعتقد أنّ الحياة تُعلِّمنا، وتعلمت أن أُدوِّر زوايا وأن أبحث عن المُمكن لكن بمرارة كبيرة

- طبعي أنا شغوف ولكن ظروف الحياة فرضت عليّ أن يكون عندي روح المسؤولية. متعقلة ومُعتدِلة ولا أُجازِف، وهذا الشيء ربما لا يكون خطأً لكن أعتقد أنّ الظروف فرضت عليّ أن أكون شخصاً لا يمكنه أن يكون متهوّراً، هذا ترف ليس في إمكاني أن أعيشه. أولاً أنا أُحبّ الناس كثيراً ولا يمكنني أن أعيش لوحدي. أشعُر بعُمق في الآخر وأيضاً عندي سذاجة وأخضع بسهولة. أشعر بأنه في الأجيال الجديدة صار هناك صبايا وشباب عندهم تفكير جديد وهذا يُعطني أملاً كبيراً في أنّ هذا البلد ليس مقطوع الأمل منه بل على العكس، وهذا يجعلني أشعُر بأنّ عندي مسؤولية لكي أواصل قدر استطاعتي من أجل هذه الأجيال الجديدة وأن أُحاول أن أجعل عندهم أمل في أنّ هذا البلد يُمكِن إصلاحها ونساعدهم كي يُصلِحونها

- وصلت إلى حقوق المرأة بالصُدفة. أنا اهتممت أولاً بحقوق الإنسان واهتممت أكثر في السياسة. ظروف الحياة جعلتني أرى أنّ هناك فعلاً ظُلماً خاصاً في حقّ المرأة، وكوني امرأة أنا لم أشعُر مُباشرةً بظلم ولكن الظلم موجود بشكلٍ دائِم حولي، فاعتبرت أنّ هذا يجب أن يكون عنده أولوية في نضالي الشخصي. المرأة مظلومة وظالِمة لنفسها. "جان بول سارتر" في تقديمه لكتاب "سيمون دو بفوار" قال لها أنّ المرأة نصف مسؤولة ونصف متواطِئة. ليس من الطبيعي أن نضع الحقّ دائِماً على الآخر وأن نضع الحقّ على المجتمع وأن نضع الحقّ فقط على الرجُل، وفي النهاية الرجال نربّيهم حينما يكونون أطفالاً ونحن نُساهِم في الإنتاج الثقافي وفي إنتاج القِيَم ونُربّي على أساسها، فلا يُمكننا أن نغسل أيدينا من الظلم الذي يلحقنا، لكن طبعاً أنا لستُ مع جَلد الذات، المسؤولية الكُبرى ترجع إلى المُجتمع كمؤسسات

- الذي يجعلني عموماً أُكمِل الطريق هو شعوري بأنّ عندي شيء داخلي يرفُض الانكسار، وكلّ صفعة آخذها أشعُر بأنه من اللازم أن أعود وأقف بسبب وجود تحدٍّ ومن اللازم ألّا أنكسِر. لا أعلم ما في داخلي يعاود إيقافي على قدماي، وأنا أُقِرّ بأنه مرت عليّ ظروف صعبة جداً أصل فيها إلى الصفر وأُعاود صعودي، ولكن صار عندي ثقة في أنه مهما يكون الانكسار كبيراً دائِماً من بعده عندي توثُّب وفي النهاية لم أكن أجد السبب في ذلك، ربما هذه نعمة

زاهي وهبي: دائِماً كلّنا عندنا ظروف غير منظورة للآخرين

فاديا كيوان: "جان بول سارتر" قال لها "نصف ضحية نصف متواطئة"، كنت أبحث عن الكلِمة. هذا هو

زاهي وهبي: أعرِف أنّ عندكِ ظروف كانت صعبة في العائِلة وتحمّلتِ مسؤوليات ربما تفوق طاقتكِ أحياناً. لكن الذي أُريد أن أسأله، حضرتكِ ابنة بيت منفتِح، متأثِّر بأفكار المرحوم العميد "ريمون إده"

فاديا كيوان: نعم، كثيراً

زاهي وهبي: سؤالي، ماذا بقي من هذا البيت في وجدانِك، في وعيِك؟ ماذا بقي؟

فاديا كيوان: والله بقي الكثير

زاهي وهبي: رغم أنّكِ كنتِ مُشاكِسة لأهلِك كما قلتِ

فاديا كيوان: صحيح، كنت مُشاكسة لأهلي لكن أهلي كانوا في ذات الخصائِص. أنا كنت دائِماً ألوم نفسي أنني في النهاية رغم كلّ ما تمرّدي دخلت في الخطّ السياسي الذي كان فيه أهلي، لكن وجدت نفسي في هذا الخطّ لأنّ القدر شاء في ظروف الحرب أن كان الموقف السليم الذي اتخذه "ريمون إدّه" هو موقف الانفتاح ورفض التقسيم ورفض الحرب في حدّ ذاتها، فهذه الأمور وجدت نفسي فيها. بعد ذلك، "ريمون إدّة" كشخص أنا تابعته في أمور سريعة أثّرت بي جداً مثل موقفه كرجُل دولة، لا حزبيات عنده، وهذا وقت من اللازم أن أقول هذا الشيء عنه لأنّ (لبنان) ضحيّة الحزبيات اليوم

زاهي وهبي: خصوصاً الحزبيّات المنغلِقة والمتطرفة

فاديا كيوان: الحزبيّات أقصد في معنى الانغلاق لأنني مع وأُشجِّع على الحياة الحزبية لأنّها تؤمِّن للفرد الانضباطية والتثقُّف ويُصبح هناك مؤسسات، ولكن أتحدث عن حزبيّات الانغلاق

زاهي وهبي: التي تُقفل على نفسها. لكن في بلد مثل (لبنان)، الشخص المنفتِح أحياناً والرافِض للتقوقع والانعزال يدفع ثمناً أكثر من غيره. هلّ دفعتِ هذا الثمن في سنوات الحرب؟

فاديا كيوان: نعم، لكن أنا أقول، أكثر الله من خيره لأنني دفعت أقلّ بكثير من غيري

زاهي وهبي: هناك أُناسٌ دفعوا أرواحهم للأسف

فاديا كيوان: بالضبط. نحن نخجل من أن نتحدث عندما نجد أُناساً فقدوا أرزاقهم وأرواحهم، نحن جيل بأكملِه ضحيّة من ضحايا الحرب ولكن أنا ضحية من الناحية المعنوية والنفسية وقليلاً الماديّة أكيد ولكن ظروفنا أفضل بكثير من الناس الذين فقدوا كلّ شيء، وأنا كنت أقطن في منطقة فيها عيش مُشترَك

زاهي وهبي: نعم منطقة بلاد (جبيل)

فاديا كيوان: (جبيل)، الوحيدة في (لبنان) التي بقيت في عيش مُشتَرَك طبيعي

زاهي وهبي: حتّى في سنوات الحرب

فاديا كيوان: طبعاً، طبعاً

زاهي وهبي: نعم. قلتِ أنكِ تنصحين بالحياة الحزبية بمعنى أنّ الحياة الحزبية تُصقِل الإنسان خصوصاً إذا كانت الأحزاب عقائِدية مُثقفة

فاديا كيوان: كلّ الأحزاب، أنا أعتبر الحياة الحزبية، أنا أحترِم الناس الذين يدخلون الأحزاب على أساس أنهم يريدون أن يدخلوا غمار السياسة بشكلٍ نظامي ومؤسساتي، وأنا اليوم أُشجِّع أن يكون هناك تعزيز للحياة الحزبية، بمعنى أن تُصبِح مؤسسات فعلاً يدخلها الناس، وفي نقاشاتهم ونضالاتهم الأقران يقررون من الذي يتقدّم

زاهي وهبي: سؤالي هو، ومع ذلك لم تُطيلي انتماءكِ لحزب "الكتلة الوطنية" الذي هو حزب العميد "ريمون إدّه"، دخلت وخرجت مرّتين أي مغادرة وعائِدة مرّتين للحزب، لماذا؟ ألم تتحملين الحياة الحزبية كمُثقفة، كباحثة؟

فاديا كيوان: شوف، حزب "الكتلة" فيه أناس جيدون جداً ومن الصعب أن تجد فيه أناساً أشراراً أو فاسدين، لكنّه كان تقليدياً وأنا أُقِرّ بذلك. هذا الشيء ليس صفة سيئة لكن أنا المكاتب التقليدية تكفيني، لم تكن تناسبني، وهذا الذي جعلني أترُك لكنني لم أترُك إلى حزبٍ آخر، تركت السرب

زاهي وهبي: مستقلّة يُمكن أن نقول 

فاديا كيوان: نعم مستقلة

زاهي وهبي: عملتِ أيضاً إلى جانب المطران "غريغوار حداد" رحمه الله

فاديا كيوان: نعم

زاهي وهبي: المطران المنفتِح، مطران التسامح والحرية

فاديا كيوان: المتنوِّر 

زاهي وهبي: كانوا يُسمّونه "المطران الأحمر" أيضاً

فاديا كيوان: هذه تسمية الكاثوليك ولا دخل لنا بها

زاهي وهبي: نعم. ماذا تعلّمتِ من "غريغوار حدّاد"؟ ماذا بقي في ذاكِرتكِ من "غريغوار حدّاد"؟

فاديا كيوان: كنت في إحدى المرّات محتدّة، إلى حدود الكُفر لا سمح الله، فقال لي: "الله أعطانا الرجاء" فخجلت وسكتت وأصبحت أقول أنه من اللازم أن يكون الإنسان قادراً في أكبر ظُلُمة أن يبحث عن نعمة الرجاء، وهذه الأمور يجدها في ذاته. "غريغوار" كان قدوة لنا، وأنا شاركت معه بتواضع كامل في تأسيس "حركة اللا عنف"، في فترة الاجتياح الإسرائيلي لـ (لبنان) كنّا نؤسس "حركة اللا عنف"، هذه هي أجواء "غريغوار حداد". في فترة الاجتياح صرنا نفرِز أدوية وثياب في هنغار مقرّه قريب من سباق الخيل في (بيروت)، فدخل الضباط الإسرائيليون وأرادوا أن يضعوا مدفعيّة في الحديقة، فاصفرّ المطران "غريغوار" وقال لي، "هؤلاء إسرائيليون وأنا لا أتحدث معهم "، فقلت له، "أنا سأتحدث إليهم" فذهبت إليهم وقلت لهم بالإنكليزية، "هذا ملك خاص" لأنهم دخلوا إلى الباحة حيث كنّا نتواجد وكنّا نوضِّب الثياب والأدوية. فقالوا لي، "في الحرب لا يوجد ما هو خاص"، وكأنّهم يرمونك خارِجاً. حينها جمعنا كلّ البضائِع التي كانت عندنا، والتي وصلتنا كمُساعدات وتحتاج إلى توضيب لكي نُرسلها إلى النازحين، ووضعناها في السيارات وغادرنا

زاهي وهبي: "اللا عنف" يصحّ في العلاقات الداخلية بين بعضنا البعض كشعوب، لكن في وجه الاحتلال وخصوصاً احتلال مثل احتلال (إسرائيل) أظنّ أنّ "اللا عنف"

فاديا كيوان: شوف، نحن شعب كان مُسالماً، حتّى كان يؤخذ عليه أنه كان مُسالِماً إلى درجة أنه التزم باتفاقية الهِدنة مع (إسرائيل) وقال لهم أنا دولة مساندة ولست دولة مواجهة في الصراع العربي الإسرائيلي. لكن (لبنان) التزم بمقاطعة (إسرائيل)، وبعد عمرٍ طويل أكثر من هو ملتزِم حاليّاً هو (لبنان) وجميعهم تخلّوا عن الالتزام بالمُقاطعة. ليس مُهماً أن يحمل المرء بندقية، المُهم أن يكون عنده قُدرة على الصمود الفِكري والثقافي، وهذا كان موجوداً دائِماً في (لبنان) حتّى قبل أن نضطرّ نحن كلبنانيين إلى حمل السلاح عندما دخلت القوات الإسرائيلية (لبنان)

زاهي وهبي: لكن تؤمنين حضرتكِ في حقّ الشعب الفلسطيني والشعب اللبناني في المُقاومة وهذه الخيارات التي لم تُتخَذ كهواية

فاديا كيوان: حاججني في إحدى المرّات باحث أوروبي من (أوروبا) الشمالية مؤخراً. لا أدري ما الذي أخذه إلى موضوع أننا كنّا في حركة "اللا عنف" وكيف حينها جرّاء نضالٍ قمنا به من أجل الترويج لفكرة "ريمون إده" كمرشح للانتخابات في سنة 1988، بقي عندنا أموال فتبرّعنا بها للمقاومة. أرسل لي E-Mail في الربيع الماضي يقول لي، أنتم كنتم "حركة اللا عنف" فكيف أعطيتم مالاً للمقاومة؟ قلت له، في الدستور الأميركي التمرُّد على الظلم واجب وليس مسموحاً فقط، هذا واجب على الإنسان، وصرت أقول لنفسي كيف يسألني هذا؟ نحن لم نكن كحركة "لا عنف" حينها بل كحركة مدنية وكانت هناك مُقاومة حقيقية للاحتلال الإسرائيلي لأرضنا، أنا أُريد أن نُذكِّر أنفسنا ونُذكِّر بعضنا البعض أننا لم نعتدِ على الإسرائيليين، نحن كنّا نعتمِد موقفاً سياسياً متضامِناً مئة في المئة مع العرب ومع الشعب الفلسطيني أكيد لأنه يعيش في أحضاننا ويعيش مأساة لا تزال مُستمِرّة لغاية الآن ولكن نحن لم نعتدِ على (إسرائيل) إلّا عندما دخلت على أرضنا

زاهي وهبي: صحيح  : أنا كنت أُريد أن أؤجِّل الحديث السياسي قليلاً وأن أتحدث في قضايا، ولكن مؤخراً شاركتِ حضرتكِ في مؤتمر لنُصرة (القدس) في (القاهرة) الذي نظّمه "الأزهر الشريف". وصفتِ قرار "ترامب" في اعتباره (القدس) عاصمة لـ (إسرائيل) بأنه صفعة لكرامة العرب، لكن للأسف يبدو أنّ العرب لا يُجيدون ردّ الصفعات. كلِمتكِ تركت أثراً والآن سنتوسّع فيها أكثر قليلاً

فاديا كيوان: يتأثّرون، هناك شعور بالمرارة والغضب حتّى في أوساط الناس أصحاب القرار والذين يضطرّون للعدّ إلى العشرة. أنا أرى غلياناً لأنّه فعلاً، وكأنّ هذه الصفعة أيقظت الناس، أشعرتهم أنّه مهما فعلتم لتكونوا مُسالمين، محال، يريدون أن يلغوا لكم وجودكم

زاهي وهبي: بمعنى رضِيَ القتيل ولم يرض القاتل

فاديا كيوان: صحّ

زاهي وهبي: قلتِ أيضاً في هذه الكلِمة التي أثارت استحسان المُستمعين الموجودين إنّ السياسة العربية هي الخاصرة الرخوة للعرب. أوضحي لي لو سمحتِ

فاديا كيوان: شوف، أنا طُلِبَ منّي أن أتحدث عن دور السياسة في نُصرة (القدس)، فاستعرَضت بشكلٍ هادئ كأكاديمية، استعرضت المواقف العربية ورأيت أنّ العرب حتّى مدّوا يداً مُسالِمة لتسوية مع (إسرائيل) ولكن تبيّن لاحقاً أننا قمنا بتنازلات مجانية

زاهي وهبي: أصلاً "شارون" قال لهم حينها " هذه المبادرة بلّوها واشربوا ماءها" المبادرة العربية للسلام

فاديا كيوان: المبادرة العربية، بالضبط. فعُدت ورأيت كم بعد ذلك اختار العرب خيار القُطرية، وكلّ دولة كانت تقول أنا أولاً أنا أولاً، ومع ذلك بقينا نحن نتراجع ونغرَق في الإهانة. فلا شيء يصحّ إذا لم نشعُر الشعوب العربية أنّ عندها واجب أن تتضامن. أهمّ شيء التضامن وأنا حكيت في كلِمتي عن أهمية التضامن والتوحُّد مع بعضنا البعض وبدايةً الشعب الفلسطيني لم يعُد يصحّ أن ينزُف هكذا، عيب، لأنه صاحب القضية الأولى. قبل الأراضي العربية التي احتُلّت في الحروب مع (إسرائيل) الشعب الفلسطيني هو صاحب القضية ولا يصح أن يكون لا يزال يُحارب منذ عقود

زاهي وهبي: أنا دائِماً أقول دكتورة إنه ربما لو عرف العرب كيفية معالجة الجرح الفلسطيني من الأساس ربما لما كانت كلّ هذه الجروح اليوم الموجودة في جسد الوطن العربي، لما كانت موجودة. لو عرف العرب كيف يتصدّون للنكبة الفلسطينية لربما لما كانت هناك نكبة سورية ولا نكبة عراقية ولا نكبة يمنية، لأنّ كل هذه النكبات تتناسل من بعضها البعض

فاديا كيوان: قضية (فلسطين) هي القضيّة الأولى والكُبرى وهي ربما لم تُنتِج القضايا الأُخرى ولكنها أثّرت كثيراً في المنحى الذي اتخذته القضايا الأُخرى

زاهي وهبي: وأنا هذا ما أقصده حقيقةً

فاديا كيوان: وفي التطرّف بالضبط، معك حق

زاهي وهبي: قلتِ أيضاً في كلِمتكِ في المؤتمر إنّ العواطف وحدها لا تكفي ولا التمنيات الطيبة

فاديا كيوان: طبعاً، وناديت إلى دور للقيادات العربية كي تعلب دوراً تاريخياً وقلت أين الجامعة العربية خارِج إطار البيانات الكلامية والاستنكار الكلامي؟ ودعيت إلى مواقف صلبة. أنا أعتقد في السياسة والدبلوماسية، لكن في الوحدة بين العرب يُمكننا أن نتقدَّم كثيراً في خدمة قضيّتنا، ولكن من اللازم أن نتوحّد ومن اللازِم أن يكون عندنا جُرأة وألّا نشتغِل في خطاب مُزدوِج بما هو فوق الطاولة وتحت الطاولة ويكون البعض يُساوِم على ظهر الآخرين

زاهي وهبي: ممكن أن نصل إلى لحظة ينتهي العرب فيها من هذا الانفصام إذا صحّ التعبير؟

فاديا كيوان: شوف، أكيد لا يُمكنك ألّا تقِرّ أنه أصبح هناك تقدُّم على المُستوى العالمي للقضية الفلسطينية، هناك تعاطُف عالمي. رأيت ماذا حدث في السنة الماضية من إقرار بموقع لـ (فلسطين)، للسلطة الفلسطينية، لدولة (فلسطين)

زاهي وهبي: نعم، في الأُمم المتحدة

فاديا كيوان: في الأمم المتحدة، وفي اليونيسكو في السنة الماضية أيضاً أو في الربيع الماضي صار هناك موقف جريء جداً لليونيسكو. الدول عموماً والشعوب أكثر من الدول، الدول أحياناً تُحصي حسابات مصلحة، هناك تعاطف

زاهي وهبي: إذا تُلاحظين في العالم تتّسِع مُقاطعة (إسرائيل)

فاديا كيوان: هناك تعاطُف خاصةً أُستاذ "زاهي" مع الأوروبيين الذين عندهم تعاطُف كبير جداً مع الفلسطينيين

زاهي وهبي: سنُتابِع الحوار ونعود قليلاً إلى قضايا لها علاقة بشؤون المرأة وشؤون المُجتمع والوطن اللبناني ولكن اسمحي لنا أن نتوقف مع موجز إخباري سريع ثمّ نُتابِع "بيت القصيد"

 

المحور الثاني:      

زاهي وهبي: مُشاهدينا الكرام، نتابع "بيت القصيد" مع الباحِثة والكاتِبة اللبنانية والأُستاذة الجامعية الدكتورة "فاديا كيوان". حضرتكِ من مؤسّسي "الهيئة الوطنيّة للمرأة" بطلب من السيّدة الأولى آنذاك

فاديا كيوان: نعم، "منى الهراوي"

زاهي وهبي: "منى الهراوي". هلّ ساهمت هذه الهيئة الوطنية لشؤون المرأة والجمعيات النسائية الأُخرى في (لبنان) في تحسين وضع المرأة؟

فاديا كيوان: أكيد. أولاً الهيئة الوطنية هي جهة رسمية، تعاونت مع الجمعيات الأهلية النسائية التي كان لها باع طويل قبل أن تتأسّس الهيئة في العمل من أجل توعية الناس على التمييز الحاصل ضدّ المرأة وأوضاعها المُتردّية والسعي لتحسين أوضاع المرأة. هناك أكيد تقدُّم حصل في العقد ونصف العقد الأخيرين، بعدما وُلِدت الهيئة الوطنية، وأنا أشعُر بهذا الشيء ولو كان هناك أمامنا اليوم فشل، وسعينا في السنة الماضية إلى تحالُف بين الهيئة الوطنية والجمعيات المدنية، سعينا إلى الحصول على كوتا في قانون الانتخاب ووعدونا ونكثوا بوعدِهم. ولكن مع ذلك هناك تقدُّم في الوعي، في أنه من اللازم أن تُشارِك المرأة. الرأي العام يتقبّل، الرأي العام يُطالب، هناك الكثير من السيدات تشجعن اليوم وأعلنّ أنهنّ مرشّحات، الجو تغيّر ليس فقط في قصة المُشاركة في السياسة، هناك أولاً مرحلة اشتغلنا فيها في دراسات وأبحاث لنكون على بيِّنة من أوضاع المرأة

زاهي وهبي: لكن القوانين دكتورة "كيوان" هلّ تغيّرت لصالِح المرأة؟

فاديا كيوان: هناك أشياء تتغيَّر، كلّ عدة أشهُر نُغيّر شيئاً وأعطيك مثالاً. المادة 522 من قانون العقوبات التي كانت تُبرّئ المُغتصِب إذا تزوّج الضحية قمنا عليها بنضالات وهي موجودة في غير قوانين عقوبات وغير دول ولكن نجحنا في إلغاء هذه المادة والآن نسعى لإلغاء مواد أُخرى. نحن نشتغِل كما كنّا نتحدّث منذ يومين أنا والسيّدات، نشتغِل على جبهتين، نشتغِل على وتيرتين، وتيرة على القُطعة ووتيرة استراتيجية. عندنا خطة استراتيجية على عشر سنوات وفي الوقت نفسه هناك نضالات تُقام، مثلاً سنّ الحضانة تعدّلَ في ثلاث طوائِف خلال السنتين الأخيرتين. بالفعل، عملت السيّدات، كلّ مجموعة في طائِفتها

زاهي وهبي: للحقيقة، عندما نتحدّث عن مشاكِل المرأة اللبنانية نتحدّث عن مشاكل المرأة العربية أيضاً لأنّ القوانين تتشابه إلّا في حالات استثنائية في بعض البُلدان مثل (تونس) مثلاً، هناك حقوق المرأة أفضل. المرأة لا يحق لها إعطاء الجنسية لأولادها في (لبنان) وفي غير (لبنان)، في بعض الدول وليّ الأمر يُقرِّر عنها في السفر ولا يُمكنها أن تفتح حساباً مصرفياً ربما لوحدها. إلى أيمتى؟ نحن في القرن الواحد والعشرين، نصف المُجتمع أحياناً نُعطِّله، مثلما كأنّ المُجتمع يصفع نفسه صفعةً حينما يضع على المرأة هكذا قيود

فاديا كيوان: صحيح، وهناك تساؤل دائِماً عربي، عند الإخوة العرب هناك دائِماً نظرة لـ (لبنان) على أنه قدوة، وعندهم صورة نمطية عن المرأة اللبنانية في أنّ وضعها مُتقدِّم. عندما نلتقي كنساء عربيات في المحافل العربية      وتبدأ كلّ واحدة تحكي عن وضع بلدها، جميعهنّ يقلن صار كذا وصار كذا وبعد ذلك أقول لهنّ، لماذا تجلسن هنا إذا الأُمور تمام كلّها وإلى هذه الدرجة متقدمة. نحن عندما نتحدث أولاً كلبنانيين، نقول الأشياء كما هي ولا نُجمِّلها كي نخدُم الحكومة ولا الدولة ولا أحد، وربما عندنا نزعة نقدية أكثر من اللزوم ونقول الأشياء السلبية. فيبدو أنّ (لبنان) عنده صورة نمطية مرتفعة وأعلى من وضعه

زاهي وهبي: نعم

فاديا كيوان: غير طبيعي، ولا تُصدِّق أنّه لا يزال هذا وضع المرأة في (لبنان)

زاهي وهبي: "صيت غنى ولا صيت فقر" كما يقول المثل. سنسمع بعض الآراء في تجربتكِ لو سمحتِ، نبدأها مع الأُستاذة في الجامعة اللبنانية الدكتورة "هند الصوفي"

كلام يوصل

د. هند الصوفي – أكاديمية ومناضلة حقوقية: أنا لم أتعرّف على "فاديا" في "الجامعة اليسوعية" حين كنّا متجايلين ولكن في اختصاصات مُختلفة، تعرّفت عليها في بداية التسعينات وفي لقاء بدعوة من المجلِس النسائي اللبناني كان يهدف إلى جمع القيادات النسائية. من دون أيّ استفسار ومن دون أيّ مُقدمات ساعدتني في الحصول على منحة لاستكمال الدكتوراه في (فرنسا) وبعدها تلاقينا في أمورٍ مُشابهة وفي نضالاتٍ مُشابِهة. كنّا نعمل على بناء مواطنة لدى الشباب و"فاديا" كانت تُحاضِر وكانت تُدرِّب من دون أيّ مُقابل، عندما تقتنع بالفِكرة تعطي بشغف ومن دون أيّ مُقابِل. في الهيئة الوطنية للمرأة اللبنانية حيثُ على ما أعتقد رشّحتني كي أكون عضوة، كانت "فاديا" هي الرأس المُحرِك، تُعِدّ الدراسات وتُصمم الخطط والاستراتيجيات، وكانت ممثلتنا في منظمة المرأة العربية وقد لاقت التقدير من الأقطار العربية لدرجة أنهم رشّحوها الآن كي تكون رئيسة خلفاً للسيّدة "ميرفت تلّابي". "فاديا" في العمل الجماعي هي القادرة على استيعاب كلّ الاختلافات، كلّ الخلافات، أخصّها الله بقيَم نادرة هي التواضُع، هي العطاء، هي القُدرة على الإقناع، هذه المرأة لديها من القِيَم الإنسانية النادرة متعدّدة الاختصاصات وتعمل على غير قطاع. أُفُقُها العالم لكنّ قلبها (لبنان). عندما أدلت بمداخلتها في المؤتمر الأخير الذي عُقِدَ في "الأزهر" من أجل (القُدس) انحنت لها العمائِم جميعها ولاقت التقدير الذي يليق بها في خارِج (لبنان). (فاديا) شخصية من الصفّ الأوّل ليس فقط على الصعيد النسائي ولكن على صعيد الوطن. شخصية تُرفَع لها القُبّعة ومكانها في مراكز القرار لكن هناك المكان ضيِّق جداً ومُفصّل على مقاسات مُغايِرة. من المُلفِت أن تكون "فاديا" قد اختيرت لمنصِب أمين عام لـ "الإسكوا"، وما كانت ستحظى بهذا المكان لولا أنّ القانون الداخلي لـ "الإسكوا" يمنع أن تكون لبنانية في البلد المُضيف وهذا للأسف. هذه المرأة غير اعتيادية، إنها ليست كلِمة فارِغة، إنها فعل ممتلئ، شغِف، مُثمِر. ثمة شخصيات تلتقي معهم على غير صعيد، وهنا اختارت الطبيعة أن ألتقي بـ "فاديا" وأنا سعيدة لهذا الخيار. "فاديا"، إذا كان لا بد من أن أسالكِ سؤالاً سأسألكِ سؤالاً بسيطاً، ما هو القانون الأوّلي الذي ستباشرين في استحداثه أو تعديله إن كنتِ في مركز القرار؟

زاهي وهبي: تفضلي دكتورة "فاديا كيوان"، التعليق عندكِ

فاديا كيوان: هذا تحدٍّ منها لأنه كان هناك حديث بيني وبينها في أنني إذا وصلت إلى وزارة التربية، دعني أُخبركم كلّ شيء أنت والمُشاهدين، في إحدى المرات قلت لها، إذا وصلت إلى وزارة التربية أريد أن أُعدِّل سنّ التقاعُد للأساتذة كي يصبح عمر التقاعُد 68 وليس 64 لأنّ هناك أساتذة ممتازون يذهبون إلى التقاعُد بينما القضاة يتقاعدون في سن الـ 68 وفي أحيان كثيرة تستعين الدولة بالقُضاة في قطاعات أُخرى فيخرُج رئيس الجامعة إلى التقاعُد في سنّ الـ 64 ويضعون مكانه قاضياً عمره 65 سنة، هذه أعتقد أنها قصدت أن تتحداني، وأنا طبعاً عندما أقول هذا الكلام لن يوصلوني إلى مواقع مسؤولية لكن ربما إذا وصلنا إلى مواقع مسؤولية هناك الكثير من الأشياء التي نُريد أن نسعى إلى تعديلها وليس قانوناً واحداً، وربما أول قانون سيكون قانون الانتخاب

زاهي وهبي: نعم. حضرتكِ كنتِ ممثلة رئيس الجمهورية اللبنانية في "الفرنكوفونية"

فاديا كيوان: نعم

زاهي وهبي: ولكنكِ استعفيتِ أو استقلتِ، لماذا؟ هذا موقع شبه رسمي يُمكننا أن نقول ويُمكن من خلاله التأثير ليس في القوانين إنما في شيء ما لأجل (لبنان)

فاديا كيوان: شوف، كان عندي مشاريع وأُحاول أن أُنفِّذها على مُستوى الدول الفرنكوفونية، وتعلم مع الوقت، عندما المرء يعتاد على التعاون الدولي يُصبِح متآلفاً ويعرِّفونه بحيث يُصبِح في إمكانه أن يجد أبواباً يفيد بلده منها. ويجب أن أقول أنّ من كلّفني بهذه المُهمة هو الرئيس "ميشال سليمان" في مرحلة معينة، والرئيس "ميشال عون" طلب منّي أن أبقى وكان هذا شرف عظيم لي، فذهبت لعنده كي أرُدّ الأمانة فقال لي لا، أنا أُريدكِ أن تبقي تمثلينني. حينها احترم العمل الذي كنت أقوم به وكنت أقوم به من دون مُخصصات، ولكن لا طبع عنده مرتبِط بشكلٍ ضيِّق في شخص بقدَر ما هو مرتبِط في الدولة ككلّ. شعرت من موقفه أنه احتَرم طبيعة العمل الذي أقوم به وقال لي "ابقي"، لكن أنا بعد ذلك شعرت أنّه حول الرئيس هناك الكثير من الناس الذين يستحلون، وأنا نظريتي أنه من اللازم على المرء أن يعرِف أيمتى يجب أن يقوم عن مائِدة الطعام قبل أن يزيلوا الأكل. ففي إحدى المرّات كنت أتحدث معه وكان يُحضِّر زيارته إلى (فرنسا)، ففجأةً خرجت مني الكلمات وقلت له، " أنا أُريد أن أستأذِن منك وأن أستعفي". فقدّر كثيراً الموقف وسألني " لماذا"؟ فقلت له أنّ السبب عابر ولن أُخبركم عنه"

زاهي وهبي: قلتِ له، "أريد أن يكون عندي حرية انتقادك"، لأنه لا يُمكنكِ أن تكوني ممثلة لرئيس الجمهورية وتنتقدينه في نفس الوقت

فاديا كيوان: على كلٍّ هو الآن عنده كلّ الحِكمة ولا يُمكننا أن ننتقده، لكن في إمكاننا أن ننتقِد كلّ الباقين

زاهي وهبي: المُشكِل دائِماً عند المسؤول الكبير أنه في أحيان كثيرة تكون حاشيته صعبة، كيلا نقول كلِمة أُخرى

فاديا كيوان: شوف، الحُكم صعب وبلدنا صعب، الحُكم صعب وبلدنا صعب

زاهي وهبي: عُرِضَ عليكِ منصِب وزاري أو منصب رسمي ما؟

فاديا كيوان: لا، عُرِضَ عليّ منصب سفارة في الخارِج في عام 2012، لكن أنا لم يكن في برنامجي أن أذهب لأنني لا أريد أن أكون سفيرة خارج الملاك وأنا أُستاذة جامعة، أظلّ في الجامعة. العمل الجامعي في مرحلة هو اختارني لكن بعد ذلك أنا اخترته. أنا كنت أريد أن أكون دبلوماسية في الأصل، درست علوم سياسية كي أدخل السِلك، لكن حينما كنت أدرُس بدأت الحرب فأكملت دراستي في الحرب واتجهت نحو التعليم ولم أعد أُريد أن أُغيِّر

زاهي وهبي: أحياناً كثيرة الحروب للأسف تُغيِّر مسارات ومصائِر الناس، بخلاف الضحايا بشكلٍ مُباشَر. حتّى الناس الذين لا يموتون ولا يُجرحون مسار حياتهم بأكمله ربما يتغيّر بسبب الحرب. لو عُرِضَ عليكِ منصب وزاري، تفضلين وزارة التربية أم وزارة أُخرى؟

فاديا كيوان: أنا الآن لن أقول وزارة الخارجية وهي الآن في مشكل، وزارة التربية يمشي الحال، لكن على سلامته الوزير "مروان حمادة" عندما يأخُذ وزارة يُحبها أكثر، لكن أنا لا أُحبّ أن آخُذ مكان الناس وهذا الموضوع ليس مطروحاً

زاهي وهبي: لكن واضح أنّ عينكِ على الخارجية

فاديا كيوان: لا، لا، أكيد لا (تضحك)، لكن بحُكم اختصاصي ممكن وزارة تعاون دولي، أنا أُفضِّل أن أرى. ولا مرة أخذت مكان أحد في ولا مكان، لا في التعليم ولا في المراكز التي أخذتها، دائِماً آتي بفكرة وأستحدِث لها موقعاً وأحلّ فيه لفترة وبعد ذلك يُصبحون يتهافتون ليأخذوا مكاني. أنا أتمنّى أن يستحدث (لبنان) وزارة تعاون دولي، هكذا لا أكون أخذت مكان أحد

زاهي وهبي: هذا الذي جعلكِ تترشّحين على "الإسكوا"، على منصب وكيل الأمين العام في الإسكوا؟  أمين عام الأُمم المتحدة طبعاً

فاديا كيوان: أنا اهتممت بالتعاون الدولي منذ سنة 1991، في فترة بداية حياتي الجامعية حدثت ظروف جعلتني أشتغِل مع الوزير" بُطرُس حرب" الذي سلّمني ملفّ التعاون الدولي حينها. بدأت أعتاد وأتعرف، هذا ميدان رائِع، ومنذ ذلك الوقت بقيت في مجال التعاون المتعدّد. هناك أشياء حلوة جداً يُمكن للمرء أن يقوم بها في هذا المجال، أشياء حلوة كثيرة

زاهي وهبي: لماذا لم يتكلل ترشّحكِ بالنجاح؟ هل لأنكِ لم تُلاقِ دعماً رسمياً لبنانياً؟ لماذا؟

فاديا كيوان: أنتم الصحافيون لا يُمكن للمرء أن يخفي عنكم شيئاً. أنا ترشّحت في خطوة انفرادية لأنّ أحدهم نصحني بأن أترشّح لأنّ المركز شاغِر

زاهي وهبي: مكان السيّدة "ريما" عندما استقالت السيّدة "ريما خلف"

فاديا كيوان: صحيح. هم في العادة لا يأخذون أحداً إذا كان في بلده وهناك استثناءات، اليوم أخذوا "أزوليه" في (فرنسا) في "اليونيسكو" مع أنّها في (فرنسا) ولكن (فرنسا) ليست (لبنان). لكن أنا حينها ربما لم أشتغِل مع "ريكتيه" بشكلٍ قوي، اعتبرت أنني فقط إذا عندي كفاءات يأخذونني فأقاموا تصفية واصطفوني بين ثلاثة أشخاص وأجروا معي مُقابلة في الـ Visio Conference في (نيويورك) وكانت ممتازة وأرسلوا برسالة كلّها مديح وبعد ذلك قالوا لي أنهم سيضطرّون لاختيار غيري لأنّ عندهم اعتبارات في الأُمم المتحدة غير مسألة من عنده كفاءة، عندهم اعتبارات تتعلق بشبكة علاقات الدول، هناك دول يُسايرونها أكثر من دول أُخرى وهناك مراحل يُسايرون فيها دول أكثر من دول

زاهي وهبي: لأسباب مُعينة لها علاقة بمشاريع، ولها علاقة بمخططات

فاديا كيوان: لها علاقة بظروف المنطقة، القدرة المالية للدولة، دول خارِجة من الحرب

زاهي وهبي: مصالِحهم، مصالِح الدول الكُبرى

فاديا كيوان: هو مركز مهمّ جداً، لو استطعت أن أحصل عليه كنت بالتأكيد خدمت (لبنان) والمنطقة العربية لأنّ "الإسكوا" تخدُم المنطقة العربية بكاملها وكان في إمكاني وفي بالي أن أفتح على (أوروبا) كخطوة أولى

زاهي وهبي: من أخذ المنصِب؟

فاديا كيوان: أخذه سفير سابق لـ (العراق)، سفير (العراق) السابق في (نيويورك)

زاهي وهبي: نعم. سنُتابع مع حضرتكِ، مرّة أُخرى اسمحي لنا أن نتوقف مع استراحة سريعة ثمّ نُتابع "بيت القصيد"

المحور الثالث:

زاهي وهبي: مُشاهدينا الكرام نُتابع "بيت القصيد" مع الدكتورة "فاديا كيوان". في مجتمعاتنا، أعني في المُجتمع اللبناني والعربي، هلّ التحديات التي تواجه المرأة مُختلِفة اختلافاً جذرياً عن التحديات التي تواجه الرجل؟

فاديا كيوان: في مُجتمعاتنا التحدي أولاً هو التمييز في حقها والنظرة الدونيّة لها أكيد، وعموماً أوضاع النساء أميَل إلى الفقر، إلى التهميش، وعندكَ مسألة العُنف. كلّ دول العالم فيها ظاهرة العُنف ولكن نحن عندنا "تابو" أي الموضوع لا يُحكى فيه، عندنا نزعة مُحافِظة ومتطرِفة في المُحافظة في العالم العربي وأنا أعتقد أنّ المرأة مُشارِكة فيها. المرأة العربية والمرأة اللبنانية كذلك في رأيي ليست تقدميّة كثيراً في قضايا المرأة، هي توفيقيّة، تلفيقيّة في موضوع المرأة

زاهي وهبي: قلتِ حضرتكِ في البداية أنكِ لستِ مع جلد الذات ولكن هناك مسألة دائِماً نسمعها للأسف وهي أنّ أكبر عدوّ للمرأة هي المرأة نفسها، هلّ هذه مقولة ذكورية أم فيها شيء من الواقع؟

فاديا كيوان: يقول لي، الله يوجّه له الخير، الأُستاذ "ميشال إده"

زاهي وهبي: نعم، أطال الله في عُمره

فاديا كيوان: "آخِر فرصة للرجال هي خلاف النساء بين بعضهنّ البعض"، ولكن هذه يقولها على سبيل الدعابة

زاهي وهبي: كمزحة

فاديا كيوان: المرأة تتحمل جزءاً من مسؤولية عدم وصول نساء إلى مراكز مسؤولية لأنه عندهنّ نزعة ألّا يكون عندهن ثقة بالمرأة الأُخرى لكن أعتقد أنّ هناك ترويجاً لهذه الصورة النمطية عن النساء لخلق البلبلة في صفوفهنّ، وهذه من الأفكار الذكورية

زاهي وهبي: ما تفسيركِ لظاهرة تزايُد العنف ضدّ المرأة؟ الجرائِم الأُسرية في (لبنان)؟ تلاحظين مثلاً كلّ أسبوع أو أُسبوعين الزوج يقتل امرأته أو طليقته، وهذه ظاهِرة موجودة في غير بلدان عربية أيضاً للأسف. هلّ هي دائِماً كانت موجودة واليوم صار الإعلام يُضيء عليها أكثر أم هي زائِدة بفعل الحروب والعُنف أيضاً المُنتشِر في بلادنا؟ ما هو تفسيركِ لهذه الظاهرة؟

فاديا كيوان: شوف. لفتني أننا نسمع أكثر عن جرائِم عُنف، وأنا يوم السبت اعتصمت مع جمعية "كفى" وجمعيات أُخرى أيضاً في وقفة رمزيّة للموضوع. السؤال هو، هلّ الظاهرة ازدادت أو صرنا نسمع فيها أكثر؟ أعتقد أنّه في الماضي كان العنف يحدُث ويتسترون عليه  

زاهي وهبي: نعم، حتّى العائِلات نفسها ربما تخاف مما يُسمّى الفضيحة

فاديا كيوان: بالضبط. في الماضي عندما كانت المرأة تُضرَب وتُهان أو تُعنَّف والأهم ألّا يُعرَف هذا، الأخطر أن يُعرَف مما ألّا يُعرَف أنها ضُرِبت. اليوم صار هناك تحفيز للنساء وتشجيع لهن لكي يحكين

زاهي وهبي: في الماضي كانوا يقولون "خلّيها في القلب تذبح"

فاديا كيوان: تجرح    

زاهي وهبي: " تجرح، ولا تخرُج إلى الخارِج وتفضح"

فاديا كيوان: صحيح

زاهي وهبي: هذه المقولة تختصر هذا الواقع

فاديا كيوان: بالضبط، اليوم صار الناس يُشجعون المرأة كي تتحدث وأعتقد أنّ هناك أيضاً زيادة لوتيرة الجرائِم بسبب الضيق الاجتماعي وشعور المُرتكبين أنّ في إمكانهم أن يمرروا الأمر من دون أن يُعاقبهم أحد، وهذا شيء خطير

زاهي وهبي: التدهور الحاصل في مُجتمعاتنا وكثرة العُنف والمُشاهدات، عندما تُشاهدين نشرة الأخبار على التلفزيون، قتل وجثث وحرق وقطع رؤوس

فاديا كيوان: أصغر فيلم أميركي يستغرِق أربعين دقيقة يموت فيه أربعة أو خمسة قتلى

زاهي وهبي: أحياناً يُطلقون النار على المُشاهدين

فاديا كيوان: (تضحك) كلّ الأفلام قتل، صحيح

زاهي وهبي: دعينا نسمع لو سمحتِ رأياً أيضاً في تجربتكِ من صديقتنا المُشتركة الدكتورة "فهمية شرف الدين"

 

 

كلام يوصل

د. فهمية شرف الدين – أكاديمية باحثة ومناضلة حقوقية: يسرّني أن أتحدث عن "فاديا" وأعتقد يسرّ الكثير من الناس أيضاً أن يتحدثوا؛ "فاديا" شخصية لبنانية استطاعت أن تجمع ما بين الأخلاق وما بين الاجتهاد. كوّنت نفسها بنفسها وتعِبت كثيراً. كنّا نتحدث معاً أننا ركضنا كثيراً وآن الأوان أن يكون لحياتنا معانٍ مُختلِفة. "فاديا" من الصبايا اللواتي كونّن أنفسهنّ وأعتقد أيضاً أنها استطاعت الوصول إلى أماكِن وإن كانت لا تكفي هذه الأماكن، لأنّ المكانين الأساس في رأيي اللذين في استطاعة المرء أن يُغيِّر فيهما هما: مكانٌ تعليمي، أن يكون مثلاً في الجامعة ويكون عنده طلّاب وينقُل أفكاره الجميلة والجيدة لهؤلاء الطلّاب، والمسألة الثانية أن تكون مُشارِكة في ما يحصل في بلدها، وفاديا تحوز المكانين، تُلاحِظ وتُراقب وتعمل وتُساهِم بما يجري أكان ذلك في الكتابة أو في الحركات المُنظّمة التي هي حركات المُجتمع المدني. الكلّ يعرِف أنّ الناس يلتقون عندما يلتقون فعلياً في أساليب حياتهم، في أشكال التعبير عندهم، فأنا و"فاديا" يُمكننا أن نقول أننا أصحاب منذ الثمانينات ويُعطيني سعادة أن أكون صديقة لـ "فاديا" وأن نستطيع أن نتحدث معاً ونخِبر بعضنا ونمشي مع بعضنا البعض في التظاهرات وفي إضرابات ونُعبِّر عمّا نحن فيه بحرية. أيضاً النساء في حاجة لشخصيات ريادية مثل "فاديا" من أجل أن يروا كيف يُمكن  للمرأة أن تكون فاعِلة وأن تكون فعلاً قادرة على أن تنقل طموحاتها وأحلامها إلى حيِّز التطبيق. أخيراً أُريد أن أسألك يا "فاديا"، أنتِ ابنة هذا النظام وأنتِ تُحبين أن تُحافظي على هذا النظام، لماذا لم تستطيعي، وأنت "فاديا" التي أنجزت ما أنجزته في حياتها، اختراق هذا النظام؟ أنا لا أُريد إجابات عادية عن المُعوقات لأننا نعرِفها وهي تُعيق جميع الناس، ما هي المعوقات التي تعيقكِ أنتِ بالرغم من كلّ ما فعلتِه في حياتِك؟   

زاهي وهبي: شكراً للدكتورة "فهمية شرف الدين"                                                                                                                                         

فاديا كيوان: مناضلة وعلى سلامتها

زاهي وهبي: نعم، وسؤالها فيه نكزة أيضاً، ابنة النظام

فاديا كيوان: طبعاً فيه نكزة. أنا من إنتاج النظام لكن أنا لستُ محامية النظام، هذا ما أريد أنّ أرد عليه بالنسبة لـ "فهمية". لماذا لم أخترق؟ لست وحيدة في هذا، كثيرون غيري أيضاً أحسن منّي ربما ولا يخترقون، نساءً ورجالاً، لأنّ نظامنا غير ديمقراطي، وهذا النظام الذي تتحدث عنه هو النظام الطائِفي الذي أدعِي إلى أن ننزع سقفه في اتجاه اللاطائِفية وليس أن نقيم ثنائية أو "سيبة" ثلاثية ونُقصي الآخرين. أنا كتبت مقالاً قلت فيه، وكان هناك حديث في أنه مثلما أصبح هناك تفاهم ثنائي سيكون هناك تفاهم مع الفريق الثالث، وفوراً كتبت في الجريدة "وماذا ستفعلون في الباقين، ماذا ستفعلون في الناس الذين ليسوا من رأيكم وطوائِفكم؟" هذا المنطق أنا لا أُريده، لذلك أنا إنتاج النظام ولكن هذا النظام ذكي ويُنتِج أُناساً يريدون أن يتجاوزونه

زاهي وهبي: ويفهم هذا الشيء، بمعنى لا يضعهم في مواقع يمكِن أن يغيّروا فيها لأنه لا يُريد أن يُغيِّر. هلّ فعلاً عندنا أمل يوماً ما في تغيير حقيقي في (لبنان)؟ هلّ هناك أمل أن يكون النظام اللبناني لا طائِفي ويكون يحتوي على شيء من العلمانية؟ أو دولة مدنية على الأقلّ؟ مُمكن هذا الشيء في بلد

فاديا كيوان: هذا حلم بالنسبة لنا، ممكن، ممكن. لا أعتقد أنّ وتيرة التغيير ستكون سريعة بشكل أنّ الناس الذين ناضلوا كثيراً سيعيشونه لكن أكيد الجيل الذي يلينا سيرى أياماً أحسن

زاهي وهبي: قلتِ أنكِ تراهنين أو عندكِ أمل بهؤلاء الشباب لكن أحيانا نجد في هؤلاء الشباب من هو أكثر تطرفاً أو تعصباً من الأجيال الماضية التي عاشت الحرب والقتال والنزاع المُسلّح

فاديا كيوان: صحيح، هناك من هم هكذا ومن ليسوا هكذا، ونجد المتطورين أكثر عدداً من المتقوقعين، هذا الذي يُعطيني أمل. هذا يعطيني أملاً إذا ظللنا صابرين كي نُمرر لهم المشعل وألاّ ننهار وننهزِم، وهم أكيد سيستطيعوا أن يواصلوا والبلد ستتقدم، أنا مقتنعة بهذا. في السنوات الأخيرة حدثت مسيرات شعبية شارك فيها شباب وصبايا من الأجيال الجديدة، والله أنا أستحي من الشباب والصبايا الصغار عندما يحدُث تمييزاً على أساس طائِفي. أنظُر في عيونهم وأرى الخيبة، أنهم في مرحلة معينة هم يعتبرون الدنيا كلها مفتوحة لهم ويأتي أحدهم ويضع لهم حدوداً. عندما يشعُر اللبناني أنّ أخاه اللبناني، قبل أن يعرف إلى أية طائِفة ينتمي، الذي يعيش معه مثل أخيه أو أخته، من غير اللازم أن نجرحه في كرامته أو في عنفوانه أو في وطنيته ونصنع هذا الجرح الذي يُميِّز بين اللبنانيين

زاهي وهبي: ترين كم هناك شباب يعتصمون، طبعاً شباب من الجنسين عندما نقول شباب، لأنهم غير قادرين على الحصول على وظيفتهم بسبب انتمائهم الطائِفي، بسبب عدم وجود توازن طائِفي أو مذهبي في الأعداد

فاديا كيوان: صح، أنا عندي موقف قاطِع في الموضوع، عندما تكون هناك مُباراة للدخول إلى وظيفة رسمية وتُحتَرَم شروط الكفاءة وأناس غير معروفين الذين يتقدِّمون للمسابقات، وبعد أن تُصحح هذه المُسابقات من اللازم أن نُعيّنهم من دون تردد وأن نُشجِع كلّ اللبنانيين أن يذهبوا إلى الوظيفة العامة. الوظيفة العامة شيء نبيل جداً، يعني خدمة المُجتمع، وليس أن يرتزق المرء فقط من الوظيفة. لذلك من اللازم أن يتهافت كلّ اللبنانيين على الوظيفة العامة، وبالتالي الذين ينجحون في المباراة من دون تردد وإلى أية طائِفة انتموا من دون أن يكون هناك توازن بين الطوائِف، أنا لا أُريد توازناً، إذا كانت هناك مباراة لا أُريد توازناً

زاهي وهبي: لكن للأسف، الوظيفة العامة اليوم، في (لبنان) وفي كثير من البلدان العربية، وأنا دائِماً أحكي لأنّ برنامجنا موجّه لمُشاهدينا العرب في كلّ أنحاء العالم وأقرأ وأُتابع، سواء في (مصر)، سواء في (الأُردن)، الكلام ضدّ الفساد، الكلام ضدّ الرشوة في أماكن أُخرى كثيرة، في (العراق) مثلاً، كل برهة يحضرني بلد، وربما هي ظاهرة عامة في كلّ الدول العربية. الوظيفة العامة صارت ليست فقط مصدر ارتزاق بل مصدر للفساد، بمعنى منطق، "كم ستكون حصّتي؟" من أكبر مسؤول إلى أصغر موظف، "كم ستكون حصّتي؟"

فاديا كيوان: نعم، لكن الآن هناك تفشٍّ لظاهرة الفساد لأنه لا توجد مُعاقبة للفاسدين، ولكن إذا كانت هناك روادع ومعاقبة للفاسدين تتقلّص الظاهرة. غير صحيح إننا شعب فاسد ولكن أكيد بيننا فاسدون كثيرون

زاهي وهبي: أننا لا أقول أن الشعب فاسد ولكن أيضاً الحبل متروك على "غاربه" كما يقولون

فاديا كيوان: الشعب من اللازم أن يُحاسِب، الشعب من اللازم أن يُحاسِب. إضافةً أُريد أن أسألك، كلّ شخص يقول بأنه يريد أن يقوم بمعركة ضدّ الفساد وأن البلد يضرّه الفساد، كلّهم يتحدثون في نفس اللغة، كلهم يُحاربون الفساد، لكن أريد أن أعرِف من بينهم فاسِد إذا كانوا كلّهم يُحاربون الفساد؟ أنا سأقول لك من أين يأتي الفساد، مصدر الفساد هو آلية عمل النظام القائِم على أساس أُناس يصِلون ولا يُحاسبهم أحد، ثم نعاود الانتخابات ونُنتجهم أنفسهم ولا أحد يُحاسبهم. عندما لا تكون هناك مُحاسبة يمكن أن يحدث الفساد. عندما تكون هناك حزبية ضيّقة منغلِقة تريد أن تقوم بمُحاصصة سواء كانت عدة حزبيات أو حزب واحد، الأمر سيّان، يتقاسمون الحصص وبالتالي يتقاسمون الدولة وكأنها غنائِم أو مغانِم، لا يجوز هذا، لا يصحّ. (لبنان) اليوم في ثلاثة أخطار وسأعاود استعادة عن هذه الأخطار الثلاثة التي تحدث عنها "ريمون إدة" منذ لا أدري كم من الوقت لكن ليسوا هم أنفسهم، خطر المذهبية والطائِفية والحزبية الضيّقة المُنغلِقة لأن هذه الأخطار الثلاثة تُنتِج الفساد ويشلّون الديمقراطية

زاهي وهبي: نعم، الجيل القديم، جيل "ريمون إدة" ورفاقه وخصومه، سواء اتفقنا معهم أو اختلفنا معهم في السياسة، لكن على الأقلّ كان هناك شيء من نظافة الكفّ، من التعفف والنزاهة غير الموجودة اليوم، غير موجودة عند الأغلبية ولا نريد أن نقول أنها خلِيَت، "إذا خلِيَت فنيت" كما يقول المثل

فاديا كيوان: لا، لم تخلَ، أنا أعرِف سياسيين ومسؤولين كبار في الموظفين يرفعون الرأس، الموظفون يرفعون الرأس أكثر من السياسيين لكن هناك منهم من هم "أوادم" جداً، ليسوا كلّ الناس فاسدين أكيد، أكيد ليسوا كلّ الناس فاسدين

زاهي وهبي: في بعض البلدان العربية اليوم تسمعين، وأنا أقرأ على الـ Social Media، على وسائِل التواصل، يترحّمون على أيام الدكتاتورية، يعني عندما كان هناك دكتاتور، معروف أنه هو وجماعته هؤلاء هم الحرامية أو الذين يسرقون مثلاُ ثروة البلد، لكن اليوم هناك ألف

فاديا كيوان: شوف، نحن في مخاض، سواء في (لبنان) أو في الدول العربية، نحن في مخاض. نحن ننتقل من طور التقليد إلى طور الديمقراطية، تحتاج إلى وقت. هناك خطوة للأمام، خطوتان إلى الوراء

زاهي وهبي: أي، لا زلتِ تتأملين أنه ممكن لعالمنا العربي، رغم كلّ الحروب، رغم كلّ المذهبيات، رغم كلّ التطرّف والإرهاب

فاديا كيوان: أكيد، كلّ هذا مخاض. من بعد الألم سيولَد يوم جديد أكيد، أكيد

زاهي وهبي: الله يسمع منكِ، أنا أتأمل

فاديا كيوان: أكيد، لكن أنا لست متأكدة أنني سأرى هذا

زاهي وهبي: لا، إن شاء الله ترين هذا، الله يعطيكِ العُمر لكن السؤال من أين هذا الأمل؟ "محمود درويش" قال، "علينا أن نُربّي الأمل مثلما نُربّي وردة أو شجرة زيتون". "سعد الله ونوس"، الكاتب المسرحي العظيم قال، "إننا محكومون بالأمل"، وصارت هذه الجملة لكثرة استعمالها تكاد تكون مُستهلكة من قِبلنا جميعاً. من أين سنأتي بهذا الأمل؟

فاديا كيوان: نحن نزرع الأمل، ونسقي الأمل لينبُت الأمل ويكبر الأمل. لأننا نزرع الأمل سينبُت الأمل، لذلك نحن لدينا أمل، وعندنا رجاء أيضاً، المؤمنون بيننا يعرفون معنى الرجاء، ولا يوجد وضع سيّىء محكومون فيه بشكلٍ دائِم

زاهي وهبي: إلى الأبد

فاديا كيوان: لا بدّ من أن نعاود توّثبنا ونقوم ولكن الوتيرة هي إمّا سريعة أو بطيئة، هنا الموضوع يتغير

زاهي وهبي: نتمنّى، نتمنّى هذا. اسمحي لنا أن نتوقف مع استراحة أخيرة ثمّ نُتابع "بيت القصيد"

المحور الرابع:

زاهي وهبي: مُشاهدينا الكرام، القسم الأخير من "بيت القصيد" مع الدكتورة " فاديا كيوان". هذا الواقع الذي تحدثنا عنه سواء منه ما يتعلّق بالمرأة أو ما يتعلّق بالإنسان عموماً وذكرتِ حضرتكِ في البداية أنّكِ بدأتِ أصلاً كمُهتمّة في حقوق الإنسان قبل أن تصلي إلى حقوق المرأة. المُثقف اليوم العربي أيّ دور له في رأيكِ؟ وتعرفين النقاش حول المُثقف العضوي وغير العضوي والمثقف الفاعل في المُجتمع أو الذي يكتفي فقط بإنتاجه الثقافي بالمعنى الروائي وأن يكتُب رواية وانتهينا والشاعر يكتُب قصيدته وانتهينا أو لا، له دور في المُجتمع وبين الناس وإلى آخره. النُخَب العربية اليوم موجودة؟ فاعلة؟ مؤثِرة؟ أم الناس في مكان والنُخَب في مكان؟

فاديا كيوان: شوف، أنا نظرتي إلى الموضوع ليست عقائِدية، أنا أعتقد أنّ هناك مثقفين عضويين وهناك مثقفون فاعلون في محيطهم وهناك مثقفون يُنتِجون فقط، هناك من جميعه

زاهي وهبي: خيارات

فاديا كيوان: نعم. الآن نحن ننزُف عربياً لأنّ عندنا فئات كبيرة من الذين يتعلمون ويُصبحون مثقفين أي يعملون في إنتاج الفِكر والثقافة، يسافرون ويعيشون في الغرب ولا يرجعون. أفهمهم لأنّ هناك فُرَصاً أكثر ويعيشون مرتاحين وهناك احترام للإنسان، ولكن نحن نفقدهم. هناك نزيف عربي ولكن الذين يبقون نريد أن نُكمِل بهم كما قالت أُغنية "فيروز"، الموجودون والفاعلون في محيطهم يمكنهم أن يؤثروا. في رأيي هؤلاء عندهم مُهمّة صعبة لكن ضرورية وهي أن يزرعوا الأمل، أن ينتجوا فكراً أصيلاً ونحن علينا أن نبقى على علاقة متواصلة مع الغرب، مع العالم بصورة عامة، مع العالم العربي الذي هو العُمق الطبيعي لـ (لبنان)، وهذه العلاقة التفاعلية تجعل المثقفين ينتجون فكراً أصيلاً، ليس بتقوقع نُنتِج فكراً، ننتُج فكراً مع مواكبة الفِكر العالمي لكنه فكرٌ ذو أصالة، بمعنى أن ابن بيئته هو من وضعه وبالتالي يُنوِّر

زاهي وهبي: نعم، من دون أن نكون مُستَلَبين للآخَر

فاديا كيوان: بالضبط، حينها هم يزرعون الأمل، هم يرسمون الطريق، هم الذين يعطون أيضاً قُدوة أحياناً للناس، وأحياناً كثيرة أيضاً الناس في عالم السياسة يمكنهم أن يهتدوا بما يقوله المثقفون

زاهي وهبي: كم مُهمّ دور الثقافة وليس فقط المُثقف؟ بمعنى، اليوم إذا أردنا أن نُجري مُقارنة مع الراهن الحالي والستينات والسبعينات من القرن الماضي، تلاحظين أنه في حينها كانت هناك نهضة ثقافية، فنية، أدبية إلى آخره. الأحزاب كانت تلعب دوراً حينها أكثر حيويةً وفاعليةً في المجال الثقافي من الدور الذي تلعبه الأحزاب اليوم، كيف يُمكن أن نُعيد إلى الثقافة توهّجها وحضورها في حياتنا اليومية؟

فاديا كيوان: شوف، أولاً وجود وسائِل التواصل الاجتماعي اليوم غيّر الاتجاه. لم نعد نرى اليوم الكثير من الأشخاص يمسكون كتاباً لكنهم يمضون الكثير من الوقت على الإنترنت، بمعنى يطّلعون كثيراً لكنّهم لا يقرأون ويتفاعلون كثيراً مع الذي يقرأونه ربما. من اللازم أن تحدُث نشاطات ثقافية تقوم فيها الأندية، المدارِس تقوم فيها، الجامعات يُمكن أن تقوم فيها، كي نتمكن من إعادة خلق هذه العادة الحلوة عند الناس وهي أن يقرأوا، وأن يتفاعلوا في المناقشات. (لبنان)، شوف، فيه نبض لا بأس به لكن من اللازم أن يكون أقوى لكي يعود أولاً (لبنان) ليستعيد دوراً مهماً وريادياً في ميدان الإنتاج الثقافي والنشر الثقافي، ومن اللازم أن تكثُر المنتديات الثقافية وتُكتَسب من جديد مهارات في إدارة الحوارات والمُشاركة والمحاجّة والخُطابة والعودة إلى التُراث ومعرِفة الأُدباء الكبار الشُعراء الكبار العرب واللبنانيين، هؤلاء لا يعِرفهم الجيل الجديد

زاهي وهبي: أنا أسأل عن هذا لأنّه أيضاً مهم مراكمة الوعي والمعرِفة في مواجهة أيضاً التطرُّف والتقوقع والإرهاب والنزعات الدموية. المعرِفة والوعي يُساهمان كثيراً في مواجهة هذه الأمور

فاديا كيوان: أكيد

زاهي وهبي: تشعرين أحياناً أنه عند السياسيين لا يوجد إدراك لهذه المسألة كما هو لازِم

فاديا كيوان: لكن لا نطلب من السياسيين كلّ شيء، هذا شغل الناس الذين يعملون في الميدان الثقافي والأكاديميا والعِلم، أن يُظهِروا أهمية الثقافة ويوجّهون ويخلقون أُطراً يشاركون فيها

زاهي وهبي: لكن من المُفترض أن تدعم الحكومات والوزارات المعنية مثل وزارة الثقافة. في كلّ العالم وزارة الثقافة والحكومة

فاديا كيوان: وزارة الثقافة ووزارة التربية هما وزارتان عندهما دور ريادي

زاهي وهبي: نعم، يدعمان المسرح، يدعمان الشِعر، يدعمان الموسيقى

فاديا كيوان: يحتاجان أن تدعمهما أولاً الدولة، عليك أن تُعطِهم موازنات. يأتي أُناس مهمون إلى وزارة التربية وإلى وزارة الثقافة لكن لا يكون عندهم موارِد كافية، وبعد ذلك، (لبنان) عنده عادة بشِعة كثيراً، أنه كلّما تغيّرَت حكومة نشعُر أنهم يبدأون من جديد

زاهي وهبي: نبدأ من الصفر، لا أحد يُكمل المشروع

فاديا كيوان: هذا مؤسِف

زاهي وهبي: هذا عندما يكون هناك مشروع أساساً. دكتورة "فاديا كيوان" أعرِف أنّكم في قريتكِ، في (جاج)، تؤسّسون شيئاً ثقافياً أو أسسّتم بيتاً ثقافياً. سنسمع قليلاً عن هذا الموضوع من صديقك طبيب القلب الدكتور "رينيه خوري"، نسمعه معاً في كلام يوصل

كلام يوصل

د. رينيه خوري – طبيب: أنا طبيب قلب من قرية اسمها (جاج)، من اللازم أن يكون عند الطبيب أيضاً اجتماعيات لأنّه لا يمكنه أن يكون مقفلاً على نفسه. نحن والدكتورة "فاديا" قررنا أن نؤسّس داراً ثقافية في (جاج). صحيح أنها قرية لكن فيها متعلمون ومثقفون والكثير من المهندسين وفيها أطباء ومُحامون. نجمع الأطفال والصبايا معاً في مكانٍ يمكنهم فيه أن يقرأوا ويُشاهدوا ونقوم لهم بنشاطات، وكلّما قمنا بشيء نجد أنه من اللازم أن نقوم بما هو أكثر. صراحةً، الدكتورة "فاديا" نشطة جداً وطموحها كبير في حياتها، بمعنى تنتهي من مشروع وتبدأ في آخر وآخر إلى آخره، لا يمكنها إلّا أن تقيم مشاريعاً وكلها مشاريع من دون غاية ومن دون بدل. وجدنا القليل من الصعوبات ولكن في النهاية فتحنا مركزاً جيداً جداً يحتوي على مكتبة فيها تقريباً أكثر من ألف كتاب، كما أننا قدّمنا مُحاضرات ثقافية وبيئية وطبيّة، قدّمنا مُحاضرات للأطفال، أحضرنا أناساً يهتمون بالأطفال. لا تترك (فاديا) شيئاً من دون أن تُساعِد فيه وتتدخل وكله من دون مقابل، وكلّما تتعرفين أكثر عليها كلّما تجدينها مليئة بالطاقة ومليئة بالعطاء. أُريد أن أسألكِ دكتورة "فاديا"، رغم الصعوبات الموجودة في (لبنان) والموجودة في بيئتنا، هلّ ما زِلتِ مُستعِدّة لإكمال الشُغل كما كنتِ تشتغلين بكلّ نشاط وقوّة وعطاء؟ وما هو الثمن الذي أنتِ غير مستعدة لدفعه؟

زاهي وهبي: شكراً للدكتور "خوري"، تفضّلي

فاديا كيوان: أنا أشكره أيضاً على كلامه وعلى سؤاله. أنا ما زلت لغاية الآن متحمّسة لتعزيز وضع غابة الأرز في قريتي لأننا قمنا بنضال طويل حتّى تمكّنّا من الحصول على قانون لخلق محمية. فتأسّست لجنة لإدارة المحمية وما زلنا في بداية الطريق. هناك صعوبات لكن أنا مصمّمة على حماية غابة الأرز وعلى التشجير أكثر في تعاون مع الجمعيات التي تُحبّ الطبيعة ونخلِق من (جاج) موقع سياحة بيئية. هذا هو المشروع المقبل، وهو يسألني عما عندي من جديد. أما الشيء الذي لا أقبل التضحية به فهو حريّة رأيي

زاهي وهبي: نعم. حرية الرأي ربما هي أغلى شيء يمتلكه الإنسان فعلاً

فاديا كيوان: كرامة الإنسان في حرية رأيه، كرامته وضميره

زاهي وهبي: طبعاً. في موضوع أنّكم تؤسّسون أو أسّستم بيتاً ثقافياً في القرية، لا يُمكنني أن أُخبركِ كم أكون مسروراً سواء ذهبت إلى الشمال أو إلى الجنوب، إلى البقاع أو الجبل، عندما أجِد في القرية التي أريد أن أذهب إليها منتدىً ثقافياً أو بيتاً ثقافياً، أُمسية شعرية، ندوة. كم هذا الشيء مُهمّ خصوصاً في المناطق الريفية أو المناطق النائِية. كم يُساهم هذا في خلق تنمية بشرية؟

فاديا كيوان: طبعاً، أولاً نحن شعرنا أنّ هذا شيء جديد، والقرية احتضنت دار الثقافة بكثيرٍ من الإيجابية، والأهم أنّ الجيل الجديد، الأطفال والشباب والصبايا، شعروا بوجود مكان صار في إمكانهم أن يجلسوا فيه ويطالعوا ويتناقشوا، وهذا خلق جواً جديداً في القرية. طموحنا أن يكون المركز عنده حضور في كلّ القرى المُحيطة بنا لأنه لا توجد مراكز ثقافية حولنا وبالتالي يُصبِح هناك تفاعُل أكثر بين القُرى

زاهي وهبي: نعم، في موضوع آخر، حضرتكِ مُرشّحة حالياً لمنصِب هو الأمين العام لمنظمة المرأة العربية، ما هي منظمة المرأة العربية؟

فاديا كيوان: منظمة المرأة العربية تأسّست في العام 2003 في فلك جامعة الدول العربية، يرأسها مجلِس أعلى فيه سيّدات أُوَل وعندها مجلِس تنفيذي يديرها وهناك مُديرة عامة للمنظمة. المنظمة رشيقة وفعّالة وأحدثت أشياء مهمة جداً للمرأة العربية في السنوات الماضية، في مرحلة أولى بدأت تطلُب دراسات عن الدول العربية حتّى أصبح عندنا ما يُشبِه بنك معلومات لأننا لم نكن نعرِف ما هو الوضع، وتدريجاً تمّ رصد مواطن الخلل وأين يُمكننا أن نخدُم، وهناك مشاريع في ستّ عشرة دولة عربية

زاهي وهبي: هل ممكن أن يكون حظّكِ هذه المرة أفضل من حظّكِ حينما ترشّحتِ لـ "الإسكوا"؟

فاديا كيوان: هناك شيء أكيد الآن، أنّ الدولة اللبنانية تدعمني وهذا شيء مهم وأنا فخورة به. عموماً أنا موجودة في هذه المنظمة منذ تأسيسها، شاركت في التأسيس، والأخوات المسؤولات اللواتي سيختَرن يعرفوني، وشاءت الصُدف أنني ساهمت في بعض المراحل التي كان فيها أزمات، ساهمت في تسوية خلافات حصلت، وأتمنى أن يُحالفني الحظّ وحينها أخدم (لبنان) والعالم العربي بأكمله   

زاهي وهبي: أتمنّى لكِ التوفيق في هذا الترشُّح ونحن نفتخر بحضرتك سواء وصلتِ أم لم تصلِ، في كلّ الحالات نفتخِر بكِ دكتورة "فاديا كيوان". التعليم، أنتِ تمسكتٍ بالتعليم الجامعي وما زلتِ تُعلّمين. أيّ مُتعة للتعليم؟ للاحتكاك مع شباب وصبايا لا يزالون على مقاعِد الدراسة الجامعية، لا زالت أحلامهم خضراء؟

فاديا كيوان: شوف، التعليم الجامعي يُمكنك أن تُعطيه معنىً، يُمكنه أن يكون شيئاً تافهاً

زاهي وهبي: نعم، مُجرّد وظيفة

فاديا كيوان: بالضبط، تنقل معلومات، ويمكن أن يكون له تأثير على تكوين الأشخاص الذين يسمعون لك، وهنا أهمية التعليم بالإضافة إلى اهتمامي وشغفي بالمواد التي أُعلِمها وهي المتصلة بالعلوم السياسية والفِكر السياسي. أنا عندي اهتمام بأن أُساهِم في تكوين الناس ليس عن طريق تلقينهم بقدر إثارة روحهم النقدية، وأحياناً أستفزّهم ليُصبِح عندهم حِجّة ويُقارعونني. أرتاح أكثر إذا قارعوني وقالوا لي لا وعندهم رأي آخر وأكون أُساهِم فعلاً في تكوين عقل الشباب الجديد

زاهي وهبي: عادةً الأُستاذ يُعلِّم طلّابه وتلامذته لكن أيضاً يتعلّم منهم

فاديا كيوان: دائِماً

زاهي وهبي: ما الذي تتعلّمينه من شباب اليوم؟

فاديا كيوان: هناك دائِماً أسئِلة جديدة، دائِماً هناك شيء جديد في أيّة مُحاضرة أقدِّمها، في أيّ درس           أُعطيه. من ردّات فعل التلامذة أطّلِع أولاً على الواقع الميداني لأنّه يكون عندي اطّلاع على الكُتب والنظريات ووجهة نظري وأكون أنا على مسافة من الواقع. الشاب والصبية يردّون لك الطابة من موقعهم فتعرِف أنّ هناك وجهاً آخر وموقعاً آخر من اللازم أن تأخذه في الاعتبار، وبالتالي تتطوّر

زاهي وهبي: نعم، يُجدّدون الإنسان

فاديا كيوان: والحلو في التعليم أنّك تشعُر دائِماً أنّك من عُمرِهم

زاهي وهبي: حلو، حلو هذا الشيء، وكأنك تجلسين معهم وتأخذين وتعطين

فاديا كيوان: تشعُر بأنك ما زلت أنت

زاهي وهبي: على سيرة السياسة والعلوم السياسية مرّة أُخرى، تشعرين اليوم في العالم وكأنّ السياسة مختلِفة عن السابق؟ كأنها تجرّدت من القِيَم والمبادئ والمفاهيم وتحوّلت إلى لغة مصالِح؟ حتّى اليوم مثلاً "ترامب" يعتلي المنبر ويتحدّث في الدولار، في البورصة. قبلاً كان عندكِ دولٌ منها من يتحدث في حقوق الإنسان ومنها من يتحدّث في البروليتاريا ومنها من يتحدّث في المظلومين، أين الأفكار؟ أين الفلسفات؟

فاديا كيوان: ما زالت موجودة لكن هناك هيمنة للفِكر المادي لأنه توجد هيمنة لليبرالية الاقتصادية

زاهي وهبي: المتوحّشة

فاديا كيوان: المتوحّشة، الليبرالية الاقتصادية طبعاً المتوحّشة، ولكن هناك فِكر مُضاد ينمو وأنا في رأيي مع الوقت التناقضات الليبرالية الاقتصادية المتوحّشة ستجعل هذا الفِكر ينمو أكثر ونعود لنرى قِيَماً في التداول لأنه لا يُمكن أن يكون هناك عمل في السياسة أو فِكر في السياسة من دون أن تكون هناك قِيَم. نحن اليوم في لحظة صعبة لأنّ العالم متفلِّت من القِيَم، لهذا نجده تائِهاً ولهذا نجده في أزمة تلد أزمات وأزمات، ولكن في تقديري، هذه التناقضات ستعاود ردّنا إلى القيم

زاهي وهبي: نعم، هلّ بقي من أحلامكِ الكثير؟ حقّقتِ القسم الأكبر أم قسماً بسيطاً؟

فاديا كيوان: لا، لم أُحقّق الكثير من الأشياء، قمت بواجباتي في بعض القضايا، عندي أحلام كبيرة، ما زالت عندي أحلام كبيرة ليست شخصية، عندي حلم مركزي أن أرى تقدّماً نوعياً في(لبنان)، أن أرى فكفكة لنظام الطائِفية وليس الانتقال إلى إلغاء الطائِفية السياسية بشكلٍ مُبسّط كما يتحدثون

زاهي وهبي: ونكايةً أحياناً 

فاديا كيوان: وخِداع أيضاً، أريد أن أرى (لبنان) متفلتاً من هذه القيود التي لم تتركه ينمو ويزدهر ويستقرّ

زاهي وهبي: أن يجعل الطوائِف فعلاً نعمة، أعني التنوّع الطائِفي في (لبنان) يكون نعمة وليس نقمة كما هو حاصل للأسف منذ عقود إلى اليوم

فاديا كيوان: بالطبع، وأنا أقول هذا الشيء من وحي الجوّ المُتلبِّد المُحيط بنا والذي يجعلني أقول أنه لا زال علينا الكثير لنفعله في هذا المجال

زاهي وهبي: دكتورة "فاديا كيوان" سُعِدت جداً في الحوار مع حضرتكِ

فاديا كيوان: الله يخليك

زاهي وهبي: وأتمنّى أن تُحققي كلّ الأحلام الباقية

فاديا كيوان: هذا هدف مُشترَك أصلاً

زاهي وهبي: طبعاً. أهلاً وسهلاً بك، شرّفتِ

فاديا كيوان: شكراً جزيلاً، الله يخليك، شكراً

زاهي وهبي: شكراً لفريق العمل، لمُخرِج البرنامج "علي حيدر"، للمنتِجة "غادة صالِح"، لمُشاهدينا في كلّ أنحاء العالم الشُكر الأكبر دائِماً. نلتقيكم في الأُسبوع المقبل على خير بإذن الله