الفرقة الناجية في الإسلام

تسبب حديث إفتراق الأمة إلى فرق ومجموعات كلها في النار إلا واحدة في تكريس عقيدة الإستئصال والإقصاء والتكفير والقتل أيضا وساهم حديث الفرقة الناجية الذي كذبه الكثير من العلماء الشيعة والسنة في التأسيس للتشرذم والتمترس والمذهبية

 يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله وبيّاكم وجعل الجنة مثواكم.

تسبّب حديث افتراق الأمّة إلى فِرَق ومجموعات كلها في النار إلا واحدة في تكريس عقيدة الاستئصال والإقصاء والتكفير والقتل أيضاً. وساهم حديث الفرقة الناجية الذي كذّبه الكثير من العلماء الشيعة والسنّة في التأسيس للتشرذم والتمترس والمذهبية.

طبعاً هذا الحديث مرويٌ من طُرق كلّ المدارس الإسلامية، وتحديداً في مدرسة أهل السنّة والجماعة، وقد رواه الترمذي وإبن حبان والحاكم، وهم من المتساهلين في التصحيح، ومدرسة أهل البيت حيث رواه الصدوق في خصاله والعلاّمة المجلسي في بحاره. وقد ذكره المحدّث الترمذي ونصّه بإسناده عن عبد الله إبن عمر، قال قال رسول الله "ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل وإن بني إسرائيل تفرّقت على 72 ملّة وتفترق أمّتي على 73 ملّةً كلّهم في النار إلا ملّةً واحدة، قيل من هي يا رسول الله، قال ما أنا عليه وأصحابي".

وكما يقول أهل التحقيق والتدقيق، فهذا الحديث رُويَ عن أبي هريرة مرفوعاً، وفي إسناده محمّد إبن عمر إبن علقمة وهو ضعيف، قال يحيى إبن سعيد ومالك، ليس هو ممن تريد، وقال إبن حبان يخطئ، وقال إبن معين ما زال الناس ينفون حديثه، وقال إبن سعد يُستضعَف.

والسؤال الخطير، كيف لأمّةٍ أن تؤسّس للصراع والفرقة والمذهبيّة والتكفير انطلاقاً من حديثٍ ضعيفٍ متناً وسنداً ويخالف جملة وتفصيلاً روح القرآن ونصّه؟ "وإن هذه أمّتكم أمّة واحدة وأنا ربّكم فإتقون" كما قال الحنّان المنّان.

 كما أن حديث الإفتراق يخالف ما ذهب إليه البخاري ومسلم، ففي البخاري إن الله حرّم على النار من قال "إن لا إله إلا الله يبغي بذلك وجه الله"، وفي لفظ مسلم لا يشهد أحد أن لا إله إلا الله وأن محمّداً رسول الله فيدخل النار أو تطعمه النار كما في رواية مسلم قال أو تطعمه. ويخالف ما قاله أيضاً الإمام علي إبن موسى الرضا فخر مدرسة أهل البيت عليهم السلام، يقول "قال الله تعالى لا إله إلا الله حصني فمن دخل حصني أمن من عذابي"، طبعاً الحديث معنعن إلى رسول الله عن موسى إبن جعفر عن جعفر إبن محمّد عن عن علي ابن أبي طالب أن الله قال كما أوردته.

وكثيراً ما كان أساطيل الدوحة النبوية يقولون أكثر ما يُدخِل الجنّة تقوى الله وحسن الخلق، وللإشارة فإنّ حديث افتراق الأمّة يروّج البعض أنّه متواترٌ وهو مخالفٌ للحقيقة، فلا يؤدّي استحضار الحديث كل مرة مراراً وتكراراً إلى جعله متواتراً صحيحاً.

رواية ضعيفة باطلة تقلّبت في بطون الكتب طوال قرون وكانت السبب في صناعة الفتن الكبرى في التاريخ والراهن وفي المستقبل ما لم نصحّح موروثنا، والذين أشكلوا على الحديث عقلياً قالوا إنّ وظيفة الرسول هي توحيد الأمّة والعمل على التقريب في ما بينها لا إيجاد مبرّر لتفريقها، وليس من حق النبي التمييز بين الفرق الإسلامية حتى لا يحصل التنافُر بينهم والتناحُر، حتى لو كان ذلك على حساب الحقّ والإنذار لهم بمصيرهم في الآخرة.

وهذه القاعدة العقلية تنسجم مع القرآن قلباً وقالباً، "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهيد".

الفرقة الناجية في الإسلام عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش من الجزائر الحبيبة المفكّر والكاتب الإسلامي حسين قهام، وهو صاحب كتاب "الفرقة الناجية" أيضاً، ومن تونس الحبيبة البروفيسور والمفكّر الكبير الدكتور يوسف الصديق الكاتب والمُتخصّص في أنتروبولوجيا القرآن الكريم.

أبدأ معك أستاذ حسين من الجزائر، الفرقة الناجية، سال حبرٌ كثير وكُتِبت آلاف الكتب، كُتِبت آلاف الكتب حقيقة في الفرقة الناجية، وتموقعنا في هذا الحديث وصار الحديث متراساً للإقصاء والاستئصال.

ما هي صحّة هذا الحديث مبدئياً؟

 

حسين قهام: بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

بارك الله فيك أستاذ يحيى. لقد كفيتنا جانب الإسناد بمقدّمتك الوجيزة والقيّمة.

أقول يعلم الكلّ بأنّ الحديث الوارد، ما يُروى عن سيّدنا رسول الله، قد يُرَدّ من جانب آخر ما عدا الإسناد، وهو جانب المتن، لماذا؟ لأنّ من الأحاديث ما يتنافى مع القرآن العظيم، والقرآن العظيم هو رواية تستند على إسناد أقوى من كل الأسانيد، لأنّ القرآن يرويه رسول الله عن جبريل عن ربّ العزّة، أما الأحاديث فيرويها فلان عن فلان عن فلان، مهما كانت الشروط التي وضعها أهل الحديث لتصحيح أو تضعيف أو رد أو قبول حديثٍ ما، يبقى جزء من الشك مخيّماً عليها مهما كانت الحال، اللّهم إلا ما ورد بصيغة متواتِرة جداً، وينطبق أو يتطابق مع القرآن العظيم والعقل السليم والأصول المُتّفق عليها، فهناك يمكن أن نجزم بصحة الحديث لا محالة.

بعض الأحاديث معروفة، في صحيح مسلم حديث وصحيح مسلم من أصحّ الكتب، ما يوجد عند أهل السنّة والجماعة، فيه حديث ينافي تمام القرآن العظيم بأن الله، إن جاء بأن الله سبحانه وتعالى خلق السماوات والأرض بسبعة أيام، فهذا الإسناد مهما كانت الشروط الأربعة التي وضعها علماء الحديث يبقى ضعيفاً لأنّ متنه يتعارض مع الكتاب العزيز، حديث الفرقة هذه أو تفرّق الأمّة ناهيك على أن الإسنادين في الحديث المروي عن معاوية وعن أبي هريرة فيهما رجال يطعن ويقدح في صحة ما ينقل عنهما. متناً الحديث يصطدم بالقرآن العظيم، ويصطدم بروح الإسلام والشريعة والرسالة النبوية، وقبل أن أخوض في هذا التفصيل، أقول، إذا كان، فلنسلّم جدلاً، نسلّم بأنّ هناك فرقة هي الوحيدة التي ستكون الناجية يوم القيامة، فلا أظنّ أبداً أن تكون هذه الفرقة التي تدّعي لنفسها اليوم بأن هي الناجية، هذه بالعكس أنا أرى فيها أحاديث أخرى وآيات عظيمة تدلّ على أنها الفرقة الهالِكة، وأصدق ما ينطبق عليها حديث أبي سعيد الخدري عند الحاكم في المستدرك، حيث قال "يخرج في آخر الزمان شباب" في رواية قال "من قبل المشرق حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام يتكلّمون بخير كلام البرية يقرأون القرآن لا يتجاوز تراقيهم يحقر أحدكم صلاته أمام صلاتهم وصيامه أمام صيامهم"، الحديث طويل، جاء فيه أنهم يقتلون أهل الإسلام ويتركون أهل الأديان لئن أنا أدركتهم لأقاتلنهم  قتال أرم وعاد "اقتلوهم حيث ثقفتموهم فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم يوم القيامة". أظن أن هذا الحديث لا ينطبق إلا على هذه الجماعة التي زعمت أنها هي الناجية وراحت ترفع سلاحها وتصبّ كلّ كيدها وشرّها وسمومها على المسلمين.

قلت الحديث متناً مرفوض، بنصوص القرآن العظيم، بحيث في تتبّعنا أو تصفّحنا لكلام الله سبحانه وتعالى، لا نجد بأنّ التفريق هذا يتعدّى في أقصى الحالات الفرقتين، يقول الله سبحانه وتعالى يوم الحساب "فريق في الجنة وفريق في السعير"، يقول في آية أخرى "وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين"، يتبيّن بأن الناس قسمان حقاً، السالكون أو الناجون والغرقى أو الهالكون. من هم الذين ينجون يوم القيامة؟ أول ما يتبادر إلينا هو عندما نقرأ الآيات العظيمة في القرآن العظيم التي تصف بعض أصناف المسلمين كقوله سبحانه وتعالى "فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ"، فهؤلاء أثبت لهم النجاة يوم القيامة، الآيات التي تمدح عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً إلى آخر الآيات فيها كذا من صفات، هل تتوفر في هؤلاء الناس الذين يزعمون أنهم هم الناجون يوم القيامة؟ يلاحظ المؤمن عندما يقرأ كتاب الله سبحانه وتعالى أن الصفات التي جاء أو شروط النجاة يوم القيامة هي اثنتان أو شرطان لا أكثر، الإيمان والعمل الصالح، والآية متكرّرة في القرآن العظيم 68 مرة، "الذين آمنوا وعملوا الصالحات"، هم الناجون، ومن هم الهلكة؟ هم الذين يكفرون بآيات الله أو يفترون على الله الكذب. ناهيك عن هذا، قد جاء في كتاب الله سبحانه وتعالى أن بعض الأصناف من الناس هم هلكة يوم القيامة وإن ادّعوا أنهم لهم عقائد، فالمنافق مثلاً، المنافق المجرم والظالم.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ حسين، إذا سمحت أتوقّف عند هذه النقطة لأستنبط من كلامك أن هذا الحديث يخالف جملة وتفصيلا مسارات القرآن وتضاريس القرآن والبنيوية القرآنية.

دكتور يوسف الصديق، لكن رغم ذلك، على امتداد 14 قرناً، كان المسلمون يتقاتلون، يتذابحون، يعدم بعضهم بعضاً، ولعلّ السيف الإسلامي أطار من رؤوس المسلمين أكثر ممّا أطارته سيوف المغول والفرنجة والسلاجقة وما إلى ذلك.

كيف كان المسلمون يتمترسون أو ينطلقون من هذا الحديث لإقصاء الآخر، للاستئصال، للبطش؟ واليوم أيضاً كل ملّة، كل طائفة تقول نحن الناجية، أصحاب الجنة وأنتم في جهنم، لا، أنتم في الدَرِك الأسفل من النار، لا، أنتم في الدَرِك العاشر، يعطونك الدرجة التي سوف تنزل فيها في جهنم.

ما الذي تقوله دكتور يوسف؟

 

يوسف الصديق: أهلاً وسهلاً وتحية لشقيقنا من الشعب الجزائري البطل الأستاذ حسين بارك الله فيه سمعته جيّداً وثمّنت ثقافته في هذا الميدان.

أما أنا، فإن الآليات التي كان يستعملها رفيقنا وصديقنا وشقيقنا السيّد حسين، فاطّلعت عليها ضمن تكويني، لكن لا أعتقد أنني أنتمي إليها. أنا أعتقد إنّها آليّات فقط لفهم ما كنت ذكرته أنت الآن من أنّ 14 قرناً هي كلّها نطعة وسيف، الخلاف الوراثي، والقتل، حتى أن المتوكّل قيل أنّه في ثلاثة أيام قتل 20000 معتزلي أو ممن يقولون بخلق القرآن.

حتى الآن لم تتغيّر هذه الأمور، فبالنسبة لي هذا الاتفاق التاريخي الذي يجمعنا ويجمع كلّ المؤرّخين في تاريخ الإسلام المادي، التاريخ العادي، التاريخ الذي نشهده تجعلني أنكفى إلى منهج آخر، وهو الذي ذكرته أنت في مقدّمتك مشكوراً، المذهب الأنتروبولوجي، أنا أحتار كيف يمكن أن نواصل ذكر أبي هريرة أكثر من محمّد في المساجد، عندما تسمع المساجد أبو هريرة يُذكَر أكثر من محمّد، وكلنا يعرف أن أبو هريرة شخصية إشكالية كبيرة جداً وعنده 62 بالمئة من أحاديث مسلم، 62 بالمئة بينما كان إيمانه متأخّراً كما يعلم الناس، بينما يقول التاريخ أن عُمر عزله من ولاية عمان للفساد، فكيف أؤمن بهذا الرجل الذي يعطيني ما قاله رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وحتى في حميميّته؟ كيف يمكن ألا أستحي من أن سورة التحريم تستر رسول الله في حميميّته، لم توضح الأزواج الذين أسرّ لهنّ كذا، ولم توضّح المشكل الذي جمع بينه وبين زوجته، ولم يذكر تلك الزوجة، بينما أبو هريرة وغيره يقولون إنه صار كذا وصار كذا وصار الرائحة الكريهة، إلى آخره.

كيف يمكن أن أؤمن بهذا أنا من منطلق لا إيماني ولا غير إيماني، أنا لم أصل لحدّ الآن للمشكل الإيماني. المشكل الإيماني هو أنّ حديث الآية الناجية يناقض تماماً القرآن كما قلت وكما تقول لنا الفلسفة والحكمة في قراءة القرآن، الحكمة التي يؤتيها الله من يشاء، يقول لنا خلق العالم على أساس الاختيار، "لو شاء ربك لآمن مَن في الأرض كلهم جميعاً"، "وكذلك جعلناكم أمّة وسطاً وجعلنا الرسول عليكم شهيداً". هذا يُظهِر أنّ الاختلاف هو الكل، فكيف يمكن أن تكون أكثر الفرق في الأمّة الإسلامية كلّها إلا واحدة، الحديث الثاني يناقض فلسفياً وحكمةً وتاريخاً، لأنه جاء من أبي هريرة مثلاً، من حديث أبي هريرة، كيف يمكن أن أصدّقه، والآن أقول فقط في الخاتِمة، في ختام تدخّلي هذا أقول، أنه آن الوقت أن نراجع تماماً ومن الصفر كل الآليات التي تسمح لنا بفهم هذا الدين من خلال قرآنه ومن خلال ما يُسمّى بأحاديث لم تتغربل، والتي يقال ويقول لنا كثير من المشايخ ويدعم ما أقول ربما أخي حسين أن من الأحاديث ما ينسخ القرآن، بطبيعة الحال الآية في سورة البقرة "لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشد من الغيّ" قد نسخها "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله". كيف يمكن أن يقول محمّد إبن عبد الله أنه أُمِر أن يقاتل الناس لا المشركين ولا قريش ولا المؤلفة قلوبهم ولا شيء مما هو محصور تاريخياً وإنما الناس، وهذه دعوة داعش أن تقاتل الناس الإسكمو، الأميركان، الصينيين والأفارقة وكل الناس؟ يستحيل أن أعتقد من خلال الإيمان، من خلال إيماني بهذه الشخصية الخارِقة التي إسمها محمّد بن عبد الله، لا يمكن أن أؤمن بهذا الحديث وألا ألتجي لزركشي أو الذين قال للسيوطي، لا يمكن أن ألتجي، المنطق البسيط العادي لأي مؤمن عادي لا يمكن أن يؤلّف بين "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغيّ" وبين أمرِت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ حسين، رغم ما تذكرونه ورغم ما تقعدونه ورغم انسجامكم مع العقل وانسجامكم مع العقل، لكن وأنا أكتب كتاباً بعنوان "الثقافة البالية للفرقة الناجية"، حقيقةً وجدت آلاف المصادر والكتب في الفرقة الناجية، ولا أستطيع أن أعدّد لك كلّ ما كُتِب في هذا السياق، لكن أذكر خصائص الفرقة الناجية، عقيدة الفرقة الناجية، الأمّة الإسلامية هي الفرقة الناجية، التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن فرق الهالكين، كتاب إبن القيم الجوزية المشهور "الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية"، عقيدة الفرقة الناجية لمحمّد إبن عبد الوهاب الذي أثار لغطاً كبيراً وما إلى ذلك من الكتب.

لماذا لم يكتشف العلماء هذا الكمين، هذا اللغط، هذه القنبلة الموقوتة في موروثنا الإسلاميّ؟ تجيبني بعد الفصل والفاصل.

مشاهدينا فاصلٌ قصير ثم نعود إليكم فابقوا معنا.

 

المحور الثاني

 

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلاً بكم من جديد. عدنا والعود أحمد، ومن أدرك حلقتنا الآن، نحن نعالج موضوع وأصالة الحديث المعروف عن الفرقة الناجية.

أستاذ حسين، كنت قد عرضت عليك مجموعةً من الكتب، ولو عرضتُ عليك كلّ ما ألِّف في هذا السياق لانتظرنا هناك في الجزائر في موقع التصوير 50 سنة تقريباً.

فما الذي تقوله في هذا السياق؟

 

حسين قهام: الذي حدث في التاريخ الإسلاميّ أو التاريخ العلميّ، والاستنباط من الشريعة الإسلامية، أنّ الأمّة الإسلامية أصيبت بمصيبة العُقم، العُقم في التدبّر في كتاب الله سبحانه وتعالى، التقليد صار تقييداً، وقُيّد العقل. كتب رجل في زمن ما فقلّده كل العلماء الذين جاؤوا من بعده، صارت كتبهم شبه نراها في الحاسوب نسخاً ولصقاً، نفس الكلام، فلو تمعّن المسلمون في روح الإسلام ومقاصده بنظرةٍ شاملة، وابتعدوا عن الفكر الذي أسّسته الدولة الأمويّة والدولة العباسية لمصالح سياسيّة، لخرجنا باستنباطات كبيرة وعجيبة. دعني فقط أجيب بأسئلة ربما لم أطّلع عليها، أنا قرأت الكثير من هذه الكتب والردود وعاشرت هذه الجماعة التي تدّعي أنها هي المفضَّلة عند الله كما ادّعت اليهود وقالوا نحن أبناء الله وأحباؤه، وقالوا لن تمسّنا النار إلا أيام معدودة، هم يشبهون اليهود، وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى يشبهون بني إسرائيل في هذه الطروحات، فهم حقاً يتبعون سنن من كان قبلكم فيقصيهم القرآن من كونهم هم الناجون يوم القيامة. تعلمون بأن القرآن العظيم فيه معالم، هذه المعالم هي روابط وهي مقاييس لو وضع الإنسان نفسه فيها يعلم من خلالها هل هو على الهدى أم على الضلال.

أسوّق مثالاً، أنّ هذا الحديث عندما انتقدته في كتابي، وعنوان الكتاب ليس كما ذكرته أخ يحيى، ولكن سمّيته "تبيان أن حديث تفترق أمتي ضعيف"، انتقدت هذا الحديث من أكثر من 500 وجهة، ففي الحديث هذا أقول لو كانت هذه الجماعة التي تدّعي أنها فرقة ناجية لعلمت أن الصفات المذكورة عن الصالحين المقبولين عند الله سبحانه وتعالى غير متوفرة فيهم، بل هم يقرّون على أنفسهم أنهم ضدّ الصفات التي يرضاها الله للمقبولين في الجنة والمقرّبين. أسوّق قضية القدس، يقول الله سبحانه وتعالى في سورة الإسراء وهذا متّفَقٌ عليه بين كل المدارس الفكرية والعقائدية والمذهبية عند المسلمين بأنّ فواتيح سورة الإسراء نزلت في حق الفتح المقدسي ومقاومة الصهاينة، يقول الله سبحانه وتعالى "فإذا جاء وعد الآخرة" أو قال "بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولا"، فالله سبحانه وتعالى وعد بأنّ الذين يطردون الصهاينة من المقدس، من بيت المقدس هم عباد الله. اليوم مَن هو الذي يدّعي أو يقول وينادي بإخراج الصهاينة من القدس وتحرير أراضي المسلمين؟ هل هؤلاء الذين يدّعون أنّهم الفرقة الناجية أو أولئك الذين يصفونهم بأنهم من أهل النار؟

القرآن يقول بأن الذي يدافع عن الحرم هو الذي حقاً من عباد الله، هم أفتوا بالعكس، أفتوا بمناقضة ما يريده الله، أفتوا بالتحالف مع إسرائيل للقضاء على مَن يريد تحقيق الوعد الإلهي، فهم يقصون أنفسهم. مرّة أخرى أقول هم يصنّفون هذه الفرق على أساس العقائد، يقول من أخطأ في العقيدة أو ابتدع شيئاً في الدين فهو من الفرق الضالّة، هذا الكلام ينطبق تماماً عليهم، هم ابتدعوا في الدين وخالفوا العقائد الإسلامية. أسوّق مثالاً عندما أفتى أحد مشايخهم، لست أدري هل يجوز لي أن أذكر أسماء أم لا، لكن المشاهد سيفهم مَن، عندما تمّ غزو العراق عام 1991، أفتى كبير علمائهم في هذه الأرض آنذاك، الآن هو بين يديّ الله نسأل له الرحمة، يقول يجوز الاستعانة بالجيش الأميركي للإغارة على العراق واحتلال أرضها من أرض الرسول. هم يقولون في عقائدهم بأن الاستغاثة والاستعانة بغير الله شرك فهذا شيخهم قد أشرك بالله لماذا لا يصنّفونه في الفرق الضالّة؟ يتهمون المعتزلة بأنهم من أهل النار لأنهم قالوا بفنائها، إبن تيمية رحمة الله عليه يقول بفناء النار، لماذا لا يوضع في الفرق الضالّة؟ ولماذا أيضاً لا يُصنّف بأنه من الفرق الضالّة عندما شبّه وجسّد الله سبحانه وتعالى مثل الكرامية؟ إبن قيم الجوزية رحمه الله الذي كتب عن الفرقة الناجية لماذا يلتمّس الأعذار لصاحب الكتاب الذي شرحه مدارك السالكين؟ لماذا يلتمّس له الأعذار حين ينادي بوحدة الوجود ويكفّرون مقابلها إبن العربي أو الحلاّج أو غيره؟ كأنّنا أمام عقيدة، شرك مقبول وشرك مردود، وتوحيد جزئي وتوحيد يناسب الظروف. قضية البدعة، أول ما ابتدعه الإسلام، وهذا بنص الحديث النبوي الشريف، لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، هذا حديث صحيح مروي عند الكل ويعلمون بصحته، أول ما ينقض من الإسلام قالوا هو الحكم، الكلّ متّفق بأن الملك، الملكية التي أسسها معاوية، الكل متفق بأنها بدعة. الألباني رحمة الله عليه في سلسلته الصحيحة يروي حديث أول من يُغيّر سنتي رجل من بني أمية، الألباني رحمة الله عليه في الهامش يقول هو معاوية، هذا الألباني شيخ هذه الطائفة في الحديث ونحترمه ونسأل الله له الرحمة يقرّ بأن هناك تغييراً في الدين وتحريفاً للسنّة أو تحريفاً للسيرة.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ حسين طبعاً يوجد مَن ردّ عليك من هؤلاء العلماء، أحدهم كتب كتاباً سمّاه "الناهية في نقد معاوية"، انتبه رجاءً، الناهية في نقد معاوية.

دكتور يوسف، دعني قليلاً هكذا أشرّح العقل الإسلامي وأنا لا أحب المجاملات ولا أحب ثقافة أحسنت ونحن ما شاء الله ونحن كمّل. الإسلام في بُعده يقول العلماء أنه عالمي، "وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين"، وأنه الإسلام الخالد، حتى روجيه غارودي رحمة الله عليه في كتابه "وعود الإسلام" تحدّث عن عالمية الإسلام، لكن يأتي معظم المسلمين ويقولون لا، الملّة، الطائفة هي الناجية.

ألا يرتّب الاعتقاد بأننا الأفضل والكُمّل والأعظم والأنزه ممارسات عنصرية؟ ألا يرتّب تصرّفاً سيكولوجياً مقيتاً؟ أليس هذا الذي صنع التكفير والبغضاء، المسيحي نجس وكافر، اليهودي كافر ونجس، مسلم شيعي في الدرك الأسفل من النار، مسلم أشعري هذا يذبح مع الأبقار، أما الهندوسي والبوذي فذبحهم من الوريد إلى الوريد يُدخِل إلى الجنة ويزوّج بالحور؟ لِمَ لا يفكّر المسلمون؟ لِمَ لم يعد المسلمون يفكّرون؟ هل القرآن وأنت متخصص في القرآن كتاب تكفير أو كتاب تفكير؟

 

يوسف الصديق: أخيراً في تونس صار لغط كبير منذ أسبوعين تقريباً في قناة تلفزيونية في تونس بيني وبين أحد الإخوة من المسلمين الإسلاميّين، وتركني أقول أمام العامة لأن التلفزيون يشاهده الريفي البسيط والفلاح والمزارع الذي لم يذهب إلى المدرسة إلى آخره، فاستفزّني وصار يلوّح بالمصحف ويخلط بين لفظة قرآن وتأريخيّة المصحف، أنّ المصحف وُضِع بطريقةٍ ما من زاويةٍ ما، وأنا لا أعتقد حتى في كتب التفسير في ذلك الحديث الذي يقول إنّ جبريل كان يقول له ضع تلك في البقرة وضع تلك في الزمر وضع تلك في الدخان إلى آخره، لا أعتقد في ذلك بدليل أنّ عُمر كان يقول على آية "قد جاءكم رسولاً من أنفسكم"، والله لو كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة، وهذا عند إبن كثير والطبري وكذا، ومعروفة في التفسير.

إذاً كانت عملية مؤرَّخة إنسانياً، وهذه العملية لحد الآن، أنا من منظوري غير الإيماني، العلمي الأنتروبولوجي لم أفهمها لحد الآن، كيف وضع المصحف، فقلت له إن هذا المصحف ليس القرآن وليس القرآن الذي قال عنه الله تعالى "لَوْ أَنـزلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً"، وأنا أعتقد أن لفظ القرآن في هذه تعني إدارة الكون، إدارة الكون كلّه، أنّ القرآن الذي جاء قبل البيان وقبل الإنسان في سورة الرحمن، هو الكون بصفةٍ عامّة.

إذاً، الآن لا بدّ لنا، لا بدّ لنا من أن نترك جانباً بعد غاليليه وبعد أينشتاين وبعد نيوتن وبعد أبو معشر المنخي وبعد الكندي، نترك جانباً ما تركه له من القرن العاشر، من أنا لا أتردّد في أن أقول ترّهات، كلّ هذه الآليات كيف يمكن لله عزّ وجلّ أن يندم على آية فيأمرنا بنسخها، بكلام الزرقاني وكلام الزركشي وكلام كذا، إنّ الله ينسخ بالزمن، الله ينسخ بالزمن أي أنه جاء وقت معيّن وانتهى الرق وأصبحت آيات الرق وآيات ما ملكت أيمانكم وآيات وكاتبوهن الإيماء إلى آخره، أصبحت في التلاوة ورُفِع حكمها، لا بدّ من أن نقول هذا لشبابنا ولأهلنا ولمواطنينا بالقدرة التي لنا من أننا أكاديميون وأننا نعلم، انتهى هذا الأمر وأصبحت هذه الكتب وهذه المصنّفات في مجال المتاحف فقط.

رداً على سؤالك أستاذ يحيى، أنا أعتقد أن مسيرة دينامية الله في القرآن هي تمر من بشر الذي يفسد في الأرض وتمر حتى الزمن أو المرحلة التي لم تأتِ بعد، أننا نصبح من خلفائه، إني جاعل في الأرض خليفة، وهذه المرحلة بلغت الآن، هذا المسار الطويل بلغ الآن مرحلة، مرحلة الإنسان، لاحظوا أن كلمة إنسان لا صفة فيها ملصقة فيها، الإنسان هو الإنسان الذي حمل الأمانة، الإنسان هو الإنسان الذي لا بدّ له من أن يعتبر بأنه في خسر وأنه سيمضي، كل كلمة فيها إنسان لا تعني لا جغرافيا ولا تاريخ ولا انتماء عرقياً ولا عقدياً، تعني الإنسان فقط. نحن بلّغنا الإنسان، لا بدّ لنا عندما نتحادث مع وثني إفريقي من أدغال إفريقيا، أن نكون في مصاف الإنسان، لا في مصاف الذي يعتبره مشركاً وينتهي إلى آية السيف. آية السيف قد تخطيناها بنعمة الله عزّ وجلّ، تخطيناها إلى آية الإنسان فقط، وهي الإنسان التي يذكرها القرآن بكل حرية تحسّباً لما وعدنا به أنه يكون يوماً ما لا نعرفه خليفته في الأرض.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور يوسف، لعمري لقد ذهبت إلى العمود الفقري للقرآن. القرآن هو صون الإنسان، القرآن جاء لكي يحقّق التكامل للإنسان، فإذا قُدّم فهمٌ قرآنيّ ضدّ الإنسان، فهذا ليس قرآناً، هذا من الشيطان، وإذا قُدّم فهم قرآني في خدمة الإنسان، هذا القرآن الذي نريده وأراده الله، أنسَنة القرآن أو بتعبيرك السربوني l’humanisme دكتور يوسف.

أستاذ حسين، عندما نقرأ القرآن نفهمه، كان الأعرابي يأتي من قبيلة ربيعة، مضر، يجلس مع رسول الله ثلاث دقائق فيقول الرسول لقد فقه الأعرابي القرآن. ما كان يحتاج هذا الأعرابي إلى الزجاج وإبن دريد وإبن الكاتب والفيروز أبادي وإلى آخره.

عندما نقرأ قوله تعالى "إنّ الذين آمنوا والذين هادوا والصائبين"، والصائبون كانوا قبل النصارى، ثمّ النصارى والمجوس، أي عبَدَة النار، والذين أشركوا أي الذين يقولون يوجد شريك مع الله، إنّ الله يفصل بينهم يوم القيامة.

لسان الله أيها المسلمون لا تقيموا محاكم تفتيش، اتركوا الناس، حسابهم عند رب العالمين، تجد الخطاب الإسلامي ملأ الدنيا كتباً في محاكمة النصارى أو من سمّوهم بالصليبيين لأنهم أقاموا محاكم التفتيش في الأندلس. لكن نحن صُنّاع محاكم التفتيش للأسف الشديد ولم تربّنا ولم تعلّمنا هذه الآية. ماذا تقول يا أستاذ حسين؟

 

حسين قهام: هناك آية أعظم من هذه، هي في سورة المائدة والبقرة، الله سبحانه وتعالى يقول "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ"، كأنّ هناك علماء الآن يدرسون هذه الآية، بغضّ النظر عما قرّره السابقون تحت خلفيات سياسية كما ذكرت، يقولون بأن من اليهود والنصارى والصابئين من يكون من أهل الجنّة، لأنّ السؤال المطروح اليوم، هل حقيقة الرسالة بلغت إلى كل البشر أنّ الله يقول "وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا" هذه البشرية اليوم تسمع الإسلام أنه إسلام قبيح، أنّه إسلام دموي بفعل هذه الفرقة التي تدّعي بأنّها الناجية وأنها هي التي في حقيقة الأمر أهلكت البشرية وأهلكت المسلمين جميعاً، لماذا؟ لأنهم يسوّقون الإسلام رديئاً، هو شبيه الإسلام وليس الإسلام بحد ذاته، المسلمون قضوا عليهم وغير المسلمين منعوهم من الدخول في الإسلام. الإسلام كما ذكرت آنفاً، يقول الله سبحانه وتعالى وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين وأن القرآن معجزة رسول الله عبر الزمن إلى يوم القيامة، لو كان متن الحديث، أعود دائماً إلى تضعيف الحديث من حيث المتن، أقول إنّه لا يصح مع أصول الدين وأصول الفقه، لو كان حقاً المسلم الذي ينجو يوم القيامة يجب أن يكون على ما كان عليه الرسول وأصحابه لمنعنا من الاجتهاد وحرّمناه ولكان الإسلام لا يستجيب لكل متطلّبات وإشكاليات ومشاكل البشرية عبر الزمن وعبر الأرض بأسرها.

القرآن العظيم أثبت بأنّ رسوله رحمة ورسوله لا يزال بيننا كما قال الله سبحانه وتعالى، "واعلموا أنّ فيكم رسول الله"، فهو إذاً دائماً يجيب عبر سنته وعبر القرآن الذي أنزله الله سبحانه وتعالى عليه ليكون كافياً شافياً لكل الإنسانية وليس للبشرية فقط، الإسلام منع الإنسان أيضاً أو المسلم أن يحاسب الناس لأن ذلك من اختصاص الله سبحانه وتعالى فمن صفاته أنه الحسيب وأنه العليم وأنه هو الذي يحكم بين الناس يوم القيامة، فلماذا هذه الفرقة الناجية أشركت بالله من حيث لا تدري حين وضعت نفسها أنها هي قسيمة الجنة والنار تعلم من يسكن في الجنة وتعلم من يسكن في النار؟ ولماذا لا يقرأون قوله؟

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ حسين يوجد إشكال أكاديمي دعني أقول، بعض المؤرّخين والكتاب في الملل والنحل مثل إبن حزم الأندلسي في الملل والنحل، الأسفراييني البغدادي في الفرق بين الفرق، وأيضاً الأصفهاني في الملل والنحل، يحتارون في مسألة تفترق إلى 73 أو 72 فرقة.

فأولاً فرق المسلمين أكثر من هذا العدد، وصلت فرق المسلمين إلى 500 فرقة بالبحث الأكاديمي الدقيق، ثانياً حتى يحاولوا تصديق هذا الحديث، جمعوا الخوارج وينضم إلى الخوارج الزرقة والصفرية وإلى آخره، حتى ماذا يجمعوا 72 فرقة، يوجد لغط وفوضى في حصر هذا العدد على وجه التحديد؟

 

حسين قهام: صحيح دائماً نعود ونقول متن الحديث لا يثبت، لأنه حتى في اليهود والنصارى، لم يقل لنا التاريخ هل حقاً كان عدد فرقهم 71 أو 72، ثم لماذا يكون هذا العدد متقارباً، 71، 72، 73؟ ثم لماذا يكون المسلمون هم متفوقون في الضلالة حتى يكونوا يحتلون الصدارة في عدد الفرق الضالّة كما يسمّونها؟

الله سبحانه وتعالى ذكر في سورة صاد أنّ يوم القيامة بعض الناس سيُصدَمون حين يرون الفرز أو نتائج ما بعد الحساب، بحيث يتساءل أهل النار، "وقالوا مَا لَنَا لَا نَرَىٰ رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ الْأَشْرَارِ أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِياً أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ".

حين يدخل أهل النار والعياذ بالله وقانا الله وإياكم وسائر المسلمين والمستمعين منها، يستغربون لماذا لا يجدون فلاناً وفلاناً معهم في جهنم، فهذا دليل على أنّ الإنسان يخطئ في حساباته في الدنيا، لا يعلم من هو المقبول عند الله ومن هو المردود، ولعلّ أكبر إشكال وقعت فيه الجماعة، وأقول لهم هذه النصيحة، أقول لهم خيراً لهم أن يضعفوا الحديث، لأنه لو تمسكوا به واسترسلوا لوالله لوجدوا نفسهم في مآزق عقائدية لا محل لها من الإعراب أو لا حل لها.

يقول البخاري في كتاب التوحيد، وهو آخر كتاب له في صحيحه، يقول، يروي الحديث الذي جاء به بأن رجلاً أوصى أبناءه بأنه إذا مات بأن يحرقوه ثم يلقوا نصفه في البحر ونصفه في يوم فيه رياح حتى لا يجمعه الله للحساب، هذا الحديث يثبت بأن الرجل كان كافراً بمفهوم عقائد هذه الجماعة التي تصنّف الناس حسب العقائد لأنه أنكر المعاد وفي ضميره يظنّ بأنّه سينجو من الحساب يوم القيامة، ونعلم بأن الذي يكفر بالحساب راد للشريعة لا يقبل الدين، كافر بالمفهوم الذي تحبه هذه الجماعة، وأنه أيضاً اتهم الله سبحانه وتعالى بالعجز وأنه غير قادر على جمعه، لكن في آخر الحديث يقول البخاري حين يروي الحديث بأن الرجل عفا الله عنه وأدخله الجنة.

وهذا إشكال كبير، حتى إبن تيمية رغم سعة علمه حاول أن يخرج من المأزق وناقش وحلّل ووسّع في الحديث، ولم يخرج بنتيجة، وجد نفسه محاصَراً من كل الاتجاهات، لأنه إذا كان هذا الرجل الذي أنكر صفات الله والتي هم يعدّونها من التوحيد، وأنه أنكر المعاد فقد أنكر أركان الإيمان، مع ذلك عفا الله عنه، فلماذا إذاً يضيّقون على المسلمين الذي يجتهدون في مسائل علمية ثم يحكمون عليهم بالنار، وهؤلاء شيوخهم اجتهدوا في مسائل عقائدية وخرجوا بنتائج لم يذكرها الصحابة، حتى الإمام أحمد إبن حنبل رحمة الله عليه بقدره وجلاة علمه في آخر المطاف وقع في ما وقعت به المعتزلة بأنهم هم ادّعوا بأن القرآن مخلوق وهو ادعى بأن القرآن غير مخلوق، وأنكر مقولتهم بأنها لم تنقل عن الصحابة، كذلك مقولة الإمام أحمد لم تنقل عن الصحابة.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ حسين سأدخل في إشكال أكبر مع الدكتور يوسف، وأنا أعتذر منكم إذا كان عقلي إشكالياً، لأنه لا أؤمن بالتحنيط والتكلّس فالإشكالات هي التي تصنع الفلسفة والإشكال يولد جواباً والجواب يصير إشكالاً وهكذا نحرّك العقل الإسلامي والعربي.

دكتور يوسف، من الكتب التي أثارت انتباهي، "الأزهار المنثورة في تبيين أن أهل الحديث هم الفرقة الناجية"، أهل الحديث هم الفرقة الناجية، أول كتاب دُوّن بعد وفاة رسول الله بمئتي سنة، الحديث في التدوين لم يكُ في عهد رسول الله، إنما دُوّن في عهد رسول الله، والأحاديث النبوية الموضوعة حدّث عنها ولا حرج، الإسرائيليات كما يعترف الطبري وهو شيخ المؤرّخين في المقدمة؟

 

يوسف الصديق: حتى إبن كثير.

 

يحيى أبو زكريا: ألم نضرب القرآن بهذه الطريقة عندما أقعدنا هذه القواعد؟ أين القرآن إذاً في حياة المسلمين؟

 

يوسف الصديق: أنا هذا مشكلي الكبير، قبل كل شيء، تصحيح زلّة لسان عنك، الملل والنحل، ليس الأصفهاني، الشهرستاني.

 

يحيى أبو زكريا: لا، لا، دكتور يوسف، أنا متيقن وقارئ لها، أبو الفرج الأصبهاني له كتاب الملل والنحل في الفرق، وإبن حزم الأندلسي له كتاب أيضاً في الملل والنحل؟

 

يوسف الصديق: الأهواء والملل والنحل، كتاب القول في الأهواء والملل والنحل، لكن على كلّ حال، هذا ما سخّرت له حياتي، منذ عام 67 وأنا أعمل على هذه المسألة، بعيداً عن التكفير أو نفي الإيمان على أحد أو نفي التقوى على أحد، هذا ليس اختصاصي. لذلك أنا عندما أسمع أستاذ حسين بتشوّق كبير وأسمع الأئمة في المساجد بتشوّق كبير، لأنّه علم عرفته واستعملته ولكن لا أدّعي أني مختص فيه.

أنا مختص في ما كُفّن به القرآن وهو حيّ، كلّ هذا التاريخ الذي ذكرته، قرنين ونصف القرن وأشياء لأنني درست البخاري دراسة تسمح لي بأن أتطاول على معرفتهم. مثلاً تبقى في كتب الطهارة أنّ، يناقض آية مدنية، كنت أغتسل أنا ورسول الله في إناءٍ واحد وذات يوم ائتزرت بمأزره وباشرني وأنا حائض، القرآن يقول ذلك إثماً عظيماً، لم ينتبه وإلا عنده فصل تام إسمه في قتل الوزغ. حسبنا الله الخالق عزّ وجل ومحمّد رسول الله أعلم البشر وأتقى البشر وأرأى البشر، كيف لا يعلم أن الوزغ حيوان خلقه الله لكي يكون مفيداً؟ قتل الوزغ، مّن قتل الوزغ كذا وكذا، في البخاري، فحدّث عن 30 ألف عن إبن حنبل وعن سنن إبن داوود إلى آخره، الذي رأيت فيه لا تقبل شهادة البدوي، عن سليمان إبن داوود، أنا بالنسبة لي كُفّن هذا المعلم الحيّ بكل هذا، بالتاريخ، بالقمع، بالخلافة، لا ننسى بالخلاف، ثم أيضاً بما ذكرت الحديث، وحواشي الحديث وأصول الحديث، أشياء يندى لها الجبين.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور يوسف، للبحث صلة وللموضوع تتمة وللفصل فصول.

الدكتور يوسف الصديق من تونس الحبيبة شكراً جزيلاً لك.

الأستاذ حسين قهام من الجزائر الحبيبة شكراً جزيلاً لك.

مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها. إلى أن ألقاكم هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبداً ودائعه.