من الرايات السوداء إلى الرايات البيضاء

أصبح الإرهاب الأعمى الذي دكدك العمود الفقري لدولنا العربية والإسلامية أفضل منتج وأبدع أسلوب للإرادات الإستكبارية حتى تواصل تنفيذ أجنداته على منطقة أودع الله فيها ما لا حصر له من الخيرات والموارد.. وحديث دوائر القرار في واشنطن عن جيل ثاني وثالث من داعش, صحيح أن الرايات السوداء كانت تعبيرا عن حالة سلفية فقهية عقدية موجودة في موروثنا الإسلامي للأسف الشديد وعلى قاعدة النص المكتوب على راية "داعش".. وفي هذا السياق ظهرت رايات بيضاء في العراق خلفا للرايات السوداء الداعشية.. حسب اوساط امنية وسياسية عراقية فإن جماعة الرايات البيضاء المسلحة تنتقل بين مناطق شرق وشمال شرق بغداد تضم مئات المسلحين وتقوم بتنفيذ هجمات مسلحة وبدأ هذا التنظيم الجديد بعمليات مسلحة بمحافظة ديالى) وفي مناطق من محافظة كركوك ويتحركون عبر سلسلة جبال حمرين بين المحافظتين ضد اهداف للجيش العراقي والحشد الشعبي عقب استعادة القوات العراقية لمدينة كركوك وبقية المناطق.. ويقول بعض الخبراء أن الرايات البيضاء هو تجمع بقايا داعش والنصرة والقاعدة , ولا شك أن بقايا داعش الذين إنضموا لهذا التنظيم سوف يضيفون لمنطلقاته الفكرية بعض الرؤى الإنتقامية المغلفة بالدين وذلك بعد الضربات التي تلقتها داعش في العراق وسوريا.

 

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله وبيّاكم وجعل الجنّة مثواكُمُ.

أصبح الإرهاب الأعمى الذي دكدك العمود الفقري لدولنا العربيّة والإسلاميّة أفضل منتجٍ وأبدع أسلوبٍ للإرادات الاستكبارية حتى تواصل تنفيذ أجنداتها في منطقةٍ أودع الله فيها ما لا حصر له من الخيرات والموارد. وحديثُ دوائر القرار في واشنطن عن جيلٍ ثانٍ وثالثٍ من داعش معناه أنّ الاستخبارات الأميركية أدمنت اللعبة الداعشيّة، وهي تُعِدّ للمسلمين ما لا عين رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر، وهي من كان ينقل عناصر داعش من الرقة إلى دير الزور، وصارت الناقل الرسميّ لداعش.

صحيحٌ أنّ الرايات السوداء كانت تعبيراً عن حال سلفيّةٍ فقهيّةٍ عقديّةٍ موجودةٍ في موروثنا الإسلاميّ للأسف الشديد، وعلى قاعدة النص المكتوب على راية داعش وهو الشعار الأكبر والمركزي من ناحية الاعتقاد في الإسلام، وهو الإقرار والاعتراف بربوبية الله وفردانيته، إلا أنّ المصمّم الأول للحال الداعشية يعرف تماهي الجماهير العربيّة والمسلمة مع الدين سيكولوجياً وسوسيولوجياً، فكان الموروث هو الكمين الذي انطلى على كثير من المسلمين في خط طنجة جاكرتا. ولأن الأصولية المسلحة باسم الله ورسوله حققت للاستكبار العالمي ما لم يتوقعه، فقد قرّر الاسترسال في اللعبة ما دامت الجماهير في خط طنجة جاكرتا لمّا تستوعب استغلال الدين من قبل الغرف السوداء لتمرير مشاريع إمبريالية.

وفي هذا السياق، ظهرت راياتٌ بيضاءُ في العراق من سنخ الرايات السوداء الداعشيّة، وحسب أوساط أمنية وسياسية عراقية، فإنّ جماعة الرايات البيضاء المسلحة تنتقل بين مناطق الشرق وشمال شرقي بغداد، وتضمّ مئات المسلحين، وتقوم أيضاً بتنفيذ هجماتٍ مسلّحة. وقد بدأ هذا التنظيم الجديد بعمليات في محافظة ديالى وفي مناطق من محافظة كركوك ويتحرّكون عبر سلسلة جبال حمرين بين المحافظتين ضد أهداف للجيش العراقي والحشد الشعبي، عقب استعادة القوات العراقية لمدينة كركوك وبقية المناطق.

ويقول بعض الخبراء إنّ الرايات البيضاء هو تجمّع لبقايا داعش والنصرة والقاعدة، وقد ذكرنا في حلقةٍ سابقة بعنوان "مستقبل العلاقة بين القاعدة وداعش" أنّ المعلومات تشير إلى قرب توحّد التنظيمين. وإذا تمّ ذلك، فإنّ الرايات البيضاء قد تكون أسود وأعتم وأخطر من الرايات السوداء، والقوّة المسلّحة الجديدة التي تحمل شعار رايةٍ بيضاء يتوسّطها أسدٌ تمثّل الجزء الثاني من مؤامرةٍ كبرى تستهدف العراق. والرايات البيضاء مؤشرٌ أيضاً على أنّ العراق ما زال في مربّع الاستهداف إلى أن يتحقق التقسيم، كما يريد ويشتهي صُنّاع القرار في واشنطن وتل أبيب، والرايات البيضاء لا تختلف كثيراً عقدياً وأيديولوجياً عن داعش التي تؤمن بقتل المخالف المسلم قبل العدو غير المسلم، ولا شكّ أنّ بقايا داعش الذين انضموا لهذا التنظيم سوف يضيفون لمنطلقاته الفكرية بعض الرؤى الانتقامية المغلّفة بالدين، وذلك بعد الضربات التي تلقتها داعش في العراق وسوريا.

من الرايات السوداء إلى الرايات البيضاء عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش من العراق الشيخ محمّد نوري جاسم الباحث والداعية، ومن الجزائر الأستاذ والباحث عبد الحميد العربي شريف المتخصّص في الشؤون الأمنية والاستراتيجية.

مشاهدينا مرحباً بكم جميعاً.

سماحة الشيخ محمّد من العراق الحبيب، مبدئياً ما قصة الرايات البيضاء التي بدأت تزعج نوعاً ما الجهات الأمنية في العراق؟ حقيقتها، مصاديقها، أفكارها، إذا كانت لديها برامج وبيانات في هذا السياق؟

 

محمّد نوري جاسم: بدايةً أرحّب بحضرتك وبجميع مشاهدي قناة الميادين الفضائيّة، وبهذا البرنامج اللطيف، الذي طالما تعوّدنا أن نسمع حقيقة تسليط الضوء على القضايا الإسلاميّة وقضايا الأمّة المحمّدية في كلّ مكان، سواء في العراق أو في الدول المجاورة أو في الدول العالمية.

بالنسبة لما تفضلت به في تقديمك بداية الحلقة، أنه هو مسلسل، وفعلاً هو مسلسل لتقسيم الدول العربية والإسلامية، والبداية في العراق وفي سوريا، وهذا التقسيم حقيقةً هو خُطّط له سابقاً من غرف مخابراتية عالمية، وأنفِقت من أجل هذا المخطط الأموال الكبيرة، وأيضاً دُفِعت الجهات الإعلامية والجهات العالمية في مسألة دعم داعش وإظهار داعش على أنها القوة التي لا تُقهَر سواء في سوريا أو في العراق. لكن وبفضل الله تعالى، بعد توحّد العراقيين من كل أصنافهم وأطيافهم ومذاهبهم وألوانهم في الميادين في لحمةٍ واحدة وفي كلمةٍ واحدة، تمّ تحرير هذه المدن والخلاص على الأقلّ من الناحية العسكرية، الخلاص من داعش ومن فلول داعش، سواء في صلاح الدين أو في نينوى أو في الأنبار أو في كركوك أو حتى في ديالى.

الآن أنا أعتقد هو نفس المخطط، نفس الشخوص، نفس الرجال، نفس الأماكن، نفس الجهات الخارجية التي خططت لتقسيم العراق، وقلتها أيضاً من هنا سابقاً في الميادين في أكثر من برنامج، أنهم لا زالوا يحاولون ولا زالوا يخططون، وأقول إنّ الرايات البيضاء التي الآن موضوع عليها صورة الأسد، نحن قرأنا عن اللون الأبيض وعن الراية البيضاء، وأن في إسلامنا الراية البيضاء هي توضع للسلام، وأنّ من أعظم الرايات التي حُملت أو حملها الأنبياء والرسل لا سيما خاتم الأنبياء والمرسلين هي الراية البيضاء وكان يطلق عليه باللواء الأعظم، فالراية البيضاء هي راية الحبيب صلّى الله عليه وآله وسلّم، واللون الأبيض، نحن في حديثة حقيقة رفعنا الراية البيضاء التي عليها شعار الإسلام بوجه الراية السوداء، بوجه داعش، وأيضاً الراية البيضاء موجودة في الحشد، والراية البيضاء موجودة في السرايا، لكن ما يميّز الراية البيضاء التي تدعو إلى السلام بمنهجها ومبادئها وأخلاقها وعمق تاريخها وجذورها، ما يميّزها عن هذه الرايات اليوم التي أيضاً راية هي وُضِعت للقتل، أولاً هم وضعوا الأسد وهذا دليل على التوحّش، أن هذه هي عصابة تمتد إلى العصابات التكفيرية الداعشية، وأنها فعلاً هي امتداد لداعش والأخطر من ذلك، على الحكومة العراقية وعلى الدولة العراقية وعلى الأجهزة الأمنية أن تقرأ ما هو المغزى من خروج هذه العصابات الإجرامية، العصابات القاتلة سواء في حمرين أو في الحويجة أو في كركوك أو في أطراف ديالى، في هذا الوقت بالذات، أعتقد أنه وراء هذه العصابة جهات سياسية تحاول أن تستغل وأن توظف الجهات الفكرية سواء التابعة للقاعدة أو التابعة لداعش، نفس الغرض الأول الذي لم يستطيعوا أن يصلوا إليه، الآن يحاولون مرّةً ثانية، حينما أدركت الغرف المخابراتية العالمية أنّ العراق قد وصل إلى شاطئ الأمان، أنّ العراق وصل إلى الوحدة بين أبناء قوميّاته المختلفة وأديانه ومذاهبه وطوائفه، الآن هم جنّ جنونهم، فالآن يحاولون أن يزجّوا بالرايات البيضاء بهذا الإتجاه أو بعصابات الخطف والجريمة والقتل المنظّم، أو بمحاولة أنه هناك لا تزال موجودة بقايا لهم.

لكن حقيقة أقول من خلال برنامجكم الكريم والمبارك أن الشعب العراقي أصبح أكثر وعياً من أيّ وقتٍ مضى، والشعب العراقي سواء بقوّاته الأمنية أو بحشده أو بشرطته أو برجاله أو بعُلمائه أصبح أكثر وعياً من أيّة حقبة تاريخيةٍ مضت، فلا تنطلي علينا هذه حقيقةً، هذه المؤامرات التي تريد شراً ببلدنا وتريد تقسيماً ببلدنا وتقسيماً بالأمّة الإسلامية والأمّة المحمّدية. أعتقد أنّ العراقيين يسيرون إلى الاتجاه الصحيح في تحرير بلدهم وفي وحدة شعبهم.

 

يحيى أبو زكريا: نعم. أستاذ عبد الحميد، عندما نقرأ مذكرات صنّاع القرار الأميركي، مذكرات جورج بوش الإبن أو جورج تينت، "في قلب العاصفة"، أو على سبيل المثال معي كتاب "Syria and Iran" لغودارزي، أو مذكرات بول بريمر على سبيل المثال، أو حتى الذين كانوا في العراق من الضباط، Kill and kill and kill، اقتل ثم اقتل ثم اقتل، يتحدّثون عن مشروع لعراقٍ مقسّم، لعراقٍ محطَّم، لدولة عراقية فاشلة، مارقة، تكون طيّعة بأيدي الأجندات الأميركية، بل تكون ولاية أميركية، وحتى دونالد ترامب في أوائل كتبه يتحدّث عن بلع نفط العراق.

هل هذه الأقوال تنسجم مع إدامة العنف في العراق بعد داعش؟

 

عبد الحميد العربي شريف: بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على الرسول الكريم. شكراً على هذا السؤال أستاذي، وشكراً لمتابعي قناة الميادين.

أقول لك سيّدي إنّ أميركا دخلت إلى العراق من أجل تقسيم العراق، من العام 2003 هذه هي خطتها التي تنتهجها، ولكن بعد كلّ ما حدث زاد هذا في الوعي العراقي، الوعي الجماعي العراقي الذي استطاع إسقاط كل مخططات الإدارة الصهيو أميركية لتقسيم العراق كبدايةٍ لتقسيم دول بعينها، وهي معروفة، دائماً نتحدّث عنها، هي العراق، سوريا، ليبيا، الجزائر، اليمن، ومصر، هذا المخطط الجهنمي الذي اصطدم بوقفة عراقية، وقفة رجل واحد في ضرب ذراع هذا المخطط وهو داعش الذي عمل على تقسيم العراق وعلى فرض واقع جديد. استطاعت القوات العراقية الحيّة، استطاع الوعي العراقي، استطاع الشعب العراقي، استطاع الإمام العراقي، استطاع المفتي العراقي، استطاع الجندي العراقي والشرطي العراقي وحتى الأمّ العراقية بتجاوز هذا الخطر وإسقاط هذا المشروع.

أميركا جنّ جنونها اليوم، أميركا اليوم أخرجت لنا الخطة باء بعد السقوط الذي لم تكن تنتظره، سقوط الخطة ألف، هي داعش وتسييرها والعمل بها من أجل تقسيم العراق. اليوم الخروج بخطة جديدة، هذه ليست وليدة الصدفة، ليست وليدة معطيات جيو استراتيجية، ولكن لا، هي حُضّرت على عَجَل، أقول لك حُضّرت هذه الخطة على عَجَل لإبقاء تواجد أميركي، لإبقاء الشحانات والصراعات وخط النار مفتوحاً لتقسيم العراق.

أنظر اليوم حتى هذه الجماعات التي تطلق على نفسها بالرايات البيضاء، هي بعد سقوط مشروع تقسيم العراق، بفصل الشمال عن باقي العراق، هذه المجموعة تعمل من أجل إذكاء الفتنة وإحياء المشروع من جديد وضرب الاستقرار ومنح ذريعة قوية لبقاء القوات الأميركية في العراق. نحن لا ننسى أن العراق بعد العام 2011، بعدما انتهى الاحتلال الأميركي، ورفض يومها نوري المالكي التمديد للقوات الأميركية، دفعت بداعش وصنعت داعش، وعملت ونحن نعلم ولا يُخفى على أحد اليوم بعد كل هذه السنوات أن داعش صناعة أميركية، أنها جاءت لأجندة أميركية، أنها هي من أعادت أميركا إلى المنطقة كما أدخلتها إلى إفريقيا والساحة الإفريقية والدول العربية الأخرى.

هذه هي الحقيقة. نحن اليوم أمام حقيقة واقع أن أميركا والاستخبارات الأميركية لها خطط من أجل تقسيم العالم العربي وما بقي علينا إلا الانتباه والعمل على رفض الصفقات بتضافر جهود كل الناس.

 

يحيى أبو زكريا: لكن أستاذ عبد الحميد، رغم هذا الوضوح في المشروع الأميركي، لكن الحكومة العراقية منسجمة مع الأميركيين إلى أقصى درجة، فالعراق يضجّ بمستشارين أمنيين، بعسكريين أميركيين، بقاعدة أميركية جبّارة، هي السفارة الأميركية في بغداد.

كيف من جهة أسلّم أنّ المشروع أميركيّ ومن جهةٍ أخرى أسلّم رقبتي للأميركيين؟

 

عبد الحميد العربي شريف: أولاً سيّدي، يجب التعامل مع واقع، هو تواجد القوات الأميركية بقوة بعد ظهور داعش، هذا لا مفرّ منه، ولكن اليوم على الأجهزة الأمنية والدول والحكومات أن تعرف كيف تفصل بين الموضوعين، كيف أنها تضع خطوطاً حمراء لتدخل القوات الأميركية والاستخبارات الأميركية في إذكاء الفتنة، في إشعال الفتنة، في ضرب وحدة العراق، في تغذية صراعات وجماعات وإنشاء جماعات متطرّفة تحارب وتضرب هنا وهناك، هذا يعيدنا أولاً إلى طريقة المحاربة بذكاء، هو أنت لا تستطيع اليوم أن تقول لأميركا اليوم انتهت مهمتك، اذهبي، لن تذهب أميركا. ولكن اليوم يجب أن نكون أذكياء، لأن هذه حرب ذكاء، حرب استخبارات، والاستخبارات هي في حد ذاتها هي حرب الذكاء، حرب تفوّق العقلنة، وأنا على يقين أنّ العقل العراقي يستطيع التفوّق وتفويت الفرصة على الأميركيين وإخراجهم فارغي الوفاض من كلّ المحاولات التي تدور.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ عبد الحميد، أنا معك في هذا، لكن بشرط أن يتحد العقل العراقي وأن يلغي العقل العراقي الجهوية والمناطقية والمحسوبية، والدخول في صراعات ثانوية، كالذي نشاهده في المشهد العراقي.

شيخ محمّد، عذراً إذا قلنا هذا القول، شيخ محمّد في بغداد، أقول هذا القول وأنا محب للعراق، وأتمنّى أن يكون العراق هو مناط المحور العربي الذي نتمنّاه جميعاً.

هل بالفعل حُصّن الشعب العراقي ضد القابلية للتكفير؟ رأينا داعش بين عشيّةٍ وضحاها، أمرٌ دُبّر بليل، أطلّت داعش، كانت فرداً فأصبحت خلافة ودولة.

ما الذي يمنع أن الرايات البيضاء، وهنا أذكر أن قوامها 2000 عنصر أمني، أي قادرون أن يشغلوا الأمن القومي العراقي بسهولة شديدة. ما هي الضمانات أن الرايات البيضاء لن تكون أسوأ من الرايات السوداء؟

 

محمّد نوري جاسم: حقيقةً، من يقرأ ويتتبّع كيف تمّ الخلاص من داعش، كيف توحّد الشعب العراقيّ، كيف استطاع أن يصنع وحدة حقيقية، وحدة في الميدان، وحدة في الدماء، وحدة في المواقف، ليس وحدة في الإعلام فقط، هناك دماء سالت في حديثة، مختلطة بين حديثة والأنبار وبين كربلاء، في العامرية، في الخالدية، وفي الضلوعية، في أمرلي، في صلاح الدين، في نينوى، دماء سالت من كل أرض العراق، دماء سالت من كل عشائر وقبائل العراقيين. أنا أعتقد اليوم أن العراق هو أكثر قوة، أكثر وعياً، أكثر بدرجات، حقيقة العدو الذي صنع داعش هو يحاول أن يصنع عصابات إجرامية أخرى، يحاول أن يصنع عصابات تكفيرية، يحاول أن يصنع أيضاً خلايا نائمة. نتخيّل ذلك ولا أكون بعيداً حقيقة عن هذه القراءة، لكنني أقول على كل الذين تآمروا على الشعب العراقي، على الذين تآمروا على وحدة العراق، على الذين خططوا لتقسيم هذا البلد أن يدركوا أنهم يذهبون إلى الفشل، وأنّهم يذهبون إلى الخيبة والخسران، وعليهم أن يقرأوا، والعقل العراقي قراءته جيدة، فكل الذين غزو هذا البلد على مر التاريخ من المغول والتتار وكل الذين حاولوا النيل من عراقة وأرض هذا الشعب وخيرات هذا الشعب وحضارة هذا الشعب، أقول بالنتيجة ذهبوا إلى خسارة، وإلى أن يجرّوا أذيال الخيبة والخسران.

أقول نصيحة حقيقة للقوات الأميركية ونصيحة للولايات المتحدة، إذا ما أرادت أن تحافظ على مصالحها في الشرق الأوسط، أن تعيد الحسابات مع العراق، أن تعيد الحسابات مع شعب العراق، وأن تغيّر استراتيجية صنع العصابات وفرق الموت، وهذه النعرات الطائفية المقيتة. أقول العراق اليوم.

 

يحيى أبو زكريا: شيخ محمّد، أنا أتمنّى أن تقول، لكن دونالد ترامب باستمرار يوبّخكم كعراقيّين، يقول سأسلب نفطكم، سأجرّدكم من مواردكم، سوف أجعلكم عُراةً وأنتم بالأساس عُراة، كما يقول دونالد ترامب.

لم نرَ مسؤولاً عراقياً واحداً ردّ عليه، فكيف تدّعي أن العراق فيه سادة وفيه كرامة وكرامته تهان من قبل أول صانع للقرار الأميركي؟

 

محمّد نوري جاسم: يا سيّدي الكريم، أنا حقيقة أعوّل على الله أولاً وعلى الشعب العراقي كشعب. الشعب العراقي بين عشيّة وضحاها، حينما بكت نينوى، حينما بكت بغداد، فأجابها النجف الشريف بصرخة لم تبقِ للدجل المقنع باقية، أنا أعول على أصالة وعراقة وقِيَم ومبادئ ومنهج هذا الشعب الكبير، الشعب الذي دماؤه تتحرّك.

 

يحيى أبو زكريا: شيخ محمّد، أحسنت، تكمل بعيد الفاصل، للأسف.

 

محمّد نوري جاسم: أنا أقول لا تمتحنوا صبرنا كشعب عراقيّ، سواء الدول العالمية أو الدول الخارجية، عليهم أن يحسبوا للعراقيين حسابات دقيقة، عليهم أن يعرفوا أنّ هذا الشعب فيه دماء علي والحسين، فيه دماء الأحرار والطاهرين، فيه دماء الشهداء والصادقين، فيه في كلّ يومٍ شهداء، في كلّ يومٍ أرامل وأيتام، لا يمتحنوا صبرنا بهذه الفتن وصناعة هذه الفتن، فلا زال في العراق حقيقة أصوات طاهرة.

 

يحيى أبو زكريا: شيخ محمّد، وكلّنا إيمان أن العراق هو كعبة الأطهار والصادقين، والتاريخ مزدحمٌ برجالات لقّنوا الفرنجة والبريطانيين والتتار والمغول صفعات من دماء.

مشاهدينا فاصل قصير ثم نعود إليكم، فابقوا معنا.

 

 

المحور الثاني

 

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلاً بكم من جديد. من أدرك حلقتنا الآن، نحن نعالج موضوع الرايات البيضاء التي أطلّت برأسها مجدّداً في المشهد العراقيّ، وقد تمتدّ إلى المشهد السوري أيضاً.

شيخ محمّد مبدئياً، أنا لم أكُ أوجّه كلامي إليكم، إلى جنابكم، وأنتم ممّن نعتز به ونحترمه أيما احترام ونعتز بما تقومون به في العراق. أنا كنت أوجه رسالة لصناع القرار في العراق أن يردّوا على كلّ تصريحٍ ينالهم، لأنّ الدول القوية تحتاج إلى رجالات أقوياء، وكلّ من ينال من سمعة بلادنا يجب أن يتلقى الصفعة تلو الصفعة، فبلادنا ليست مزرعةً، وليست حظيرةً، وليس كلّ من يملك سباباً يوجّهه إلى بلادنا وإلى شعوبنا، فهذا ما أردت توضيحه شيخ محمّد.

أستاذ عبد الحميد، بالعودة إلى الرايات البيضاء، في البُعد الاستراتيجي للغرف السوداء، يبدو أن هذا الإرهاب الأعمى الذي غُلّف بالدين، غُلّف باسم الله ورسوله، قدّم للاستكبار العالمي، وهنا أقصد بالاستكبار العالمي، الولايات المتحدة الأميركية، المركزية الغربية والمركزية الصهيونية، أكبر الخدمات. من خلال الإرهاب تدخلوا في بلادنا، من خلال الإرهاب سرقوا ثرواتنا، من خلال الإرهاب عطّلوا تنميتنا ومشاريعنا.

هل الرايات البيضاء في نظرك كرجل لديه خلفيّة أمنية أيضاً، هو مشروع سيمتد ويمتد ليصل بالنهاية إلى الساحل الإفريقي، إليكم في الجزائر ومصر؟

 

عبد الحميد العربي شريف: أكيد أستاذي، أنا كنت أودّ في المقدمة أن أقول كلاماً مهماً جداً. المولى عزّ وجلّ في سورة البقرة يقول "وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ". نحن أمّة مبتلاة، أي نحن دائما تتداعى علينا الأمم ونحن أمّة موضع ابتلاء وصبر وعمل وصبر، هذا ما نفتخر به وهذا ما نواجهه، نحن تكالبت علينا هذه الدول، بأذرع استخباراتها هي جماعات إرهابية التي سواء بالراية السوداء أو اليوم الرايات البيضاء، أقول لك إنّ الرايات البيضاء وحسب رأيي الشخصي هي جاءت خطة استعجالية لأنّ أميركا فوجئت بسقوط داعش في العراق وسوريا، لم تكن تتوقع سقوط داعش بهذه السهولة، لذلك جاءت عملية الدفع بالرايات البيضاء متسرّعة، ولكن ستكون محدودة، وأقول لك وأنا على ثقة كبيرة أن القوات الأمنية والشعب العراقي والدولة العراقية ستقف لهم وتقضي عليهم، ولكن ما أودّ قوله هو الشق الثاني من سؤالك، هو تمدّد الجماعات الإرهابية، هذه أذرع الاستخبارات الغربية إلى الساحل الإفريقي. نحن اليوم ندرك في الجزائر وندرك منذ مدة كبيرة جداً أنّ الجماعات الإرهابية هي صناعة استخبارات غربية على رأسها أميركا وربيبتها إسرائيل، أقول لك نحن في الجزائر اليوم نعرف أنّ من أدخل فرنسا إلى الساحل ومن أدخل أميركا إلى الساحل هي جماعات إرهابية، نحن منذ سنوات كان في جبال تغرقر على الحدود المالية الجزائرية حوالى 60 عنصراً إرهابياً، تنشط في خطف السواح وطلب الفدية، وهنا دخلت فرنسا بقوة على الخط، وكانت تغدق على هذه الجماعات وتعطي الفدية رغم تحفّظ الجزائر ومطالبتها بوقف دفع الفدية، كانت فرنسا تغدق عليها ولم تكن بريئة هذه العملية، ليس من أجل إطلاق سراح السياح، ولكن من أجل دعم هذه الجماعة، وشاهدنا كيف أن هذه الجماعة بعدما حصلت على أموال كثيرة من عمليات الاختطاف والفدية، كيف بدأت تتوسّع في قبائل في الساحل، وتقوم بمُصاهرات وعلاقات وتجنيد في صفوف القبائل. هذا مختار بن مختار الذي كان يقود هذه الجماعة، هو من أعطى حجّة وذريعة لدخول فرنسا في عملية سرفال، وليكن في عِلم المشاهد العربي أن مختار بن مختار بعدما جهّز دخول فرنسا في عملية سرفال، أوحي له وأعطي له أمر بالانتقال من مالي إلى جنوب غرب ليبيا، وانتقل قبل عشرة أيام من بدء عملية سرفال. يجب أن نعرف هذه الحقيقة، وكذلك حقيقة ثانية، هي أنّ مختار بن مختار هو مَن سلّح ودرّب بوكوحرام، وبوكوحرام بايعت داعش، وداعش من أتت بأميركا إلى الساحل. من جهةٍ أخرى، الموقّعون بالدماء التي أسسها مختار بن مختار مع أبو الوليد الصحراوي، وهذا كان عنصراً في الجيش البوليساري وانشق بفضل بمخابرات المخزن، دفعت به وأسس بعد ذلك الموقّعون بالدماء مع مختار بن مختار، ثمّ هو اليوم من أسّس داعش في الصحراء الكبرى، وهو اليوم من منح أميركا حجّة لدخول النيجير. نحن اليوم على يقين ومتأكّدون أن من أتى بأميركا وفرنسا إلى الساحل هو الجماعات الإرهابية، وخاصة مختار بن مختار، لذلك قرّرت فرنسا وأميركا في 14 نوفمبر 2016 قتل مختار بن مختار بعد انتهاء مهامه، خوفاً من أن تقبض عليه القوات الجزائرية ويكشف المستور، فقام بقنبلته في 14 نوفمبر 2016 ومات في 21 ودفن في نواحي سبها في جنوب غرب ليبيا.

كذلك أقول لك، هذه الأذرع الاستخبارية وهذه الجماعات الإرهابية هي من أتت بأميركا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا وحلف الناتو إلى الساحل بصفة عامة، ومن أتت بتركيا اليوم، اليوم حتى تركيا أتت بحجّة تدريب القوات التشادية، هي متواجدة في تشاد، أي كل فسيفساء الدول التي اعتدت على العراق وعلى سوريا اليوم نجدها انتقلت إلى الساحل. لذلك نحن اليوم في الجزائر على دراية كبيرة ما يحاط وأنه لدينا اليوم قناعة كبيرة ووعي على مستوى الشارع الجزائري، الشارع الجزائري يدرك أن الجماعات الإرهابية بمختلف تسمياتها هي أذرع استخبارات غربية من أجل أجندة صهيو أميركية في المنطقة والهدف تقسيم المنطقة إلى دويلات.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ عبد الحميد، أذكّر فقط المشاهدين، الذي لا يعرف منطقة المغرب العربي، أن منطقة الساحل الإفريقي هي مثلّث الخيرات، ليس مثلّث برمودا، لكن مثلّث الخيرات، فيها يورانيوم غزير جداً، فيها نفطٌ، وفيها من الثروات.

 

عبد الحميد العربي شريف: فيها الذهب.

 

يحيى أبو زكريا: فيها الذهب، فيها الحديد.

 

عبد الحميد العربي شريف: وفيها الذهب وفيها الغاز بكميات كبيرة جداً.

 

يحيى أبو زكريا: أحسنت، منطقة تسيل لهاث الاستكبار العالمي الذي يعمل على سرقة خيرات الشعوب العربية النائمة دوماً، لا حول ولا قوّة لا بالله.

شيخ محمّد، بالعودة إلى أميركا في العراق، إصرار واشنطن على البقاء في الشمال السوريّ والحديث دوماً عن دولة في الفرات، وبالتالي امتدادها إلى العراق يوحي بأنّ المشروع الأميركي في كلٍّ من سوريا والعراق هو واحد، إقامة دولة فاصلة، أولاً الفصل بين سوريا والعراق، بين العراق وأيضاً وإيران إذا تسنّى له أن يفعل ذلك، على الأقلّ تكون هنالك قوّة تراقب وترصد الطرقات وجسور التواصل بين هذه الدول الإسلاميّة.

هل بنظرك سينجح هذه المرّة؟

 

محمّد نوري جاسم: أعتقد منذ احتلال العراق وإلى يومنا هذا، كلّ المحاولات السابقة فشلت، وفشلت فشلاً كبيراً، اليوم هو يسيطر على منابع الخيرات، على منابع النفط سواء في غرب الأنبار أو في شمال سوريا، وأيضاً هو يحاول أن يعزل هذه الدول عن بعضها، وهذه الشعوب عن بعضها، لأنّك تعرف حقيقةً أنّ الاحتلال يتبع ذلك القانون، فرّق تسد، وكلما اتحدنا كشعوب عربية وإسلامية أصبحنا أكثر قوة وهو يصبح أكثر ضعفاً. أعتقد أن الولايات المتحدة الأميركية فشلت في المنطقة، وعلى الولايات المتحدة الأميركية أن تتعامل مع شعوب تلك المناطق أو الدول العربية أو الإسلامية وفق تبادل المصالح والخيرات كما يُفعَل بين الدول الأخرى، وعليها ألا تنظر إلى تلك الشعوب بنظرة استهزائية أو نظرة سخرية أو نظرة دونية، فأنا قلت أن هذه الشعوب حيّة، أن هذه الشعوب فيها حقيقة الخيرات، فيها البركات. نعم، في هذه الشعوب يوجد من يتمثّل بالفساد أو الجريمة أو القتل أو الانحراف أو الخروج عن القانون أو عن الشريعة، لكن أنا أقول هنا في أرض العراق هنا، ابن نوح عصا مولاه من دون هدى لكنه لم يجد جبلاً يعصي فيأويه. هذه البلدان حقيقة شامخة بتاريخها، شامخة بتراثها، شامخة بأعلامها، شامخة بقادتها. أقول على الولايات المتحدة الأميركية أن تعيد الحسابات على أقل تقدير.

 

يحيى أبو زكريا: شيخ محمّد، وهي لن تعيد الحسابات، لأنّ حساب أميركا هو تدمير العالم الإسلاميّ.

 

محمّد نوري جاسم: وأنا أعتقد جازماً، دكتور، وهذا للميادين، أعتقد جازماً أنه ليس هناك مكان للولايات المتحدة الأميركية على مسألة الاحتلال سواء في العراق أو في سوريا، ليس لها مكان، لأنّ الشعب العراقي والشعب السوري والشعب الإسلامي وشعوب المنطقة جميعاً لا ترتضي الإذلال لأنفسها، ولا ترتضي الاحتلال لأنفسها، وهذا ما رأيناه من كل شعوبنا، في كلّ قوانين العالم، في كل دساتير العالم، في كل تراث العالم، أنّ الاحتلال مرفوض ولا يُقبَل، وعلى الولايات المتحدة الأميركية أن تعي هذه الرسالة، أن تعيها وعياً جيّداً، فإننا في العراق نرفض الاحتلال رفضاً قاطعاً.

 

يحيى أبو زكريا: شيخ محمّد، أذكرك فقط أن هذه الشرعية الدولية وهذا الاستكبار العالمي لا يؤمن لا بقوانين ولا بمعادلات سياسية ولا بأنسنة. أنت أمام وحش كاسِر يريد أن ينقضّ عليك.

شيخ محمّد، العقيد عبد الحميد من الجزائر أشار إلى مسألة المخابرات الفرنسية ودفعها فدية لبن مختار. كانت المخابرات الفرنسية تدفع أموالاً لزعيم القاعدة في الصحراء على أساس أنها فدية، وهكذا قوي.

أريد أن أسألك، المليار دولار التي وصلت في طائرة خليجية إلى بغداد، أين أصبحت؟ وماذا عن الدور الاقليمي في رعاية الرايات البيضاء كما رُعيت الرايات السوداء بمال النفط؟ ماذا عن الأمرين معاً؟

 

محمّد نوري جاسم: بدايةً، في مسألة الرايات البيضاء أعتقد هناك محاولة لتلبيس الحق بالباطل، محاولة لتسويق العصابات التكفيرية الداعشية أو عصابات الجريمة أو عصابات القتل والخطف أو العصبات التابعة للماسونية العالمية، محاولة لتسويقها مرّةً ثانية وبلباس ثانٍ. أعتقد هذه المؤامرة مكشوفة وأعتقد أنها قُبِرت في مهدها، في بداية ظهورها، هي انتهت وستنتهي في العراق بإذن الله تعالى.

أما على الشطر الثاني، موضوع الفدية أو الأموال، لا أعرف هذه المسألة، إذا أردت أن تستفهم منها فعليك أن تسأل الجهات المختصّة، الجهات العراقية، سواء الخارجية العراقية، أو الجهات الأمنية أو الجهات الأخرى، إذا كان هناك أمر أنا لا أعرف حقيقة هذا الأمر.

 

يحيى أبو زكريا: لكن بالمقابل، شيخ محمّد، ما دمنا لم نقض على أساس التكفير، وهو النصّ المنتشر في التراث الإسلاميّ، والموروث الإسلاميّ، لا يمكننا الحديث عن القضاء على التكفير نهائياً، أليس كذلك؟

 

محمّد نوري جاسم: حقيقةً، أتّفق مع حضرتك، فالنصوص التكفيرية موجودة في تراثنا وموجودة أيضاً في بعض مساجدنا وبعض مدارسنا، وأنا أعتقد أنّ القيادات العراقية، القيادات الحكيمة، القيادات الشجاعة في العراق لها برنامج عمل متكامل، لا زال هذا البرنامج في بداية أمره، لكن أعتقد في الشهور القادمة إن شاء الله سنرى أن هناك حقيقة مشروع فكري حقيقي في العراق يستأصل هذه النصوص الفكرية، سواء يستأصلها في المراجعات مع المقرّرين أو يستأصلها بالتحقيق والغربلة لغربلة التراث الإسلامي. هذا حقيقة نقوله بكلّ صراحة، في تراثنا، في تاريخنا هناك مفخّخات صامتة، هناك نصوص حقيقة خطيرة جداً تدعو إلى القتل، تدعو إلى الإرهاب، تدعو إلى إقصاء الآخر، لكن أعتقد اليوم يوماً بعد يوم المدارس الإسلامية تقدم رؤية واعدة، يوماً بعد يوم علماء الإسلام أكثر وعياً، يوماً بعد يوم الحقيقة أهل البحث، أهل التحقيق أكثر جرأةً في طرح ذلك التحقيق والتنقية لخلاص أمتنا. نعم، نحن في محنة، الإسلام في محنة، الأمّة في محنة، لا أقول أنه انتهت داعش فكرياً من العراق. انتهت داعش عسكرياً من العراق، لكن بقيت أمامنا أدوار وأشواط كبيرة وطويلة في مسألة الخلاص من داعش فكرياً وأمنياً.

 

يحيى أبو زكريا: نعم. أستاذ عبد الحميد، ما هي العلاقة بين الوجود الأميركي المارينزي الاستخباري الدقيق، أي قوات النخبة في شمال سوريا، والرايات البيضاء، وأيضاً بقايا داعش في سوريا؟ ما هي الاستراتيجية الأميركية في التعاطي مع الرايات البيضاء المنطلقة في العراق والرايات السوداء الآيلة للسقوط في سوريا؟

 

عبد الحميد العربي شريف: أقول لك أستاذي أنّ أميركا تسرّعت بهذه الخطوة وهي تريد اليوم الربط بين قوات سوريا الديمقراطية وبعض المكوّنات فيها مع الرايات البيضاء، حتى تستطيع عزل منطقة الشمال والمكوّن الكردي عن سوريا وعن العراق، هذه خطة على المديين المتوسّط والبعيد. أميركا اليوم انطلقت في هذه المرحلة، في تقسيم العراق وتقسيم سوريا عن طريق المكوّنات العرقية هناك، بعد فشل مشروع داعش. لذلك يجب أن ننتبه جداً، وألا يغيب عنا أن في الأيام القادمة سنرى كيف ستربط أميركا بين قوات سوريا الديمقراطية وبين الرايات البيضاء وبين بعض العناصر المتطرّفة في الشمال العراقي. هذا ما تسعى إليه أميركا، هذا ما تسعى أميركا من ورائه لتقسيم المنطقة وتقسيم العراق وسوريا إلى مكونين على الأقل بعد فشلها في بثّ الفتن المذهبية في المنطقة، واستطاع الشعبان العراقي والسوري تجاوز هذه المرحلة. اليوم أميركا أرادت اللعب على العاطفة، المكوّن في الشمال العراقي والسوري، وأقول لك إنّ قوات سوريا الديمقراطية ستكون مَن تهبّ لدعم جماعة الراية البيضاء وهذا ليس مستبعداً في الاستراتيجية الأميركية القادمة. لذلك علينا أن ننتبه وعلينا أن نكون حذرين مما يحاط في المنطقة، لا يجب الاستهانة والحقيقة عدد 2000 عنصر مسلحين بأسلحة ثقيلة يستطيع محاصرة المدن، ولكن ما يخطط هو أكبر مما نراه اليوم، لذلك علينا الاستباق وعلينا أن نقوم بعمل استخباراتي وأمني مكثّف من أجل قطع الطريق أمام مخطط أميركا الجهنمي الجديد.

 

يحيى أبو زكريا: شيخ محمّد، بالمقابل، بالعودة إلى داعش، هل يمكن القول أنه تم الانتهاء بالكامل من داعش في العراق؟

 

محمّد نوري جاسم: أنا قلت حقيقة، قلت عسكرياً، عسكرياً المظاهر المسلحة، المجاميع المسلحة، على أقل تقدير نستطيع أن نقول أن القوات الأمنية بكلّ صنوفها استطاعت تحرير المدن العراقية، سواء في نينوى أو في الأنبار أو في صلاح الدين، لكن أعتقد أنه كمؤسسات فكرية، مؤسسات دينية، مؤسسات علمائية، وزارة التربية، وزارة التعليم، أيضاً الجهات المختصة فكرياً سواء في الحكومة العراقية أو حتى في الدول المجاورة للعراق، أعتقد أنه لا زلنا في الخطوات الأولى في استئصال الجذور الفكرية، لا زلنا في الخطوات الأولى في الخلاص فكرياً من داعش، ولا زالت هناك تأثيرات ولا زال هناك آثار سلبية سواء في المدن المحررة أو سواء في المناطق التي تمت السيطرة عليها من قبل العصابات التكفيرية الداعشية.

لكن حقيقة أقول لك، لست من الذين يبثّون اليأس في قلوب الناس ولا يبثّون اليأس في قلوب الآخرين والمستمعين، أنا قلت في الميادين عام 2015 ستتحرّر نينوى بإذن الله وتحرّرت بفضل الله تعالى بسواعد العراقيين جميعاً، وأقول لك أيضاً الآن من الميادين، في العراق ستنتهي داعش فكرياً، وأمنياً، بفضل الله أولاً، وبوحدة العراقيين وبمعرفتهم ووعيهم الكبير في العراق، أصبح الوعي كبيراً جداً حتى على مستوى مساجدنا ومدارسنا. الآن كانت المراهنة مثلاً على مدينة الفلوجة، الآن الفلوجة لكل زائر يتجوّل في شوارعها ومساجدها بكل حرية، الآن الرمادي، هيت، الرطبة، عانا، راوة، القائم، وهكذا بقية مدن العراق. أعتقد أنه نحتاج إلى عمل دؤوب، عمل مخطط، عمل منظّم مع كل المؤسسات الدينية والفكرية لإنهاء هذه الصفحة السوداوية.

 

يحيى أبو زكريا: شيخ محمّد، لأنّ وضع العراق يهمّني، علم الله العراق موجود على طاولتي وعلى مكتبي، ودائماً أدقّق في كثير من المفردات فيه.

 

محمّد نوري جاسم: دكتور، أخطر صفحة موجودة، حقيقةً، أخطر صفحة موجودة لم تُغربَل هي الصفحة السياسية، هناك من دواعش السياسة، من الذين صنعوا داعش ومن الذين دعموا داعش ومن الذين ساندوا داعش ولا يزال هؤلاء هم من الزعماء في العراق. هذه صفحة خطرة، على الحكومة العراقية، على القيادات العراقية، على السياسة العراقية، على مراجع الدين في العراق، على الشعب العراقي أن يقول لأولئك الساسة الذين أفسدوا في الأرض، الذين نشروا الفساد في الأرض، الذين دعموا تلك العصابات أن يقولوا لهم كفى بكلمة صريحة، ليس لكم مكان في الدورة القادمة.

 

يحيى أبو زكريا: شيخ محمّد، أريد أن أتحدّث عن الفتنة الطائفية التي يُراد تحريكها في العراق. عندما يخرج بعض المسلمين المؤمنين من مقام الحسين ابن علي في كربلاء، ليلعنوا بعض الصحابة أو الخليفة الثاني، ألا يؤجّج هذا الفتنة الطائفية في العراق؟ وأين المرجعيات الإسلامية الشيعية والسنّية التي تضع حداً لهذه النار التي يُراد إضرامها في العراق؟

 

محمّد نوري جاسم: أعتقد مراجع الدين الكبار، نحن قبل شهر من تاريخ اليوم تقريباً عقدنا ملتقى الفكر الإسلامي في قاعة نصب الشهيد في بغداد، وحضر هذا المؤتمر من كلّ مراجع الدين أو من يمثل هؤلاء المراجع، في العراق وإيران وسوريا، وخلصنا وخرجنا بورقة، احترام كل الرموز الدينية، احترام الجهات العلمائية، احترام كل مراجع الدين، وأعتقد أن هذا مدان. إذا كان هناك صوت يخرج في النجف، صوت لا يمثل أهل النجف، طبعاً لا يمثلهم، وإذا خرج صوت طائفي من الأنبار لا يمثل أهل الأنبار، وإذا خرج صوت طائفي من أهل نينوى لا يمثل أهل نينوى، وعلينا أن ندرك إدراكاً حقيقياً أن العقلاء في العراق، أن العلماء في العراق يسيرون إلى وحدة الأمّة، إلى وحدة البلد، إلى وحدة الشعب.

 

يحيى أبو زكريا: شيخ محمّد، جزى الله خيراً السيّد السيستاني الذي أصدر بياناً ضد هذه المجموعة المرتبطة بالتشيّع اللندني، التشييع البريطاني.

أستاذ عبد الحميد، بالعودة إلى مشروع الرايات البيضاء، الاستكبار العالمي لديه الخطة 1 و2 و3 و4 و5، المسلمون لا يمتلكون خطة بل يمتلكون استراتيجية اللا استراتيجية. كيف يمكننا أن نجابه من دون عقول، من دون استراتيجيات، من دون أسلحة فكرية حقيقية ترجم ما يراد بأمتنا؟

 

عبد الحميد العربي شريف: أقول لك أستاذي أنّ اليوم النخب العربية والنخب في الدول الإسلامية هي مغيّبة لدرجة بعيدة جداً، هناك عمل فردي، ناس تعمل فرادى، ليس هناك عمل مهيكل، ممنهج، وهناك خطط لمواجهة الخطط الجهنمية التي تديرها الاستخبارات الغربية لضرب دول بعينها، وضرب الدول الإسلامية والعربية، كما تفضّل أستاذي من خط جاكرتا إلى مراكش.

يجب علينا أولاً أن نعرف ماذا يراد بالمنطقة، وأن نستبق بوضع خطط تكون شاملة كاملة لمواجهة هذه الخطط التي تهدف لضرب استقرارنا وأمننا، وبالمحصّلة تريد نهب خيراتنا. عندما نكون على دراية، وعندما يكون صنّاع القرار في الدول العربية والإسلامية على درجة عالية من هذا النوع، نستطيع القيام بعمليات استباقية، نستطيع قطع الطريق أمام هذه المخططات الجهنمية. لذلك نحن اليوم مطالَبون.

 

يحيى أبو زكريا: لذلك أستاذ عبد الحميد دعنا نصرخ حيّ على الوعي، حيّ على الوعي، مزيد من فضائيات الوعي، مزيد من وسائل إعلام الوعي، لا إعلام الرقص والفتن والضلال. شكراً لك.

 

عبد الحميد العربي شريف: هذا ما كنت أريد قوله، يجب أولاً على الإعلام الفطن، النبه أن يلعب دوراً كبيراً في الوعي الجماعي العربي والإسلامي، لذلك نحن اليوم مطالَبون بالعمل أكثر خاصة عن طريق وسائل إعلامية حتى نستطيع رصّ الصفوف ودحر مخططات الجهل التي تريد ضرب استقرارنا وأمننا وسلب خيراتنا.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ عبد الحميد، ربّنا أفرغ علينا صبراً وثقلاً حتى نواجه كلّ هذه المخططات.

الأستاذ عبد الحميد العربي الشريف من الجزائر الحبيبة شكراً جزيلاً لك.

الشيخ محمّد نوري جاسم من العراق الحبيب الأغرّ، أدعو الله تعالى أن يؤمّنه، وأن يستطيع العراقيّون بناء حضارة كالحضارة الراقية التي كانت في العراق ذات يوم.

مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها. هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبداً ودائعه.