الفنانة التونسية بديعة أبو حريزي

 

زاهي وهبي: مساء الخير. فنانةٌ بكلّ ما للكلمة من معنى، معنى الالتزام الإنساني العميق الذي يرى الشِعرَ والموسيقى والغناء منبراً لإعلاء شأن القيم الحرّة والنبيلة في عالمٍ يفقد للأسف الكثير من قيمه الإنسانية، ينحازُ لمنطق القوة والبطش والاستغلال ويُلقي بثقله على كواهل المظلومين والمُضطهدين والأحرار. شابةٌ من (تونس) الخضراء، من وطن الياسمين الذي وهبنا نُخبةً من أفضل المُبدعين العرب. فنانةٌ اختارت لنفسها نهجاً مُختلِفاً عن الموضة الدارِجة ونأت بصوتها وموسيقاها عن السائِد والمُستهلَك. غنّت للحبّ والحريّة والثورة الحقّة ومزجت أنماطاً موسيقيةً متنوِّعةً ومُختلفة ما أهّلها لتكون جسراً بين شرقٍ وغرب، بين أصالةٍ ومُعاصرة، بين روحٍ فتيةٍ وثّابةٍ وفِكرٍ حرٍّ منفتِحٍ أصيل. "بيتُ القصيد" بيتُ المبدعين العرب لا سيما الشباب منهم يُرحِب بالمُبدِعة التونسية "بديعة بو حريزي" أهلاً وسهلاً بكِ

بديعة بو حريزي: على سلامة

زاهي وهبي: نوّرتِ

بديعة بو حريزي: يعيشك، يعيشك

زاهي وهبي: أهلاً وسهلاً

بديعة بو حريزي: دوختني بهذه المُقدِّمة

زاهي وهبي: (يضحك) جيِّد، يمكنني أن أبدأ الهجوم الآن

بديعة بو حريزي: يعيشك، يعيشك

زاهي وهبي: أهلاً. ما هي الأجواء التي جاءت بكِ إلى عالم الموسيقى والغناء؟

بديعة بو حريزي: لا أذكُر بالضبط لأنني بدأت في الموسيقى حينما كنت في كورال المدرسة الابتدائية، لكن الأجواء كانت دائماً في الدار حينما كان يغني والدي ووالدتي ودائِماً والدي يُغني وعائلة أُمّي كلها يغنون وعندهم أصوات وعائِلة بابا أيضاً

زاهي وهبي: يغنون بشكلٍ عفوي، في البيت وفي السهرات وفي الجلسات؟

بديعة بو حريزي: نعم

زاهي وهبي: لكن ليس بشكلٍ احترافي

بديعة بو حريزي: لا، لا أحد عندنا احترِف الغناء في العائِلة، أنا أول واحدة احترفت الموسيقى والغناء. كانو يعزفون على القصبة، وأنا من (جبال الكيف)، من منطقة الجبال، ففي السهرات كانت هناك دائماً القصبة والغناء، أقصد بالقصبة الناي العربي

زاهي وهبي: نعم، والصوت الحلو عمن ورثتِه؟ عن والدتكِ أم عن والدكِ؟

بديعة بو حريزي: والله لا أعرِف، والداي كانا يغنيان بإيقاع ناعم وأنا أحب أن أُغني الغناء القوي، وأيضاً أحب الغناء القوي مع عائِلة بابا أما مع عائِلة أُمي فأغني برقة وحنان

زاهي وهبي: نعم، ومن كنتم تسمعون؟ هلّ كانت هناك أجواء مُعينة؟ أُغنيات مُعينة لفنانين معروفين؟ مثل من؟

بديعة بو حريزي: كان والدي يوقظنا على "فيروز"، كلّ صباح من اللازم "فيروز"، أيضا "لُطفي بوشناق" بعد أن أصدر ألبوماً أو ألبومين للصغار أو للتربية، فأبي كان مغروماً به وسجّل هذه الأغنيات على كاسيت، وفي كلّ صباح إمّا "فيروز" أو "لُطفي بوشناق"

زاهي وهبي: أيمتى تعرّفتِ على الشيخ "إمام" مثلاً؟ أُغنيات الشيخ "إمام"، مذ كنتِ صغيرة؟

بديعة بو حريزي: لا لا في فترة متأخرة جداً

زاهي وهبي: فترة متأخرة

بديعة بو حريزي: أنا كنت أكثر في أن الموسيقى والغناء مسألتان مختلفتان. كنت أناقش والدي كثيراً في السياسة وكنت أُحبّ الأدب كثيراً لكن لم أكن أرغب أن أكون أديبة وكنت أدرس كي أكون كاتبة، والموسيقى كانت مسألة أنني كنت أعتقد أن كلّ الناس عندهم هذا الإحساس

زاهي وهبي: التوجهات والأحاسيس

بديعة بو حريزي: أجل

زاهي وهبي: سأُتابع مع حضرتكِ ومن الممكن أن نسمع منكِ لاحقاً شيئاً فيروزياً إذا لا تمانعين

بديعة بو حريزي: طبعاً

زاهي وهبي: ولكن دعينا نُشاهِدكِ في علامة فارِقة ونسمع ماذا تقولين

علامة فارقة   

بديعة بو حريزي:

- أموت من أجل، قولوا لي اسم، أحب الشمس عندما أعرِف الذي، لا تلزم كثيراً للبشرة، ترارارام، أحب الشمس كثيراً. أُحب الشمس والحرّ لكن ليس بصورة مُستدامة، أحكي شيء! أحكي عن السياسة أو، حكيت قليلاً مع، منذ الأمس لليوم حكيت مع عدد من الأشخاص وكلهم يتحدثون في نفس الموضوع، الاحتجاجات السلمية والحراك الاجتماعي والأحزاب، رؤساء الأحزاب وهم يأكلون في بعضهم والناس في الشارِع

- (تونس) تُشبه (لبنان) كثيراً، اسمها "اليسار" كما يقولون عندنا. التونسيون واللبنانيون يتشابهون كثيراً، فهناك نتحدث في لغات كثيرة ونحن منفتحون على العالم ونُحب الأكل ونحب الحرّ ونحب كثيراً الحوت، ليس بمعنى البالينا الحوت بل معناه السمك

- أعيش من الفنّ، ما دام ليس عندي يخت أعيش من الفن

- حينما كنت صغيرة كنت أحب اللغات كثيراً وكنت أتعلّم لغات وكان في بالي أن أكون كاتبة وكنت أحياناً أتحدث مع نفسي بالعربية

- عندي في دار الكثير من هذه التحف، من (أسوان) ومن (اليمن)

- أُحبّ النعناع، أحياناً نخلِط النعناع مع الكزبرة، ماشي، كلوا كزبرة، هذه أكلة عندنا في بلادي أكلة الحمّص

- إذا القضية ليست واضحة أحب أن أُغنّي عنها بالذات، أنا لم أقل أنني لا أحب أن أُغنّي عن النضال أو عن الفُقر أو عن الناس المهمّشين، لكنني وجدت نفسي في مكان شعبي جداً، في "الكبّاريّة" في (تونس) وأهلي يسمونهم نازحون، من الناس الذين أتوا إليها وليس معهم مال في البلاد. وحدي لقيت الكثير من التعب والكثير من الظلم، ظلم وتعب كثير وقوى أمنية، يعني في الأماكن التي فيها الكثير من القوى الأمنية

- أُحب أن أُغنّي عن واقع أنا عشته لكن حينما سمعت أشياء عن أخي بكيت، يحاولون أن يذلّونك بكلّ الطُرُق. إذا لم تعُد تؤمن بالحبّ تموت ولا تعود ترغب في النضال

- ما من تفضيل عندي، أحب الناس الذين يسمعونني في قلوبهم. أنا أُعبِّر بقلبي وأحاول ألّا أُفكر كثيراً في نوع الموسيقى وأتمنى أن تصل للناس في هذا المعنى وفي نفس الوسيلة، إلى القلب إلى الشعور، أنا لا أستطيع أن أعيش من دون موسيقى      

- تعريف الحريّة، هذا سؤال فلسفي وجودي قوي جداً. يظهر لي أنه لا توجد حرية مُطلقة وهذا أضيفه إلى فلسفة تعريفها، لكن في كلّ إنسان ثمة منطقة تعرِّف فيها حريتك التي من اللازم ألّا تتنازل عنها، ألّا تجعل الحياة أو الضغط الاجتماعي أو الضغط المادي أو ضغط القمع حتّى القمع السياسي، ألاّ تترك هذه الضغوطات تمُسَّ الأرض الصغيرة التي في قلبك التي تمثل حريّتك

- أحلامي تتبدّل وتتغيّر، أكثرها أشعُر أنني حققته، حتى في حلمي نحن نقول في (تونس) " لا نكحل"، أُحبّ أن أُفكّر في أشياء حلوة، في الأحذية، حقاً، لأنّ ذلك يُظهِر لي الهدف إنساني ويكون أحسن ما يُفكِّر فيه المرء حين لا يكون سعيداً وفي حالة Serenity ورفض بحيث يُصبح الإرضاء سهلاً في النهاية، حتى إذا كانت الدنيا غير منصفة لا تنسى شراء الأشياء الحلوة لغيرك من أفراد عائلتك خاصةً التي ترمز إلى الحب، وأن يكون قلبي دائِماً حيّاً

زاهي وهبي: سنُعرِج على كثير من الأشياء التي أشرتِ إليها لكن فعلاً هناك تشابُه كبير بين (تونس) وبين (لبنان)، أي لبناني يزور (تونس) يشعُر بهذا الأمر والعكس صحيح. أيمتى قرّرتِ أن تحترفي الموسيقى والغناء؟

بديعة بو حريزي: ذهبت إلى (فرنسا) وأحببت أن أدرُس موسيقى وأردت الدخول إلى The American School for Modern Music وأحببت أن أدرس الجاز وكانت حينها الفترة فترة جاز، في النهاية اتجهت إلى الإنكليزية وبدأت أدرُس في "السوربون" الإنكليزية وبعد سنة بدّلت واتجهت نحو الموسيقى. حينها لم أكن لوحدي، حينما فكّرت أنني أُحبّ أن أعيش من الموسيقى وفكّرت أن أُدرِّس وفكّرت حينها أن أُعلِّم الصغار على الموسيقى، فدرست هذا الموضوع في الجامعة وبعد ثلاث أو أربع سنوات فهمت أنني أُحبّ الروك، أحب التبادل، هذا التبادل الحيوي

زاهي وهبي: الحضاري والثقافي

بديعة بو حريزي: أجل، مع الناس حتّى، الطاقة التي يعطونها لك الناس تجعلك تتبدّل

زاهي وهبي: أكيد سنتحدّث عن الموسيقى التي تعزفينها حضرتكِ وعن هذا التمازُج بين الموسيقى مثلما ذكرنا في المُقدمة، لكن دعينا نُعطي مُشاهدينا لو سمحتِ لي فكرة عن أُسلوبكِ وطريقتكِ في العزف وفي الغناء، تفضّلي

بديعة بو حريزي: بالطبع (تعزف على الغيتار وتغنّي)

زاهي وهبي: شكراً، شكراً، ألف شُكر

بديعة بو حريزي: يعيّشك

زاهي وهبي: حلو كثيراً

بديعة بو حريزي: شكراً

زاهي وهبي: يعطيكِ ألف عافية

بديعة بو حريزي: يعيّشك

زاهي وهبي: "خلف قمم الجبال " كلماتِك، استوقفني فيها "أبعِد تلفازك عنّي". ما الذي تحاولين أن تقولينه في هذه الأُغنية؟

بديعة بو حريزي: أتحدّث عن نوعٍ من التلفاز السائِد، ليس في كلّ البلاد العربية بل هو موجود في (أوروبا) وفي (أميركا) وفي (كندا) وفي (تايلاند) وفيه نوع من الرداءة. التلفاز هو شاشة ألوان فهو أولاً يجذبك بألوانه المختلِفة فقط لإضحاكك، أضحك قليلاً أو نُبكيك، كيلا نتحدث عن أشياء أُخرى، دعنا نتكلّم عن هذا التلفاز الذي يردُّك عبداً بمعنى Slave

زاهي وهبي: يستلب الإنسان ويحوّله ويقدِّم له مادة استهلاكية. من النوادر أن نرى في التلفزيون شيئاً عميقاً وجدّياً مثل الآن مثلاً. عندما تكتبين كلمات أُغنياتك، كتاباتكِ، الأفكار، الموضوعات، من أين تستوحينها؟ كيف تولَد عندكِ فكرة أُغنية؟

بديعة بو حريزي: أحياناً تكون جملة، مثلاً هذه "خلف قمم الجبال" تبدأ بحرف الخاء ومن بعدها ألِف، "ألفتُ أهلي النظر" ثم لام، "لمسةُ ربّ الخيال" ثم دال، درب الوحشي الحرّ، على اسم أخي "خالد" وكانت على اسمه حين سُجِن، فهو كان الوحشي الحرّ الذي كنت أعرِفه، أخي وأنا أسميته هكذا مثلاً، هذه الكتابات كانت تحتوي على القليل من الألم، وبعد ذلك، وهذا ما أعجبني، كان يخرُج منها رويداً رويداً فرح وأمل، والنص الذي كتبته له آتٍ من وجع. أحياناً أُخرى يأتي اللحن لوحده في الكلام، أحياناً ولن أقول لك Accord، ليس عندي طريقة

زاهي وهبي: نعم، تلقائِياً، بشكلٍ عفوي، بشكلٍ بديهي طبيعي تخرج الأشياء. علاقتك بالشِعر عموماً كمتذوقة كقارئة؟ مثلاً غنّيتِ لـ "فدوى طوقان"، "إلى سلمى" قصيدة مشهورة لـ "فدوى طوقان"، كيف هي علاقتكِ بالشِعر عموماً؟

بديعة بو حريزي: تقريباً علاقة عميقة وأساسية. لكن أنا يظهر لي العكس، الحقيقة هي التي يقولها الشعراء وهي ليست الأشياء الأُخرى

زاهي وهبي: لماذا الحقيقة يقولها الشعراء؟

بديعة بو حريزي: لأنّ العالم الحقيقي للإنسان الذي نحلم أن نعيش فيه هو عالم أحلام، عالم فيه الكثير من النسبية

زاهي وهبي: عالم رؤى

بديعة بو حريزي: رؤى، وهذا يُبدِّل نظرتك، الشعر يبدّل نظرتك للأشياء، هذه الطاولة مثلاً تظهر سوداء أو أنت كيف تراها في رؤاك شيء جميل أو غير جميل

زاهي وهبي: تعنين أن الشِعر هو الفنّ عموماً الذي يجعلنا نرى العالم بطريقة مُختلِفة

بديعة بو حريزي: فعلاً نعم

زاهي وهبي: غير تقليدية، ليست مُسلِّمات

بديعة بو حريزي: نعم، حتّى هذه الطاقة مهمة جداً في الحياة، نحن عندنا الكثير من الغرب والعلوم وكأنّ العلوم تنفي اللا مرئي، وهذا غير صحيح

زاهي وهبي: الفن يجعلنا نؤمن باللا منطق أحياناً، باللا واقع، في الخيال طبعاً، بهذا البُعد الروحي الموجود في الإنسان. تقولين حضرتكِ، الحُبّ يمشي يداً بيد مع الثورة، والإيمان بالحبّ هو الإيمان بالحقيقة والحرية أيضاً. إلى هذه الدرجة الحبّ والثورة توأمان من وجهة نظركِ؟

بديعة بو حريزي: أجل أعتقد

زاهي وهبي: من أين تولَّدت هذه القناعة؟ من أين لكِ هذا الإيمان؟

بديعة بو حريزي: هذا "وليد قعبر" كما نقول أي منذ صغري، لا ليس منذ صغري لكن بدأ قليلاً منذ الثورة التونسية، والذي صار كان فيه الكثير من الحب في هذا الجيل، ولا أقصد الحب هنا بين رجل وامرأة

زاهي وهبي: نعم، ليس العشق والغرام، الحبّ بمعناه الإنساني 

بديعة بو حريزي: هذا هو

زاهي وهبي: حبّ الناس للناس، حبّ الناس للأرض، للصداقة، لكلّ هذه الأمور

بديعة بو حريزي: الحب الرسمي وليس الحب الآتي من حبّ الذات مثلاً، أقصد الحبّ الذي يرفّ له قلبك كما عندما يرفّ قلبك لإنسان صديق

زاهي وهبي: وليس الحب الأناني والتملُّك

بديعة بو حريزي: ليس هذا طبعاً لأن الناس تخلط كثيراً أحياناً

زاهي وهبي: ذكرتِ الثورة التونسية، هلّ غيّرت هذه الثورة فيكِ شيئاً؟ غيَّرت في حياتكِ شيئاً؟ ماذا فعلت الثورة بكِ كفنانة وكمواطنة تونسية؟

بديعة بو حريزي: كفنانة جعلتني أرجع إلى (تونس) وأُغني في (تونس) أولاً، كنت أحلم أن أُغني في (تونس) لكن ليس رسمياً، لم أكن أُفكر أن أقوم بحفلات رسمية قبلها في (تونس). غنائي ليس فقط مبنياً على النقد ونقد السياسة، فبعد الثورة وجدت نفسي أتحدّث عن مواضيع أُخرى كثيرة. فالثورة فتحت المجال لكتابات أُخرى

زاهي وهبي: ومواضيع اجتماعية إنسانية

بديعة بو حريزي: والحب أيضاً، صرت أكتب قليلاً عن الحبّ وحتّى أكتب كما كنا نقول، عن العشق والغرام، وحتى أكتب ولا أغني ما كتبته، أغنّى الآن للأولويات في الحياة لأن الناس متعبون ومنهم من يموتون

زاهي وهبي: سنسمع المزيد من أُغنياتكِ ولكن اسمحي لنا أن نتوقف مع موجز إخباري سريع ثمّ نُتابع "بيت القصيد"

المحور الثاني:

بديعة بو حريزي: (تغنّي)

زاهي وهبي: شكراً

بديعة بو حريزي: يعيشك

زاهي وهبي: "بديعة بو حريزي"، أين تصنّفين نفسكِ فنياً، هلّ حضرتكِ ضمن الفنّ البديل؟ الـ Underground أم شيء آخر؟

بديعة بو حريزي: غالباً أنا لا أُحبّ التصنيفات بصورة عامة لكن أعرف أنّ الذي يقولون لنا عنه الفن البديل يقولون عنه هو على أساس أنه بديل لفن معين وهو الفنّ السائِد الشرقي

زاهي وهبي: نعم. ما الذي أبعدكِ عن الفنّ السائِد؟ عندكِ صوت جميل جداً يُمكن أن يُغري هذا الصوت المنتجين، بمعنى الذين يشتغلون فناً تجارياً وفناّ ترفيهياً. هلّ فكّرتِ مثلاً بغناء أشياء رائِجة؟

بديعة بو حريزي: أنا لا مشكلة عندي مع الفنّ السائِد، مثلاً أُحبّ "شيرين" كثيراً وأُحبّ "أصالة نصري" كثيراً، لكنه ليس طريقي، ثمة أشياء فيه لا تعجبني كفنانة، لكن كمُستمِعة يعجبني. لكن عندما أُغنيه أقلق كما نقول

زاهي وهبي: المُشكلة مثلما قلتِ حضرتكِ، في الفنّ السائِد مسألة التكرار، مثلاً لون مُعيّن، تجدين الكلّ إذا نجحت أُغنية يريدون أن يقلِّدونها أو شيء من هذا النوع. الفنّ الذي حضرتكِ تقدمينه له في بلادنا العربية، من خلال (تونس) أو غيرها، له جمهور؟ له مُحبّين كُثر، أم هو فنّ نُخبوي؟

بديعة بو حريزي: أظنّ أنّ عنده جمهور، جرّبنا عرضه في (تونس) وحتى في مهرجان في (تونس) للموسيقى البديلة، في السنة الأولى كانت الموسيقى العربية البديلة، هناك الكثير من الجمهور، هناك الكثير من الناس. نحن من جيل الإنترنت. هناك جيل لم يعُد أصلاً يشاهد التلفزة كثيراً

زاهي وهبي: يُشاهد عبر

بديعة بو حريزي: عبر الإنترنت. إذا رجعنا إلى السؤال الأسبق حتّى الفرق بينه وبين الموسيقى البديلة أنه مرّت الموسيقى العربية بفترة جمود لأنّ الموسيقى العربية أصلاً قوتها في اللحن وفي الصوت، لكن هناك أشياء أُخرى يُمكننا أن نُعبِّر بها في الموسيقى. يعني، ليس من الضروري أن يكون الصوت جميلاً جداً بل أن يُعبِّر عن شيء

زاهي وهبي: المهم الأداء، أن يتمكن من إيصال فِكرة معينة

بديعة بو حريزي: بالإضافة إلى ذلك، مثلاً الموسيقى الإلكترونية، ثمة الكثير من

زاهي وهبي: العناصر

بديعة بو حريزي: نعم، الاختبارات والكثير من التقدم، بمعنى أخذ بعض الناس يدرسون في الـ Base مثلاً، وأن يلامسوا جسم الإنسان بطريقة عضوية أو Mineral، فهذه الأشياء لا تجدها في الموسيقى العربية. عندنا الإيقاع، عندنا الـ Strings، وعندنا الصوت

زاهي وهبي: تعنين، في رأيك لا يوجد الكثير من التجريب والتطويل والتحديث في الموسيقى العربية. حضرتكِ تقولين، "لا أصنع موسيقى"، لا تصنعين موسيقى للتسلية

بديعة بو حريزي: نعم

زاهي وهبي: لماذا تصنعين موسيقى؟

بديعة بو حريزي: أيّ فنّ هو حتى لو لا نظهره كثيراً، الفن مسألة مهمة جداً في حياة الإنسان، هذا نعرفه منذ أن كان الإنسان. يظهر لي أننا كأُناس من الجنوب ولو أنني أتحدث عن نفسي، من قارة (أفريقيا)، تأثرنا كثيراً بالمدرسة الغربية ورؤيتها للفنّ، الفن الذي يراه الناس. أنا من المدرسة الأفريقية وأعرفه ويتحدثون به، عند الأفارِقة هو تابع للحياة اليومية كما عندنا

زاهي وهبي: نعم، جزء من الحياة اليومية

بديعة بو حريزي: مثلاً حين نجوب ونزرع نُغنّي أُغنيات، تلك الأُغنيات تساعِد المزروعات ولسنا نحن من يساعد الزرع، كنا ننادي لحيواتنا بالأُغنيات وبالصفير، فهذا الفن يتبع الحياة اليومية

زاهي وهبي: حتّى في المشرق العربي، الكثير من الفنون نشأت من مواسم الحصاد ومن قطاف حصاد القمح، حتّى الدبكة مثلاً المعروفة في المشرِق، في بلاد (الشام)، الدبكة هي ناتجة من حصاد القمح وكيف كانوا يدوسون عليه كي يدرسونه ويُخرجون منه حب القمح. فأنا دائِماً أقول "بديعة" أنّ هناك أحياناً عدم إدراك في مُجتمعاتنا للأسف لضرورة الفنّ في الحياة، إلى هذه الدرجة ضروري الفن. لكن إذا مُجتمعات أُميّة وفيها بطالة وفيها جوع وفيها حروب للأسف، مجتمعاتنا العربية، هلّ للفنّ مكان في هذه الحال؟ وما هو دور الفنّ في هذه الحال؟

بديعة بو حريزي: لأنه، نعاود القول، لا يُمكن أصلاً فصل الفنّ عن الإنسان، قم بتجربة. إذا وضعت أحداً في حبس وهو لم يقم بشيء وهو تابِع للشِعر وتابع لهذه المخيلة، هذا شيء ليس

زاهي وهبي: ليس ترفاً

بديعة بو حريزي: أجل ليس ترفاً، هي شيء نحن نعتبره وكأنه ترف، لماذا؟ نعود إلى الموضوع، لا أُريد أن نكون معادين للغرب لكن هذه الرؤيا للاستعمار الثقافي في النهاية جعلتنا نرى الأشياء من هذه الرؤية

زاهي وهبي: وكأنها مُجرّد كماليات

بديعة بو حريزي: نعم

زاهي وهبي: بينما الغرب يتعامل معها كأساس في الحياة

بديعة بو حريزي: أساس لكن فيها نفصل المُستمِع عن الفنان وهذه لا توجد عندنا كثيراً، حتّى أنا أراها في حفلاتي في (تونس)، هناك أُناس يسمعون وهذا شيء جميل لكن حفلات، ولا أقول حفلات لي بل ربما لمجموعات اُخرى التي تصنع فناً فيه الكثير من الحركة، الناس تقف معك وتصفق معك وتغني وتشطح، وهذه لا تراها كثيراً في بلدان الغرب ولا نقول أن هذا يُسيء بل ضاعت الموسيقى الفولكلورية في (أوروبا)

زاهي وهبي: "بديعة"، قبل أن نُتابع الحوار مع حضرتكِ سنسمع رأياً في تجربتكِ من المُنتِج الموسيقي الأُستاذ "كريم رمادي"، نسمعه معاً

كلام يوصل

كريم رمادي – منتج موسيقي: أنا اشتغلت مع "بديعة بو حريزي" قبل الثورة وبعد الثورة، كنت معها لأربع سنوات. قبل الثورة كانت مختلِفة كثيراً ومن غير اللازم أن نحكي عليها لأنها فترة مرّت وهناك الكثير من الفنانين يشتغلون معها، نتحدث عن بعد الثورة لأن حينها بدأت تجربتها الحقيقية. التحديات مع "بديعة بو حريزي" ليست كبيرة، الشغل معها سهل. اشتغلنا في (كندا) وبعدها في (تونس)، فهي بفنها تُسهِّل الشغل كثيراً. التحديات التي ربما "بديعة بوحريزي" تتقنها كثيراً أنها تُفكِر كثيراً في مشاريعها، ومشاريعها تأخذ تفكيراً كبيراً وعندها معنى، وأنا كمدير، التحديات هي كيفية إيجاد الحلول لهذه المشاريع لإنجازها كما هي ترغب. أنا أتصوّر أنّ "بديعة بو حريزي" ستُفاجئنا كثيراً في السنوات المقبلة، مشاريعها جاهزة ما عدا التي لا ينتظر عليها الناس الذين يعرفونها، وهي دائِماً في التجربة والتجارب في السنوات الماضية لم تُغير في "بديعة بوحريزي". "بديعة"، عندي سؤالان لكِ. السؤال الأول، أحببت أن أعرِف ماذا أضافت لكِ تجربتكِ في (المكسيك) في حياتك شخصياً وفنياً. السؤال الثاني هو، لماذا دائِماً تشربين قهوتكِ بالسُكّر وأنا في عُمري لم يكن عندي سُكّر في الدار؟

زاهي وهبي: شكراً للأُستاذ "كريم رمادي". إذاً دعي سؤال السُكّر بينكِ وبينه لكن (المكسيك)، فعلاً حضرتكِ ذهبتِ إلى (المكسيك) وغنّيتِ بالإسباني أيضاً

بديعة بو حريزي: نعم

زاهي وهبي: ما الذي أخذكِ إلى المكسيك؟

بديعة بو حريزي: في البداية أنا كنت

زاهي وهبي: في Tour

بديعة بو حريزي: استدعاني إلى المهرجان مستر "فانتينو"، فذهبنا وقال لنا صديق علينا أن نذهب إلى الجنوب بعد أن كنّا نلعب في الشمال، فذهبنا وأعجبنا جداً المكان أنا وأصدقائي الموسيقيين، وبعدها عدت إلى هناك وأمضيت سنة أو إحدى عشر شهراً بالتحديد

زاهي وهبي: وما الذي أضافته لكِ سألك؟ هذه التجربة في (المكسيك) ماذا أضافت لكِ؟

بديعة بو حريزي: على الصعيد الشخصي أولاً، بيني وبين نفسي لستُ مضطرّة وملتزمة في المكوث هنا أو السكن هنا، حلو أن تعرف أنك حرّ ومن الازم أن تجرِّب أحياناً وتتحدى نفسك فقررت أن أذهب. الشيء الثاني أنّ في (المكسيك) فيها شيء قريب جداً من التونسيين وفي الوقت نفسه المكسيك بعيدة كثيراً. تشعر بأنها قريبة من التونسيين أتعرِف لماذا؟ الأشياء الأساسية مثل الطماطم (البندورة) والفلفل والبصل كيف يستعملونها، كما التونسيين، أكلهم حارّ

زاهي وهبي: مهتمّة بالأكل

بديعة بو حريزي: لولا الأكل

زاهي وهبي: في (صيدا) مسرورة بالحمُّص والتبولة

بديعة بو حريزي: آكل أكلاً كثيراً وأعلم أنه لا يظهر عليّ

زاهي وهبي: نعم، نيّالكِ

بديعة بو حريزي: يعيشك

زاهي وهبي: أنا أحسدك على هذا الأمر. تمزجين حضرتك مثلما قلنا أنماطاً موسيقية مُختلِفة، وأنتِ متأثرة بأنماط موسيقية مختلِفة. موقع (تونس) كبلد عربي في (أفريقيا) متأثر بموسيقى أندلسية وفنّ أمازيغي، كلّ هذا مُخلِط بحضرتكِ وبتجربتكِ. هلّ هناك لون أقرب لكِ؟ لون مُعيّن؟ نمط موسيقي تستهوينه أكثر من غيره؟ وهذا المزج ممكن أن يخرج منه شيء مُختلِف تماماً؟

بديعة بو حريزي: والله أنا أُتابع هذا في بالي. أنا قبلاً كنت أحب الموسيقى الأفريقية كثيراً وأقصد الموسيقى الأفريقية الحقيقية ولا أتحدّث عن

زاهي وهبي: نعم ليس إيقاعات

بديعة بو حريزي: ليس إيقاعات، موسيقى من "موسان غاريه" مثلاً أو "شيخ تديان سيه"

زاهي وهبي: "بوب مارلي" مثلاً

بديعة بو حريزي: "بوب مارلي" كانت موسيقاه أكثر موسيقى الجُزُر وموسيقى غربية، لكن هنا أقصد           الموسيقى فعلاً التقليدية، غالباً من دون Drums أو بيانو أو غيتار كهربائي، أعني الذي فيه  "البالافون"

زاهي وهبي: نعم، آلات محلية

بديعة بو حريزي: نعم، "كورا" و"بالافون" وهكذا أشياء. اشتغلت مع أُناس في دول حوض الأبيض المتوسط وبصراحة طوّر هذا عندي اقتناعاً جديداً هو أقرب إلى جزيرة (كريت) الذين عندهم تقريباً نفس المقامات، بمعنى يلعب على الكمان وكأنه تونسي. الأشياء التي لا نجدها في الموسيقى الشرقية ولا في الموسيقى الأفريقية ولا في الموسيقى الأوروبية، هذه أشعر بها هوية وطبعاً لا أقبل أن تكون هويتي لكنها جعلتي أنتبه أكثر إلى اللهجة. في الموسيقى من غير اللازم أن نلعب ربع صوت لكي نكون في الموسيقى العربية. أنا أُحب كثيراً "أنور ابراهام" وهكذا أشياء لأنه أحدث طابعاً تونسياً من غير أن يلعب فعلاً مقامات تونسية في البوماته، لكن دائماً حين تسمعه تعرِف أنه يتحدّث عن (تونس) وعن هذا المكان، والأحاسيس ليست، ومن غير اللازم أن تكون

زاهي وهبي: أحاسيس إنسانية

بديعة بو حريزي: هي أحاسيس إنسانية في النهاية وليست أحاسيس فقط لمكان واحد بل أحاسيس إنسانية في الفن للتواصل

زاهي وهبي: طبعاً الـ Mix Music والفن المزيج موجود في العالم، والعولمة ربما جعلت الأمور أسهل. التواصل بين الفنانين من بيئات مُختلِفة. لكن في نفس الوقت هذه العولمة في الموسيقى والفنّ ممكن أن تُمحي قليلاً الخصوصية المحلية، صحيح؟

بديعة بو حريزي: أجل

زاهي وهبي: أو ما يُسمّى الهوية الإبداعية أو الفنية لكل بلد أو لكلّ فنان. عندكِ خشية من هذا الموضوع أم لا؟

بديعة بو حريزي: لا، هناك شيء، لأنني في الألحان أمزج وأحب كثيراً هذا الأفريقي لكنني أبحث عن النقطة

زاهي وهبي: المُشتركة؟

بديعة بو حريزي: نعم، المُشتركة، ولا ألعب مثلاً في يوم لحناً أفريقياً أو جملة أفريقية لوحدها، أقوم بجملة إفريقية تكون نصفها في لون نعرفه في الموسيقى التونسية. أحاول في الغالب أن يكون صوتي في المحو، وأنا أعلم أنّ في صوتي هوية "جبال الكيف" وأنا لا أتنحى وفي يوم أكون أُغنّي غربي أو حتى أُغني أغنيات ليست لي وحين كنت أغني أغنيات مكسيكية كنت أضع فيها أشياء من (تونس). أحاول أن يُظهِر لي اللحن الهوية التي فيك

زاهي وهبي: بصمتك ونكهتكِ الخاصة موجودة حتّى لو غنيتِ بلُغة أُخرى أو عزفتِ موسيقى متأثرة بما نتحدث به أي موسيقى من مُختلف أنحاء العالم. سنُتابع مع حضرتكِ وسنُشاهِد مُقتطفاً من حفلاتك وأُغنياتكِ المُصوّرة ثم نتوقف مع استراحة سريعة ونُتابع "بيت القصيد"

المحور الثالث:

بديعة بو حريزي: (تغني)                                          

زاهي وهبي: شكراً

بديعة بو حريزي: يعيشك

زاهي وهبي: "بديعة بو حريزي" مع حفظ الألقاب طبعاً. "حراً يولد الإنسان"، وردت هذه الجُملة في الأُغنية. ميلكِ للحرية وانتصاركِ للحرية وتعلُّقكِ بالحرية من أين ناتِج؟ من أية خلفية؟  من أيّ فهم، من أيّة ثقافة؟

بديعة بو حريزي: الفكرة الأولى هي الوالدين بمعنى أمّي وأبي يا محلاهم، اُحب كلاهما كثيراً وأحبك ماما زيادة. أما بابا أشعرني منذ أن كنت صغيرة، لماذا نحب بن علي؟ ويتذكّر أحياناً أن هناك أشياء حتّى في عائِلتنا، هناك بنت

زاهي وهبي: نعم، بنت وصبي بمعنى ولد

بديعة بو حريزي: فهو كان يقول لي " افعلي ما تحبيه"

زاهي وهبي: برفو عليه. على كلّ حال المرأة التونسية بشكلٍ عام عندها حقوق قياساً بالنساء العربيات، من أفضل البلدان حتّى في القوانين  

بديعة بو حريزي: أنا أظن أنه قبل القانون يجب أن تكون العقلية وأنا أظن أنّ العقلية أتت من عند "الأمازيغ". عند "الأمازيغ" المرأة كما الرجل، تُحارب وتحصِد وتزرع

زاهي وهبي: نعم. ذكرتِ لي خلال الحوار أنّ أخاك كان في السجن، لماذا كان في السجن؟

بديعة بو حريزي: كان في السجن على مُخدرات، على القنّب الهندي. أنا في هذا عندي رأي وأُحبّ أن أُعبِّر عنه بكل صراحة، أنا ضد السجن لما يُسمّى المُخدرات لكنها موجودة في ثقافاتنا، نعرف أنها موجودة هنا في (لبنان). في الثقافة المحلية كلّ إنسان أينما كان يحاول أن يجد طريقة ليخرُج قليلاً من رأسه، هذه أموره، هذه حرية شخصية لكن لحد الإدخال في السجن على حريات شخصية شيء آخر! طبعاً أنا أقول لك لماذا أخي هذا دخل السجن، ولكن الحقيقة التي دخل بسببها هي أشياء أُخرى. لأنه كان "راب" ولكن ليس "راب" موسيقي بل "راب" اجتماعي وهو كان يحكي لي عن الكثير من الأشياء وعنده ريشة جميلة جداً ويشهدون له أُناس من المسرح في (تونس). فالموضوع أنه كانوا يأخذونهم ليعرفوا من كتب هذا وخلاف ذلك، وهذه كانت مسألة سهلة قبل الثورة وحتى بعد الثورة صارت قليلاً

زاهي وهبي: كان يكتُب ضدّ النظام، ضدّ السلطة؟

بديعة بو حريزي: أجل، وبعد الحفلة كان يزوغ

زاهي وهبي: "بديعة"، سنسمع رأياً آخر في تجربتكِ وهذه المرة من أحد أساتذتك، أُستاذ الفيزياء" وهو متابع جيِّد لنشاطكِ الفنّي الأُستاذ "زكريا القطبي"، نسمعه معاً

بديعة بو حريزي: أوكي

كلام يوصل

زكريا القطبي – أُستاذ: أذكرها جيداً، حتى قبل أن أعرفها في الميدان الفنّي. كانت مُنعزِلة، كانت تجلس في آخر القسم وفي زاوية، وكانت منزوية ولا تقلق من الكلّ، وكنت أنا أتساءل لأنها حالِمة، كأنها حالمة وتفكر في أشياء أُخرى. شعرت بها وبأن البذرة الفنية موجودة، وحتى العلم هو فنّ واكتشفتها في "نجمة الشمال" حينما كانت تقوم بعروض وكانت تُغنّي وسمعتها تُغنّي بتلقائية وسهولة، عندها سهولة في التعبير والعُمق في الفِكر. والله مسيرتها طويلة، وأنا أقول أنك تشعر فيها الفِكر، سحبها الفِكر وليس الأُغنية. فكر كامل تحمله وكانت تشعر به منذ صغرها، كان دائِماً معها وكنت دائِماً أشعر بها تتأمل وتُعبِّر. رقيقة الإحساس وعندها سهولة التعبير خاصةً في الغناء وفي الكتابة لأنها تكتب أغانيها، ووجدت أنّ هذه الملِكة تتفرُّد بها "بديعة" ولم أجد كتابة من هذا النوع، هي كتابة موسيقية، أي نصّ موسيقي وهي تصنع له تلك المسحة بالغيتار، هي تعزِف الغيتار، تصنع له تلك المسحة، شيء صافٍ وصادق، وهي صادقة كثيراً وأؤكد على هذا الصدق، وتقوم بما تحب أن تفعله بهذه الآلة وليست متأثرة بأنواع موسيقية معينة رغم أنها تعيش في ذلك الوسط.  في "نجمة الشمال" ثمة الروك وثمة الـ Metal وثمة الأنواع الموسيقية والأشكال الموسيقية على مدار الساعة، كانوا يعزفون الموسيقى 24/24 ساعة في اليوم، وكنّا نحن "الحمائم البيض" أيضاً نقدِّم عروضاً، وهي أيضاً تعرِف "الشيخ الصغير" وتغني أُغنية لـ "الحمائِم البيض" بأسلوبها ولا تغنيها كما نحن نغنيها وأنا كنت أسمع، "بديعة" عندها أُسلوبها. عندي سؤال أحب أن أطرحه، البذرة الأولى، كيف وصلت؟ وكيف هي مشاكل الموسيقى؟ هلّ هي اكتشفت نفسها أم اكتشفوها؟ هذا هو سؤالي

زاهي وهبي: شكراً للأُستاذ "زكريا القطبي"، نحن ذكرنا في البداية أجواء العائِلة والأُسرة والأُغنيات في السهرات، ولكن ربما الجزء الثاني من السؤال، هل اكتشفتِ نفسكِ أم أحد اكتشفكِ؟

بديعة بو حريزي: لا، اكتشفت نفسي، هذا واضح. أتذكر أنني كنت أحب أن أدرس موسيقى لكن بابا لم يكن يُحب لكي أكون تلميذة نجيبة وقارِئة ومن الأوائِل، فكنت أُحبّ أن أدرس " كونترا- باس" لأنني أتذكر "أم كلثوم"، كنت أسمع "أُم كلثوم" وكانوا يعجبني "الكونترا باس" الذي يلعبونه وكان فيه Tune واحد واثنان، كنت أحب أن أدرسه لكنني لم أدرس الـ "كونترا- باس" وبعد ذلك تعلمت الغيتار لوحدي

زاهي وهبي: كان عندي سؤال، لماذا الغيتار؟ لماذا اخترتِ آلة الغيتار وليس آلة ثانية، وما هي مميزاته بالنسبة إلى حضرتكِ؟

بديعة بو حريزي: أنا أعرِف أنني لستُ عازفة غيتار محترفة بصراحة، لكن أنا استعمله للتلحين. صوتي هو آلتي اللحنية، آلتي للميلودي، نحن عندنا الميلودي لأجل الهرموني وأنا أُحبّ أن يكون هناك هرموني، لا أدري ما معناها بالعربية

زاهي وهبي: هرموني

بديعة بو حريزي: أوكي، لأنني أخذت بالتفكير وهي ليست موجودة في الموسيقى العربية لكن في الأصل موجودة في الموسيقى كلها لأن الهرموني هي أن تزيد الآلات على بعضها

زاهي وهبي: نعم، التناغُم إذا أردتِ، ترجمة حرفية

بديعة بو حريزي: نعم، واليوم موجود أصلاً في اللحن، أنت عندما تضيفهم وتضعهم مع بعضهم تزيد في اللحن، ولا ينبغي أن يكون عندنا منها عُقَد لأنها آلة غربية، لأن أصلاً جدّ الغيتار هو العود وأخذه الغرب ثم رجع غيتاراً. أُحب الغيتار لهذا ولأنه يوفِّر لي أن ألعب وحدي وأن أُلحِّن أولاً وكذلك للعزف

زاهي وهبي: مُعظم أُغنياتكِ هي من تلحينك، صح؟

بديعة بو حريزي: نعم

زاهي وهبي: ألحانك الخاصة الشخصية. التعاون مع ملحنين وموسيقيين آخرين أليس أفضل؟ أليس التنوع أفضل ويضيف إلى تجربتكِ ويعطيها أبعاداً جديدة ورؤى جديدة من موسيقيين آخرين؟ ومُلحنين آخرين؟

بديعة بو حريزي: غنيت لملحنين آخرين لكن ليس لمشروعي الشخصي. كنت في مجموعة اسمها "أوالي" في (إنكلترا)، مجموعة أفرو- جاز، وكنا فرقة كبيرة ونغني أيضاً بالعربي ونكتب ونلحّن، وغنيت أيضاً من تلحين "نيكولا بنييه" الذي أحبه وهي موسيقى فرنسية

زاهي وهبي: من أين؟ (فرنسي)؟

بديعة بو حريزي: أجل، وكان صعباً قليلاً وكانت الأغنية فرنسية كنتامبورين

زاهي وهبي: موسيقى مُعاصرة

بديعة بو حريزي: نعم، لكن الفرق الذي كما قلت قبلاً إذا تتذكر، أنا أكتب وأحياناً يأتي الكلام مع اللحن. صحيح أنني لا أجد أحداً يلعب الغيتار كما أنا ألعب غيتاري، وإذا الإيقاع لُعِب بتقديمه أو تأخيره قليلاً لا يسعني أن أُغنّي بنفس الطريقة

زاهي وهبي: اسمحي لي مرة أيضاً أن نُشاهد مقتطفاً مُصوّراً من أعمالكِ وأُغنياتكِ ونتوقف أيضاً مع استراحة سريعة ثمّ نتابع "بيت القصيد"

المحور الرابع:

بديعة بو حريزي: (تغني)

زاهي وهبي: لا بأس عليك

بديعة بو حريزي: أكيد، لا بأس علينا

زاهي وهبي: حلوة كثيراً، ألف ألف شُكر

بديعة بو حريزي: يعيشك

زاهي وهبي: الذي لاحظته "بديعة" في أُغنياتك وفي موسيقاكِ أنّ فيها شيء روحي أو صوفي في مكان من الأماكن، بمعنى المرء حين يسمعكِ يمكنه أن يقوم بـ Meditation، يمكنه أن يتأمل، هلّ هذا الشيء صحيح؟ صحيح هذا الانطباع؟

بديعة بو حريزي: أنا عندي شغف في الثقافة الصوفية لكنني لا أمارس الصوفية، ولا أُمارس اليوغا حتّى حينما كنت في (المكسيك). أنا قبلت أن يقول أحد أنّ الموسيقى أصلاً هي يوغا، هي نوع يُعزف وتكون فيه واضح مع نفسك، ذاك هو المغزى، الـ Flow، وأن تشعر بأن شيئاً يدور ويرجع بك

زاهي وهبي: لاحظت على "اليوتيوب" وجود تفاعُل مع أُغنياتكِ، هناك مئات الألوف يُشاهدون هذه الأُغنيات ويتابعونها، أكيد يفرح الفنان. صحيح أن الفنانين الترفيهيين أو الرائجين عندهم ملايين ولكن نحن هنا نتحدث عن فنّ له طبيعة. هلّ تعتبرين نفسكِ مُغنية مُلتزمة؟ يعني صفة الالتزام تنطبق عليكِ وبماذا مُلتزِمة؟ إذا مُلتزمة بماذا؟

بديعة بو حريزي: بصراحة الفن هو في حد ذاته التزام، تحب أو تكره وحتّى لو كان عندك صوت جميل وأنت غبي، لا يصلح أن يكون عندك صوت جميل وأنت غبي، يجب أن يكون هناك حد أدنى من الذكاء. لكن أظن أن الشيء الأول هو الالتزام بالجمال ولا أقصد بالجمال شيئاً مربّعاً، الجمال كشيء حقيقي يعني مشاعرك

زاهي وهبي: ليس ضمن تعريف في كادر مُعيّن أو تنميط معيّن، المسألة أكثر اتساعاً وأكثر حريةً يُمكننا أن نقول. عندما كنتِ في (أوروبا) لم يكن اسمكِ "بديعة"، ما كان اسمك؟ "نيساتو"

بديعة بو حريزي: "نيساتو" أجل

زاهي وهبي: ماذا يعني "نيساتو"؟

بديعة بو حريزي: هو لعب على الكلمة، "تونسية" "نيساتو" وكنت حينها لا أزال مغرومة بالموسيقى الأفريقية، موسيقى من (المالي) ومن (النيجر) و(السنغال)، فـ "نيساتو" يُشبه اسم "أيساتو" و"فاتماتو"

زاهي وهبي: إقامتكِ في (أوروبا) ماذا أضافت لتجربتكِ؟

بديعة بو حريزي: أولاً، يبدو لي أنها أضافت أنني فهمت لماذا أنا حقاً أُحبّ الموسيقى، فهمت أن الموسيقى صنعة أُذنين وأنني لم أدخل المعهد الموسيقي من البداية فكنت بالطبع أظنّ أنها شيء كبير جداً، وبعدها دخلت ودرست سنة كيلا أتراجع في المُستوى وبدأت أقرأ مع أن القراءة لا تعلمك كيف تصنع موسيقى بل تعلمك كيف تقرأ وتتواصل في كتاب، لكن الموسيقى صنعة الأُذنين وليست صنعة كُتب

زاهي وهبي: الثورة أعادتكِ إلى (تونس)، هلّ المشهد الفني والموسيقي والغنائي في (تونس) هلّ شهد تحولات بعد الثورة؟ هلّ غيَّرت الثورة شيئاً في المشهد الإبداعي التونسي؟ خصوصاً على صعيد الموسيقى والغناء

بديعة بو حريزي: أقول لك مثالاً واحداً. أتعرِف "صوفيّة صادق"؟

زاهي وهبي: طبعاً

بديعة بو حريزي: تغنّي لـ "الشيخ إمام" "صوفية صادق" بعد الثورة، من "معاً معاً من أجل (تونس)" بدأت تُغنّي لـ "الشيخ إمام"، هذا مثال للتأثير. بالنسبة لي أنا كانت الثورة ثورة ثقافية أو كما يقولون نهضة ثقافية

زاهي وهبي: "صوفية" كانت ضيفتنا في (لبنان) منذ عدة سنوات وكذلك مُعظم الفنانين التونسيين والمغرِب العربي عموماً. دائِماً أنا أقول أننا نُحاول أن نكون مثل صلة وصل بين المشرق والمغرِب من خلال انفتاحنا على الفنانين وعلى المُثقفين المغارِبة. الخطوات اللاحقة، قلتِ في الربورتاج في البداية أنكِ حققتِ كلّ أحلامكِ تقريباً وهذا شيء حلو لكنه في الوقت نفسه مُخيف. عندما لا يعود عند الإنسان حلم ممكن أن يُحبَط

بديعة بو حريزي: ولكن هناك فرق ما بين الحلم وبين الأهداف. دائماً عندي واجب وعندي Mission. أصلاً هدفي في مسألة الرجوع إلى (تونس) من (المكسيك)، لأنني حينما غادرت أحببت أن أُغادر، لكنني انتبهت إلى أنه كان عندي، لا أحب أن أتحدث في الأنا، لكن كان عندي سلاح وعندي أصحاب يُحاربون في (تونس) وفي الوطن العربي، يُحاربون الرداءة ومشاريع ظلامية ولا أقصد مجتمع الإسلاميين لأنهم لا يُحبون أن يدخلوا في السياسة، لكن ثمة مشاريع ظلامية تكون أحياناً آتية من الجهة الأُخرى المنفتحة معنا

زاهي وهبي: كلّ التطرُّف يُمكن أن يقود إلى ظلامية، كلّ تعصّب يقود إلى ظلامية

بديعة بو حريزي: الأفكار المتعصبة ثم أكثر، ثقافة الخوف وما تفعله، قد يكون عندك إصلاح ولكن هذا الخوف في قلوبهم، لهذا أنا رجعت وكأني جنديّة. أحلامي حققتها وأُحبّ أن أتعرّف أكثر نعم، وأحب أن أجني مالاً أكثر نعم وهذا طبيعي، وبصراحة أوّل مُحرِّك لجني المال هو أن تفكر في مشاريعك وفي من أين تأتي بالموسيقيّ

زاهي وهبي: هلّ شاركتِ في المهرجانات التي تُقام في المُدن التونسية، المهرجانات الكُبرى؟ شاركتِ؟

بديعة بو حريزي: نعم، شاركت في (الحمّامات) في هذا الصيف، شاركت في مهرجان واحد فقط. الشيء الذي ما زلت لم أقم به ومن الممكن أن أقوم به هو ألّا أرسل طلبات للمهرجانات بل أن أُستدعى لأنني لست منظّمة كثيراً للملف والوقت

زاهي وهبي: نعم، العلاقات العامة، ولا تُقدّمين نفسكِ

بديعة بو حريزي: أجل، هي قصص ملفّ وأشياء إدارية لكن أنا أقع في مُشكلة

زاهي وهبي: غجريّة، غجريّة

بديعة بو حريزي: قليلاً أجل

زاهي وهبي: بك غجريّة بشكلٍ واضح. أنا سُعِدت جداً بحضوركِ وأتمنّى أن نراكِ هنا في (بيروت) وفي عواصم عربية مُختلِفة ومدن عربية مختلِفة 

بديعة بو حريزي: يعيّشك

زاهي وهبي: أتشكّر حضوركِ وأُحمِّلكِ تحيّات لـ (تونس)

بديعة بو حريزي: يعيشك، يصِلون، يصِلون

زاهي وهبي: وقبل أن أترك مسك الختام مع حضرتكِ ومع صوتكِ اسمحي لي أن أشكُر فريق العمل ومُخرِج البرنامج "علي حيدر"، المُنتِجة "غادة صالِح"، مُشاهدينا في كلّ أنحاء العالم، نلتقيكم الأُسبوع المُقبل على خير بإذن الله ونترككم مع الصوت الجميل والأخّاذ لـ "بديعة بو حريزي"

بديعة بو حريزي: (تغني)