رباب الصدر - رئيسة مؤسسات الإمام الصدر

 

زاهي وهبي: مساء الخير. ابنة البيت العريق وشقيقة الإمام المتنوِّر المُنفتِح المؤسّس لمقاومةٍ أينعت نصراً وتحريراً، والسيّدة الناشطة في الحقلين الإنساني والاجتماعي المُنحازة للمرأة وحقوقها. كيف لا وهي أول فتاةٍ من أُسرةٍ متديّنةٍ مُحافِظة تخرُجُ للعِلم والعمل مُشكّلةً نموذجاً وحافزاً لنساءٍ كثيرات لم يحُل التزامهنّ من دون الانخراط في ميادين الحياة؟ عن ثقافة التكافل الاجتماعي والإنساني، عن المرأة وحقوقها وظروفها وعن مسيرةِ سيّدةٍ ذاقت مرارة الغياب والتغييب، وعن إمام المُقاومة والحوار والانفتاح والتقارُب وعن شؤونٍ وشجونٍ كثيرة حوارنا الليلة في "بيت القصيد"، بيت المبدعين العرب مع رئيسة "مؤسّسات الإمام الصدر" السيّدة الفاضلة "رباب الصدر"، أهلاً وسهلاً بكِ

رباب الصدر: أهلاً بك، يا هلا

زاهي وهبي: شرّفتِ "بيت القصيد"

رباب الصدر: تشرّفنا، أهلاً بك

زاهي وهبي: سيّدتي كبداية، مسيرتكِ كسيّدة، كامرأة هلّ كانت سهلة ويسيرة أم شاقّة وصعبة؟

رباب الصدر: اسمح لي بدايةً أن أُحييك

زاهي وهبي: تسلمين

رباب الصدر: وأن أُحيي هذا البرنامج المُميّز

زاهي وهبي: الله يخلّيكِ

رباب الصدر: ما يلفت نظري هنا هذه الشموع الحلوة التي تملأ كلّ القاعة، وراءك وأمامك وهنا بحيث نستطيع أن نستوحي من هذه الشموع الكثير من الأهالي

زاهي وهبي: ولحضرتكِ الكثير من الشموع بالمعنى الإنساني والاجتماعي

رباب الصدر: تسلم

زاهي وهبي: هلّ كان هذا المشوار سهلاً؟ خصوصاً أتحدث من ناحية كونكِ سيّدة في عالم، ونتحدّث عن فترة زمنية سابقة، أم كان

رباب الصدر: بدايات عملي كنت فيها صغيرة جداً وكان حظّي حلواً أن المُشرِف والمُدرِّب والموجِّه كان "الإمام الصدر". أنا لم أشعُر أبداً أنني امرأة، لم أشعُر أبداً واشتغلت بكلّ نشاط وبكلّ حبّ خاصةً أنّ زوجي أيضاً كان ورائي، زوجي من أنصار المرأة

زاهي وهبي: نعم، السيّد "حسين شرف الدين"

رباب الصدر: "حسين شرف الدين"، يؤيِّد المرأة كثيراً ويعتبر أنّه من اللازم أن يكون للمرأة دور ومسؤولية في الحياة، فأنا بدأت براحة، بكل راحة، ولم يكن هناك شيء يُتعبني ويعارضني أو يُزعجني

زاهي وهبي: في هذا المعنى، كم كان الإمام الصدر، وخصوصاً أننا نتحدّث قبل عقود من الزمن

رباب الصدر: منذ الستينات

زاهي وهبي: سابق لعصره في مسألة المرأة وحريّة المرأة ودعم خروجها لميدان العمل حتّى لو كانت مُلتزِمة دينياً ومُحجّبة وابنة بيت "سيّاد" كما نقول بيت "هاشمي"

رباب الصدر: طبعاً الالتزام الديني أو الحجاب أو البيت الديني هذا كلّه لا يمنع أن تشتغل المرأة. أنا أرغب في أن أُخبرك أنّ والدتي توفّت وكان لها من العُمر مئة سنة وهي ابنة المُجتهِد الأكبر السيّد "حسين القُمّي" وهو من الملتزمين كثيراً

زاهي وهبي: من الكبار

رباب الصدر: لكن هي كانت أثناء وجودها في البيت تخدُم، تشتغِل، تتصل، تطلب، توصل، ترسل رسائِل، توفِّق. بمعنى، كان هناك بيت كلّه خدمات وكلّه علم وكلّه إنسانية

زاهي وهبي: معتادة على العلاقات مع الناس وعلى الأخذ والعطاء وعلى الحوار

رباب الصدر: كنت أرى دائِماً أناس يأتون إلى البيت ويطلبون خدمات، كنت أرى كيف كانوا يُلبّونهم وكيف كانوا يتعاملون معهم، فهذه كانت مسألة عادية بالنسبة لي

زاهي وهبي: أتعقدين أنه لو لم تكوني شقيقة الإمام السيّد "موسى الصدر"، هلّ كان مسار حياتكِ اختلف؟

رباب الصدر: حتماً

زاهي وهبي: في أيّ معنى؟

رباب الصدر: حتماً لأنّ الموجّه أولاً كان موجّهاً قادراً ومعلّماً ويعرِف كيف يوجّه هذه البنت الصغيرة التي تبلغ خمس عشرة سنة من العُمر لتبدأ في الشغل. ثانياً، الأخلاق والحب والعطاء الذي كان عنده كان دعماً كبيراً لي، لكن أنا لو لم يكن أحد ورائي أو يوجهني لما كنت حتماً هكذا، أكيد

زاهي وهبي: خصوصاً كما أعرِف أن افراد في الأُسرة لم يكونوا مشجّعين أو متحمّسين لأن تخرجي إلى ميدان العمل، صحيح؟

رباب الصدر: صحيح

زاهي وهبي: نعم، اسمحي لنا أن نراكِ في فقرة "علامة فارِقة"، أعتقد أنها صوّرت في مدينة (صور) التي تُحبّينها كثيراً ثم نُتابع الحوار

رباب الصدر: تفضل

 

 

 

علامة فارقة

رباب الصدر:

- أُحب بحرها، أحبّ جوّها وأتحدّث معها، لكن أتمنّى أن تكون أيضاً أحسن. انطلاقة الإمام "الصدر" كانت من مدينة (صور)

- فقط آتي في فترة الصباح، لكن قبل الآن كنت آتي دائِماً، في الصباح وفي بعد الظهر لأشتغِل

- حتّى يبدأ نهاري بالتوفيق كما أنا أتمنّى وليكون معي ربّي حتّى أُنجِز هذه الأُمنيات التي عندي، حينما أستيقظ من النوم أبدأ بمناجاة صغيرة أحكيها مع الله

- الإنسان مسؤول في هذه الحياة. لا يعتقد أحد أنه وُلِد ويمكنه أن يعيش على خاطره ولوحده ويقوم بما يُريده وبعد ذلك يُفارِق الحياة. عليه أن يُطوِّرها، عليه أن يُعمِّرها، عليه أن يُساعِد الآخرين. المُجتمع كما يُعبِّر عنه الإمام "الصدر" إنسان كبير. لاحظي كيف يوحِّده

- اليتيم الذي لا أب له أو الذي لا أُم له أو الذي لا راعي له، من سيرعاه لكي يتربّى؟ لكن أنا أُريد أن أُخبركِ أن اليوم في الحال الحاضر هناك الكثير من الأولاد عندهم آباء وأُمهات أحياء لكنهم أسعد من الأيتام، بمعنى لا أدري إلى أين نتجِه، لا أدري كيف يحدُث هذا التدهور في المُجتمع يوماً بعد يوم أكثر. هناك مدارِس ليست كما يجب في المُجتمع، أبداً ولا أحد يسأل. في الدولة لا يجدون وقتاً لهذه الأمور الحياتية الإنسانية التربوية. أنا أعيش هذا في العمق وأحياناً أشعُر بأنني أُريد أن أقول "آخ" لكثرة ما أرى أخطاء، لكثرة ما أرى تقصيراً، لكثرة ما أرى تجاوزاً للأمور بشكلٍ أكثر من عادي

- أُقبل كلّ الناس، كلّ الناس أتفاعل معهم، أقبَلهم، سواء أحببت أم لم أُحبّ، أنا أفرُض على نفسي أنني أريد أن أندمج مع هذا الإنسان لكي أُوحِّد فكرتي ولكي أُوحِّد طريقتي حتّى نُعطي نتيجة. أنا أرى كلّ الناس حلوين، كلّ الناس حلوين وكلّ الناس أحبّهم، كلّ الناس في إمكانهم أن يكونوا مُهمّين وفي إمكانهم أن يُعطوا وأن يشتغلوا. مثلما أنا أُحبّ كلّ الناس لا أكره أحداً، والناس كذلك الأمر يحبّونني ويتجاوبون معي ويتفاعلون معي

- بحضور "الأمم" بدأت في الشغل، يعني من زمان، ربما كان البعض يعتقدون أنني سأنتهي، كلّ شيء سينتهي، لكنهم لاحظوا لاحقاً خلاف ذلك. لم ينته شيء، لا أنا انتهيت ولا هذه المسيرة انتهِت لكن المُشكلة كانت حينما غاب. عندما غاب أصبحت كلّ المسؤولية عليّ، وكلّ سنة بعد غياب "الإمام الصدر" كانت عليّ بقدر عشرات السنوات لأنها كانت تحوي مصائِب ومصائِب

- لم أكن أبكي، لأنني أردت أن أُحوِّل الدمعة والحرقة في داخلي إلى عمل، إلى عطاء

- من دون حبّ لا يستطيع الإنسان أن يعيش

زاهي وهبي: انطلاقاً من الجُملة الأخيرة التي تفضلتِ بها، "من دون حبّ لا يستطيع الإنسان أن يعيش"، اليوم نحن في زمن للأسف فيه كراهية كثيرة وفيه خطاب يُحرِّض على الكراهية وعلى البغضاء وعلى الحقد وعلى التفرقة. كم المقدرة على الحبّ وعلى قبول الآخر كما تفضّلتِ في البداية مسألة سهلة أم تحتاج من الإنسان أن يُمرِّن نفسه ويروِّضها على قبول الآخر المُختلِف؟

رباب الصدر: أكيد المسألة ليست سهلة، ويُمكنني أن أقول لك أنها تربية أكثر ما أنها سلوك لوحده. ذكرت أنا أننا في المؤسسة منذ اليوم الذي تحمّلنا فيه مسؤولية تربية أجيال لاحظنا هذه المسألة، ونحن نعلِّمهم على الحبّ ونُعلِّمهم على احترام الآخر لأننا بلد تعيش فيها طوائِف، لا نعيش لوحدنا وكما نُريد، لا أحبتي هناك غيرنا يعيش فيه له حقوق ونحن لنا حقوق فتعالوا كي نتفاهم كيف نحترِم بعضنا البعض ونُحبّ بعضنا البعض ونتعاون مع بعضنا البعض على الوطن وليس أن نتصادم على الوطن 

زاهي وهبي: صحيح. للحقيقة، الوطن العربي كلّه مُكوّن من فسيفساء إذا لم تكن دينية أو طائفية فهي إثنية وعرقيّة، وأنت تعرفين أن هذه المنطقة موزاييك

رباب الصدر: صحيح

زاهي وهبي: كم اليوم بالذات، في ظلّ ما يجري وما تعيشه بلادنا من انقسامات ومن تشظّيات طائِفية ومذهبية وعرقية، يُصبح الحب وحب الآخر أيضاً، وليس حبّ الشبيه والمثيل، مسألة يجب أن نتمرّن عليها ونتربّى عليها؟

رباب الصدر: يظلّ في استطاعتنا أُستاذ "زاهي"، ليس من الصعب

زاهي وهبي: مضمون خطاب المحبة، خطاب التسامح

رباب الصدر: نعم، عند البعض مقبول ولا يزال هناك أناس طيبون ولا يزال هناك أُناس في داخلهم رقّة وإنسانية وعندما تُحرِّكهم وتحكيهم وتدلّها على الطريق وتمسك بيدهم وتوجّههم وتنصحهم، نعم الحب لا يزال موجوداً. شوف طالما الله موجود الحب موجود

زاهي وهبي: صحيح

رباب الصدر: لا يُمكن للحب ألّا يكون موجوداً

زاهي وهبي: خصوصاً أنه القائل أنه جعلنا شعوباً وقبائِل لنتعارف

رباب الصدر: و "إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم" نعم

زاهي وهبي: هذه مسائِل نحن في حاجة كبيرة لنستمدّ منها، هذه الآيات بالذات التي تحضّ على قبول الآخر وعلى المحبّة، نحتاجها أن تكون في المقدّمة ولا تظلّ منسية

رباب الصدر: صحيح

زاهي وهبي: أشرتِ أنكِ ولا مرة شعرتِ بالفارِق بين مسألة امرأة أو رجل. مسألة الحجاب، وأنت تعلمين أنني أسأل في الحقيقة لأنه للأسف أحياناً بعض المؤسسات تضعُ شرطاً، ولا تقبل فتيات محجبات في العمل، وفي الغرب تعلمين ماذا يحدُث في بعض البلدان حول هذه المسألة. هلّ شعرتِ يوماً ما أنّ الحجاب عائِق أمامكِ وأمام مسيرتكِ؟

رباب الصدر: أبداً. ولا في يوم شعرت أنني امرأة وهناك فرق بيني وبين الرجل أو أنني مُحجبة ولا يُمكنني أن أعمل. أريد أن أُعطيكَ صورة، في بدايات عملي حينما كان عندنا ملفّات مُعاملات للمؤسّسة، أتعلم أنّ الإمام "الصدر" كان يقول لي، "اذهبي أنتِ وانجزيها كي تتعلّمي، كي تعرِفي كيف تُنجز المُعاملات في الإدارات وكيف يديرون الملفات في الوزارات. أنا في إمكاني أن أُرسل أحداً وهناك الكثيرون، لكن اذهبي أنت وتعلّمي"، فأنا كنت أذهب محتجّبة ودائِماً في يدي ولد من أولادي وندخل معاً على الوزارة لننجز المعاملة بكلّ احترام وبكلّ دقّة، ننجز الملف ونخرُج. أبداً لم أشعُر بفرق

زاهي وهبي: انخراط المرأة في ميدان العمل يقوّي شخصيتها

رباب الصدر: طبعاً

زاهي وهبي: ويقوّي ثقتها بنفسها

رباب الصدر: يعلِّمها في أشياء كثيرة، يعني تكسب تجارُب كبيرة في الحياة خاصةً إذا كانت متفائِلة لأنه مع الأسف هنا نساء غير متفائِلات في الحياة، ينظرن للحياة من نواحٍ صعبة ومرّة وحسرة

زاهي وهبي: يستسلمن بسهولة

رباب الصدر: وحقوق المرأة ولا أدري ماذا، أنا لا أرى الأمور هكذا. إذا كان المرء متفائِلاً ويرى الحياة كما هي بجمالها وعطائها ووجود الله وقُدراتنا الشخصية وإرادتنا، يُمكننا أن نقوم بكلّ شيء ولا أحد يُمكنه أن يمنعنا

زاهي وهبي: نحن هذه الليلة نتحدّث عن ثقافة الانفتاح ونريد أن نتحدّث عن ثقافة التكافل الاجتماعي أيضاً لأنها ضرورية

رباب الصدر: طبعاً

زاهي وهبي: في ظلّ عجز دولنا عن بناء أوطان حقيقية. لكن قبلاً، في موضوع المرأة. حضرتكِ باركتِ إقرار قانون ضدّ العُنف الأُسري في البرلمان اللبناني، صحيح؟

رباب الصدر: أنا باركت كفكرة عامة، لكن التفاصيل في القانون لا أقبلها لأن فيه تفاصيل ذُكِرَت لا معنى لها. أنا أقول أننا نسعى كي نجد صديقاً، نسعى كي نُصبِح كلّنا أصدقاء معاً، هذان الرجل والمرأة اللذان هما أقرب الناس إلى بعضهما البعض ويعيشان في أمان وسلام، لماذا نشتغِل فيهما؟ لماذا نعلّمهما أشياء لا لزوم لها؟ لماذا نلفت نظريهما إلى أشياء لا معنى لها؟ لا يصحّ أن يُفكِّر المرء هكذا

زاهي وهبي: أنا للحقيقة لا أُريد أن أدخل في تفاصيل القانون خاصةً وأنه يتعلّق بشأنٍ لبناني وأُريد أن أتحدّث على مستوى الوطن العربي ومُستوى العالم عموماً. ظاهرة العُنف ضدّ المرأة وكأنها في ازدياد، ظاهرة العنف بشكلٍ عام ولكن نصيب المرأة من هذا العُنف

رباب الصدر: هذه المسألة موجودة، دعنا نعترِف بوجود عُنف ضد المرأة، وإذا أردنا أن نقول أكثر، لا يُفكِّر أحد أنّ في الغرب أو في (أوروبا) أو في (أميركا) وضع المرأة أفضل بل أسوأ من عندنا بكثير

زاهي وهبي: نعم، لكن ربما القوانين

رباب الصدر: حتّى في (أميركا) أجر المرأة أقلّ من أجر الرجل، يعني دعنا نقول أن الوجع موجود في الخارج أكثر من عندنا، على الأقل عندنا هذه المسألة ليست موجودة والرجل والمرأة متساويان. أصحاب الشهادات أكانوا رجالاً أو نساءً متساوين، ولكن هناك في بعض الأمور يحدث فعلاً تعدٍّ على المرأة وهذه أُستاذ "زاهي" هذه ثقافة أيضاً، هذه ثقافة وأنا أُحمِّل المرأة مسؤولية

زاهي وهبي: كيف؟ ولماذا؟

رباب الصدر: لأنّه من أساس الدنيا، من يوم خلق الله الكون، حضرة المرأة استراحت في البيت وسلّمت كلّ شيء للرجل، هو يأتي وهو يأخذ وهو يعمل وهو يقرّر وهو يأمر وهي لم تقم بأي دور

زاهي وهبي: ما المطلوب من المرأة المعاصرة اليوم؟

رباب الصدر: المطلوب أن تُمارِس دورها. على المرأة أن تُمارِس دورها ومن اللازم أن تكون منطقية إذا كان تفكيرها سليماً، ومن اللازم أن تسعى للعِلم ومن اللازم أن تسعى للاجتماعيات وأن تسعى لأن تكون

زاهي وهبي: لكن أحياناً كثيرة العادات والتقاليد لا تُساعدها، التذرُّع باسم الدين أحياناً في أشياء خاطئة جداً لا يُساعدها، القوانين المُجحِفة

رباب الصدر: صحيح

زاهي وهبي: مثل قانون الجنسية لأولادها، مثل موضوع السفر

رباب الصدر: هذه مسألة مثلاً أنا أؤيّدها كثيراً، أنّ أُمّ لبنانية لا يُمكنها أن تمنح الجنسية لأولادها. أنا متأسفة جداً لهذا

زاهي وهبي: وهذا الأمر للحقيقة أيضاً له نماذج عربية. هناك بُلدان عربية كثيرة لا تُعطي المرأة حق منح الجنسية لأولادها

رباب الصدر: في كلّ الأحوال، الحقّ سيّدي يُمارس وليس كلاماً يُقال. أنا آخذ الحق وأُمارسه بكلّ قواي. عندما أكون متأكدة أنّ هذه الخطوة سليمة وصحيحة ومُطابقة لكلّ الأُمور القانونية والشرعية والأخلاقية لماذا لا أُمارِس هذا الحقّ؟ لماذا أتراجع؟ لا، عندي الجرأة كي أمارس هذا الحق وأمارسه

زاهي وهبي: كم نحن في حاجة إلى فقهاء اليوم مثل الإمام السيّد "موسى الصدر"؟ بمعنى أن يُركِّزوا على الجوانب التي تُنصِف أكثر من الجوانب التي تُقيِّد، الجوانب التي تنشُر قِيَم العدالة والمُساواة والتسامُح وما شابه

رباب الصدر: السيّد الإمام له محطّات في هذا المجال، ربما في هذا اللقاء لا مجال كي يحكي المرء عنه لكن له الكثير من المواقف تجاه المرأة. كيف مارس مثلاً

زاهي وهبي: نعم، إذا تريدين

رباب الصدر: مثال صغير، كان يكتب كتاب صبيّة والأهل مُجتمعين ومتأنّقين ويحتفلون بالعرس

زاهي وهبي: تعنين عقد قران

رباب الصدر: عقد قران نعم، عندما قال لها أتقبلين بهذا الشاب كذا كذا؟  قالت له "لا". قالت له "لا يا سيّدي" فخرّب العرس، خرّبه وقال لها "برفو عليكِ"، لا أحد يُمكنه أن يغصبكِ، أنت ترفضين فلن يحدث القران

زاهي وهبي: هذه هو النموذج الذي نحتاجه ربما كلّ يوم في حياتنا، وأنا أذكر مسألة سبق أن ذكرتها في هذا البرنامج، مسألة قبول الآخر، عندما بائِع البوظة الشهير في (صور)، لأنه من ديانة مُختلِفة غير مُسلِمة صار المنافسون له يقولون أن الشراء من عنده حرام ولا يجوز أن تأكلوا من عنده بوظة وإلى آخره، لم يقل فقط

رباب الصدر: عملياً

زاهي وهبي: ذهب واشترى بوظة وجلس أمام المحلّ، أمام كلّ الناس في مدينة (صور)

رباب الصدر: هذا "أنتيبا" رحمة الله عليه

زاهي وهبي: صحيح، محلّ مشهور جداً

رباب الصدر: هو وأهله كلّما تُذكَر هذه القصة حرام، يتأثرون كثيراً ويبكون

زاهي وهبي: وهذا دليل كم كان عنده قبول للآخر، كلّ آخر

رباب الصدر: طبعاً. كان عنده قبول بإيمان وصدق، كانت هناك مُمارسة ونيّة، ولم يكن يتحدث في سياسة أو روتين أو مسايرة

زاهي وهبي: ليس ديماغوجيا، ليس تنظيراً ومُحاولة

رباب الصدر: أُستاذ "زاهي" نحن الآن في المؤسسة نعيش مع الأولاد، مع صغارنا في عُمر الثلاث سنوات، نعيش الحوار الإسلامي المسيحي عملياً ولا نحكي به كي يكون فقط إنشاء عربياً. في لقاءاتنا مع بعضنا البعض وفي زياراتنا عند بعضنا البعض، نحن نزورهم وهم يزوروننا. في زياراتهم على الكنائِس، يذهبون إلى الكنيسة والخوري يُخبرهم عن السيّد المسيح، يذهبون إلى الجامع والشيخ يُخبرهم عن الأنبياء والنبي والأئمة سلام الله عليهم، يعني يعيشون بتساوي الفِكرة. والذهاب إلى الكنيسة والكورال

زاهي وهبي: نعم، كورال مؤسّسات الإمام الصدر

رباب الصدر: هذه إحدى الممارسات الحوارية

زاهي وهبي: صحيح، مُشاركة الكورال في أعياد الميلاد ومناسبات كنسية متعدّدة. سأُتابع مع حضرتكِ سيّدتي، وربما الآن قبل الموجز الإخباري نشاهد الكورال، كورال مؤسّسات الصدر ينشُد ثم نتوقّف مع موجز إخباري سريع ونُتابع "بيت القصيد"

المحور الثاني:

زاهي وهبي: مُشاهدينا الكرام، نتابع هذه الحلقة المميّزة من "بيت القصيد" مع رئيسة مؤسّسات الإمام السيّد "موسى الصدر" السيّدة الفاضلة "رباب الصدر". سيّدتي كنّا نتحدّث عن مسألة المرأة قبل الموجز الإخباري، سريعاً وفي موضوع المرأة أيضاً وقبل أن أنتقل إلى شيء آخر، من كان يتخايل مثلاً في القرن الواحد والعشرين أن يعود سبي النساء وبيع النساء في أسواق النخاسة؟ كم الفهم الخاطئ للإسلام، التفسير الخاطئ لبعض النصوص أولاً يتسبّب بمآسٍ وكوارث

رباب الصدر: صحيح

زاهي وهبي: تطال النساء ربما أكثر من باقي أفراد المُجتمع، إضافةً إلى الصورة السلبية التي يُقدِّمها؟ ما العمل؟

رباب الصدر: أنا هنا أريد فقط أن أُشير إلى مسألة، هذه الموجة التي نشاهدها، موجة العُنف ضدّ المرأة أو الحركات البشعة تحت إسم الإسلام هي مؤامرة أولاً، مؤامرة

زاهي وهبي: أتعتقدين أنها بسبب أيادٍ خبيثة وأيادٍ خارجية تُشجّع هذه التيارات؟

رباب الصدر: طبعاً. هذا ليس عملاً دينياً، هذا عمل سياسي لا علاقة له بالدين أبداً. الدين يقول ويحذّرك من كلمة تجرح بها نفس إنسان وكم سيكون لك ذنب عند الله، كلمة، إذا جرحت نفساً بكلمة يبيّن لك الدين كم سيكون ذنبك كبيراً فكيف إذا كانت من هكذا أعمال؟

زاهي وهبي: الرسول الكريم يقول "الكلِمة الطيّبة صدقة"، بمعنى من يقول كلِمة حلوة وكأنه يتصدّق

رباب الصدر: طبعاً، لذلك ما يحدث للمرأة أو للآخرين أو للأطفال أو للبنات، هذه كلّها مؤامرة، كلّها، ووراءها كبار

زاهي وهبي: وأين مسؤولية الفقهاء؟ مسؤولية رجال الدين؟ المراجع الذين كلمتهم تُقدِّم وتؤخِّر؟

رباب الصدر: أنا معك في أننا ربما في حاجة إلى نهضة

زاهي وهبي: نعم، لم نسمع أصواتاً عالية في هذا المجال

رباب الصدر: نعم. نحن ربّما نحتاج إسلامياً أن نقف كلنا معاً ونرفع الصوت عالياً وحتّى نعمل لأجل وقف هذا التطرّف

زاهي وهبي: ألا تعتقدين أن النصّ والتفسير في حاجة أيضاً لقراءة مُعاصرة، قراءة متجدّدة؟

رباب الصدر: أكيد، أكيد، يجب أن يُعاد النظر في القراءات. شوف أُستاذ "زاهي"، مهما كانت المشكلة كبيرة وكبيرة جداً مثل الأمواج لا يُمكن للمرء أن يُعالجها بسرعة

زاهي وهبي: صحيح

رباب الصدر: أنا أقول أنه من اللازم أن نقف ونعمل لكن أنا أعلم كم هي المُعالجة صعبة

زاهي وهبي: نعود إلى التربية، نعود إلى تأسيس الأطفال

رباب الصدر: علينا أن نعود إلى الأساس. يقول الإمام "الصدر"، إن أردتم مجتمعاً صالحاً وأولاداً صالحين هيّئوا لتربية صالحة، لمُجتمع صالِح، حتّى تتمكنوا من أن تُنشئوا أولاداً صالحين للوطن"

زاهي وهبي: سيّدتي، إذا كانت قضايا المُجتمع والمرأة والأطفال والأيتام تهمكِ وهي شغلكِ الشاغل منذ أن تفتّحت عيناكِ على الدنيا، لماذا رفضتِ توزيركِ ثماني مرّات؟ ثماني مرّات عُرِض عليكِ أن تكوني وزيرة في الحكومة اللبنانية، لماذا رفضتِ؟

رباب الصدر: أشعُر بأنني لن أكون فاعِلة في هكذا أجواء سياسية، بمعنى السياسة التي أراها اليوم والموجودة حولنا أشعُر بأنني لن أكون فاعِلة فيها. فعاليّتي هي في المكان الذي أنا موجودة فيه بحيث في إمكاني أن أخدُم وأن أُساعِد وأن أبني وفي إمكاني أن أُحدِث تطوراً

زاهي وهبي: ربما الموقع الوزاري يُقيِّد حركتكِ وخطوتكِ ويضعك في خانة معينة؟

رباب الصدر: في الموقع الوزاري لا يُمكنني أن أقوم بشيء، أبداً، وربما تنعكس الأمور. هناك تقيّدات في الأجواء السياسية أكثر من الأمور الخدماتية الأُخرى. رحمة الله على الرئيس "إلياس الهراوي" هو الذي طلب منّي، هو طلب منّى وأرسل في طلبي وعرض عليّ وقال، " أنا في عهدي أحبّ أن يحصلن السيدات الفاعلات على دورهنّ في المُجتمع" وقال لي، "بيتكم له حقّ على كلّ اللبنانيين فالمفروض أن تفعلي أي شيء" فقلت له، "أنا أشكرك وأنا ممتنّة، أية خدمة تُطلب منّي في أي وقت أنا جاهزة، في منتصف الليل اطلبني لخدمة إنسانية أنا حاضرة"

زاهي وهبي: على كلّ حال عندكِ صداقة لا تزال مستمرة مع السيّدة "منى الهراوي" لغاية اليوم

رباب الصدر: طبعاً 

زاهي وهبي: كنّا نرغب في سماع رأيها لكن بسبب ظروف لم نتمكّن من التسجيل معها. سنسمع رأيَ سياسي قانوني لبناني مرموق وهو الأُستاذ "إدمون رزق" في "كلام يوصل" وما يقوله عن تجربتكِ وعن حضرتكِ

رباب الصدر: نعم

 

كلام يوصل

إدمون رزق – وزير سابق: السيّدة "رباب" حملت أمانة الإمام "موسى الصدر". كان عندها اندفاع في العمل الوطني وفي العمل الاجتماعي وفي العمل التربوي الثقافي. نجحت في أن تجعل ذكرى الإمام مُستمرّة وقضيّته حيّة وهي في ذاتها حقّقت إنجازات على مُستوى المؤسّسة وعلى المُستوى الشخصي. أنا أعتبرها من السيّدات المؤسّسات في النهضة الاجتماعية والإنسانية في (لبنان) وأُريد أن أؤكِّد أنّ التوجُّه الوطني الأصيل أعطاها دوراً، وإن شاء الله يزداد الذين يتجمعوا حولها وحول هذا الدور لأنّ (لبنان) في حاجة إلى هذه التنمية الخُلقيّة والوطنية والإنسانية، لكلّ الأديان في النتيجة التي تبشِّر فيها، ولا يجوز إطلاقاً أن نقيم تحت ذريعة المذهبية والطائِفية أية حواجز بين المواطن والآخر ولا بين الإنسان والإنسان، ونجاحها كذلك السيّدة "رباب" يتجلّى في بيتها وفي عائِلتها التي أعطت أيضاً (لبنان) مواطنين يخدمونه في خطى الإمام وفي خُطى المُصلحين والروّاد الأوائِل. سيّدة "رباب"، في دالّة عائلية وأثناء استرجاعي سنوات طويلة من التعاون والعلاقات على المُستوى الوطني والجنوبي والإنساني، أعتقد أنه من الضروري أن نُعطي معلومات، إن كانت موجودة، للشعب اللبناني وكلّ مُحبّي سماحة الإمام والذين التزموا خطّه. لماذا لا نستحدث مؤتمراً عابراً للطوائِف وللمذاهب حول هذا الموضوع حتى يُتّخَذ موقف تاريخي؟ ما رأيكِ في هذا التوجُّه وما هي المعلومات التي يُمكن أن تُعطيها للناس؟

رباب الصدر: يا حبيبي

زاهي وهبي: الشُكر الجزيل للأُستاذ "إدمون رزق"، تفضلي

رباب الصدر: أُستاذ "ريمون" صديق وعزيز وغالٍ، يعني شهادته مجروحة فعلاً

زاهي وهبي: نعم، في موضوع الإمام "الصدر"

رباب الصدر: ما يقوله حتماً كلام صحيح، لكن أُستاذ "زاهي" اختلطت الأمور بعضها ببعض

زاهي وهبي: نعم

رباب الصدر: خاصةً بعد أن سقط "القذّافي" في (ليبيا) ولم نعد نستطيع أن نستقصي بالشكل الذي نريده مع العلم أنّ

زاهي وهبي: كان المرء يتوقّع العكس، أن تنجلي هذه القضية

رباب الصدر: بالضبط، مع أن القضاء اللبناني ما زال يشتغل وما زال هناك من يسافرون إلى هناك ويلتقون ويعودون. الرئيس "برّي" شخصياً اهتمّ لكن الشيء الذي كان من اللازم أن يحدُث لنصل إليه لم يحدُث

زاهي وهبي: بسبب اختلاط الحابل بالنابل في (ليبيا)؟

رباب الصدر: نعم

زاهي وهبي: هلّ تعتقدين أن هناك أطرافاً أو جهات عربية ودولية وغير عربية تورّطت في إخفاء الإمام الصدر فبالتالي ليس لها مصلحة أن تنجلي هذه القضية؟

رباب الصدر: نعم، حتماً أُستاذ "زاهي" كان غياب الإمام بقرار عربي دولي

زاهي وهبي: نعم

رباب الصدر: ولحدّ الآن هذه المسألة لم تنكشِف، كذلك الأمر، بقرار عربي دولي. لاحظ، ايّ سرّ في العالم العربي بقي محفوظاً؟ كشفوا بعضهم البعض وفضحوا بعضهم البعض إلّا هذه القصّة. لم يتحدث أحد عنها لأنّ الكلّ مُشاركون. إذا تحدّث أحدهم ينفضح الآخر وينكشفوا كلهم

زاهي وهبي: حتّى ربما المُسارعة إلى قتل العقيد "القذّافي" رغم اعتقاله حيّاً، حتّى الكثير من الأسرار لا تُكشَف ومنها قضيّة الإمام" الصدر"

رباب الصدر: على كلّ حال هناك مسألة إذا سمحت لي

زاهي وهبي: تفضلي

رباب الصدر: أنا أقول هذا بحرقة، هناك تقصير دولي حتّى إيراني. (إيران) التي كانت أقرب المقرّبين للإمام الصدر لم يكن شغلهم أو التحقيق في الأمر كما يجب

زاهي وهبي: ما هو المطلوب من (إيران)؟

رباب الصدر: كانوا يستطيعون لأنّ (إيران) بعد الثورة كان لها الموقع الأول في العالم وكانوا محبوببن جداً عند "القذّافي" وكانوا أصحاباً جداً مع "القذّافي". بمعنى كان ممكن بسهولة الشغل معهم

زاهي وهبي: هل تعتقدين أن (إيران) في إمكانها اليوم أن تلعب دوراً في جلاء هذه القضيّة؟ بمعنى، لو صار لكِ أن تُطلبي من المسؤولين الإيرانيين اليوم شيئاً؟ 

رباب الصدر: لا أدري كيف سيكون الوضع اليوم، هلّ ستوافق كلّ القيادات على هذه الخطوة؟ أو أن البعض يعتبرون أنّه ما من داعٍ؟ هكذا صار في الأساس أصلاً، في الأساس هذا الذي صار، فما زالت الحال على حالها

زاهي وهبي: يعني وكأنكم تدورون في حلقة مُفرَغة في هذا الموضوع؟

رباب الصدر: نعم. لاحظ أنه لا توجد قضية في تاريخ البشرية مثل قضية الإمام "الصدر"، استعرِض وشوف. الملفّ القضائي يحكي ونحن نقرأه، لا توجد قضية مثل قضية الإمام

زاهي وهبي: ربما إخفاء الإمام "الصدر" كان أحد أسبابه ولا أقول كلّ الأسباب، أنه كان رجلاً عابراً للطوائِف، عابراً للمذاهب، رجُل جسر يجمع بين الناس في زمن كان المطلوب أن يتشرذم الناس ويتشتّتون. في رأيكِ، لو كان الإمام "الصدر" اليوم بيننا وغير مُغيَّب، في ظلّ هذه الفتنة السنّية الشيعية المُستيقظة أو التي فتحت عيناها بفجور، ماذا كان يُمكن أن يفعل؟ ماذا كان يُمكن أن يقول؟

رباب الصدر: أنا أعتقد أنه لما كان وصل إلى هذه الدرجة من الإزعاج، لأننا وصلنا إلى قمة الخطر، قمّة الإزعاج، لما كان وصل إلى هذه الدرجة. كان سيّداً في درايته وفي أُسلوبه وفي اتصالاته، الخبرة التي يمتلكها في الحياة لما كان تجعله يترك الأمور تصل إلى هذه الدرجة، لما كان

زاهي وهبي: يعني كان نموذجاً لانفتاح الأديان على بعضها البعض والطوائِف والحوارات بين المُسلمين والمسيحيين، بين المُسلمين والمسلمين

رباب الصدر: كان عنده مؤتمرات في (القاهرة) وفي (المغرِب) وفي (الجزائِر)، تلك المؤتمرات كانت حوارية بين مسلمين ومسلمين، أي بين الشيعة والسُنّة، وكان هناك في نفس الوقت بين المُسلمين والمسحيين

زاهي وهبي: كم اليوم نحن نحتاج إلى هذا الفِكر الحواري؟ على المُستوى الإسلامي، على مُستوى المُسلمين داخِل العائِلة الإسلامية بمذاهبها وأطيافها المتعدّدة

رباب الصدر: كثيراً، في حاجة كبيرة

زاهي وهبي: كيف نخلُق منابر؟

رباب الصدر: نحتاج إلى الإمام "الصدر" كي يأتي ويوقِظ الجميع. ربما جرّاء الصعوبات التي تمرّ علينا هناك أُناس ربما تعبوا، ربما تراجعوا، ربما شعروا أنهم لن يستفيدوا من شيء، لكن من غير اللازم أن يحدث هذا

زاهي وهبي: ألم تتعبي حضرتكِ؟

رباب الصدر: لا والله

زاهي وهبي: أبداً؟

رباب الصدر: أبداً

زاهي وهبي: ولا لحظة شعرتِ

رباب الصدر: أظلّ أُفكِّر وأجد خطوطاً جديدة، أظلّ أجد طرقاً جديدة، أظلّ أبدأ بمشروع جديد، أظلّ أُفكِّر في ما سنفعله غداً وبعد شهر وبعد عدّة أشهُر، أبداً، لأنه لا يجوز للإنسان المؤمن أن ييأس. هلّ تعلم أنّ اليأس من الذنوب الكبيرة؟ "لا تقنطوا من رحمة الله"، أي لا يمكننا أبداً أن نيأس من نِعَم الله، من رحمة الله. علينا أن نسعى وأن نُفكِّر وأن نعمل ونتعاون، نريد أن نبني هذا الكون، نريد أن نعمِّر هذا الكون ونريد أن نطوِّره. يقول الإمام "الصدر"، "على الإنسان الحقيقي أن يطوي دائِماً صفحة من كتاب الكون وينتقل إلى صفحة ثانية حتّى ينتقل في التقدّم الدائِم"

زاهي وهبي: لو تسنّى لكِ أن تقولي كلمة للإمام "الصدر" اليوم ماذا تقولين؟

رباب الصدر: أقول له، نحن في حاجة إليك كثيراً، كثيراً في حاجة إليك. نحن وكأننا نعيش في الظلام ونحتاج إلى نورك ونحتاج إلى هدايتك

زاهي وهبي: أتمنّى أن تنجلي هذه القضية وأن يعود إليكم سالماً. سيّدتي، اسمحي لنا أن نتوقف مع استراحة سريعة ثمّ نتابع "بيت القصيد"

المحور الثالث:          

زاهي وهبي: مُشاهدينا الكرام نُتابع "بيت القصيد" مع السيّدة "رباب الصدر". سيّدتي، أشرنا إلى الكورال، كورال "مؤسّسات الإمام الصدر" الذي هو عبارة عن 46 فتاة تقريباً أو أكثر؟

رباب الصدر: 64

زاهي وهبي: 64، أنا قلبت الرقم، ماشي الحال، 64 فتاة يُقدّمن أناشيد وأُغنيات وتراتيل وباقة منوّعة

رباب الصدر: نعم

زاهي وهبي: ما الغاية من تأسيس هذا الكورال؟

رباب الصدر: هذا أولاً نشاط مدرسي، ثانياً هذا فنّ في حدّ ذاته، ثالثاً هذا تهذيب لنفوس الأطفال. عندما أطفال يعيشون الفن ويصبح ملِكة فيهم يُهذِّب لهم نفسهم، يُهذِّب لهم حياتهم، يُعطي الكثير من الانعكاسات الإيجابية على حياتهم، مثل الذي يرسم والذي يغنّي نفس الشيء

زاهي وهبي: الحقيقة أنني أسأل عمداً لأنني دائِماً في البرنامج أُشدِّد على أهمية الثقافة والفنون ودورهما في المُجتمع، لأنه في أحيان كثيرة تواجهنا أسئِلة من نوع أنه في زمن الحروب والقتل والدماء والفقر وكلّ ما تعرفينه من أزماتنا، تواجهنا أسئلة من نوع، ما نفع الشعر؟ ما نفع الموسيقى؟ ما نفع القضايا والدراما؟

رباب الصدر: شوف أُستاذ "زاهي"، كلّ فنّ له خاصّية، يُعطيك طاقة مختلفة سواء فنّ الرسم أو الموسيقى أو العزف أو الغناء أو الأشياء الأُخرى من الفنون مثل مثلاً فنّ صناعة السجّاد أو مثلاً فنّ صناعة الفضّة أو صناعة الأزهار، أنت تعرِف أنّ هذه البنت

زاهي وهبي: ربما أول ما تعلّمتِه هو صناعة الأزهار

رباب الصدر: الأزهار نعم. أنت تعرِف أن البنت التي تشتغل سجّاداً تتحدث مع السجّادة وتقول لها " أنا مبسوطة، أنا زعلانة، أنا اليوم عصّبت، أنا اليوم نجحت"، هناك حوار بينها وبين الشغل الذي تشتغله

زاهي وهبي: يعني نؤنسِن العلاقة مع الأشياء

رباب الصدر: بالضبط، لها فلسفة. كلّ فنّ له فلسفة لكن علينا أن نفهمها كي نُعلِّمها ونثقِّفها. نحن في المؤسسة، قبل أن نُعلِّم البنات نتحدّث إليهن في البداية ونُهيئهن، نحكي لهن عن فلسفة الفنّ والعمل والشُغل. بمعني لا يتعلّمن كلهن التمريض أو بكالوريا أو T.S. أو إلى آخره، يمكنهنّ أن يتعلمن أيضاً فنّ الحياكة يتعلّمن أزهار، رسم، أشغال يدوية إلى آخره، لكن كلّ هذه الأشياء نتحدّث فيها عن قيمة الفن في حياة الإنسان

زاهي وهبي: كم هي أهمية أن تُدرِك المُجتمعات الإسلامية وخصوصاً بعض الذين يُصدرون فتاوى، لأنه كما تعلمين بعض المُجتمعات الإسلامية لا يزالون يعتبرون أن التقرُّب إلى الله سبحانه وتعالى هو في أن يكسروا آلة موسيقية مثلاً، يأتي بالعود ويكسره، هناك من هذا موجود على اليوتيوب للذي يُحبّ أن يطّلع على هذه المسائل، سيجد نماذج مرعبة في هذا المجال. من المهم أن يحصل انفتاح فقهي أيضاً، وأنا أعلم ما أقول، تجاه الفنّ والموسيقى والغناء وهذه المسائِل

رباب الصدر: أنا لا أظنّ أن هذه الفتاوى مصدرها إسلامي. أنا أعرِفُ شيخاً معمّماً وهو متخصّص في الموسيقى ويُعلِّم الموسيقى في الجامعة. إذا دخلنا إلى عالم الإسلام الواسع، عالم الذين يمشون على الصراط المُستقيم نراهم ماذا يفعلون. أُنظر إلى مجال الموسيقى في (إيران)، هناك الآن فنّانات يغنّين في (إيران) لكنهنّ يغنّين للنساء وليس للرجال. تُشاهد حفلة من أجمل ما يكون تغنّي فيها كلّ النساء، فإذا كان حراماً كيف يقومون بهذا؟

زاهي وهبي: أنا دائِماً أقول دعونا نتفق على المبدأ وبعد ذلك نلتفت إلى التفاصيل مثل أين يغنون وماذا يُغنّون وإلى آخره، لكن أحياناً ما يواجهنا

رباب الصدر: المبدأ هو أنّ الموسيقى والفنّ ليسا حرام

زاهي وهبي: حتّى في (مصر) سيّدتي، الموسيقى العربية نشأت وتطوّرت على يد الأزهريين، على يد مشايِخ الأزهر الشريف. الآن حديثاً في هذا العصر المُظلِم بدأت الأمور تظلِم

رباب الصدر: هذا العصر المُظلِم هو نفسه على المرأة وعلى الإنسان وعلى الطائِفية وعلى حتى بعد قليل القرآن الذي ربما يحاولوا أن يحرِّفوه، ممكن

زاهي وهبي: طبعاً الذي يقوم بما لا يقام به يفعل هذا

رباب الصدر: الذي يُغيِّر الأحاديث النبوية يستطيع أن يحاول تغيير القرآن أيضاً

زاهي وهبي: على كلٍّ موضوع الأحاديث لوحده يحتاج ربما إلى نقاش ومؤتمرات صحيح لكن هذا الآن خارِج نطاقنا، لكن الفنّ حاجة إنسانية، هو حاجة للإنسان مثل حاجته إلى الأكل والشرب، صحيح أم لا؟

رباب الصدر: نعم، نعم. في إمكان المرء أن يكون إنساناً مريضاً وأن أُسمعه موسيقى ويشفى بهذه الموسيقى

زاهي وهبي: في الواقع هناك علاج بالموسيقى

رباب الصدر: هناك علاج بالموسيقى ونحن نراه، نرى الطفل الذي يعاني من حرارة حينما نسمعه موسيقى ماذا يحدث له، عملياً نرى هذا أمام أعيننا

زاهي وهبي: هناك أنواع من نباتات يتسارع نموّها حين يكون هناك موسيقى، بالتالي هناك علاج بالمسرح، بالدراما. اليوم فهم الفنّ متطوِّر ودوره في الحياة، متطوِّر جداً

رباب الصدر: هناك علاج أيضاً بالـ Perfume

زاهي وهبي: تعنين بالعطر

رباب الصدر: نعم

زاهي وهبي: أن يتنشّق شخص مريض عطوراً معينة 

رباب الصدر: ولحالات مُختلفة وحركات مُختلفة يتنشّق هذه الراحة ويفعل هذه الحركات ويشفى

زاهي وهبي: نتحدث عن ضرورة أن يكون عندنا أصوات فقهية وأصوات متقدِّمة في المجالات هذه

رباب الصدر: عندنا رجال دين متقدّمون وعندنا

زاهي وهبي: طبعاً، ما من شكّ عندي في هذا الموضوع. دعينا نسمع رأياً أيضاً بتجربتكِ، هذه المرّة من رئيس المحاكم الشرعية الجعفرية في (لبنان)، فضيلة الشيخ "محمّد كنعان"، نسمعه معاً

محمّد كنعان - رئيس المحاكم الشرعية الجعفرية في لبنان: بسم الله الرحمن الرحيم، السيّدة "رباب الصدر شرف الدين" تنتمي عظامياً إذا صحّ لي الاشتقاق إلى أهل بيت النبوّة ومعدن الرسالة وجدها "عليّ" وأُمّها "الزهراء". هؤلاء قال فيهم "الجواهري" قولاً لا بأس باستحضاره، " الحاملينَ من الأمانةِ ثقلَها لا مُصعِرينَ ولا أصاغِرَ مِيلا، والطامسينَ من الجهالةِ غَيْهباً، والمطلعين من النهى قنديلا، والجاعلين بيوتهم وقبورهم للسائلين عن الكرام دليلا. شقيقها الإمام "موسى الصدر"، ذلك الرجل الذي سبق عصره وقفز فوق الأوان واختَرق رصاصة الزمن ليُدخلنا كمواطنين لبنانيين أولاً وكشيعة ثانياً وكبشرٍ نحمل سمة الإنسان في مُعادلة الرحمة المُهداة بواسطة جدّه المُصطفى r. لا يستطيع أحد إلّا وأن ينظُرَ بعين الإكبار والإجلال إلى ما قدّمته هذه السيّدة على المُستوى الاجتماعي من خلال المؤسسات التي ترعاها ومن خلال بلسمة الجراح لكثيرٍ من الناس المجروحين والمكلومين. أيضاً لا ننسى الدور الثقافي الذي لعبته هذه السيّدة من خلال المؤتمرات التي كانت ولمّا تزل تحييها وخاصة في مؤتمر "كلمة سواء" الذي تركَ بصمةً مميزةً ثقافيةً في هذا الشرق استطاعت أن تجمع فيه الطاقات الهائِلة التي أثبتت أنّ المُعطى الثقافي دائِماً يتفوّق على كلّ المُعطيات الأُخرى. عندما نتحدث عن السيّدة "رباب الصدر" في العِظامية والعصامية إنّما نستحضر نموذجاً، وفي رأيي إنّ وظيفة الشيعة بالتحديد في زمن غيبة إمامهم صلوات الله وسلامه عليه، وظيفتهم أمران ملحّان، حِفظ الحدّ الأدنى من مصالِح الجماعة وحِفظ النموذج "كونوا زيناً لنا ولا تكونوا شيناً علينا". هكذا عرفت السيّدة "رباب الصدر". أرجو أن توضحي للإخوة المُشاهدين، أين تقع مولاتنا وسيّدتنا "الزهراء" عليها السلام في قلب السيّدة "رباب الصدر شرف الدين"؟

زاهي وهبي: جزيل الشُكر لفضيلة الشيخ "محمّد كنعان"، تفضلي

رباب الصدر: شكراً جزيلاً على هذه الشهادة المميّزة حقيقةً، شكراً

زاهي وهبي: وردّا على سؤاله؟

رباب الصدر: "السيّدة الزهراء" قدوتي في الحياة، مثلي الأعلى في الحياة وهي موجودة في أعماقي دائِماً، وأنا أتّكل من بعد الله عليها في كلّ شيء. أنا أحكي معها وكأنني أراها، أحكي معها وأطلب منها حاجة، وهناك قسم كبير من المدرسة على اسمها "مبرّة رحاب الزهراء" على اسمها المُبارَك

زاهي وهبي: بما أننا نتحدّث عن المثال والقُدوة، حضرتكِ أكملتِ دراساتكِ العُليا في عُمر، يعني السنة الماضية أعدّيتِ وقدّمتِ

رباب الصدر: على الكبر

زاهي وهبي: نعم، قدّمتِ رسالة الدكتوراه، ما الذي حفّزكِ وشجّعكِ في هذا العُمر على إكمال دراستكِ؟

رباب الصدر: للحقيقة، ممكن أن يكون تحدّ لي، لنفسي أنا، أنه من اللازم أن أستطيع وليس أنني لا أستطيع مع كلّ

زاهي وهبي: مع المسؤوليات والأعباء

رباب الصدر: حتّى بداية دراستي كانت تحدّياً. كان الإمام مسرواً كثيراً من هذه الخطوة. هو شجّعني كثيراً وكذلك زوجي، زوجي كان ورائي كثيراً. في فترات الامتحان كان يقول لي، ليس عليك شيء في البيت، اجلسي جانباً وأنا مسؤول عن كلّ شيء

زاهي وهبي: نشدّ على يدي السّيد "حسين"

رباب الصدر: أبداً، لا تسألي عن شيء أنتِ، اجلسي جانباً. للحقيقة هذا التشجيع وأنا في نفسي أيضاً قلت أنه من اللازم أن أفعل شيئاً، من اللازم، وأكملت والحمد لله لكن طالت معي

زاهي وهبي: ماشي الحال

رباب الصدر: أخذت موضوعي لشهادة الدكتوراه الفلسفة العملية للإمام "موسى الصدر" 

زاهي وهبي: نعم

رباب الصدر: لأن دراسات كثيرة كتبت عن الإمام وأحببت أنا أن أٌقوم بدراسة مختلِفة

زاهي وهبي: نعم، دراسة "وشهِد شاهدٌ من أهلِه". كم من هذا المُنطلق تُشجعين إذا كان اليوم هناك سيّدات يُشاهدننا في منازلهن وربما توقفن عن الدراسة يسبب الزواج، بسبب الإنجاب، بسبب ظروف قاهِرة خارِجة عن إرادتهنّ. كمّ تشجعينهن أن يستأنفن

رباب الصدر: أنا أقول، إذا أراد الإنسان في أيّ وقت، مهما بلغ من العُمر، يُمكنه أن يدرُس

زاهي وهبي: ما مِن حرج

رباب الصدر: ما مِن حرج

زاهي وهبي: حينما جلستِ مع الأساتذة تُناقشين رسالتكِ

رباب الصدر: خاصةً أنني أردت أن أعترِف أنّ لغتي الأساسية ليست اللغة العربية

زاهي وهبي: واضح

رباب الصدر: أنا لغتي العربية ما زالت تعيسة، أعرِف نفسي، لكن مع ذلك، مع هذا التحدّي، مع هذه الصعوبات قدّمتها

زاهي وهبي: برفو، الله يُكثِر من أمثالِك. لكن فعلاً أُريد منكِ كلمة للسيّدات اللواتي ممكن أن يكنّ عندهنّ حسرة في قلوبهنّ أنّهن كنّ يدرسن وتوقّفن عن الدراسة لها السبب أو ذاك

رباب الصدر: شوف أُستاذ "زاهي". الفُرص التي تأتي للإنسان في الحياة لا وقت لها، ألا يقولون أن "ليلة القدر" مرّت عليه مثلاً؟

زاهي وهبي: نعم

رباب الصدر: ممكن أيضاً أن تمرّ على النساء ليالي قدر في فترة يستطعن فيها أن يفتحن الكتاب ويبدأن. كلّ ما أُريد أن أقوله أنّ الأمر يحتاج إلى استمرارية، يحتاج إلى صبر. أتعلم أنا متى كنت أدرُس؟ من الساعة العاشرة ليلاً وما فوق

زاهي وهبي: عندما تكونين أنهيتِ واجباتكِ الأُخرى

رباب الصدر: من بعد ماذا؟ من بعد أن يتعشّوا وأكون أنا وضّبت وجليت وحضّرت الأكل لليوم المقبل، لأنه لا يوجد خدَم، لم يكن هناك خدَم مثل اليوم، وفي الساعة العاشرة أدرس، والحمد لله حقّقت مرادي

زاهي وهبي: أتعلمين، أشدّد قليلاً على مسألة العُمر لأنّ في مُجتمعاتنا للأسف هناك ثقافات. مثلاً إذا رجل متقدِّم في السنّ أو امرأة متقدّمة في السنّ، إذا كان يقوم برياضة ينتقده أحدهم بقوله، "الآن في هذا العُمر وعيت على ذلك؟"، إذا زوج وزوجة مثلاً متقدّمان في السنّ ويجلسان في حديقة عامة بشكلٍ رومانسي قليلاً، يقول أحدهم " الآن وعيتم على الحبّ والحنان؟". هذه النظرة للمتقدِّم في السن، وحضرتك ما زِلتِ في عزّ عُمركِ، لكن هناك نظرة إلى أنّ الأكبر سناً لا يجوز أن

رباب الصدر: أنا كنت أسمع أثناء وجودي في الجامعة كنت أسمع، "وماذا تريد من الدرس؟"

زاهي وهبي: سؤالي في محلّه

رباب الصدر: "وماذا تريد من هذه القصة؟" وكنت أُجيب، "أنا أُريد أن أدرُس وأُريد أن أُكمِل وسترون أنني سأُكمِل" فلأكون نموذجاً للآخرين

زاهي وهبي: لأنّ هناك أمثالاً شعبية تُشجِّع على الكسل، مثل " بعد هالكبرا جبة حمرا" كما يقولون في بلادنا

رباب الصدر: صحيح

زاهي وهبي: وكأن الحلم لا يتوقف

رباب الصدر: فعلاً أُستاذ "زاهي"، العلم حياة، العلم ينوِّر العقل، العلم يجعل الإنسان يتعرّف على الله أكثر، العلم يجعلك تعرِف كيف تعيش، العِلم يعلِّمك كيف تحلّ أمورك ومشاكلك، يعلّمك كيف تُفكِّر. الذي لم يقطع مراحل من العِلم يكون محروماً جداً

زاهي وهبي: صحيح

رباب الصدر: في إمكانه أن يتعلّم والموضوع ليس صعباً أبداً       

زاهي وهبي: اطلبوا العِلم ولو في (الصين)، أليس كذلك؟

رباب الصدر: أنت تعرِف أنني حينما بدأت دراسة الباكالوريا كان عندي أولاد، الباكالوريا قبل الحرب كانت أصعب من الليسانس

زاهي وهبي: صعبة، فعلاً صعبة

رباب الصدر: أصعب من الليسانس، ودرستها

زاهي وهبي: تُذكر ولا تُعاد هذه الأمور بالنسبة لي. هذا النموذج نحب أن نُشجِّعه، نحب أن يأخذ الناس السيّدات والرجال منكِ أُمثولة أو قُدوة

رباب الصدر: حتّى الرجال

زاهي وهبي: نعم، حتّى الرجال الذين يشعرون أنه والله بعد عُمر معيّن

رباب الصدر: أنا أُشبِّه العلم بحبّة فيتامين، والله. عندما يدخل المرء إلى العِلم يدخل إلى عالم آخر، ويكون مع دنيا أُخرى. عندما تقرأ وفي إمكانك أن تفهم، خاصة الفلسفة، تُصبِح في عالم آخر

زاهي وهبي: نعم. سأُتابع مع حضرتكِ ولكن اسمحي لنا أن توقف مع استراحة أخيرة ثمّ نتابع "بيت القصيد"

المحور الرابع:

زاهي وهبي: مشاهدينا الكرام نُتابع القسم الأخير من "بيت القصيد"، هذه الليلة مع السيدة "رباب الصدر" رئيسة "مؤسسات الإمام الصدر"، أُكرِّر ترحيبي بحضرتكِ. ذكرتِ في تقرير البداية أنّ مسألة الأُبوّة والأُمومة ليس فقط الأيتام بل الذين يفقدون بالمعنى المادي الفعلي الجسدي آباءهم وأُمهاتهم، أحياناً يكون الآباء والأُمهات حاضرين ولكنهم غائِبون في نفس الوقت

رباب الصدر: صحيح، هذه الحال نواجهها يومياً وأنا أحياناً أقول يا ليته ليس موجوداً، ليت هذا الأب المُسبِّب لعشرين ألف مُشكلة والماكث في السجن وتارك المصائِب لعائِلته ليته لا يكون موجوداً، لأن اليتيمة تلقى اهتمام الناس لكن التي عندها أب

زاهي وهبي: نعم والدها مسؤولٌ عنها

رباب الصدر: يُصبح وضعهم تعبان جداً، يكون وضعهم تعبان جداً. ونحن اليوم، أنا في إمكاني أن أقول لك، إذا فتحنا الباب على هكذا حالات تأكّد أن تعدادهم يُصبح أكثر من 70 % في المؤسسة ويصبح عندنا 30 % أيتام و70 % من هؤلاء. لكن أكيد لا يُمكننا أن نقوم بهذا لأنّ الأولوية لليتيم، الأولوية لأيتام

زاهي وهبي: ماذا تعلّمتِ من الأيتام، من العمل مع الأيتام؟ ماذا أضاف هذا لحياتكِ؟ 

رباب الصدر: أُستاذ "زاهي"، المُجتمع الذي نعيشه مُجتمع متغيِّر، متقلِّب، متناقض. لا يُمكنني أن أحكي لك عن حال ثابتة في هذه الأمور. في كلّ حالة أجد مُصيبة، كل امرأة عندها مُشكلة، كلّ امرأة عندها حالة، كل امرأة مرّت في ظرف معين وفي صعوبات مُعينة، معاناة تحرِق القلب إذا أراد المرء أن يتحدث فيها. لكن كلّ الذي تعلّمته أنّ هذه النسوة يصبرن، يصبرن على ما وقعن فيه، يصبرن على ما يحتاجونه، يصبرن على ما هنّ في حاجة إليه

زاهي وهبي: نعم. ثقافة التكافل الاجتماعي، ثقافة التعاون، ثقافة العمل الإنساني والاجتماعي موجودة في مُجتمعنا كما يجب؟ وإلى أيّ حدّ تسدّ أيضاً هذه المسألة عجز الدولة وتلكّؤها عن القيام بمسؤولياتها؟

رباب الصدر: في إمكاني أن أقول لك أنّ حبّ الخير موجود، كي أحكي لك بشكلٍ عام، لكن علينا أن ننتبه أنّ هذه اليتيمة هل في إمكاننا أن نُصادقها ونعيد إليها الثقة بنفسها ونعطيها حبّاً وحياة؟ ربما لا

زاهي وهبي: لأنّ أحياناً نظرة الشفقة يكون أثرها سلبياً

رباب الصدر: كثيراً. نحن في المؤسسة لا نسمح لأحد يزور أن يُعطي شيئاً للبنات، لا نسمح. لا نسمح أن يلبسوا ملابس مُستعملة، لا نسمح أبداً. يعشون في عز، اللباس الذي يريدونه، الألوان التي يحبونها، الحياة التي يريدونها، النظافة التي يريدونها. أتعلم. لا بأس إن قلتها

زاهي وهبي: تفضلي

رباب الصدر: من الشائِع أنّها مؤسّسة برجوازية

زاهي وهبي: عن "مؤسّسات الإمام الصدر" ؟

رباب الصدر: عن "مؤسسات الإمام الصدر" لقدر ما هي مُرتّبة، لقدر ما هي غنيّة بعطائها وخدماتها يقولون " هؤلاء ليسوا محتاجين". تخايل أنك حينما تقدِّم النموذج

زاهي وهبي: يعني المُحتاج من اللازم أن تكون ثيابه لا تصلح؟

رباب الصدر: ممزقة

زاهي وهبي: ومن اللازم أن يكون غير نظيف؟

رباب الصدر: أنت تُعطي النموذج المُميّز الجميل الراقي الذي يماشي الزمن. نحن نعيش في هذا الزمن وعلينا أن نعيش مع الوقت ولا نُريد أن نرجع إلى الخلف، فعندما نُريد أن نُقدِّم هكذا نموذج نُصبح بورجوازيين وأغنياء

زاهي وهبي: لا بأس، "صيت غنى ولا صيت فقر" كما يقول المثل

رباب الصدر: نحن لا نُغيِّر

زاهي وهبي: ومن حقّ الأيتام واليتيمات بشكلٍ خاص أن يعيشوا في ظروف إنسانية

رباب الصدر: أنت لو ترى الطريقة التي يلبسون فيها، الطريقة التي يأكلون بها، الطريقة التي يتحدثون بها، الطريقة التي يُنشدون بها. هذا النشيد الذي رأيته هو نوع من التربية

زاهي وهبي: طبعاً نحن نرى نموذجاً في الحقيقة مُضيئاً لهذه المسألة. استمعنا لشهادات، شهادتين في تجربتكِ، من معالي الأُستاذ "إدمون رزق" ومن فضيلة الشيخ "محمّد كنعان"، نريد أن نُسمعكِ رأياً أيضاً إذا سمحتِ لي، على طريقة وشهِد شاهدٌ من أهله. نسمعه معاً في "كلام يوصل"

رباب الصدر: تفضل

كلام يوصل

رائِد شرف الدين – نائِب حاكم مصرف لبنان: الألوان الموجودة في اللوحات التي ترينها هنا تعني لي الكثير. الماما هي هذه الألوان الدافِئة كلّها لكن ألوانها "باستيل"، هذه الألوان الهادئة الناعمة لكنها في نفس الوقت عميقة وقوية وواضحة ولا لبس فيها. سيّدة "رباب" ست الحبايب، ست الدنيا والدتي، نعمة أنعم عليّ ربي بها وعلى إخوتي وتأثيرها في الخارج قوي جداً وهي في طبيعتها لا تُحب أن تحكي، وهذه مُشكلتنا معها حتّى بالنسبة للمؤسّسات. تعتبر أنّ الذي تقوم به هو واجبها وهي تقوم به لله لذلك لا تُشرِك بمعنى أنها لا تحكي وتُحدِث ضجة. هذه الكاريزما الموجودة فيها، هذه الروحانية الموجودة فيها، السيّدة "رباب" أبعد من أُمّ لي، أكبر من أُمّ لي. نعمة من أكبر النِعَم التي أنعم الله عليّ بها، أن أكون في هذا البيت وفي هذه الأُسرة وأن يكون عندي هذه الأُمّ وهذا الوالد وهذا الخال. إذا أردت أن أختصر ماذا أعطتني السيّدة "رباب" في عبارة واحدة كما تريدين، "الصلابة الناعمة". هذه من أهمّ مزاياها، هذه الصلابة لكن بهدوء، هذه المُثابرة من دون ضجّة، هذه المُتابعة والمواكبة الحثيثة التي توصِل إلى نتائِج ولا تُقفِد الأمل على الرغم من أن هناك الكثير من المثبطات مرّت عليها في حياتها الشخصية في قضية الإمام "الصدر" وقضية السيّد "محمّد باقر الصدر" زوج خالتي وابن عمها وزوج اختها. لا أعلم، لا أدري عدد البيوت التي تنقلنا فيها ولا أتذكّر كم مدرسة نقلنا خلال فترات الحرب في السبعينات، لكن أبداً. كانت بوصلتها واضحة جداً ولا تُحيد. ماما أعرِف أنّ هذه الفترة صعبة على المؤسّسة، من أصعب الفترات التي مرّت فيها المؤسّسة لكن إيمانكِ الكبير الذي ولا لحظة تزحزح، وفي هذه المناسبة أُحبّ أن أُذكِّركِ وأن أُذكِّر نفسي أنّ ربنا قال" إن مع العُسرِ يُسرَا". ما رأيك؟

رباب الصدر: أنا أوافقك

زاهي وهبي: ما رأيك؟ تأثرتِ وأنت تسمعين الدكتور "رائِد شرف الدين" الذي هو نجلكِ ونائب حاكم "مصرف لبنان"، لماذا تأثّرت؟ ألم يقل لكِ هذا الكلام بينه وبينكِ؟

رباب الصدر: لا، نحن لا يوجد عندنا مُجاملات ظاهرية، في طبعنا لا توجد مُجاملة ظاهرية بل يوجد حبّ وعُمق وتعامُل في الحب، هناك عطاء في التضحية، هناك عطاء في المُمارسة، لا نلفُظ هذه الأشياء بل نقوم بها

زاهي وهبي: نعم

رباب الصدر: لذلك البيان غير عندما يسمعه الإنسان بأُذنيه

زاهي وهبي: إنّ من البيان لسحرا

رباب الصدر: بالضبط، في القلب يسمعه. الله يحميهم

زاهي وهبي: الله يخلِّيهم لكِ

رباب الصدر: الله يُسلِّمك

زاهي وهبي: هلّ توافقين على ما قاله، "إنّ مع العُسرِ يُسر"؟

رباب الصدر: طبعاً. أُستاذ "زاهي" أنا أرى ذلك، والله أنا أرى أنّ مع العُسرِ يُسر، في عيوني أرى ذلك، ألمس ذلك بيدي. أنا أحياناً أشعُر أنّ السيّدة الزهراء تفِكّ العُقَد عن شغلنا، ربما هذه قد يعتبرونها مُبالغة، لكن صدقاً الأمور هكذا وأنا أرى هذا

زاهي وهبي: نعم، حضرتكِ عندكِ أربعة شباب الله يخلِّيهم، أربعة رجال، كنتِ تتمنين لو كان عندكِ بنت؟

رباب الصدر: كثيراً تمنيت لكن قدري هكذا، الله يحميهم، لكن أنا الآن عندي بنات ما شاء الله كثيرات، هم أحضروا لي بنات حفيدات

زاهي وهبي: نعم، حفيداتكِ وأحفادكِ. نعم، يقولون " ما أعزّ من الولد إلّا ولد الولد"

رباب الصدر: فعلاً هكذا

زاهي وهبي: هذا مثل عربي، فعلاً هذا؟

رباب الصدر: أنا أُسمّيهم حبّة مُهدئ

زاهي وهبي: ينسوكِ الدنيا وينسوكِ الهموم والمشاغل

رباب الصدر: كثيراً، نعم

زاهي وهبي: أُريد أن أتحدّث قليلاً قبل أن نختم حوارنا العميق فعلاً والدافئ، وأنا سعيد أنّ الحظّ يسمح لي، ربما منذ عشرين سنة كان حوارنا في "خلّيك في البيت"؟

رباب الصدر: نعم

زاهي وهبي: تقريباً عشرين سنة، فالحمد لله أنه أعطانا عُمر كي نعاود اللقاء ونتحاور

رباب الصدر: أطال الله في عُمرك

زاهي وهبي: أريد أن أتحدّث قليلاً عن مدينة (صور)، المركز الرئيسي لـ "مؤسّسات الإمام الصدر"، وإقامتكِ وزوجكِ السيّد "حسين شرف الدين" وكانت أيضاً مُنطَلقاً لعمل الإمام "الصدر" مدينة (صور). ماذا تُمثِّل لكِ (صور)؟ شاهدناكِ في البداية تتحدثين

رباب الصدر: أنا فعلاً (صور) تعنيني، لي علاقة خاصة بها. (صور) مدينة الأجداد، مدينة الآباء، مدينة الحرف، مدينة الفنّانين والعُلماء، مدينة السيّد "عبد الحسين شرف الدين"، مدينة الإمام "الصدر". انطلاقة الإمام "الصدر" كانت من مدينة (صور). (صور) لها الكثير من المحطّات التاريخية، المُجاهدون خرجوا منها، والكتّاب والعُلماء، لكن لا حظّ لها من أولادها. أنا أريد أن أقول هذا في هذا البرنامج وأقصد أن أقولها، أنّ مدينة (صور) لحدّ الآن لم تأخذ حقّها من أولادها

زاهي وهبي: من أولادها؟

رباب الصدر: أبناء (صور)

زاهي وهبي: أهلها؟

رباب الصدر: نعم أهلها، أهالي (صور)، في أن يُفكِّروا في تطوير مدينتهم ويغيِّروها ويُحسّنوها

زاهي وهبي: هلّ هي مسؤولية أهلها أم مسؤولية الدولة والجهات المعنية بدءاً من البلدية، من بلدية (صور)

رباب الصدر: أنا لا أقول دولة، شوف أُستاذ زاهي" لا يصح أن نقول عن كلّ شيء دولة. الدولة تفعل حينما نريد

زاهي وهبي: إذاً المُجتمع الصوري مسؤول

رباب الصدر: نعم. فليأتوا ويقولوا نحن نريد هذا المشروع لمدينة (صور)

زاهي وهبي: ربما (صور) هي أجمل موقع على المتوسِّط وأكثر مدينة فيها آثار رومانية وفينيقية

رباب الصدر: البحر، شوف البحر سبحان الله الذي خلق. البحر يحكي معك ويُحدّثك

زاهي وهبي: تشاهدين هذه الآثار مُهملة غير مُضاءة والعشب، وأنا أُريد أن أحكي كابن المنطقة أيضاً أنه لا يجوز، لا يصح هذا

رباب الصدر: أنا لم أذكر التفاصيل وحرقة في قلبي هذه النقاط التي ذكرتها. كم آثار (صور) جميلة وكم بحرها جميل ومساحتها كم هي جميلة، بساتينها ورائِحة الزهر حين تفوح في الربيع

زاهي وهبي: وهل يصح أن يكون مدخلها بهذه الطريقة أيضاً؟ إحدى أجمل المدن على المتوسِط؟ هذه صرخة نقولها معاً نعم، للمُجتمع الصوري وللمعنيين في الدولة أيضاً، المعنيون في الدولة والمسؤولون ليتحملوا نصيبهم من هذا الأمر. أترك لكِ كلمة أخيرة، أنا سُعِدت جداً، كما أقول لك، بحوارنا. لو كان لكِ أن تقولي كلمة للسيّدات، للنساء اللواتي يواجهن صعوبات، يواجهن مسائِل وعقبات وللإنسان بشكلٍ عام

رباب الصدر: أنا بشكلٍ عام أقول للإنسان نحن ولدنا مسؤولون ونريد أن نتحمّل مسؤولياتنا ونريد أن نُكمِل في مسؤولياتنا. المطلوب منّا إيمان وصبر وحبّ وعطاء وتضحية وغير هذا لا يصح. من اللازم كما ربنا سبحانه وتعالى أعطانا كلّ شيء، شوف هذه النعمة الموجودة في الكون هذه كلها لبني آدم، إذا استطعنا أن نُعطي ذرّة من هذا العطاء نُعطي لبني نوعنا أي نُعطي للناس

زاهي وهبي: فمن يعمل مثقال ذرةٍ خير يره

رباب الصدر: أنا مهتمة كثيراً بأن كلّ إنسان يعمل، والله في إمكانهم أن يعملوا

زاهي وهبي: نعود إلى مسألة الحبّ التي ابتدأنا فيها، أهمية أن يُحبّ الإنسان أخاه الإنسان بمعزِل عن دينه وعن عرقه وعن رأيه

رباب الصدر: فقط لأجل الإنسانية، أن نحبه لأجل الإنسانية، أن نعطيه لأجل الإنسانية

زاهي وهبي: أتمنى أن يصل صوتكِ وأكثر الله من أمثالِك كما يُقال 

رباب الصدر: إن شاء الله، شكراً

زاهي وهبي: شرّفتِ "بيت القصيد"، أهلاً وسهلاً

رباب الصدر: شكراً

زاهي وهبي: شكراً لفريق العمل، لمُنتِجة البرنامج "غادة صالِح"، للمُخرِج "علي حيدر"، والشُكر الأكبر دائِماً لمُشاهدينا في كلّ أنحاء العالم. نلتقيكم الأُسبوع المقبل على خير بإذن الله