"خيانة الإخوة"… في سوريا

سبع سنين عجاف على الإرهاب التكفيري في حربه ضد سوريا يكشفها كتاب المراسل الحربي الايطالي جان ميكاليسين "خيانة الاخوة" حيث يسلط الضوء على الوجود المسيحي في المنطقة وتاريخ من العنف والاضطهاد الذي يتجاهله الاعلام العالمي وسياسات الدول الغربية.

زينب الصفار: السلام عليكم ورحمة الله. لعله كتاب يتحدث ليس فقط عن سبع سنين عجاف على الإرهاب التكفيري في حربه ضد سوريا، بل إنه يركز أيضاً على مأساة المسيحيين في المنطقة وعلى تاريخ من الاضطهاد الذي يتجاهله الإعلام العالمي والدول الغربية، حتى بات الكاتب يصفهم بالإخوة المغرر بهم. مع الصحافي والمراسل الحربي الإيطالي، جيان ميكاليسن، نتحدث معكم زينب الصفار، تابعونا.

 

التقرير

جيان ميكاليسن صحافي إيطالي ولج التغطيات الإعلامية في مناطق النزاع والحرب، ولا سيما في منطقة غرب آسيا. وبدأت مسيرته المهنية منذ عام 1983 حيث شملت القتال في أفغانستان ضد الجيش السوفييتي، ومذّاك غطى أكثر من 30 صراعاً مثل البوسنة وكرواتيا وكوسوفو والجزائر والشيشان وسريلانكا والصومال وموزمبيق وسيراليون ورواندا وجنوب السودان وفلسطين المحتلة والعدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2006 والعراق منذ الغزو والاحتلال عام 2003 وحتى حصار داعش في الموصل، إضافة إلى كل المعارك في سوريا منذ بداية الحرب عليها عام 2012 وحتى الآن. هذه الحياة الزاخرة بالتجارب الميدانية والإنسانية دفعت جيان إلى كتابة 5 كتب، كان آخرها كتاب "خيانة الإخوة"، حيث يشرح فيه كيف ولماذا اختارت أوروبا بقيادتها السياسية والإعلامية أن تنسى مسيحيي سوريا، وفضّلت مساعدة الجماعات الإرهابية التي كانت تقوم بعمليات تطهير عرقي ضد المكوّن المسيحي. جيان ميكاليسن، الكانب لدي الصحيفة الوطينة الإيطالية Il Giornale، وصاحب الوثائقيات، يحدثنا أكثر من الداخل اليوم بعد 7 سنوات على وجوده في سوريا عن انطباعاته منذ أن بدأ بالتغطية الإعلامية وحتى هذه اللحظة.

 

جيان ميكاليسن: يمكنني القول بأن الحرب قد تغيرت بشكل كبير. كنت في حلب في تلك الأيام، وشهدتها للمرة الأولى من دون معارك ومحررة تماماً حيث بدأ الناس يعودون إلى حياتهم. بالطبع لا تزال الأنقاض موجودة لكنك تلحظين عودة الحياة إلى مدينة حلب، وهذا شيء مختلف تماماً عما شهدته في الأعوام 2012 و2015 و2016 إبان الأيام الصعبة من الحرب. وفي دمشق فإن الأمور تتغير بسرعة كبيرة.

 

زينب الصفار: تتغير بأي منحى؟

 

جيان ميكاليسن: عندما كنت هناك في السنين الأولى، عندما كانت الحرب آخذة بالدخول إلى دمشق لتصبح على الخطوط الأمامية، إن ذهبت إلى بعض الأجزاء من دمشق مثل ساحة الأمويين فإنك على الخطوط الأمامية. الآن ما زالت الخطوط الأمامية هناك، ما زالت القنابل تسقط على حلب وما زالت تقتل الناس في الشوارع، لكن يتملكك الانطباع بأن المتمردين يتراجعون، والوضع آخذ بالتدهور بالنسبة إليهم ولا يتمتعون بدعم الشعب.

 

زينب الصفار: أود منك بما أنك كنت في سوريا منذ بداية الصراع حتى يومنا هذا، هلا أخبرتنا أكثر عن خبرتك في هذا المنحى. لقد كنت في تدمر والقامشلي والغوطة وحمص ودير الزور وعفرين مؤخراً، أخبرنا عن هذه الخبرة الفريدة وأنت لم تغادر سوريا بل كنت دوماً هناك من الداخل، كيف تمكنت من الحصول على معلوماتك؟ من كانت مصادرك بهذا المعنى؟

 

جيان ميكاليسن: كصحافي، أحاول التحدث إلى الناس لفهم الوضع والانخراط في مجريات الامور. الصراع السوري بالنسبة إلى شخص آت من أوروبا كان أمراً صعب الفهم إلى حد بعيد. عندما أتيت للمرة الأولى في عام 2012، كنت أغطي حروباً مختلفة منذ عام 1983 ولم أعرف أبداً ان هناك حرباً تضم كل الأشرار على جانب وكل الأخيار على الجانب الآخر، لكن في الصورة التي تلقيناها في 2012 في أوروبا كانت على هذا النحو، وهي أن لديك كل الأخيار على جانب وهؤلاء الأخيار هم المتمردون، من يُطلَق عليهم "المقاتلون من أجل الديمقراطية والحرية" من جهة، وعلى الجهة الأخرى لدينا أشرار وحسب يتجسدون في بشار الأسد ونظامه. وقد بدت هذه الصورة غريبة بالنسبة إليّ، كذلك لأننا نسينا تماماً المسيحيين. نحن الأوروبيون بمعظمنا مسيحيون لكننا نسينا التحدث عن المسيحية وهي أقلية مهمة في سوريا. إذاً، فإن ما اردت فهمه هو هل كان بالفعل نظام بشار الأسد سيئاً تماما، وهل كان كل المتمردين فعلياً أخيارا؟

 

زينب الصفار: ويبحثون عن الديمقراطية؟ ويقاتلون من أجل الديمقراطية والحرية؟

 

جيان ميكاليسن: بالتالي قررت التحقق من هذا. والقصة الغريبة التي عرفتها بمجرد وصولي إلى سوريا كانت قصة رواها لي قس مسيحي. أتعتقد أن كل المتمردين جيدين؟ لقد جاؤوا إلى قريتي، وبعدما استسلم 80 جندياً لهم قتلوهم جميعاً وقطعوا رؤوسهم. فوجئت كثيراً حيث إن هذا الرجل يروي لي قصة لم نسمعها أبداً في أوروبا. كيف يُعقل ألا يتحدث أحد عن أمر كهذا؟ لذا بدات تحقيقاتي في محاولة للفهم، وكتشفت أن الصورة لم تكن بين أبيض وأسود، حيث إنه لا يتموضع الخير كله إلى جانب والشر كله إلى جانب آخر، وأن النظام لم يكن بالسوء الذي اعتقدناه.

 

زينب الصفار: إذاً تحدثت مع السوريين العاديين الذن كانوا هناك يعيشون في قراهم بالرغم من الحصار والمعارك والاشتباكات، كانوا هناك وقصّوا عليك حكاياتهم.

 

جيان ميكاليسن: نعم.

 

زينب الصفار: إذاً لم يكن مصدراً رسميا مثل الحكومة السورية وما إلى ذلك.

 

جيان ميكاليسن: خلال مسيرتي المهنية لم ألجأ أبداً إلى المصادر الرسمية. أحاول دائماً التحدث إلى الناس والجنود في الجيش. كان من المهم جداً المكوث مع الجنود. في المرة الأولى التي ذهب فيها إلى حلب انضممت إلى الجنود بالرغم من أنني لم أحصل على الإذن بذلك، لأنني أردت التعرف إلى هؤلاء الجنود المتهمين بقتل الناس، واكتشفت مثلاً أن الكثيرين، أعني الصورة الغربية للحرب صوّرت بأن الغالبية من السنة كانت تقاتل ضد الأقلية من العلويين الذين كانوا يعدّون جزءاً من النظام، لكنني اكتشفت أن هناك الكثيرين من السنّة في الجيش يقاتلون إلى جانب النظام، بالتالي فإن هذا يتنافى مع الصورة المرسومة في أوروبا. ذهبت إلى حلب مع الجنود وتحدثت معهم، واكتشفت أن الكثيرين منهم كانوا سنّة يقاتلون دفاعاً عن النظام، حيث يقولون بأن النظام مهم للحفاظ على النظام والاستقرار.

 

زينب الصفار: لقد كان نظاماً علمانياً في المحصلة وكا زال كذلك نظاماً علمانياً.

 

جيان ميكاليسن: وهذا تحديداً ما قاله المسيحيون بأن النظام دافع عنهم طوال تلك السنوات، منحهم الحق في ممارسة طقوسهم الدينية وكان يقف إلى جانبنا تماماً.

 

زينب الصفار: أي منطقة أو مكان جعلك تصاب بالذهول أكثر من غيره أثناء تغطيتك؟

 

جيان ميكاليسن: أكثر ما أذهلني كان معلولة عام 2013. أتيت في عام 2013 تماماً بعد الهجوم الكيميائي المزعوم على الغوطة. ما زلنا لا نعلم من ارتكب ذلك الهجوم الكيميائي، لكن حينها في آب / أغسطس وبداية أيلول / سبتمبر 2013، بدا كل شيء جلياً. اتهم الأميركيون والأوروبيون نظام بشار الأسد بالهجوم، وكانوا يفكرون بالهجوم على سوريا لأنها تخطت الخط الأحمر قائلين بأنهم سيهاجمون النظام وعلى الأرجح سيقصفون دمشق. بالتالي كنت هنا بانتظار ذلك الحدث. عندها وفي بداية أيلول / سبتمبر بدأت أسمع الشائعات الآتية من شمال دمشق. جرى الهجوم على معلولة وعلى كل المدن الميحطة. كانت كلها تحت حصار جبهة النصرة في حينها.

 

زينب الصفار: نعم، معلولة وكل المدن المسيحية كات تحاصرها جبهة النصرة.

 

جيان ميكاليسن: استغربت ذلك كثيراً. أعني أن أميركا تتربص لتشن هجومها على سوريا ولا تفعل شيئاً حيال كون القاعدة تهاجم المسيحيين، القاعدة نفسها التي أسقطت برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، فقلت إنه لا بد أن شيئاً غريباً يحدث فهذا غير معقول، وقد ذهبت إلى هناك واكتشفت أنها الحقيقة بينما كان الجميع متأهباً لهجوم الولايات المتحدة على دمشق. كانت القاعدة تتصرف بحرية وتهاجم المسيحيين في معلولة. ربما لم نفهم الكثير عن هذه الحرب، أو إننا نرى نروي قصة غير صحيحة في أوروبا، وربما فقدنا الحقيقة حيال ما يجري.

 

زينب الصفار: نعم لقد فقدتم البوصلة في هذه الحرب.

 

جيان ميكاليسن: نعم فقدنا البوصلة، هذا هو التعبير الصحيح.

 

زينب الصفار: كنت أول من يدخل دير مار تقلا.

 

جيان ميكاليسن: نعم كنت الأول والأخير، لأنه بعد ذلك لم يُسمح لاحد بدخول ذلك الدير، وقد كنا محاطين أثناء وجودنا في الدير وتمكنا من الهرب في منتصف الليل. لا يمكنني أن أنسى في منتصف الليل وصلنا إلى معلولة التي كانت مهجورة تماماً، كان هناك رجل عجوز واحد وقد سالني، من أنت؟ قلت له إنني أوروبي إيطالي، وأنا مسيحي مثلك. فأجابني: يا إلهي أنا حزين جداً لأجلك، لأننا جميعاً كمسيحيين في سوريا سنقتل على الأرجح لكننا على الأقل سنعرف السبب وراء قتلهم لنا، لكن أنتم الأوروبيون ستُقتلون مثلنا في المستقبل لكنكم على الأرجح لن تعرفوا السبب وراء قتلهم لكم. وبعد عامين، أي في عام 2015 عندما هاجموا باريس اكتشفت أنه كان محقاً تماما.

 

زينب الصفار: لأن الأمر ارتد عليكم.

 

جيان ميكاليسن: نعم.

 

زينب الصفار: كل ما يجري في سوريا يرتد دوماً على أوروبا. اسمح لي الآن بالتوقف مع فاصل قصير وبعدها سنتحدث عن كتابك "خيانة الأخوة". سنتحدث عن التفاصيل والرسالة، وكيف تمكنت من جمع المعلومات لهذا الكتاب والتي تركز وتسلط الضوء على المجتمعات المسيحية المضطهدة في سوريا وفي أماكن أخرى من المنطقة. إذاً فاصل قصير ونعود، لا تذهبوا بعيدا.

 

فاصل

 

زينب الصفار: كتاب جيان ميكاليسن الأخير "خيانة الإخوة" يتحدث عن الوجود المسيحي في سوريا ويكسر الصمت حيال اضطهاد المسيحيين من قبل المجموعات المسلحة الإرهابية. جان، كيف انطلق في رحلة البحث والتوثيق تلك؟

 

جيان ميكاليسن: كما قلت لك عندما ذهبت لأول مرة إلى سوريا في عام 2012 كنت أحاول العثور على طريقة مختلفة أكشف فيها حقيقة هذا الصراع، وقد كنت مندهشاً لأن أحداً في أوروبا لم يتحدث عن المسيحيين، فقلت في نفسي، كيف يمكن لهذا أن يكون ممكنا؟ فالمسيحية انبثقت من دمشق، إنها مهد المسيحية، ومن سوريا وصلت المسيحية إلى تركيا وفي وقت لاحق وصلت إلى اوروبا، وإن كان لدينا ديمقراطية وأفكار ليبرالية فعلياً فإن علينا أن نأخذ بعين الاعتبار أن المسيحية جاءتنا من سوريا. كيف يمكن لنا ان ننسى المسيحيين تماما؟ كيف يمكننا أن نتحدث فقط عن النظام؟ ونتحدث فقط عن المتمردين؟ ألّا نفكر أبداً في ما يقوله المسيحيون؟

 

زينب الصفار: لقد كان هناك تغيير جذري في المواقف الإيطالية حيال سوريا والحكومة فيها.

 

جيان ميكاليسن: بالفعل، كان التغيير جذريا لأنه عندما جاء رئيسنا نابوليتانو إلى هنا عام 2010 كرّم بشار الأسد بصفته الرئيس قائلاً إن بشار الأسد قائد عظيم يدافع عن المسيحيين

 

زينب الصفار: وبعد نشوب الحرب أصبح الوحش.

 

جيان ميكاليسن: في عامي 2012 و2013 أصبح الوحش والشيطان، لذا بدا ذلك غريباً جداً. هناك شيء غير منطقي في هذا.

 

زينب الصفار: تماماً، هناك رابط مفقود في هذه القضية.

 

جيان ميكاليسن: كان هناك شيء خاطئ بالتأكيد، ولهذا قررت التحدث عن المسيحيين، وعندما ذهبت إلى حلب وكل الأماكن التي تنتشر فيها المجتمعات المسيحية، كل المسيحيين كانوا يرددون الكلام نفسه، إننا لسنا موالين للنظام لكن النظام يدافع عنا، ومعظم الناس الذين يقولون إنهم يدافعون عن الحرية يقتلوننا، إذاً إلى صفّ من يجب أن نقف؟ مع الجهة التي تريد قتلنا أم مع الجهة التي تحمينا؟ بالتالي قررنا البقاء مع النظام لأنه يحمينا، بينما الآخرون الذين تسمونهم مقاتلون من أجل الحرية يقتلوننا، بالتالي نحن لا نملك الخيار وعلينا أن نكون مع النظام.

 

زينب الصفار: تذكر أمراً في كتابك مفاده أن مسيحيي سوريا، كشهادة في كتابك، كانوا أول من ندد بما تسمى "الثورة". أول من أعاد سود الأفعال والمجازر التي اقترفتها تلك المجموعات والتشكيلات المسلحة، لكن لم يستمع إليهم أو يصدقهم أحد. لماذا كانت أوروبا والفاتيكان كلتاهما عاجزة عن العثور على مقاربة سياسية لحماية هذه المجتمعات المسيحية؟ مجدداً، لماذا وكيف أدار الغرب ظهره للمسيحيين في سوريا؟

 

جيان ميكاليسن: إن فكرت بالموقف الأوروبي، أعتقد أنهم لم يريدوا سماع صوت المسيحيين لأن الرواية التي يقصّها المسيحييون كانت مختلفة تماماً

 

زينب الصفار: عن الرواية التي يريدونها

 

جيان ميكاليسن: عن الرواية التي كانت تروّج لها وسائل الإعلام السائدة.

 

زينب الصفار: إذاً، أرادوا التضحية بهؤلاء المسيحيين؟

 

جيان ميكاليسن: ربما يمكن القول إنهم أرادوا التضجية في إدارة ظهرهم لهؤلاء المسيجيين لأنهم لم يكونوا مفيدين للمشروع السياسي الذي أرادوه، المشروع السياسي الأوروبي، وطبعاً الولايات المتحدة، لم يكون لدى الاتحاد الأوروبي فكرة محددة. كان يتبع الولايات المتحدة وسياسة أوباما حينها، والهدف كان تغيير النظام. بالتالي الوصول إلى هذا الهدف يمكنهم أيضاً التضحية بالمسيحيين وعدم سماع أصواتهم، والفاتيكان نفسه كان مرتبكاً لأنه كان يتلقى الكثير من الأصوات والآراء المختلفة والمتضاربة من لبنان والأردن وتركيا، وربما لم يمتلك الفاتيكان الشجاعة لمواجهة الإعلام السائد.

 

زينب الصفار: لماذا اضطهاد المسيحيين لم يجد طريقه، أو يحتل ولو القليل من اهتمام وسائل الإعلام السائدة أو الرواية السائدة؟ الرأي والرأي الآخر لتلك المجتمعات؟ أعني لهذا السبب أطلقت على ما أعتقد اسم "خيانة الإخوة" على كتابك، لأنك مؤمن بأنكم من خلال إدارة ظهركم لتلك المجتمعات المسيحية قمتم بخيانتها، خنتم ثقافتكم الخاصة.

 

جيان ميكاليسن: لقد قال لي الأمر نفسه الكثيرون من الكهنة، قالو لي : لقد تعرضنا للخيانة والنسيان من بلدانكم ومن مسيحيي أوروبا.

 

زينب الصفار: أحد المراقبين أشار إلى أن جيان ميكاليسن قد أحد فارقاً من خلال تقاريره، كذلك من خلال دعوة بعض الناس من سوريا للذهاب إلى إيطاليا والتحدث عن تجاربهم في نوع من التبادل، هل تمكنت من إحداث نوع من التغيير؟ وإلى أي مدى أحدث هذا التغيير في الرأي العام في يطاليا في ما يتعلق بالصراع السوري؟

 

جيان ميكاليسن: ليس في البداية، لأنني في البداية في عام 2012 بعد تقريري الأول واجهت صعوبات جمة. تعرضت للهجوم كثيراً عندما حاولت رسم صورة مختلفة حيال ما كان يجري في سوريا، لكن نقطة التحول الرئيسية كانت معلولة. عندما أظهرت معلولة وهي تتعرض لهجوم من القاعدة، عندما أظهرت الحصار عليها، عندما ظهرت صورة المسيحيين وهم يهربون من معلولة وسيطرة جبهة النصرة على هذه المدينة التي أصبحت فارغة تماماً، عندئذ فهم الناس في أوروبا وتحديداً في إيطاليا أن هناك خطباً ما. كيف من الممكن أن نطلق على أناس تسمية مقاتلين لأجل الحرية وقد جاؤوا لقتل المسيحيين، أولئك الذين يرفعون علم القاعدة؟ بالتالي نعم، في ذلك الوقت تمكنت تقاريري من إحداث بعض التغيير.

 

زينب الصفار: هل تعتقد أن سوريا ستكون ساحة معركة لحرب شاملة بين روسيا والولايات المتحدة في وقت قريب؟

 

جيان ميكاليسن: أخشى ذلك كثيراً، لأنه قد يحدث فعليا، لأننا لا نمتلك سياسة أو رؤية أو مفهوماً واضحاً ولدينا الكثير من الجيوش على الأرض نفسها، كل ما قد يفجّر الأمر هو خطأ صغير

 

زينب الصفار: ذريعة ربما؟

 

جيان ميكاليسن: خطأ أو ذريعة، لكن الخطر محدق تماما. الخطر الحقيقي أنه بعد انتهاء هذه الحرب وبعد إنهاد تهديد داعش والمتمردين، سيكون هناك صراع جديد يفوق الوضع الحالي خطورة ودموية.

 

زينب الصفار: لماذا سقطت عفرين؟ وما هو التالي؟

 

جيان ميكاليسن: هذا سؤال جيد جدا. المثير للغرابة هو أنني عندما حاولت دخول عفرين لاحظت أنه لم تكن هناك معارك على الإطلاق. خلال الأيام الثلاثة الأخيرة لم يكن الكرد يخوضون المعارك أبدا. أعتقد أن الكرد ارتكبوا أخطاء فادحة، وقد أدركنا هذا في النهاية فحسب.

 

زينب الصفار: ألا وهي؟

 

جيان ميكاليسن: في نهاية تشرين الثاني / نوفمبر وبداية كانون الأول / ديسمبر، عندما تمكن الروس والجيش السوري من تحرير المنطقة المحيطة بدير الزور، سمحوا للكرد بإمكانية العودة ضمن نوع من التحالفات لإقامة نوع من الحكم الذاتي هناك في المنطقة التي سيطرت عليها الحكومة بعد أن حررتها. الكرد رفضوا لأنهم يثقون بالأميركيين.

 

زينب الصفار: رفضوا التحالف مع الحكومة.

 

جيان ميكاليسن: نعم. عندئذ قال الروس، لا بأس وداعاً، افعلوا ما تشاؤون. في واقع الأمر عندما بدأ الأتراك هجومهم خرج الروس من عفرين تاركين الكرد وحدهم. لسوء الحظ، أعتقد أن الكرد قد ارتكبوا الخطأ نفسه الذي جرى ارتكابه تاريخيا، وثقوا كثيراً بأنفسهم واعتقدوا أن بإمكانهم خداع كل الباقين، لكن في النهاية تعرضوا هم أنفسهم للخداع.

 

زينب الصفار: وما هي الخطة التالية برأيك في عفرين؟

 

جيان ميكاليسن: الوضع في عفرين معقد جداً لأن هناك بعض المجموعات غير الجيش التركي لاحقاً شكلوا متمردين من أناس من داعش

 

زينب الصفار: الجيش الحر

 

جيان ميكاليسن: ومن جبهة النصرة وهم يقاتلون الآن تحت لواء الأتراك، لكن المسألة الرئيسية ستكون إذا استمر الأتراك في هجومهم، وإذا حاولوا السيطرة على المنطقة شرق الفرات، فقد يكون ذلك هو المنعطف الرئيسي لأن علينا أن نراقب ما يفعله الأميركيون، فإذا تراجع الأميركيون فإنهم سيخسرون صدقيتهم مجددا، وخسارة صدقيتهم مع الكرد ستعني خسارة حليفهم الوحيد في سوريا، وهذا ما يركز عليه الروس ويولونه الكثير من الاهتمام.

 

زينب الصفار: جيان ميكاليسن الصحافي الإيطالي والمراسل الحربي منذ عام 1983 والخبير في شؤون الشرق الأوسط، نشكرك جزيل الشكر على انضمامك إلينا

 

جيان ميكاليسن: شكراً جزيلاً لك

 

زينب الصفار: على الرحب والسعة دوما. إذاً لقاء جديد في الأسبوع المقبل مع ضيف جديد وقضية جديدة، ودائماً من الداخل. السلام عليكم ورحمة الله.