عبد اللطيف المكي ومحسن النابتي

 

محمد علوش: خلال الأيام القليلة الماضية، شهدت تونس استقالاتٍ وإقالات من الحكومة والمؤسسات، من استقالة وزير العلاقات الدستورية والمجتمع المدني، إلى استقالة رئيس هيئة الانتخابات، مروراً بإقالة وزير الداخلية.

الأزمة السياسية التي تعيشها البلاد تصل ذروتها بُعيد تصريح الرئيس الباجي قائد السبسي، على رئيس الحكومة الاستقالة، أو الذهاب إلى البرلمان لتجديد الثقة به. بهذه الكلمات، أنهى السبسي الجدل حول موقفه من حكومة يوسف الشاهد.

غداة دعوة الرئيس، شهد قصر قرطاج اجتماعاً لكبار المسؤولين في الدولة والأحزاب والنقابات. التشاور حول كيفية الخروج من المأزق السياسي الراهن عنوان اللقاء. فالتحديات الداخلية لا تقف عند الأزمة الحكومية، بل تطاول الواقعين الاقتصادي والأمني.

بدورها، الأحزاب والتحالفات السياسية بينها ليست على ما يرام. فأزمة نداء تونس الداخلية لا تزال تتفاعل بين كوادره الحزبية، كما أنّ التحالف بينه وبين حركة النهضة يترنّح يوماً بعد آخر، فالتباين بين الحزبين تجاه أداء الحكومة انعكس على موقف الطرفين من بقائها.

فهل حركة النهضة التي كانت تؤيّد تغييراً محدوداً في حكومة الشاهد يمكن أن تقبل باستقالة الحكومة أو طرح الثقة بها برلمانياً؟ ما هو موقف الجبهة الشعبية المعارضة من التطوّرات الأخيرة؟ وأيّ مستقبلٍ للأزمة السياسية الحالية قبيل الانتخابات البرلمانية والرئاسية؟

للنقاش معنا من تونس النائب عن حركة النهضة الدكتور عبد اللطيف المكي، وسيكون معنا بطبيعة الحال الأستاذ محسن النابتي وهو عضو المجلس المركزي للجبهة الشعبية في تونس.

 

(فاصل)

 

محمد علوش: حيّاكم الله وأهلاً بكم مشاهدينا إلى حوار الساعة، ونتحوّل مباشرةً إلى تونس مع ضيفنا الدكتور عبد اللطيف المكي، وهي قيادي في حركة النهضة.

صباح الخير دكتور. طبعاً النهضة أصدرت بياناً بالأمس عقب تصريحات الرئيس السبسي، تدعو فيه رئيس الحكومة يوسف الشاهد إلى تطبيق الإجراءات الاقتصادية والتعهّد بعدم الترشّح للرئاسيات في العام 2019.

هل نفهم من هذا الكلام أنّكم غير متماشين مع دعوة الرئيس السبسي لإقالة الحكومة أو لاستقالة الحكومة أو لطرح الثقة فيها؟

 

عبد اللطيف المكي: بسم الله الرحمن الرحيم. أهلاً وسهلاً وصباح الخير لك ولكل السادة المشاهدين. في الحقيقة، كلام رئيس الجمهورية تمّ اجتزاؤه، فقبل أن يقول على رئيس الحكومة إما تقديم الاستقالة أو الذهاب إلى البرلمان لطرح مسألة الثقة، قد قال على الأطراف المتدخّلة في موضوع الحكومة أن تقرّب المواقف وأن تسعى إلى الوصول إلى موقف سياسي واحد. وبالتالي، إذا عجزت الأطراف عن أن تصل إلى موقف سياسي واحد من الحكومة، يمكن وقتها اللجوء إلى الأساليب الدستورية بالاستقالة أو بطرح الثقة. وأعتقد أنّ رغبة رئيس الجمهورية بحسب لا فقط ما يظهر في الإعلام وفي المقابلات الصحافية، بحسب المقابلات السياسية، أنّ رئيس الجمهورية يدفع باتجاه تقارب في المواقف السياسية من الحكومة، وأرجّح أنه ضمنياً مع استمرارية رئيس الحكومة، مع تغييرات في مستوى الفريق الحكومي، وقد تكون بعض الاستقالات هي تمهيد لهذا التغيير.

 

محمد علوش: دكتور، حضرتك نائب في البرلمان وقيادي فاعِل في حركة النهضة. هل هذه معلومات حصلتم عليها كحركة النهضة من خلال تواصلكم مع الرئيس، أم أنّها تحليلات بناءً على تصريحات الرئيس؟

 

عبد اللطيف المكي: هي لا ترتقي إلى مستوى المعلومة، الخبر اليقين، لأنه معروف أنّ السيّد رئيس الجمهورية لا يُفصح أبداً عن نواياه الحقيقية، ولكنها قرائن.

 

محمد علوش: رغم العلاقة الطيّبة مع الأستاذ راشد الغنوشي؟

 

عبد اللطيف المكي: رغم العلاقة الطيّبة، لكن هذا الرجل ينتمي إلى جيل سياسي معيّن، هكذا أسلوبه، وأعتقد أنّه يتماشى بفتوى دستورية، أنه كرئيس جمهورية لا يجب أن يبدو منحازاً لهذا الطرف أو لذلك الطرف كي يستطيع مواصلة دور رعاية العملية السياسية، لأنه في السابق السيّد رئيس الجمهورية كان مبادراً بتغيير رئيس الحكومة السابق السيذد الحبيب الصيد على أساس ضعف النتائج الاقتصادية والتنموية، ولكن هذا لم يأتِ بنتيجة، لا أقدّر أنه سيكرّرها الآن. المهم هو تحريك السياسات وليس تحريك رئيس الحكومة.

 

محمد علوش: جميل. في التحليل السياسي، دكتور عبد اللطيف المكي، أي قارئ للأزمة السياسية وللبيان الذي صدر عن حركة النهضة، طبعاً الرئيس السبسي قال عندما سُئل عن إمكانية ترشّحه للانتخابات في العام القادم، قال إنّ الأمر سابق لأوانه، في حين في بيانكم طلبتم من حكومة الشاهد ألا يترشّح إلى الرئاسيات، وهو حق قانوني له بطبيعة الحال.

هل يُفهَم من هذا الكلام أنّكم تدخلون على خط الوساطة خوفاً من ترشّح الشاهد للرئاسة القادمة في حال بالفعل كان منافساً للسبسي؟

 

عبد اللطيف المكي: ليس لنا خوف من ترشّح السيّد الشاهد أو أية شخصية سياسية أخرى، كما أنّ السيّد الشاهد قد تعهّد في حوار سابق أنّه لن يترشّح إذا ترشّح السيد الباجي قائد السبسي رئيس الجمهورية الحالي. وبالتالي ليس هناك تخوّف لا من هذا الاحتمال ولا من هذا الاحتمال. المسألة تكمن في حماية الحكومة من المزايدات والاتهامات والضغوط على أساس أنّ سياساتها مبنيّة على رؤية انتخابية في 2019 بترشّح رئيس الحكومة، وهذا وإن كان حقاً دستورياً وقانونياً وأخلاقياً وسياسياً لأيّ مناضل سياسي وأي مواطن، فإنّه في باب التعاقدات السياسية يمكن أن يكون جائزاً من أجل تحقيق مصلحة هي تركيز الحكومة على المسألة الاقتصادية والتنموية، وسدّ باب الضغوط والمهاجمات والمزايدات، على أساس أنّ الأداء الحكومي هو مسكون بأجندة انتخابية.

 

محمد علوش: دكتور عبد اللطيف، المتابع لتصريحات النهضة ولأدائها أو لموقفها السياسي من حكومة السيّد الشاهد، يدرك بأنّها تدعمه بشكلٍ أو بآخر، تحت حُجّة حماية الاستقرار في الداخل.

السؤال الذي يطرح نفسه، وقد يكون غريباً لدى البعض، أنّه لماذا حتى اللحظة رغم كل هذه الأزمة السياسية، لا تزال تدفع حركة النهضة ببقاء هذه الحكومة؟

 

عبد اللطيف المكي: حركة النهضة ليست لوحدها المساندة لبقاء السيّد الشاهد مع تطوير السياسات وتطوير الفريق الحكومي. المخالفون لحركة النهضة هم الذين يعملون على تصوير أنّ النهضة وحيدة مقابل بقية المواقف من أجل الضغط على الحركة. العديد من المنظمات والعديد من القوى السياسية المشاركة في حوار قرطاج هي مع بقاء السيّد يوسف الشاهد، بل لا أكشف سرّاً إذا قلت إن نداء تونس ليس موحّداً في المطالبة برحيل السيّد رئيس الحكومة. هنالك فريق كبير مساند لبقاء رئيس الحكومة، ولو كان نداء تونس موحّداً في موقفه المطالب بذهاب رئيس الحكومة، لتحرّكت كتلته والتي تقارب الستين نائباً من أجل توقيع عريضة دستورية تطالبه بطرح مسألة الثقة، ولا ينقصهم إلا قرابة عشرة نواب، لأنّ الدستور يشترط 73 نائباً ولهم قرابة ستين نائباً، وهنالك من المعارضة من هو مستعدّ في دعمهم في ذلك، بل بدأ بتوقيع عريضة تطالب رئيس الحكومة بطرح مسألة الثقة. فلذلك موقف النهضة ليس هو الوحيد، بل بالعكس، هو الذي يعبّر عن ضمير التونسيين، ونحن أناس نأكل الطعام ونسير في الأسواق، ونخالط المجتمع ورجال الإدارة والفاعلين الاقتصاديين، هم يحدّدون الاستقرار على مستوى رئاسة الحكومة، مع تطوير السياسات تصبح أكثر جرأة في الإصلاحات وأكثر جرأة في محاربة اللوبيات ومحاربة الفساد. وأجزم لك أنّ جزءاً من اللوبيات هو وراء هذا الضغط الإعلامي الهائل من أجل رحيل الحكومة، والإتيان بما يسمّى حكومة تكنوقراط يمكن من خلالها إفراغ الديمقراطية التونسية من مضمونها السياسي ومن مضمونها الثوري.

 

محمد علوش: وبناءً عليه، هل وراء الأكمة ما وراءها؟

صحيفة الأخبار اللبنانية تنشر تقريراً اليوم عن اجتماع قصر قرطاج، والخلاف الدائر بين الرئيس السبسي من ناحية ورئيس حكومته، حيث سيتوجّه الأخير إلى تأسيس حزب جديد بحسب ما تقول الصحيفة. نشاهد معاً.

 

الأخبار اللبنانية: اجتماعات قرطاج تعود.... والأوراق (لا) تختلط

خلال حواره المتلفز مساء أمس الأول، قلب رئيس الجمهورية الطاولة مجدّداً على رئيس الحكومة، حين قال إنّ الوضع لا يمكن أن يستمرّ على ما هو عليه الآن لناحية التباين بين الأحزاب السياسية والمنظمات الوطنية حول الموقف من الحكومة.

وإذا استمر هذا الوضع، فعلى رئيس الحكومة يوسف الشاهد، من وجهة نظر الرئيس التونسي المخضرم، إما الاستقالة أو الذهاب إلى مجلس النواب لطلب تجديد الثقة. وهنا حشر قائد السبسي يوسف الشاهد في زاوية، إذ إنّه قد يُقدّر أنّ تغيير حركة النهضة لموقفها من الشاهد أكثر رجاحة من أن تتحوّل مطالبة اتحاد الشغل ونجله حافظ بتنحيته إلى مساندته، ولا سيما بعد محاولات سحب البساط من تحت نجله من قِبَل قيادات في نداء تونس تدعم بقاء الشاهد في منصبه.

الشاهد أصبح صاحب تكتيك سياسي، وحاول خلال الفترة الماضية كسب ودّ اتحاد الشغل من جديد عبر تلبية كل المطالب المركزية النقابية القوية في تونس. كذلك قبل الشاهد يوم السبت الماضي، استقالة وزيره للعلاقات مع البرلمان والهيئات الدستورية والمجتمع المدني مهدي بن غربية.

هذه الاستقالة ليست إلا تكليفاً بمهمّة، وإحدى الخطوات للتوجّه نحو تأسيس حزب سياسي يكون إطاراً لتحقيق الشاهد وبعض رفاقه في القصبة لطموحهم في مواصلة الحُكم.

 

محمد علوش: نشرك معنا إلى جانب الدكتور عبد اللطيف المكي، الأستاذ محسن النابتي وهو عضو المجلس المركزي للجبهة الشعبية في تونس. ينضمّ إلينا عبر الهاتف. أهلاً وسهلاً بك أستاذ محسن.

ابتداءً، كيف تقيّمون دعوة الرئيس السبسي لحكومة الشاهد إما إلى الاستقالة أو الذهاب إلى البرلمان لطرح الثقة، وما بين بيان حركة النهضة الذي أكّد على ضرورة إجراء الإصلاحات الاقتصادية، وتعهّد الرئيس الشاهد بعدم الترشّح للانتخابات في العام القادم؟

 

محسن النابتي: شكراً جزيلاً. تحية لك ولضيفك.

 

محمد علوش: أهلاً ومرحباً.

 

محسن النابتي: الحقيقة أنّ حوار الرئيس الباجي قائد السبسي أكّد المؤكّد، وحوّل التحليلات إلى معطيات واقعية، وهي أننا أمام صراع أجنحة ظاهري تُستعمَل فيه كلّ الإمكانيات وكلّ الأوراق المشروعة وغير المشروعة لتصفية هذه الأجنحة بعضها لبعض، بانتظار استحقاق الانتخابات الرئاسية 2019. في هذا السياق، كشف الرئيس عن كلّ ما يدور تقريباً من تحليلات وكان يمكن الائتلاف الحاكم، طبعاً اليوم نحن أمام حرب مفتوحة ومواجهة مفتوحة ما بين القصبة وما بين قرطاج حول من ينهي الآخر ويتقدّم كوريث لنداء تونس في انتخابات سنة 2019. طبعاً رئيس الدولة بإمكانه وعنده فصل دستوري هو الفصل 99، يمكن أن يقدم رئيس الحكومة إلى سحب الثقة، ولكن الصراع الآن يدور على ما بقي من الحزب، لأنّ كتلة حركة النهضة بمفردها لا تستطيع أن تؤمّن للشاهد المرور والأغلبية للبقاء في الحُكم. في المقابل، فإنّ جماعات نداء تونس والجماعات الجائلة حولها، هذه الجماعات تمسّي عند الباجي وتصبح عند يوسف الشاهد، إلى حدّ الآن غير مضمونة العواقب، ولا الرئيس له الثقة فيها ليجازف بدفع الشاهد في الفصل 99 للذهاب لسحب الثقة، ولا الشاهد نفسه مستعدّ الآن للذهاب إلى البرلمان لأنه لا يضمن هذه الجماعات، التي في جزء منها هي معه بإكراه ابتزاز ملفات الفساد لبعض النواب.

 

محمد علوش: أنتم في الجبهة الشعبية ممثَّلون في البرلمان، ولديكم أيضاً تحالفات مع أحزاب يسارية داخل البرلمان. ما هو موقفكم من دعوة الرئيس السبسي؟ وكيف تقيّمون تركيز حركة النهضة على ضرورة الاستقرار السياسي والأمني في البلاد نتيجة الاهتراء الذي تعيشه تونس حالياً؟

 

محسن النابتي: حقيقة في الأزمات تظهر الحقائق. نحن منذ البداية قلنا إنّ حركة النهضة آخر همّها أن يكون هناك استقرار حكومي، لأنه ما معنى أن يكون هناك استقرار حكومي والبلاد على حافّة الإفلاس، وما معنى أن يكون هناك استقرار حكومي والإرهاب يتضخّم، وما معنى الاستقرار، هل نحن نطمح إلى استقرار وطني أم إلى استقرار حكومي؟ لا معنى للاستقرار الحكومي، والاستقرار الوطني مفقود اجتماعياً واقتصادياً وأمنياً، والآن وُضِعنا تحت القيد المالي بزيارة ثمانية من الدائنين حدّدوا كل شيء، وأحاديثهم عن إصلاحات كبرى هي إصلاحات صندوق النقد الدولي، ومجرّد أعوان تنفيذ لا أكثر ولا أقلّ. موقف الجبهة الشعبية والقوى القريبة منها، ليست مؤثرة في البرلمان لحدّ أنها تستطيع أن تسحب الثقة من يوسف الشاهد أو تبقيه. طبعاً نحن مع رحيل هذه الحكومة لأنّها تقريباً لم تبقِ فشلاً إلا وارتكبته، ولم تبق موبقة في السياسة إلا وارتكبتها، ولكن ليس بأيدينا نحن فقط، أن تبقى أو أن تذهب. نحن قوى معارضة لم نعط الشاهد.

 

محمد علوش: تسمح لي، اتّضحت وجهة نظرك، لكن قبل أن أذهب إلى الدكتور عبد اللطيف، لا أريد أن أطيل الانتظار عليه، لكن الشاهد نفسه، السيّد الشاهد يقول إن سبب الهجمة التي يتعرّض لها حالياً هو لأنه فتح باب مكافحة الفساد في البلاد، لا سيما في الدولة العميقة.

تقديركم، إلى أيّ حد، أنتم خارج الحكومة لكنكم جزء أساسي في البرلمان، إلى أي حد بالفعل هو محق الشاهد في أنّ الحملة التي يتعرّض لها هي بسبب فتح ملف الفساد في البلاد؟

 

محسن النابتي: لا، الحقيقة، فتح الملف نحن لم نره بمعنى المقاومة للفساد، باستثناء بعض رجال الأعمال الذين منذ مدة تم توقيفهم بقضايا لها علاقة بأمن الدولة، وليس محدّداً بقضايا الفساد، وأعتقد اليوم الكتلة البرلمانية أو البرلمانيون الذين يدعمون يوسف الشاهد وأولهم رئيس كتلة نداء تونس المطلوب للعدالة بتهم فساد ترتقي إلى جرائم كبرى، تدلّل على أننا أبعد ما يكون عن مكافحة الفساد، والخطير الآن في ملف مقاومة الفساد هو استعمال ملفات الفساد للابتزاز السياسي، أن تكون معي يعني أنت لست فاسداً وأن تكون ضدي أفتح لك ملفات الفساد، وهذه كل الأطراف تستعملها وليس يوسف الشاهد، وهذه مكمن الخطوة، الآن أصبح الفساد وملفات الفساد هي جزء من الابتزاز السياسي وجزء من صراع الأجنحة داخل منظومة الحُكم، وهنا وصلنا إلى مرحلة الاستثمار في الفساد وليس مقاومة الفساد.

 

محمد علوش: كلام صريح وشفّاف وواضح. تسمعه دكتور عبد اللطيف مكي، ما قاله الأستاذ النابتي، أنتم تبحثون عن استقرار حكومي، استقرار سياسي للحكومة وليس عن استقرار وطني. الحديث عن الفساد لدى حكومة الشاهد المدعومة من قبلهم هو ابتزاز سياسي أكثر منه بالفعل مكافحة حقيقية للفساد.

 

عبد اللطيف المكي: لا يمكن أن نفرّق بين الاستقرار الحكومي والاستقرار الوطني لأن الحكومة هي التي تقرّر، هي التي تعيّن، هي التي تتّخذ قرار الحرب، وبالتالي لا يمكن الفصل بينهما وكأنهما متقابلان. نحن اليوم لا يفصلنا عن انتخابات 2019 إلا عام ونصف العام تقريباً أو أقلّ. لو غيّرنا رئيس الحكومة سنبقى شهرين أو ثلاثة في التفاوض حول البديل، ثمّ رئيس الحكومة الجديد يبقى يشكّل فريقه الحكومي شهراً أو شهراً ونصف الشهر، ثمّ عندما يدخلون في العمل، لا تمضي ثمانية أو تسعة أشهر وندخل في حمى الانتخابات من جديد. ولذلك، لا يمكن فصل هذا عن ذاك.

أما سياسات السيّد يوسف الشاهد بكاملها، سواء كان في مقاومة الفساد، أو في أي مجال آخر، نحن لدينا عليها انتقادات، وبإمكانكم أن تعودوا إلى جلسات البرلمان أثناء نيل الثقة أو خلال النقاش مع الحكومة، لدينا الكثير من الملاحظات، فمساندتنا لبقاء السيّد يوسف الشاهد على رأس الفريق الحكومي ليست تزكية لكل عمل الحكومة. بقي أننا نحن لا نقول أبيض أو أسود. من حقّ المعارضة الراديكالية أن تقول كله أسود لأنها تسعى إلى المراكمة الانتخابية. لكن نحن في صورة واقعية نقول هنالك نقاط إيجابية، هنالك نقاط سلبية، والإيجابية نسعى إلى دعمها والسلبية نسعى إلى تداركها. معروف أنّ البلاد تعيش ظروفاً اقتصادية صعبة، لكن لا يمكن أن ننكر أننا تقدّمنا جداً في مقاومة الإرهاب، ولا يعني حصول عملية هنا أو هنالك بعد مدّة زمنية طويلة أننا فشلنا في مقاومة الإرهاب، وهذا له تكلفة سياسية وتكلفة اقتصادية واجتماعية. ولذلك نحن بعد تثبيت السيّد يوسف الشاهد لدينا تعاقدات، يجب أن نتعاقد تعاقداً جديداً مع السيّد يوسف الشاهد، ويكمن هذا التعاقد في ضرورة الإصلاحات، والضراوة في مقاومة الفساد. نحن لدينا موقف واحد ومنسجم، نحن لا نأكل مع معاوية ونصلّي مع علي رضي الله عنه، في حين أنّ هنالك بعض القوى السياسية التي تفعل ذلك. إن كان في نداء تونس سلبيات وهي موجودة، فإنّ هذه السلبيات تعود على من زكّوه وشجّعوه على التأسيس، واحتضنوه لكي يصادموا به حركة النهضة. نحن تعاملنا مع نتائج انتخابات 2014، وأردنا أن نوجد أغلبية برلمانية تستطيع أن تقود البلاد ولا تتركنا هكذا في مهبّ الريح، ولا يعني هذا أننا نزكّي أخطاء هذا الطرف أو ذاك الطرف. الخطيئة الأولى هي خطيئة التأسيس.

 

محمد علوش: أيضاً الكلام واضح، سيّد النابتي، وكأننا نفهم أنّ هناك غمزاً من قناة بعض قوى المعارضة، التي كانت تريد بالفعل أن تقوّي نداء تونس للتصادُم مع حركة النهضة لأسباب أيديولوجية وليس لأسباب مرتبطة بالأداء السياسي، كونها حركة خارج إطار الحُكم الآن بشكل مباشر.

 

محسن النابتي: ما تطرّق إليه السيّد عبد اللطيف المكي مخزٍ لأنه حليفه هذا نداء تونس. نحن كنّا في المعارضة، وكانت حكومة عبد اللطيف المكي، اغتيل في عهدها اثنان من قادة الجبهة الشعبية، وتقاطعنا مع كل القوى الوطنية من أجل حماية تونس من المصير الأسود الذي كان ينتظرها. وعلى كل نحن تحالفنا مع نداء تونس تحت القصف وتحت الاغتيالات، في حين أن السيّد عبد اللطيف المكي محدّثك متحالف معهم في القصبة وتحت المكيّفات، وتحت إملاءات صندوق النقد الدولي. إذاً أرجو ألا نذهب في هذا المجال لأنه ليس في صالحه. اليوم الوضعية في البلاد، هناك من هو غير معني إلا بانتخابات 2019. يوسف الشاهد بالنسبة إلى حركة النهضة إذا تعهّد أنه لن يترشّح إلى انتخابات 2019، ووضع البلاد تحت الوصاية المالية للقوى الدائنة، فلا ضير في ذلك، فقط أن يخرج من سباق 2019، وهذا بيان حركة النهضة ليلة البارحة، والحديث عن الإصلاحات، الإصلاحات حق يُراد بها باطل. هذه الإصلاحات لا هي إصلاحات حركة النهضة ولا إصلاحات يوسف الشاهد ولا إصلاحات الباجي قائد السبسي وابنه. هذه إصلاحات صندوق النقد الدولي وكل من يدين لتونس، وهؤلاء ، وهذه الخطورة أن توضع بلادنا تحت القيود المالية، مثلما تمّ احتلالها في السابق مجرّد موظفين. اليوم موظفو صندوق النقد الدولي، يعلم السيّد عبد اللطيف المكي، يجبون مكاسب في القصبة وقرطاج، وكل مفاصل الدولة. عن أيّة إصلاحات يتحدّث؟ هو لم يحدّد شيئاً من الإصلاحات، وحتى تقارير لجنة الحريات التي يتبجّح بها الباجي حليفهم والذين يستمرون في التوافق معه، كتبها حرفياً، وهذا معروف بالوثائق، كتبها صندوق النقد الدولي وكتبها الاتحاد الأوروبي وغيرهما. إذاً البلاد تحت الوصاية الكاملة وهم يتحدّثون عن إصلاحات كبرى.

 

محمد علوش: جميل. سيّدي النابتي.

 

محسن النابتي: علينا أن نذهب إلى لبّ الموضوع. الموضوع، نحن مشكلتنا ليست يوسف الشاهد، هو مشكلة الذين أتوا به.

 

محمد علوش: ما هو لبّ الموضوع؟

 

محسن النابتي: المشكلة ليست مشكلة أشخاص، بل مشكلة خيارات هي التي أوصلت البلد إلى هذه الوضعية.

 

محمد علوش: سيّد النابتي، دعنا نستشهد برئيس حزب سياسي موجود أيضاً في تونس وهو عبد الوهاب الهالي رئيس حزب المجد، يقول إنّ ما طرحه الرئيس السبسي قد يكون مخرجاً آنياً للأزمة القائمة، لكنه لن يكون حلاً جذرياً لما تمرّ به البلاد. البعض يقول، وكأنّكم في المعارضة ليس لديكم إلا عملية تيئيس من كل ما يحصل في الداخل. لمّا كانت النهضة تحكم، كان هناك بؤس، اليوم خرجت النهضة وجاء نداء تونس، وهو في طرحه أبعد، أيضاً هناك بؤس. إذاً كيف يمكن لنا أن نخرج من هذا المأزق الذي تقع فيه البلاد؟

 

محسن النابتي: يا سيّدي الكريم، ليست الجبهة الشعبية من قالت إن البلاد تسير من السيّىء إلى الأسوأ، هذا رئيس الدولة، رئيس الدولة المتوافق مع حركة النهضة ورأس السلطة في البلاد قال الدولة تسير من السيّىء إلى الأسوأ، بصريح العبارة في حواره منذ 24 ساعة. ليست الجبهة الشعبية من اتهمت دوائر تحت الائتلاف الحاكم بالتواطؤ. ما معنى أن يقول رئيس الدولة إن إقالة وزير الداخلية وإقالة الكوادر الأمنية قد تكون سبباً في العملية الإرهابية الأخيرة؟ ما معنى أن يقول رئيس الدولة الجميع يريدون أن يكونوا رؤساء في 2019؟ ما معنى أن يقول رئيس الدولة إن نداء تونس يتعرّض لعملية تسريب ممنهجة؟ ما معنى أن يقول رئيس الدولة إن ميزانية الدولة لم يبق فيها شيء للتنمية؟ هذا كلام رئيس الدولة وليس الجبهة الشعبية. السؤال الذي أطرحه على السيّد عبد اللطيف المكي، أنتم كتبتم وثيقة قرطاج واحد، وقلتم هذه وحدة وطنية، ومن لم يشارك فيها استثنى نفسه من الوحدة الوطنية، وقبلنا نحن أن نكون خارج وحدتكم الوطنية. لماذا الآن تأتون لتكتبوا قرطاج 2؟ وما شكل هذا الجديد وأنتم بقيتم؟

 

محمد علوش: جميل. سؤال جوهري ومحدّد. نريد أن نسمع إجابة عليه لو سمحت.

 

محسن النابتي: ما هذا الذي تفعلونه الآن؟ وحدة وطنية؟ وحدة نداء ونهضة؟ هذه الإصلاحات الكبرى ما هي ماهيتها؟ ما هو موضوع سيادة البلاد المطروحة الآن على الطاولة؟

 

محمد علوش: سؤال سؤال سيّد النابتي، حتى نستطيع أن نصل إلى ثمرة لهذا الخلاف أو وجهات النظر مختلف. دكتور عبد اللطيف المكي، تفضّل.

 

عبد اللطيف المكي: المعروف أنه بعد الثورة هنالك قوى سياسية أيديولوجية سعت إلى تحشيد الجميع ضد حركة النهضة وضد الترويكا، وحصل مسار وتمّ تأسيس نداء تونس وتشكّلت جبهة الإنقاذ التي كانت جزءاً منها الجبهة الشعبية وغيرها من الأحزاب. وبعد انتخابات 2014 استمرت هذه الاستراتيجية وأرادت أن يستمرّ الاستقطاب في البلاد والصِدام. نحن تبنّينا خطاً سياسياً للحيلولة دون حصول الاستقطاب والصِدام في تونس، وهذا كان على حساب الأجندة التنموية، والجميع يتحمّلون فيها مسؤولية. من عمل من أجل الاستقطاب ومن عمل من أجل توظيف الإرهاب ومن عمل من أجل تجميع الجميع ضد حركة النهضة يتحمّل مسؤولية عدم التركيز على الأجندة التنموية، لأن الحيلولة دون حصول الاستقطابات والصِدامات التي تبنّتها حركة النهضة كان لها ثمن اقتصادي وتنموي، وهذا كنت أقوله شخصياً لقيادة الحركة التي لديّ انتقادات على كيفية إدارتها لعملية الوفاق، والتي لم تركّز أساساً على المسألة التنموية. ولذلك لا يحاولنّ البعض التنصّل من واقع صنعه وأردنا أن نعالجه حتى تبقى البلاد فيها شيء من الهدوء وفيها شيء من الاستقرار، وفيها نوع من النسبية في الخلافات بين الأحزاب السياسية، ولا يتحوّل إلى صِدام وإلى إقصاء. اليوم نحن صحيح أننا نشارك في الحُكم ولكننا لا نقود الحُكم. السيّد رئيس الجمهورية من نداء تونس. رئيس الحكومة من نداء تونس. رئيس البرلمان من نداء تونس. الوزارات الأساسية عند نداء تونس لأن غايتنا ليست قيادة الحُكم وإنما الحيلولة دون الصِدام ودون الاستقطاب، وهذا ما لم يفهمه الجميع. لو صحّحت بعض المعارضة مواقفها، وتحوّلت إلى أحزاب على أساس البرنامج وقبلت بالجميع، فهذا سيكون له تأثير على سياسات النهضة، وعلى المسألة التنموية.

 

محمد علوش: لو سمحت لي دكتور عبد اللطيف، جميل، طرحت حضرتك فكرة أساسية في ما يتعلق بالمعارضة، والمعارضة على أساس برنامج سياسي، وأن النهضة قدّمت الكثير خاصة أنّ لديها أكثرية في البرلمان.

سيّد النابتي، لا يفترض الآن تزكية أداء النهضة والعمل على غرارها للخروج من النفق السياسي؟

 

محسن النابتي: سيّدي الكريم، أولاً، طريف أن ينتقد السيّد عبد اللطيف المكي الأحزاب الأيديولوجية، والرجل إخواني والمتربّي في حضن الأيديولوجيا الإخوانية تقريباً لثلاثة أرباع عُمره، ولكن جيّد. أقول للسيّد عبد اللطيف، لو كان الموقف منكم أيديولوجياً لقبلنا أن ندخل الحكومة مع الحبيب الصيد، منذ الوهلة الأولى بعد 2014، وكنّا نحن ونداء تونس وبقية الأحزاب نشكّل أغلبية أكثر من 109، وتكونون خارج الحُكم، ولكننا عندما جلسنا مع الحبيب الصيد اشترطنا برنامجاً قبل أن نشترط أن تكونوا أنتم خارج الحُكم أو فيه، في الوقت الذي قبلتم أنتم أن تكونوا في الحُكم في أي ثمن وبأي شكل، وليذهب الجميع إلى الجحيم. في المقابل من هو الأيديولوجي؟ هل هي الجبهة الشعبية أم حركة النهضة؟ إذاً مسألة الأديولوجيا هذه مسألة تجاوزناها. نحن لنا فيهم برنامج وخلاف تصوّرات، نحن لدينا برنامج خلاف اقتصادي، بين من يريد الرهن وبيع المؤسسات، وأحيل السيّد عبد اللطيف المكي على الحوار الشهير في آب العام الماضي لرئيس حركة النهضة عندما تحدّث عن هذه الإصلاحات الكبرى والتفويت في المؤسّسات العمومية، والخصخصة، وكل ما يأتي به صندوق النقد الدولي والدوائر الدائنة. هذا جوهر الخلاف. ماذا يقول السيّد عبد اللطيف المكي ببيع المؤسّسات والمنشآت العمومية؟ ماذا يقول السيّد عبد اللطيف المكي في سياسات صندوق النقد الدولي وإملاءاته على تونس؟ ماذا يقول في المديونية؟

 

محمد علوش: تسمح لي سيّد محسن النابتي، أنا أشكرك أنك تساعدني حضرتك بتقديم الحلقة من خلال طرح الأسئلة الجوهرية على الدكتور عبد اللطيف المكي، لذلك أرجو أن تتفضّل بالبقاء معي. لن أطيل عليك الانتظار، إضافة إلى الدكتور عبد اللطيف المكي، لكن بعد فاصل قصير مشاهدينا. أرجو أن تتفضّلوا بالبقاء معنا.

 

 

المحور الثاني

 

محمد علوش: نجدّد بكم الترحيب مشاهدينا في حوار الساعة الذي نخصّصه للحديث عن الأزمة السياسية في تونس.

صحيفة الخليج الإماراتية اليوم في افتتاحيتها تتحدّث عن التحالف السياسي بين نداء تونس وحركة النهضة، مرجّحة أن يعمل السبسي، الرئيس السبسي على استبعاد النهضة من المشهد الحكومي المقبل، بعد فكّ تحالفه معها. نشاهد معاً. 

 

الخليج الإماراتية: تونس والأزمة السياسية

أدّت نتيجة الانتخابات إلى فوز حزبَي نداء تونس وحركة النهضة بأغلبية المقاعد النيابية، ما اقتضى تشكيل حكومة ائتلافية تضمهما، ولأنه لا رابط سياسياً أو اجتماعياً أو اقتصادياً أو ثقافياً يجمع بين هذين الحزبين، فإن الحكومات المتعاقبة ظلّت أسيرة توافق هشّ غير قادر على إدارة شؤون البلاد والعباد، وفشلت كل البرامج الحكومية في تلبية الحد الأدنى من المطالب الشعبية التي تفاقمت جرّاء الأزمات الاقتصادية والمالية التي فاقت المستويات المعقولة، ما جعل الحكومة، ولا سيما الحالية برئاسة يوسف الشاهد تطلب القروض من المؤسسات المالية الدولية للإيفاء بالحد الأدنى من الالتزامات الداخلية، وبذلك خضعت تونس لشروط قاسية ومُجحفة من قِبَل هذه المؤسّسات.

زواج المصلحة انفرط الآن، وتونس تبحث عن مخرج للأزمة السياسية، كي تصل بسلام إلى العام المقبل حيث الانتخابات الرئاسية والتشريعية. الرئيس الباجي قائد السبسي لم يعد يحتمل هذه المماطلة فجاهر أمس بمطالبة رئيس الحكومة بالاستقالة كي يتمكّن من تكليف شخص آخر غير الشاهد، وهو لن يكون في أية حال محسوباً على النهضة كي لا يتكرر الفشل، كما أن حزب نداء تونس لن يلدغ مرتين ويقبل بالتحالف مجدّداً مع النهضة بل سيسعى للائتلاف مع قوى أخرى يمكنها أن تؤمّن الثقة المطلوبة بحكومة خارج عباءة النهضة... فهل تنجح المحاولة؟

 

محمد علوش: عودة إليك دكتور عبد اللطيف المكي. طبعاً أكثر من سؤال كان مطروحاً على حضرتك قبل الفاصل، لكن يهمّني أيضاً في ما تقول افتتاحية الخليج، من أنّ الرئيس السبسي هو يجد الآن طريقة أخرى للتخلّص وفكّ التحالف مع حركة النهضة، لا سيما أنه كان ضغطاً شديداً أثّر على أدائه السياسي من خلال هذا التحالف، وهو دعوة إلى إقالة الحكومة أو إلى طرح الثقة فيها.

 

عبد اللطيف المكي: أولاً أعتبر أنّ مقال الافتتاحية في الصحيفة الإماراتية خاطئ ويستند إلى معطيات خاطئة. ليس هنالك انفراط لهذا التوافق الذي يقوم أساساً بين حركة النهضة والسيّد رئيس الجمهورية، سواء كان باعتباره رئيس الجمهورية أو مؤسّساً لنداء تونس سابقاً، هناك اختلافات لكن هنالك اتفاقات أيضاً، والجميع مقتنعون بضرورة الائتلاف من أجل استمرار قيادة تونس وإنجاح التجربة الانتقالية.

 

محمد علوش: إذاً لا قلق على التحالف بين نداء تونس وحركة النهضة حتى في قادم الأيام؟

 

عبد اللطيف المكي: لا أتصوّر ذلك، لا أتصوّر ذلك لأن الجميع له نسبة كبيرة من الواقعية، واليوم استمرار أغلبية حكومية يقتضي أن تنسّق النهضة مع النداء مع أحزاب أخرى، والسيّد رئيس الجمهورية يدرك ذلك، ولو كان مصرّاً على إقالة الحكومة لاستعمل حقّه الدستوري، لأنّ الدستور يعطيه الحق في أن يُجبر رئيس الحكومة على الذهاب إلى طرح الثقة بالبرلمان. بإمكان النواب سحب الثقة وعرض الثقة بعريضة، وبإمكان رئيس الحكومة أن يذهب إلى البرلمان ويطرح الثقة، وبإمكان رئيس الجمهورية بالقانون، بالدستور أن يرسل رئيس الحكومة، فلماذا لا يستعمل هذه الآلية؟ لأنه في تقديري غير مقتنع ولكن يريد أن يبقى في المنطقة الوسط.

 

محمد علوش: ربما خوفاً من التصادُم مع حركة النهضة في البرلمان، لأنه يحتاج إلى أصوات حركة النهضة.

 

عبد اللطيف المكي: يعرف السيّد رئيس الجمهورية أن حركة النهضة حركة مسؤولة، وقد عدّلت مواقفها في أكثر من مرة من أجل أن ينجح التوافق، لكن ضمن خط المصلحة الوطنية وخط المبادئ. أمر ثانٍ، ذكر مخاطبكم أنني إخواني، أولاً لو كنت إخوانياً لتشرّفت بذلك، لكن هذا خاطئ تاريخياً، والإخوان لا يعني أنني أتملّص منهم أو شيء كهذا، هم الآن حركة مضطهدة، سواء كانت أخطأت أم لم تخطئ، بغضّ الطرف عن أخطائها الكبيرة والصغيرة، تستحق التعاطف ولو كنت منتمياً للإخوان، فربما هذا أشرف من أن أنتمي إلى ستالين وبيريا وأنور خوجة وكل هذه الأدبيات التي محقت الإنسانية. أما عن موضوع صندوق النقد الدولي، هذه بلية مُبتلى بها عموم العالم العربي، أن تضطر الدول إلى الاقتراض، وصندوق النقد الدولي يشترط شروطاً. نحن لسنا مرتاحين لهذه الشروط، ولكن هنالك تعاقدات وهنالك قوانين. إصلاحات صندوق النقد الدولي جزء كبير منها نحن مقتنعون بها في تونس، لأنه لا يمكن أن تبقى الأوضاع الهيكلية للاقتصاد التونسي هكذا، لكن ضمن خيار اجتماعي يلتزم بحقوق المواطنين الاجتماعية والاقتصادية التي نصّ عليها الدستور، ومن الكذب القول اليوم بأنّ الحكومة فرّطت في المنشآت أو أن رئيس حركة النهضة دعا إلى التفريط في المنشآت. إلى اليوم، إلى اليوم، منذ الثورة إلى اليوم، لم يقع تفريط في أية شركة عمومية بتاتاً، وهنالك موقف واضح لا يمكن أن نفرّط في المنشآت العمومية، لكن لا بدّ من إصلاحية، لأنها تبقى وسيلة بيد الدولة من أجل تعديل الحياة الاقتصادية وضمان حقوق الناس، وأذكر أننا في الترويكا اضطررنا إلى دفع أموال كثيرة من أجل إنقاذ ثلاثة بنوك عمومية ورفضنا تماماً بيعها أو خصخصتها، رغم أن ذلك سيدرّ علينا ونحن في الحكومة أموالاً كان يمكن أن تغذّي الميزانية، رفضنا ودفعنا أكثر من 1300 مليون دينار تونسي من أجل إنقاذ البنوك العمومية، لأنها تبقى ذراعاً مالياً للدولة تعدّل بها الحياة الاقتصادية. هذا ما لا يريد أن يعترف به خصومنا الأيديولوجيون. الأيديولوجيا ليست شتيمة، ولكن عندما يختصر الإنسان نفسه في بُعد أيديولوجي، وينسى الأبعاد الأخرى الاقتصادية والتنموية والإنسانية والثقافية، هذه مشكلة، ولكن أنا أتشرّف بأنّ لي أيديولوجية.

 

محمد علوش: لا بأس، جيّد، هي ليست حلقة فكرية حتى نناقش الأيديولوجيا بأبعادها، لكن بما أننا نتحدّث في السياسة، واقترب أن نختم معك سيّد محسن النابتي، لاتصالك معنا طبعاً، أريد أن أسألك لأستفيد منك في مُعطيات وليس ردّاً على ما قاله الدكتور عبد اللطيف مكي. هل ترشّحون أحداً لرئاسة الحكومة القادمة؟ في الانتخابات المقبلة هل يمكن أن تدعموا الرئيس السبسي في حال ترشّح بالفعل لرئاسة الجمهورية؟

 

محسن النابتي: أولاً إسمح لي بثانية عن الأيديولوجيا. أنا أتشرّف بأنني قومي عربي، وهذه أيديولوجيتي وأعتزّ بها، وعلى كل عملية التنصّل من الإخوان المسلمين تؤكّد أن هؤلاء تهمة وفضيحة، وبالتالي تنصّل منهم عبد اللطيف المكي مشكوراً على ذلك ليثبت ذلك، وأنا لم أرد أن أدخل معه في سِجال، أذكّره بتخريب الصومال والسودان والعراق وسوريا واحتلال ليبيا وغيرها من قبل أيديولوجيته.

على كل، لنمرّ إلى ما طرحته. بالنسبة إلينا، لسنا معنيين بترشيح رئيس الحكومة، باعتبار أنه حتى الآن ما زالت الأغلبية والدستور يقول بأنّ الحزب الأول أو الفائز هو الذي يرشّح رئيس حكومة، ثمّ حتى يتفاهموا إن كانوا يريدون أن يأتوا بحكومة جديدة أو سيبقون على هذه الحكومة، وعلى كل المجلس المركزي يدرس مبادرة ليقدّمها إلى الرأي العام والقوى التقدمية، لعلّها تفتح أفقاً سياسياً بذلك.

بالنسبة إلى الترشيح، الجبهة الشعبية لن ترشّح أحداً لا السبسي ولا أي آخر على شاكلة السبسي من قوى اليمين. الجبهة الشعبية لها قيادتها، ستدرس إن كانت سترشّح من داخلها أو من خارجها الناس الذين يقيمون معها مشتركات فكرية وسياسية وفي الرؤية الاقتصادية وفي السياسة الخارجية وفي غيرها، وهذا سيناقَش في إبانه، ونحن غير معنيين بهذا الصراع الدموي، بهذا الصراع القذر.

 

محمد علوش: شكراً جزيلاً لك الأستاذ محسن النابتي عضو المجلس المركزي للجبهة الشعبية في تونس. وعودة إليك دكتور عبد اللطيف المكي، البعض يتساءل، يقول هل حركة النهضة عاجزة عن التوافق مع الرئيس السبسي على تسمية شخصية أخرى لرئاسة الحكومة، ولذلك هي متشبّثة به وتضخّم من إيجابيات هذه الحكومة على حساب السلبيات أو الإخفاقات التي وقعت فيها؟

 

عبد اللطيف المكي: لا، المسألة السياسية الآن وخصوصاً مسألة رئاسة الحكومة ليست مسألة ثنائية بين حركة النهضة ونداء تونس أو السيّد رئيس الجمهورية. هنالك أطراف أخرى تداخلت وبقوّة وبصورة مفاجئة، أساساً الاتحاد العام التونسي للشغل واتحاد الصناعة والتجارة وإن كان هذا الأخير عدّل من موقفه خلال الحوارات الأخيرة، ولذلك الموضوع لا بدّ من أن يقتنع الاتحاد العام التونسي للشغل بضرورة الموقف المشترك من نوع أن يبقى السيّد رئيس الحكومة مقابل استحقاق أو مقابل مطالب نقابية وأن يؤخذ برؤى الاتحاد في هذا المجال أو ذلك. من هنا تأتي بعض الصعوبة في صوغ موقف مشترك، ولكن أقدّر أننا تقدّمنا على عكس ما يظهر في الإعلام، تقدّمنا بشكل كبير باتجاه نهاية هذه الأزمة إن شاء الله. تبقى أزمة أخرى جانبية هي الوضع داخل نداء تونس، هذا يوكَل إلى أهل نداء تونس لمعالجته، لأنّ ما يعقّد هذه الأزمة هو الوضع داخل نداء تونس. ولو كانوا موحَّدين كما ذكرت في بداية الحلقة، كان بإمكان من يشكّل كتلة من 73 نائباً أن تقدّم عريضة لسحب الثقة من السيّد رئيس الحكومة وينتهي الموضوع. لماذا من يريد تغيير رئيس الحكومة يريد أن يغيّره بكتلة حركة النهضة؟ نحن ندافع عن موقفنا، ومن لديه رأي آخر فليستعمل الآليات الدستورية.

 

محمد علوش: على افتراض دكتور عبد اللطيف المكي، حصل نوع من الدعوة لطرح الثقة بالحكومة، كيف سيكون موقف كتلة حركة النهضة في البرلمان؟

 

عبد اللطيف المكي: ما لم تحدث تغيّرات أساسية، وأنت تعرف أنه في السياسة هنالك دائماً معطيات يجب أن تؤقلم أو تطوّر موقفك على حسابها، سنساند باستمرار الحكومة، مع تعديلات هنا وهناك في الفريق الحكومي، بحسب تقييمنا للأداء تقييماً موضوعياً. نحن نريد أن نؤسّس لثقافة سياسية تليق بالديمقراطية ولا نريد أن يتحوّل تغيير الحكومات إلى رياضة وطنية بين ظفرين. يكفي أننا غيّرنا موقفنا من السيّد الحبيب الصيد، رغم أننا كنّا غير مقتنعين بضرورة تغييره لأننا نعتبر أن المشكل هو في السياسات وليس في الفريق الحكومي، غيّرنا هذا مرّة أولى، لا يمكن أن نغيّر مرة ثانية لأسباب غير مقنعة تماماً.

 

محمد علوش: جميل. لكن لا من قياس مع الفارق، يقول البعض دكتور عبد اللطيف المكي، بين حكومة الشاهد وحكومة الحبيب الصيد، حكومة الصيد طبعاً اعترفت بإخفاقات وأيضاً طُرحت فيها الثقة في البرلمان وعلى أساسها تمّ تشكيل حكومة أخرى بناءً على وثيقة قرطاج. الآن كأنّ الأمور تُعيد نفسها من جديد.

 

عبد اللطيف المكي: لا، السيّد الحبيب الصيد ذهب إلى طرح الثقة في البرلمان عندما رأى أن حركة النهضة اتفقت مع نداء تونس ورئيس الجمهورية بضرورة تغيير السيّد الحبيب الصيد، رغم أن موقفنا الأصلي كان أنه يجب أن نغيّر السياسات، يجب أن تكون الدولة أكثر جُرأة في الإصلاحات الاقتصادية وفي محاربة الفساد، الذي هو فيه أبعاد اقتصادية وسياسية وجهوية إلى غير ذلك. فهذه المرة لا يمكن كذلك لأسباب غير مقنعة أن نغيّر رئيس الحكومة. لماذا لا يُصغى لنا نحن حركة النهضة الذين نطالب بتغيير السياسات وبجرأة أكبر في محاربة الفساد وبإجراء الإصلاحات الاقتصادية؟ هذا رأي وهذا رأي وإن وصلنا لاتفاق سياسي، فليكن. إن لم يكن، هنالك آليات دستورية بإمكان الجميع أن يستعملها وتستمرّ الديمقراطية، وهذا لا يفسد للودّ قضية.

 

محمد علوش: جميل. طبعاً دكتور عبد اللطيف المكي، في سؤال أخير، حركة النهضة بعد تجربة الترويكا كان لها حضور سياسي من خلف الأبواب، البعض يقول. حصلت انتخابات بلدية تصدّرت المشهد بين الأحزاب والقوى السياسية بعيداً عن المستقلّين. نحن مقبلون على انتخابات برلمانية ورئاسية. هل ستغيّر حركة النهضة من تكتيكها السياسي، وبالتالي قد تطرح أسماء لرئاسة الحكومة، للبرلمان، لرئاسة الجمهورية؟

 

عبد اللطيف المكي: نحن الانتخابات، رغم أننا نريد أن ندّخر هذا الوقت الذي يفصلنا عن موعد الانتخابات من أجل إنجازات حقيقية تجعل الشعب يرى النور، تجعل الشعب يرى أفقاً جديداً، وهذا ممكن لأنه فعلاً تعثّر الكثير من القطاعات هو رهين قرار سياسي جريء وليس رهين أموال إضافية أو أشياء أخرى، وعندما تأتي الانتخابات سنرى تقييم الشعب لنا، وأيّ موقع يعطيه الشعب لنا ووفقه  نتصرّف لكن مهما كان موقفنا في المعارضة أو في الحُكم، سنكون دائماً على ذمّة إنجاح التجربة الديمقراطية لأنه أن تكون معارضاً أو أن تكون حاكماً أنت مهم للبلاد والبلاد تستحق وجودك. هذه هي ثقافة حركة النهضة. لا نريد إقصاء الجميع بل نريد أن نجرّ الجميع بالرغم من رفضهم إلى ساحة العطاء وإلى ساحة الثقافة النسبية والثقافة الواقعية.

 

محمد علوش: شكراً جزيلاً لكم النائب عن حركة النهضة الدكتور عبد اللطيف المكي، كما نشكر الأستاذ محسن النابتي، كان معنا ضيفاً عبر الهاتف. نتمنّى طبعاً لتونس الخروج من الأزمة السياسية التي تمرّ بها.

وكلّ الشكر والتقدير لكم مشاهدينا على حُسن المتابعة. إلى اللقاء.