ليبيا حروب الجماعات والأجندات

عندما تحالفت الإرادات الغربية وحلف الناتو وفتاوى التضليل والتفجير لإسقاط الدولة الوطنية الليبية بتمويل نفطي عربي لم يكن في وارد المخططين الكبار الإنتقال بليبيا من وضعها السابق إلى وضع ديموقراطي لاحق زينوه للعرب والمسلمين ليضحكوا عليهم, وكان عراب ثورات التخريب والتدمير برنارد هنري ليفي يصول ويجول في ليبيا محرضا على التدمير الذاتي الممنهج الخطة كانت تقضي بتحويل ليبيا إلى غابة, إلى مستنقع للجماعات الإرهابية والظلامية حتى يتسنى للإستراتجيين الكبار الإضرار بالأمن القومي الجزائر والمصري وبناء قاعدة للقواعد الظلامية في المغرب العربي ... وإذا كان الغربي صريحا وواضحا في تبنيه مشروع تدمير الجيوش العربية والدول العربية إسعادا للكيان العبري, فإن ما يثير الشك هو قيام الوكلاء العرب العاملون بإمتياز لدى شركة وكالة الإستخبارات الأمريكية بالمساهمة في تمزيق ليبيا وتعضيد عوامل تمزقها فما هي حقيقة الجماعات في أرض المختار, وإلى متى تظل هذه الأرض الضاربة في التاريخ والجغرافيا تخضع لأجندات من لا تاريخ لهم ولا جغرافيا.

 

يحيى أبو زكريا: حياكم الله وبياكم وجعل الجنة مثواكم.

عندما تحالفت الإرادات الغربية وحلف الناتو وفتاوى التضليل والتفجير لإسقاط الدولة الوطنية الليبية بتمويلٍ نفطيّ عربي، لم يكُ في وارد المخططين الكبار الانتقال بليبيا من وضعها السابق إلى وضعٍ ديمقراطيٍّ لاحق، زيّنوه للعرب والمسلمين ليضحكوا عليهم، وكان عرّاب ثورات التدمير والتخريب برنار هنري ليفي يصول ويجول في ليبيا محرّضاً على التدمير الذاتي الممنهج، وكان الكثير من الليبيين يستقبلونه كما لو أنه عمر المختار بُعِث مجدّداً في المشهد الليبي، مع فارقٍ كبير وصاعق بين طهارة الأحرار وعلى رأسهم المختار، ونجاسة الخونة العملاء والمدمّرين للأوطان وعلى رأسهم برنار.

الخطة كانت تقضي بتحويل ليبيا إلى غابةٍ ومستنقعٍ للجماعات الإرهابيّة والظلاميّة حتى يتسنّى للاستراتيجيين الكبار الإضرار بالأمن القوميّ الجزائريّ والأمن القوميّ المصريّ، وبناء قاعدة للقواعد الظلامية في المغرب العربي. وإذا كان الغربيّ صريحاً وواضحاً في تبنّيه مشروع تدمير الجيوش العربية والدول العربية إسعاداً للكيان العبريّ، فإنّ ما يثير الشكّ هو قيام الوكلاء العرب العاملون بامتيازٍ لدى شركة وكالة الاستخبارات الأميركيّة بالمساهمة في تمزيق ليبيا وتعضيد عوامل تمزّقها. فدولة خليجية تدعم التكفيريين والقاعدة وداعش، وأخرى خليجية تدعم العلمانيين ومن يسبح في فلكها بحثاً عن حفنةٍ من الدولارات. وباتت غرف العمليات التي تساهم في تعميق الأزمة بليبيا تدار من بعض الدول الخليجية والتي بدورها تتحرك بالإيعاز الأميركي.

فما هي حقيقة الجماعات في أرض المختار؟ وإلى متى تظلّ الأرض الليبية الضاربة في التاريخ والجغرافيا تخضع لأجندات مَن لا تاريخ لهم ولا جغرافيا؟

"ليبيا حروب الجماعات والأجندات" عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش من الجزائر الحبيبة الدكتور زهير بو عمامة أستاذ العلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية ونائب رئيس جامعة تيبازة، ومن تونس الحبيبة الأكاديمي والباحث والمحلّل الأستاذ عز الدين عقيل، الأكاديمي الليبي طبعاً.

مشاهدينا مرحباً بكم جميعاً.

أستاذ عز الدين عقيل، دعني أبدأ معك من تضاريس الحركات الإسلامية المسلحة في ليبيا. صحيح، قبل عهد العقيد معمّر القذافي، كانت موجودة، الجماعة الإسلامية المقاتلة الليبية، بعض الجماعات الأخرى، حزب التحرير، لكنها اليوم تكاثرت بشكلٍ فظيع. طبعاً أشير هنا إلى كتاب "الحركات اﻹﺳﻼﻣﻴّﺔ اﻟﺤﺪﻳﺜﺔ ﻓﻰ ﻟﻴﺒﻴﺎ: ﻣﻨﻄﻠﻘﺎﺗﻬﺎ، مآلاتها، قياداتها"، لمحمود الناكوع.

السؤال، كيف فرّخت هذه الحركات المتشدّدة، القاعدة، داعش، جماعات أخرى، وأنت أدرى بها، من ذا الذي مكّن لها وموّلها وأراد أن تكون أعمدةً ثابتةً في المشهد الليبي؟

 

عز الدين عقيل: صباح الخير دكتور يحيى لك ولضيفك الكريم.

 

يحيى أبو زكريا: أهلاً وسهلاً.

 

عز الدين عقيل: وكذلك لكل السادة متابعي برنامجك الناجح والمتألّق دوماً، والذي أتمنّى له دوام التوفيق.

بدايةً أخي يحيى، في تصوّري أنّ هذا الوضع المؤلم والمرير والذي تمر به ليبيا اليوم، شارك في صناعته الجميع، بما فيهم الدول العربية وبما فيهم دول الجوار التي أعطت ظهرها لليبيا، حتى تلك التي شاركت الليبيين عندما كانوا في أسوأ حالات الفقر في جهادها ضد الفرنسيين، هي أيضاً أعطت ظهرها لليبيين ولم تقم بالدور الذي كان يتوقع منها في حماية ليبيا خلال تلك الفترة، سواء من خلال لعب دور يمنع الناتو من التحرّك بذلك الشكل الواسع، خاصة عندما أثبت أنه خالف كثيراً القرار 1973 وبدأ يقتل القوات التي كانت في معسكراتها ولم تكن في مواجهة مع المدنيين كما يقول نص القرار، وأيضاً كان يستهدف قوات الشرطة وأيضاً كان يستهدف جيوشاً كانت في حال تأهّب في أماكن معينة لا علاقة لها أيضاً بمواجهة المدنيين، وأيضاً وصل إلى اغتيال السياسيين، وأيضاً وصل إلى تدمير البنية التحتية للدولة بشكل كامل حتى أن ليبيا اليوم لا رادار فيها، إلى درجة أنه سقطت طائرة مروحية في المياه الليبية في منطقة الهلال النفطي فلُجئ إلى الرادارت المالطية لكي نرى إذا ما كانت قد سجّلت بعض الإشارات التي يمكن أن تكون قد صدرت عن هذه الطائرة من حيث طلب استغاثة أو غيره، بالإضافة إلى تدمير كامل للأسطول الجوي العسكري الليبي، وكذلك تدمير زوارق، ستّ زوارق مرتفعة الثمن كانت فرنسا التي دمّرت هذه الزوارق تعلم تماماً أنها غير صالحة للعمل أصلاً، وأن وزارة دفاعها استلمت طلباً من الليبيين، طلب صيانة لهذه الزوارق التي كانت معطّلة ولم تكن قادرة على الدخول في حال حرب حقيقية.

هناك دول جوار أدخلت الأسلحة إلى ليبيا، هناك دول سمحت بعمل أشخاص عسكريين وغيرهم، دول عربية طبعاً على أرضها، أنا أتحدّث الآن عن الدول العربية الصديقة، لا أتحدّث عن الدول العربية الإقليمية البعيدة التي ربما هي مكلّفة لأن تعمل كمخالب لأطراف أجنبية أكبر منها. أنا أتحدّث الآن عن دول كانوا أعضاء في جبهة الصمود والتصدّي، دول لطالما أصمخت الآذان بقصة الانتماء القومي والدفاع عن الحقوق العربية وإلى آخره.

وبالتالي وصلنا إلى هذا الحل، وما إن انهارت سيادة وهيبة الدولة بشكل كامل حتى باتت ليبيا مسرحاً لكل شيء، وفي تصوّري عندما نصل إلى هذه النقطة، الحال الليبية التي نعيشها اليوم، أعتقد أنها أول حرب أهلية أو أول نزاع مسلح على السلطة يصنَّع في معامل الغرب بكل ما في الكلمة من معنى. أنا شخصياً تعلمت في كتبهم النصيحة بضرورة تجنّب السقوط الحر للأنظمة، لأن السقوط الحر للأنظمة ليس أمامه إلا المصائب وليس أمامه إلا انتشار مروّع للفوضى يمكنه أن يمتد حتى إلى الجوار ويخرّب كلّ ما يجد بطريقه، لكن للأسف الشديد الغرب كان يعرف تماماً أنه كان يصنع فوضى، الغرب كان يعرف تماماً أنه يريد صناعة حالة من العنف التي يمكن فعلاً التحكّم بها وتصديرها أينما شاء، وكذلك ربما، نتيجة التقاطع في المصالح ما بين الجماعات الإرهابية المتطرّفة وبين أجهزة المخابرات، إنما أرادوا مختبراً يمكنهم أن يجربوا فيه كيف يمكن تهجين هذه الجماعات المتطرّفة، وكيف يمكن إخراج أجيال جديدة منها بحيث يضمنون استمرار تدفّقها وتنوّعها واختلافها وتغيّرها. طبعاً فكرة الإرهاب، فكرة الاعتماد على العنف والتكفير والقتل يجب أن تكون هي الفكرة المركزية، ولكن ربما ببعض الاختلافات الأخرى، بما فيها إيجاد تصادم نفسه بين هذه الجماعات. نحن نعرف أنه في درنة، جماعات القاعدة التي يقاتلها الجيش اليوم والتي أعتقد أنه انتهى منها تماماً، هي التي قاتلت جماعات داعش التي هاجمت درنة وحاولت أن تبقى فيها وقاتلتها وطردتها. هذا معناه أن هذه الأجيال الجديدة من الجماعات المتطرّفة إنما هُجّنت وطعمت بجينات يمكنها فعلاً أن تظهر بها بصور مختلفة عن مثيلاتها، ولكن مع الإبقاء على الجوهر الأساسي للجماعات المتطرّفة، وهو التكفير والقتل ومعاداة الأنظمة واختزال رجلَي الشرطة والجيش برجلَي الطغيان في أيّ نظام من الأنظمة واستهدافهم بكل السبل وكل الطرائق.

أعتقد أنّ هذا هو مجمل ما جرى في ليبيا، وأعتقد مجدّداً أنّ الدول العربية شاركت بشكل كبير وكبير جداً، الدول العربية بكلّ توجّهاتها، سواء تلك التي كانت تطبّل ليلاً نهاراً للقيم القومية وللوحدة العربية وللوفاق العربي وللسوق العربية المشتركة، أم تلك التي كانت تسير بركاب الغرب وكانت تعمل مخالباً له منذ نعومة أظافرها.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ عز الدين، قد أفهم أن تعمل أميركا على دكدكة الأمن القوميّ الليبيّ، قد أفهم أن تعمد فرنسا ساركوزي الذي يُلاحَق الآن بتهمة أخذ رشى من النظام الليبي السابق.

 

عز الدين عقيل: 50 مليون يورو، أخي يحيى.

 

يحيى أبو زكريا: أن تعمل فرنسا أيضاً على الإساءة للأمن القومي الليبي، لأنّ ليبيا بكل صراحة كانت رايةً عروبيةً مقاومةً، كانت تتصدى للاستعمار الغربيّ، هذا يقرّه الجميع، الذين كانوا يوافقون العقيد معمّر القذافي أو لا يوافقونه. لكن ما دخل بعض الدول الخليجية حتى في قتل العقيد معمّر القذافي؟ أنا لا أفهم كيف تتدخّل دول خليجية بعينها في قلب المعادلة الليبية من الأمن المطلق إلى الفوضى المطلقة.

 

عز الدين عقيل: في تصوّري، ليست هناك سياسات محدّدة لهذه الدول، أعتقد أنّ عدداً منها عمل ويعمل ليكون مقاولاً في المنطقة لتحقيق غايات وإرادات وربما أوامر أجنبية. أعتقد أنّ طبيعة الحماية لهذه الدول أو لحكوماتها في دولها من الداخل يعكس تماماً حجم تأثير القوى الخارجية عليها، ورأينا كيف أنّ ترامب بات يبتزّ الجميع، واستطاع فعلاً أن يجد عوامل حقيقية يمكنه من خلالها أن يبتزّ هذه الدول التي سرعان ما استجابت له، ما يعني أن هذه العوامل هي فعلاً عوامل موجودة وفعلاً عوامل قوية وفعلاً أن سيّد البيت الأبيض يستطيع أن يقلب الكثير من الأنظمة إذا ما شاء ومتى ما أراد. وبالتالي أعود وأقول دكتور يحيى بأن هذه في البداية هي إرادة غربية، إرادة غربية أعتقد أن خلق الفوضى، وهذه تحدّث عنها بريجنسكي في تقرير مطوّل عندما جاء أول رئيس لمجلس الأمن القومي في الولايات المتحدة، هذا الرجل اقترح ضرورة وجود بؤرة فوضى وضروري من رفع منسوب هذه الفوضى إلى أعلى مستوياته إذا ما أردنا تفكيك هذا الشرق الأوسط الجديد الذي اكتشفوا بأنه ربما لم يلائم مصالحهم وفقاً لتخطيطه القديم، وإعادة تشكيل وإعادة خارطة هذا الشرق الأوسط من جديد، الذي اقترح بريجنسكي أنّ من أفضل الأوجه التي يجب أن تكون عليها لمصالح الولايات المتحدة وإسرائيل هي أن تقوم على دويلات طائفية ودويلات عرقية، وبالتالي هم يريدون أو يخططون الآن لأن يكون السنّة في دولة والشيعة في دولة والكرد في دولة والأمازيغ في دولة والطوارق في دولة وربما غيرهم في دولة، ويمكن لهذه الدول من خلال الصراعات التاريخية بين الطوائف وبعض هذه الإثنيات أن نشعل بينها حرباً متى ما أردنا ومتى ما شئنا، ويمكن أيضاً لإسرائيل أن تسوق هذه الدويلات كما ولو كانت غنماً كما شاءت، وبالتالي هم اتجهوا إلى صنع هذه الفوضى واستغلوا كل الدول العربية لبالغ الأسف وكل الكيانات الإقليمية العربية التي سرعان ما جرت إلى مجلس الأمن واستقوت به ضد ليبيا من دون أن تبذل أيّ جهد في إيجاد حل سياسي، حتى الحلّ السياسي الذي حاول أن يقوم به عدد من القادة الأفارقة، وعلى رأسهم الرئيس الجنوب إفريقي قبل أن يصلوا بأيام، حُوّل القذافي إلى محكمة الجنايات الدولية لكي يُمنَعوا كلياً من الوصول لأي حل، وكذلك قُرّرت منطقة الحظر الجوي التي جعلت طائرتهم تحتاج إلى إذن حتى تصل إلى ليبيا، وما إن وصل هذا الإذن لهم حتى كانت الآلة الغربية قد تحركت نحو الرؤساء الأفارقة الذين كانوا مع الرئيس الجنوب إفريقي، ووُجّهت لهم من التهديدات ما يكفي لكي تكون تلك الزيارة مجرّد زيارة مجاملة وذرّ رماد في العيون وعدم تقديم أية مقترحات حقيقية يمكنها أن تحرج العالم الغربي في اتخاذه لقرار الاستمرار في الحرب.

 

يحيى أبو زكريا: أرجو أن تبقى معي.

دكتور زهير بو عمامة، دعني أعرف موقف الجزائر من الأحداث في ليبيا، وهل ترون تبعثر الأسلحة في ليبيا، حيث يوجد حسب تقديرات غير رسمية ثلاثة ملايين قطعة سلاح في ليبيا، هل تعتبرون الجماعات الأصولية المسلحة في ليبيا تهدّد الأمن القومي الجزائري؟

 

زهير بو عمامة: أولاً شكراً لكم دكتور يحيى على هذه الاستضافة الكريمة في برنامجكم الناجح، وتحيّة لك، تحيّة شخصيّة من الجزائر التي نعلم أنّك تحبّها وهي أيضاً تحبك.

 

يحيى أبو زكريا: بوركت.

 

زهير بو عمامة: قبل الرد على سؤالكم دكتور يحيى، دعني أزيد على ما قال ضيفك الكريم من الشقيقة تونس، بأننا ندرك أن هناك استراتيجيات وضعت لأجل المنطقة، خصوم وأعداء المنطقة وأطراف حتى من داخل المنطقة، منذ أمد طويل، وهي تعمل على إرباك المنطقة، ودعني هنا على الأقلّ أشير إلى مقاربتين تُستعمَلان كمنطلق للعمل تجاه هذه المنطقة.

المنطلق الأول هو نظريّة الحروب الخامسة التي نشأت، ونُظّر لها داخل أروقة البحرية الأميركية عند استراتيجيي البحرية الأميركية بداية من سنة 1989 والقائمة على الافتراض التالي، أنّ الحروب القادمة التي طبّقوها في ما بعد، بعد أن استوت النظرية بشكل كامل، يجب أن تقوم على التالي، إحداث بيئة تحصل فيها المواجهة بين المجتمعات من جهة وبين الدول القائمة من جهة أخرى بشكل يحدث الفوضى، يحدث الفراغ، ويسمح لهم في مرحلة لاحقة بأن يأتوا، بأن يتدخّلوا ويستعملوا في ذلك مبرّرات كثيرة، طبعاً أهدافها هي تحقيق مصالحهم الواضحة والكثيرة والمعلنة في المنطقة، ومن بين أدواتها الاعتماد على هذه المجاميع، على هؤلاء الذين بسبب قلة الوعي وبسبب الانخراط الواعي أيضاً لبعضهم في هذه الأجندات، أستاذ يحيى كما ذكرت في مقدّمتك الطيبة، مكّنوا لهؤلاء من الولوج والنفاذ إلى بعض الدول التي لم تكن، للأسف أيضاً علينا أن نعترف، على درجة من تحصين الذات لأسباب كثيرة.

المقاربة الثانية هي ما وردت عند ما أسميته كما هو شائع، عرّاب هذا الذي وقع على الأقل في ليبيا، برنار هنري ليفي، كتب كتاباً دكتور يحيى إسمه "الحرب التي لا نحب"، وتقريباً أعاد فيها بشكل آخر طرح هذه النظرية، كيف أنّ هناك مجموعة من الدول التي غير متساوقة في خياراتها الاستراتيجية، في توجّهاتها الكبرى، التي حافظت إلى حدٍ ما على استقلالية قرارها الخارجيّ تجاه قضايا المنطقة، وفي تعاملها مع الأطراف الأخرى، هذه الدول يجب أن تفكَّك من الداخل، يجب أن تُحدَث فيها أزمات، تتحول شيئاً، تبدأ ثم تنفلت حتى لا تنتهي، وبعد ذلك يسهل التلاعب بها ويسهل حتى تفكيكها وتحييدها عن كل سياسات المنطقة وإلهاؤها وإرباكها بشكلٍ طبعاً كما هو معلوم، يجعل الثقل السياسي في المنطقة لدول أخرى لم تكن في الماضي القريب أستاذ يحيى لديها أدوار تُذكَر تقريباً، والجميع طبعاً يعرف هذه الأمور، في صناعة القرار في المنطقة. الآن للأسف بعد تحييد هذه الدول وبعد تفكيك بعضها وتمزيق بعضها، نرى بأن بعض الدول الأخرى أصبحت في الواجهة، في الصف الأول، وأصبحت تتحرّك، وتتعامل وكأن قرار المنطقة بيدها هي، وهي فقط.

بالنسبة لسؤالك أستاذ يحيى عن موقف الجزائر.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور زهير، قبل أن تجيبني إذا سمحت، سأمضي إلى فاصلٍ قصير وأعود بعيده إليك مباشرةً، إذا سمحت ضيفي العزيز.

مشاهدينا فاصل قصير ثم نعود إليكم فابقوا معنا.

 

كتاب "الحرب دون أن نحبها: يوميات كاتب في قلب الربيع العربي"

في كتابه "الحرب دون أن نحبها: يوميات كاتب في قلب الربيع العربي"، يطرح برنار هنري ليفي نفسه كشاهد عيان عايش الأزمة الليبية لأكثر من ستة أشهر مكّنته من التنقّل بين بنغازي وباريس ونيويورك والقدس والقاهرة وطرابلس مجسّداً الموقف الأوروبي والفرنسي، ولا سيما من الحرب التي وضعت حداً لحكم معمر القذافي وأعطت للرئيس ساركوزي الذي لا يشاطره التوجّه الأيديولوجي على حد تعبيره القوة التي كان في أمسّ الحاجة إليها داخلياً وخارجياً.

إن كتاب ليفي وثيقة هامة، وفيها يقول "لقد شاركت في الثورة الليبية بدافع يهوديتي. لقد قمت بذلك رافعاً راية وفائي لإسمي وللصهيونية ولإسرائيل. مددت يد العون لحركات التحرر في بنغلاديش وجنوب السودان وأفغانستان والبوسنة وليبيا. وها أنا أمد يد العون مجدّداً للمعارضة السورية". برنار هنري ليفي.

 

 

المحور الثاني

 

كتاب "الدولة الإسلامية في ليبيا، الجهات وعوامل الصراع"

يؤكد مؤلف الكتاب أودي توماس أن تنظيم داعش في ليبيا يتبنّى الأيديولوجية السلفية الجهادية التي تعود نشأتها الأولى إلى سوريا والعراق، وقد ظهر هذا الفرع المسلح في الرابع من أبريل (نيسان) عام 2014 تحت إسم مجلس شورى شباب الإسلام. ومنذ ذلك الحين، بدأ هذا التنظيم في السيطرة على قطاعاتٍ ثلاثة تغطي معظم الدولة الليبية، ولاية طرابلس، ولاية فزان، ولاية بارسا، هذا بالإضافة إلى وجود التنظيم بشكل قوي وفاعل في مدينة سرت.

الكتاب يكتسب أهمية خاصة ليس فقط لأنه تعرّض لمنطقةٍ شائكةٍ إلى حدٍ كبير، لكن أيضاً لأن مؤلف الكتاب توماس متخصّص في هذه المنطقة وتتركّز أبحاثه ودراساته حول منطقة الساحل الأفريقي وشمال أفريقيا والشرق الأوسط التي تمرّس فيها واكتسب خبرات مهنية وعملية متنوّعة عن طريق وزارة الدفاع الفرنسيّة.

ويرى المؤلف أنّ سقوط نظام القذافي من جانب والطبيعة القبلية للمجتمع الليبيّ وما صاحبه من صراعاتٍ محلية على السلطة من جانبٍ آخر، قد أحدث فراغاً سياسياً كبيراً أدّى بدوره إلى حدوث حال من الفوضى، وجد فيها تنظيم داعش ملاذاً جيّداً وآمناً له إلى حد كبير وكذلك الجماعات المرتبطة بالقاعدة، بل جعلت هذه التنظيمات ولا سيما تنظيم داعش من اتّساع مساحة وجودها في ليبيا هدفاً استراتيجياً لها وهي مهمة أضحت سهلة أمام التنظيم في ضوء اكتفاء حكومة الوفاق الوطني الليبية بالعمل على بسط نفوذها فقط على منطقة طرابلس.

ويؤكد توماس أنه وفقاً للتقديرات، فإنّ عدد أعضاء تنظيم داعش في ليبيا يتراوح ما بين ستة وعشرة آلاف مقاتل يقاتلون هناك تحت عباءة التنظيم، لكن الشيء المؤكّد أنه لا توجد إحصائية حول العدد الدقيق للتنظيم في ليبيا، غير أن هناك استراتيجية أساسية للتنظيم تكمن في الزحف نحو منطقة الهلال النفطي الليبي لزعزعة استقرار تمويل الدولة الليبية التي تعتمد كثيراً على عائدات الموارد النفطية.

وفي سياقٍ مختلف، يكشف المؤلف النقاب عن نوايا تنظيم داعش في ليبيا في استخدام الأراضي الليبية قاعدةً خلفيّةً لزعزعة استقرار تونس ومصر من خلال تنفيذ عملياتٍ إرهابيّةٍ كثيرة في أماكن متفرّقة، هذا بالإضافة إلى استهداف السياح هناك، وما يمثّله من رسالةٍ مهمّة، مفادها تهديد النطاق الإقليمي، والتأكيد أنّ أوروبا ليست ببعيدةٍ عن مدى ونطاق عمل التنظيم الإرهابيّ. بالإضافة إلى ذلك، فنتيجة الفراغ الأمني والسياسي الذي تشهده الأراضي الليبية، فقد بدأ التنظيم بالفعل في استخدام الأراضي الليبية في تدريب العناصر الإرهابية، ولا سيما المقاتلون الأجانب القادمون من أوروبا، ولذلك يؤكد المؤلف أنّ أهمية تكثيف المبادرات الدولية لإنهاء حال الفوضى التي تحياها ليبيا من أجل محاصرة تنظيم داعش.

 

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلاً بكم من جديد. من أدرك حلقتنا الآن، نحن نعالج الملف الليبي بتعقيداته وتضارب الأجندات في ليبيا الحبيبة.

دكتور زهير بو عمامة، ذكرت الجزائر، وأوقفتك، وحُقّ لي أن أقف لأنه عندما تُذكَر الجزائر نقف ونتوقّف. هلا أكملت فكرتك رجاءً؟

 

زهير بو عمامة: شكراً دكتور يحيى. بالنسبة لسؤالكم بخصوص موقف الجزائر وكيف ترى ما يجري في جارتها الشقيقة ليبيا، أعتقد أنه من المعلن والمعروف بأنّ الجزائر منذ بداية الأزمة كانت تحذّر ممّا كانت تدرك أنّه من مآلات ما كان يخطَّط لهذا البلد الشقيق.

طبعاً الجزائر قالت بأنّ تغيير النظام، تغيير السياسات في دولة ليبيا أو أية دولة أخرى يجب أن يكون شأناً داخلياً للأشقاء الليبيين، ولكن أن يحدث ما حدث كنتيجة، أو تطبيقاً لأجنداتٍ كما سبق وأوضحنا في البداية، لأطرافٍ نعلم جيّداً ما الذي تريده للمنطقة، فالجزائر كما يعلم الجميع لديها ثابتٌ من ثوابت سياستها الخارجيّة، وهي التوجّس ورفض كلّ تدخّلٍ خارجي في شؤونها أولاً، وحتى في الحزام الذي يشكّل الدول المحيطة بها، كلّ العمق الاستراتيجي للجزائر، أي تحرّك أجنبي خارجي بأجندات نعرفها جيّداً. وهنا إسمح لي دكتور يحيى، أشير إلى مسألة مهمة، للجزائر خبرة كبيرة جداً في التعامل مع القوى الأجنبية. نحن كانت لدينا ثورة ضد هؤلاء، نحن قاومنا في حرب شرسة ضد أيضاً الإرهاب في فترة معينة، نحن لدينا أيضاً بنك معلومات، لدينا تجربة تجعلنا نتعامل مع هذه السياسات، مع ما يجري في المنطقة بشكل أزعم أنه على دراية، على معرفة، على وعي، على نضج سياسي وجيو سياسي. لذلك قلنا لهذه الأطراف بأن الذي تفعلونه في ليبيا سوف يفتح أبواب جهنم ليس فقط على هذه الدولة، إنما على كل المنطقة بل حتى عليكم أنتم، والآن هم يعترفون ويقولون كيف أنّ ظاهرة الهجرة، وقوارب الموت التي تقترب إلى حدودهم الشمالية، أيضاً كان للأزمة ولا زال للأزمة الليبية دور كبير جداً في استدامتها. لذلك أيضاً من منطلق أمنها القومي.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور زهير، استكمالاً لدور الجزائر ودور الجزائر لا يخفى على أحد، لكن وجّهتم خطاباً لفصائل الذبح في ليبيا والمتناحرين في ليبيا، ماذا عن العوامل الدولية والإقليمية التي ساهمت في ذبح ليبيا؟

ما هو موقف الجزائر من فرنسا، التي هي عدوّة تاريخية وجذرية وحضارية للجزائر؟ ما هو موقف الجزائر من قطر، من الإمارات العربية المتحدة؟ هذه مكوّنات تلعب بالأمن القومي الليبي، فماذا تقولون فيها دكتور زهير؟

 

زهير بو عمامة: تماماً دكتور يحيى. أولاً ندرك مسألتين، أنّ ليبيا في وضعها المأساوي الآن أصبحت للأسف الشديد ساحة مستباحة لدول الإقليم كما لدول كثيرة ذكرت بعضها قبل قليل. هناك تنافس حول النفوذ في هذه الدولة التي يجب أن نذكّر أستاذ يحيى، هذه دولة غنية بشكل كبير جداً بثرواتها، بنفطها، باليورانيوم الموجود في جنوبها، بموقعها الجيو استراتيجي الذي بالإمكان كما هو في خطط بعض هؤلاء، تحويل ليبيا إلى غرفة عمليات لتصدير الأزمات وللتشويش ولإرباك دول المنطقة، وهنا أتحدث بصراحة، دول المنطقة الكبيرة في شمال أفريقيا، وهي تحديداً الشقيقة مصر من جهة والجزائر من جهة أخرى.

أستاذ يحيى، الجميع يعلم بأن دولاً كثيرة أرادت أن تأتينا من جنوبنا، من أقصى جنوبنا، وعملية ديغانتولين معروفة.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح، صحيح.

 

زهير بو عمامة: وعملية سرفال وبرخال وهذا التواجد الغربي المريب في دولة مالي وفي النيجر وفي تشاد نعلم بأن لديه أبعاداً وخلفيات أخرى من بينها التأثير والترقّب ربما للحظةٍ ما، لأجل التأثير على الجزائر، وربما إرباكها وإخراجها من الموقف الذي هي صامدة عليه.

ونعلم أيضاً بأنّ دولاً أخرى، كما سبق وقلت، تريد أن تحدّد مصير دولة ليبيا، برغم الليبيين أنفسهم، الأشقاء للأسف في دول الخليج الآن، مع الخلافات الموجودة بينهم، ولكن كلٌ لديه أجندة، يريد أن يحدّد بدل الليبيين، وبالتحالف مع بعض الليبيين وليس كلهم، مستقبل ليبيا، وأن يرسم لها هذا المستقبل في الاتجاهات التي يريدها، في الاتجاهات التي تخدم مصالحهم ومصالح عرّابيهم من القوى الكبرى، بدل أن يتركوا، بدل أن يساعدوا هؤلاء الليبيين، كلّ الليبيين على الخلافات الحقيقية الموجودة بينهم، أن يساعدوهم على أن يسوّوا أزمتهم، على أن يلملموا شتاتهم، ويجلسوا إلى طاولة حوار تخرج بتسوية سياسية توافقية، تعيد بناء مؤسّسات الدولة الليبية، وتمكّن الليبيين من دحر المجاميع الإرهابية، وأيضاً الاستفادة من هذه المقدرات الليبية الكبيرة جداً، بدل أن يستمرّ مصّاصو دماء الشعوب في استغلالها بطرقٍ نعلم، تقارير كثيرة تعلم كيف يسرّب الآن النفط الليبي إلى هؤلاء.

لذلك، دعني أكمل لو سمحت دكتور يحيى، الجزائر موقفها واضح، لا لهذه التدخّلات، فلنساعد خاصة دول الجوار المتأثرة بشكل طبيعي مما يحدث في الشقيقة ليبيا، فلنساعد الليبيين على أن يخرجوا من محنتهم، لا أن نزيد من خلال هذه التدخّلات في إرباك المشهد الليبي، في زيادة المسافة بين الفرقاء الليبيين، طبعاً لمصالح لا شك أنها أبداً ليست لصالح الليبيين والليبيين فقط.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ عز الدين عقيل، دعنا من العوامل الخارجية، الإرادات الدولية. هذه لا تريد لنا خيراً، هذه تتمنّى أن نركع، أن ننبطح، أن نتخلّف، أن نتراجع حضارياً، ثقافياً، فكرياً. أصلاً هم يسمّوننا الأمم المتوحشّة، أي في عرفهم لسنا بشراً، لسنا حضاريين.

بالعودة إلى الليبيين، أنفسهم لم يتوافقوا على مشروع واحد، كلما تتأسّس حكومة تنبت حكومة ثانية، كلما ينطلق مشروع ينبت مشروع ثانٍ وثالث ورابع، الجماعات الأصولية أيضاً تتقاتل في ما بينها، حتى للأسف الشديد النزعة العرقية، بربر وعرب، أمازيغ وعرب، بدأت تتجلّى في المشهد الليبي.

أين كان كل هذا أيام الجماهيرية الليبية العظمى، أيام المجد دعنا نقول، لأنّه بالمقارنة مع ما يجري اليوم في ليبيا، نعم، ليبيا مرّت بمجدٍ وعزٍّ وكرامة؟

 

عز الدين عقيل: بدايةً أخي يحيى، وقبل أن أجيبك عن هذا السؤال، دعني أقول بأنه ربما يكون ضيفك الكريم من الجزائر يتحدّث عن تمنّيات وليس عن واقع. الجزائر عندما كانت ليبيا تُفترَس لم تقدّم لها أي شيء، حتى أنّ كلمة حذرت، هذه كلمة أقل بكثير جداً من موقع الجزائر في المنطقة، ولا تكاد تساوي شيئاً في ظلّ طبيعة وقوة العلاقات بين الجزائر وبين الليبيين. الليبيون في خمسينات القرن الماضي عندما كان الفرنسيون يفترسون الجزائريين، لم يكتفوا فقط في أن يعتلوا المنابر وأن يحذروا الأطراف الأخرى من المساس بالجزائر أو فرنسا من الإيغال في ذبحهم، بل قاموا ببيع حوائجهم من داخل بيوتهم على فقرهم وعلى ضعفهم وكانوا يحوّلونها إلى أموال ويهرّبونها إلى المجاهدين الجزائريين، وهذا تاريخ كبير ومكتوب، وفي ساقية سيدي يوسف، بالرغم من أن ليبيا كانت تعاني من الاستعمار الإيطالي إلا أنه اختلطت الدماء الليبية بالدماء الجزائرية بالدماء الفرنسية في مكافحة المستعمر الفرنسي.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

عز الدين عقيل: ولكن الجزائر لم تفعل شيئاً على الإطلاق في الأزمة، باستثناء مراقبة ما كان يجري في ليبيا وكيف كانت ليبيا تُذبَح أمام عينيها وعلى حدودها، بل إنّ هناك مقالاً شهيراً، وأنا لي نسخة منه في أوراقي الخاصة نشرته صحيفة "واشنطن بوست" تقول في خبر لها مقرون بتحليل، بأن الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة رفض الرد على مكالمات العقيد القذافي، رفض الرد لأنه ربما كان محرجاً، ربما لأنه لم يكن يملك تصوّراً، وربما لأن كان التيار قوياً، ولكن كان على الأقل بالإمكان المشاركة بأية نصائح، برفع المعنويات، بأي شيء كان يمكن أن يقدّم بتلك الظروف الصعبة، وأيضاً المبادرة الأفريقية لم تكن الجزائر مشاركة فيها، مبادرة الرؤساء الأفارقة الذين حاولوا إخراج ليبيا من أزمتها بتلك المبادرة على كل حال التي كانت ميتة بسبب إصرار مجلس الأمن والقوى الكبرى على إيصال ليبيا حتى المذبح وذبحها نهائياً.

الآن الآن ببالغ الأسف الجزائر ومصر هما ثنائيتان متنافستان، حتى أنهما يكادان أن يتحوّلا إلى طرفين يمارسان حرب الوكالة، حتى أن هاتين الدولتين الآن خلف الكواليس تعرقلان الحلول، لأن كل واحد فيهما يسير باتجاه طرف من أطراف الصراع.

أما في ما يتعلق بسؤالك وبعد ذلك حتى لا أفقد هذا الجواب على هذا السؤال المهم، حتى تعود بعد ذلك لضيفك الكريم لكي يجيب على كل شيء، لا أعتقد أخي يحيى، عندما تقول بأن ليبيا هي فريسة لحرب وكالة، تفترض بعد ذلك أنه يمكن لليبيين أن يكون لهم دور، هو لماذا اتفق الجميع على ذبح ليبيا؟ لأن هناك من كان يضع عينه على أرصدتها التي كانت لديهم.

ليبيا كان لديها عشرات المليارات في الدول الغربية، ولعلّك لاحظت كيف أن البرلمان الأوروبي أو مجلس العموم الأوروبي وبكل صفاقة، يسعى اليوم لإصدار قرار للسيطرة على عشرة مليار جنيه استرليني هي أرصدة ليبية في بريطانيا لتعويض ضحايا الجيش الجمهوري الأيرلندي، مع أن هذا الملف قد أغلِق تماماً أيام القذافي وجاء بوريس جونسون إلى ليبيا وتحدّث إلى المجلس الرئاسي وقال لهم بأن هذه أولوية قصوى للحكومة البريطانية.

أيضاً هناك مليارات من الأرصدة التي ضاعت هنا وهناك، أيضاً هناك دول يهمها جداً هذا المأزق الذي دخلت فيه ليبيا لأن تأثر الدورة النفطية الليبية بهذا الشكل بالتأكيد سيؤثر إيجاباً على رفع أسعار النفط، هناك دول الآن تمارس الحفر المائل، تتدخل من تحت الأرض لكي تصل إلى أحواض نفط ليبية، وتنهب النفط الليبي في غياب الدولة الليبية كلياً. هناك من شغّل ليبيا لكي كما قلت يجب فرض مهجنة جديدة من أجيال جديدة من الجماعات المتطرفة التي يمكن أن يستخدمها هنا وهناك.

هناك دول ربما قدّمت بعض المسافات وأخذت أراض من الأراضي الليبية يتمركز فيها جيشها الآن لحماية أراضيها أو للدفاع عنها. وبالتالي حقيقة، هناك قوى كبرى أيضاً، صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لم يكن تروقه أبداً حال دولة الرفاه التي كانت قائمة في ليبيا، وكان فعلاً يسعى إلى رفع الكثير من أشكال الدعم وإلغاء الكثير من الحزم الاجتماعية التي كان أقرّها نظام القذافي في ليبيا، وأعرف تماماً قصة ممثل البنك الدولي الذي جاء لتقديم المساعدة للمصرف المركزي الليبي في تطوير نظام معيّن للدفوعات، وكيف أنّ هذا الشخص ذهب إلى خيمة القذافي، وعرض عليه ربما سياسات رفع الدعم أو ما يُعرَف بالليبرالية الجديدة وكيف أن القذافي تركه في الخيمة وخرج من دون حتى أن يحييه، في إشارة إلى أن هذا الموضوع لا تفكر به ليبيا الآن، وأنّ ليبيا باعتبارها دولة نامية لا بدّ وأن تهتم بفئاتها المختلفة، ولا بدّ أن تحاول أن تحافظ على مبدا تكافؤ الفرص إلى أقصى درجة ممكنة، لأن استخدام الليبرالية المتوحشة يعني أن الثروة الوطنية سوف تتكدس في أيدي فئة على حساب الفئات الأخرى وهذا لا يناسب مستقبل الدولة على الأقل من وجهة نظر القذافي.

وبالتالي حتى التكالب نفسه كان كبيراً على ليبيا، أولئك الذين استفادوا من غياب سيادة وهيبة الدولة في ليبيا كان كثيراً، بما فيهم دول الجوار ببالغ الأسف، ولا أعتقد أن أحداً الآن يبكي على الشعب الليبي. وفي نفس الوقت أخي يحيى تقول لنا المراجع السياسية، على الأقل على امتداد القرن العشرين والعشريتين الجاريتين في القرن الواحد والعشرين شهد العالم حوالى 66 دولة فاشلة، ليست هناك دولة واحدة منهم استطاعت أن تخرج من أزمتها بقواها وقدرتها المحلية، وليس هناك واحدة منهم استطاعت أن تخرج بالانتخابات أو أن تخرج بالتظاهرات، وبالتالي كان التدخل الدولي، كان التدخل الإقليمي، كان اقتراح المشاريع السياسية التسووية كان دائماً يأتي من الخارج ولا أظن أن ليبيا ستكون استثناء.

الأطراف التي تتدخل في ليبيا والتي تمارس حرب الوكالة دكتور يحيى، لن تسمح أبداً للأطراف الليبية أن تتفق، الأطراف الليبية هي مجرّد بيادق يتلقّون أوامر من الخارج، وهذه الأوامر تمنعهم من التوافق مع خصومهم.

 

يحيى أبو زكريا: ذكرت كل هذا أستاذ عز الدين، وأذكّر بكتاب للصحافي الفرنسي أودي توماس "الدولة الإسلامية في ليبيا"، يتحدّث عن دولة داعش والمشروع الأصولي في ليبيا واستثمار الإرادات الدولية لهذا المشروع.

دكتور زهير، مبدئياً هناك إشكال وجّهه الأستاذ عز الدين عقيل للجزائر، أنّ الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة أطال الله عمره ما كان يردّ على مكالمات العقيد معمر القذافي، رغم العلاقات العملاقة، الحميمة بين الجزائر وليبيا.

وأيضاً هناك إشكال يُطرَح في الساحة الإعلامية العربية، انتقال السيّدة عائشة القذافي من الجزائر إلى سلطنة عُمان حيث تقيم الآن.

هل بالفعل الجزائر سكتت عن ذبح ليبيا كما يقول عز الدين عقيل؟

 

زهير بو عمامة: لا شكّ لا، أستاذ يحيى، وشكراً لأنك أعطيتني فرصة الرد على الأستاذ عقيل.

هل أذكّر ضيفكم الكريم بأنّ خصوم القذافي أثناء الحراك كانوا كلّهم يعلنون بأن الجزائر منحازة تماماً للنظام القائم آنذاك؟ هل أذكّر ضيفك الكريم وهو يتحدّث عن أن الليبيين ونحن نعترف بذلك، ساعدوا أيام الملك السنوسي، الثورة الجزائرية، هل أذكّر ضيفكم الكريم، لأنه كان هناك استعمار دولة خارجية، صراع بين دولة ضد شعب كان يقاوم، وهل أذكّره بموقف الرئيس الراحل هواري بومدين حين دارت الخلافات بين السادات وبين القذافي، وحين هدّد السادات بتحريك طائراته لقنبلة طرابلس، بأنّ  بومدين قال له آنذاك وإنك إن فعلته ستجد الطائرات الجزائرية في الأجواء قبل أن تصل إلى ليبيا؟ هل نذكّر بأن الجزائريين نصحوا وقدموا معلومات ثابتة من مصادرهم للنظام آنذاك بأن هناك لعبة كبرى، هناك عمل كبير، مخطط كبير جداً يستهدف ضرب ليبيا، وأن على العقيد أن يتحرّك، أن يقدّم تنازلات، ونصحوه، الجميع يعلم كيف كانت علاقة سيف الإسلام القذافي، علاقة قوية جداً، وأن الجزائريين راهنوا على أن العقيد القذافي سيقوم بتنازلات لإبنه في مشروع كبير جداً كنّا ندعمه، وكنا نتصوّر بأنّ الحكمة ستؤدّي بالعقيد إلى المراهنة على هذا المشروع الذي التفّ حوله حتى الكثير من المعارضين للعقيد في ما بعد في سنة 2011؟

هل نذكّر بأنّ الذي جرى في المنطقة أمر كبير جداً، وأنّ الجزائر كانت الهدف المقبل لهؤلاء، وأنها وهي كانت كما يقول ضيفكم، كانت تتمنّى الأفضل لكنها كانت تستعد للأسوأ، أنها حرّكت جيشها لكي يحمي حدودها الممتدّة على أكثر من 960 كيلومتراً في صحراء قاحلة، في منطقة حيوية بالنسبة لاقتصادها، وإن كان منابع النفط؟
هل نذكّر ضيفك الكريم من أننا فتحنا حدودنا لإجلاء الكثير من الليبيين وعلى رأسهم كما قلت عائلة القذافي، وقد جلب لنا ذلك صداعاً كبيراً مع الكثير من العواصم؟

طبعاً قضية، كما ذكرت دكتور يحيى، انتقال السيّدة عائشة القذافي إلى سلطنة عُمان في ما بعد، هذه جاءت من مقتضيات دور الوساطة والدور الذي حاولت أن تلعبه الجزائر بعد أن أصبحت وبعد أن أثبتت بالملموس للجميع أنها على مسافة واحدة من جميع الليبيين، طبعاً في الشرق كما في الغرب، في حكومة طبرق كما في حكومة طرابلس، كان أيضاً من المؤمّل ان تقدّم ما يشير إلى أنها الآن تتعامل مع الجميع، بعد أن كان يقول بأننا منحازون تماماً لطرف على آخر.

أعتقد بأنّ تحميل الجزائر أيضاً مسؤولية أكبر مما تطيق ليس معقولاً ومقبولاً. نحن نعم، نختلف مع الشقيقة مصر في طريقة الحل. نحن نقول لا إقصاء، الحل والتسوية السياسية في ليبيا يجب أن تجمع جميع الليبيين. الأشقاء في مصر كما هو معروف يدعمون بالسلاح وبالدبلوماسية وجهاراً نهاراً طرفاً معيّناً ضد أطراف أخرى لحسابات تتعلق بالداخل المصري.

نحن نقول بأننا نعالج مسألة دولة وليس مسألة خلافات سياسية بين تيارات. نحن لا يمكن أن ندخل في هذه الأمور. كل الليبيين عدا الذين ثبت تورّطهم في العمل الإرهابي لديهم الحق في أن يكون لديهم موقع ومكانة في مستقبل ليبيا. ثمّ لنشير أيضاً إلى ما قدمناه للشقيقة تونس، لأنّ المسألة كانت أقل تعقيداً. وقفنا إلى جانبها، قدّمنا الملايين ووقفا أيضاً سياسياً ودبلوماسياً وقلنا لدول موجودة بعيدة عن تونس، في الخليج مثلاً، حتى أكون صريحاً، قلنا لهم تونس واستقرار تونس هو خط أحمر وهو من استقرار الجزائر. ولكن ليبيا أيضاً كما ذكرت قبل قليل دكتور يحيى، بسبب أيضاً تعنّت أبنائها، وبسبب أيضاً عدم قبولهم وتمرّسهم، فتحوا الأبواب أمام الجميع. لسنا اللاعب الوحيد في المنطقة ونحن نحفظ توازناً يعلمه الجميع في هذا الملف.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور زهير، دعني فقط أنتقل إلى الأستاذ عز الدين.

أستاذ عزالدين، الجزائر استقبلت باجي قائد السبسي رئيس دولة تونس، استقبلت راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة، وساهمت في تقريب وجهات النظر بين الأفرقاء.

لماذا الإخوة في ليبيا إما يتوجّهون إلى أبي ظبي أو إلى الدوحة أو إلى الرياض؟ لماذا لا يحاولون التنسيق مع الجزائر لإمدادهم بكل المعونة الأمنيّة، المعلوماتية، لا أقول الإرشادية لأن الليبيين عمالقة، إنّ أمّة أنتجت عمر المختار لا يمكن أن تكون أمّة قاصرة نهائياً؟

لِمَ الذهاب إلى دول الخليج وترك الجزائر التي هي مصدر ثقل استراتيجي في المغرب العربي؟ بإيجاز.

 

عز الدين عقيل: بداية أخي يحيى، دعني أقول لك بأن ما قاله ضيفك الكريم من الجزائر للأسف الشديد لم يقنعني أبداً. الرئيس هواري بومدين رحمه الله قام بما قام به والحرب قائمة فعلاً بين مصر وبين ليبيا، وأعتقد أن هذا الفعل هو من أهم استراتيجيات الدبلوماسية للدول الجارة التي تقع دولتان جارتان لها في حال حرب. هذا الفعل قام به الكثير من الرؤساء في دول حدثت بينها مناوشات عسكرية أو حتى حروب عسكرية وليس الرئيس الراحل هواري بومدين رحمه الله هو من أسّس لهذا الأمر، وأعتقد أن هذا أقل ما يمكن أن يقدَّم.

إنما في ما يتعلق بليبيا وأزمتها الخطيرة والأخطر عام 2011، لا أعتقد أنه ذكر أي شيء يمكن ان نلتفت إليه إلا ربما العبارات المفخّخة والجُمَل الطنّانة ولا أعتقد أن هذه تغطي على فعلاً أن الجزائر قد أعطت بظهرها وأن ليبيا قد ذُبحت أمامها وأنها لم تقدم أي فعل أو خطوة حقيقية.

الدعم ربما الذي يتحدّث عنه باعتبار أن الجزائر نُسِبت إلى نظام العقيد القذافي، ربما كان هذا استفزازاً من بعض القوى التي كانت ماضية في عدائها لليبيا إلى أشد الدرجات، وربما بسبب موقف الجزائر في المحافل الدولية منها طبعاً على الأقل طرد ليبيا من جامعة الدول العربية. بالتأكيد أن الجزائر.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ عز الدين.

 

عز الدين عقيل: إسمح لي.

 

يحيى أبو زكريا: لا، وقتي انتهى، وأنت تعرف الوقت التلفزيوني، لكن أريد أن أقول لك إنّ أمّة المختار لا يمكن أن تنهار.

 

عز الدين عقيل: دعني أعود إلى سؤالك.

 

يحيى أبو زكريا: دعني من السياسات الآن، دعني من السياسات. أنا كإعلامي جزائري عقلي وروحي وقلبي وإيماني ويقيني مع ليبيا المنتصرة إن شاء الله على الإرادات الاستعمارية والاستكبارية الدولية والإقليمية.

 

عز الدين عقيل: بارك الله فيك.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ عز الدين عقيل أدامكم الله شكراً جزيلاً لك، أنت الليبي المقيم في تونس.

 

عز الدين عقيل: دعني أجيبك على سؤالك دكتور يحيى.

 

يحيى أبو زكريا: في حلقات أخرى إن شاء الله.

الدكتور زهير بو عمامة من الجزائر الحبيبة شكراً جزيلاً لك.

مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها. إلى أن ألقاكم هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبداً ودائعه.

 

أثر المستشرقين في الدراسات الإسلامية

بعد سقوط الأندلس تأجج الإستشراق وبات علما وموضوعا منهجيا وأخذت الدراسات الاستشراقية تنمو وتتسع، وأنشئت مدارس للاستشراق، وكراسي علمية لدراسة اللغة العربية والتراث الإسلامي، واهتم المستشرقون بتحقيق التراث العربي والإسلامي، ونشروا المخطوطات النادرة ..وأصبح الإستشراق جزاءا بل طرفا في كثير من الدراسات الإسلامية القرآنية والسنية والفقهية والكلامية والفلسفية ... كيف تعامل المستشرقون مع الإسلام ودراساته وحضارته وعلومه وتاريخه ولغته؟ ما هي الدافع التي جعلت بعض النخب الغربية مهوسة بالدراسات الإسلامية؟ هل كانت هناك علاقة بين الإستشراق والإستعمار. فالأول كان يجري مسحا ثقافيا لبلاد العرب والمسلمين ويتقدم الإستعمار عندما تكتمل الصورة؟

المزيد