أوكرانيا وروسيا

 

جورج غالاواي: اسمي "جورج غالاواي" وأنا أُقدِّم برنامج "كلِمة حرّة" على قناة "الميادين" التلفزيونية من هنا في (لندن). أقول كلماتي بحرّية سواء في البرلمان أم على التلفاز أو هنا في شوارع (لندن). "كلِمة حرّة" تعني حرية التعبير، وهذا ما أقوله. إذاً، "كلِمة حرّة" هي حوار مزدوج الاتجاهات، تابعونا على قناة "الميادين" التلفزيونية 

المحور الأول:

جورج غالاواي: أهلاّ بكم في برنامج "كلِمة حرّة" معي "جورج غالاواي" على قناة "الميادين" حيث نوافيكم به من (لندن) مع جمهور من الخبراء المميزين وبعض الهواة المتحمّسين أمثالي. السؤال الذي سنطرحه الليلة هو، متى ستتحوّل الحرب الباردة إلى حربٍ ساخنة؟ والإجابة هي، في أية لحظة. ربما تغدو حرباً ساخنة بحلول تاريخ عرض هذه الحلقة لأن مباريات كأس العالم كانت غطاءً للاستفزازات السابقة. ربما تغدو حرباً ساخنة على الحدود بين (روسيا) و"الناتو" وهي حدود تقترب من (موسكو) شيئاً فشيئاً، ويكمُن هناك الجزء المركزي لهذه الحكاية. إذا حدث ما وُعِد به "غورباتشوف" لدى سقوط الاتحاد السوفياتي، وما تبعه من تفكّك الدول المُستقلّة المتعاونة التي شكّلت الاتحاد السوفياتي والتي كانت ستستمرّ في التعاون غير أنّ ذلك فشِلَ فشلاً سريعاً وتحوّل في حالاتٍ كثيرة إلى عداوات مريرة، فقد تلقّى "غورباتشوف" وعداً بأنّ "الناتو" لن يُحرِّك قوّاته ودباباته إلى ساحة (الكرملين). وُعِدَ "غورباتشوف" بذلك بموجب اتفاق أبرمه مع القادة الغربيين حينها بهدف سحب القوات السوفياتية والروسية من المناطق التي تمركزت فيها سابقاً، فكان هذا الاتفاق صفقة لم يتمّ احترامها، وفي الواقع خلال السنوات الـ 25 الماضية تقريباً يتسلل "الناتو" مقترباً من (روسيا) أكثر فأكثر وليس مجازياً فحسب، ولا من ناحية أنّ حكومة تلو الأُخرى في الثورات التي يُرمَز إليها بلونٍ ما تغيّرت بفعل التدخّل الغربي لجعلها أكثر تعاطفاً مع (موسكو) وأكثر تعاطفاً مع (واشنطن) وأتباعها في الاتحاد الأوروبي، ولا من ناحية قوّة البروباغندا الناعمة فحسب، بل قوة حقيقية فعلية مُدرّعة أيضاً. بينما نتحدّث، المناورات مُستمرّة وهي مناورات تشهدها (بولندا) ودول (البلطيق) للمرة الأولى، نحو 17 ألفاً من جنود "الناتو" مُجتمعين في المناورات هذه التي تهدف صراحةً إلى شنّ حربٍ ضدّ (روسيا). وللمرة الأولى إن كنتم لا تعلمون شاركت القوات الإسرائيلية في المناورات التي يجريها "الناتو"، فقد تمركز جنود فوج مظليين إسرائيلي غربيّ المنطقة التي تشهدُ حرباً وصراعاً وهمياً حتّى الآن بين الغرب والشرق. تدور أغلب الأحداث في (أوكرانيا)، وأنا مُتفاجئ من كثرة ما عليّ أن أُكرر ما حدث في (أوكرانيا). لقد اقتيدَ أشخاص كثيرون، كثيرون جداً، إلى الاعتقاد بأنّ (روسيا) غزت (أوكرانيا) بشكلٍ ما أو أنها تُحاول ضمّ أجزاء من (أوكرانيا)، غير أنّ كلّ هذا غير صحيح. كان في (كييف) حكومة منتخبة كانت تتطلّع إلى الشرق والغرب وجمعتها بـ (موسكو) علاقات جيّدة غير أنّها سعت إلى إقامة علاقات أفضل مع الاتحاد الأوروبي والغرب. أُطيح بهذه الحكومة قسراً في انقلاب تمّ تنسيق تفاصيله في سفارة الولايات المتحدة وأُجبِرَ الرئيس على الهرب تحت تهديد السلاح وأُجبِرَ أعضاء البرلمان تحت تهديد السلاح أيضاً على توقيع مُستندات تُشرِّع إطاحتهم وأُطيح بالبرلمان، وكما يحدث تقليدياً أُضرِمت النيران في مبنى البرلمان. أول ما قامت به حكومة الانقلاب في (أوكرانيا) هو إعلان اللغة الروسية غير قانونية بهدف إزالة اللغة الروسية من بين اللغات الرسمية في الدولة. يُمكنكم القول أنّها (أوكرانيا) في نهاية المطاف غير أنّ في (أوكرانيا) مجموعة من السُكّان، لاسيما في شرق البلاد حيث نسبة 40 % من السكان هم من الروس، وأغلبية سكّان شرق (أوكرانيا) في (دونباس) هم من الروس بالإضافة إلى مناطق أُخرى تلقى مُعارضة حادة اليوم، لكن 40% من الأوكرانيين ينطقون بالروسية، أو على الأقل بلغت النسبة هذا القدر حتّى قررت جمهورية (القرم) الذاتية الحُكم، والدليل في الإسم ، أنّه في ضوء هذا الانقلاب المُناهِض لـ (روسيا) ولأنهم من الروس وعاشوا قروناً في (القرم)، لا يريدون الارتباط بحكومة في (كييف) تدعمها قوى تملأها كراهية تجاه (روسيا) إلى درجة أنها تعاونت في الماضي مع الاحتلال النازي في الاتحاد السوفياتي في الحرب العالمية الثانية حين هاجمت الحزبيين الذين كانوا يُناهضون الغزو النّازي وجزّرت بهم وهاجمت سكانها اليهود المحليين من دون أن تنتظر النازيين ليصلوا حتّى؛ هؤلاء الأشخاص هم من يمسكون مقاليد السلطة الآن في (كييف)، فقرر سكّان (القرم) أنّهم لا يريدون أن تكون لهم أيّة علاقة بذلك، لذا قاموا باستفتاء وصوّت أكثر من 90 % لمصلحة قرار العودة إلى (روسيا). لديّ فكرة أخيرة وهي أنّه دائِما ما مثّلت (القرم) جزءاً من (روسيا) ويصِلها اليوم جسراً بـ (روسيا). نحن كبريطانيين حاربنا حرب (القرم)، ومجدّداً الدليل في الإسم، ضدّ من حاربنا؟ حاربنا ضدّ (روسيا) في القرن التاسع عشر ومررنا بظروفٍ عصيبة لهذا السبب، ومن الجيد أن يذكر مخطّطونا العسكريون هذا الحدث. فلم يسكن (القرم) أغلبية روسية فحسب بل رسا الأُسطول الروسي على شواطئها أيضاً على نحوٍ قانوني تماماً وبموجب اتفاق، ولا بدّ من أقول لكم أنّ "خروتشوف" أعطى (القرم) إلى (أوكرانيا) وهو ثمِل خلال أُمسية يوم أحد، حدث ذلك بعد ولادتي أي خلال حياتي. وبالطبع، بما أنّ (روسيا) و(أوكرانيا) كانتا في الاتحاد السوفياتي حينها، كانت العملية بمثابة نقل فِلس من جيب إلى آخر بكلّ ما للكلمة من معنى. لكن إذا كانت (أوكرانيا) ستغدو رأس الحربة الموجّهة نحو (روسيا) كما أصبحت بالفعل ومصدر تهديد لـ (روسيا)، لماذا قد يرغب سكّان (القرم) أن يكون لهم يد في الأمر بأيّ شكلٍ من الأشكال؟ وباتت كلّ الأحداث التي تلت جزءاً من التاريخ الآن. فُرِضت على (روسيا) عقوبة تلو الأُخرى وكذلك نُبِذت حين طُرِدت من مجموعة الثماني وتضاعفت العقوبات على (روسيا) بسبب دورها في وقف الغزو الجهادي في (سوريا) الذي يلقى تمويلاً وتسليحاً ورعاية شاملة من الغرب، فقد فشل هذا الغزو بصورة شاملة لدرجة أنّ الدول الغربية عاجزة عن مُسامحة (روسيا) على ما فعلته. بالتالي (أوكرانيا) هي السبب المُباشر للحرب الساخنة المُقبلة وهذا ما سنناقشه الليلة. اسمحوا لي أن أنقل الحديث إلى أحد الخُبراء المُميّزين معنا، "آدم غاري" من منتدى مستقبل (أور- آسيا)، تفضّل (آدم)

آدام غاري- صحافي: شكراً (جورج). تكمُن إحدى مشاكل (أوكرانيا) في أصلِها، فهي دولة مُصطنعة. ولا يُمثّل ذلك بحدّ ذاته مُشكلة، فإحدى دول القرن العشرين المُفضّلة لديَّ هي (يوغوسلافيا) وهي دولة مُصطنعة عمداً، لكنّها سمحت بهويّة وطنية شاملة تستنِد إلى الأُخوّة وإلى تعزيز التقدّم. إحدى الدول المُفضّلة لديَّ هي (سنغافورة) وهي مُصطنعة ومتعدّدة الثقافات أيضاً، ومُشكلة (أوكرانيا) اليوم ومُشكلة نِظامها الحالي هي تبنّيها عقيدة عرقية قوميّة فاشية تستنِد إلى إثنية لم يعرِف أحد بها قبل أواخر القرن التاسع عشر وأوائِل القرن العشرين، وتذرّعوا بها لارتكاب إبادة جماعية وتطهير عرقي في حقّ سكّان (دونباس)، وكذلك انخرطوا في مُشادّة سياسية وحشية أسوأ من أيّ استفزاز قد نشهده خلال موسم كأس العالم لكرة القدم. مُشكلة (أوكرانيا) أنّها عاجِزة عن تحديد هويّتها، وأتحدّث حالياً عن قادة الانقلاب وعن زُعماء هذا النظام الفاشي. كانت (كييف) مكان إنشاء الدولة الروسية الأولى في القرون الوُسطى بكلّ ما للكلمة من معنى، لكن توجَّهَ الروس إلى (موسكو) هرباً من "المغول"، ومنذ حينها نشأت هوية على ضفاف نهر (دنيبر) الذي يقسم البلد وهي هوية جديدة تُمثِّلُ خليطاً، وهي روسية في معظمها إضافةً إلى بعض البولنديّة ويتخللها شيء من المجرية عند الاتجاه جنوباً. فظهرت هذه الهوية الجديدة لكنّها سُمِّيت هوية أوكرانية على صعيد الدولة وهويّة إثنية رسمية عندما ساهمت قوات الاحتلال الألماني في الحرب العالمية الأولى في إنشاء الدولة الأُوكرانية الأولى، ولم يتغيَّر شيء اليوم. فاستخدمَ الألمان فكرة الدولة الأُوكرانية لسرقة أراضٍ تُعتَبَر روسية من المنظور التاريخي والفِعلي، وحدث ذلك في أوائِل القرن العشرين. وبعد مئة سنة أقدم "باراك أوباما" و"فيكتوريا نولاند" و"كارل بيلت" وسائِر أفراد عصابة اللصوص على استخدام (أوكرانيا) لفعل الأمر نفسه، ما يُلحِق ضرراً بكلّ من يسكنها بمن فيهم أولئِك الفاشيّون. فبالرغم من أيديولوجيّتهم الخبيثة يعيشون في ظلّ ظروفٍ اقتصادية واجتماعية أسوأ وفي ظلّ ظروفٍ أسوأ على شتّى الصُعُد مُقارنة بالحال في فترة حكم "يانوكوفيتش" الذي عانى عيوباً لكنّه لم يتّسِم بالخبث حتّى عام 2014، والفترة من العام 2014 حتّى عام 2018 هي نفسها عامي 1914 و1918. وبالنسبة إلى (أوكرانيا)، يا للهول كم تتغيَّر الحال في أربع سنوات

جورج غالاواي: فلتُخبرنا عن هذا الطيف النازي الذي يُخيِّم على (أوكرانيا)، إذ ينتاب شعبها حنق عند ذكر ذلك، وقد دعونا السفارة الأوكرانية إلى إرسال ممثلين عن دولتها وتواصلنا مع شتّى الآراء المؤيِّدة لـ (أوكرانيا) في (لندن) سعياً لتحقيق بعض التوازن في النقاش. لكن حسب معلوماتي، لم يستغلّ أحد هذه الفُرصة، بالتالي هلّ أنا مُحقّ في القول إنّ العامل الحاسم للثورة الأُوكرانية المُضادّة التي أوصلت النظام الحالي إلى السُلطة كان ميليشيا فاشيّة مُنظّمة؟  

آدام غاري: تماماً، فخطر الفاشية في عصرنا ليس حقيقياً فحسب كما كان دوماً منذ إنشاء الفاشية، بل باتت الفاشية واضحة أكثر، وأعزو ذلك إلى سقوط بلدان مثل (يوغوسلافيا) والاتحاد السوفياتي اللذان ناهضا الفاشية على وجه التحديد بشكلٍ واضح ومنحا بديلاً أفضل لأبناء شعبيهما اليائسين لدرجة اعتناق التطرُّف في المقام الأوّل. غير أننا ننظُر إلى مُشكلة موازية، فتَعتَبر وسائِل الإعلام الأساسية الليبرالية أنّ أيّ شخص لا يتّبِع نهجاً وسطياً هو متطرّف فاشي، وبات هذا الاعتبار في حدّ ذاته نوعاً من التطرّف، وأفضل مدرسة يجدر بهؤلاء الصحافيين ارتيادها لتعلّم ما هي الفاشية هي النظر إلى الفاشية الرجعية في الشوارِع وفي المؤسّسات الحكومية في (كييف) على مُستوى وطني وفي أماكن مثل (لفيف) في الشمال الغربي التي مثلت جزءاً من الإمبراطورية النمساوية سابقاُ، كذلك مثّلت جزءاً سابقاً من (بولندا) بعد ذلك خلافاً لسائِر المناطق التي كانت روسية سابقاً. فلننظر كيف يُلوِّح هؤلاء الأشخاص بشعارات "ستيفان بانديرا"، وهو شخصٌ متعاون مع النازيين، شخص أقدم أتباعه على ذبح الروس وذبحوا الأشخاص الذين يُعرِّفون أنفسهم كأوكرانيين والذين قاتلوا مع الجيش الأحمر، كذلك ذبحوا اليهود، وبالتأكيد لأتباع "بانديرا" يد في المحرقة وهُم مُذنبون بقدر أيّ شخص ارتدى بذّة تحمل الشعار الألماني. هم من يمسكون مقاليد الحُكم وتُشيَّد تماثيل لمتعاونين فاشيين في جميع أنحاء الدولة، والحلّ العقلاني الوحيد في رأيي هو التالي: في بلدٍ لم تستطع تركيبته الصمود كثيراً حتّى في الفترات الجيدة نسبياً لا بدّ من أن يتم تفتيته ديمقراطياً من خلال استفتاء. لا أؤيِّد تفكيك الدول في العادة لكن عند التحدّث عن نازحين ولاجئين مثل الروس في (دونباس) و(أوديسا) و(ماريو بول)، لا بدّ من أن يملِك هؤلاء الأشخاص حقّ التصويت لإعادة النظام إلى البلد الوحيد الذي ينتمون إليه منطقياً كما فعل سكّان (القرم)، أمّا الذين يريدون البقاء في هذا البلد الغريب الذي ينتمي إلى "الناتو" والذي إلى حدٍّ ما يؤيِّد الاتحاد الأوروبي ويؤيِّد غيره، لا بدّ من أن يُجروا استفتاءً أيضاً للحصول على البلد الذي يستحقّونه، و(أوكرانيا) ليست بلداً أودّ زيارته لكنني سأفرح جداً بزيارة (دونيِتسك) عندما تعود للانضمام إلى (روسيا) الاتحادية إن شاء الله

جورج غالاواي: النقطة الأخيرة يا "آدم" هي التالية: المُفارقة التي أشرت إليها واضحة جداً، ليس من ناحية دعم السياسيين والصحافيين والمُذيعين الليبراليين هنا لنوع قومية يمينية متطرفة للغاية وخبيثة في (أوكرانيا)، لكن بالنظر إلى أنّ اليهود في (أوكرانيا) خائِفون على حياتهم الآن من أبناء وبنات أو على الأقل أحفاد وحفيدات الذين هاجموا يهود (أوكرانيا) خلال الغزو النازي، مع ذلك تدعم (إسرائيل) كثيراً حكومة الانقلاب في (كييف)، فكيف تُفسِّر ذلك؟

آدام غاري: من الصعب تصديق ما يحدث إذ إنّ الحقيقة أغرب من الخيال، فالدولة الأوكرانية العميقة فاشيّة إلى حدٍّ ما من ناحية ما تريد تحقيقه محليّاً، وهي جشعة على النحو التقليدي من ناحية ما تريد تحقيقه دولياً، والنظام في (تل أبيب) انتهازي وهو مُستعِدّ للعمل مع أيّ شخص بما يُعزّز قيمة (إسرائيل) الإقليمية. (إسرائيل) ليست من أعداء (روسيا) ولا (روسيا) من أعداء (إسرائيل) بل تجمعهما صداقة وطيدة، تماماً كما تجمع (روسيا) صداقة وطيدة مع (سوريا) و(إيران) وقد يبدو ذلك غريباً غير أنّه صحيح وواقع. لكن (إسرائيل) ترغب في العمل مع أيّ طرف يُمكنها أن تبيعه أسلِحة ويفتقر الأوكرانيون إلى الطعام لكنّهم يُفضلون إنفاق المال القليل الذي ليس في حوزتهم أصلاً لشراء الأسلِحة و(إسرائيل) على استعداد لإبرام هذه الصفقات. لكن تجدر الإشادة ببعض المسؤولين الإسرائيليين الذين سألوا: "لماذا تُمِجّدون المتعاونين مع المحرقة؟ لكن يُغطّي الصمت العام التصريحات الثانوية التي يدلي بها مسؤول يهودي في (أوروبا) أو في (إسرائيل) ويصمُّ هذا الصمت الآذان بالتأكيد، بالتالي، أمامنا نظام يُمجِّد "هتلر" وملازموه الأوكرانيو الأصل ومع ذلك من المُحتمل أن يغدو هذا النظام زبوناً مهماً للأسلِحة الإسرائيلية. بالنسبة إلى النفاق وشراء الأسلِحة قبل شراء الطعام للجياع والمقموعين، تُعتَبَر (إسرائيل) و(أوكرانيا) حليفتين جيّدتين إذ تتفقان من ناحية الأفعال الخسيسة

جورج غالاواي: قلت انها الفِكرة الأخيرة لكن اسمح لي أن أُضيف سؤالاً بعد. كيف يُمكن للدولة الأُوكرانية أن تستمرّ في حين علاقتها بـ (روسيا) سيئة جداً، وفي ظلّ تمرُّد سكّان شرقيّ البلد الذين أُهينوا وأُبعِدوا وباتوا مزعوجين بشدة ويريدون أن يكونوا في مكان آخر أو أن ينضمّوا إلى مكانٍ آخر رغم اعتماد (أوكرانيا) على (روسيا) كسوق وكمصدر للمواد الخام، إلّا إذا كان مسدّدو الضرائب في الاتحاد الأوروبي على استعداد لأن يضعوا أموالاً غير محدودة في السلة المثقوبة التي تتمثل بالاقتصاد الأوكراني؟

آدام غاري: إنّها مسألة بقاء اقتصادي، لهذا السبب يحتضر الاقتصاد الأوكراني اليوم، فمع كلّ تدبيرٍ مُعادٍ لـ (روسيا) يأخذه الأوكرانيّون لا يُحققون شيئاً إلّا حرمان أنفسهم الطعام، فقد وقّعت (روسيا) واتّحادها الاقتصادي الأوراسي اتفاق تجارة حرّة مع (الصين) سيبدأ العمل به عام 2019. لا يعاني الروس الجوع لكن ينبغي أن يتحسّن الاقتصاد الروسي وهو يتحسّن بالفعل وبالفعل أرغب في أن يتحسّن على نحوٍ أسرع لكنّه يتحسّن بالفِعل، أمّا (أوكرانيا) فهي تتجه نحو مُستوى حاد جداً من الفساد السياسي والاقتصادي لدرجة أنّه من المُخاطرة دعمها إلّا إذا رمى الاتحاد الأوروبي لها حزام النجاة، غير أنّ ناخبي الاتحاد الأوروبي الذين يزدادون شعبوية لا يرغبون في ذلك وبالتالي، سترى (أوكرانيا) تُشبه (الصومال) لكن من دون الشواطئ الجميلة وهي بالفعل تتجه نحو هذه النُقطة بعد أن كانت جزءاً مزدهراً من الاتحاد السوفياتي، وستغدو منطقة نائِية لا قيمة لها ولا شيء فيها، وليزيد الطين بلّة بلمسة نووية تحتوي (أوكرانيا) محطّات طاقة نووية لم تنجح في تفتيشات الأمان ويجري تشغيلها بالرغم من انقضاء عُمرها المُفتَرَض حسب ما حددّه قانوناً جهاز مراقبة الطاقة النووية. بالتالي، ربّما يُشنّ هجوم تطهيرٍ عرقي في (دونباس)، أي في منطقة فقيرة حيثُ يتظاهر الناس حاملين شعارات نازيين فعليين فضلاً عن انهيارٍ نووي يفوق كارثة (تشيرنوبيل) فظاعةً بسبب سوء صيانة المُفاعلات النووية، وهذه مُشكلة فادحة يُمكن أن تؤثِّر في جميع جيران (أوكرانيا) كما حدث في (تشيرنوبيل) بعد الثمانينات

جورج غالاواي: ما الذي عساه أن يأخذ مساراً خاطئاً؟ الجواب: كلّ شيء. بعدما وصف الحال على نحوٍ بليغ ورائع خبيرنا "آدم غاري" سنتوقّف مع فاصل وسأراكم بعده

            

المحور الثاني:

جورج غالاواي: أنتم تشاهدون برنامج "كلِمة حرّة" معي "جورج غالاواي" على قناة "الميادين" حيث نوافيكم به من (لندن). متى تغدو الحرب الباردة حرباً ساخنة؟ والإجابة هي، في أية لحظة. خرجنا بالكاميرا إلى شوارِع (لندن) لنستمع إلى آراء الناس، فلنُشاهِد

المُحاورة: هلّ تعتقدون أنّ تلفيق مقتل "بابتشينكو" ينتقص من مكانة (أوكرانيا) الدولية؟

شابة 1: أعتقد أنّ العلاقات الحالية مع (أوكرانيا) وسائِر العلاقات الدولية ليست جيدة جداً اليوم، أمّا ما يخصّ العلاقات مع الدول الغربية، فلا أعتقد أنّ أيّاً منها يحتاج (أوكرانيا) ولا أرى أنّ أيّ بلد يحتاجها

رجل 1: لم يبدُ الخبر صحيحاً بالنسبة لي، فلم أتفاجأ عندما علِمت أنّه لم يمُت حقاً. أنظروا إلى ما أدّى إليه عبث (روسيا) في الانتخابات الغربيّة والعمليات الديمقراطية، وبالتأكيد تُحاول الدول الديمقراطية الغربية الانتقام من (روسيا) عبر تنظيم حملات تضليل إعلامي حول شتّى المواضيع، وأظنّ أنّ هذه الحادثة تتعلّق بذلك

شاب 1: أعتقد أنني سأُضيف أنّ هذا يُعتَبَر كذباً ما قد يؤثِّر على مكانتهم الوطنية

شاب 2: يرى الناس أنها قد تنتقص من المكانة لكنني لا أرى ذلك، ربما قامت بذلك لتكون في أمان، فمن الخطر مُخالفة (روسيا)

سيدة 1: ليس من الضروري، لا أعتقد ذلك. في الواقع أظنّ أن تلفيقه وفاته كان أمراً جيداً، أعتقد أنها خطوة جيدة

المُحاورة: توصّلت التحقيقات في الآونة الأخيرة إلى أنّ صاروخاً روسيّ الصنع أسقط الطائِرة الماليزية، هلّ تظنّ أنّه كان من تقديم (روسيا) أم أنّ طرفاً آخر استخدمه فحسب؟

رجل 1: توجِّه التحقيقات التالية أصابع الاتهام نحو (روسيا) وفي أنها مصدر الصاروخ الذي أسقط الطائِرة الماليزيّة، وللأسف دائِماً ما تشهد الحروب أحداثاً سيئة

رجل 2: أظنّ أنّ (روسيا) قد تكون فعلاً المسؤولة

المُحاورة: لماذا؟

رجل 2: لا أعرِف السبب لكنني ظننت أنّ ما سمِعته من أخبار عن (روسيا) في الآونة الأخيرة يُشير إلى أنها ليست أهلاً للثقة

شابة 1: لا أعرِف، وأظنّ أنّ التحقيقات استغرقت وقتاً طويلاً للتوصُّل إلى نتيجة، فقد بدأت منذ سنتين أو ثلاث، لا أعرِف لماذا استغرقت وقتاً طويلاً وأظنّ أنّ الأمر مثير للجدل

جورج غالاواي: "تشارلز شو بريدج"، مع خلفياتك العسكرية والاستخباراتية والشُرطيّة والقانونية لا بدّ من أنّك كنت مهتماَ مثلي بالاستماع إلى كيفية استماع سكّان (لندن) إلى أخبار يُصدِّقونها تلقائياً، ويبدو بعضها خبراً صغيراً ظاهرياً لكنه قد يعني الكثير مثل تلفيق مقتل الصحافي الروسي المنفي "بابتشينكو"، أو حتّى مُحاولة قتل آل "سكريبال" في (سالزبري). الاستنتاج المنطقي هو أنّ (أوكرانيا) مستعدّة للقيام بأي شيء لإلحاق الضرر بـ (روسيا) سواء أكان ذلك إسقاط طائِرة أو تلفيق مقتل صحافي أو مُحاولة تسميم في (سالزبري)

تشارلز شو بريدج – خبير أمني واستراتيجي: أيّ شخصٍ يُتابع الوضع في (أوكرانيا)، وأنا لم أُتابعه فحسب بل زرت (أوكرانيا) في مناسبات عدّة، زرتها كسائِح، وقد عملتُ في إحدى أهمّ الهيئات الدولية لحقوق الإنسان هناك وزرت الأجزاء الموالية لـ (روسيا) وتلك الموالية لـ (أوكرانيا) أيضاً ولا أُريد ذكر المُنظّمة التي عملت لديها كيلا أكون تابعاً لها بشكلٍ رسمي وأجعلها تنخرِط في هذا البرنامج، لكنها منظمة حقوق إنسان أساسية، وتطلّب منّي العمل قضاء أشهُر في كلّ مرة والتحدُّث إلى الجهات المعنيّة كأحزاب سياسية وشخصيات مُعارِضة وقُضاة ومجموعات حقوق الإنسان وفِرَق مراقبين وكثير من الناس العاديين، لذا لديّ هذه الخلفية الناتجة من تحدّثي إلى الكثير من أصحاب الآراء المتباعدة هناك. لكن بالعودة إلى سؤالِك المُباشَر الذي طرحته، للردّ عليه من منظور عسكري أو استخباراتي، لم يستدعِ الأمر الكثير من الخِبرة لمعرِفة أنّ كثيراً من، أو بالأحرى مُعظم ما أدلى به الناطقون الرسميّون باسم الدولة الأُوكرانية منذ عام 2014 غير صحيح، بل هو باطل بوضوح.  الشخص المسؤول "ياتسينيوك" الذي أشرتُ حضرتك إليه سابقاً، لأنّ بالطبع أقدمت السفيرة الأميركية لدى الاتحاد الأوروبي "فيكتوريا نيولاند" في المُكالمة الهاتفية الشهيرة التي شتمت خلالها الاتّحاد الأوروبي لكن الأهمّ في هذه المسألة أنّ جهاز الأمن الروسي هو من سرّبَ المُكالمة على الأرجح وقد أسدوا للجميع خدمة إذ أعلموا العالم بما يجري خلف الكواليس. عندما "نيولاند" في الواقع قالت في حديثها مع السفير الأميركي إلى (أوكرانيا) "ياتسي" أحد رجالنا". بمعنى آخر، كان يجري تجنيد "ياتسينيوك" للاستيلاء على حكومة (أوكرانيا) في حين كانت تدور أحداث حركة الميدان وكان من المُفتَرَض أن يكون ذلك تلقائياً وغير مُدبَّر ويعكِس إرادة الشعب، لكن في الواقع كانت الولايات المُتّحدة تُنسِّق تعيين حكومة من اختيارها وتُنظِّمه وتُسهِّله وتدعمه وتُدبِّره في أحيان كثيرة منذ ذاك الوقت. ولنذكُر أنّ "ياتسينيوك" وحزبه وحكومته وصلوا إلى السُلطة بفضل الاحتجاجات في الشوارِع، وأُريد أن أعود للتطرُّق إلى ما قاله "آدم" لكن من منظور مُختلِف قليلاً، إذ ينبغي أن ننظُر إلى الآلية التي اتبعتها حركة الميدان الأوروبي "اليورومايدن" أساساً ولنذكُر أن حركة الميدان أطاحت بالرئيس المُنتخب

جورج غالاواي: أي الحشود الجماعية في الميدان، أليس كذلك؟

تشارلز شو بريدج: نعم تماماً، لكن هذه نُقطة ليست مُهمّة جداً، إذ عندما رُفِضَ اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، في رأيي كان ذلك على الأرجح أسلوب تفاوُض ربّما للحصول على شروط أفضل من الاتحاد الأوروبي، فكما قلت، لم تكن الحكومة ميّالة إلى الشرق فحسب بل إلى الشرق والغرب على حدٍ سواء، وعندما حرّك ذلك الاحتجاجات في الشوارِع كانت احتجاجات كبيرة ولا يُمكن مقارنة حجمها بأحجام الاحتجاجات السابقة المدعوّة بالثورة البرتقالية. وكما هي الحال عادةً، كانت ردّة فعل الشُرطة عنيفة أحياناً تجاه المُحتجّين على مرأى من العالم أجمع. وبعدئِذٍ، ولأيامٍ عدّة، كان في شوارِع العاصمة (كييف) ما يزيد عن 800 ألف مُحتجّ، أي أنها احتجاجات كبيرة. لكن بعدئِذٍ قدّم "يانوكوفيتش" تنازلات على نحوٍ حاسم، فعَرَضَ إجراء انتخابات جديدة وإبطال القوانين التي أقرّها لزيادة سلطته أو سلطة حكومته، وهي التي أقرّها سابقاً لزيادة سُلطات الرئيس، وبالتالي لبّى كلّ المطالب الشعبيّة المزعومة واختفت الجموع بعد ذلك، لم يتعدَّ عدد الأشخاص الباقين في الشارع عشرات الآلاف، وأنا أقتبس هذا من The Time. أجرت الـ "بي بي سي" مثلاً تغطية كانت موالية تماماً للحراك، فكانت تغطيتها مُناهِضة لـ "يانوكوفيتش" ومؤيِّدة لحركة الميدان ونقلت أنّ في الشارع من 20 إلى 30 ألف شخص فحسب، وهذا العدد هو من أصل عدد سكّان (أوكرانيا) البالغ 49 إلى 50 مليون نسمة. بالتالي، أطاح أولئِك الـ 20 إلى 30 ألف شخص الحكومة المُنتخبة، أي أنه رقمٌ غاية في الصِغَر، بالتالي اندلعت تظاهرات جماهيرية بالفعل لكنّها كانت قد انتهت قبل سقوط الحكومة بكثير. وبالعودة إلى ما كنت أقوله سابقاً، تولّى "ياتسينيوك" منصب رئاسة الوزراء ليس عبر انتخابات بل عبر تظاهرات في الشوارع، وهيمن على تلك المرحلة بحلول المرحلة التي أُطيح بها "يانوكوفيتش"، حركة النازيين الجُدد أو اليمين المتطرِّف أو النزعة القومية المُتطرفة أو البنداريّة أو سمها ما شئت، لكنها منظمات يمينية مُتطرِّفة ولم يكن ذلك مُخفياً إطلاقاً، ولم يكن الانقلاب سرّياً بل اتّسم بوضوحٍ تام. أذكُر رؤية صحافيين أساسيين في الـ "بي بي سي" موصوفون بالديمقراطيين الليبراليين يسألون الناس عن آمالهم المُستقبلية في دولة أوكرانية ديمقراطية، لم يدركوا أنّ الذين أجروا معهم مُقابلات كانوا يرتدون علامة الفاشيّة الجديدة ويلوّحون بأعلام القطاع الأيمن وما إلى ذلك، ولم يخفوا انتماءاتهم اليمينية المتطرّفة والفاشية الجديدة المُناهِضة لـ (روسيا) تحديداً. ما قلته حضرتك صحيح، ما إن تولّت الحكومة السُلطة ظهرت مجدّداً صوَر مشهورة التقطها رادار المجلِس الأعلى الأوكراني في (كييف) تُظهِره مُحاطاً بميليشيا فاشية جديدة مقنّعة ومُسلّحة كانت تروّع أعضاء البرلمان وتحظّر الأحزاب. نذكر أنّ الانتخابات التالية شهِدت أعمال ترويع واسعة النطاق ضدّ الأحزاب الموالية لـ (روسيا) مثل حزب "المناطق" وهو حزب "يانوكوفيتش" الذي جرى حلّه منذ مدّة طويلة إضافةً إلى الحزب الشيوعي الذي كان سيُمثِّل المُعارضة لكنّه حُظِرَ فعلياً غير أنه استطاع خوض بعض تلك الانتخابات وبالتالي، مثَّل حزب "المناطق" والحزب الشيوعي معاً المُعارضة التي لم تُبصِر النور، لكنّهما لما يحظيا بفُرصة عادلة فعليّة لخوض الانتخابات، كذلك مُنِع التلفزيون والإذاعة باللغة الروسيّة من البثّ بذريعة أنّ تمويلهما أجنبي، فجرت الانتخابات وشُكِّلت تلك الحكومة التي لا تزال تمسِك مقاليد السُلطة إلى حدٍّ بعيد، والمؤهلات الديمقراطية بحدّ ذاتها مشكوكٌ فيها. لكن أظهرت الانتخابات أنه بالرغم من أنّ كثيراً من أصحاب المناصب العليا في الحكومة الحالية امتلكوا علاقات يمينية مُتطرّفة لكنهم لم يحظوا بدعم انتخابي، ونُلاحظ خيبة أمل واسعة النطاق في المناطق الناطقة باللغة الروسية في (أوكرانيا) إذ كانت نسبة المُشاركة في تلك المناطق ضئيلة جداً وبلغت حوالى 20 % أو أقلّ في الانتخابات الأخيرة عام 2014. حتّى في المناطق الأُخرى، الأحزاب الفاشية التي كانت لا يزال لديها ممثلون رفيعو المُستوى في الحكومة بفضل دورها في تظاهرات حركة الميدان لم تحصد سوى 1 إلى 2 % من التصويت الشعبي، ومن الخطأ أن نعتقد التالي، ولا أقصد أنّ هذا ما قاله (آدم)، لكن في حال اعتقاد المُشاهدين أنّ (أوكرانيا) دولة فاشلة فهي ليست كذلك. لم تنتخب نسبة كبيرة من الشعب هذه الحكومة لكن لدى الفاشيين سُلطة في الشُرطة والميليشيا، وتحديداً في وزارة الداخلية، ونتيجةً لذلك ولدور "ياتسينيوك" كرئيس وزراء كما قال ذاك الرجل على الشارِع، اتضح أن الكثير من البيانات الصحافية كانت باطلة، وأنا يئِست في المرة الـ 15 التي نقلت فيها وسائِل الإعلام الغربية على نحوٍ حتمي إنّ القوّات الروسية كانت على وشك اقتحام (أوكرانيا)، ودائِماً ما أُسنِد ذلك إلى قول "ياتسينيوك" أو أحد ملازميه

جورج غالاواي: لكن ذلك لم يحصل البتّة

تشارلز شو بريدج: بالضبط، لم يحصل إطلاقاً

جورج غالاواي: لو حصل ذلك لكان الجيش الروسي متمركزاً الآن في (كييف)

تشارلز شو بريدج: أجل، لكان وصلَ إلى (كييف) في غضون ثلاثة أو أربعة أيام، فالجيش الأوكراني حيشٌ مُتداعٍ، وبالفِعل، جاء التدخّل الروسي ويُمكننا النقاش حول ذلك في ما بعد إن شئت، لكن كما قلت أنت و"آدم"، نتيجة الاستجابة للتدابير المُعادية لـ (روسيا) التي اُعلِنت مباشرةً خرج الناس في (دونباس) و(لوغانسك) و(دونيتسك) في تظاهرات حاشدة، وكانت تلك تظاهرات واحتجاجات شعبية ولم يكن هؤلاء جنوداً روساً بل أفراد مسلّحون بالمُسدسات والمعازِق وأسلِحة صغيرة قديمة، ورأى الصحافيّون المُستقلون أنّ فعلاً الذين نزلوا إلى الشوارع هم مُحاربون قُدامى من الجيش السوفياتي مثلاً أو من الأوكرانيين أنفسهم يتظاهرون بسبب إسقاط الحكومة التي انتخبوها. وبطبيعة الحال، أرسلت (أوكرانيا) جيشاً لإخماد التظاهرات الشعبية بصرف النظر عن أنّ من بدأها ثوّار كما زُعِم

جورج غالاواي: ما حال الوضع العسكري الآن؟ فتغطية الحرب المُستمرّة هناك ضعيفة في (بريطانيا) على الأقلّ، فإذا باتت (أوكرانيا) تابعة لحلف "الناتو" الآن وإذا كان هؤلاء الناس يُثيرون بلبلة بهدف العودة إلى (روسيا)، فهذا خطّ المواجهة إذاً

تشارلز شو بريدج: هذا مُثير للاهتمام، فبناءً على تجربتي، وبما أنني تحدّثت إلى الكثير من الأشخاص في تلك المناطق، لاحظت اختلافاً كبيراً بين الناس القُرم والناس في (دونباس)، فالناس في (القُرم) روس تماماً، إذ أنني عندما زرت (القرم) عام 2005 تحدّثت مع الكثير من الناس ولم يقل لي أحد منهم أنه أوكراني بل أرادوا جميعهم أن يكونوا جزءاً من (روسيا) أيضاً. وقبل حركة الميدان، كان الناس الذين قابلتهم في (خاركيف) والمُقاطعات الشرقية أوكرانيين، بل كان مُعظمهم أيضاً يقولون أنّهم جزء من (أوكرانيا) وليسوا جزءاً من (روسيا)، لكن ما يريدونه وما أرادوه بعد حركة الميدان، في البدء لم يريدوا ترك (أوكرانيا) ولا الانضمام إلى (روسيا) بل أرادوا أن يجري احترام عاداتهم الروسيّة وثقافتهم ودينهم ولغتهم، لكن الحكومة الجديدة على الفور قللت من احترام كلّ ذلك. أمّا الآن فالوضع مُختلِف كثيراً، فعندما يطلب الناس احترام دينهم وثقافتهم ليجري التقليل من احترامهما في ما بعد، وعندما يُعلنون عن ولائِهم لدولتهم لتُرسِل الأخيرة عليهم طائِرات مُقاتِلة ودبابات ومدفعيات طوال أربع سنوات لإسقاط القذائِف باستمرار على المدنيين وقتلهم في تلك المناطق، أظنّ أننا إذا سألنا أولئِك الناس عينهم سيقولون انهم لا يُريدون العودة إلى (أوكرانيا)، فعندما تنقلب الدولة على الشعب سينقلب الشعب عليها، وأظنّ أنّه من غير المُرجَّح أنّ (روسيا) ترغب في ضمّ تلك الأجزاء إليها، والحال مُختلفة بالنسبة إلى (القرم) وبالنسبة إلى الوضع العسكري، فعادةً ما يُعلَن وقف إطلاق نار. وتمّ التوصّل إلى اتفاقية (مينسك) بمساعدة كبيرة من (روسيا) ومن (فرنسا) وليس من الولايات المتحدة في ما يتعلّق بالتوسُّط في مُحادثات السلام، ولا يزال هذا هو الهدف النهائي للأطراف المُتحاربين، لكن وقف إطلاق النار ليس إلّا حبراً على ورق، فلا يُظهِر خطّ المواجهة تقدّماً سريعاً وتراقبه في (أوروبا) منظمة الأمن والتعاون المتعدّدة الجنسيّات ويُمكنكم في أي يوم زيارة موقعها أو حسابها على "تويتر" فتغريداتها هناك جيدة جداً وتُبلِّغ يومياً عن اعتداءات من الطرفين، لكن من الجيش الأوكراني تحديداً، فهو يُسقِط القذائِف على المدنيين ويقتلهم في (دونيتسك) ومناطق أُخرى غير أنّ ذلك لا يظهر في صُحف بلدنا، والأهم أنّ الأمر لا يقتصر على الجيش الأوكراني، فهو كما قلنا سابقاً جيش مُتداعٍ قديم الطراز وغير فعّال وكذلك انشقّ عنه الكثيرون لينضمّوا إلى الثوار، فتعتمد الحكومة الأوكرانية إلى حدٍ كبير في هذه المناطق وفي أُخرى داخلية على الميليشيات المؤيّدة للفاشية. بالعودة إلى نُقطة الحوار الأساس التي تُشكِّل في مُعظمها الميليشيات الخاصّة لبعض الأوليغارشيين الذين يدعمون الحكومة، وربما يُمكننا العودة في وقتٍ لاحق للتطرّق إلى الأوليغارشيين أنفسهم في بعض الحالات الذين موّلوا الحملات الانتخابية لأشخاص مثل "هيلاري كلينتون" والذين قدّموا سابقاً تبرّعات لمؤسّسة (كلينتون) حين عمِلَت (كلينتون) وزيرة للخارجية ونسّقت السياسة الخارجية الأميركية بما يدعم حركة الميدان

جورج غالاواي: يا لها من شبكة مُعقّدة حبكوها في (أوكرانيا). سأعود للاستماع إليك لاحقاً "تشارلز" للحديث عن الحِيَل القذرة التي كُشِفت واحدة منها وهي قضية "بابتشينكو" التي قد تُساعدنا على فهم بعض الحِيَل الأُخرى. أنتم تُشاهدون "كلمة حرة"                               

المحور الثالث:

جورج غالاواي: أنتم تشاهدون برنامج "كلِمة حرّة" معي "جورج غالاواي" حيث نوافيكم من (لندن) بنقاشٍ حول الجبهة بين الغرب والشرق، أي بين "الناتو" و(روسيا) وتُسمّى هذه الجبهة (أوكرانيا). خرجنا بالكاميرا إلى شوارِع (لندن) لنستمع إلى آراء الناس، فلنشاهِد

المُحاورة: هلّ تعتقد أنّ (أوكرانيا) تغدو يمينية أكثر؟

رجل 1: ليس لديّ أيّة فكرة

شابة 1: شخصيّاً أظنّ أنها غدت يمينيّة أكثر في السنوات الأخيرة وقد بدأ الأمر منذ مدّة. فإن زرت (أوكرانيا) سترى حشوداً من جيل الشباب، ويتمّ تلقين الشبّان ليتعلّموا أن يحبّوا أبطالاً لا أن يستحقوا أن يُسمّوا أبطالاً

المُحاورة: ما رأيك في زيادة القوّات البريطانية وقوّات الناتو في (أوكرانيا)؟

رجل 1: لا أعلم، أظن أنها خطوة جيدة، بل جيدة جداً وأرى أنّ الناس سيُحافظون على السلام لوجود هذه القوات في حال نشوب أيّ نزاع

شاب 1: (أوروبا) والدول الكُبرى كالولايات المتحدة تُرسل قوّاتها إلى مكان لمُساندة دول أُخرى. يبدو الأمر غريباً وغير صائِب لكنّه كان مُفيداً ونافعاً في بعض الأحيان

شابة 1: يملأ ذلك نشرات الأخبار لكنني لا أظنّ أنَّ تمركز "الناتو" بالقرب من (روسيا) أمرٌ صائِب

رجل 2: أظنّ أننا يجب أن نبدأ بحماية مصالِح الغرب إذ أصبحت (روسيا) في الآونة الأخيرة قوة جيو سياسية مهيمنة خاصّةً بعد ضمّ (القرم) إليها وربما تفعل المزيد إن لم نُحرِّك ساكناً للدفاع عن مصالِحنا هناك

جورج غالاواي: كان ذلك مثالاً كلاسيكياً عن ادّعاء الوعي من قِبَلِ رجل جالس على مقعد في الحديقة يتحدّث عن مصالحنا الجيوسياسية الغربية وهو على الأرجح لا يملك نقوداً في جيبه، لكنني ربما أظلمه. لديك الميكروفون، تفضّل سيّدي

جوليان مورو – ناشط: شكراً "جورج". كان يجدر به أن يبقى على إجابته الأُولى وهي أنّه لا يعلَم

جورج غالاواي: أجل      

جوليان مورو: لكن في التقرير السابق قال هذا الرجل أنّه لا يُمكنه الوثوق بـ (روسيا) لأنّه سمع ذلك في الأخبار. وكما ذكرنا سابقاً لن تُظهِر (روسيا) الفاشيين اليمينيين الذين يمسكون زمام السُلطة الآن بصورتهم الحقيقية كفاشيين، لكن أيّ تحرُّك شعبي لديه شكوك في الاتحاد الأوروبي تُصوِّره وسائِل الإعلام الأساسية فوراً على أنّه فاشي، وفي هذه الحال يُعتَبَر بعض الفاشيين جيدين أما بعضهم الآخر فتظهرهم سيئين

جورج غالاواي: هذا سؤال جيد جداً وكان اكتشافاً بالنسبة لي كشخص يُناهض الاتحاد الأوروبي أن أعلَم أنني عُنصري أو حتّى فاشي ـوشعبوي أو قومي، وأنا بالطبع لستُ أياً من ذلك، بالتالي هلّ تعتقد أننا تسرّعنا في إطلاق هذا الوصف؟

جوليان مورو: هذا مُمكن، وفي الواقع أنا لستُ واثقاً من رحيل "يانوكوفيتش" فعلاً لأنّه كان يميل إلى (روسيا) بدلاً من الاتحاد الأوروبي وأظنّ أنّ ذلك قد يكون عاملاً

جورج غالاواي: بل أظنّ أنّه كان يميل إلى الطرفين لكن البعض أراد أن تكون ميوله حاسمة أكثر. وللمناسبة، لا أؤيِّد "يانوكوفيتش" بل أظنّ أنّه كان رئيساً فظيعاً لكنّه امتاز بكونه رئيساً مُنتخباً وليس واحداً فرضه البلطجيّة في الشارع. من يود المُشاركة؟ تفضّل يا سيّدي

وليام سبرينغ – مُعلِّق: إسمي "وليام سبرينغ" وأنا مُعلِّق على صعيد الشؤون الدولية. في الحقيقة لديّ تعليقان. أولاً، يُذكّرني ما يحدُث في الوقت الذي كنت فيه طالباً في (كندا) وعشت مع عائِلة أوكرانية هناك وقد حدث ذلك منذ زمنٍ بعيد، منذ سنوات كثيرة. أخرجوا من الدِرج بطاقة تُظهِر صورة اقرباءهم الذين ماتوا جميعاً في (أوكرانيا) جرّاء الجوع وما إلى ذلك خلال المجاعة التي فرضها "ستالين" على (أوكرانيا)، ولا أعتقد أنّ الأوكرانيين تعافوا من تلك التجربة مُطلقاً، ولا بأيّ شكلٍ من الأشكال، وأظنّ أنّ ذلك ما يدفع المجموعات الفاشيّة التي سيطرت على الاحتجاجات الأوكرانية في الشارع. ثانياً، أودّ أن أذكُر أنّ ابنتي "سوزانا" علّمتني عن (أوكرانيا) لفترة قصيرة وقد شاركَت في احتجاجات الميدان، إذ كانت تعمل في (أوكرانيا)، وحين وصلت إلى هناك قالت لي: أبي، إنها ثروة رائِعة! فرددت قائِلاً أنّها لن تبقى كذلك وأعتقد أنّه ثبُتَ أنني كنت مُحقاً لكن "سوزانا" لن تعترف بذلك أبداً، وكانت تلك الاحتجاجات بمثابة عملية استيلاء من خلال حملة أميركية، من قبَل وكالة الاستخبارات المركزية التي تقودها "فيكتوريا نولاند". ويجب أن نتأسّف على إطاحة الرئيس المُنتَخَب بالقوة

جورج غالاواي: أعتقد أنّ "ستالين" تمتّع بسلطة كبيرة لكنّه على الأرجح لم يتحكّم بالمناخ والمجاعة. لكن حقيقة أنّ الفاشيين حصلوا على نسبة 1 إلى 2 % في التصويت الشعبي كما ذكَرَ "تشارلز" هما تعقيب وتذكير مفيدين، بأنه إذا ارتدى بعض المئات أو حتّى الآلاف أقنعة وحملوا سلاحاً ووضعوا صليباً معقوفاً فذلك لا يعني أنّهم يُمثّلون شريحة أكبر من السُكّان. ففي النهاية، قد يضع بضعة آلاف من الأشخاص في (بريطانيا) شارات نازيّة ويتجولون مرتدين أقنعة. في الواقع، صادفت تظاهرة مُشابهة قبل أيام في وسط (لندن)، وبالتالي كلّ ما أقوله أنّه علينا ألاّ نُبالغ في الدرجة التي يرى فيها الأوكرانيون أنّ ما حدث هو انتقام للمجاعة التي حصلت في الثلاثينات وأنّ هذا ما يشعُر به مُعظم أفراد المُجتمع، تفضّل سيّدي

ديمتري لينيك – صحافي روسي: إسمي "ديمتري لينيك" وأنا صحافي روسي أتمتّع بخبرة واسعة وقد عملت لمصلحة وسائِل إعلام روسيّة وأُخرى بريطانية ويُصادف أنّ لديّ أُصولاً أوكرانية لكنني أُعدّ نفسي روسياً، إذ ولدت وترعرعت في (روسيا)، أمّا أُمّي فترعرعت في (القرم) وكان جدّي عمدة بلدة أوكرانية صغيرة في شرق (أوكرانيا)، لكن حين وصلَ البلاشفة إلى الحُكم فرَّ جدّي إلى (سيبيريا) في (روسيا) ليتوه في المساحات الشاسعة هناك. إذاً، في رأي عائِلتي الخاص الدولتين غير قابلتين للتجزئة. ويقول بعض الناس ومنهم الرئيس "بوتين" إنّ الشعب الأوكراني والروسي شعبٌ واحد لكنني لا أوافق على ذلك وأرى أنّ الفرق كبير بين الروس والأوكرانيين الفعليين والموضوع مُعقّد أكثر بكثير من ذلك لأنّ (أوكرانيا) نفسها ليست بلداً واحداً بل هي بلدان عدّة. هي بلدان على الأقلّ وهذا ما قيل سابقاً، وبالتالي، أظنّ أنّه يُمكن وصف أيّ بلد ببلد التناقضات، لكن ينطبق هذا الوصف على (أوكرانيا) أكثر من سواها. فالرئيس "بترو بوروشينكو"، وسأمتنع عن وصف الحكومة الحالية بالفاشية لأنه في رأيي تعبير قاسٍ جداً

جورج غالاواي: طبعاً، لا أظنّ أنني وصفتها بذلك

ديمتري لينيك: على أيّة حال، قال "بترو بوروشينكو" في مئة مُناسبة على الأقلّ خلال العام الماضي كلمة الوداع الأخير للامبراطورية الروسية وللاتحاد السوفياتي، ومع ذلك أعتقد أنّه ما زال يملُك، أو كان يملك، حتّى الآونة الأخيرة معملاً في مدينة (سمولينسك) في (ليبيتسك) ويدفع ضرائِب تصبّ في الموازنة الروسية وذلك أمر ظريف في بلد ثنائي اللغة مثل (أوكرانيا) التي لطالما كانت ولا تزال كذلك إلى حدٍّ بعيد. نرى أنّ اللغة الروسية منفيّة من البرلمان الأوكراني، إذ يُمنع تكلّم الروسيّة داخل البرلمان، وبتعبيرٍ مُلطّف، استخدام اللغة الروسية في وسائِل الإعلام الأساسية وعلى التلفاز أمرٌ غير مُحبَّذ. مع ذلك، بعض المتطرّفين الذين يُحاربون ما يُسمّى العدوان الروسي على المنطقة الشرقية يتكلّمون الروسية كلغتهم الأُمّ، وبالتالي الأمر صعب فهمه. لكن الخلاصة هي أنّ (أوكرانيا) ليست بلداً موحّداً والميول والولاءات مُختلفة، ولا ينطبق ذلك على (دونباس) فحسب بل على امتداد المنطقة الجنوبية الشرقية لـ (أوكرانيا) مثل (أوديسا) و(كريفي ليه) وكثير من المناطق الكبيرة التي يعيش فيها ملايين السكان. عندما نصف (أوكرانيا) بهذا وذاك يجب أن نأخذ في عين الاعتبار أنّ تلك الأوصاف تنطبق على الشخصيات الأساسية في الحكومة الأوكرانية وليس على (أوكرانيا) في حدّ ذاتها، وأعتقد أنّ الحدّ الفاصل أو العُنصر الذي يُميِّز أحدهما عن الآخر هو الموقف حيال الانتصار في الحرب العالمية الثانية وحيال المُقاتلين في الحرب سواء على الجانب السوفياتي أو على الجانب النازي، وبالتالي هذا هو الحدّ الفاصل، وهذا ما تحتفي به الشخصيات الأساسية في الحكومة، فهي تحتفي بالمُحاربين القُدامى في قسم القوّات الخاصّة الذي يضمّ أوكرانيين

جورج غالاواي: ألا يُعدُّ هذا تصرفاً غير مقبول؟ وأنا ممتنٌّ لخبرتك بالمُناسبة، لكن ألا ينبغي أن يُعدّ هذا تصرفاً غير مقبول؟ ليس بالنسبة إلى الأنظمة والشعوب السوفياتية فحسب بل إلينا جميعاً؟ فقد حاربونا أيضاً. حاربوا البريطانيين والفرنسيين والأميركيين، وحاربوا الحلفاء بالنيابة عن "هتلر"، بالتالي لماذا تتجاهل الحكومات الغربية والصحافيين الغربيين، وكونك صحافياً قد تستطيع أن تُجيب عن هذا السؤال، كيف تستطيع الطبقة السياسية الغربية أن تتغاضى عن ذلك الحدّ الفاصل؟

ديمتري لينيك: بالفعل، ببساطة لا يريدون أن يعرفوا حقيقة (أوكرانيا) أو حقيقة الشخصيات الأساسية في الحكومة الحالية أو ما هو رأي الشعب حقاً، فما يزالون يقولون انّ (القرم) جرى ضمها وأنّ الاستفتاء زُوِر تحت تهديد السلاح وما إلى ذلك رغم أنه من السهل الذهاب إلى هناك والتكلُّم مع الناس ومعرِفة الحقيقة، لكنّهم لا يريدون ذلك. (أوكرانيا) بالنسبة إليهم ليست إلّا أداة في الحرب الجيو – استراتيجية ضدّ (روسيا)

جورج غالاواي: لكننا غير مُستعدّين لدفع الثمن كما ذكر "آدم" سابقاً على ما أظنّ، والبديل الوحيد أمام (أوكرانيا) هو علاقة اقتصادية جيدة ونافعة متبادلة مع (روسيا) وعلاقة مساوية ومقابلة مع الاتحاد الأوروبي، لكن الاتحاد الأوروبي غير جاهز لذلك وغير قادر عليه، فهو غير جاهز للنهوض من الركود

ديمتري لينيك: قطعاً لا

جورج غالاواي: هلّ يُقلق ذلك الناس في (أوكرانيا)؟

ديمتري لينيك: ما يجب أن نأخذه في عين الاعتبار أيضاً هو أنه منذ عام 2014 – 2015، كانت الآمال كبيرة أزاء اختيار (أوكرانيا) المسار الأُوروبي مبتعِدةً بذلك عن الإمبراطورية الروسية والاضطهاد السوفياتي وما شابه. وللمناسبة، أودّ أن أعود للتطرّق إلى موضوع المجاعة. أعلم أنّ ملايين الأوكرانيين قضوا جرّاءها، وهذه حقيقة لا جدال فيها لكنّها بالتأكيد لم تكن تطهيراً عرقياً أو إبادة جماعية كما حاولت (أوكرانيا) ترسيخها في الدستور وبعض القوانين الدوليةـ وقد نجحت في ذلك في مرحلة ما، لكن الحقيقة هي أن صادف أنّ المناطق التي كانت تُزرَع فيها الحبوب، و(أوكرانيا) واحدة منها، عانت المجاعة خلال تلك السنوات المروِّعة التي شهِدت أعمال "ستالين" الانتقامية

وليام سبرينغ – مُعلِّق: ألم ينتج ذلك من إقامة المزارِع الجماعية؟      

ديمتري لينيك: أُقيمت تلك المزارِع على امتداد الاتحاد السوفياتي، وهذا مقصدي

جورج غالاواي: لم تقتصر على (أوكرانيا) فحسب

ديمتري لينيك: ربما

جورج غالاواي: بالطبع، سبّبت إقامة المزارع الجماعية في الاتحاد السوفياتي كما في (الصين) اضطراباً شديداً وجرى التنازع حولها ومُعارضتها وتخريبها بطرقٍ عدّة، وربّما لم تكن إقامتها خياراً صائِباً في ذلك الوقت بالتحديد، لكننا الآن في عام 2018 والقوّات الأميركية والبريطانية والفرنسية والإسرائيلية على حدود (روسيا)، ليس (روسيا) البلشفيّة ولا (روسيا) "ستالين" بل (روسيا) الرأسمالية ذات الرئيس الرأسمالي "بوتين"، وتُهدد بشنّ حرب ولا أفهم سبب كلّ ذلك حقاً، لكننا قد نكتشفه في القسم الأخير من الحلقة. أنتم تُشاهدون "كلمة حرّة"           

المحور الرابع:

جورج غالاواي: أنتم تشاهدون برنامج "كلِمة حرّة" معي "جورج غالاواي" على قناة "الميادين" وقد وصلنا إلى الفقرة الأخيرة، لذا فلنستكمل سريعاً. تفضّل سيّدي

غوران – طالب علاقات دولية: مرحباً، إسمي "غوران" وأنا طالب علاقات دولية، لذا أهتمّ كثيراً بالجيوسياسة، لا سيما في حال (أوكرانيا)، وأُريد الابتعاد قليلاً عن الـ "هولودومور" الذي شهدته فترة حُكم "ستالين" وسأُحاول شرح لماذا ظهر اليمين المتطرِّف في (أوكرانيا)، وطُرِح سؤال عن ذلك. في رأيي، النازيّون الجُدد أو اليمينيون أو مهما أردت أن تُسمّيهم، ليسوا سوى حصيلة عرضيّة للسياسة الخارجية الأميركية على غرار المُجاهدين في (أفغانستان) في الثمانينات. ما ينبغي لهم أن يُدركوه هو أنّهم ليسوا سوى أداة بيد الولايات المتحدة، وما يحدُث هو صراع نفوذ بين اثنتين من القوى العُظمى إحداها الولايات المتحدة نفسها، أمّا الأُخرى فـ (روسيا)، و(أوكرانيا) مجرّد منطقة لبسط النفوذ

جورج غالاواي: تقصد أنها مُجرّد حجر على رقعة الشطرنج؟

غوران: تماماً. وعلى الأقلية اليمينية في (أوكرانيا) أن تُدرِك ذلك، إذ يُمكننا النظر إلى الوضع كاملاً في (دونباس) و(القرم) من منظورٍ واقعي على صعيد العلاقات الدولية لنرى أنّ هاتين القوّتين العظميين وقوى أعظم مثل (بريطانيا) لهم تأثير في ما يحدُث، لكن أكثر من يُعاني في نهاية المطاف هم الأوكرانيون

جورج غالاواي: أحسنت التعبير، فلننتقل إلى الشاب في الصفّ الأوسط، تفضل سيّدي

جوشوا ميغان – ناشط: حسناً، إسمي "جوشوا ميغان" من منطقة (براتسي) وقد درست المراحل المُبكرة من الحقبة السوفياتية، كذلك أخذتُ صفاً متقدماً عن (روسيا) القيصرية، لكن كان ذلك في ما مضى. بالرغم من أنّ المرء لا يستطيع أن يقول صراحةً إنّ الاتحاد الأوروبي نظام فاشي، فحتّى بالنسبة لي هذا نقدٌ غير صحيح للاتحاد الأوروبي وهو مُبالغٌ فيه وبغيض جداً بالنسبة لي، لكن يُمكننا أن نُلاحظ تشابهاً كبيراً بين ما يفعله الاتحاد الأوروبي في (أوكرانيا) من خلال حركة الميدان وما حاول النازيون فعله في (أوكرانيا) منذ عقود كثيرة. على سبيل المثال، لو كانت (أوكرانيا) لتنضمّ إلى الاتحاد الأوروبي، وهذا هدف الاتحاد الأوروبي النهائِي، إذ يرغب في الاستمرار بالتوسُّع، وطالما البلد بدا أوروبياً

جورج غالاواي: ربما هذا هو الهدف النهائي للنظام في (كييف)، فأُشكِّك في أن يقبل الاتحاد الأوروبي بعضوية (أوكرانيا)، فلديه ما يكفيه من الأعباء

جوشوا ميغان: هذا صحيح، لكن تكمن المُشكلة في أنها تملك قوى عاملة ماهرة، ولنتذكّر أن (أوكرانيا) تُعاني نضوباً ديموغرافياً، إذ تنخفِض مُعدلات الولادة بينما ترتفع مُعدّلات الوفاة، ولا شكّ في أنّ عمالتها الماهِرة ستُهاجر إلى (أوروبا) الغربية وتقضي على العمالة الماهرة هناك ما سيُلحق ضرراً كبيراً باقتصادها الذي يتداعى بالفعل. وبالعودة إلى الفِكرة، ظهَرَ الفاشيون مع بدء حركة الميدان في (أوكرانيا)، أو أنهم عادوا ليظهروا

جورج غالاواي: لطالما كانوا موجودين هناك، غير أنهم ظهروا عندما تزعزع الوضع

جوشوا ميغان – ناشط: ظهروا لدى نشوب خلاف بالطبع، لكن فكرتي هي التالية: في رأيي، ما يُحاول الاتحاد الأوروبي فعله في (أوكرانيا)، لا سيما عند الأخذ في عين الاعتبار أنّ المُستفيد الأساسي في الاتحاد الأوروبي هو (ألمانيا) التي تُحاول فرض سيطرة عامة على (أوكرانيا) وجعلها أوروبية على حساب إرثها الأوكراني، وجعل هويتها أوروبية لتتجانس مع باقي الدول الأوروبية. وما هو مهمّ أيضاً أنه يُمكن للمرء قول ما يشاء عن أن (روسيا) تُحاول جعل (أوكرانيا) روسيّة، لكن من المؤكّد أنّ الاتحاد الأوروبي يُحاول على نحوٍ امبريالي أن يُضعِف الهوية الأوكرانية. وليس من قبيل الصدفة أنّ الفاشيين في (أوكرانيا)، أو الذين شاركوا في حركة الميدان على الأقل، يريدون أن يمنحوا بلدهم إلى دول تجمعهم بها أُمور أقلّ مما تجمعهم بـ (روسيا)، وأرى أنه سواء أكان الأوكرانيين من عرقٍ روسي أو كانوا يتحدثون الروسية أو الأُوكرانية ومن عرقٍ أوكراني، فمن الأفضل أن يُلاحظوا هذا الخطر في أقرب وقتٍ ممكن

جورج غالاواي: يُمكن أن تسبّب القومية ذلك، فيُريد القوميون الاسكتلنديّون ترك (ليفربول) بهدف الانضمام إلى (لاتفيا). فلنستمع إلى السيّد الذي يرتدي نظّارات في الصفّ الخلفي. هلّ تودّ المُشاركة سيّدي وقد ظهرت في استطلاع الرأي؟ فلتخبرنا عن رأيك

مارتن – طالب: أولاً، كنت آتياً إلى هنا مع صديقتي الأوكرانية، وللأسف لم تستطع الانضمام إلينا اليوم. كنت أتحدّث معها على متن القطار خلال توجّهي إلى هنا من جنوب (بريطانيا) وسألتها عن رأيها في المسألة برمّتها وكيف أثَّرت بها، فقد انتَقلت إلى (بريطانيا) منذ أربع سنوات، في بداية الأحداث تارِكةً خلفها ما سأدعوه بالبلد اليائِس، لكنني أعتقد أنّ مسألة جرى التطرُّق إليها بإيجاز، وهي نفوذ (أوكرانيا) الاقتصادي، بل بتعبير أفضل، نفعها الاقتصادي لـ (روسيا) في صدد النفط لأنّ أنابيب النفط تعبر الأراضي الأوكرانية إضافةً إلى نقل النفط

جورج غالاواي: وهو نفط روسي وغاز روسي أيضاً

مارتن – طالب: بالفعل هو نفط روسي يصل إلى (أوكرانيا) لينتقل إلى جميع أنحاء العالم مثل (أوروبا) وغيرها. بالتالي (أوكرانيا) منطقة مهمة جداً اقتصادياً، وأرى أنّ ما يحدُث ليس مهمّة إثنية بالكامل يُمارسها الروس في (أوكرانيا)

جورج غالاواي: تعتقد أنّ لها غايات اقتصادية؟

مارتن: أظنّ أنّ كلّ ما يحدُث له غايات اقتصادية

جورج غالاواي: شكراً جزيلاً، السيّد هنا في الصفّ الأمامي، نعم أنت سيّدي

إرنيست ريد – طالب علوم سياسية: ا

إسمي "إرنيست" وأنا طالب دراسات عُليا في كليّة (لندن) الجامعية، أدرُس السياسة والأمن

جورج غالاواي: راقبوه جيداً فهو رئيس مُستقبلي

إرنيست ريد: وأنا مُختصّ بـ (روسيا) والمنطقة حيثُ كان يقع الاتحاد السوفياتي ودول البلقان، وأود تأكيد فكرة ذُكِرَت سابقاً. صحيح أنّ ما يظهر من أجواء يمينية لا تُمثِّل (أوكرانيا) كاملةً، فأنا أوكراني جزئياً ولي أقارب في (كييف) ومناطق أوكرانية أُخرى أيضاً. يقول أقربائي في (أوكرانيا) أنّ الوضع في أسوأ حالاته الآن، ففي السابق كان في الحُكم سارِق، أمّا اليوم فسارِق وقاتل. وبالنسبة إلى حزب القطاع الأيمن، أعتقد إنّنا يُمكننا التعليق عليه بكلمات إحدى الشخصيات فيه، وهو "كوفال" الذي قال انّ الأشخاص الذين أرادوا الوصول إلى السُلطة استخدموا القطاع الأيمن كأداة ضغط للوصول إلى الحكومة الأوكرانية، أمّا الآن فيصعب تصديق ما يحدُث إذ يُحاولون التخلّص منهم، وهمّ من يعترِف أنّ القطاع الأيمن

جورج غالاواي: ورَدت للأشخاص الذين ساهموا في وصول "هتلر" إلى السُلطة الفكرة نفسها، بأنه مُجرّد عريف مُختال يسعهم التحكّم به، لكن ليس من السهل فعل ذلك بعد وصولهم إلى السُلطة أليس كذلك؟

إرنيست ريد: هذا صحيح، وأعتذر لذِكري "هولودومور" مرّة أُخرى، من المؤكّد أنها كانت فاجِعة لكن قلّما يُذكر أنّه في الوقت الذي حدثت فيه "هولودومور" تقريباً اتّبعت البلدان الغربية سياسة ضدّ الاتحاد السوفياتي الذي كانت الدول الغربية لا تزال تُحاول تقبّله. فلم تكن سعيدة بوجود الاتحاد السوفياتي، وبالتالي اتّبَعت سياسة تقضي بأن ترفض الدول الغربية، بما فيها (بريطانيا)، أن تتلقّى الذهب أو المال أو التكنولوجيا التي تُصدِّرها إلى الاتحاد  السوفياتي، ولم تقبل إلّا أن يدفع لها الاتحاد السوفياتي بالحبوب. بالتالي، التوقيت غاية في الأهمية أيضاً، فلم يُدرِك الاتحاد أنّ المحصول سيكون سيئاً في ذاك العام، وحين أدرك ذلك كان الأوان قد فات. وفي الواقع، حاول "ستالين" إعادة بعض السفن والعربات التي كانت تنقل الحبوب خارِج الاتحاد السوفياتي، وقد أُعيد بعضها بالفِعل لكن كان الأوان قد فات فعلاً، وبالتالي الأمور ليست بالوضوح الذي تبدو عليه

جورج غالاواي: ينطبق ذلك على كلّ شيء

إرنيست ريد: بالفعل

جورج غالاواي: شكراً جزيلاً. "تشارلز"، أُريد أن أختم المسألة إن أمكن. ذكرت سابقاً أنّ مسألة "بابتشينكو"، وهي تلفيق مقتل الصحافي الروسي المنفي، بثَّت الحياة في نوعٍ جديد من التشكيك في الغرب من ناحية القُدرات المُمكنة للنظام الأوكراني في (كييف). ما الاستفزازات الأُخرى التي يقف هذا النظام وراءها؟ وما الذي يعتزم فعله مُستقبلاً؟ وأطرح سؤالي هذا في السياق التالي: من المُسلّم به بأنّه حين تكون بعض القوى العسكرية قريبة من بعضها الآخر ويواجه بعضها البعض الآخر، فإنها لا تحتاج سوى إلى شرارة أو حافِز لتشتبك، ولا أعلم إن كنت قلقاً، لكن ينتابني قلق من أنّ بعض الاستفزازات الأوكرانية التي حُمِّلَت (روسيا) مسؤوليتها قد تكون سبباً للحرب

تشارلز شو بريدج – خبير أمني واستراتيجي: يُشاركك هذه المخاوف أشخاص كثيرون لا تجمعك بهم أمور كثيرة أُخرى، فهُم شخصيات رفيعة في "الناتو" مثلاً، وشخصيات حكومية في (ألمانيا) مثلاً، وقد تحدثنا عن دور (ألمانيا) سابقاً إضافة إلى أشخاص في الاتحاد الأوروبي أيضاً، وينتج هذا القلق من أسباب مُختلِفة. فكثير من المُتحكّمين بالسُلطة في الاتحاد الأوروبي ومن صُنّاع القرارات فيه يعتبرون (أوكرانيا) بلداً يُرثى له على الصعيد الاقتصادي، فهو مكان يعمّه الفساد، وكما ذكرت، إذا تحدّثت إلى الناس هناك كما أفعل أنا، سترى أنّ الحال ساءت أُسبوعياً منذ رحيل "يانوكوفيتش". لكن للسبب نفسه، من المنظور العسكري، كثير من الأشخاص الذين عليهم مواجهة عواقب قراراتهم، مثل القيادة العليا في الناتو، رغبوا كثيراً في استخدام (أوكرانيا) والناس هناك كأحجار شطرنج كما أشرت بهدف استفزاز (روسيا) وبعدها استغلال القُرب الجغرافي من (روسيا) كذريعة لزيادة النفقات الدفاعية أكثر، إذ يُمكننا القول إنّ (روسيا) باتت على حدودنا الآن مع أنّ حدود الغرب هي التي تحرّكت شرقاً إلى حدٍّ بعيد. لكننا نسمع هذه الذريعة كثيراً كتبرير لضرورة زيادة النفقات الدفاعية وكتبرير لحاجة الأجهِزة الاستخبارية إلى تمويل أكثر وسوى ذلك، لكن للسبب نفسه يُقدِم أشخاص كثيرون، مثل وزير الخارجية الألماني على ما أعتقد، الذي أعلَنَ بعد أحداث الميدان بفترة وجيزة عن أنّهم لا يعتقدون أنّ (أوكرانيا) يُمكنها الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي قبل عقود، إذ سيستنفِذ ذلك كثيراً من موارِد الاتّحاد الأوروبي في حين يواجه مشاكل كثيرة أُخرى. بالتالي، لا نُريد من "الناتو" تكرار وضعٍ مُشابه لما حدث في (جورجيا) منذ سنوات عدّة حين عُرِضَ على (جورجيا) أن تكون عضواً في "الناتو"، ما شجّع هذا البلد الصغير فوراً أن يستفزّ (روسيا) كثيراً، وإذا أصبحت (أوكرانيا) عضواً في الناتو وتوجّب عليه، أو اضطرّ أخلاقياً للردّ على أعمال عدائية فبالطبع، سيسعى كثيرون إلى غاياتهم السياسية الخاصة وذلك بأن يحثّوا بدء الأعمال العدائية والإعلان عن أنّ (روسيا) أقدمت على أعمال عدائية بينما الحقيقة مُغايرة، وأعتقد أنّ كثيرين في الناتو يُدركون ذلك، ولهذا أعتقد أنّه في المُستقبل القريب، بالرغم من أننا سنرى كثيراً من قوّات الناتو وفي أعداد مُتزايدة على الأرجح، ستُستخدم (أوكرانيا) كميدان للتدريب وستسعى (إسرائيل) لبيع الأسلِحة هناك وسواها كما ذكرت، ويُعدّ ذلك توريداً مُربحاً جدّاً للأسلِحة في الاتجاهين بين (أوكرانيا) و(إسرائيل). لذا سيستمرّون في استغلال (أوكرانيا) لأهداف عسكرية وكأداة "بروباغاندا" لإظهار مدى سوء (روسيا)، لكنّهم لن يرغبوا في التعهّد بالتزامات مع (أوكرانيا) للأسباب عينها التي ذكرتها، وهي أنه لا يُمكن الوثوق بأنّ الأوكرانيين لن يُقحِموا باقي (أوروبا) الغربية في حرب مع (روسيا) ما سيكون كارثياً ليس بالنسبة إلى (أوكرانيا) فحسب بل إلى (روسيا) والغرب عموماً أيضاً. وتكمن المُشكلة في أنّ (أوكرانيا) أثبتت مراراً، كما ذكرنا بصدد الجهاديين في (سوريا)، أنهم شركاء لا يُمكن للغرب الاعتماد عليهم بالرغم من أنهم سمحوا بتحقيق أهداف السياسة الغربية سابقاً، ولا بد من وقفهم على مسافة مُعينة إذ لا يُمكن توقُّع أفعالهم ولا يُمكن الاعتماد عليهم. وليس من المُفاجئ أيضاً أنهم يعملون لمصالِحهم الخاصة جداً، وهي مصالِحهم السياسية الخاصة في (أوكرانيا). وبالطبع، يعلم اليمين المتطرِّف في (أوكرانيا) أنّه يحظى بدعم انتخابي مُنخفِض جداً لكن لا يزال أفراده يسعون للوصول إلى السُلطة ما يدفع المرء للتساؤل ما إذا كانوا يُسيطرون على وزارة الداخلية وعلى الميليشيات. ففي مرحلة ما خططوا لميدان آخر وانقلاب آخر، وفي هذه المرة لن يبقى أيّ أثر للحُكم الديمقراطي، وأعتقد أنّ "الناتو" والاتحاد الأوروبي قلقان من ذلك

جورج غالاواي: أقرّ مجلِس الشيوخ في الولايات المتحدة أكبر زيادة في النفقات الدفاعية في تاريخ الدولة، وتُنفق الولايات المتحدة اليوم على أسلِحة الحرب والجنود والعديد أكثر من الدول العشر التالية معاَ، وأعلنت الحكومة البريطانية للتوّ أنّها تدرُس إقرار زيادة كبيرة أُخرى في النفقات الحربية البريطانية، وقوى الناتو على الحدود مع (روسيا) بموجب عملية "سابر"، كما أعتقد أنها تُسمّى، في دول البلطيق و(بولندا) على الحدود مع (روسيا)، ويسود رهاب في (روسيا) ناجم عن المسألة الأوكرانية أولاً وتلك السورية ثانياً في موجات الأثير هنا في (بريطانيا) لدرجة أنّ النجاح العظيم لكأس العالم في (روسيا) 2018 خيّبَ ظنون ناشري البروباغندا إلى حدٍ بعيد، وبالتالي الوضع جاهِز لتتحوّل الحرب الباردة إلى حرب ساخنة، لكن من الأفضل أن نأمل جميعاً ألّا يحدث ذلك، ففي حال حدث ذلك لن يبقى أيّ أحد منّا للتحدث عن الأمر. كان لقاءً رائِعاً بالنسبة لي، وآمل أنّه كان كذلك بالنسبة إليكم. كنت معكم أنا "جورج غالاواي" في برنامج "كلمة حرّة" من (لندن) على قناة "الميادين"                     

أفغانستان والعراق

المزيد