ناريمان التميمي - عهد التميمي

 

مايا رزق: طابت بالخير أوقاتكم مشاهدينا الكرام.

إن لم تستشهد في سبيل القضية فهي أمّ الشهيد أو أخته أو ابنته، وإن لم تعتقل في سجون الاحتلال فخلف القضبان فلذة كبدها أو من ترعرعت معه في كنف عائلة واحدة أو من عهدت رؤية وجهه في أزقّة الحيّ.

وإن لم تصب بنيران المستعمر تراها جالسة إلى جانب من اخترقت جسمه رصاصات الاحتلال لتزيل عنه بقايا كراهية إسرائيل ولتزرع فيه حب الأرض والوطن.

وإن لم تكن ضمن المشاركين في مسيرات العودة فستجدها داخل إحدى الخيم الاستشفائية التي استحدثت لتضميد جراح المنادين بالحق.

هكذا هي المرأة الفلسطينية وإن أردنا اختصار مسارها النضالي لقلنا إنها هي القضية وإنها لصانعة عهد الحرية والكرامة والصمود.

في حلقة حوار الساعة اليوم، قد لا أحتاج إلى كثير من الكلمات للتعريف بضيفتيه، علماً أنه لو أراد المرء إيفاءهما حقهما لنظم ملاحم شعرية طويلة بطول عُمر القضية الفلسطينية.

ربما يكفي أن أقول عهد لتبث هذه الأحرف الثلاثة جرعةً من الأمل والشجاعة والوطنية في قلوب الأحرار.

ضيفتا حوار الساعة الأسيرتان الفلسطينيتان المحرّرتان السيّدة ناريمان التميمي وابنتها أيقونة فلسطين عهد التميمي التي ورثت عنها حب الوطن والروح المقاومة في سبيل القضية والأرض.

أهلاً ومرحباً بكم.

 

(فاصل)

 

مايا رزق: إذاً مشاهدينا الكرام، يسرّني كثيراً أن أستضيف في حلقة اليوم من حوار الساعة السيّدة ناريمان التميمي وأيقونة فلسطين عهد التميمي. أهلاً بكما عبر شاشة الميادين.

 

ناريمان التميمي: أهلاً بك.

 

مايا رزق: أهلاً بكما. تقول مديرة منظمة الضمير التي تُعنى بحقوق السجناء الفلسطينيين السيّدة سحر فرنسيس، تقول "يبدأ التعذيب وسوء المعاملة والإهانة من اللحظة الأولى لاعتقال الفلسطينيات". ومعك عهد أريد أن نبدأ هذه الحلقة منذ لحظة اعتقالك الأولى حتى لحظة انتصارك على السجّان؟

 

عهد التميمي: طبعاً اعتُقِلت من المنزل، لم يسمحوا لي بارتداء ملابسي، قيّدت، منذ البداية لم يسمحوا لي حتى بالسلام على أهلي أو أن أودّعهم، نزلت ووُضِعت في سيارة الجيش، وداخل السيارة بقيت طوال الوقت المجندة تشدّ بشعري وتنزله، كلما وددّت رفع رأسي تشدّ شعري وتنزله، كان هناك جنود كثر يشتمونني ويصرخون عليّ، ثمّ ربطتني المجنّدة بحزام الأمان وأرغمتني لأبقى عاملة هكذا، فوصلت ونزلت.

 

مايا رزق: إذاً لحظات الترهيب بدأت منذ اللحظة الأولى التي تمّ إلقاء القبض عليك من قبل قوات الاحتلال؟

 

عهد التميمي: نعم، منذ اعتقالي، كنت أعامَل بطريقة سيئة، وتعرّضت لكثير من الانتهاكات.

 

مايا رزق: نعم، عهد. أنتقل إليك سيّدة ناريمان.

حضرتك التقطتِ الفيديو الذي قامت من خلاله عهد بصفع الجندي الإسرائيليّ، وحتى أنتِ من ساهمتِ بنشر هذا الفيديو. هل كنت تتوقّعين أن يتم اعتقال عهد جرّاء هذا الفيديو؟

 

ناريمان التميمي: طبعاً، عهد من قرية النبي صالح، حالها حال كلّ أطفال القرية مهدَّدة بالاعتقال في أية لحظة، وحتى كان صدر قرار اعتقال سابق بحق عهد عندما عضّت الجندي وحاولت إنقاذ شقيقها محمّد من الجيش. توقّعت أنه ممكن أن يكون سبباً لاعتقالها، لكن لم أتوقّع بهذه السرعة، لأنه كانت هناك فيديوهات أقوى من هذا الفيديو، تم تصويرها لعهد عندما ضربت الجندي أثناء محاولة إنقاذ شقيقها، كان أكثر صعوبة، لم أكن أتوقّع بهذه السرعة، ولكن هذا ما جرى، وهذا احتلال، لا يعرف الشخص كيف يمكن أن يتعامل مع أيّ فعل موجود على الأرض.

 

مايا رزق: هل أنت نادمة على ما حصل؟

 

ناريمان التميمي: أكيد لا، أنا لست نادمة، وليس هذا الفيديو الوحيد الذي صورته. أنا كان آخر فيديو صوّرته بكاميرتي هو فيديو استشهاد شقيقي. أنا من بداية وجود المقاومة في قرية النبي صالح وأنا أوثّق جميع الانتهاكات التي تحدث أمامي، وكثير من الفيديوهات التي وثقتها أخرجت بعض الشباب من السجون لأنها أظهرت كذب الجنود. أنا لن أكون نادمة وسأستمر حتى، رغم كل القيود التي تقيّدنا، ولكن سأستمرّ لأنني أعتبر أن الصورة وآلة التصوير هي سلاح مثلها مثل أي سلاح نقاوم به في أرضنا.

 

مايا رزق: نعم، سيّدة ناريمان. عهد، أعود إليك.

أخبرينا عن ساعات التحقيق الطويلة. سُرّب أكثر من فيديو لعملية التحقيق معك. كانت ساعات طويلة، مرهقة، تخلّلها ربما ترهيب نفسي وحتى لفظي؟

 

عهد التميمي: طبعاً أنا حقّق معي ثلاث مرات، مرة أربع ساعات وأخرى ست ساعات وثالثة خمس ساعات، كانت الساعات طويلة، والتحقيق كان لساعات متتالية.

 

مايا رزق: وهو خلال الليل على ما أعتقد؟

 

عهد التميمي: تحقيقان في الليل كانا، وكنت أكون متعبة، ولم يسمحوا لي بالنوم، أذهب للتحقيق مضغوطة جداً، وأشعر بالنعاس كثيراً، وفي أحد التحقيقات تحرّش بي لفظياً، قال لي شعرك جميل وعيونك جميلة، وحتى سُرّب فيديو للمحقّق كيف كان يحقّق معي، كان يهدّدني بعائلتي أيضاً، وعرض عليّ أسماء أشخاص في عائلتي، وقال لي إن لم تعترفي سأعتقل هؤلاء، ولم يكن معي مجنّدة، أنا كنت بين محقّقَين، وكلاهما يهدّداني ويتحرّشان بي لفظياً، فأمر طبيعي أن يخاف الواحد، وكان عليّ ضغط نفسي كبير من هذه الناحية، وأنا أيضاً كقاصر لم يكن معي لا المحامي ولا أي شخص من أهلي والأمر كان صعباً جداً.

 

مايا رزق: رغم كل هذه الضغوطات عهد، مَن شاهد الفيديو المُسرَّب أذهِل بصمودك أمام المحقّقين الإسرائيليين. حاول أحدهما التقرّب منك بلطف وهذه طبعاً سياسة متعمّدة بهدف إيقاعك ربما والاعتراف بأمور أنت لم تقومي بها، والآخر كان أكثر صرامة وكان يصرخ بوجهك ويقول من يقف وراءك يا عهد.

رغم كل ذلك لزمتِ صمتاً ربما يعكس صموداً ويعكس وعياً لما أنت الآن فيه. هل هذا الوعي، أي معرفة ربما خدع المحققين، هو ناجم بسبب تربيتك من قِبَل عائلة، من قِبَل أمّ وأب دخلا أيضاً السجن؟

 

عهد التميمي: طبعاً هذا الأمر يؤثر بشكل كبير، لأنني أنا في عائلة، تقريباً كل أفرادها اختبروا حياة الأسر، والكل عندما يغادر السجن ونجلس كلنا كعائلة معه ويروي ما الذي حدث معه، أنه لم يعترف والتزم حق الصمت. فسريعاً أحسبها، التزموا حق الصمت، فلماذا لا ألتزم أنا بحق الصمت أيضاً، حتى لو مهما فعل ومهما قال يجب أن أبقى ملتزمة بحق الصمت، وكيف كانت جلسة العائلة وكل جلسة نتحدّث فيها عن تجربة كل واحد والذي حدث معه بالأسْر، صحيح أنني لا أدرك أن هذا يوعّيني لكن فعلاً هذا وعّاني كثيراً.

 

مايا رزق: سيّدة ناريمان، نشر الصحافي الإسرائيلي المتطرّف بن كاسبيت في صحيفة معاريف الإسرائيلية مقالاً ألمح فيه أنه لو كان مكان الجندي الإسرائيلي الذي قامت عهد بصفعه لكان قتلها.

سيّدة ناريمان أنت أمّ، وكأمّهات في العادة نتمنّى لأولادنا حياة سعيدة، حياة فيها رفاهية، فيها أمان. لقد قمت بتربية عهد وحتى العائلة كلها، أخوات عهد، على هذا النهج، وأنت تدركين جيداً أن هذا النهج سينتهي ربما باعتقال، باعتداء جسدي، بقتل، بشهادة.

كيف استطعت فعل ذلك؟

 

ناريمان التميمي: أنا مؤمنة إيماناً شديداً بأننا أصحاب حق في هذه الأرض، يجب أن ندافع عنه ونحرّر الأرض. إذا أردت أنا تحرير هذه الأرض، يجب أن أحرّر أبنائي من سلطتي الأبوية، لأن الموت موجود في كل مكان، موجود في المنزل، في العمل، في المدرسة، عائلة دوابشة استشهدوا في منزلهم، محمّد أبو خضير وهو ذاهب إلى المدرسة، رزان وهي تسعف، فكلّ هذه الأمور، الموت موجود، فإذا أردت أنا أن أحميهم لن أحميهم من هذا الاحتلال، حمايتهم فقط عندما أحرّرهم من سلطتي ليقاوموا هذا الاحتلال.

من المؤلم أن أرى أبنائي يتعرّضون للضرب أو حتى الموت ربما، ولكن هذه أرضنا، ويجب أن ندافع عنها، وبتحريري لهم يستطيعون أن يحرّروا هذه الأرض، لأنني مؤمنة أنه يجب ألا نورّث أبناءنا احتلالاً، يجب أن نورّثهم قوة وتصدّياً لهاذا الاحتلال.

في الهند، يعطون الطفل عند مولده جرعة من سمّ الأفعى، لأنه يوجد الكثير من الأفاعي، فتحدث لديه مناعة ضد هذا السمّ، ونحن يجب أن نمنح أبناءنا جرعة من المقاومة كي يستطيعوا تحدّي هذا المحتل.

 

مايا رزق: جميل جداً سيّدة ناريمان. عهد، أعود إليك.

داخل الغرفة في المعتقل، دُسّ جهاز تنصّت من قِبَل طبعاً القوات الإسرائيلية. أنت عثرت على هذا الجهاز. وما الذي قلتِه للمحتل عبر هذا الجهاز؟

 

عهد التميمي: طبعاً أثناء فترة التحقيق، أنهى المحقّق التحقيق وأنزِلت إلى الزنزانة، في الزنزانة وُضِع جهاز تسجيل صوت، كنت أنا وابنة عمي نور وأمّي في الزنزانة التي قربنا، فأنا أنزلت نور للأسفل، فوجدت كرسياً حديدياً، فنزلت نور قليلاً، وتنبّهنا له. طبعاً صرنا نتحدّث ونغنّي لفلسطين، ونتحدث بأمور لفلسطين، وطبعاً لم نتحدّث بأي شيء يخصّ قضيتنا، لأننا تعمّدنا طوال فترة التحقيق ألا نذكر أي شيء عن القضية التي اعتُقِلنا بسببها، وتحدّثنا بأمور كثيرة، وضحكنا وغنّينا لنظهر لهم عدم اكتراثنا، وحتى لو وضع لنا جهاز تسجيل صوت نحن لن نعترف ولن تستفيدوا من أي شيء.

 

مايا رزق: نعم عهد. عهد ليست الأولى، ليست الأخيرة من بين صبايا فلسطين، صبايا النضال بأصول، تقول صحيفة الشرق الأوسط اليوم. نتابع.

 

الشرق الأوسط: صبايا النضال بأصول

في هذا الأحد، اليوم قبل الأخير من شهر يوليو (تموز) 2018 خرجت من السجن الإسرائيلي فتاة فلسطينية من محاسن الصدف أن إسمها "عهد" بما تحمل الكلمة من معنى الثقة بالنفس والتصميم على مواصلة السعي من أجل قضيّة. ومن محاسن الصّدَف في ما يتصل بأسباب إيداع هذه الصبية السجن أنها مارست فِعْل المقاومة على النحو الذي لا علاقة له بالإرهاب ولا بالعنف. لم تشارك في خطْف طائرة ركاب كما سبق وفعلت ليلى خالد وذلك من أجل لفْت أنظار المجتمع الساهي ليس فقط عن فلسطين كقضية وإنما عن مئات المعتقلين من الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية.

العملية الأولى للنضال الأنثوي الفلسطيني كانت ليلى خالد التي طالما كابدت حياة اللجوء في أحد مخيمات الفلسطينيين في لبنان تَكبُر عهد التميمي بثمانية أعوام، الأمر الذي يعني انخفاض سن النضال بأصول من جانب صبايا فلسطينيات سيشكل - على ما يجوز توقّعه - ظاهرة إنسانية لافتة.

كانت الصبية عهد التميمي بما فعلت مثل جميلة الجزائرية (بوحيرد) في الخمسينات، وكانت مثل ملالا الباكستانية. كل واحدة من الثلاث عبَّرت عما من واجبها القيام به.

 

مايا رزق: سيّدة ناريمان، انطلاقاً من هذا التقرير، اسمحي لي بأن أذكر ما قاله الحاخام إسحق بيرنز، "المرأة الفلسطينية هي مصنع للإرهاب. أطردوا النساء الفلسطينيات من يهودا والسامرة، وذلك هو الخلاص".

اليوم ما قامت به عهد وما قمت به أنتِ، هو تحدٍ لإسرائيل، آلم إسرائيل وأوجعها في الصميم.

هل المرأة اليوم الفلسطينية مدركة حقاً لدورها في مسيرة النضال؟

 

ناريمان التميمي: طبعاً، هم تخوّفهم من المرأة، لأنها هي نصف المجتمع، وهي النصف الذي يربّي النصف الآخر، فهي أساس المجتمع، هذا تخوّفهم. المرأة الفلسطينية مدركة تماماً دورها وأهميته، دورها الموجود بكل شيء، وليس الدور المباشر بوجودها في المسيرات أو الدور المباشر في العمل المسلح، أو مثل ليلى خالد، أو حتى الدور الاستشهادي مثل الاستشهاديات، أيضاً دورها في المنزل عندما تربّي أبناءها، عندما يكون زوجها معتقلاً أو شهيداً وتكون هي الأمّ والأب، وتربّي أبناءها بقوة وحزم لتحدّي هذا المحتل، بتعليمهم، بتثقيفهم، بإخراجهم إلى النضال بجميع أشكاله. المرأة الفلسطينية تدرك دورها، وأنا ما رأيته في المعتقل من حتى الطفلات القاصرات، وعي عالٍ لدور المرأة الفلسطينية، من دور الأمّهات الموجودات أيضاً في المعتقل، دور واعٍ جداً. أعتقد أن المرأة الفلسطينية تعي دورها تماماً وتدرك أن هذا المحتل يحاول طمس دورها وإيذاءها بكل شكل، لأنّ ثقافتنا متحفّظة قليلاً تجاه المرأة، تخاف عليها، تريد أن تحفظها وتصونها، فهو يحاول الاعتداء عليها ليحرّك الرجل لمنعها من الوجود والنضال، ولكن كلّ هذه المحاولات باءت بالفشل، والمرأة، نعم، تدرك دورها بشكل جيد.

 

مايا رزق: نعم، سيّدة ناريمان. عهد، لمى البكري وهدية عرينات ومنار شويكي هنّ ثلاث قاصرات في السجن حُكم عليهن بالسجن لسنوات طويلة، ست سنوات وحتى عشر سنوات، هل التقيت بهن في السجن وكيف كانت علاقتك معهن علماً أنكن جميعكن من نفس العُمر تقريباً؟

 

عهد التميمي: طبعا التقيت بهن، كنّ معي بنفس الغرفة، حتى طبعاً عندنا إسراء جابر وملك سلمان ونورهان عواد هنّ بالأصل قاصرات وكبرن بالسجن فصعدن إلى غرف الكبار، والقاصرات الباقيات كنت أنا وهدية عرينات ومنار شويكي ولمى البكري. أعلى حكم بالقاصرات كان لنورهان عواد 13 سنة، ثم ملك سلمان 10 سنوات، ومنار شويكي ست سنوات. كنت معهن وكنّ رفيقات لي وكنت أجلس وأسير معهنّ، كنا نأكل مع بعضنا بعضاً، كنت مثلاً أنا وهدية نطبخ الطعام وأنا ومنار كنا ندرس مع بعض في فترة التوجيه، أنا ولمى كنا نمزح ونتهبل عليهنّ بالغرفة، كنا نجلس ونغني لهنّ، هناك كثير من الأمور كنا نفعلها سوياً.

 

مايا رزق: إذاً أنتنّ نجحتن في تحويل السجن الذي أقامته إسرائيل أصلاً لقتل الفلسطينيات، لتعذيبهن، للتعرّض لهن بالإساءة الجسدية والنفسية. رغم كل ذلك نجحت الأسيرات الفلسطينيات بتحويل هذا السجن لمكان أو لنواة لحركة نضالية عبر السنوات.

وعن هذا الموضوع أريد الحديث معك سيّدة ناريمان، عن مشاهداتك داخل السجن، عن كيف حوّلت الأسيرات سجن إسرائيل الذي كان مُعَداً لقتلهنّ إلى مكان ولدت فيه حركة نضالية واسعة؟

 

ناريمان التميمي: طبعاً، أنا أودّ أن أربط قضيتين ببعضهما. القضية الأولى، كيف تحوّل هذا المعتقل لشعلة من العلم والنضال، وما الذي دفعه ليتحوّل لذلك. أولاً ظروف الاعتقال بالسجن سيئة جداً، الغرف ضيّقة جداً، جداً، جداً. الغرفة الواحدة تستطيعين أن تقولي إنها كالمرحاض في بيت، غرف جداً صغيرة، ويكون فيها عدد من المعتقلات، وأحياناً الغرفة التي تتّسع لست قاصرات يمكن أن توضع فيها عشر في فترة من الفترات، كانت غرفتهنّ فقط تتسع لست أسرّة والباقيات كنّ ينمن على الأرض، مع أنه بالوضع الطبيعي يجب أن تكون الغرفة لأسيرتين، ولكن هذه الغرفة السيئة التي ليس فيها تهوئة، خنقة ورائحة مجارٍ، تهب دائما،ً عندما تدخلين لغرفتك من الخامسة وحتى العاشرة من صباح اليوم التالي، في هذا المكان الضيّق أمر صعب جداً، ويكون تحدياً لهذه الظروف الصعبة والسيئة، أنه حاولت البنات جعل هذا المكان منبراً للعِلم، وهناك مكتبة، الجميع كان يقرأ، يجب على كل فتاة قراءة كتاب كل عشرة أيام، ويكون هناك جلسة يجتمع فيها جميع القسم لتتحدّث فتاة عن هذا الكتاب وتلخّصه ويتم نقاشه.

التوجيهي والتعليم وكل الاحترام للأسيرة الإدارية الوحيدة في السجون خالدة الجرار التي كانت تعطي للأسيرات القاصرات ثلاث وأربع حصص يومياً في وقت الفورة حتى يستكملن تعليمهنّ، وهي أعطت دورة بالقانون الدولي والدولي الإنساني. حدث هناك أن حاولت إدارة السجن منعنا تماماً من التعليم فأصدرت قراراً وأبلغته لمسؤولة الأسيرات ياسمين شعبان أنه ممنوع التعليم ويجب إغلاق الصف. ياسمين أرجعت وجبة الغداء يومها وخالدة جرار وياسمين أدخلتا البنات للصف وقامتا بحصّة تحدٍ، هذه الحصّة أخذوا فيها دروساً، ولكن بعد خروجهنّ تم إغلاق غرفة الصف. هنا قرّرت ياسمين شعبان، نادت جميع الأسيرات، أغلقن أبواب غرفكنّ، وسنعيد الطعام ولن نخرج من الغرف ونحن نعلن حالة من الاستنفار لمنعنا. بعد يوم جاء مسؤول السجن ومسؤول المخابرات وقال ما تريدونه افعلوه، لأن أي توتّر في سجون البنات معناه توتّر في كل السجون، لأن كل الشباب لن تسمح بإيذاء الأسيرات، فمن هنا كان المنبر، كنا نغنّي ونرقص وكانت إسراء جعابيص برغم كل جراحها وحروقها تحاول أن ترقص وتغنّي وتدبك، كلنا حاولنا خلق جو من التفريغ للخروج من هذا المعتقل، وجعلناه منبراً، وحاولنا كسر محاولة ذلّ السجان لنا، وكنا قويات جداً بتكاتفنا مع بعض.

 

مايا رزق: تحية لك على هذه القوّة وعلى هذا الإصرار والتواضع بطبيعة الحال.

لهذا الحديث تتمة، ولكن بعد الفاصل.

 

 

المحور الثاني

 

مايا رزق: مشاهدينا الكرام أهلاً بكم من جديد، وأجدّد الترحيب أيضاً بضيفتيّ لهذه الحلقة من حوار الساعة، السيّدة ناريمان التميمي والمناضلة الفلسطينية عهد التميمي، الأيقونة الفلسطينية عهد التميمي. أهلاً بكما.

قبل أن نواصل هذا الحديث، ربما سنذهب إلى ما صدر عن هيئة شؤون الأسرى والمحرّرين، هو تقرير صدر بالأمس نشاهد ما ورد فيه.

 

تقرير هيئة شؤون الأسرى والمحرّرين: بلغ مجمل أعداد الأسرى 6500 بينهم 63 أمرأة و350 طفلاً. أعداد الأسرى تضمّنت 500 من المعتقلين الإداريين، وعشرة من النواب، و1000 من المرضى، و23 من الصحافيين و45 من قدماء الأسرى، إضافة إلى 500 حكمٍ بالمؤبد.

تصاعُد الجريمة الطبية بحقّ عددٍ من الأسرى والأسيرات القابعين في سجون الاحتلال، عيادات السجون والمعتقلات الصهيونية تفتقر إلى الحد الأدنى من الخدمات الصحية والأدوية اللازمة. الإهمال الطبي بحق الأسرى تسبّب بمضاعفات وفاقم سوء حالهم الصحية. عددٌ من إدارات المعتقلات لا يزال يماطل، وعلى نحوٍ متعمَّدٍ في إخضاع الأسرى للعلاجات الطبية التي يحتاجونها.

 

مايا رزق: عهد، لاحظنا في التقرير الذي ورد منذ قليل أن عدد الفلسطينيين خلف سجون الاحتلال هو بالآلاف، وأن الأطفال عددهم تقريباً 350 طفلاً.

لماذا ركّز العالم كله على عهد التميمي بالذات؟

 

عهد التميمي: طبعاً لا أعرف لماذا حدث كل هذا من أجل قضيّتي بالذات، لكن ربما لأن هناك كاميرا صوّرتني، مع أنه في كل مكان وكل فلسطيني يقوم بما قمت به، طبعاً أتمنى أن يستمرّ كل هذا الدعم والضغط السياسي الذي حصل من أجل قضيّتي، مع باقي الأسرى والأسيرات، لأن هناك الكثير من الأسرى والأسيرات بحاجة لهذا الضغط السياسي أكثر من قضيّتي، لأن هناك الأسير المريض، والأسير الجريح، وأسرى الأحكام العالية، هناك أسرى أطفال إداري، وهناك المعتقلون الإداريون بشكل عام. طبعاً كل هؤلاء يحتاجون لضغط سياسي أكبر من قضيتي، أتمنّى أن يحدث ضغط سياسي من أجل قضاياهم أيضاً، لأنه فعلاً حتى لو بالكلمات الدعم داخل السجن مهمّ. بالفعل أتمنّى أن يكون هذا الضغط السياسي على باقي القضايا، وأتمنّى أن يتحرّر إخواني وأخواتي الأسرى.

 

مايا رزق: ماذا تقولين لهم وهم خلف قضبان الاحتلال، لمن هم في سنك أو حتى أصغر في السجون الإسرائيلية؟

 

عهد التميمي: أنا أحيّيهم وأشجّعهم على صمودهم، وأقول لهم، أتمنّى أن أستطيع إيصال رسالتكم، بالفعل، صحيح أنها مسؤولية كبرى، لكن عندما أتذكّركم وأتذكّر معاناتكم، أنا فعلاً يصبح لديّ حافز أكبر لأتابع، وخصوصاً عندما أذكر رفيقاتي الأعزّ لديّ بالسجن، هم أخواتي القاصرات، عندما أذكرهنّ وأذكر لحظاتنا مع بعض وكيف كنا نخلق من الموت حياة، كنّا متعلقين جداً ببعض، أنا تركتهنّ وخرجت أشعر بتأنيب الضمير، كيف تركتهنّ وخرجت. لا، أنا أريد حتى وأنا في الخارج أن أفعل شيئاً من أجلهنّ. بالفعل أنا أتمنّى أن تبقوا أقوياء كما عرفتكم، وأنا أعرف أن أسرانا وأسيراتنا أقوياء وربما أقوى ممّن في الخارج. أحيّيهم مجدّداً على صمودهم وشجاعتهم.

 

مايا رزق: نعم، عهد. سيّدة ناريمان، من يعرف قرية النبي صالح يدرك جيداً أنّ ما قامت به عهد ليس غريباً عن هذه القرية التي انطلقت فيها تظاهرات منذ عام 2009 وتحديداً احتجاجاً على توسّع مستوطنة حلميش القريبة.

اليوم وفي ظل هذا الاستفحال الإسرائيلي إذا صحّ التعبير بسبب الدعم الأميركي، بعد الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل من قبل الولايات المتحدة، الحديث عن صفقة القرن، في ظل هذا القانون الجديد الإسرائيلي، قانون القومية، هل تخافون اليوم أكثر على أرضكم وبيتكم؟

 

ناريمان التميمي: طبعاً صعب ألا نخاف لأننا نحن بشر، وهناك قرار هدم لمنزلي، أنا منزلي في منطقة C، ولكن أعتقد أن عهد دائماً كانت تقول نحن نخاف ولكن يجب ألا نسمح لخوفنا أن يسيطر علينا ويجب أن نتخطاه. نعم، سنتخطى كل شيء، بجميع ما  يفعله الاحتلال، بقانون القومية، بتحويل السفارة، بالقوّة التي فعلتها إسرائيل وأميركا مع بعضهما، وضربت بعرض الحائط جميع القرارات والمعاهدات الدولية، وضربت بالحائط أيضاً حكوماتنا العربية التي لم تقف حقيقة بالشكل الصحيح تجاه هذه القضية، لن نخاف، سنستمرّ. يقول الكبار من العجزة عندنا، لا يقطع الرؤوس إلا من ركبها. نحن مستمرون في نضالنا وعهد التي كانت من نعومة أظافرها موجودة بالساحة ستكون إن شاء الله هي وجيلها جميعاً هم جيل التحرير والنصر.

 

مايا رزق: عهد طلب مني أحد الزملاء أن أطرح عليك هذا السؤال بالتحديد. لو عاد ووقف هذا الجندي الإسرائيلي أمام منزلك، هل ستصفعينه مجدّداً؟

 

عهد التميمي: أكيد، لأنني لست نادمة على ما قمت به، والذي فعلته كان عن قناعة، وربما هذه الصفعة لم تكن فقط للجندي، كانت لكل العالم حتى ينظروا للحقيقة ويلتفتوا لها، أنظروا أنهم هم من يأتون إلى بيوتنا ولسنا نحن من نذهب إليهم ونضربهم. نحن ليس هدفنا ضرب أحد، ولكن أنا عندما أرى جندياً أطلق النار على إبن عمّي برأسه، وكاد أن يستشهد بسبب هذه الإصابة، وكان يسعى لإطلاق النار على أخوتي وأبناء عمّي وأصحابي وكل من كان بالشارع، من يقف أمام منزلي، هذه ردّة الفعل الطبيعية على وجود الجنديّ على أرضي، ومحاولته إطلاق النار على أولاد صغار وشباب، وكيف أطلق النار على إبن عمّي، كل هذا ردّة فعل طبيعية على هذه الأمور. فأنا لست نادمة أبداً، وإن تطلّب الأمر أعيدها.

 

مايا رزق: نعم عهد، كل التحية لك ولجرأة عهد التي بطبيعة الحال استقتها من أمّها السيّدة ناريمان.

سيّدة ناريمان، كان لقصة عهد تأثير كبير في العالم العربي والإسلامي ولمناصري الحرية في العالم، لكن لاحظنا إلى حدٍ ما غياب الهيئات النسوية والجمعيات النسائية عن هذه القضية، رغم أنك أنت وعهد سيّدتان عربيتان.

هل هناك نوع من عتب على السيّدات العربيات واللجان الرسمية بطبيعة الحال؟

 

ناريمان التميمي: أعتقد، ولا أعرف تحديداً، لا أستطيع التعبير عما في داخلي، ولكن لا أعتقد أنه محاولة للتقصير أو إقصاء القضية أو شيء من ذلك. عهد هي رسالة، هي ليست عهد الجسد، هي عهد الفكرة، فكرة النضال والمقاومة، فكرة الأطفال الأسرى، فكرة صوت إسراء جعابيص التي تصرخ في كل العالم أنقذوني يكفي. لا أشعر أنه تقصير نسوي، ولكن الفترة وما يحدث والأمور المتتالية، يمكن أن يقصّر الشخص في ناحية أو أخرى. أنا لا أعتب على أحد، ولكن ما أقوله ضعوا أنفسكم مكان إسراء جعابيص وليس عهد، ضعوا أنفسكم مكان خالدة جرار ومكان ياسمين شعبان، مكان أماني حشيم ومكان فدوى، هؤلاء الأمّهات ضعوا أنفسكم مكانهن كي تستطيعوا إيصال الرسالة. نتمنى أخذ فكرة النضال من عهد وألم الأسيرات والأسرى ورفعه كنساء، لأنه لن يشعر بألمي إلا من هو من طبيعتي.

عهد، أفهم أن الجميع يساند ويحب، ولكن دور النساء هو الحقيقي، لأنّ من تربّي الأجيال تستطيع خلق، وأنا مؤمنة دائماً أن الشعوب هي القادرة على التغيير، ومن يحرك الشعوب هم النساء، فأتمنّى أن يكنّ في مستوى هذه القضية لرفعها، ولا أعتب على أحد.

 

مايا رزق: نأمل ذلك سيّدة ناريمان. حظيت قضية عهد التميمي بالتفاف عالمي وغربي لافت، وربما الفنان الإيرلندي جيم فيتزباتريك الذي جعل صورة تشي غيفارا أيقونة شهيرة قبل 50 عاماً خير دليل على تضامن الغرب مع عهد حيث وجد المناضلة الفلسطينية جديرة بأن تكون المرأة الخارقة الحقيقية. نشاهد معاً.

 

جيم فيتزباتريك: أصبحت رمزاً بطولياً وسيتم تذكّرها لوقت طويل، هي فتاة شجاعة جداً، أكنّ لها كل الاحترام. أدين الطريقة التي يعاملونها بها، وأدين حكومة نتانياهو الذي سيُحاكَم قريباً بالفساد.

فعلاً شعرت أنه يجب رسمها (عهد التميمي)، كفتاة قوية التفكير، كامرأة جبارة للغاية.  صورتها وهي تحمل العلم أدهشتني، لذلك قرّرت تحويلها إلى لوحة.

أؤمن أنها (عهد التميمي) على الجانب الصحيح أخلاقياً. أؤمن أن ما تقوم به محق وأنظر إليها بكل إعجاب. لو كنت في سنّها، لكنت مرعوباً. كل جهاز الدولة يقف بوجه طفلة؟! ما هذه الدولة وأي نوع من البشر هم؟!

 

مايا رزق: عهد قال الفنان الإيرلندي أنه لو كان في سنّك لكان مرعوباً، ولكن أنت بعيدة كل البعد عن الرعب والخوف، وربما هذا ناجم عن حُسن تربية والدتك لك.

ماذا تقولين للسيّدة ناريمان اليوم عهد؟

 

عهد التميمي: طبعاً أشكر أمّي على كيفية تربيتها لي. طبعاً أنا أقدّر أنها تخاف علينا، لأنها في النهاية هي أمّ لكن دائماً نحن مستعدون لأن نضحّي من أجل القضية كما هم علّمونا، وكما ربّانا والدي ووالدتي، طبعاً هذا لم يأتِ فجأة، أنا عشت نصف عُمري من دون والدي لأنه اعتقل أكثر من مرة.

 

مايا رزق: السيّد باسم الذي تم اعتقاله أكثر من مرة.

 

عهد التميمي: استشهاد خالي وابن عمي وعمّتي، كل هذه الأمور دفعتنا لأن نتحدّى الخوف، طبعاً أنا لا أنكر أننا نخاف لأننا في النهاية بشر، وهذه غريزة فينا أن نخاف، لكن نحن دائماً نسيطر على خوفنا، لأنه دائماً إذا سمحنا للخوف بالسيطرة علينا لن نستطيع أن نكمل. طبعاً أشكر أمّي مجدّداً على تربيتها لنا، لأننا خرجنا واعين ونفهم القضية، وأتمنّى أن يكون جيلنا جيل التحرير، لأنني لست فقط كعهد، كمن شاهد القاصرات في السجن، وهنّ أيضاً من جيلي، كيف وصلت شجاعتهنّ بالأمور التي قمن بهاً. طبعاً نحن جيل استلمنا هزيمة، ولكن نحن يجب علينا أن نسلّم الجيل الذي يلينا الحرية والسلام.

 

مايا رزق: على أمل أن يتم ذلك عهد، سيّدة ناريمان، ذكرت منذ قليل أن الاحتلال يسعى إلى الضغط على السيدات الفلسطينيات بهدف أن يثمر ذلك ضغطاً على الرجل الفلسطيني ليمنع زوجته أو ابنته من خوض هذا المسار، مسار النضال.

الأمر لا ينطبق، وهذا الأمر جليّ، يظهر جلياً على المناضل باسم التميمي.

إلى أي مدى لعب وجوده دوراً داعماً لحضرتك ولعهد؟

 

ناريمان التميمي: أنا إن تحدّثت عن باسم لن أستطيع إيفاءه حقه، لأنني أنا تزوّجت صغيرة، 18 سنة، وأنا كنت في الأردن وجئت، عشت الانتفاضة الأولى من الخارج، وأنت بالشتات تشعرين بقيمة الوطن وكم تحبينه. عندما جئت وتزوّجت هذا المناضل الذي كان بالنسبة لي البطل الذي لم يعترف في التحقيق، ونتيجة التعذيب في التحقيق وصل لارتجاج بالمخ ونزيف داخلي، وخرج مشلولاً، وخرج يوم جنازة أخته الشهيدة باسمة التميمي، فكان بالنسبة لي الارتباط بهذا البطل أمراً عظيماً.

لم نتزوّج عن حب كما كل الناس، ولكن وأنا مخطوبة، من الأمور الجميلة التي أحب أن أرويها، كنت أقول وأنا مخطوبة باسم يتحدّث معكم أكثر مما يتحدّث معي، فقال لي ابن أخته التي استشهدت، قال عندما تجلسين مع خالي اسأليه عن الوطن، فعلاً يومها قلت له قضيتنا والوطن، أذّن الفجر وهو يتحدّث معي ويعلّمني في تاريخ القضية الفلسطينية، المناضلات والمناضلين، دورنا، كل هذا.

باسم صنع من ناريمان شخصاً يستطيع أن يتحدّى وباسم وناريمان حاولا أن يصنعا من أبنائهما نموذجاً يحتذى به من التحدّي والنضال. باسم لا أستطيع أن أفيه حقه ولكن هو حرّر عقله من كل التقاليد التي تكبّله وتكبّل المرأة وحرّرنا معه. بتحريره استطعت أن أحرّر عهد من كل ما يحيط بها، واستطاعت عهد أن تكون رسالة وصوت الشعب الفلسطيني في كل العالم.

 

مايا رزق: كم هذا جميل سيّدة ناريمان، أن تشاركي معنا هذه اللحظات الغالية على قلبك من حياتك.

عهد، ماذا بعد الاعتقال؟ وماذا بعد الانتصار على السجّان؟ أعلم أنه ربما طموحك أن تصبحي محامية أو متخصّصة في القانون الدولي، وهذا الحلم ليس وليد الساعة بل هو ناجم ربما عن شيء مر في حياتك، حبّذا لو تخبريننا عنه؟

 

عهد التميمي: أنا سأتابع جامعتي، لأن العلم سيلعب دوراً أكبر، وسأتابع طريقي بالإضافة إلى أنني سأتعلم، سأكون أقوى بتعليمي. طبعاً أنا من عُمر 11 عاماً، وأنا قرّرت أن أكون محامية، وفي الأساس كنت أريد أن أكون لاعبة كرة قدم لأنني أحب الرياضة كثيراً، لكن وقتها كان والدي بالسجن، وقلت لأمّي أنني أريد الذهاب للمحكمة معك، أمّي قالت لي ممنوع لأنك صغيرة. طبعاً أنا كنت ممنوعة من الزيارة فترتها، لم يسمحوا لنا بالزيارة، فخلال تلك الفترة قلت أريد أن أصبح محامية لأستطيع الدفاع عن الأسرى وأستطيع رؤية والدي.

طبعاً هذا الأمر بعدها بقي في بالي، وبعد فترة استشهد خالي ورفعنا قضية على الجندي الذي أطلق النار عليه. طبعاً خرج الجندي براءة، ما رفع هذا الدافع لأصبح محامية، قلت أريد أن أصبح محامية وأدرس القانون الدولي حتى أحاسب كل هؤلاء الجنود الذين يخرجون براءة وهم قتلوا بشراً.

أريد محاسبة إسرائيل كمجرمة حرب، وعلى الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها بحقنا. طبعاً مع كل هذه الأمور، زادت الرغبة، بالإضافة إلى أنه في السجن خضعنا لدورة قانون دولي وقانون دولي إنساني ما دفعني لحب القانون أكثر وأرغب بتعلّمه أكثر.

 

مايا رزق: نأمل أن تحققي كل أحلامك عهد. تليق بك الحياة، تليق بك الأحلام، وتليق بك الحرية أيضاً.

سيّدة ناريمان، ربما كلمة أخيرة لكل المناضلين في السجون الإسرائيلية وحتى خارجها؟

 

ناريمان التميمي: كلمتي في البداية لكل أسرانا وأسيراتنا في السجون، أنتم أساس قضيتنا، لن نتخلّى عنكم، أفهم اليوم كم وضع الأسرى وصعوبته، أتمنّى أن يخرج جميع الأسرى من كريم يونس حتى هدية عرينات، من أصغر الأسيرات، حتى شادي فراح وجميع الأسرى.

ورسالتي لجميع المناضلين، نحن لا نريد أن نورّث أبناءنا احتلالاً، فدعوا تجاربكم مع تجارب هذا الجيل الذي يؤمن بحقّه بتحرير أرضه، لتندمج معاً وتصنع نصراً. كونوا أنتم القدوة الجيدة لهم، أعطوهم النصائح اللازمة لهم، حتى يستطيعوا تخطّي ما أخطأتم به، وكونوا الداعم لهم.

أتمنّى أن يتوحذد جميع شعبنا بكل أطيافه، بوحدتنا الوطنية التي هي أساس نصرنا على هذا الاحتلال. يجب أن يكون للمناضلين دور فاعل في إرساء الوحدة وفي تحدي كل هذه الظروف وفي دعم عهد وجيل عهد من أجل المضيّ في نضالهم. هذه رسالتي.

 

مايا رزق: سيّدة ناريمان التميمي السيّدة المناضلة شكراً جزيلاً لك، الشكر موصول أيضاً لابنتك عهد التميمي أيقونة النضال والمقاومة.

الشكر لكم مشاهدينا الكرام لطيب المتابعة، وإلى اللقاء.

وئام وهاب - وزير لبناني سابق

المزيد