عبير نصراوي - فنانة تونسية

 

زاهي وهبي: مساء الخير. القابض على مبادئِه في هذا الزمن الاستهلاكي الفاجر كالقابض على الجمر، وضيفتنا التي لسعها جمر الغربة والمهجر لم تقطع أبداً حبل السرّة الروحي والثقافي مع مسقط رأسها والياسمين. حصّنت مسيرتها بالدراسة الأكاديمية في وطنها وعمّقتها في أشهر جامعات العالم، "السوربون" الباريسية العريقة، حيثُ تقيم وتعمل وتوزِّعُ وقتها بين أثير الإذاعة الشهيرة "مونتي كارلو" الدولية ومنصّات المسارِح العالمية لتُقدِّمَ موروث بلادها الغنائي ضمن قوالب حداثية مُعاصِرة وبرفقة موسيقيين من رياح الأرض الأربع، ويا مرحباً بالريح عاصِفةً كانت أو نسيماً إذا كانت تحمل إلينا عيديّة نفيسة تتمثّل في صوتٍ وأداءٍ ساحرين مرتكزين على ثقافةٍ عاليةٍ وذوقٍ رفيع وانحيازٍ مُعلنٍ إلى الفنّ العميق الراقي المُلتزِم باحترام المُتلقّي وذائِقته السويّة. "بيت القصيد"، بيت المبدعين العرب يُضاء عشيّة عيد الأضحى المُبارك بحضور الفنانة التونسية المتألقة "عبير نصراوي"، أهلاً وسهلاً بكِ

عبير نصراوي: شكراً، شكراً على التقديم وشكراً على الاستضافة وكلّ عام وأنت بخير وللذين يُتابعوننا الآن

زاهي وهبي: ينعاد عليكِ وعلى مُشاهدينا في كلّ أنحاء العالم، والليلة خصوصاً في بلدكِ، وطنكِ (تونس) التي نُحبّ؛ كلّ العرب عندهم معزّة خاصّة لـ (تونس) وخصوصاً في (لبنان). تعرفين العلاقة التاريخية، دائِماً نُذكِّر ضيوفنا التونسيين

عبير نصراوي: طبعاً

زاهي وهبي: أننا أرسلنا "أليسا" إلى (قرطاج) ونشعُر أنّكم أحفادنا

عبير نصراوي: على طول يقولون هذا (تضحك)، لكن الصلة قوية بين البلدين ونحن نتشابه في أشياء كثيرة

زاهي وهبي: طبعاً، والبلدان على البحر، على ضفاف المتوسّط، والطباع والطقوس الاجتماعية متشابهة

عبير نصراوي: وكلانا نُحب الدنيا ونُحبّ السفر ونحبّ الأشياء الجميلة والحياة

زاهي وهبي: ونحبّ الأصوات التونسية الجميلة أيضاً، وأنا كان لي شرف استضافة العديد من مُبدعي (تونس). علاقتك بـ (بيروت) تبدو علاقة جيدة، يعني ليست أول مرة، مرّتان وثلاث وأربع

عبير نصراوي: طبعاً، في مناسبات كثيرة أتيت إلى هنا. أول مرة أتيت فيها ما زالت في بالي، كانت الزيارة الأولى وهي التي تطبع في نفسك، تُعلِّم في نفسك

زاهي وهبي: طبعاً، تترك أثراً

عبير نصراوي: يعني، تصل إلى المكان، أنا دائِماً أقول إنّ المكان عنده روح. هناك مُدن عندما أصل إليها أشعُر بأنّها تستقبلني، وكأنّ عندها روح، وكأنّ عندها ذراعان وتفتح يديها لي. (بيروت) أحببتها، أول مرة أتيت إليها كانت سنة 1994، كنت ما زلت صغيرة. كنّت في فرقة نسائية تونسية نغنّي فيها التراث التونسي والمشرقي، نلبس اللبس التقليدي

زاهي وهبي: جئتم إلى مسرح "المدينة"

عبير نصراوي: جئنا إلى مسرح المدينة عند السيّدة "نضال الأشقر"، يعني هذه المُصافحة مع الجمهور البيروتي واللبناني بشكلٍ عام ترك للحقيقة أثراً جميلاً في نفوسنا جميعاً

زاهي وهبي: نُمسّي "نضال" بالخير ونذهب برفقتكِ من (بيروت)

عبير نصراوي: تحية كبيرة

زاهي وهبي: إلى أعالي جبال (لبنان)، إلى (صنين)، هذا الجبل الشهير في (لبنان) ضمن "علامة فارِقة" لو سمحتِ

علامة فارقة

عبير نصراوي:

- لو خيّروني بين أشياء كثيرة وأفكار وكلمات كنت أقول أبحث عن الحبّ أو عن المحبة. المحبة لو تعمّ هذا العالم لَغابت الحرب ولَغاب القتل ولَغاب الحقد لأنّ القلب المليء بالمحبّة لا يقوم بأشياء سيّئة

- أقمت عرضاً أسميته "في قلب المتصوِّف"، سألوني لماذا في قلب المتصوِّف؟ قلت لهم لأنّ المتصوِّف هو المُحبّ لله، والذي يحبّ ربّي سبحانه لا يوجد عنده مكان للكراهية

- أُحبّ الألوان، في المدن، في الملبس، في الناس، الألوان هي الحياة. كلّ مدينة أدخلها فيها ألوان أشعُر أنّ فيها حياة

- أرى طبيعة حلوة، أرى شموخ الجبل، أشم نسائِم حلوة وهواء نظيفاً

- أعجبتني هذه البوسطة، قلت لكم ذلك باللبناني لأنّه لا يوجد عندنا هذه في (تونس) ولا نُسمّيها "البوسطة" لكن الآن أنا إلى جانب بوسطة، التي غنّت عنها طبعاً فيروز أغنية أحببناها وتمايلنا عليها

- من اللازم أن نقبل قانون الحياة، الحياة أحياناً فوق وأحياناً تحت وأحياناً نربح وأحياناً نخسر، والخسارة بقليل من الفلسفة هي درس، إذاً هي ليست خسارة. كلّ شيء في وقته وكلّ شيء في ميعاد، عندي هذه الحِكمة التي أخذتها في أوّل حياتي، كنت أتحدّاها وكنت أُحاول بكلّ الطُرق أن أقوم بالأشياء وأن أقوى على الأشياء، وعلّمتني السنوات أنه لا، هناك أشياء من اللازم أن تأخذ وقتها

- الحاجة الوحيدة الذي أخاف أن أخسرها هي نفسي. أحاول دائِماً انّ أحفظ "عبير" التي في داخلي وأن أُقفل عليها وأن أُبعِدها عن الأشياء التي يُمكن أن تضرّها وأن تجرحها كثيراً

- الأشياء دائِماً عندها روح وعندها إيقاع داخلي. الأصوات مفروض أن نسمعها لكن أصوات الطبيعة أشعُر بأنني أُخرِجها بصوتي أنا

- الموسيقى موجودة في أيّ مكان، موجودة في الليل، موجودة في النهار، أجمل الموسيقى هي التي تُعطيها الطبيعة. أجمل القِطع في العالم أنتجها أُناس بُسطاء، قد يكونوا فلّاحين، قد يكونوا مزارعين، قد نجدهم من الرُحَّل

- الناس تستلهِم وتقدِّم موسيقى. حبّي للموسيقى جعلني أحسّ بالأشياء أكثر من اللازم. كيف أحسّ بالأشياء أكثر من اللازِم؟ أحسّها بشكلٍ جميل، كلّ ما هو إيجابي أشعُر به لكن أيضاً كلّ ما هو سلبي أشعُر به، وأحسّ أيضاً بالوجع أكثر. وهذا العمق لا يقلقني، هو توازن بين فوق وتحت، بين الأشياء الحلوة والأشياء التي ربما أقلّ حلاوةً في الحياة. الموسيقى هي حياتي، الموسيقى هي الأوكسيجين الذي أتنفسّه. يمكن أن أتخلّى عن أي شيء في هذه الدنيا، أتوقّف عنه، أشياء نقوم بها ونعيش منها، لكن لا أتصوّر أن روحي تعيش من دون موسيقى، من دون أن أُغنّي، من دون أن أجعل صوتي يصدح، من دون أن أجعل صدى صوتي يذهب بعيداً، من دون أن أجعل صوتي مرآة قلبي

زاهي وهبي: جميل جداً. سنعود طبعاً إلى بعض المسائِل التي أثرتِها، لكن ما رأيكِ، بما أننا على بُعد يومين فقط، نحن عشيّة عيد الأضحى، أن نبدأ مع الصوت الجميل، أن نستمع إليكِ غناءً تحيّةً لمُشاهدينا

عبير نصراوي: طبعاً، وأجل ما غُنّيَ في العيد يبقى على الدوام للسيّدة "أم كلثوم" طبعاً

زاهي وهبي: نعم

عبير نصراوي: (تُغنّي)

زاهي وهبي: ألله

عبير نصراوي: شكراً

زاهي وهبي: إن شاء الله كلّ أيامك أعياد. حضرتكِ ذهبتِ إلى (فرنسا) لمتابعة دراستكِ الجامعية الموسيقيّة ولكنكِ بقيتِ هناك

عبير نصراوي: نعم

زاهي وهبي: لماذا؟ ما الذي أعطته لكِ (باريس) حتّى

عبير نصراوي: Wow، ما الذي لم تعطه لي (باريس). أحببت هذه المدينة

زاهي وهبي: ماذا أحببت فيها؟

عبير نصراوي: أعتقد أنّه لا يوجد فنان زار (باريس) ولم يُحبُّها. تعرِف (باريس) يقولون إنها، وأُرتِجم من الفرنسية، يقولون متحف لسماء مفتوحة

زاهي وهبي: في الهواء الطلق

عبير نصراوي: جميلة (باريس) للفنان، الفنانون يحبونها، للآخرين ربما إيقاعها السريع يُتعِبهم

زاهي وهبي: ما الأثر الذي تركته وتتركه ولا يزال فيكِ

عبير نصراوي: (باريس) علّمتني أن أتعرّف على الآخر، الآخر بعمومية كلمة الآخر، لأننا نحن ربما اليوم أصبحنا نبحث عن الآخر في دولنا العربية والكلّ، لكن الأنترنت، في الوقت الذي ذهبت فيه، في 2001 لم يكن هناك بعد إنترنت، لم يكن هناك هذه الوسائِل التكنولوجية الحديثة

زاهي وهبي: كان لا يزال في بداياته، كان الإنترنت موجوداً لكن وسائِل التواصل لم تكن موجودة

عبير نصراوي: نعم، وأنا شخصياً ربما تأثرت بالمُحيط الذي أنا فيه. المُحيط الذي أنا فيه كان تقليدياً، مثلاً في استماعاته الموسيقية كانت "أم كلثوم"، في الطرب، "محمد عبد الوهاب"، "صالِح عبد الحيّ"، "ناظم الغزالي" أيضاً، كلّها أسماء. حتّى في مُراهقتي كانوا الذين في عمري يسمعون أشياء أُخرى

زاهي وهبي: سنتحدّث عن هذه النشأة والبيت والجدّة، عن جدّتكِ التي كان صوتها جميلاً. ولكن الإقامة بين ثقافتين أو في منزِلة بين منزلتين، بين اللغة العربية واللغة الفرنسية، بين الموروث التونسي والحداثة الأوروبية إذا جاز التعبير، تصادُم أم تناغُم وانسجام؟

عبير نصراوي: تناغم كبير جداً. أنا أتذكّر اليوم الأول الذي وصلت فيه إلى (باريس)، كانت الساعة المناسبة والحلوة جداً لأنه كان تكريماً للشاعر الكبير "أدونيس"، كنت مع "كريمة الصقلّي" صديقتي

زاهي وهبي: نعم، صديقتنا

عبير نصراوي: صديقتنا كلنا وتحية كبيرة لها، وطبعاً كان معنا الفنان "نصير شمّا" أيضاً عازف العود، وكان الحفل في معهد العالم العربي، كانت أوّل مُصافحة لي مع (باريس). (باريس) أحببت طرقاتها، أحببت شوارِعها، أحببت معالِمها، أحببت معمارها، هذه المُصافحة الأولى. بعد أن ذهبت لأعيش فيها، في البداية قسِيَت عليّ، (باريس) قاسية، مدينة صعبة، لكن في نفس الوقت هي التي علّمتني أن أتعرّف على نفسي بطريقة أُخرى، أن أُخرِج أشياء من نفسي لم تكن أتخايل أنني قادرة عليها، تلك الطاقة في أن أتجاوز وأن أكون بنتاً لوحدي. ذهبت إلى (فرنسا) من دون منحة، من دون أيّ شيء وكأنني رميت نفسي في مُعتَرَك الحياة. وأرى نفسي اليوم

زاهي وهبي: ما الذي جعلكِ، ما هو الاحتكاك أو الشيء الذي جعلكِ وأنتِ في المهجر الطوعي أن تُفكري في إعادة إحياء موروث بلدكِ؟ خصوصاً الأُغنيات الشعبية والجبلية وحضرتكِ من منطقة (القصرين) في (تونس) 

عبير نصراوي: نعم

زاهي وهبي: كأنّ المهجر أعادكِ إلى الجذور

عبير نصراوي: بالضبط. لأنني أرجع إلى طفولتي حتى حين صار عمري تقريباً سبع عشرة سنة، والدي مغروم بالطرب المشرقي، معنى ذلك في الدار لم نكن نسمع إلّا أشياء شرقية

زاهي وهبي: نعم، "فيروز"، "وديع الصافي"، "صالح عبد الحيّ

عبير نصراوي: كل الأسماء الشرقية التي عُرِفت. يعني أول أُغنية تونسية أذكرها حفظتها كان عمري سبع عشرة سنة، وحفظتها كي أُغنّيها أو أُشارِك بها في مهرجان "صليحة". فهذا جعلني وكأنني تشرّقت حتّى في نغمة صوتي وفي نبرة صوتي، مثلاً الموروث الأندلسي فعلاً الذي هو "المالوف" التونسي

زاهي وهبي: لم تتشرّبِ كثيراً منه

عبير نصراوي: لم أتشرّب منه كثيراً. طبعاً أُحبه لكن كيف أؤدّيه. يقولون عندنا لم "نطبعه" جيداً، يطبع، من الطبوع وهي المقامات، لم أطبعه جيداً لأن صوتي أصبح مُشرِّقاً. فهذا، حتى عندما ذهبت إلى (باريس) وحين كانوا يقولون لي "غنّي لنا أُغنية"، من غير أن أُفكِّر "أم كلثوم" هي أول شيء على بالي، على حنجرتي، على وجداني. كيف وصلت إلى (باريس) والتفاصيل، حتّى التفاصيل الصغيرة لـ (تونس)، لحياتي، للرائحة، للموسيقى، أحسست بأنني أحتاج أن أنتمي لشيء. الحاجة للانتماء أرجعتني إلى (تونس)

زاهي وهبي: جميل، جميل جداً. للحقيقة، عندنا الذي يذهب ويجيء كثيراً نقول عنه أنّه شرَّقَ وغرَّبَ، فحضرتكِ شرّقتِ غناءً وغرّبتِ بالمهنة والعمل في إذاعة "مونتي كارلو" الدولية، وهذا تونسي العقد الذي ترتدينه      

عبير نصراوي: تونسي. دائما هناك تفصيل صغير تُذكّرني بـ (تونس)، دائِماً في قلبي

زاهي وهبي: تحية لـ (تونس)

عبير نصراوي: ومن خلال بعض الحُلي والأشياء الصغيرة في بيتي

زاهي وهبي: نعم. درستِ العلوم الموسيقية وتعمّقتِ في دراسة موسيقى الشعوب. ماذا أضافت هذه الدراسة؟ عادةً الدراسة الأكاديمية سيف ذو حدّين. بمعنى أنه أحياناً هناك أُناس، بسبب دراستهم الأكاديمية يبقون ضمن الكادر، يمشون حسب الكتاب

عبير نصراوي: لا، أنا أبداً. ما يهمني في هذه الشعبة أو الاختصاص الوجدان الذي أنتج الموسيقى، يعني وجدت أنّ أجمل الموسيقى في العالم أنتجها أُناس إمّا من نمط عيش، من ألم، من مُعاناة مُعينة، من فَرَح معين، من شيء أتى من وجدانهم. أعلم أنه في بعض الموسيقى في وقتٍ ما لم تكن هناك فكرة المؤلِّف أو المُلحِّن أو الكاتب. تجد أشياء جميلة تُغنّى من يكون قد كتبها، من قالها؟ لا تدري. سافرت القطعة من مكان إلى آخر وعاشت لكن الوجدان الذي أنتجها من كثرة صدقه جعلها تصل وجعلها حتّى أحياناً تعبر الحدود وتصل. فالذي يهمني، لم يهمني مطلقاً في الموسيقى الجانب التقني. مثلاً أصدقائي عندما يسمعون أشياء يقولون، "هذا مقام كذا، لاحظ ماذا فعل هنا، لاحظ هذه التلوينة. أنا لا، ما يهمني هو قصتها، يعني أبعد من هذا يهمني قصّتها، وربما هذا هو الذي أضفته في عملي الإذاعي وتعمّقت فيه أكثر أيضاً في عملي الإذاعي لأنني دائِماً أبحث على التاريخ ومن أين أتت هذه النصيحة

زاهي وهبي: طبعاً سنتحدّث عن برامجك الإذاعية وما تُقدّمينه على مُستوى الغناء والموسيقى، ولكن بتعاونكِ مع موسيقيين غربيين من ثقافات مُختلفة، وصولاً إلى (المكسيك)، ذهبتِ إلى (المكسيك) وشاركت موسيقيين مكسيكيين. لكن في هذه الدراسة قد يكون سهل عليكِ التعاون مع أنماط موسيقية مُختلفة، فتحت آفاقاً جديدة

عبير نصراوي: طبعاً، أكيد في القسم الذي كان فيه مُحاضرة أو درس أو حاجة. أنا آتية من (تونس) والآخَر آتي من (الجزائِر) والآخَر آتي من (الأرجنتين)، والآخر آتي من (كوبا)، والآخر آتي من (بولندا)، وأنت تعرِف أن الموسيقى تُهبِل في (أوروبا) الشرقية وكلّ هذا التراث، هذا الرصيد الموسيقي عندهم. فكل شخص منهم أتى وقد اختار موضوعه لكنه يعرِضه أمام الباقين، فتخايل عدد الناس الموجودين وكلّ شخص يتحدّث عن بحثه. أنا مثلاً البحث الذي بحثته كان على شيء في (تونس) وطقس من الطقوس إسمه "الزردة" وكيف هو الجانب الدنيوي فيه والجانب الديني فيه، هذا كلّه، فتخايل كيف أنا قدّمت موضوعي وكم هم استفادوا واستفدت أنا أيضاً منهم في ما بعد        

زاهي وهبي: نحن سنستمع إلى موجز إخباري، كما تعلمين الأخبار في بلادنا العربية للأسف

عبير نصراوي: لا تنتظر

زاهي وهبي: لا، ليس فقط لا تنتظر بل مأساوية مُعظمها، فنُرطِّب الأخبار، تفضلي

عبير نصراوي: أقدِّم شيئاً

زاهي وهبي: لو سمحتِ

عبير نصراوي: (تغنّي)

المحور الثاني

زاهي وهبي: "بابور زمّر" للفنان التونسي الراحل "الهادي قلّه"

عبير نصراوي: نعم

زاهي وهبي: لماذا "زمّر البابور"؟ لماذا اخترتِ هذه الأغنية لإعادة غنائها وتسجيلها؟

عبير نصراوي: موجعة، الحكاية توجِع. الشيء الأول ونرجع دائِماً إلى عملي الإذاعي، أنا استضفت "الهادي قلّه" وعندي برنامج أحكي فيه حكايات الأغاني. فعندما حكى لي حكاية "بابور زمّر" واكتشفت كلماتها ونصّها، أثَّرت بي كثيراً. في لحظة قلت إنني أُحب أن أُغنّي هذه الأُغنية، في يوم ما أقدر أن أُغنيها. بعد "الهادي قلّه"، بعد استضافته بأشهُر توفّى ألله يرحمه. من بعد الثورة، وهذا كلّه قريب لبعضه، أشهُر تفرِق بين هذا الحدث وذاك، كان هناك مركب، للذين نحن نُسمّيهم اليوم "الحرّاقة" الذين يأخذون المراكب ويأخذون عرض البحر ولا يعرِفون هلّ سيصلون إلى الضفّة الأخرى أم لا

زاهي وهبي: للأسف، شاهدنا مشاهِد مأساوية

عبير نصراوي: مُرعبة. فكان هناك في وقت ما، هي الكوارث على طول تحدُث لكن حينها كان هناك حادث آلم كلّ الناس، كما تعلم التجار المجرمون كما نُسميهم

زاهي وهبي: نعم، تجّار البشر

عبير نصراوي: تجار البشر الذين يأخذون مثلاً مركباً يسع سبعين شخصاً لكنهم يضعون فيه مئة وخمسين. غرِق كلّ الركاب، مات الكلّ، ولم تقف هنا الحكاية. ما آلمني صورة أتحدّث عنها دائماً عندما أتحدّث عن الأُغنية، كان هناك بوليس إيطالي يُخرج الجثث من الماء، وكان البوليس يمسك امرأة صغيرة في السنّ، شابة، يمسكها بهذه الطريقة، وأظافر شعرها منسدلة لكن أظافرها تظهر طويلة لأنه أخرجها من الماء فمواصلة أظافر شعرها هو الماء. بكيت حين رأيتها، تأثرت كثيراً لأنه قبلاً كان الشباب يأخذون عرض البحر، والآن أصبحن النساء وأيضاً في ما بعد أصبحن النساء حوامل، فما هو الذي دفعهم للموت إلّا ما هو أمرّ منه؟ وأحسست بأنّ هذه الأُغنية التي غُنّت في ظروف معينة، عندما كانوا يأخذون العمّال للعمل في ظروف قاسية في (فرنسا)، ما زال هذا "البابور" يمتلئ بالناس ولكن في طريقة أُخرى، لكن معاني الأُغنية ما زالت موجودة

زاهي وهبي: وليس فقط من (تونس) أو من (المغرب)، من كلّ بلداننا العربية للأسف. غنّيتِ لـ "الهادي قلّه"، غنّيتِ لـ "الشيخ إمام" أيضاً " أنا أتوب عن حبّك"، أُغنية شهيرة، شاركتِ في إحياء ذكرى الشهيد "شكري بلعيد"

عبير نصراوي: نعم

زاهي وهبي: يعني خياراتكِ عبارة عن موقف، يُمكننا أن نقول أنّ خياراتكِ سواء الغنائية عندما تختارين أُغنية يكون فيها موقف إنساني وليس بالضرورة سياسي

عبير نصراوي: دائِماً

زاهي وهبي: أو عندما تُشاركين في إحياء ذكرى "شكري بلعيد" هناك موقف أيضاً

عبير نصراوي: موقف يقول "لا للاغتيال، أنا لا أرضى العُنف، لا أرضى الاغتيال". مثلاً "شكري بلعيد" ألله يرحمه بكيت عليه لأنه كان مُنعرَجاً كبيراً في تاريخ (تونس)، ولو أنني لم أعرِفه في عُمري وحزبياً لا أنتمي، لكن كإنسانة، كفنانة، كمواطنة تونسية أرفُض العُنف، أرفُض الإرهاب، أرفُض الاغتيالات، هذا غير موجود في تاريخنا فالصدمة كانت قوية. و "شُكري بلعيد" كان إنساناً وفيّاً لنفسه ولمبادِئه ولهذا نحترمه

زاهي وهبي: في هذا المعنى، خيارتكِ الفنية أو فهمكِ للفنّ أنه ليس فقط فنّاً ترفيهياً أو فنّاً للترفيه

عبير نصراوي: أبداً

زاهي وهبي: هو فنّ يحمل موقفاً من الحياة، موقف لأجل الإنسان، وهذا له علاقة بنشأتكِ؟ له علاقة بانتمائِك لمنطقة مُعيّنة في (تونس)، في (القصرين) وأغنيات جدّتكِ في فترة الطفولة والمراهقة؟

عبير نصراوي: هذا كلّه داخِل. كما تعلم المُحيط مهمّ جداً. أنا والدي في التعليم، كما تعلم المربين مثل الجيش

زاهي وهبي: نعم، طبعاً، يعني نظام مرصوص، نظام صارِم 

عبير نصراوي: نظام صارِم في إطار، أحياناً نتمرّد عليه قليلاً، لكنني تربّيت في إطار مُعيّن، وكان والدي ووالدتي صعبان وكلاهما أصحاب مواقف، وكلاهما علّمانا أن الصحيح صحّ والغلط غلط. يعني حتّى علاقتنا بربّي سبحانه وما تربيّت عليه عن ربّي سبحانه، لا يقول لك لا لا تفعل هذا، أو لا تفعل هكذا كما أنتم تقولون، لأنّ ربّي يحرقك بالنار، يعلِّقك ربّي ويفعل بك كذا. لا، لا تفعل هذا، هذا من اللازم ألّا تفعله، من اللازم ألّا تكذب لأنك بذلك تؤذي فلاناً، لأنّ كذبك أو ما تفعله تؤذي به الناس

زاهي وهبي: يعني ليس فقط خوفاً من العقاب

عبير نصراوي: يفسّرون لك لماذا إنسانياً. طبعاً الجانب العقائِدي موجود لكن تربّيت في بيت يحترِم المبادئ. عمّي الله يرحمه وينعِّمه "إبراهيم نصراوي" شاعِر، عمّي علّمني مثلاً، وكان يحبني كثيراً لأن والدي أكبر منه فكنّا أنا واختي "دلال" وكأننا بناته الأوائل، فعمّي كان يقول لي، "عبير" قراءتكِ، عندنا قراءتكِ تعني دراستكِ، "عبير" قراءتك، قراءتكِ، قراءتكِ لأنّ الإنسان حين يجوع يقوم بأيّ شيء. شهادتكِ وبعده غنّي، لأنّ شهادتك سلاحكِ ومورد رزقك وتجعلكِ في الغناء تُحافظين على مُستوى مُعيّن وترضين عن شيء وترفضين شيئا آخر، وهذا هو. يعني عائلتي كلّ شخص منهم أضاف لي بطريقة

زاهي وهبي: تلك الجدّة التي كنتِ مستعجلة للحديث عنها في بداية الحوار، ماذا يبقى منها في ذاكرتكِ، وكان صوتها جميلاً، خصوصاً أنكِ أهديتها أُغنية، أُغنية شعبية تونسية في ألبومكِ الأول بعنوان  "هايمة". ماذا يبقى في ذاكرتك من تلك الجدّة  

عبير نصراوي: أشياء حلوة كثيرة

زاهي وهبي: أبرزها؟

عبير نصراوي: أبرزها صوتها. أحسّ وكأنها ما زالت حيّة، حيّة في صوتي أنا. كلّما أحكي عنها أتأثَّر

زاهي وهبي: غريب، تتحدّثين عن أمّكِ وأبيك ولا تتأثرين، عن عمّكِ الشاعر الراحل، طبعاً تتأثرين لكن ليس لدرجة الدموع، بينما الجدّة! لماذا؟

عبير نصراوي: كانت علاقتي بها قوية، كنّا نضحك كثيراً. بعد سنوات أحاول أن أتذكّرها وأتذكّر أننا كنّا نُغنّي معاً أو نضحك معاً. هذا الذي أذكره، هذا الذي تركته لي. لا أتذكّرها في أشياء سيّئة أو حاجة كانت تكدِّرها معي أو أنّها صاحت عليّ مرّة. لا، أتذكّر قدر المحبة التي أحبتني بها. أتذكّر أنها توفت وكنت في (باريس)، في عُمري لم أودِّعها

زاهي وهبي: لم تتمكّني أن تلقي النظرة الأخيرة عليها. الله يرحمها، تحية لروحها واحترامي لدموعكِ ولتأثّرك، ودعينا، لكي كما يقولون تأخذين نفساً، نذهب إلى "كلام يوصل" ونستمع إلى شهادة بتجربتكِ، عندنا مجموعة آراء حولكِ اليوم، نبدأ مع السيّدة "دوروثي أنغيل"، مديرة البرمجة في معهد العالم العربي في (باريس)

كلام يوصل

دوروثي أنغيل: هذا المسرح شاف فنانين كثيرين جداً من كلّ البلدان العربية، و"عبير نصراوي" حينما أتت إلى (فرنسا)، حين جاءت لتغنّي للمرة الأولى في (فرنسا)، جاءت إلى هذا المسرح ببرنامج تكريمي لـ "أمّ كلثوم". كانت بمعيّة عدّة فنانين آتين أيضاً من أوبرا (القاهرة)، وكانت تلك المرة الأولى التي التقينا فيها. الآن طبعاً أنتم ترون المسرح شاغراً، الآن إجازة ولا يوجد أحد، لكن في أوقات مثل هذه الأوقات حينما يكون المسرح شاغراً ولا يوجد غير الفنانين يرتّبون حفلة ما مع تقنيين تحدث أشياء كثيرة، يعني الكثير من العواطف، وكلّنا نهتم ببعضنا البعض لكي يكون الفنان مرتاحاً وتكون الحفلة حلوة. "عبير" أتت عدّة مرّات إلى هذا المسرح مع عدّة برامج وفي كلّ مرة كانت العلاقة تشتدّ أكثر، يعني بلطفها وغنائِها، يعني. كنت فقط أُريد أن أُريكم المكان الذي أتت إليه للمرة الأولى. "عبير" عندها نظرة إلى الإنسان ونظرة إلى الحياة، دائِماً تكون شُجاعة ودائِماً تكون فرِحة ودائِماً تُساعِد الناس باللطف الذي عندها، وموسيقاها الشيء نفسه. نحن أصدرنا قبل سبع سنوات هذا السي دي وإسمه "هايمة". أتمنّى لها أن تكون سعيدة ويكون دائماً عندها مشاريع جديدة وأن تقيم تجارب موسيقية وفنية وألّا تخاف من تجربة جديدة. تستأهِل كلّ الخير، كلّ خير العالم تستأهله. بدل أن نقول المرأة مُستقبل الرجل، هل ممكن إن نقول أن الفنان والفنانة مُستقبل الإنسان؟ ما رأيكِ؟

زاهي وهبي: شكراً للسيّدة "دوروثي أنغل"، خصوصاً على طلاقتها في اللغة العربية، هي عاشت في (لبنان) سنوات طويلة، واللهجة اللبنانية أقرب في حديثها بالعربية

عبير نصراوي: أنا اكتشفت ذلك لأنني أسمعها تقول كلمات أو جُمَلاً قصيرة، ونتحدّث معاً أكثر بالفرنسية، فالآن شاهدتها تتحدّث على مدة طويلة بالعربية

زاهي وهبي: تفضّلي، ردّاً على سؤالها؟ هلّ الفنّ أو الفنان هو مُستقبل الإنسان؟

عبير نصراوي: طبعاً، الفنان بكلّ الجوانب وفي كلّ الميادين الفنية هو Leader، هو قائِد

زاهي وهبي: مؤثِّر

عبير نصراوي: الفنان بوعيه وبحسّه الصادق ووعيه للأشياء، طبعاً عندما يكون ملتزماً، عندما يكون يشعُر بالأشياء، يمكنه أن يقود ويأخذ الناس وراءه. حتّى اليوم نأخذ مثالاً أنّ بعض الفنانين عندهم آراء ولاحظ كم عدد الناس المتابعين لصفحاتهم، لحساباتهم على شبكات التواصل الاجتماعي وكم يُمكنهم أن يؤثِّروا وأن يُحرِّكوا

زاهي وهبي: نلاحظ في مُجتمعاتنا العربية، في المؤسّسات القادرة، أنّ الفنّ الجاد العميق الراقي المُحتَرم لا يلقى الدعم اللازم والمطلوب. عند حضرتكِ جُملة لفتت نظري، تقولين: "أخلاقي، بمعنى التزاماتكِ الأخلاقية، أقفلت الأبواب أمامي"، صحيح؟

عبير نصراوي: صحيح، وإذا عاد الزمن أقوم بنفس الاختيارات. شوف، أنا إنسانة أحب، كما أحب أن أرى نفسي في المرآة أبقى أحترِم نفسي، هذا مُهمّ جداً، أبقى أحترم تربية والديّ لي، أحترم الأشياء التي كبرت عليها

زاهي وهبي: يعني عُرِضَ على حضرتكِ دعم أو تبنٍّ أو تشجيع؟

عبير نصراوي: لا أبداً

زاهي وهبي: أو استقطاب مقابل تنازلات معينة؟

عبير نصراوي: أكيد للأسف لا يجب التعميم لكن هذا الشيء موجود. أنا مثلاً تعرّضت لبعض الضغوطات، تعرّضت لأشياء ليست جيّدة وربما كان هذا الدافع الأساسي بالنسبة لي لأن أخرُج من (تونس)

زاهي وهبي: هذا الذي جعلكِ تُهاجرين، ضغوطات من جهات نافِذة طبعاً

عبير نصراوي: من جهات نافِذة طبعاً، فإذا جهات نافذة تُقفل أمامك الأبواب، ماذا تفعل؟ كان أمامي خياران، إمّا أن أتوقّف عن الغناء، والغناء عندي مثل الأوكسيجين، مستحيل، لم تكن مقبولة الفِكرة، أو أخرُج من البلاد، على أساس أن أخرج لفترة قصيرة. للأسف، الفترة طوّلت، على أساس أن آخُذ شهادتي وأرجع. لكن أقول بكلّ أسى إن الكثير من الأبواب ما زالت مُقفلة. أنا عندما أُغنّي في مسارِح الكلّ، أدور كلّ العالم وأرفع علَم بلادي

زاهي وهبي: لا زال الشخص المعني أو الجهة المعنية

عبير نصراوي: ليس نفس الشخص، وكأنهم توارثوا الأشياء من دون أن يعرِفوا السبب الحقيقي. شوف، عندما فكرة تخرُج، خرجت فكرة ربما تعليماتهم أن ابتعدوا عن تلك أو شيء لكن الذي سمع نفّذ والذي تلاه نقل المعلومة والذي تلاه نقل المعلومة، يعني أنا في بلدي أبقى سنوات لا أُغنّي في (تونس)، يعني حفلة في السنة أو حفلة في سنتين أو في ثلاث سنوات             

زاهي وهبي: يحزّ في نفسكِ أنّ تجربتكِ تشكّلت في مُعظمها، الاحترافية أعني، في خارِج (تونس)؟

عبير نصراوي: كثيراً. لأنني غنيّت في أجمل مسارح العالم وفي أرقاها وفي أكبرها أمام الناس، في عُمري لم أتخايل أن أتواجد على هذه المسارح وأن هؤلاء الناس يملأونها ويسمعونني ويتأثرون، وهم حتّى لا يفهمون اللغة العربية، أنّ وجداني فقط يصل إليهم، وأنه من بعد صوتي هذا وعلَم (تونس) الذي أرفعه و(تونس) التي أضعها في قلبي ووجداني، بعد ذلك ألقى وكأنه ليس عندي المكانة التي من اللازم أن آخذها، لست مقتنعة بأنني من اللازم أن آخذها لأنني أحسن من غيري، لا، أنا تونسية ويلزمني أن يكون عندي مكانة، حقّي في بلادي، هذا هو

زاهي وهبي: أكيد صوتكِ نتمنّى الليلة أن يصل إلى مسامع المعنيين وأصحاب الأمر والنهي في هذا المجال، نحيّي تلك الجدّة بمقطع قبل الاستراحة؟

عبير نصراوي: نحيّيها، طبعاً

زاهي وهبي: تفضلي

عبير نصراوي: طبعاً

زاهي وهبي: جدّتك، تلك الجدّة التي تأثرتِ بذكراها

عبير نصراوي: الجدّة التي تأثّرت بها. طبعاً أنا أُحبّ كلّ أجدادي، حتى الماما لا تزعل

زاهي وهبي: نحيّيها ونُمسّيها بالخير

عبير نصراوي: لماذا؟ لأن جدّتي أمّ الماما توفّت وأنا أصغر، والأُخرى عشت معها فترة أطول

زاهي وهبي: أمّ والدك

عبير نصراوي: طبعاً. أُغنّي من تراث منطقة (القصرين) (تغني)

زاهي وهبي: شكراً جزيلاً

عبير نصراوي: يعيّشك

زاهي وهبي: لحظات سريعة ثمّ نُتابع "بيت القصيد"

المحور الثالث 42:49                                                           

زاهي وهبي: "تحت الياسمينة بالليل" أشهر الأُغنيات التونسية ربما لـ "الهادي جواني" الله يرحمه، غنّيتها، وهذا من حفلة في (بروكسيل) في (بلجيكا)

عبير نصراوي: نعم، كانت الحفلة مئة في المئة نسائية

زاهي وهبي: نعم

عبير نصراوي: الفرقة مغربية، أنا من (تونس) وكانت مُغنية من (الجزائِر) وأقامتها بلدية (بروكسيل) لأنّ عندهم الكثير من المغاربة، بلجيكيين من أصلٍ مغاربي، فأحبّوا أن يُفرِحوهم بهذه الحفلة

زاهي وهبي: من الحفلات المميّزة التي قدّمتِها "في قلب المتصوّف"، في ذكرى المولِد النبوي الشريف. أولاً دعيني أسألكِ عن تفاعُل الجمهور الغربي مع هكذا شيء، ذكرى المولِد النبوي، أناشيد أو أُغنيات صوفيّة، كيف، والفكرة فكرتكِ أعتقد

عبير نصراوي: هي فكرتي، طبعاً هي تقدّمت مرتين في المولِد النبوي الشريف لكن كولادة للمشروع ابتدأت قبل هذا، لأنه عندما صارت العمليات الإرهابية في (فرنسا) وأصبحنا نحن كمُسلمين، كعرب يعني

زاهي وهبي: يُشار إلينا

عبير نصراوي: يقول الفرنسي، لا دوب دي بين"، ماذا يعني ذلك؟ يعني أننا متهمين مرّتين، من جهة نحن نعيش في (أوروبا) ونحن أنفسنا يُمكن أن نكون ضحايا للإرهاب، ومن جهة أُخرى وبالنسبة للفرنسيين، وكأننا مسؤولون عن هؤلاء الناس المرضى الذين ويقتلون الناس ويُفجّرون أنفسهم، فأنا أحببت أن أُجيب بشيء أنا شعرت به. أنا فنانة ولا أعرف كيف أقدِّم خطابات

زاهي وهبي: كنت في الكنيسة أيضاً، في حفلة من الحفلتين

عبير نصراوي: نعم، الفكرة أنني جلبت "كورال" من الفرنسيين، وأتيت إلى "أغاث بيو ليس" وهي فرنسية أعرِفها واشتغلنا على مشاريع أُخرى، قلت لها: "أغاث" نتلاقى في "لا إله إلّا الله" وفي المحبة، وفسّرت لها، فقالت لي نعم. جاؤوا فرنسيين وجلبوا بعض التراتيل المسيحية وهذا الكون الموسيقي الكنائِسي اشتغلنا عليه معاً وكأننا زاوجنا بينه أو مزجناه

زاهي وهبي: البسملة مع الترانيم

عبير نصراوي: وقُدّم في أكثر من مكان، قدّمناه في (إيطاليا) في كنيسة تعود لسنة 1192، قديمة، قدّمنا فيها أجمل الحفلات، ثمّ مؤخّراً قدّمناه في (باريس) مع معهد الثقافات الإسلامية بمناسبة المولد النبوي الشريف أيضاً في كنيسة، يعني ما أحلاها عندما تُغنّي " لا إله إلّا الله "، عندما تُغنّي على سيِّدنا "محمّد"(ص)  والسيّدة "مريم العذراء" وورائي تمثالها، ثمّ عندما نُغنّي أيضاً من التُراث التونسي على "ابن مريم"، على سيّدنا "عيسى" عليه السلام، هذا جميل 

زاهي وهبي: حلو، هلّ يؤثِّر هذا الشيء؟ هلّ يُساهم في تغيير الصورة النمطية عن الإسلام وعن المُسلمين؟ هلّ يترُك أثراً إيجابياً في المُتلقّي؟

عبير نصراوي: طبعاً، لأنّ أنا مثلاً في مقطع، وأنت تعرِف، "نغمة الحجاز من أجمل ما يؤذَّن في نغمة الحجاز لأنه مؤثِّر. ففي وقتٍ ما، طبعاً أنا لا أؤذِّن لكن الجملة الأولى فقط التي هي في النغمة تلك وكأنه إيحاء بالآذان، نتفكّر، وأنا قلت الله أكبر، نتفكّر. جاء أحدهم بعد الحفلة وقال لي بالفرنسية "شكراً لأنكِ صالحتِنا مع "الله أكبر". بالنسبة لي هذه أجمل هدية

زاهي وهبي: كلمة "الله أكبر" ارتبطت بالانتحاريين، يصرخون "الله أكبر" يُفجِّرون أو يقتلون أو يدهسون

عبير نصراوي: هذا هو المُشكل

زاهي وهبي: التصوّف هو أحد تجلّيات، إذا أردنا أن نقول، الفِكر الإسلامي، رغم الظلم الذي تعرّضوا له المتصوّفة عبر التاريخ، التصوُّف والعِرفان أيضاً. كيف هي علاقة حضرتكِ في هذا الاتجاه؟ في هذا الفِكر؟ خصوصاً أنه تركَ أثراً في الفنّ. تعرفين كم هناك من فِرَق موسيقية وغنائية تُنشِد وتُغنّي

عبير نصراوي: نعم، هذا الكون يستهويني، هذا الكون أموت عليه، ربما أحكي لك حكاية أُخرى جانبية أيضاً من دوافع اهتمامي بهذا. أنا في المُطلق أُحبّ الذِكر، يعني في ذكر ربّي سبحانه أُحب أن أحضر. ففي مرة كان هناك حلقة ذكر، وعلى أساس أن نذهب ونحضر، أحب أن أسمع أُناساً يذكرون ربّي سبحانه، فقالوا لي، هي للرجال فقط. فأنا، كم حزنت، كم كان هناك حاجة في داخلي مثل، في الفرنسية يقولون Frustration، لا أدري، أنّني أنا كامرأة ليس لي الحق في أن أذكُر ربّي؟ ليس لي الحق أن أحضر معكم؟

زاهي وهبي: أحبطوكِ، شعرتِ بالإحباط

عبير نصراوي: أنا عندي الحقّ في أن أذكُر ربّي سبحانه، عندي الحق في أن أُحبّ ربّي سبحانه، ومن هنا أنا قلت أن هذه الحلقات التي لم يرغبوا في إدخالي بها، أنا أخرجتها وقدّمت بها العرض، وغنّيت وقدّمت الكثير من المحبة والكثير من التصالُح والكثير من التآخي وهذا الكون الجميل الذي كلّه محبّة وكلّه موسيقى، تعرِف أنّ جملته لا يتفلسف عليها، كما نقول نحن بالتونسي، هي جملة سلسة جميلة بسيطة وتصل إلى القلب

زاهي وهبي: في هذا المعنى، عندما نقول إنّ الفنّ يُمكن أن يكون مُستقبل الإنسان، بمعنى أنه ينشُر المحبّة والحبّ ويدعو إلى السلام ويدعو إلى العدالة

عبير نصراوي: طبعاً

زاهي وهبي: نسمع أيضاً رأياً في "كلام يوصل" لو سمحتِ، هذه المرّة من (تونس)، من الشاعر "جليدي العويني"

كلام يوصل

جليدي العويني – شاعر: طبعاً "عبير" نحن نعيش في أكثر تجربتها وصداقتها، وهي طبعاً على المُستوى الإنساني إنسانة راقية وصديقة وفيّة للحقيقة. طبعاً في الجانب الفنّي أنا أعرف تجربة "عبير النصراوي" منذ بداية الألفية أو نهاية التسعينات، كانت للحقيقة بداية فيها الكثير من الجُهد والكثير من البحث عن التميُّز. بقدر ما تظهر "عبير" على المُستوى الخارجي كطفلة ناعمة وطفلة هادِئة ولكنها امرأة شرِسة واجتهدت كثيراً في تجربتها الفنية طبعاً من خلال انتقالها، خاصة من (تونس) إلى (فرنسا)، فهناك أخذت التجربة شكلها وربما أخذت بُعدها الأكثر وهي في يدها اتضحت لها أشياء كثيرة. بالنسبة لي كشاعر في الحقيقة تعجبني "عبير" في ذائِقتها الشعرية العالية للحقيقة سواءً كإعلامية عندما تشتغل في برنامجها وتختار جملة من النماذج أو جملة من القصائِد الشعرية أو اختياراتها أيضاً الغنائية ولو أنها في بعض الأحيان ربما أحد المآخذ البسيطة بالنسبة لي، ربما ضائِقتها الشعرية التي نعرِّف عليها لا تنعكِس دائِماً في اختياراتها الغنائية حيث أنّ بعض أغانيها، عندما نسمع كلمات، ربما لأنّ "عبير" اختارت اللحن واختارت الموسيقى فلم تلتفت كثيراً إلى الكلمات، ولكن هي في حقيقتها وفي ذائِقتها للحقيقة عندها ذائِقة شعرية مُميّزة، وهذا طبعاً انعكس على تجربتها، وموسيقانا العربية هي موسيقى كلمات و"عبير" بطبيعة الحال من هذا الجانب استطاعت أن تشدّ آذان الناس طبعاً إضافةً إلى موهبتها وإلى صوتها الجميل. سؤالي لكِ "عبير" هو ربما في الجانب الإعلامي، أنتِ أظهرتِ للحقيقة تميُّزاً في تجربتكِ في إذاعة "مونتي كارلو" وفي حصصكِ وإنتاجك وأنت على دراية بالموسيقى، وأنتِ على علاقة كبيرة بالشِعر. هلّ من طموحاتكِ أن تُسخري كلّ هذا الرصيد إلى منوّعة تلفزيونية كبيرة في قناة ربما أكثر مُشاهدة باعتبار أنّ هذه التجربة التي قمتِ بها جعلتكِ على اطّلاع على المشهد الفنّي والإعلامي والأدبي في الوطن العربي؟

زاهي وهبي: تفضلي، شكراً للأُستاذ "جليدي العويني"

عبير نصراوي: تحية له كبيرة

زاهي وهبي: الشاعر التونسي

عبير نصراوي: أنا أعشق شعره، أعشق روحه، أعشق ريشته، أحب

زاهي وهبي: هلّ غنّيتِ من كلماته؟

عبير نصراوي: ما زلت، لكن الفكرة قائِمة ولن تتأخّر

زاهي وهبي: ملاحظته قبل السؤال، مُلاحظته على مسألة اهتمامكِ باللحن أكثر من الكلام، صحيح؟

عبير نصراوي: لا، ليس صحيحاً. أنا في هذه لا أوافقه لأنّ الكلمة تمسّني كثيراً قبل اللحن، يعني ممكن أن يكون لحناً سمفونياً، أحلى سمفونية في العالم، إذا النص لم يُحرِك شيئاً بي لا أُغنيه. لكن أنت تعرِف، هذه الأشياء تبقى شخصية، يُمكن للنصّ أن يمسّني وأن يُحرِك بي شيئاً وأن يمسّ بي شيئاً، ربما حتّى عنده علاقة بتجربتي وبحياتي ومن الممكن ألّا يؤثر بك أو بشخص آخر، فالمسألة تبقى نسبية

زاهي وهبي: والسؤال، تحويل تجربتكِ الإذاعية وبرامجكِ في "مونتي كارلو" الدولية إلى حلقات تلفزيونية، ممكن؟

عبير نصراوي: الفكرة واردة. طبعاً هو يتحدّث عن "مونتي كارلو" لأنّ من هم حتّى في (تونس) يعرِفون إنها إذاعة كبيرة، لكن بما أنّنا لا نبثّ في (تونس) فربما لا يتخايلون فعلاً الكمّ الذي عندنا من المُستمعين

زاهي وهبي: عندكِ برنامجان في إذاعة "مونتي كارلو"

عبير نصراوي: "حكاية نغم"، وهي فقرة يومية نحكي فيها حكايات الأغاني، و"طرب" الذي مدّته ساعة نستضيف فيه من أهل الفنّ

زاهي وهبي: نعم، شعراء وموسيقيين

عبير نصراوي: وموسيقيين ومغنّيين ونتحدّث عن مشوارهم الكامل

زاهي وهبي: منذ متى تُقدمين هذا النوع من البرامج؟

عبير نصراوي: أنا في إذاعة "مونتي كارلو" منذ عام 2005

زاهي وهبي: منذ ثلاث عشرة سنة

عبير نصراوي: نعم، عُمْر. فالفِكرة واردة إذا طبعاً وجدنا الإطار والإمكانيات اللازمة، يعني لن أرفُض إذا في يومٍ ما

زاهي وهبي: سنحت فرصة

عبير نصراوي: إذا سنحت الفرصة طبعاً

زاهي وهبي: لو سمحتِ، نتوقّف مع استراحة أخيرة ثمّ نتابع "بيت القصيد"

المحور الرابع

زاهي وهبي: موّال للشيخ "محمّد عُمران" مع موسيقيين أجانب

عبير نصراوي: "مُفضّل عضّوم"، تونسي هو رئيس الفرقة والباقون أجانب يعزفون Oriental Jaz واستضافوني معهم، فكانت تجربة حلوة، تحية لهم كثيراً جداً

زاهي وهبي: خامة صوتكِ العريضة قليلاً تُساعدكِ في أداء نوعية مُعيّنة من الأُغنيات، مثل أُغنيات "أُمّ كلثوم" مثلاً التي فيها

عبير نصراوي: أكيد، التي فيها تطريب وفيها تنغيم

زاهي وهبي: وفيها مساحة صوتية

عبير نصراوي: نعم. يعني صوتي طربي مئة في المئة، وأنا قمت بتجارب موسيقية أُخرى، طُرق أُخرى في التنغيم، مثلاً تجربتي مع "الحجاز"، أحياناً نُلقي شعراً، أحياناً نُقدِّم فقط أصواتاَ، حاولنا حتّى أن نستغني عن الكلمات وألا يغني الصوت نفسه ويُصبِح آلة ضمن الآلات، وكانت تجربة هامة جداً، فأُطوِّعه حسب المشروع الذي أقوم به

زاهي وهبي: حضرتكِ ذكرنا أنكِ من منطقة (القصرين)، من بلدة (تالا)

عبير نصراوي: (تالا) بالضبط، مدينة والدي

زاهي وهبي: سؤالي هو قبل أن أُقدِّم الشهادة الأخيرة بتجربتكِ، هلّ لها خصوصية معينة من حيث الغناء والموسيقى ضمن الخصوصية التونسية العامّة؟ يعني هلّ يتميّز الغناء في هذه المنطقة والموسيقى ويختلف عن مناطق أُخرى في (تونس)؟

عبير نصراوي: لا، ليس بالضرورة، لكن هي مدينة صغيرة

زاهي وهبي: في المدينة نفسها يعني منطقة

عبير نصراوي: كمنطقة طبعاً، أمّا هي كمنطقة فقريب تراثها لـ (الكاف)، قريب لـ (سيدي بوزيد)، يعني تقريباً نفس الخطّ، فتحسّ أنّ تراثها، حتّى مثلاً "فرح الحمام" يقولون لي هذا من تراث (الكاف)، فأقول لهم لا، ليس من تراث (الكيف) وأنتم لا تعرفون أنّ الناس كانوا رُحَّلاً ويُسافرون بهذا الرصيد، فتُغنّى الأُغنية في مناطق عديدة، ولا أحد يمتلِك قطعة معينة، كانوا رُحَّلاً و(تونس) صغيرة أصلاً وتتشابه، لكن هي منطقة ربما ما تتميّز به أنها منطقة مُرتفعة قليلاً، يتساقط الثلج فيها، وكما تعلم هناك الجبل وهناك الاكليل والزعتر والشيح النظيف والأصوات النقيّة

زاهي وهبي: أنتم قريبون من جبل "الشعانبي" الذي للأسف فيه متطرّفون وإرهابيون ودائماً يُداهم الجيش التونسي هذه المناطق. دعينا نسمع رأياً لو سمحتِ من الإعلامية التونسية السيّدة "عفاف الغربي"

كلام يوصل

عفاف الغربي – إعلامية: "عبير" بدأت كبيرة. "عبير" عرفناها عام 1998 عندما اعتلت ركح (مسرح) (قرطاج)، بدأت بخطوة كبيرة من خلال العرض المتكامل. في عُمرها لم تكن من نوع الفنانين والفنانات اللواتي يبحثنَ عن عالم الشُهرة والنجومية والـ Show Biz، "عبير" إنسانة، كلمة إنسان وإنسانة تعيش في داخلها بصفة كبيرة. خاطبت المبادئ الكونية الإنسانية وخطابها كان دائِماً تجميعي، تحب أن تجمع الناس مع بعضهم مع اختلاف معتقداتهم واختلاف أديانهم واختلاف توجّهاتهم السياسية، تحب أن يجتمع الناس حول مبادئ إنسانية يتّفق عليه الكلّ. طيبة جداً، متواضعة جداً، في تعاملها، في تقابلها، لا تُشعِرك في أية لحظة بأي نوع من الحواجز. إذا قابلتها للمرة الأولى كأنك تعرفها طوال حياتك، هذا ليس كلاماً لكنّه واقع، كأنني أعرِفها وكأنها كانت تعرِفني، فرحت بي وفرحت بها في أوّل لقاء جمعني بها. تحسّ بأنها تشتغِل أكثر على كلّ ما يهم المواطن العربي، يهمّ حياته، تُعطي رسالة وتُحبّ أن تؤدّي رسالة، تُحبّ أن توصِل صوتاً. "عبير" أنا كإعلامية تونسية أفتخر بأنّ عندنا فنانة من طينتها وأنّ عندنا فنانة تُمثِّل الفنّ وتُمثِّل الساحة الثقافية التونسية في الخارِج كأحسن ما يكون لأنها إنسانة مُحترمة وإنسانة راقية في اختياراتها، في أعمالها، وبُعدها بُعد جسدي فقط لأنّه حتّى في أعمالها في الخارِج (تونس) حاضرة، الأُغنية التونسية حاضرة، الروح التونسية حاضرة، البصمة التونسية حاضرة، ولكن هي مُقلِّة كثيراً ونحن نودّ أن تكون بيننا في (تونس). في العام الأخير هذا، (تونس) تعيش في مخاض كبير حول الحريّات، حول مسألة الحريات. كما تعرفون هناك لجنة كاملة تعاملت مع هذه المسألة، هناك مشروع كبير أُنجِز، هناك الكثيرون من المُجتمع المدني، من الطبقة المُثقفة، من الفنانين الذين حملوا راية هذا المشروع يُدافعون عنه بشراسة في (تونس). لم أرَ منكِ أيّ ردّ فعل، لم أرَ منكِ موقفاً، أحببتكِ أن تكوني موجودة لأننا عرفناكِ دائِماً ضيفة على مثل هذه القضايا، ولكن غيابكِ هذا لم أجد له تفسيراً، هل يُمكنك أن تُفسّري لنا ما هو رأيك وتعطينا رأيكِ بوضوح في مسألة الحريات في (تونس)؟

زاهي وهبي: شهادة محبّة من السيّدة "عفاف الغربي"، ولكن السؤال يطرح علامة استفهام، موقفكِ من مسألة الحريات ومُكتسبات المرأة التونسية التي أحياناً تبدو مُهدّدة في بعض المفاصل، ولكن يبدو أنّ المخاوف من إلغائِها زالت         

عبير نصراوي: شوف، أنا ربما عشت التجربة قليلاً على "الفيس بوك" وغيره، أنني كنت أُعبِّر عن موقفي في وقتٍ ما، وللحقيقة لم أعُد أستحمِل السباب والشتائم والناس الذين عندما تُخالفهم يسبّونك، فأهدأت أعصابي واحتفظت بالأشياء التي يمكنني أن أقوم بها على أرض الواقع

زاهي وهبي: لكن الفضاء الافتراضي العربي مليء بمثل هذا، لا أحد ينجو من هذا الأمر، فاحملي خفيفاً كما نقول

عبير نصراوي: نعم، لكن بعد ذلك وعلى صفحتي الرسمية أحكي عن الفن وعن تجاربي، ولكن في الأشياء الأُخرى وعلى أرض الواقع، إذا مثلاً حاجة من اللازم أن أُعبِّر عنها، إذا كان هناك مُحاضرة من اللازم أن أحضرها، إذا كان هناك مُلتقى من اللازم أن أُعبِّر فيه، أحياناً حتّى حضوري للمشاركة في غناء ما معناه، معناه أنّ هذه الحريّات الموجودة والاجتماعات التي فيها تقرير لمصير (تونس)، حضوري هو أصلاً موقف، طبعاً، طبعاً، وأنا بعيدة

زاهي وهبي: تعبّرين عن شيء وأنا عندي نفس النهج، أنا ناشِط على "تويتر" وأتجنّب السياسة قدر الإمكان، أكتب الشعر وأكتب عن الفن وأكتب عن البرنامج، منعاً لهذا الشي الذي تتفضلين به، بينما موقفي معروف، ومُشاركاتي وشخصياتي

عبير نصراوي: أنا موقفي معروف طبعاً من خلال حتّى توجُّهي الفنّي، وهو واضح

زاهي وهبي: قبل أن يُداهمنا الوقت لو سمحتِ، وما شاء الله تجربتكِ تحتاج ربما لمزيد من الحلقات. غنيت "أمّ كلثوم" وسمعناكِ تغنّين لـ "الهادي بله" و"الهادي جواني"، نريد أن نسمع شيئاً من أُغنياتكِ الخاصة

عبير نصراوي: طبعاً، بكلّ سرور

زاهي وهبي: قبل أن نختُم بأُغنية أخيرة

عبير نصراوي: بكلّ سرور

زاهي وهبي: هذه من كلماتك؟ أنتِ كتبتِ بعض

عبير نصراوي: هذه التي سمعنا منها قليلاً أنا كتبت كلماتها، بالنسبة لهذه أُغنّي "يا نار يا قايدة في جيشي عللي مضاكِ، الصيف ما ولّاشِ"

زاهي وهبي: يعني النار المتقدة، القايدة يعني الولعانة أو الشاعلة                  

عبير نصراوي: من كلمات "ليلى المكّي" وتلحين "إسكندر الاكتاري"، هذه واحدة من أغنيات ألبومي "هايمة"

زاهي وهبي: تفضلي

عبير نصراوي: اخترتها لأنها أول أُغنية لُحِّنَت (تغني)

زاهي وهبي: جميل، جميل جداً. يعني نتمنّى أن نراكِ في مهرجان (قرطاج)، في (الحمامات)، في (جربة)، في (بيت الدين) في (لبنان)، في (جرش) في عمّان

عبير نصراوي: إن شاء الله

زاهي وهبي: يعني مؤسِف أنّ هذا الصوت وهذا الاحترام في الغناء وفي الأداء ألّا يصل إلى الجمهور العربي العريض، أنا أتمنّى. وحضرتكِ قلتِ أنّه لا مانع عندكِ أن تُغنّي باللهجة المصرية أو اللبنانية، صحّ؟

عبير نصراوي: طبعاً، مهم أن أُغني باللهجة التونسية، وخرج لي أول ألبوم باللهجة التونسية، لا يزال طبعاً صوت العرب لأنه كيف أصعد خشبة مسرح كتونسية وأُمثّل الثقافة العربية؟ فهي مسؤولية كبيرة على أكتافي، أنا أخذت هذه المسؤولية، فممكن أن أُغنّي بالمصري، وممكن أن أُغنّي باللبناني، لكن في توجّهي الحالي، عربية فصحى

زاهي وهبي: نعم، الآن تُحضّرين قصائِد وكلمات بالعربية الفُصحى، نراها قريباً إن شاء الله، وتتوفّقين بإنتاجها وبمؤسّسة تدعم هذه الخيارات الراقية، وأنا أريد أن أقول لكل الذين تعرّفوا هذه الليلة على تجربتكِ وعلى صوتك، أنّه على "اليوتيوب" هناك الكثير من الحفلات لحضرتكِ وتسجيلات، وعندكِ إحدى عشر أُغنية في سي دي "هايمة" ويمكنهم بذلك أن يسمعوا أكثر. اسمحي لي أن أشكر، قبل أن أترُك لكِ مسك الختام، أن أشكر فريق العمل على إنجاح هذا اللقاء، المُخرِج "علي حيدر"، المنتجة "غادة صالِح" وأن أخصّ صديقة وزميلة من (المغرب) "كنزة بو عافية"

عبير نصراوي: تحية كبيرة لها

زاهي وهبي: على دعمها وتشجيعها ومُساعدتها دائِماً لي في اختيار ضيوف البرنامج، وكلّ عيد وأنتِ بألف خير

عبير نصراوي: كل عام وأنت بخير

زاهي وهبي: ومن خلالك لـ (تونس) ولكلّ مُشاهدينا في الوطن العربي وفي كل العالم، أضحى مُبارك للجميع، وعيديّتنا مع مسك الختام وصوت وإحساس "عبير نصراوي"، تفضلي

عبير نصراوي: شكراً على الاستضافة وشكراً للفريق، شكراً للحرفية، شكراً لهذا الفضاء الجميل، شكراً لبحثكِ وأسئِلتك والجانب الذي يريح الضيوف. كل عام وأنت بخير، كل عام وأنتم بخير للذين يتابعونا وإن شاء الله دائِماً نتلاقى في الخير والصحة والهناء، وطبعاً أُحب أن أختم بأًغنية لـ "الهادي جواني" وهو من أعلام الموسيقى التونسية

زاهي وهبي: صحيح، وأُغنياته تجاوزت الإطار المحلّي إلى كلّ الوطن العربي

عبير نصراوي: طبعاً، أغنية يحبونها أشقاؤنا العرب ويحبونها التونسيون (تغني)

زاهي وهبي: الله، الله

 

الممثلة التونسية ريم الرياحي

المزيد