عبد اللطيف الحنيشي - الخبير في الحركات الإٍسلامية

 

محمد علوش: منذ موجة الانتفاضات العربيّة الأخيرة، صعد الإسلام السياسيّ إلى الحكم، ولحقت به في الصعود موجاتٌ من التطرّف الديني.

برز تنظيما القاعدة وداعش في سوريا والعراق لاحقاً، وأثارا في الفضاء العربيّ إشكالية التأزّم في الفكر والتديّن.

طُرح التساؤل، هل الأزمة في الإسلام السياسي ومشروعه، أم في داعش وإخوانه من أصحاب العنف المسلح؟

توالت الأحداث فأقصي الإخوان في عدد من الدول. بقيت فروع الجماعة حاضرة في دول أخرى، تونس، المغرب، تركيا من بينها.

جاءت الأزمة الخليجية وتسارع الانقسام العربي. تبدّلت موازين القوى في المجتمع والدولة، وتكاثرت الاتهامات بشأن توظيف الدين في السياسة.

الاتهام بتسييس الحجّ من عدمه كان من أبرز تجلّيات هذا الصراع. دليلٌ آخر على التسييس، يدلّل البعض، مشروع التطبيع مع الاحتلال، بين من يرى في إسرائيل دولة وديعة ومن يراها أصل الداء والبلاء.

فمن يوظّف الدين لمصالحه السياسية؟ وهل الإشكال في الإسلام السياسي نفسه؟

ماذا عن جدلية العلاقة بين الدين والدولة أو بين الدين والسلطة؟

للنقاش معنا المؤرّخ والباحث التونسي الدكتور عبد اللطيف الحناشي.

 

(فاصل)

 

محمد علوش: حيّاكم الله وأهلاً بكم مشاهدينا إلى حوار الساعة، مع المؤرّخ والباحث التونسي الدكتور عبد اللطيف الحناشي. صباح الخير دكتور.

 

عبد اللطيف الحناشي: مرحباً، صباح الخير. أهلاً وسهلاً بك وبالسادة المشاهدين.

 

محمد علوش: دعنا نبدأ بسؤال إشكالي كبير بما أن الحلقة بشكل عام فيها جزء كبير من البُعد الفكري. المفكّر اللبناني الدكتور رضوان السيّد وهو يتحدّث عن الفكر السنّي، يقول إن الإسلام السنّي الآن يعيش أزمة حقيقية وهو يعيش تفجيراً من الداخل ويدعو إلى تسكين الدين وإخراجه من بطن الدولة اليوم.

تقديركم، إلى هذا الحد هناك أزمة حقيقية في الفكر الإسلامي السنّي؟

 

عبد اللطيف الحناشي: نعم، هذا القول تردّد، حتى قبل ما تفضل به الأستاذ رضوان، وهذا الفكر يعيش أزمةً منذ أن برز على الأقلّ في التاريخ المعاصر، أي منذ بروز أولاً الحركة الوهّابية، ثمّ في ما بعد الحركة الإخوانية في مصر سنة 1928.

وتتالت هذه الأزمات، واتخذت أشكالاً متعدّدة لعدم قدرتها أحياناً، أو في أغلب الأوقات، في الواقع، على التفاعل مع الواقع المعاش سواء محلياً، قُطرياً، أو كذلك التفاعل مع تحوّلات فكرية وحقوقية في العالم.

ولذلك، نرى أنه في كلّ فترةٍ تبرز على يمين هذا التيار أو بين هلالين على يساره، مجموعات جديدة لعلّ آخرها المجموعات التكفيرية السلفية التي استخدمت السلاح والإرهاب في مجتمعات مختلفة، العربية وحتى الإسلاميّة، ولذلك من المفروض أن هذه أو على الأقلّ رموز هؤلاء، أن يجدّدوا هذا الفكر، أن يبيئوا إن صح التعبير حسب تعبير المرحوم عابد الجابري، أن يبيئوا هذا الفكر أن يفعّلوه حسب الظروف العربية والوطنية والمحلية، حتى يتمكّن من الاستمرار لربما بصيَغ غير الصيّغ الأولى التي برز فيها.

 

محمد علوش: طبعاً على ذكر المفكّر محمّد عابد الجابري المفكّر المغربي المعروف، هو كان يقول إنّ الإسلام ليس فيه سلطة دينية، وأن الإسلام لم يشرّع لنظام الدولة كما شرّع لأمور الدين وترك تحديد نظام الحكم وأسلوب إدارة الدولة لاجتهادات المسلمين، بحسب ما كان يقول في كتاباته.

لكن البعض يقول، وهنا أستشهد بكلام للكاتب محمّد سامي الكيال ينشره في القدس العربي، يقول إنّ مشروع الدولة العربية الحديثة في الأساس الذي تأسس على أنقاض الدولة العثمانية بني على ركيزتين أساسيتين وهما الجيش والدين، أي أنّ الدين كان حاضراً أساسياً في الحياة السياسية وليس فقط في مجال الفضاء للبيئة المتدينة عادة.

تقديركم، إلى أي حد كان أداة تُستعمَل في منح الشرعية للسلطة السياسية التي انبثقت في ما بعد؟

 

عبد اللطيف الحناشي: هذا واقع، كما كانت الدولة العثمانية التي تبنت الأيديولوجية الإسلامية  بين هلالين، واعتمدتها كأساس لانتشارها وفي جميع الأقطار العربية، وحتى نرجع في التاريخ الوسيط والتاريخ الإسلامي، دائماً الدين كان جزءاً من هذه الدولة، وهذا الأمر استمر حتى في الدولة الوطنية، وهو ما نلاحظه في أغلب دساتير الدول العربية، في حين أن البعض منها وهو قليل، حاول أن يوجد صيغةً أكثر تطوّراً ولكنه لم يستطع أن يصل إلى عملية القطيعة أو الفصل بين الدين والسياسة برغم التنظيرات العديدة التي برزت في عهد علي عبد الرازق أو غيره أو حتى في مجالات أخرى، وهذه معضلة بطبيعة الحال كبيرة جداً، وهذا باعتقادي ما يعطّل سواء تطوّر الإسلام أو تطوّر الحياة السياسية.

لكي نأخذ أوروبا مثلاً، عندما تم هذا الفصل استطاع على الأقلّ رموز المنظّرين في المسيحية، أن يطوّروا المسيحية في إطار الدولة العلمانية التي فصلت ببين الدين والدولة، في حين أنّ في الدول العربية ما يؤسف إليه، أن دائماً يُستغَلّ الدين، يُوظَّف الدين لتبرير وجود أنظمة في غالبها كانت أنظمة استبدادية ولم تكن أنظمة ديمقراطية وتستغل الدين، بل أنها تشوّه الدين وجوهر الدين، وتستعمله كما قلنا لغاياتٍ متعدّدة هي في الغالب لصالح فئةٍ أو طبقة سياسية معينة وطبقة سياسية واجتماعية معيّنة.

 

محمد علوش: البعض يقول إن هناك قياساً مع الفارق، أي التجربة المسيحية تاريخياً تختلف عن التجربة الإسلامية أو التجربة المسلمة بشكل عام. الإشكالية هي في توظيف الدين في الحياة السياسية بطريقة لا تتناسب مع مقاصد الدين، وليست إشكالية في مضمون ما يقدّمه الدين الإسلامي، طبعاً البعض يقول.

على ذكر ما تفضلت به حضرتك، المفكّر طه عبد الرحمن في كتابه "روح الدين" يقول إن استبداد دولة التسيّد بحسب ما يسميها باحتكار الكلمة الدينية تفضي إلى عواقب وخيمة على المجتمع وعلى الفرد، بمعنى تضرب الدين والمجتمع معاً.

قبل أن نطلب من حضرتك التعقيب على ذلك، دعنا نأخذ ما كتبته صحيفة الحياة لسيّد إسماعيل ضيف الله عن الدولة الوطنية في العالم العربي في ظلّ هيمنة ملحّة من البعض على منحها الشرعية الدينية لقبولها. نشاهد معاً.

 

الحياة: العولمة والمشروعية الدينية للدولة الوطنية، سيّد إسماعيل ضيف الله

لعلّ المتأمّل في تاريخ الخلافة الإسلامية يدرك أنّ الأسئلة بشأن المشروعية الدينية لشكل الحكم السائد عبر التاريخ الإسلاميّ، وهو شكل الخلافة، لم يكن حافزاً لأيّ فقيهٍ لأن يطرح سؤالاً بشأن المشروعية الدينية له، ما دام الواقع قد فرضه وتمكّن الحاكم من فرض سيطرته على الأرض.

ومع سقوط الخلافة الإسلامية العثمانية في العام 1924، لم يكن مفهوم الدولة الوطنية واقعاً ضمن أفق الخيال السياسيّ لأيٍ من الولاة والأمراء التابعين للخليفة الذي سقطت خلافته. ومن هنا، كان السؤال عن المشروعية الدينية لأيّ بديلٍ للخلافة سؤالاً فرض نفسه واستمر يفرض نفسه على بعض الجماعات الدينية التي تجمّدت وتقوقعت داخل حلم استعادة الخلافة، ورفضت أن تنظر في الواقع لترى ما جرى فيه من تغيّراتٍ محليةٍ وعالمية.

لكنّ السؤال الذي أطرحه هنا، ما الذي يدفع وزير الأوقاف المصري محمّد مختار جمعة إلى أن ينشر في العام 2018 كتاباً بصفته الرسمية، ومن إصدارات وزارة الأوقاف المصرية، يحمل عنوان "مشروعية الدولة الوطنية"؟

إنّ الملحوظ هنا أنّ منجزات الواقع للدولة الوطنية، بعد ما يقرب من قرن لم تقنع الوزير نفسه بأنها كافية وحدها، لأنها تكتسب مشروعيتها من منجزاتها وكفاءتها في إدارة شؤون حياة المواطنين، وأنّ ثمّة حاجةً ملحّةً لإضفاء مشروعية دينية داعمة لإقناع طيف من هؤلاء المواطنين المعلّقة أفئدتهم في شكلٍ للحكم كامنٍ في الماضي.

ومن المتوقع ألا يكون شاغل وزير الأوقاف في خطابه الديني الموجّه إلى قرّاء منشورات وزارة الأوقاف المصرية هو التفكير في طيفٍ آخر من المواطنين الذين أخذتهم العولمة كمشروعٍ سياسيٍ واقتصاديٍ وثقافي من الدولة الوطنية إلى أفق خيالٍ سياسي مختلفٍ تماماً، لكنّه قد لا يقلّ تهديداً للدولة الوطنية كشكلٍ للحكم من تهديد الشكل الأقدم للأممية، وهو شكل الخلافة.

 

محمد علوش: نعود طبعاً إلى المؤرّخ والباحث في الفكر السياسي الإسلامي الدكتور عبد اللطيف الحناشي لأسأل، هناك نظريتان متداولتان الآن في رحاب الفكر السياسيّ بشكل عام.

النظرية الأولى تقول إنّ حركات الإسلام السياسي بمجملها لا تؤمن بالدولة الوطنية وتراها نقيضاً للدولة التي أتى بها الإسلام، وهناك رؤية أقرب إلى حركات الإسلام السياسي تقول إنّ العداء هو ليس مع الدولة الوطنية وإنما مع دولة الاستبداد السياسي التي تتلطّى خلف مفهوم الوطنية والمواطنة.

تقديركم كباحث وخبير في هذه الجماعات، هل إشكالية الدولة الوطنية بالفعل هي موجودة فكرياً لدى هؤلاء أم أنه هو صراع سياسي بين قوى تتنافس على الوصول إلى السلطة؟

 

عبد اللطيف الحناشي: نعم، في الواقع، المقاربتان موجودتان عند هذه المجموعات، ولكن بتفاوتٍ، بمعنى أنّ هناك من هذه الاتجاهات أو المجموعات التي ما زالت تؤمن بالخلافة، وبأنّ الإسلام هو الحلّ، ولكن مقابل ذلك، هناك مجموعات، ومن خلال تجربتها، بعضها في السلطة، ومن خلال تأثيرات معينة، سواء في الداخل أو في الخارج، قد صفّت حسابها مع هذه النظريات أو هذه المقاربة، لا نعرف إن كان ذلك عن قناعة تامة أو نتيجة لضغوطات محلية أو غيرها، ولكن في المجموع، وعلى الأقل منذ 2011 أو حتى قبل ذلك، هناك بعض المجموعات ذات الخلفيّة أو ذات المرجعيّة الإسلاميّة، حاولت بقدرٍ أو آخر أن تصفّي حسابها مع جزءٍ من تراثها الفكريّ حول الدولة، وأصبحت تتفاعل تفاعلاً إيجابياً مع الدولة الوطنيّة.

على الأقلّ أقول ذلك من خلال تجربة النهضة في تونس التي كانت في وقتٍ معيّن تنكر هذه أو تكفّر حتى هذه الدولة الوطنية ورموزها، وخاصة رئيس الجمهورية آنذاك الحبيب بورقيبة، وكذلك حتى في المغرب وإن كان الأمر أقلّ، بالتالي أن هناك مجموعات حاولت وتحاول، وخاصةً كما قلت من خلال تجربتها، ومن خلال المعيشة سواء في الداخل أو في الخارج، مثلاً في تونس تجربة بعض رموز النهضة الذين عاشوا في أوروبا، تمكنوا من معرفة الواقع أكثر، ومن معرفة الواقع التونسي، وما يزخر به من إيجابيات بين هلالين أو إيجابيات هذه الدولة الوطنية كمثال آخر، مثلاً هذه الحركة كانت تكفّر بين هلالين الزعيم الحبيب بورقيبة، وكانت تقول مثلاً حول مجلة الأحوال الشخصية أنها كانت تندّد بها، ولكن في النهاية أصبحت مقتنعة بها اقتناعاً كاملاً بل تطالب حتى بتطبيقها وعدم التخلّي عنها، كما كانت تنظر نظرة أو لا ترحّم على شخصية الحبيب بو رقيبة، الآن أصبحت ترحّم عليه.

بالتالي أعتقد أن هناك مراجعات عند بعض الإسلام السياسي بين هلالين أو عند بعض هذه التنظيمات، خاصة في أقطار المغرب العربي، وخاصة في تونس والمغرب، في حين أن مجموعات أخرى تنتمي لتيار الإخوان المسلمين ككلّ ما زالت تلتزم بالمقولات الأولى، وهو ما كانت الحال مثلاً في مصر، وكذلك بعض الدول في المشرق العربي، ولكن تبقى قضية الدولة الوطنية، أعتقد نقطتان هامتان جداً، وقضية الدين.

في حركات التحرّر في الوطن العربيّ، وخاصة في المغرب العربيّ، لعب الدين دوراً أساسياً أو تمّ توظيف الدين توظيفاً واسعاً، حتى الزعيم الحبيب بورقيبة وظّفه من أجل تحرير الوطن، ومن أجل استمرار الهوية الوطنية ببُعدها العربي والإسلامي، وكذا الأمر في المغرب وفي الجزائر إلى غير ذلك.

بعد الاستقلال هذه الدولة الوطنية تخلّت عن تلك المبادئ، وسعت إلى إنزال مقولاتٍ وقوانين تتعارض مع ما كانت تؤمن به أو تناضل من أجله، ومن هنا أعتقد وقعت القطيعة، ووجدت هذه الحركات المبرّر لتناضل ضد هذه الأنظمة، ليس على أساس برنامج اقتصادي واجتماعي، وإنما على أساس هويّاتي إن صح التعبير أو ثقافي. ولكنها وبعد فتراتٍ، بعد حقبتين من الزمن، شعرت بأن المسألة تتجاوز هذه الأطروحات، وهناك متغيّرات عليها أن تتفاعل معها وإلا أنها ستنقرض وألا تجد نفسها في ضمن هذا المجتمع الواسع. وبالتالي، كما قلت، هذه المسألة هي ما زالت، وطُرِحت حتى في عهد النهضة عند الأفغاني ومحمّد عبده وغيرهما من المفكّرين آنذاك، وأعتقد أنها ستستمرّ ولكن بأشكالٍ أخرى وبمضامين أخرى، ولكنّها ستتقلّص شيئاً فشيئاً لصالح الدولة الوطنية بمفهوم الدولة الأمّة. وهنا المشكل الكبير جداً، أعود إلى قضية العلاقة، علاقة هذه الدول الحديثة، التي ثقافة زعمائها في الأغلب هي ثقافة ليبرالية، ثقافة تحرّرية، ولكنها برغم أنها كانت تنادي بالدولة الأمّة، ولكنّها عجزت عن بناء هذه الدولة بالمفهوم الدقيق والصحيح، نتيجةً لأنّها هي ذاتها قد وظّفت واستغلّت الدين لخدمة أغراضها ومصالحها الذاتية.

 

محمد علوش: تماماً، دعني أقرأ الرؤية من وجهة نظر أو أقارب المسألة من زاوية أخرى. البعض يتحدّث عن خصوصية تونسية، سواء للدولة في تاريخيّتها من ناحية، وللحركة الإسلامية القائمة فيها حالياً متمثلة بحركة النهضة، قياساً على حركات الإسلام السياسي الأخرى.

طبعاً تونس اشتركت كما يقول البعض، بعض الخبراء، بامتلاك جهاز دولة متديّن، فدستور عام 59 يؤكّد أن دين الدولة هو الإسلام، هيمنت على المؤسسة الدينية تونس كما فعلت كثير من الدول العربية، إلا أنها كما يقول بعض الباحثين لم تتورّط بسياسات الأسلمة المتزايدة التي أنتجها معظم الدول العربية والإسلامية، ولم تستعن بالإسلاميين تاريخياً بشكل كبير لضرب حركات سياسية أخرى، وبالتالي، ما أعطى هامشاً من المرونة للدولة من ناحية وللحركة الإسلامية من ناحية في سبيل التطوّر الذي يتجه إلى التلاؤم والتواؤم.

ما تقديركم في صحة هذا الكلام؟

 

عبد اللطيف الحناشي: هو في الواقع، نسبياً ما تفضلت به أو ما كتبه البعض حتى هذه المسألة جزئياً صحيح، ولكن الأصحّ هو أن هناك تراثاً في تونس، ونحن نتحدّث الآن عن تونس، تراث يدعو هذه الحركات إلى أن تتطوّر، لأن تونس منذ 1846، برز إلغاء الرق، و1857 برز عهد الأمان الذي يعطي الأقليات القومية والدينية والطائفية مساواة، ودستور 1861، ثم برز الشيخ الثعالبي بتنظيراته المتقدّمة جداً حول الكثير من القضايا سواء السياسية أو الفكرية أو الدينية، ثمّ جاء طاهر الحداد والذي كتب عن المرأة، ودعا إلى تحرّر المرأة، ثمّ هناك التنظيمات النقابية والتنظيمات الحقوقية، كلّ هذا في الفترة الاستعمارية.

فبالتالي، كان هناك تراث. هذا التراث للأسف في البداية لم تهتم به الحركة، حركة النهضة، إلا انها إلى حدود 79 بدأت تغيّر وتحاول أن تتفاعل مع الواقع، أو تهتم بالبُعد الاجتماعي والبُعد الاقتصادي، وتعترف حتى بالحزب الشيوعي وتتفاعل معه آنذاك في عام 1981 بعد أن برز الاتجاه الإسلامي، وتطوّر الأمر، حتى بعد وجود قياداتها خارج البلاد.

ما أريد أن أقوله هو أنه حتى في زمن الزعيم الحبيب بورقيبة في الفترة الأولى، كان هناك صِدام واضح، لأن النظام كان يرفض رفضاً تاماً، خاصة وأن في تونس لم ينشأ حزب إخواني كما كانت حال الشرق، في القاهرة أو في سوريا أو في غيرها من البلدان. هذه الظاهرة على الأقل السياسية برزت منذ 1969 في ما يعرف بالجماعة الإسلامية ثم تطوّر الاتجاه الإسلامي ثم النهضة. لماذا؟ لأن الحركة الوطنية كانت هي بذاتها تمثل كل هذه المجموعات. ولكن القطيعة كما قلت منذ البداية وقعت منذ الاستقلال، فكان هناك الصِدام.

لكن ما استفادت منه هذه الحركة هو في زمن بن علي، في وقت الاستبداد، وإجراؤها لتحالفات واسعة وإقرارها إلى مبادئ مهمة جداً خاصة بعد أن حدث ما يعرف بـ 18 أكتوبر 2005، هذا الائتلاف القوي مع حزب مثل حزب العمال الشيوعي التونسي ومع الحزب التقدمي الديمقراطي، مع حزب المؤتمر، كلها هذه أحزاب علمانية، ووقع الاتفاق حول مبادئ مهمة جداً.

وبالتالي أعتقد أن البيئة التونسية ككلّ، سواء في عهد الاستعمار أو في ما بعد، خاصة نتيجة للاستبداد ونتيجة لوجود حركة ديمقراطية ومنظمات هامة كالاتحاد العام التونسي للشغل والرابطة التونسية لحقوق الإنسان، كلّ ذلك ساعد النهضة على أن تتطوّر، وعلى أن تتطوّر بعض مفاهيمها من المرأة ومن المسألة الديمقراطية، من المسألة الاجتماعية، ساعدها على أن تتطوّر خاصة مع تجربتها في الحكم.

 

محمد علوش: وبالتالي هي أمام اختبار حالياً أو أمام تحدٍ حقيقي، ما إذا كان هو تطوّر براغماتي تفرضه الظروف السياسية، أم أنه مراجعة معمّقة لاتجاهات فكريّة كانت تتبناها سابقاً، لا سيما مع ما يُطرَح حالياً من قوانين الإرث، من قوانين المساواة، وما يتعلّق ببعض الأطروحات حول المثلية الجنسية.

إلى أي حد قد تكون بالفعل حركة النهضة، أو كيف يمكن أن تتعاطى مع هذه الملفات، إضافة إلى النقاش حول أثر وتداعيات ذلك على تعاطي الإسلام السياسيّ مع الدولة بشكلٍ عام في المشرق العربي، إضافة إلى المغرب العربي؟

بعد الفاصل مشاهدينا، أرجو أن تتفضلوا بالبقاء معنا.

 

 

المحور الثاني

 

محمد علوش: نجدّد بكم الترحيب مشاهدينا في حوار الساعة، الذي نخصّص حلقة اليوم منه للحديث عن جدلية العلاقة بين الدين والدولة، أو بين الدين والسلطة، في ظل تجارب لحركات الإسلام السياسي والحديث عن تسييس الدين بشكل عام.

ضيفنا طبعاً المؤرّخ والباحث التونسي الدكتور عبد اللطيف الحناشي.

كنا قبل الفاصل وصلنا للحديث عن تجربة حركة النهضة كتجربة لإحدى حركات الإسلام السياسي في الحكم وفي المشاركة في الحياة السياسية.

مرتجى محجوب، وهو كاتب يتناول تاريخ حركة النهضة وكيف تغيّر اسمها أكثر من مرة، في الوقت الذي بقيت فيه وفيّة لمنهجها ورؤيتها الفكرية على حدّ قوله. نشاهد معاً.

 

باب نت: حركة النهضة وأزمة الهوية الحالية، مرتجى محجوب

نشأت كحركة إسلامية تحت مسمّى حركة الاتجاه الإسلامي، وبقيت وفية لمنهجها الأصولي ورؤيتها الفكرية حتى بعد تغيير تسميتها لتصبح حركة النهضة.

توالت الأحداث المحلية والدولية إثر الثورة التونسية، فتأثّرت وتفاعلت حركة النهضة مع التطوّرات بحسب ما تمليه في رأي قادتها مصلحة الحركة العليا.

على كلّ حال، فإنّ المؤكد أنّ تسارع وتعاقب التصريحات القيادية النهضوية بشأن هوية الحركة من إسلامٍ سياسيٍ إلى إسلامٍ ديمقراطي إلى الفصل بين الدعوي والسياسي، إلى التبروء من تنظيم الإخوان العالمي، جعل قواعد الحركة قبل الملاحظين الخارجيين في حيرة من أمرهم بشأن الهوية الجديدة لحركة النهضة. فهل هي حركة إسلامية أم حركة مدنية أم حركة محافظة؟

ستلاحظ حتماً تعدّد الأجوبة والرؤى بين منتسبين إلى الحزب والحركة نفسيهما، فما بالك بمن هم خارجها. كما لا يمكن اعتبار ذلك الاختلاف ثراءً، إذ لا يمكننا منطقياً الانتماء إلى الحزب نفسه إن كنّا غير متفقين على هويته وأسسه وقواعده الرئيسية. كما أنّ الديمقراطية الحقيقية تقضي بما لا شك ولا اختلاف فيه، بتحييد الدين عن التجاذبات السياسية والحزبية، حمايةً للوحدة والمصلحة الوطنية العليا. فأيّة هويةٍ لحركة النهضة؟

 

محمد علوش: طبعاً انطلاقاً مما استمعنا إليه دكتور عبد اللطيف الحناشي، وكنا نريد أن نسأل بالفعل ما إذا كان هو تحوّل أو موقف دراماتيكي براغماتي ينبع من فكرة التعاطي مع المشهد السياسي بواقعية، أم أنها مراجعات فعلية حقيقية أربكت أتباع حركة النهضة قبل الآخرين.

وبالتالي السؤال الذي يطرح نفسه الآن في ظل كل هذه المتغيّرات، هل هي حركة إسلامية أم حركة مدنية أم حركة محافظة، لأنه يشتبه الأمر على الناقد وعلى المتابع؟

 

عبد اللطيف الحناشي: في البداية لا بدّ من التذكير بمسألة مهمّة، أنّ حركة النهضة أو الاتجاه الإسلامي سابقاً أو حتى المجموعة أو الجماعة الإسلامية، هي كلها منظّرون في هذا الميدان، أي أنه اقتصر الأمر على كتابات الأستاذ راشد الغنوشي، والأستاذ راشد الغنوشي على الأقل منذ عام 81، برز أو تميّز عن أبناء حركة الإخوان المسلمين بالتعاطي مع مسائل هامة جداً، كالموقف من المرأة، كالموقف من المسألة الديمقراطية إلى غير ذلك، ثمّ أدبيات الحركة التي كذلك أبرزت، وخاصة منذ 1996، قامت بنقدٍ ذاتي حول الكثير من الأطروحات والمسائل، ولكنها حافظت على رؤيتها الأساسية التي تخلّت عنها أو يبدو أنها تخلّت عنها في مؤتمرها العاشر، من خلال ما يُعرَف بفصل الدعوي عن السياسي. وفي الواقع هذه المقولة قد سبقها في المغرب حزب العدالة والتنمية بفصلها الدعوي عن السياسي. هذه نقطة أساسية أعتقد.

النقطة الثانية، هناك أزمة ثقة عميقة بين النخب السياسية والفكرية والثقافية في تونس وحركة النهضة. هذه الأزمة تعود في الأساس إلى ازدواجية الخطاب لحركة النهضة منذ بروزها، بمعنى أنها تقول شيئاً وتفعل عكسه في كثيرٍ من المحطات. ولكن أعتقد في نفس الوقت أنه، وبعد العام 2011، هناك فترة مهمة جداً، التي هي فترة التأسيس، من 2011 إلى 2014، أيضاً برز تناقض كبير في تعاطي النهضة مع الكثير من القضايا الجوهرية الفكرية، وفي ما بعد تمّ حسم هذا الأمر عن طريق توافقات معينة.

لماذا وقع هذا؟ أنا أعتقد بطبيعة الحال أن الحدث المصري خاصةً قد أثّر بعمقٍ على هذا التوجّه، ولكن هذا التوجّه كذلك يمكن أن نجد له تنظيرات أو مبرّرات في بعض أدبيات الحركة، كما قلت في السابق، في مؤتمرها سنة 1996، أو مع 18 أكتوبر 2005.

هل تمارس النهضة هذه السياسة الجديدة بقناعة أو بتكتيك؟ أنا أعتقد أن هذه الفترة الجديدة التي تعيشها تونس وهي النظام الديمقراطي، أعتقد أنه سيساعد النهضة على أن تكون أوضح في مواقفها وفي أدبياتها بشكلٍ عام. هذه النقطة الثالثة، هي أن كل حزب، ليس فقط حزب حركة النهضة، حتى الأحزاب المدنية، النهضة يقول إن مرجعيته الإسلام ولا يتخلّى عن هذا الأمر ولكن هو يسعى إلى أن يفصل وأن يكون مدنياً.

مشكلة هذه الأحزاب كلها، تجد فيها السلفي وتجد فيها العلماني وتجد فيها الحداثي وتجد فيها الإخواني، هي ككل الأحزاب تقريباً، وحتى الأحزاب غير الدينية بين هلالين، نجد فيها توجّهات معينة حتى على مستوى.

 

محمد علوش: ليس فيها مؤتمرية أيديولوجية وإنما هي متنوعة نتيجة تنوّع المجتمع؟

 

عبد اللطيف الحناشي: بالضبط.

 

محمد علوش: لو وسّعنا دائرة النقاش دكتور، لننطلق من حركة النهضة باعتبارها تجربة البعض يقول إلى حد ما ناجحة، استطاعت أن تتغلب على المشكلات والتحديات التي عاشتها الحركة الإسلامية في تونس، لنصل إلى مجمل حركات الإسلام السياسي، ونقصد به هنا تجارب جماعة الإخوان المسلمين. معروف تماماً أنّ ما يُعرَف بالربيع العربي صدّر هذه الحركة إلى سدّة الحُكم في أكثر من بلد عربي لكنها أيضاً أقصيت بشكل أو بآخر وحُمّلت مسؤولية كثير من الاضطرابات التي تعيشها المجتمعات العربية حالياً.

تقديركم، إلى أيّ حد بغضّ النظر عن كيفية التحليل أو أقصد أبعاد التحليل لهذه الظاهرة، هل تستفيد، هل بالإمكان لدى هذه الجماعات، جماعات حركة الإخوان المسلمين، أن تستفيد من التحديات والإشكالات التي وقعت بها، أو الإقصاء الذي حدث لها في أكثر من بلد، أم أنّ الفكر الذي تحمله يحول بالفعل من دون إجراء مراجعات معمّقة تنقلها من ضفة إلى أخرى؟

 

عبد اللطيف الحناشي: المفروض أن تقوم بهذه المراجعات، لماذا؟ لأنها إذا لم تقم بهذه المراجعات ستفشل وسوف لن تصل إلى أية نتيجة، بمعنى، نأخذ الآن حتى تجربة النهضة، لولا هذه المراجعات التي قامت بها لما تمكّنت من أن تصل إلى ما وصلت إليه الآن على الأقلّ في تونس برغم تراجعها أقول، لأنّ النهضة، يجب القول، أنها بين انتخابات المجلس التأسيسيي 2011، تراجعت في انتخابات 2014 إلى نحو مليون ناخب تراجعوا عنها، وبرغم انتصارها في الانتخابات البلدية، ولكن الجسد الانتخابي لهذه الحركة قد تراجع.

 

محمد علوش: البعض يقول إنّ هذا مفهوم في ظل وجودها في الحكم، لكن عندما نتحدّث عن حركات الإسلام السياسي الأخرى، نقصد هل الكوابل أو المكبّلات الأيديولوجية التي يحملها هؤلاء، يمكن أن تسعفهم، أو أن تعرقل قدرتهم على المراجعة في ظل كلّ هذه الظروف التي يعيشونها؟

 

عبد اللطيف الحناشي: أنا أعتقد أنها تعرقل وتعرقل بشكل كبير حتى في مصر، مثلاً في مصر، بعد ما حدث، أدى ذلك إلى مراجعات أو انشقاقات داخل هذا التنظيم، وكذلك الأمر في بلدان أخرى، خاصة البلدان التي عاشت نوعاً من الحرب الأهلية التي نعيشها مثلاً في سوريا أو في ليبيا أو غير ذلك، في حين أن هناك مجموعات أخرى كما الحال في الأردن والكويت مثلاً، قامت بمراجعات، برغم أنها هي جزء من النظام بشكل عام، ولكنها لا توجد في السلطة، ولكنها قامت بمراجعات، لأنّ هذه المراجعات هي التي ستدفعها إلى التواصل مع المحلي ومع الوطني وكذلك مع العالم ككلّ، وإلا ستندثر، وإلا سيؤدّي ذلك إلى بروز المجموعات السلفية التكفيرية الإرهابية، وهذا أمر خطير.

حتى نرجع الآن إلى تونس، صحيح أن في تونس هناك حزب النهضة الذي يمثل بين قوسين الإسلام السياسي بين هلالين، ولكن إلى جانب ذلك هناك السلفية، هذه السلفية التي ساهمت بشكلٍ واسعٍ في المجازر التي وقعت في سوريا وفي العراق وكذلك في ليبيا.

 

محمد علوش: لكن نعود من جديد إلى جدلية التحليل دكتور، وتعرف أن هناك انقساماً في العالم العربي، وهو انقسام حتى عامودي وليس فقط أفقياً لجهة ما إذا كان الإخوان أو حركات الإسلام السياسي هي عبارة عن صدّ يحول دون تحوّل المجتمع إلى العنف أو العكس، هم جسر للعبور من الاعتدال إلى التطرّف كما يتّهمهم البعض.

الآن في ظل الأزمة الخليجية كما تعلم، هناك فرز حقيقي، والبعض يقول كمراقب من بعيد، يقول إنّ هناك عملية تسييس للمعطى الديني في هذا الصراع، ما بين كتلة فيها جزء من الإخوان المسلمين إلى جانب قطر، وكتلة أخرى تضمّ ما يسمى بالليبراليين وعلمانيين، إضافة إلى المؤسّسة الدينية الرسمية في السعودية، وهو محاولة النيل من جماعة الإخوان المسلمين عن طريق اتهام كلّ هذا الموروث بأنه موروث يحمل إلى العنف.

وبالتالي، السؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل ما زلنا ندور في نفس الدوّامة وهو توظيف الدين بشكل من كل ناحية، أم أنّها هي إشكالية حقيقية في المُعطى العام للتديّن في العالم العربي؟

 

عبد اللطيف الحناشي: للأسف أنّ الدين يوظَّف من قبل الجميع، وخاصةً، وبالتحديد من قبل المجموعات ذات المرجعيّة الإسلاميّة، ولكن حتى المجموعات الأخرى توظّف الدين، لذلك منذ انطلقنا في الحديث، قلت إنّ في العالم العربي، في الوطن العربي، نحن بحاجةٍ إلى قطيعة عميقة ابستمولوجية بين الدين والسياسة، بين الدين والدولة، وإلا سنعيد إنتاج الدين كمُعطي أساسي في السياسة، الآن يوظَّف ويُستغَلّ في صراع كما تفضلت بين أطراف خارجية كانت لوقت قريب متحالفة مثلاً ضد سوريا وكانت سبباً في خراب سوريا.

هذه الآن تعيش تناقضات فتتجه إلى الدين، فلذلك هي تجد كذلك مجموعات تساعدها على توظيف هذا الدين، وتعمل هي بدورها للانتظام في منظومتها، وأعتقد أنّ في النظام الديمقراطيّ، يمكن أن يساعد هذه المجموعات على أن تكون أحزاباً ديمقراطيّةً، وأحزاباً بعيدةً عن توظيف الدين، وعن توظيفها من قبل الآخرين، لأنها تنتمي إلى دولةٍ وطنيّةٍ حقيقيّةٍ، وتلتزم دستور بلادها، وهذا أمر كما قلت، هو متفاوت في البلدان العربية، بمعنى أنّ ما يوجد في بعض بلدان المغرب العربيّ، كما قلت في المغرب أو في تونس، قد يساعد على ابتعاد هذه المجموعات شيئاً فشيئاً عن التجاذبات وعن توظيف الدين.

لكن في مناطق أخرى ما زالت تعيش هذه المجموعات على وقع المسلّمات الأساسية لفكر الإخوان المسلمين خاصةً، وأنا أعتقد بأن نظامها نفسه استبدادي وله من الإمكانيات التي تغري هذه المجموعات على أن تصطف معها ومن أجل رأيها وفكرها وسياستها.

 

محمد علوش: على ذكر العنف أو التحوّل إلى العنف، الدكتور رفعت سيّد أحمد يكتب في الميادين نت تحت عنوان، لماذا يكره التكفيريون الإسلام، طارحاً جملةً من النقاط التي تثيرها التنظيمات المتطرّفة في تظهير الدين في المجتمع. نشاهد معاً.

 

الميادين نت: لماذا يكره التكفيريون الإسلام؟ رفعت سيّد أحمد

المتأمّل لتاريخ الإسلام وتجاربه الكبرى عبر الـ 1400 عام الماضية يقطع بأنه كان ديناً للحرية والعدل وباقي منظومة القِيَم الرفيعة التي استقرّت في الضمير الإنساني وكانت سبباً في بناء الحضارات. من هنا، نذهب إلى أن جماعات داعش، والقاعدة والإخوان المسلمين وغيرهم ممّن آمن ومارس سياسات التكفير والإقصاء والذبح هم محاربون كارهون لروح الإسلام الحقيقيّ.

ودعونا في هذا السياق نسجل الآتي. أولاً، من أصول الإسلام الصحيح وقيمه وثقافته التي شوّهها هؤلاء التكفيريون، تلك الجملة الرائعة، اختلافهم رحمة، أي أنّ الإسلام له من السعة في قبول الآراء المتعدّدة.

ثانياً، لقد أثبتت وقائع ما سُمّي الربيع العربي خلال الفترة من 2011 حتى اليوم، وخاصةً في العراق وسوريا وشمال سيناء في مصر وليبيا وغيرها من البلاد التي ابتُلِيت بالتكفيريين وجماعاتهم المتعدّدة، أنّ ثمّة مؤامرة لتفتيت الصف الإسلامي من الداخل.

ثالثاً، نعود إلى مسألةٍ ينكرها التكفيريون ويعملون على هدمها، وهي وحدة الأمّة التي هي ضرورة اليوم.

رابعاً، من القضايا المهمة التي برز فيها دور التكفيريين إثارة الخلاف وتعميقه بين مذهب أهل السنّة ومذهب الشيعة، خدمةً بالأساس لمخطّطاتٍ سياسية أميركية وإسرائيلية، حتى لو كانوا عامة لا قادة، هؤلاء التكفيريون لا يعلمون بها. وهنا نريد أن نعرف إلى أين تأخذنا فتنة السنّة والشيعة، وهي ثغرة يحاول أعداؤنا النفاذ إلينا منها، فالاختلاف ثراء فكرٍ، ولكننا اليوم عاجزون عن الوصول إلى نقطة المؤالفة بين المختلفين، كما فعلت التجربة الإسلامية عبر الـ 1400 سنة الماضية.

 

محمد علوش: طبعاً، لا شكّ أنّ ما ورد في المقالة هو تشريح دقيق لواقع ما قام به هؤلاء المتطرّفون بغضّ النظر عن ادّعاءاتهم يا دكتور، لكن السؤال الذي يطرح نفسه، إلى أي حد استطاع هؤلاء أن يختطفوا الإسلام في صورته، وأن يعمّموا هذا النمط من النمطية التي أنتجوها على المجتمع المسلم بشكلٍ عام قبل المجتمعات غير المسلمة؟

 

عبد اللطيف الحناشي: هناك أولاً نقطة يجب التركيز عليها أو حولها، هي أن الإسلام ثابت كدين ولكن قراءات الإسلام شيء آخر وتأويلات النصوص، ثم التجربة التاريخية للإسلام هي شيء آخر. عن أي إسلام نتحدث؟ عن إسلام الدولة العثمانية، عن إسلام الدولة الأموية، إسلام الدولة العباسية، الممالك إلى غير ذلك؟

إذاً يجب الفصل بين الدين كدين وبين التجربة التاريخية للبشر. للأسف هذه المجموعات التكفيرية التي برزت على الأقل منذ القرن الثامن عشر، توظَّف من قبل مجموعاتٍ داخليّة ولكن خاصة خارجية، بمعنى إذا عدنا إلى التاريخ القريب، هذه المجموعات لم تساهم في حركات التحرّر الوطني. لم نسمع في بلدان كتونس أو المغرب أو الجزائر أو بلاد الشام أن هذه المجموعات التكفيرية السلفية الوهابية قد ساهمت في حركات التحرّر ضد الأجنبي، في حين أن الطرق الصوفية مثلاً كالمهدية في السودان، وكذلك السنوسية في ليبيا، ساهمت من أجل تحرير شعوبها من الأجنبيّ.

فبالتالي، تحالف هذه المجموعات بدأ منذ تأسيس الدولة السعودية، هذا التحالف تجسّد خاصةً في أفغانستان، وُظّفت هذه المجموعات باعتبار أن هنالك نظاماً شيوعياً إلى غير ذلك.

 

محمد علوش: كأني أفهم من كلامك يا دكتور، آسف على المقاطعة لكن لأنك كررتها أكثر من مرة، كأني أفهم من كلامك أن الدولة السعودية تاريخياً أو تحالفها مع الحركة الوهابية أو فكر الحركة الوهابية بشكل عام هو المنتج الأول لجماعات العنف في العالم العربي وليس حركات الإسلام السياسي أو جهات أخرى من خارج الفضاء العربي؟

 

عبد اللطيف الحناشي: وهي لا تختلف، الحركة الوهابية في العمق لا تختلف عن حركة الإخوان المسلمين، وسيّد قطب هو الذي بلور هذا المنحى الجديد في التيارات الإسلامية، ولكن هذه تُخترَق، تُوظَّف من قبل مجموعات خارجيّة، وهذا ما حدث كما قلت في أفغانستان 79، ثم في العراق وفي سوريا وفي الشيشان وفي الكثير من المناطق، وبالتالي هذه المجموعات حتى بنيتها الفكرية هشّة.

 

محمد علوش: حتى اليوم، الأمر يتبنّى، البعض يقول، بعض المراقبين، أنه حتى في اليمن، حتى في ليبيا، يتم توظيف هذه الجماعات أيضاً لأداء سياسي؟

 

عبد اللطيف الحناشي: بطبيعة الحال، حتى في الجزائر في فترة التسعينات وإلى الآن هناك اختراق. بماذا نفسّر الآن ما يجري في سوريا؟ عندما رُفِع الغطاء عن هذه المجموعات أين هي؟ بسرعةٍ نجد أن الجيش العربي السوري وحلفاءه تمكنوا من استرجاع الأراضي التي كانت تسيطر عليها هذه المجموعات، بل أن القوى الخارجية الآن تحاول لملمة هذه المجموعات لاستخدامها لربما في بؤرٍ جديدةٍ قد تخلقها. وبالتالي أنا أرى أنّ هناك قابلية لهذه المجموعات لأن توظَّف من قِبَل أطراف خارجية تموّلها بالسلاح والمال إلى غير ذلك.

 

محمد علوش: أريد أن استفيد من حضرتك بما تبقّى لدينا من وقت، حوالى دقيقتين فقط، لا شكّ أنّ الجميع متفق على أن هناك إشكالية حقيقية في الفكر السياسي الإسلاميّ، السنّي تحديداً أقلّه، وأن هناك أطروحات أخرى لخلق بدائل ممكنة للخروج من عنق الزجاجة حضارياً في المجتمعات العربية.

هناك من طرح التصوّف كبديل، وهناك مدارس تتبنّى هذه الأطروحة وتشاركها دول غربية في هذا المجال، وهناك من طرح الإسلام الحضاري كالمرحوم جورج طرابيشي المفكّر السوري المعروف، وهناك من طرح إشكالية العلمانية، بمعنى أنّ العلمانية هي البديل الحقيقي لخلق دولة المواطنة في العالم العربي وليس تصنيف المجتمعات العربية على أسس إثنية وطائفية ومذهبية.

برأيكم، هل أيّ من هذه الأطروحات هي قابلة بالفعل على أن تخرجنا من عنق الزجاجة وتنحّي التطرّف بعيداً عن الدين المفروض أن يكون هو نوع من الرباط والوئام الأخوي مع الجميع؟

 

عبد اللطيف الحناشي: نعم، هذا السؤال بطبيعة الحال، أو إشكالية نحن نعيشها يومياً، وكُتِب حولها الكثير. ما يجب في الواقع هو تأسيس الدولة الديمقراطية المدنية، هذه الدولة التي تحترم الدين كما تحترم الإنسان، هذه الدولة التي تعمل من أجل رفاهيّة هذا الإنسان، عندما تخلق التنمية المتوازنة والتنمية الشاملة ببعدها الثقافيّ والاقتصاديّ والاجتماعيّ إلى غير ذلك.

أعتقد أنّ ذلك يساعد الإنسان على أن يلتزم الحدّ الأدنى من القيم الإنسانيّة ومنها الدين، ولكن لا يوظّف الدين. هنا المشكلة، أنّ توظيف الدين هو جاء في فترة معينة، عندما نأخذ على الأقلّ الإخوان المسلمين عندما تأسّسوا، هي محاولة لصد الاستعمار على الأقل بوجهه الثقافي ثم السياسي، باعتبار أنّ الخلافة قد انهارت. وبالتالي هناك أزمة سياسية نتيجة للأزمة السياسية، نتيجة للأزمة الاقتصادية، تم اللجوء إلى الدين وتوظيفه لتبرير أو كأداة لتغيير الواقع، ولكن من خلال التجربة، بيّنت أنّ هذه المجموعات لا تمتلك بدائل، لا اقتصادية، لا اجتماعية، لا ثقافية يمكن أن تساعد المجتمع على أن يتوازن ويعيش الرفاهية.

لذلك هذه المجموعات في ظل النظام الديمقراطي كما كان للمسيحية كما قلت، يمكن أن تتطوّر، يمكن أن تتقدّم، يمكن أن تتخلّى عن الكثير من مفاهيمها، وأنا أعتقد أن التجربة التونسية بدستورها الحديث 2014 وبتفاعلاتها المختلفة يمكن أن تقدّم نموذجاً، إذا كانت حركة النهضة على استعدادٍ للتغيّر والتأقلم مع الواقع الوطني والإقليمي والدولي.

 

محمد علوش: طبعاً الموضوع والملف شائك أكثر من أن نعالجه في حصة تلفزيونية، لكن حاولنا أن نقارب المسألة، لا سيما في أسئلتها الكبرى بشكل عام.

شكراً جزيلاً لكم المؤرّخ والباحث التونسي الدكتور عبد اللطيف الحناشي، كما نشكركم مشاهدينا على حُسن المتابعة. وإلى اللقاء.

وئام وهاب - وزير لبناني سابق

المزيد