الغرب الأطلسي والتورّط في الإرهاب

 

يحيى أبو زكريا: حياكم الله وبياكم وجعل الجنة مثواكم.

منذ بروز المركزيّة الغربيّة في المشهد الغربيّ، وهي تعتمد على مبدأي القوة والمصلحة، وقد أنتجت هذه المركزية الغربية فلاسفةً نظّروا للقوة، وبالتوازي وبالتكامل فلاسفةً نظّروا للمصلحة والمنفعة، دعه يمرّ، دعه يربح.

ويؤمن الغرب الأطلسيّ الرأسماليّ بمصالحه فقط، وهو على استعدادٍ للقيام بأي شيءٍ لتحقيق هذه المصالح، والقوى الاستعمارية الغربية أبقت مستعمراتها متخلّفةً، فيما كانت تنهب خيراتها ليل نهار على مدار قرون.

وقد كانت الورقة الإرهابيّة أهمّ إنتاجٍ لدوائر القرار الغربيّ، لأنّها مكّنت هذا الغرب من تحقيق أهدافه الاستراتيجيّة من دون تكاليف، والمتضرّر الوحيد من الإرهاب هو العالم العربيّ والإسلاميّ الذي عاد القهقرى بسبب الإرهاب.

لقد كانت أناشيد جيوش الاستعمار الغربيّ واضحةً في عدائها للعالم العربيّ والإسلاميّ، وواحدٌ من هذه الأناشيد يقول "أنا ذاهبٌ لسحق الأمّة الملعونة، لأحارب الديانة الإسلامية، ولأمحو القرآن بكلّ قوّتي".

يقول فيليب فونداسي في كتابه "الاستعمار الفرنسي في أفريقيا السوداء"، إن من الضروري لفرنسا أن تقاوم الإسلام في هذا العالم، وأن تنتهج سياسة عدائية للإسلام، وأن تحاول على الأقلّ قف انتشاره، وقال وليم جيفورد بالكراف متى توارى القرآن ومدينة مكّة عن بلاد العرب يمكننا حينئذٍ أن نرى العربيّ يتدرّج في طريق الحضارة الغربيّة بعيداً عن محمّدٍ وكتابه.

لقد اعترف ضبّاط المخابرات الغربيّة والمشاركون في الغرف السوداء ومبرمجو التدمير الممنهج لأمّتنا أنّهم دعموا القاعدة وجبهة النصرة وداعش وفصائل الذبح ومنظمة الخوذ السوداء البيضاء المتخصّصة في صناعة الكذب والدجل، لإسقاط الدولة السورية في المشهد الإعلاميّ والسياسيّ العالميّ.

ومثلما كان الغرب قاعدةً لوصول الإرهابيين إلى بلادنا، هو عينه من استقبلهم، مانحاً إياهم اللجوء السياسيّ، وربما جائزة نوبل للسلام، حيث السلام عندهمُ هو تدمير أوطان العرب والمسلمين.

الغرب الأطلسيّ والتورّط في الإرهاب عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش من جنيف الدكتور رياض صيداوي مدير المركز العربي للدراسات السياسية والاجتماعية، ومن سوريا الحبيبة الأستاذ الفاضل والرحّالة العربي عدنان عزام الخبير في الشؤون الفرنسيّة.

مرحباً بكم مشاهدينا جميعاً.

دكتور رياض، الغرب الأطلسي الاستعماري مصاب بانفصام الشخصية أو شيزوفرينيا أو انكسار في الشخصانيّة. في الصباح هو ديمقراطيّ، وفي الليل هو إرهابي. في الصباح هو لوحة جميلة لموناليزا، وفي الليل هو لوحة فرانكشتاين مصّاص الدماء الذابح للبشر. في النهار هو مع حقوق الإنسان وفي الليل هو مع فتك وتدمير الأوطان.

لماذا المركزية الغربية تعتمد هذه القاعدة دوماً التي تجلّت أخيراً في استقبال منظمة الخوذ البيضاء، عناصر القاعدة، دعم جبهة النصرة، طبعاً المركزية الغربية والكيان العبري؟ تفضّل دكتور رياض.

 

رياض صيداوي: أنت استخدمت دكتور يحيى تعبيراً في الصميم وهو مبدأي القوّة أي البطش والمصلحة، المصلحة آدم سميث يقول دعه يعمل، اتركه يمر، بمعنى الربح والهدف. المصلحة إذاً من الممكن الرأسمالية المتوحّشة تحرق العالم من أجل مصالحها.

أذكر الحرب العالمية الأولى والثانية، هي نتاج صراع الرأسماليات المتوحّشة في أوروبا أدّت لمقتل أكثر من 65 مليون شخص على أوروبا في حرب وحشية من أجل المصلحة.

موضوع الإرهاب، طبعاً في تصنيف الإرهاب ما نسمّيه إرهاب الدولة، إرهاب الدولة الداخلي وإرهاب الدولة الخارجي، ليس فقط الإرهاب هو المجموعات غير الدولاتية، فرنسا مارست الإرهاب على الجزائر، دخلت الجزائر 1830 وفيها تسعة ملايين جزائري وخرجت سنة 1962 بعد 130 سنة وتركت تسعة ملايين جزائري، بمعنى كان ممكناً أن يكون عدد سكان الجزائر اليوم يتجاوزون مئة مليون لو لم يكن ثمة استعمار فرنسي يستأصل الشعب الجزائري.

بالنسبة للحال السورية، حتى لا نبقى ربما في العموميات، استخدمت مفهوماً في كتبي الثلاثة حول الأزمة العربية وأزمة الربيع العربي هذه من تونس إلى دمشق، حقائق في العالم العربي، ثم كتابي خريف الدم العربي فروع داعش وأخواتها، وكتابي بالفرنسية، استخدمت مفهوماً مركزياً وهو الإرهاب الوظيفي، الإرهاب الوظيفي أي الدول الكبرى توظّف الإرهاب من أجل مصالحها الإقليمية.

حتى نفهم الحال السورية لدينا تصريحان من شخصيّتين عاليتي المستوى فرنسيتين، الأولى رولان دوما وزير الخارجية الفرنسي السابق وهو رجل فاضل صادق فعلاً، قال في برنامجه الشهير في التلفزيون الفرنسي منذ سنتين، قبل الأزمة السورية، في لندن اتصل بي أصدقائي الإنكليز وقالوا نعدّ ونخطّط لضرب النظام في سوريا وندرّب كومندوس عربياً وسورياً وأجنبياً لإزالة هذا النظام، عندما سأله الصحافي لماذا ولماذا، قالوا لأن هذا النظام يرفض التوقيع على اتفاقية صلح مع إسرائيل، هذا النظام يدعم المقاومة اللبنانية، يدعم المقاومة الفلسطينية، أزعجنا ، يجب إزالته.

التصريح الثاني المحوري جاء في 27 تشرين الأول (أكتوبر) 2015 على لسان برنار باجوليه مسؤول المخابرات الخارجية الفرنسية، المكان في واشنطن، قال بالحرف الواحد، انسوا خرائط سوريا والعراق القديمة، فثمة خرائط جديدة تتشكّل. الآن فهمنا ما معنى الإرهاب الوظيفي. داعش، جبهة النصرة هذه وهي القاعدة، من لا يعرف، جبهة النصرة هي القاعدة، هي فرع القاعدة في سوريا، قال عنها لوران فابيوس وزير الخارجية الفرنسي، جبهة النصرة قامت بعمل رائع في سوريا وهي تنظيم القاعدة.

إذاً الإرهاب الوظيفي، أنا أريد أن أزيل النظام السوري لأنه لم يوقّع معاهدة سلام مع إسرائيل، لأنه يدعم المقاومة الفلسطينية، لأنه يدعم المقاومة اللبنانية، أتعامل مع الشيطان نفسه، والشيطان يموّله لي آل سعود وآل ثاني، ويدفعون مليارات الدولارات حتى أزيل هذا الشيطان، أتعامل مع القاعدة، مع داعش، أصنعهما، أغذّيهما، أفعل كل شيء من أجل إزالة هذا النظام في إطار ما أسمّيه بالإرهاب الوظيفي، لأن هذا الإرهاب موظّف.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ عدنان، سمعت ما قاله الدكتور رياض صيداوي، ولعلّك في كتابك "الحرب الكونية على سوريا"، وهي شهادات لمدراء مخابرات، ضباط، مسؤولين كبار، أدلوا بشهادتهم في ما يتعلّق بالإرهاب في سوريا وربما في العالم العربي، وفي هذا الكتاب "الحرب الكونية على سوريا"، تقول بأن أهم مفكّري فرنسا جان ارنابيز قال إن رؤساء فرنسا من ميتران 1981 إلى هولاند 2016، كلهم غازلوا وتواصلوا سراً وعلنية مع المنظمات الإرهابية.

إذاً في نظري أن العقل الأمني الاستراتيجي الغربي نجح في تحقيق أمرين، أولاً تلطيخ الإسلام وقرنه بالإرهاب، وكان الإسلام السياج الذي حمى أوطاننا ضد الاستعمار الغربي. وثانياً استطاعوا أن يوكّلوا فروعاً، جماعات، فصائل لتدمير الأوطان وجيوشهم ظلّت سالمةً غانمةً؟

 

عدنان عزام: في البداية، السلام عليكم، والتحية لضيفك العزيز الأخ من تونس العزيزة من جنيف. كما تعوّدنا في برنامجك يا دكتورنا الغالي أن نبدأ بالخلود والرحمة لشهداء الجمهورية العربية السورية من مدنيين وعسكريين، واليوم اسمح لي أن أبدأ بالرحمة والخلود لشهداء محافظة السويداء الذين سقطوا في الأيام الأخيرة في جريمة الإبادة الجماعية التي قامت بها الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من خلال عملائها الإرهابيين، وهم داعش والنصرة في محافظة السويداء يوم الأربعاء الماضي.

بالتأكيد سنعود مطوّلاً للحديث عن هذا الموضوع، لكن الآن سأبدأ بالرد على ما قاله.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ عدنان، دعني أيضاً أوجّه التعازي لأهالينا، لبني معروف في السويداء. عظّم الله أجوركم، أنتم العرب، أنتم الوطنيون، أنتم الأحرار يا بني معروف، وإن شاء الله سوف تكسرون هذا الإرهاب بالكامل.

 

عدنان عزام: نحن نذكر تماماً ودائماً زيارتك إلى محافظة السويداء وفي هذه المحنة التي مررنا بها تذكّرنا كل الشرفاء الذين زارونا وأنت منهم يا دكتور يحيى أبو زكريا.

بالنسبة لما قلته دكتور من كتاب "الحرب الكونية على سوريا"، طبعاً نحن الآن لا نريد الخوض في محاضرات وتنظيرات في هذا البرنامج، ولكن على مبدأ وذكر إن نفعت الذكرى وبشكل سريع جداً، الحرب التي نحن نخوضها الآن في الجمهورية العربية السورية ليست وليدة اليوم ولا وليدة البارحة. الدولة المركزية التي تحدّثت عنها يا دكتور يحيى، الدولة المركزية بدأت في عام 1009 في أوروبا، المعركة الأولى تمت في 1009 عندما غزا إقطاعيو أوروبا الشرق الأوسط، غزوا الشرق الأوسط بحجّة أن الإسلام يدمّر الكنائس في فلسطين.

في ذلك الزمان لم يجدوا المتطوّعين للقيام بهذه الحرب فذهبوا إلى البابا، فقالوا له نريد منك أن تفتي، أن نحصل منك على فتوى لتوظيف العامل الديني في الحرب على الشرق واستغلال الشرق واستعمار الشرق. لماذا؟ لأنّ أوروبا، للإخوة المشاهدين الذين يعرفون خارطة العالم، هي قارة صغيرة الحجم جغرافياً، ولكن سكّان القارة الأوروبية منذ عام 1009، اضطروا للخروج منها لكي يحافظوا على مستوى الدخل ومستوى المعيشة الكبير لديهم. لذلك استخدموا الغزو.

المعركة الأولى بدأت إذاً في عام 1009، ومنذ ذلك التاريخ وحتى اليوم، من يقرأ التاريخ أو يعود إلى التاريخ يجد أنه لم نمضِ فترة 50 سنة من دون حروب مع الدولة المركزية الأوروبية، وكانوا دائماً يستخدمون القوّة، البطش، الإرهاب، وأيضاً هذه القوّة وممارسة الإرهاب لتحقيق مصلحة. مصالح أوروبا في الشرق هي دائماً واحدة، استغلال الخيرات، واستغلال الخيرات لا يأتي إلا من خلال اللعب على التناقض في الحياة الشرقية.

هم يلعبون دائماً على التناقض في حياتنا، والتناقض في حياتنا كان عنوانه الكبير هو اللعب على الورقة الطائفية لجعل العرب يقتتلون في ما بينهم لكي يوفّروا على حالهم ويوفّروا على أنفسهم خوض المعارك المواجهة بجنودهم وأبنائهم. وهذه الحرب على سوريا ما هي إلا واحدة من مئات الحروب التي خاضتها الدولة المركزية الأوروبية.

وبما أنك بدأت بقصيدة من القصائد التي كان ينشدها المقاتلون الأوروبيون عندما كانوا يأتون إلى الشرق، سأقرأ أيضاً بيتين من الشعر من كتابي "الحرب الكونية على سوريا" قالها فكتور هوغو الذي يقدّسه أو يجّله الكثير من الشرقيين، قال فكتور هوغو متغزّلاً بنابوليون بونابارت عندما غزا مصر، "بجانب النيل أجده مرة أخرى ومصر تتألق بنيران فجره"، أي فجر نابوليون، "وصولجانه الإمبراطوري يبزع في الشرق ظافراً مليئاً بالحماسة متفجّراً بالإنجازات إبن المعجزة أذهل أرض المعجزات والشيوخ المسنّون أجلوا الأمير الفتى الحكيم وملأ الناس"، أي نابوليون، "خوفاً بجيوشه التي لم يكن لها سابق، نبيلاً، إنه نبيل جليل ظهر للقبائل المجهولة مثل ماموتٍ غربي".

إذاً هم المثقّفون، مثقّفو الغرب يجلّون ويقدّسون قادتهم العسكريين، لكي يجعلوهم دائماً رموزاً في حياة الأمم الأوروبية لكي يستخدموهم دائماً في الحروب على الشرق. هذه هي بالمختصر.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ عدنان، دعني أنقل هذا الإشكال إلى الدكتور رياض.

دكتور رياض، هل لذلك الغربيون يصمتون عن فضائح دولهم وتورّط هذه الدول في دعم الإرهاب في البلاد العربية والإسلامية؟ لأنّ الحقائق التي انكشفت والأرض التي أخرجت ملفاتها وأثقالها كفيلة بإسقاط أنظمة ودول وأجهزة مخابرات. مع كلّ ذلك، ما زال الغربيون صامتين، وما زال الغرب يستبطش ويمضي قدماً باتجاه تمزيق العالم العربي والإسلامي.

 

رياض صيداوي: في ما يتعلق بالإرهاب، مثلاً داعش والقاعدة والنصرة، في الواقع ثمّة اتهامات غربية لدول عربية وتركيا، لنكن مباشرين، للسعودية ولقطر ولتركيا، بدعم الإرهاب ودعم وصناعة داعش، ونذكّر بما قاله جو بايدن أمام طلبة جامعة هارفرد الأميركية، قال بالحرف الواحد، أصدقاؤنا الأتراك والسعوديون والقطريون صنعوا وموّلوا داعش، ما كتبه إيف بوني في تشرين الأول 2012 بالحرف الواحد لدينا مشكلة حقيقية مع السعودية وقطر لأنها تموّل الإرهاب، ما قاله مستشار الحكومة الألمانية، ما قاله بارنرد سكواسين مسؤول المخابرات الخارجية السابق، إن السعودية موّلت الإرهاب ليس فقط في سوريا وإنما حتى في الجزائر في العشرية السوداء.

الاستراتيجية الغربية هي، قطر، السعودية، تركيا، موّلوا وصنعوا وأنفقوا الأموال وسلّحوا داعش والنصرة وغيرها. لكن السؤال المنطقي المطروح، وأنا سأستخدم المنطق اليوناني التقليدي، هل أنّ السعودية أو قطر أو تركيا امبراطورية عظمى لديها سياسات خاصة مستقلة عن واشنطن وباريس ولندن وتفعل ما تشاء؟ ألا توجد أكبر قاعدة عسكرية أميركية في العديد في قطر؟

أليست السعودية محتلة من القواعد العسكرية الأميركية وهناك مستشارون من الأف بي أي والسي آي أيه موجودون في كل الوزارات السعودية؟ تركيا عضو نشيط في الحلف الأطلسي وقامت بمهمات جليلة للحلف الأطلسي في الحرب الباردة وإلى حد اليوم.

إذاً هل هذه قوى متمرّدة تفعل ما تشاء في المنطقة تموّل الإرهاب؟ ولماذا لا تضرب إذا كانت تموّل الإرهاب، وهذه تصريحات رسمية جاءت من كبار شخصيات غربية ومسؤولي مخابرات وأجهزة مخابرات؟ فلماذا لا تقصَف الرياض أو الدوحة أو أنقرة لأنهم موّلوا الإرهاب؟

يذكّرني ذلك بأحداث 11 سبتمبر أن 15 إرهابياً، ونحن ندين الإرهاب طبعاً في كل مكان، جنسية 15 إرهابياً كانت جنسية سعودية فقام جورج بوش الإبن بدل الرد على السعودية التي شبابها هم الذين قاموا بالعملية الإرهابية في نيويورك وواشنطن، قام باحتلال العراق.

إذاً عندما نستخدم المنطق اليوناني، نفهم اللعبة، هناك متعاملون صغار يموّلون الإرهاب وهناك استراتيجيات كبار التي توظّف الإرهاب والإرهاب دائماً أكرّر وظيفي.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور رياض، اللعبة مكشوفة والمعادلة واضحة، وكما قال أحد فلاسفة الغرب نحن الغربيون أذكياء والشرقيون أغبياء، وعلى الأذكياء أن يحكموا الأغبياء، لكن متى يستيقظ العقل العربي والإسلامي؟ ربما في عهد آخر، ربما على كوكب آخر.

مشاهدينا فاصل قصير ثم نعود إليكم فابقوا معنا.

 

"الحرب الكونية على سورية من وجهة نظر الغرب"، عدنان عزام

بحسب الكاتب عزام، فإن عقدة الغرب هي في كيف يبقى مسيطراً على العرب وعلى سوريا ومصر والعراق حتى وصل إلى الربيع العربي، مؤكداً وجود 10000 عنوان في المكتبات الفرنسية تدور حول كيف نستطيع أن نبقي السيطرة الغربية على العالم العربي. تتغيّر العناوين لكن في الداخل الوصفات هي نفسها.

ويستشهد الكاتب بأحد أهم مفكّري فرنسا جان أرنبيز الذي قال إن رؤساء فرنسا من ميتران عام 81 إلى هولاند عام 2016 كلهم غازلوا وتواصلوا سراً وعلانية مع المنظمات الإرهابية.

ويضيف الكاتب أن أحد مستشاري هولاند قال له عام 2013 "قرّرنا أن الإخوان المسلمين يجب أن يحكموا سوريا"، مؤكداً كذب حيادية فرنسا وكذب أوروبا وأنهم استخدموا الحركات الوهّابية كالعصا المسلطة علينا، مستشهداً بكتاب "العاصفة الكبرى على الشرق" ومنه أن عشرات الشبان العرب أدوا دورات مدفوعة الأجر في أوكرانيا وصربيا وفي أوروبا للقيام بالثورات السلمية، ودرّبهم فيها ضباط أميركيون وجرت تغطيتها باسم منظمات عالمية إنسانية.

ويستشهد الكاتب أيضاً بمقدمة كتاب رئيس المخابرات في فرنسا الذي قال فيها إن "سوريا دولة حرب وهي قلب الأمّة العربية وآخر معقل لمقاومة إسرائيل".

ويتحدّث الكاتب عن معاناة آخر سفيرٍ فرنسيٍ في سوريا الذي ذاق الأمرّين كما قال من قيادته لرفضها تقاريره التي كان يكتبها عن سوريا، فقادته يريدون منه أن يكتب كما يشاؤون لا كما هو الواقع، وعن التضليل الإعلامي في محطة 24 الفرنسية.

يقول الكاتب، من هنا يجب أن يقرأ كل سوري ما جمع في هذا الكتاب من حقائق تؤكّد الحرب الكونية على سوريا بشهادة مفكّرين وشخصيّاتٍ غربيّة.

 

المحور الثاني

 

"الحملة الصليبيّة على العالم الإسلاميّ والعالم" للكاتب الفلسطينيّ يوسف العاصي الطويل

في هذا الجزء الرابع من كتاب "الحملة الصليبية على العالم الإسلامي"، حاول المؤلف كشف زيف دعاوى الحرب على الإرهاب التي استغلّتها أميركا أسوأ استغلال لتنفيذ هجمتها على العالم الإسلاميّ، حيث بيّن المؤلف أنّ الإرهاب هو في الأساس صناعة أميركية منذ الأيام الأولى لتأسيس أميركا التي جرت خلالها إبادة السكّان الأصليّين الهنود الحمر، واستعباد الزنوج واضطهادهم ثم حروب أميركا المتكرّرة على جيرانها في أميركا الجنوبية، وحروبها في القرن الماضي خلال الحربين العالميتين، وضد كوريا، وفيتنام وغيرها من الحروب.

ويشير المؤلف إلى الإرهاب الأميركي الداخلي والتنظيمات الإرهابية الأميركية العنصرية المسلحة التي تعادي الزنوج والملوَّنين وأصحاب الأديان الأخرى، والتي كان ماكفاي الذي فجّر مبنى شيكاغو أحد أتباع مثل هذه التنظيمات الإرهابية.

باختصار، حاول المؤلّف الكشف عن الوجه القبيح لأميركا وجرائمها وإرهابها المتواصل منذ نشأتها حتى الآن ضد الإنسانية. كما فضح مزاعمها عن الديمقراطية وحقوق الإنسان التي تُستخدَم فقط للسيطرة على الشعوب الأخرى وقهرها.

 

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلاً بكم من جديد. عدنا والعود أحمد. ومن أدرك حلقتنا الآن، نحن في حلقة بعنوان الغرب الأطلسي والتورّط في الإرهاب.

من الكتب المهمة التي أرّخت لصيرورة وسيرورة التصريحات الغربية منذ سايكس بيكو وإلى السبعينات والثمانينات، كتاب "قادة الغرب يقولون دمِّروا الإسلام أبيدوا أهله"، سوف تجدون في الكتاب كل التصريحات التي سيقت في سياق محاربة الإسلام، والتي خُتِمت بكتاب برنار لويس المستشرق الذي قضى، "الإسلام في التاريخ"، وفيه يدعو الكتلة الغربية إلى تدمير الإسلام، وقد نجحوا في ذلك عندما جعلوا الإسلام إرهابياً، وجعلوا الإرهاب إسلامياً، وانطلت اللعبة على كثيرين.

أستاذ عدنان، من خلال كتابك رصدت الكثير من التصريحات والأقوال لمفكّرين، لساسة، هم على بيّنةٍ من الأمر، أي بلغة القانون، هم يعترفون ويقرّون أنّ لهم علاقة بالإرهاب.

ما هو المدلول الفكريّ والاستراتيجيّ لهذه التصريحات والتصديقات في نفس الوقت؟

 

عدنان عزام: إسمح لي في البداية أن أعود إلى سؤالك السابق، لأنّ ضيفك لم يُجِب عليه بشكل مباشر. أنا وكما تعرف دكتور يحيى، عشت في أوروبا وفي فرنسا بشكل خاص تحديداً لمدة ثلاثين عاماً، وعاشرت الساسة الغربيين من فرنسوا ميتران إلى إيمانويل ماكرون، وعرفتهم شخصياً، معظم الرؤساء والمسؤولين السياسيين والأمنيين، كنا نلتقي معهم وكنت رئيس جمعية وكان لنا حضور كبير.

المثقفون الغربيون منافقون بالمُطلق، أي هم يسترون على عورة ساستهم، ينتقدون رفع الأسعار وغلاء المعيشة ويقومون بالإضرابات إذا تأخّر القطار أو إذا حصلت حادثة موت حيوان في الشارع، قطة أو كلب، ولكن عندما يقوم الطيران الأميركي والفرنسي بقصف بغداد أو بقصف دمشق، يسكت ويصمت المثقفون الغربيون. عشنا 30 عاماً، ونحن نطالب المثقفين الغربيين بالكلام عندما يقوم القادة العسكريون والسياسيون الغربيون بالاعتداء على الوطن العربي. عشرات الجرائم التي ارتكبها الغرب ولم يتكلّم عنها أي مثقف غربي.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ عدنان، أذكّرك بكتاب جان بول سارتر "عارنا في الجزائر"، وهو الكتاب الوحيد ربما الذي انبلج في المشهد الثقافي الفرنسي عندما ذبحت فرنسا الاستعمارية مليوناً ونصف مليون شهيد جزائري مقدّس عظيم؟

 

عدنان عزام: إذاً اللعبة الغربية أرجو ألا تنطلي بعد اليوم على أهل الشرق. تنبّهوا واستفيقوا أيها العرب، تنبّهوا واستفيقوا أيها العرب. نحن اليوم ما زلنا نعامل الغربيين وننظر لهم بنظرة السيّد والخواجة ونظرة المثقف، وكأننا نحن ما زلنا في القرون الوسطى أو في القرن الخامس عشر. اليوم تغيّرت الموازين، نحن خبرنا الغرب ونعرفه ربما أكثر مما يعرف نفسه، ونعرف أنه هو صانع الأحابيل واللاعب على تناقضات الشعوب، وهو مصّاص الدماء وهو الذي يقوم بكل ساعة وبكل دقيقة وبمنهجية ومثابرة لإبقاء الشرق ضعيفاً ممزّقاً، وهو الذي يقدّم السلاح والمال لكل من يحاول أن يتخاصم مع شقيقه، مع رئيسه، هو دائماً يضع أصبعه ويده وسمّه في الحياة الشرقية.

يا أخي، يا دكتور يحيى، منذ عام 1981 عندما أتى فرنسوا ميتران إلى الحُكم، قالها وبالفم الملآن، إننا متحالفون مع الإخوان المسلمين ومع كل المنظمات الإسلاموية لكي نستخدمهم في أي وقت نريد لتمزيق الشرق. والله كنا في فرنسا نستغرب أنه في إحدى الفيلات وفي عشرات الفيلات، نجد قادة المنظمات والجماعات الإسلامية يأتون من الجزائر، يأتون من أفغانستان، ويقيمون في أفخم الشقق في باريس، في الحيّ الـ 16 وفي الحيّ الـ 17، ويقدّمون لهم المال والعون. نحن لا نقوم الآن بالتحليل السياسي أو بتحليل السياسة، نحن نتحدّث عما شهدناه وعما خبرناه خلال الثلاثين سنة الماضية. هم يستخدمون من خلال المنظمات الصهيونية وعلى رأسها منظمة الكريف أي جمعية الجمعيات اليهودية، لحكم فرنسا بالحديد والنار.

اليوم الفرنسيون في الأرياف يقولون وبكل صراحة، نحن مستعمرة صهيونية، نحن مستعمرة أميركية. إلى متى سنظل نصدّق كذب الغرب؟ وإلى متى سنظل نحترمه ونجلّه ونحترم مثقفيه؟ يجب علينا، يجب على مثقفي العرب أن يقوموا اليوم ويقولوا كفى لهذا الكذب والنفاق الغربي علينا.

خذ مثلاً كاتباً فرنسياً معروفاً، إسمه جيرار دوجورج، أمضى نصف حيابه في سوريا وكتب عشرات الكتب عن سوريا، وكما نقول بالعامية لحم أكتافه من سوريا. في عام 2011، قال لي بالحرف الواحد عندما كنت في باريس، قال لي، لا تذهب إلى سوريا لماذا تعود إلى بلدك، نحن أخذنا قرارنا، سنساعد الإخوان المسلمين بالاستيلاء على السلطة ونغيّر الحُكم، حُكم نظام بشّار الأسد. الأمور ليست عفوية في أوروبا يا جماعة، الأمور دائماً هي قرارات سياسية تتّخذ في الغرف المظلمة وليست عفوية.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح، لكن أستاذ عدنان بإيجاز، ما دام هذا الفرنسي نصحك بألا تذهب إلى بلدك الذي يشرّف كل العرب والمسلمين سوريا العربية.

 

عدنان عزام: بارك الله فيك.

 

يحيى أبو زكريا: أنت قمت بخطوة جريئة أيضاً أفرحتني كجزائري قتل الاستعمار الفرنسي كل عائلتي وأخوالي وأعمامي، أنت قمت برد الوسام الفرنسيّ الذي حصلت عليه من الرئاسة الفرنسية.

ماذا عن هذا بإيجازٍ للتدليل على أن في هذه الأمّة أحراراً؟

 

عدنان عزام: نعم، دكتور يحيى، أنا في عام 2011 اتخذت قراري وعدت إلى بلدي، استقلت من عملي في باريس وعدت إلى سوريا، ولي الشرف أن أقول هذا ولا أثمّن هذا الموقف لأنه شرّفني الله بهذا الموقف، أن أعيش أفضل وأشرف وأثمن سنوات حياتي بين أهلي في محافظة السويداء وفي كل محافظة سوريّة.

كنت أعمل كإعلامي وكمحاضر في كل محافظات سوريا من عام 2011 حتى اليوم. في عام 2017 أي السنة الماضية، قمت بإعداد فيلم وثائقي أسميته "سوريا أسطورة صمود" أو "الوجه المخفي للحرب على سوريا". وسافرت بهذا الفيلم إلى فرنسا، لم يسمح لنا أي مركز ثقافي بعرض هذا الفيلم، لم تسمح لنا أية فرنسية بعرض هذا الفيلم.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ عدنان لا بأس، حدّثنا عن الوسام في جُميلة، في دقيقة لأن الوقت ضاغط.

 

عدنان عزام: في نهاية عرض الفيلم في فرنسا في شهر أيار الماضي، وبعد أن ضربت الطائرات الفرنسية وقصفت سوريا وحاولوا استرداد الوسام من السيّد الرئيس الدكتور بشّار الأسد، ذهبت أنا ومجموعة ومعنا ناشطون فرنسيون مؤيّدون للحُكم السوري، ذهبنا إلى القصر الرئاسي ومعي الوسام الذي سلّمني إياه جاك شيراك، وقلت في قصر الرئاسة في الإليزيه، ومعي الدليل والإثبات والتصوير، لا يشرّفني أن أحمل وسام الدولة التي اعتدت على بلدي سوريا والتي حاولت سحب الوسام من الرئيس الدكتور بشّار الأسد.

 

يحيى أبو زكريا: أحسنت. بالعودة إلى الدكتور رياض، دكتور رياض، في المدة الأخيرة عناصر الخوذ البيضاء التي هي جبهة النصرة أي القاعدة في بلاد العراق والشام ثم صارت القاعدة في بلاد الشام، استُقبِلوا من قِبَل الكيان العبري العدو الصهيوني الذي سيظل عدواً إلى أن نسترجع فلسطين، واستُقبِلوا من قِبَل بريطانيا، وألمانيا وكندا، واندلعت حركة دبلوماسية دولية لتوفير الغطاء الأمني والدبلوماسي والسياسي لهؤلاء.

ماذا يعني ذلك دكتور رياض؟

 

رياض صيداوي: يعني ذلك طبعاً تبنّيهم، ولكن اسمح لي أن أفتح قوساً صغيراً للتعقيب حتى لا نكون عدميين ونعمّم مطلقاً، ثمّة شخصيات صادقة بيّنت أنها شجاعة، من فرنسا على سبيل المثال، أذكر أن جان بيير شوفنمان كان وزير الدفاع واستقال لأنه رفض الحرب ضد العراق سنة 91، ودومينيك دو فيلبان كان رئيس حكومة ولديه مواقف رائعة جداً، رولان دوما وزير الخارجية السابق هو الذي كشف المؤامرة والتخطيط المؤامراتي على سوريا، ذكرت جان بول ساتر، صديقي جان زيغلر صاحب كتاب "كراهية الغرب"، ترجمناه للعربية، وبالأمس كنت أتحدّث معه هاتفياً، وعلى فكرة هو مدعو من الميادين، شجعته إلى أن يذهب إلى بيروت ويزوركم. إذاً ثمة شخصيات في الواقع مع الحق وصدحت بالحق، أيضاً تحرّكات من أجل القضية الفلسطينية، هناك كل يوم جمعة سويسريون يتحرّكون من أجل القضية الفلسطينية، عندما جرى استطلاع رأي في أوروبا من هي الدولة التي تهدّد السِلم في العالم، فوجئوا بأن أكثر من 65 بالمئة من الأوروبيين قالوا إسرائيل هي التي تهدّد السِلم الدولي، حتى لا نظلم بالمواقف، لكن الغرب الفاشي، الغرب القاتل هو حكومات وجيوش ومخابرات ولوبيات الصناعات العسكرية التي تبيع لأنها مثلاً عقدت صفقات بعشرات مليارات الدولارات مع السعودية، فتترك السعودية تقصف الشعب اليمني بالقنابل المحرّمة دولياً، هذا معك. إذاً فلنميّز في الغرب، ثمّة قوى خيّرة، نقابات ويساريين، حتى لا نعمّم.

بالنسبة للخوذ البيضاء، توظيف الإرهاب، كما قلت نحن أمام الإرهاب الوظيفي، الإرهاب الوظيفي بمعنى أن هناك رقعة شطرنج استراتيجي، وفضحه وكشفه رولان دوما، هو إسقاط وإزال النظام في سوريا.

إذاً حتى نزيل النظام في سوريا نقوم بما نسمّيه بالعلوم السياسية بتعبئة الموارد لأقصى حال ممكنة، تعبئة كل الموارد الإعلامية، والنفسية والصناعية المالية، آل سعود يدفعون المليارات إلى آخره حتى نزيل هذا النظام إلى آخره، والجماعات الإرهابية، يا سيّدي إن كان لدينا 5000 مسلح من تونس فقط ذهبوا إلى سوريا، من اشترى لهم التذاكر؟ السيارات رباعية الدفع التي حملتهم من مطار أنقرة إلى حلب، من قاد هذه السيارات؟ من يعطيهم رواتب؟ تعرف إن المقاتل الإرهابي راتبه أكثر بكثير من الجندي السوري الذي يدافع عن بلده، أكثر ضباط الجيش العربي السوري رواتبهم أقل بكثير من رواتب، هذا أبو طلحا وأبو فلان وأبو فلان وأبو سلاك وإلى آخره، من يدفع؟

رئيس الحكومة القطرية السابق كشف وفضح، ربّ ضارّة نافعة، الصراع السعودي القطري كشف لنا أشياء كثيرة جداً، قال دفعنا عشرات وعشرات مليارات الدولارات الصيدة تهاوشنا عليها بالحرف الواحد، دفعنا، وأمروا ان يدفعوا. إذاً نعود إلى مفهوم مركزي، الإرهاب الوظيفي يريد إزالة هذا النظام، وهذا النظام صمد وانتصر وغيّر كل المعادلة.

لهذا قلت إن سوريا غيّرت موازين القوى في العالم، سوريا غيّرت علم العلاقات الدولية. اليوم نتحدّث عن روسيا. روسيا استعادت مجدها السوفياتي واستعادت قوّتها عبر ما حدث في سوريا والصين برزت بقوّة وتستخدم حق الفيتو بشكل نسقي أيضاً. العالم يتغيّر. لا ننسى الدخل القومي انخفض، الدولة الأولى أميركا بـ 19000 مليار دولار، الثانية الصين بـ 12900 مليار. هل تعرف أن فرنسا انتقلت من المرتبة السادسة إلى السابعة؟ تذيّلت السابعة بعد الهند التي سبقت فرنسا، ودول أخرى سبقت فرنسا التي تُعتبر إلهاً في المغرب العربي لدى بعض الفرانكوفونيين، فرنسا هي اليوم في المرتبة السابعة.

العالم يتغيّر بسرعة وسوريا بلورت هذا التغيّر السياسي عبر ما حدث فيها، لأنّ الإرهاب الوظيفي والمخطط الكبير.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور رياض، طبعاً نحن نتشرّف ونعتزّ ونجلّ كل المثقفين الأحرار في الغرب، وتربطني بهم علاقات طويلة من أقصى الشمال الأوروبي إلى أقصى الجنوب الأوروبي، فيهم أحرار وربّك لا يوجدون في العالم العربيّ، وفيهم رجال ربما يفوقون ذكورنا رجولة في العالم العربي.

نحن حلقتنا متخصّصة في الغرب الأطلسيّ الاستعماريّ، وقد أوضحت أنت الفرق بين الحكومات وبين الأحرار.

أستاذ عدنان، لماذا نحن أحياناً نذهب بعيداً، ونحاول أن نفلسف الموضوع لجهة الأدلّة التي تتّهم الغرب الأطلسي بالإرهاب؟

يا سيّدي، السياق التاريخي، السياق المعرفي لهذا الغرب كلّه إرهاب، ما زلنا نتذكّر، ناغازاكي، هيروشيما، ما زلنا نتذكّر دور فرنسا التي فجّرت قنابل نووية في ركان وتندوف، وكانت تضع مجاهدين في وسط دائرة التفجير لتدرس تأثير القنبلة النووية على الجسد البشري. ما زلنا نعايش المذابح في راوندا، بين الهوتو والتوتسي، هذا الغرب ذبّاح منذ تأسّس.

إذاً لماذا نشكل عليه كونه يدعم جبهة النصرة وداعش والخوذ البيضاء والخوذ السوداء والحمراء؟

 

عدنان عزام: دكتور، أعود قليلاً لما قاله ضيفك العزيز، وأنا أشكره على ما قال أن سوريا غيّرت موازين اللعبة في العالم، وهذا كلام دقيق جداً، ولكن الكلام غير الدقيق الذي تفضّل به، عندما قال إن دومينيك دو فيلبان أو رولان دوما. دومينيك دو فيلبان عمل خطاباً جيداً في الأمم المتحدة ثم تراجع وتقهقر وأصبح يعمل محامياً لدى قطر. لم نره. لماذا لم يحضر لزيارة سوريا في هذه الحرب الظالمة على سوريا؟

رولان دوما التقيته وأجريت معه لقاء في أيار الماضي 2018 وقال لي ما قال لضيفك العزيز، بأنه في عام 2010 تم استدعاؤه إلى لندن، وكان على طاولة البحث العنوان التالي، قال لهم رئيس حلف الأطلسي في لندن، نحن اليوم ندعوكم لكي يكون لكم شرف المشاركة بإنشاء جيش لتغيير النظام السوري وتحرير سوريا من نظام بشّار الأسد. لماذا لم يتحدّث بهذا الكلام في عام 2010؟ لماذا دائماً ينتظرون؟

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ عدنان، دعني أستثمر ما تبقّى لي من وقت في الواقع الآن. القادة الفرنسيون أقوالهم صارت مؤرشفة، ويمكن أن نحاكمهم عبر وثائقيات، حلقات تاريخية.

حدّثني عن الخوذ البيضاء التي كانت متاخمة لجغرفيتكم في السويداء. من هم تحديداً؟ وكيف استثمرهم الغربيون؟ وكيف ساهمت الأم 16، ميم 16، المخابرات البريطانية في تأسيسهم في سوريا؟

 

عدنان عزام: بالتأكيد، الذين خطّطوا لهذه الحرب على سوريا، عملوا العديد من الخطط، خطة أ وخطة ب وخطة س. إذاً من ضمن المخططات التي تم إنجازها أو التخطيط لها خلق أدوات تجميلية لهذه الحرب، منها مثلاً المرصد السوري لحقوق الإنسان ومنها جمعية سوريا التضامنية في فرنسا ومنها الخوذ البيضاء. أنت تعرف، قادة الغرب الفكري والسياسي والإعلامي دائماً يريدون إرضاء شعوبهم وجعل شعوبهم يتبعونهم. فإذاً عليهم خلق هذه المنظمات التي تقرّب سياستهم إلى شعوبهم.

منظمة الخوذ البيضاء هي إحدى هذه التنظيمات التي أوجدتها المخابرات البريطانية، والتي عملت في دوما وفي مناطق الغوطة وفي مناطق الجبهة الجنوبية، والذين كما قلت، نحن تعاملنا معهم بشكل يومي. هؤلاء الناس كانوا يعملون كما قلت في بداية الحلقة، في النهار هم مسعفون طبيّون يعملون مع الأطباء وفي إسعاف الإرهابيين، ولكن في الليل هم يتحوّلون إلى إرهابيين. كلهم، كلّهم، كلّهم هم أعضاء في جبهة النصرة وكنا نراهم وكنا نتعامل معهم في حياتنا اليومية.

لا يُخفى على أي سوري شارك في الأعمال القتالية ما كانت تقوم به القبعات البيضاء، هم الذين كانوا يسهّلون دخول الأموال، وهم الذين كانوا يسهّلون دخول السلاح، وهم الذين كانوا يسهّلون دخول ضباط المخابرات الإسرائيلية والتركية والسعودية والقطرية إلى معاقل الإرهابيين على الأرض السورية.

إذاً هذه المنظمة، والتي رعاها العديد من الساسة الفرنسيين بشكل خاص، أنا أذكر في شهر أيار الماضي أحد أعضاء البرلمان الفرنسي فرنسوا شاليمو استقبلهم في البرلمان الفرنسي، وعرض في أكثر الأماكن الفرنسية رمزية في ساحة الأنباليت، عرض لهم فيلماً وثائقياً أقامه برنار هنري ليفي عن هذه المجموعة الإرهابية.

اليوم وباختصار شديد، القبعات البيضاء أو جمعية سوريا المتضامنة، هي أدوات من أدوات الحرب التي خطط لها الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وبريطانيا على سوريا، ونحن نعرفهم ولم نعد نننخدع بهذه المُسمّيات.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ عدنان، دعني أذهب إلى الدكتور رياض.

دكتور رياض، برنار لويس منظّر الصِدام وتفجير العالم الإسلامي من الداخل في كتابه "أزمة الإسلام الحرب الأقدس والإرهاب المدنّس"، يتحدّث أنّ القرار الغربي هو بمحو هذا الإسلام الحضاريّ المحمّدي الأصيل.

اليوم، لا شك أنّ سوريا انتصرت ولا شك أنّ اللعبة انكشفت. ما هي استراتيجيات الغرب وألاعيبه المقبلة حتى نستفيد من الراهن لتكوين رؤية استشرافية للمستقبل؟

إلى أين سوف يتوجّه هذا الغرب الأطلسيّ المُصاب بداء سرطان الاستعمار؟

أيّة أرضٍ سيفجّرها؟ أية جغرافيا سيشعلها؟ أية خطة سينتهجها؟ أية خوذ بيضاء سوف يؤسّسها؟

 

رياض صيداوي: أحسنت، أحسنت بهذا السؤال الاستراتيجي، لأننا العرب دائماً لا نبحث في آفاق المستقبل وفي فكر استراتيجي ولا نخطط لعشرين و40 و50 وحتى مئة سنة إلى الأمام.

أنا أعتقد أن الغرب كان منشغلاً بالخمسينات والستينات، وكما قلنا الغرب نعني الرأسمالية المتوحّشة الاستعمارية التي تفجّر العالم من أجل مصالحها، كان العدو الأساسي هو الاتحاد السوفياتي والشيوعية والمنظومة الاشتراكية الدولية، كان هو العدو الأساسي، وبالعكس كان هناك غزَل للإسلام والمسلمين وحتى المجاهدين الأفغان، وكانوا يعتبرونهم أبطالاً، من يشاهد فيلم سلفستر ستالون رامبو ثلاثة، كيف مجاهد أفغاني بلحيته هو الشخص الخيّر، الملائكة، بينما الأبيض الدبّ الروسي هو الذي يشيطنه.

وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي، هذه الرأسمالية المتوحّشة تبحث دائماً عن عدو حتى تشغل شبابها وتشغل شعوبها، لأنها هي نفسها عدوّة شعوبها على فكرة، ولا ننسى، هناك حراك شعبي وجماهيري وشبابي في الغرب، أشهره أيار 68 يرفض هذه الرأسمالية المتوحّشة.

إذاً بحثت ووجدت أن الإسلام والعرب هم العدو، وفي الكتاب الشهير لصامويل هنتنغتون "صِدام الحضارات" أو "صراع الحضارات"، ثمّ الآن مع بروز التنّين الصيني، وأعيد الرقم، فرنسا على سبيل المثال دخلها القومي الخام لسنة 2017 بحدود 2500 مليار دولار، بينما الصين أكثر من 12600 مليار دولار. التنّين الصيني بدأ ترامب بمحاربته، اليوم فقط يصدر ترامب قراراً برفع الجمارك على البضائع الصينية بنسبة 25 في المئة.

التنّين الصيني المتحالف مع الدبّ الروسي، روسيا والمتحالف مع الهند والبرازيل وجنوب إفريقيا أي منظومة البريكس بدأت تعود بقوّة وسوريا سرّعت في هذه العودة السريعة.

إذاً التنّين الصيني الذي يعمل بصمت وبهدوء كبير جداً يصبح القوّة الاقتصادية الأولى في العالم وهذا سيحدث خلال عشر سنوات إلى عشرين سنة، سيحدث ذلك، أي سيتجاوز أميركا. أما فرنسا على سبيل المثال فهي وَهْم، وَهْم فقط لدول بعض النخب الجزائرية والتونسية والمغربية الذين يعتقدون أن فرنسا رعب، فرنسا أصبحت القوّة السابعة اقتصادياً بعد الهند الآن.

إذاً الصين ستكون في المستقبل هي العدو لهذه الرأسمالية الشرسة.

 

يحيى أبو زكريا: إذاً الرياح ستتوجّه شرقاً، سوف تتوجّه إلى بلاد طهوة، كونفوشيوس ولعلّ المعركة ستكون هناك.

عموماً، في عالمنا العربي، بدأنا نحقّق انتصارات ضد الإرهاب، تبقى المعركة الأشدّ، معركة البناء الحضاري وإعادة صقل الشخصانية العربية حتى لا نكون ضحايا الإرهاب مُجدّداً.

الأستاذ عدنان عزام من سوريا المنتصرة شكراً جزيلاً لك، الدكتور رياض صيداوي من جنيف شكراً جزيلاً لك.

مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها. إلى أن ألقاكم هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبداً ودائعه.

الشباب الفلسطيني في الغرب

لم تؤدّ الحياة الغربية بكل إفرازاتها ورفاهيتها إلى سلخ العرب والمسلمين في أوروبا عن محور قضاياهم فلسطين وما تتعرّض له من ظلم صهيوني سافر ومتواصل . وتؤكّد التظاهرات الشبابية التي إنطلقت في أكثر من عاصمة غربية دعما لفلسطين أنّ الجاليّة العربية في الغرب ورغم أنّها بعيدة عن جغرافيا الحدث الفلسطيني, لكنّها موجودة في دائرته السياسية والإعلامية وتداعياته اليوميّة, والأكثر من ذلك فإنّ الآباء الفلسطينين والعرب إستطاعوا أن ينقلوا عقيدتهم بضرورة إسترجاع فلسطين إلى أبنائهم الذين ولدوا في أوروبا والذين لا يعرف بعضهم العالم العربي, بل لا يتكلم أكثرهم اللغة العربية, وهؤلاء الأولاد المولودون في أوروبا يحيطون علما بتفاصيل القضية الفلسطينية ورغم السيطرة الصهيونية على مفاصل الإعلام الغربي إلاّ أنّ كل ذلك لم يزعزع إيمان هؤلاء بفلسطينهم وجبروت الكيان الصهيوني, والأطفال المولودون في أوروبا والذين لم يروا فلسطين ولا العالم العربي كانوا في طليعة التظاهرات التي شهدتها مدن أوروبية دعما للقضية الفلسطينية, وقد نجحت العوائل العربية في جعل الهمّ الفلسطيني همّا عربيا وإسلاميا بالدرجة الأولى.

المزيد