بيار أبي صعب - نائب رئيس تحرير صحيفة الأخبار اللبنانية

 

 

وفا سرايا: يقول المناضل مالكوم إكس إن وسائل الإعلام هي الكيان الأقوى على وجه الأرض، لديها القدرة على جعل المذنب بريئاً وجعل البريء مذنباً، وهذه هي السلطة لأنّها تتحكّم في عقول الجماهير.

وكأنّ هذه المقولة قد فُصّلت وكُتِبت لأيامنا هذه، فسلاح الإعلام من أقوى وأخطر الأسلحة في عصرنا الحديث، بل بات أقوى من آلة الحرب المعاصرة الفتّاكة نظراً لإمكاناته المهولة في الغزو الحضاري والسياسي والثقافي والفكري، بفضل المكانة الاستراتيجية التي احتلها في المجتمع ونفوذه في عملية تشكيل الرأي العام وصناعته.

وفي معترك الإعلام المرئي والصوتي والمقروء، يعود إلى واجهة الأحداث وسياقاتها سؤال أساسي لم يعد ينتهي فقط بعلامة استفهام، بل أضحى إشكالية مجتمع ودول أقيل فيها أو استقال المثقف مرات عديدة من وظيفته في المجتمع بمؤسّساته السياسية والاجتماعية، وظُلِم من قِبَل صُنّاع الإعلام.

فأين هو المثقف اليوم؟ ماذا عن دوره في التأسيس الثقافي والتربوي لمقاومة الإرهاب والتحديات الآنية في السياق العربي والدولي الراهن؟ وكيف تفعّل النُخَب مواقفها ودورها في صناعة الرأي العام؟

كثرٌ ظنوا أن ثورة المعلومات وتكنولوجيا الاتصال ستردمان الهوّة بين الشمال والجنوب، وبين الأغنياء والفقراء، وستسهمان في نشر الديمقراطية وحرية التعبير ومشاركة الجماهير في صناعة القرار.

لكن ماذا عن الواقع؟ ألم تعمّق ثورة المعلومات وتكنولوجيا الاتصال ظاهرة الاغتراب والتهميش وانتشار ثقافة الاستلاب والاستهلاك لتصبح من مميّزات الألفية الثالثة؟ فكم من صورةٍ فُبرِكت وحقيقةٍ شُوّهت ومعلومات أخفيت وأحداث ضُلّلت؟

في المقابل، إلى أي مدى أسهمت وتسهم تكنولوجيا وسائل الإعلام والاتصال في اتساع وإثراء الفضاء العام؟ وما هي تأثيراتها سواء كانت إيجابية أم سلبية على إدماج الجميع في هذا الفضاء؟

هي أسئلة كثيرة سنطرحها اليوم على ضيفنا في حوار الساعة نائب رئيس تحرير جريدة الأخبار اللبنانية بيار أبي صعب. أهلاً بكم إلى حوار الساعة.

 

(فاصل)

 

وفا سرايا: صباح الخير أستاذ بيار. إذا أردنا أن نوصّف هذا الواقع الحاليّ، هل نحن في أزمة فكرية وثقافية قبل أن نخوض في الأزمات السياسية والاجتماعية أو العسكرية حتى؟

 

بيار أبي صعب: أولاً اسمحي لي أن أشكرك وأهنئك على مقدّمتك لأنها تقريباً ذكرت كل شيء، ويمكن أن نسكت كل الحلقة.

 

وفا سرايا: شكراً، أهلاً وسهلاً بك.

 

بيار أبي صعب: ثانياً، أزمات الشعوب والمجتمعات هي قبل كل شيء أزمات فكرية، أزمات إدراك، أزمات وعي، وأعتقد أنا اليوم العالم العربي يواجه أزمة هوية، أزمة حضارية كبرى هي تفسّر كل أنواع التفتّت، كل أشكال الحروب الأهلية، كل أسباب القفزات إلى الخلف التي للأسف نشهدها في مجتمعنا، وهذا ربما يكون محفّزاً، كيف يمكن بناء نهضتنا في القرن الحادي والعشرين. وبالتالي، نعم قبل أن تكون سياسية، أزمتنا حضارية، هي أزمة وعي، هي أزمة علاقة بالعالم، هي أزمة علاقة بالطرف المهيمن، الاستعمار كلمة ليست على الموضة جداً اليوم، ولكن المستعمر الذي يعيد فرض هيمنته على هذه المنطقة من العالم، هناك علاقة عجز معه في لحظةٍ ما عن شعوبنا العربية وبالوقت نفسه تمرّد عليه ومواجهته ومقاومته كما نعرف.

 

وفا سرايا: لماذا نفتقد بإعادة مستلزمات التفكير أو إعادة مستلزمات هذا الإعلام الذي نفتقده، إن كان الحوار، التعبير عن الرأي، الحرية، هل باتت مقيّدة بعالمنا العربي تحديداً أو دول الجنوب؟

 

بيار أبي صعب: دعينا نتحدّث عن العالم العربي أسهل، لأن دول الجنوب الحالات مختلفة، أعتقد نحن بالعالم العربي، نحن في آخر 20 أو 30 سنة أو منذ فترة الاستقلال وطرد الاستعمار إلى اليوم وأزمة فلسطين، عشنا كابوساً هو السلطة العربية.

السلطة العربية هي الأمّ التي تأكل أبناءها. اليوم الأنظمة العربية على اختلافها تعاطت مع الإعلام، مع الفكر، مع الثقافة، مع الفكر السياسي المعارض، مع الاتجاهات المعارضة إما بتدجينها لإغراقها بالمال والمغريات وبالتالي شراء ضمائرها وتخدير ضمائرها، وإما بالقمع، وبالتالي باتت الحلول هي الحلول الراديكالية. الجماعات المقهورة تنتحر، محاولة ردّة الفعل تكون أن نذهب إلى المهوار ونرمي نفسنا لأننا وصلنا بلحظة توتّر ولحظة أزمة. ما هو الخيار الباقي؟ خيار التطرّف، خيار التعصّب الأعمى الذي لا يرى الواقع، لا يعمل العقل وأحكام العقل ويفسّر النصّ الديني ويفسّر كل النصوص بطريقة راديكالية متطرّفة.

سؤالك عن هذا الخواء الذي نعيش هو قبل كل شيء، إفلاس سياسي لأنظمة حكمت بالظلم والاستبداد بعيداً عن العدالة، بعيداً عن التنمية الحقيقية التي كانت مشروعاً، بعدما طردنا المستعمر في كل دولنا مشرقاً ومغرباً، لم نبنِ الدول الحديثة العادلة التي تفرز الفرد وتفرز المؤسّسات والبنى التحتية، وما يسمّى بين مزدوجين الديمقراطية، لكن ليس بالمعنى الذي يستعمله اليوم الغرب كذباً وبهتاناً لإعادة استعماره.

 

وفا سرايا: هذه نقطة مهمة، تحت عنوان حقوق الإنسان أو حقوق الشعوب، هذه هي الحرب الناعمة أو القوّة الناعمة التي تستخدمها الدول الغربية، ولكن إذا أردنا أن نصنّف الإعلام العربي وقت الأزمات أستاذ بيار، هل يمكن تصنيفه إلى بند إدارة الأزمات أم صناعة وتفاقم هذه الأزمات؟

 

بيار أبي صعب: الإعلام العربي كلمة واسعة جداً، هناك في العالم العربي الإعلام الرسمي، الإعلام الذي هو أداة مملّة ومُضجرة وموجهة وبيد السلطة، ولكن الجمهور العربي انفضّ تدريجاً عن الإعلام الرسمي، فكان هناك إعلام موازٍ أيضاً مموَّل من أنظمة رجعية ومتخلّفة إلى آخره تحاول أن تقولب الرؤية، وهناك إعلام مقاوِم، وهناك إعلام حر مستقل هو الأقل، هو الأضعف.

 

وفا سرايا: ما زال هناك إعلام حر مستقل؟ صار الإعلام صناعة بطبيعة الحال استاذ بيار.

 

بيار أبي صعب: سؤالك بمحله ولا ينطبق على العالم العربي، هذا سؤال أنا أسأله في الغرب اليوم، عندما ترين الإعلام الفرنسي مثلا كيف كله اليوم في إدلب وكيف كله موجّه في اتجاه واحد مع إدلب في الطريقة التي فيها تزوير الذي اعتدنا عليه منذ حلب إلى اليوم.

تقولين، هل هناك إعلام مستقل؟ نعم، الإعلام المستقل ربما نتحدّث عنه بعد قليل، هو جيوب مقاومة، هو أفراد، هي تجارب صغيرة بعيداً عن هذه الصناعة الضخمة التي تحدثتِ عنها، ولكن الإعلام المقاوِم بما أن بطبيعته يقف ضد الهيمنة، يقف ضد السيطرة، يقف ضد الظلم، فهو يقدّم هامشاً ما، لا أريد أن أدّعي أنه هامش واسع، ولكن هامش صحي وحيوي، وهناك مئات آلاف المشاهدين والمشاهدات والمستمعين والمستمعات والقرّاء الذين يلاحقونك، ما يمكنك أن تقولي كلمة الحق وممكن أن تشهدي للحق.

ولكن لأعود إلى سؤالك، إدارة الأزمة والترويج لأصحاب النفوذ في هذه الأزمات، أنت تشاهدين أربع أو خمس محطات لتكوين رأي مستقل قليلاً لأن كل جهة تقدّم لك الحقيقة من وجهة نظر المهيمن، من وجهة نظر الخطاب الذي يمهّد للأزمة ولا يحلّ الأزمة.

 

وفا سرايا: كل حدث يُروى بعدّة روايات أو عدّة قصص من هذا المنطلق، نتيجة هذه الانتماءات السياسية التابعة لها بطبيعة الأحوال، المؤسّسات الإعلامية.

هل فقد الهوية إعلامنا العربي؟ هذا الانقسام أيضاً بسبب فقدان الهوية الأساسية له؟

 

بيار أبي صعب: أنت قلتِ، الإعلام مصنّف قياساً لخياراته السياسية، يا ليته كذلك، المشكلة أنه لا يوجد شيء إسمه الإعلام المستقل بالنسبة لي بمعنى اللا سياسي، ليس عيباً أن يكون لديه خيار وخط.

 

وفا سرايا: يكون لديه هويته أو خطه.

 

بيار أبي صعب: هذا يدفعني للإجابة عن سؤالك عن الهوية، الفكرة هي بالتزوير والتلفيق والترويج وليس بإعطاء هامش رأي، أنك تذهبين، تقولون أنتم الحدث كما هو، حيث هو.

 

وفا سرايا: الواقع كما هو، شعار الميادين.

 

بيار أبي صعب: الفكرة أن تنقلي الحدث للقارئ أو المشاهد كما هو، وثمّ لك رأي به، بمعنى عدم تزوير الوقائع. هذه هي المشكلة، مشكلتنا مع تزوير الوقائع. لذلك عندما تتحدّثين عن الهوية، نعم، الإعلام، لا نريد أن نعمّم، ولكن يقاوم بشراسة لأن لا يفقد هذه الهوية ويتحوّل إلى مهرّج الملك، مهرّج السلطان، شاهِد الزور الذي يمهّد للاستغلال ويمهّد للاستعمار ويمهّد لإفقار الشعوب وللفتن على أنواعها إلى آخره.

نعم، هناك جزء كبير من الإعلام متورّط، فقدَ روحه، وهناك إعلام آخر يقاوِم كي يحتفظ ببقية من روحه.

 

وفا سرايا: مَن يصنع اليوم الرأي العام؟ كلنا نعلم بأن العمود الفقري أو المفتاح الأساسي بالنسبة لصناعة الرأي العام باتت وسائل الإعلام إن كان في القرن الماضي أو في الألفية الثالثة، ولكن اليوم مَن يصنع الراي العام؟

 

بيار أبي صعب: نظرياً هناك علاقة جدلية بين الرأي العام والإعلام، لكن هذا يفترض مجتمعات متطوّرة أو نامية فيها ديمقراطية وفيها رأي عام. نحن حوّلنا المواطنين إلى قطعان، إلى رعايا لا تفكّر، تشتغل بغرائزها، تتبع اتجاهاً أو فئة أو خندقاً من دون تفكير، مشكلة الإعلام، مشكلتي كإعلامي، جزء من مشاكلي أنه ليس لديّ هذا الحكم، هذا معلمي الأساسي، هذا ربّ عملي الأساسي الذي هو المشاهد والقارئ الذي أخشى منه، أخشى أن ينفضّ عني إن شئت، هناك علاقة جدلية مكسورة بين الإعلام الذي يؤدّي دوراً في إيصال المعلومة وبالتعليق عليها وبالتفكير وبإعطاء هامش نقدي، وبين المتلقّي الذي لم يعد موجوداً بالمعنى الذي نتمنّاه. اليوم علينا أن نعيد بناء الرأي العام كي ننجح في مهمتنا كإعلام.

 

وفا سرايا: لأن الرأي العام كان مثلاً، اعتبره البعض المفتاح الأكبر لما حدث في ما سمّي بالربيع العربي أو هذه الثورات الملوّنة التي اتضّح في ما بعد بأنه كان مخططاً لها حتى وأديرت من دول ومن أجهزة استخبارات أستاذ بيار.

هل لا زال هذا الرأي العام هو مفتاح كل هذه التطوّرات أم أدلج وأطّر بإطار معين لاتخاذ خيارات محدّدة؟

 

بيار أبي صعب: الرأي العام هنا هو الضحية، هو المخدوع. ما يسمّى الربيع العربي، الربيع العربي المُجهَض هو خير دليل على فكرة تضليل الرأي العام. أنت لديك أفراد ومواطنون يسعون إلى الحرية، إلى العدالة، إلى تداول السلطة بدلاً من الاستبداد والنظام الأبدي السرمدي، وهذا حقهم. المنطلق حقيقي، انطلاقاً من حاجة حقيقية عند الناس، كيف تم التزوير والذهاب وتمكين الاستعمار وتفتيت المجتمعات.

 

وفا سرايا: التطبيق كان الخطأ، الحقوق كانت مشروعة المطالبة بها.

 

بيار أبي صعب: طبعاً ولكن بسرعة سُرِق غضب الناس، في معظم الدول العربية سُرِق الغضب العفوي الحقيقي وأخذ إلى مكان آخر لصالح الاستبداد، لصالح الاستعمار، لصالح إسرائيل مباشرة. أنظري، تدخّل إسرائيل بالوعي العربي بعدما سمّي بالربيع العربي، كم صار أكبر، أي ليس فقط خسرنا حلمنا بالتطوّر، مجتمعاتنا نحو الحرية، ذهبنا إلى عبودية متخلّفة.

 

وفا سرايا: من يتحمّل المسؤولية بذلك؟ من قام بهذا الرأي العفوي المطالب بهذه الحقوق أم كانوا أذكياء، هم نفسهم أعادوا إنتاج السلطة، الأشخاص إذا أردنا أو الطبقات السياسية؟

 

بيار أبي صعب: نحن نطالب الأفراد والمجموعات بوعي، بمزيد من الوعي النقدي، لكن لا يمكن أن نحاسب من نزلوا أمام جامع في دمشق أو في القاهرة أو اجتمعوا بالساحات الكبرى للمطالبة بالحرية، لا يمكنك محاسبتهم. الفكرة أنّ القوى السياسية والخيارات السياسية الكبرى والمثقّفين والإعلام الذين شهدوا بالزور، الذين دفعوا بالأحداث باتجاه كاذب ومضلّل تحت مسمّيات جميلة ومغرية، هؤلاء مسؤولون، هؤلاء شهود زور، هؤلاء متورّطون في الجريمة، نعم، أما الناس العفويون الشعوب تطالب بحقوقها وتضلّل بسرعة.

 

وفا سرايا: وتاريخياً، بالمسار التاريخي هذا ما حدث بالثورات، إن كان الثورة الفرنسية حتى استّتب الوضع، ولكن فتحت لي؟

 

بيار أبي صعب: الثورة البلشفية العظيمة.

 

وفا سرايا: صحيح وفتحت لي الباب على دور المثقّف والنُخَب، ولا بدّ من الاطّلاع على دور وسائل التواصل الاجتماعي التي كانت هي المنبر الأكبر لهذه التحرّكات، ولكن اسمح لنا أستاذ بيار أن نبقى مع هذا المقتطف من جريدة الأخبار اللبنانية، المقال الذي هو تحت عنوان الماضي هو البداية.

فلنتابع ولنعود لاستكمال النقاش.

 

الأخبار اللبنانية: الماضي هو البداية، نبيل دجاني

حال الإعلام اللبنانيّ المشوّشة ربما كانت نتيجة إخفاقه في البناء على ماضيه ومحاكاة تقاليد مجتمعه. اختارت وسائل الإعلام اعتماد التقنيات الحديثة اعتقاداً منها أنه "الخط السريع" للتقدّم وأهملت، أو ربما لم ترَ، ضرورة تقييم أثر هذه التقنيات في المجتمع ثقافياً واجتماعياً.

يحتاج بلدٌ صغيرٌ بتعداده السكاني وموارده الاقتصادية كلبنان إلى إيجاد حلول "خارج الصندوق" لمشكلاته الإعلامية. يحتاج لبنان إلى حلولٍ تنطلق من معرفة الواقع الثقافي والاجتماعي اللبناني.

اعتماد الحلول المستوردة والمعتمدة في الخارج قد يسهم في إنماء هذه الوسائل تقنياً لكنه قد يسهم في تكوين فوضى اجتماعية كما هي الحال في لبنان اليوم.

أدّت الحرب الأهلية إلى اضمحلال انتشار وسائل الإعلام اللبنانية في محيطها العربي وإلى انخفاض حاد في عائداتها من التوزيع والإعلان، وأصبح الناشرون اللبنانيون يعتمدون اعتماداً كبيراً على الإعلانات والدعم المادي من السياسيين ورجال الأعمال.

ومن ناحية أخرى، فإن وسائل التواصل الاجتماعية الحديثة هي في حال إنتروبية (فوضوية اجتماعياً) وتحتاج إلى سياسات ملائمة لإرشاد عملها للمساهمة إيجاباً في المجتمع.

ما أدعو إليه لا يعني الاقتداء بالتقاليد بصورة عمياء، بل تنشيط قنوات التواصل الاجتماعي عن طريق مواءمتها مع الثقافة الوطنية لتلعب دوراً في تنمية وتطوير مجال عام يسهم في تلبية الحاجات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للمجتمع، وفي القبول بأن الماضي لا التكنولوجيا هو البداية.

 

وفا سرايا: سأنطلق من العنوان، الماضي هو البداية، من هذا المقال، وأخذ حال الإعلام اللبناني. هل تأثرنا فقط بالشكل، بالتقنيات، بالديكور، ومن دون إرساء القيم الثقافية الحقيقية بما قدّمناه من تكنولوجيا جديدة؟

 

بيار أبي صعب: للأسف نعم، لأنّ التكنولوجيا هي بخدمتنا، لكن حتى نواجه هذا الوحش القوي المتمكّن المُهيمن، حتى تواجهيه يجب أن يكون لديك روح وثقافة ومشروع وشيء تضعينه في التكنولوجيا، فبقدر ما يكون لديك محتوى بقدر ما يكون لديك توازن بالصراع بين هذه الماكينة الكبرى وبين ماذا لديك. نحن كان لدينا أمور قليلة جداً، لا بأس، يجب أن نكون صريحين، ونقول كان هناك قدر من الغوغائية وما زال، ما جعل هذه الآلة تهيمن علينا، نحن اليوم تحت رحمة مواقع التواصل الاجتماعي، بلحظة تقولين هذه حرية مطلقة، أي بدلاً من أن تكون هناك مؤسّسات إعلامية مُهيمنة بشكل أو بآخر يجب أن يحظى الفرد برضاها حتى يستطيع النشر أو يعبّر عن صوته، بات لديه وسيلته، أي صار باستطاعته أن يعبّر. للوهلة الأولى هذه حرية كبيرة، حرية لم نكن نحلم بها قبل عشر سنوات، لكن في الواقع هناك غوغاء وفوضى وضياع بشكل أن الكذب والتزوير والآراء والشتم والحقائق المقلوبة صارت هي المهيمنة، وضاعت هذه الإبرة في كومة القشّ، ولم نربح رهاننا في الحصول على منبر حرية جديد.

 

وفا سرايا: صحيح، ولكن أنت توافق أستاذ بيار على مقولة أن الإعلام الجديد يطوي صفحة صناعة الرأي العام؟

 

بيار أبي صعب: لا، لا أعتقد، أنظري، أنا وأنت اليوم نتّجه صوب مواقع التواصل الاجتماعي.

 

وفا سرايا: وأنت ناشط ولديك حملات وحروب أيضاً خاصة على مواقع التواصل.

 

بيار أبي صعب: أحياناً أخسر حسابي وأعود وأستردّه، هناك معارك، لكن الفكرة، نذهب ونرى الناس، أنت المدوّنة التي تثقين بها أو الحساب الذي تلحقينه مربوط بإعلامي أو متخصّص أو بأكاديمي تثقين به وتحصلين على معلوماتك منه. الإعلام التقليدي، المؤسّسات الإعلامية ما زالت مصدر الشرعية، مصدر المعرفة، لديها الإمكانية والتقنية والتربية المهنية الكافية لتعمل على المحتوى. هذا لا يلغي مغامرات الأفراد والمجموعات المستقلة والمبادرات الشبابية، بالعكس، لكن المرجع سيبقى نفسه ولكن على هذا المرجع أن يجدّد أدواته وألا يكون محنّطاً ومتحفيّاً كي يخوض هذه.

 

 وفا سرايا: لأن هذا المرجع نشاهده أيضاً على وسائل التواصل الاجتماعي، يتم بث فيديوهات من الإعلام إن كان المرئي أو المقروء أو المسموع، يتم على وسائل التواصل الاجتماعي، حتى شكّل بالنسبة للشباب أستاذ بيار ربما فضاء مفتوحاً أمدّهم بما كانوا يطمحون للوصول إليه.

هل ساهمت مواقع التواصل الاجتماعي بردم هذه الهوّة بين من يمتلك المال بالنهاية لصناعة الإعلام وبين من يمتلك هذا المنبر الصغير لكن قادر على إيصال رأيه؟

 

بيار أبي صعب: بحدود قليلة جداً، لأنّ من يمتلك المال عاد والتفّ على فضاء الحرية هذا، في أميركا الفايسبوك يسلّمون بيانات للسلطة، يراقبون، مثلاً زميلنا عمر حلال على تويتر راقبوا خطّه لأنه ينتقد القائم بالأعمال السعودي في لبنان، الحرية ما زال الذي يمتلك المال الذي يمتلك الآلة الضخمة لا زال مهيمناً. ما يمكن أن نفعله ويجب أن نفعله على مواقع التواصل الاجتماعي هو خلق جيوب مقاومة، ولكن تبقى الحرية هي معركة لم نربحها ولا يمكن أن نربحها بسهولة بأن نقول، بالعكس، أنت تقولين أعطى فضاء حرية للشباب، أعطى مجالاً للغوغائية، أصبحتِ تسمعين عام 2015 بنقاش بلبنان، انتفاضة رفض النفايات وطلعت ريحتكم، كنت تسمعين أشياء وتضليلاً وتطرّفاً واتهاماً وتخويناً، كله يمشي، يصدرون شائعة وأنت تصدّقين، فبالتالي القدرة على التزوير والجرح والإيذاء وتضليل الرأي العام كبيرة جداً أيضاً مقابل الحرية، الحرية هي هذه الثمرة الوحشية التي علينا أن نحميها بأهدابنا كل الوقت، ليس صحيحاً أن فايسبوك أو تويتر أو سواها تعطي حرية.

 

وفا سرايا: حتى ما هو مملوك أيضاً من سلطات معينة، إذا أردت تنزيل صورة معينة لشخص معيّن يلغى الحساب لك مثلاً، هذا أبرز محب لهذه الحرية.

 

بيار أبي صعب: موقع المنار خير مثال على ذلك، كل فترة يلغون حساباته، أكثر من ذلك إن تحدّثت عن فلسطين أو تضعين، هناك حسابات تلغى لأنه فيها فقط علَم فلسطين أو صورة السيّد نصر الله، وبالتالي الديمقراطية وَهْم عندما يقدّمها لك الرجل الأبيض المُهيمن. الديمقراطية لا يمكن أن تكون إلا مكتسباً حقيقياً ثمنه دم ودموع وجهد وذكاء وإبداع من قِبَل الناس المُستعمَرة والمُستغَلة والمظلومة حتى تستطيع خلق هذه المقاومة.

 

وفا سرايا: هل نحن اليوم في عصر أزمة المفاهيم؟ كلّ إعلام أو كل وسيلة أو كل حزب إذا أردنا أن نقول حتى، كانت لديه توصيفات معينة. مثلاً إذا كنت أنت مصنّفاً أو تعلن ولاءك، وهذه حصلت معك أستاذ بيار، بمثلاً دعمك للمقاومة إن كان بفلسطين أو في لبنان، البعض يعتبرها تنظيماً إرهابياً، يسمّيها بالتنظيم الإرهابي وموجودة على اللائحة السوداء وبالنسبة لك مقاومة. هل صغنا مفاهيم خاطئة وليس هنالك من توحيد لمفهوم لدى وسائل الإعلام؟

 

بيار أبي صعب: ما يحدث اليوم هو حرب مفاهيم. أنظري، العدو الإسرائيلي فهم مرة أخيرة أنه لن يربح معركة عسكرية بعد اليوم، ما فعله حزب الله في لبنان وحماس في فلسطين وغيرها من جيوب المقاومة أنها كسرت وًهْم الهيمنة العسكرية الإسرائيلية. في المقابل، إسرائيل اليوم تخوض حرباً ناعمة، إسرائيل والاستعمار والرجعيات العربية ككتلة ضدّي كفرد عربي يحلم بالحرية والتقدّم، تخوض حرباً ناعمة لتزوير الوعي. وبالتالي هذه الكلمات، هذه المفردات، هذه المصطلحات هي كل شيء. جميلة بوحيرد في الجزائر في حرب مقاومة الاستعمار الفرنسي، اتُهِمت أنها إرهابية، وكادت تواجه حُكم الإعدام، لولا زوجها المحامي جاك فيرجيس الذي لاحقاً دافع عنه وحرّرها، وبالتالي فكرة أنه دائماً المقاوم الذي متّهم من طرف المستعمر بالإرهاب، ولكن علينا أن نقلب هذه المفاهيم. أما أنك تتحدّثين عن توحيد مصطلحات، أكيد لا يوجد توحيد مصطلحات.

 

وفا سرايا: إسرائيل هنا أو العدو الغربي الذي نسمّيه، إلى أي مدى استفاد من هذا الانقسام الحاد حتى بتصنيفنا للمفاهيم أو هو رسّخ، هو صنع؟

 

بيار أبي صعب: طبعا هو صنع هذا الانقسام والآن يستفيد منه، نحن وقود في هذه النار التي تقضي على مجتمعاتنا، وبالتالي نعم، من الفتنة المذهبية، اليوم أنت تسمعين بإعلام ديمقراطي بين مزدوجين في فرنسا وبريطانيا، حزب الله المقرّب من إيران، لا بأس، عندما يتحدّثون عن تيار المستقبل أو القوات اللبنانية، لا يقال مقرّبة من السعودية أو من إسرائيل، يا ليت السعودية، نقبل، لا وبالتالي لاحظي كيف أن الإعلام، أنت تعرفي إعلامية، إذا وضعتِ الكاميرا هنا ترين الواقع بشكل وإن بدّلت الموقع ترينه بشكل مختلف.

لا يوجد شيء إسمه إعلام موضوعي بالمُطلق، هناك إعلام صادق ينقل الوقائع حتى لو ضدّي أنا، لكن الخبر لو لم يعجبني أنقله ولكن أعلّق عليه لاحقاً، فهذا الإعلام الذي يضيع، والمصطلحات، نعم، هناك غزو للمُصطلحات المزيّفة، للوعي المزيّف، لأنّ العدو يقوم باختطاف الأكثرية العربية، ليأخذها على الشهادة بالزور للاستبداد وللاستعمار ولإسرائيل.

 

وفا سرايا: حتى السيطرة على هذه العقول بصوغ هذه المفاهيم، أستاذ بيار، وهنا نعود إلى أنطونيو غرامشي وما قاله عن الهيمنة الثقافية، هذه ما نعيشها اليوم بعصرنا، هذا يمكن القول.

سنتحدّث عن دور المثقّف والنُخَب، هذا محور خاص له، سوف نتحدّث أيضاً عن إسرائيل كيف لعبت منذ البدايات واهتمّت إلى السلاح الأقوى، سلاح الإعلام منذ محاولات تأسيس هذا الكيان، ولكن بعد هذا الفاصل القصير.

مشاهدينا الكرام فاصل قصير وابقوا معنا.

 

 

المحور الثاني

 

وفا سرايا: من جديد أهلاً بكم إلى حوار الساعة التي نستضيف فيها اليوم الأستاذ بيار أبي صعب. ولكن قبل أن نستأنف الحوار، سنبقى مع هذا المقتطف من صحيفة رأي اليوم الإلكترونية التي نشرت مقالاً تحدّثت فيه عن العنف في المجتمعات العربية وسُبل مواجهته. فلنتابع.

 

رأي اليوم: مكافحة العنف في مجتمعنا العربي.. مهمةٌ مستحيلة! إبراهيم عبد الله صرصور

عنوان صادِم! أليس كذلك؟! لعلّ العلاج بالصدمة هو المطلوب حتى نخرج من حال الذهول التي نعيشها، والتي أعجزتنا عن فعل الشيء الصحيح لاجتثاث وباء الجريمة والعنف، أو على الأقل للتخفيف من آثاره المدمّرة في المرحلة الأولى.

ألم يقولوا قديماً: الحقيقة المرة خير ألف مرة من الوهم الخادع؟! قد يعترض البعض على هذا التوصيف، وقد يكون لديه بعض الحق! لكن، ألا يقول لسان حالنا ذلك بلا مواربة: (ليس في جعبتنا حل لوباء العنف والجريمة)، مهما ادّعينا غير ذلك، ومهما كابرنا بخلاف ذلك، حفظاً لماء وجوهنا وإنقاذاً للبقية الباقية من كرامتنا؟!

المطلوب الآن هو تشكيل مجموعاتٍ من أهل الرأي من المرّبين تأخذ على عاتقها مهمة الانتشار في كل أماكن تجمّع الشباب من مقاهٍ ومفترقات ومتنزّهات وغيرها، وفتح حوار جدّي وصريح معهم حول دورهم في بناء المستقبل.

ثانياً، الاهتمام بالعائلة على اعتبارها الحاضنة الأولى لكل خير أو شرّ في المجتمع من خلال مساعدتها وتوجيهها وتقديم النُصح لها.

المطلوب هو توزيع كلّ بلدٍ عربي إلى أحياءٍ صغيرة تقوم في كل منها هيئة خاصة من الخيّرين لوضع برامج لقاءات مع الآباء والأمّهات والأولاد بهدف التعاون على تصحيح المسار والشروع في عملية إصلاح شاملة.

وثالثاً، الحرص على تحرّك مجتمعي لاحتواء أيّة إشكالية مهما كان نوعها صغيرة وكبيرة من خلال اللجان الشعبية ولجان الصلح المحلية الفعّالة التي تحرص على الوقاية كحرصها على العلاج.

 

وفا سرايا: هي مهمة مستحيلة ولكن لا بد كما قلنا قبل قليل من المواجهة.

اليوم المثقّف يقال بأنه ضمير المجتمع أو ما نسمّيه بمجموعات من أهل الرأي كما ذكر المقال. أين هم اليوم المثقّفون؟

 

بيار أبي صعب: ملاحظة صغيرة على المقال، أنا لديّ تحفّظ صغير على الأستاذ صرصور، أن الجريمة والعنف ليسا وباءً هبط من السماء، بل نتيجة سيرورة اجتماعية، نتيجة أزمات اقتصادية وسياسية واجتماعية وعدم نمو طبيعي للمجتمع، فتصبح الحالات الشارهة هي التي تهيمن. لذلك ترين المجتمعات المتقدّمة التي فيها عدالة وعِلم وتكنولوجيا مُهيمنة عليها من قِبَل الأفراد، نسبة الجريمة فيها قليلة.

 

وفا سرايا: أقل بكثير.

 

بيار أبي صعب: وبالتالي ليس فقط قصة. المهم، السؤال، دور المثقّف، المثقّف اليوم، المثقّف العربي في حال احتضار. هذا ليس شعاراً، في السبعينات خذي مصر، سنأخذ مصر وبيروت كنموذجين، أنت كان لديك كامب دايفيد وعندما قرّر السادات بيع حقوق كل العرب والتنازل لإسرائيل، بقي هو ومن بعده الرئيس مبارك بمكان، الدولة المصرية بمكان، عقدت صلحاً والرأي العام المصري ضدّه.

 

وفا سرايا: الشارع المصري بمكان آخر؟

 

بيار أبي صعب: عندما ذهب المسرحي علي سالم إلى إسرائيل صار يجلس بالقهوة منفرداً، لا يجلس أحد معه، عُزل، وبالتالي كان المثقّف جزءاً، وهذا إرث المرحلة الناصرية ومرحلة صعود الأحلام القومية والوطنية، فكانت هذه لحظة أساسية. اليوم أين المثقّف؟ مفتّت، أكلته الحروب.

 

وفا سرايا: خصوصا من عام 2011 لليوم.

 

بيار أبي صعب: الربيع العربي كان كارثة، الربيع العربي فتّت الشعوب العربية وفتّت النُخَب بوهم التغيير والتقدّم والعدالة، هذه ذهبنا إلى حروب أهلية واتهامات وعنف كبير وعلى فتن أهلية، صرنا نتحدّث بالمذاهب وبالخونة والأبطال وقلنا لإسرائيل تعالي واقصفي دمشق عاصمة الأمويين حتى تعطينا حرية وديمقراطية.

 

وفا سرايا: لكن هذا التشرذم والانقسام ألا يجعل الدور أكبر على عاتق هؤلاء النخب وهؤلاء المثقّفين؟

 

بيار أبي صعب: صحيح، لكن أين النُخَب اليوم؟ كنت أريد إعطاءك مثل بيروت أيضاً، اليوم في بيروت قبيلة في طريقها إلى الانقراض، المثقّفون كنت ترينهم في المقاهي والجرائد والجامعات والشارع، كان يخاف السياسي من رأيهم، اليوم ليس لديهم منابر يكتبون فيها، لم نعد نعرف، من مات مات، ومن خان خان، أقصد الذي باع كل ضميره وتاريخه لأميركا وللمشروع الأميركي، أيضاً هذا مات بطريقة ما، والمثقّف الذي يحرّك الرأي العام لم يعد موجوداً بالنسبة التي كان موجوداً فيها في السبعينات في بيروت.

إذا أردت، إعادة الحيّز العام وهذا دورنا في الإعلام، إعادة الاعتبار إلى الحيّز العام وإلى المثقّف في هذا الحيّز العام كمعبّر عن ضمير الجماعة، نعم لديه دور، وطبعاً كلامي ليس للتعميم، هناك مثقّفون ومثقّفات لا يفتقرن إلى الشجاعة وإلى الجهد الفكري والإبداعي، ولكن الحيّز العام يُخفيهم عن المواطن، المواطن يعرف النجوم، نجوم البوب، ليس لديّ شيء ضد نجوم البوب.

 

وفا سرايا: صحيح، حوربوا لأن المسارح التي يسلّط عليها الضوء سلّطت على أشخاص آخرين؟

 

بيار أبي صعب: وجاءت الغوغاء، جاء التطرّف الأعمى، جاءت الفِتن، جاءت توتاليتارية الكتل والمجموعات.

 

وفا سرايا: هنا أستاذ بيار، هذا يفتح لنا السؤال والنقاش، كيف نفهم بمثقّف، في فترة ما سمّي بالربيع العربي أو الأزمات، نتحدّث عن سبع سنوات منذ عام 2011 إلى اليوم، ليدافع عن تنظيم إرهابي متطرّف، مثلاً كداعش والنصرة، لا بل يروّج على مواقع التواصل أو حسابات تابعة له بفيديوهات أثّرت بشكل كبير بفكر شباب أو أشخاص متردّدين كانوا بأفكارهم وآرائهم؟

 

بيار أبي صعب: هذا دليل أنّ المثقف، المشروع الثقافي العربي بُنيَ على الرمل، لم يُبنَ على الصخر، فما إن جاءت العاصفة حتى أخذت القصر. هناك الذي يمكن أن ينتقل من مشروع وطني وقومي وعلماني ومعادٍ للاستعمار إلى مشروع فئوي متطرّف، أياً كان التبرير، لأن هناك دائماً تبريرات، أحياناً يقول لك نكاية بالمد الشيعي وهي كلمة مطّاطة لا تعني شيئاً، المارد السنّي والمدّ الشيعي والهلال الشيعي كذبتان لتوريط الشعوب العربية في أمر ليس لديها علاقة به، هناك المستعمِر والمستعمَر ونقطة على السطر.

وبالتالي مَن يستطيع الانقلاب إلى هذا المكان، إلى هذه الخيانة الأخلاقية، معناها لم يؤسّس مشروعه، كل الأحزاب الوطنية والقومية واليسارية عليها أن تعيد النظر بمشروعها في الستينات والسبعينات وصولاً إلى الثمانينات إذا أفرزوا أشخاصاً يروّجون لهذا العنف. وبالتالي اليوم علينا أن نبدأ من جديد، نبدأ من الصفر لإعادة اختراع مفهوم المثقّف الموضوعي.

أنا لديّ خيارات سياسية واضحة وأفتخر بها، ولكن لا شيء، لا شيء البتّة يمنعني من ان أنتقد المعسكر الذي أنتمي إليه أو القوى السياسية التي أنتمي إليها، بالتفصيل، بمشاريع كثيرة، لأن عملي أن أحكّم عقلي وأخدم وأنتقد الصديق قبل الخصم، وبالتالي المثقّف لا يستطيع أن يكون آلة دعائية ولا يستطيع أن يكون آلة غوغاء.

 

وفا سرايا: ولكن كيف يمكن لنا أن نبعث بأيّ مثقّف هذه الروح الجديدة، وإذا أردنا أن يخرج من قمقم اللا ثقافة لخلق هذا الوعي؟ ما هي سبل المواجهة، رفع المستوى الجماعي مثلاً، هذه ممكن طريقة، إنتاج طبقة كما ذكر بالمقال، طبقة أو نخبة قادرة على التواصل مع الشباب، مع طموحاته، مع أفكاره ورؤيته للمستقبل؟

 

بيار أبي صعب: المشكلة أن الطبقة لا يمكن أن ننتجها، الواقع هو الذي ينتجها. أنا أقول لك هناك جوابان، الإعلام له دور كبير، وأنتم في الميادين غير مقصّرين، هذه ليست مجاملة، لإعادة فتح الحيّز للرأي العام لإنبات مثقّفين ولإعطائهم الكلمة وإعادة الاعتبار إلى العقل والاجتهاد والحوار والسِجال. الإعلام له دور كبير، الإعلام الوَرَقي والإعلام الإلكتروني والتلفزيوني إلى آخره.

وهناك عملية إعادة اعتبار للأحزاب. نحن اليوم في العالم العربي، لبنان نموذجاً، نواجه طاعوناً هو المنظمات غير الحكومية، لا أريد أن أعمّم، لأن هناك جمعيات ومؤسّسات تعمل عملاً نظيفاً وشجاعاً وبجهد من أفرادها، ولكن بشكل عام هذا اختراق للمجتمع واستغلال للخواء بغياب الأحزاب والتيارات والقوى التي لها شرعية، التي تعمل في الواقع ولديها مشروع ورؤية وخطاب سياسي وممكن أن تتدخّل بهذا الواقع. أتوا بأمور اصطناعية، فاستقطبت الشباب، الشباب يريدون العمل.

 

وفا سرايا: غرف استخبارات تحرّك هذه المجموعات؟

 

بيار أبي صعب: التمويل أحياناً فوضوي، أحياناً، لا نريد أن نعمّم أو نلقي بنظرية المؤامرة، ولكن النتيجة استقطاب لهؤلاء الشباب المتعطّشين لتغيير الواقع وأخذهم إلى أماكن تدجّنهم، سنحوّلهم إلى شهود زور على الاستغلال الغربيّ للعالم العربي.

 

وفا سرايا: ذكرنا، يمكن القول أداتين أساسّيتين، الإعلام والأحزاب.

 

بيار أبي صعب: صحيح، القوى السياسية بشكل عام.

 

وفا سرايا: اليوم الإعلام العربي، يمكن أن ننطلق من الميادين، تحاول إن كان بالبرامج، بنشراتها، حتى إن كان توك شو سياسي، إلقاء بجانب منه على تعميق المنهج الثقافي أو إلغاء هذه الهيمنة الثقافية الغربية. كان لديك تجربة بالميادين، إسمح لي من هذه الزاوية أن أدخل إلى هذا الموضوع، تجربة الوثائقي أدونيس.

ما الذي غيّره برأيك هذا الوثائقي خصوصاً من فكر بأنه كانت هذه المواد تقدّم فقط لأصحاب النُخَب، الصالونات الضيّقة؟

هل كسر هذا القيد أو هذا المفهوم وثائقي أدونيس وتجربتك أستاذ بيار؟

 

بيار أبي صعب: إسمحي لي أن أشكرك بكثير صدق لأنك طرحتِ هذا المثل، أنا كنت أتحرّج أن أعطيه، ولكن هذا المثل النموذجي، كيف يمكن وسائل الإعلام أن تلعب دوراً بفتح الفضاء الثقافي، بمعزل أنه كان لي الشرف، أعطتني الميادين شرف أن ألعب هذا الدور وأواجه هذه القامة العملاقة التي هي أدونيس، المثقف الإشكالي الذي حرّك وربّى أجيالاً، بمعزل عن دوري فيها.

 

وفا سرايا: المثقّف الجدَلي، حتى يثير الجدَل.

 

بيار أبي صعب: طبعاً وهناك انطباع أنه صعب، مفكّر صعب وإلى آخره، هو مفكّر جاد عمل على التراث وعجنَ عجينة الفكر العربي الإسلامي ووضعها على محكّ النقد. وأعتقد أن الذي استطعنا القيام به بنسبة معينة بحسب الأصداء التي وصلتنا والنقاشات الكثيرة التي أعقبت بثّ الحلقات، هو أنها فتحت، جعلت من الثقافة، وهذا حلمنا، الخبز اليومي للناس. هناك الجامعي أو المثقّف أو الكاتب الذي يشاهد وهناك المواطن العادي الذي استمع إلى أدونيس يقول حقائق لها علاقة بحياته اليومية البسيطة، أي الخبز والرغيف والفكر والكتاب المقدّس والدين إلى آخره.

 

وفا سرايا: عاد ليقرأ أدونيس، ربما الذي لا يعرفه عاد ليقرأه بشكل معرفة جديدة أو من يعرفه عاد ليدخل بتفاصيل ما ذكره.

 

بيار أبي صعب: صحيح، وأنا أشعر بالاعتزاز وفعلاً بالامتنان لمحطّة الميادين، تركت فرصة أن أقولها فيجب أن أقولها لأن هذه ليست يومياً.

 

وفا سرايا: هل يمكن أن تتكرّر هذه التجربة، أن تصبح نموذجاً يمكن القول؟

 

بيار أبي صعب: بمحطات أخرى صعب، لأن ما يحرّكها هو إما الأجندة السياسية المباشرة أو الربح السريع، وهذا أمر مؤسف، ولكن في محطّات كالميادين وهي قليلة جداً في العالم العربي، ممكن وضروري، وطبعاً هناك جيل من المثقّفين والمثقّفات والمُبدعين والمُبدعات الذي يصل للمرحلة الأخيرة من حياته، فهذا وقت استلحاقهم وفتح نقاش معهم. نعم، ليس يومياً، أيضاً للأمانة، يمكنك إيجاد قامة كبرى مثل أدونيس، ولكن هناك كثير من الأسماء تستحق أن يُعاد تسليط الضوء عليها، وأن تُشرَك في نقاش عن الراهن والأسئلة الكبرى الوطنية والاجتماعية والفكرية والدينية التي تواجه المواطن العربي اليوم.

 

وفا سرايا: وهذا ربما أهمية تسليط الضوء على هكذا شخصيات بظلّ ما نعيشه اليوم من أزمات فكرية، ما تحدّثنا عنه، والتطرّف الواضح وكيف استخدمت هذه التنظيمات وسائل الإعلام.

للأسف، بسؤال أخير قبل أن ننتقل إلى موضوع إسرائيل والتطبيع حتى الثقافي والأكاديمي وحتى الإعلامي، بما يتعلق بقضية النخب ووسائل الإعلام الاجتماعي التي استخدمها في المقابل داعش والنصرة أو هذه التنظيمات الإرهابية، هل كانت  هي المسرح أو المنبر وانتقلت في ما بعد إلى وسائل الإعلام التقليدية، أم وُرّدت من وسائل الإعلام التقليدية إلى مواقع التواصل؟

 

بيار أبي صعب: أعتقد العلاقة جدلية بالاتجاهين، لكن دعيني أقول أمراً عن داعش، داعش لم تمطر من السماء. هذا المسخ، هذا الوحش هو جزء منا، هو الجانب القاتم  لمجتمعاتنا العربية الإسلامية اليائسة، عندما تيأسين تتّجهين للانتحار والتطرّف، وبالتالي انا أعتقد أنه جاء الاستعمار ووظّف ووضع الأموال بأهداف واضحة، بأهداف استعمارية لتقسيم مجتمعاتنا وتدميرها وضرب المقاومة قبل كل شيء، ولكن استعملوا التكنولوجيا بذكاء غربي. فكرهم المتخلّف القروسطي الرجعي الذي يريد أن يدمّر مجتمعاتنا كان في خدمته تكنولوجيا مهمة جداً.

 

وفا سرايا: الحداثة بخدمة التخلّف، أي الآلات الحديثة بخدمة التخلّف الفكري.

 

بيار أبي صعب: وهذا أمر فظيع، التكنولوجيا أحياناً تخدم الهمجية، معروف بالنقاشات منذ القرن التاسع عشر، التكنولوجيا تحتاج إلى جانبها أخلاق حتى يبقى توازن ولا تتحوّل إلى مسخ تكنولوجي، فالسؤال الذي توردينه، نعم الإعلام كان جزء منه شاهد زور كما ذكرنا لأسباب لها علاقة، إما هؤلاء الأفراد يئسوا وبشكل من أشكال الانتحار، يأس سياسي من تجربتهم، فذهبوا وروجوا للتطرف، أتحدّث عن المثقّفين والإعلاميين أو شراء ذمم مليارات ضخّت من أجل أنسَنة، كما نحاول أنسَنة إسرائيل التي سنتحدّث عنها، هناك هذا المشروع، أنسَنة هذا المسخ التكفيري بصفته بديلاً وتعبيراً عن ثورة الشعوب العربية. هناك مثقّفون في الغرب كتبوا كتباً أن هذه الثورات في سوريا تحديداً، هي انتقام الشعوب من الاستبداد وليس عودة إلى القرون الوسطى من جديد كما هو الواقع.

 

وفا سرايا: حتى زرعوا حتى الذّعر، الرهبة، الخوف التي دفعت بكثير إلى استوهام بحجم هؤلاء وهذه الظاهرة الإرهابية.

 

بيار أبي صعب: صحيح.

 

وفا سرايا: قبل أن نكمل الحديث تحديداً عن التطبيع مع إسرائيل وخصوصاً التطبيع الثقافي أو الفني والأكاديمي والإعلامي، سنبقى مع هذا المقال من صحيفة الحياة تحت عنوان عصابة إسرائيل تدافع عن جرائمها.

 

الحياة: عصابة إسرائيل تدافع عن جرائمها، جهاد الخازن

عصابة إسرائيل في الميديا الأميركية تنشط في الدفاع عن دولة الجريمة، إلا أن الدفاع يرتّد عليها فهو محاولة لتحويل الأنظار عن جرائم ضد أطفال فلسطين وأهلها كلهم، أصحاب الأرض الفلسطينية وحدهم.

هم إذا لم ينتصروا لإسرائيل ولم يهاجموا الفلسطينيين، يركّزون بين حينٍ وآخر على أنصار الفلسطينيين وعلى أيّ طرف يسجّل جرائم إسرائيل ضدهم.

قرأت مقالاً عنوانه "حرب إيرلندا على إسرائيل" يتحدّث عن قرار أصدره مجلس الشيوخ الإيرلندي يمنع التعامل التجاري مع اليهود المحتلين في الضفة الغربية. القانون حمل عنوان "قانون السيطرة على النشاط الاقتصادي (في الأراضي المحتلة) لعام 2018"، ويمنع الاستيراد من المستوطنين في الضفة وقبول خدمات أو موارد طبيعية من المستوطنات غير الشرعية.

هم دانوا أيضاً السيناتور كوري بوكر، وهو ديمقراطي من نيوجيرسي، لأنه ظهر مع جماعة تنتصر للفلسطينيين من أنصار جماعات "مقاطعة وسحب استثمارات وعقوبات" ضد إسرائيل.

العصابة تزعم أن بوكر يعدّ نفسه للترشّح للرئاسة عام 2020. هو قال إن القضية الفلسطينية قضية عادلة فثار عليه أنصار الاحتلال الإسرائيلي.

 

وفا سرايا: أستاذ بيار، العدو الإسرائيلي انتبه لدور الإعلام منذ تيودور هرتزل الذي أسّس إلى فكر هذه الدولة.

إلى أي مدى اليوم يستفيد العدو من الاختلاف بالتوجّه الإعلامي العربي تجاه قضية الصراع مع إسرائيل؟

 

بيار أبي صعب: طبعاً، العدو يستفيد من عجزنا، من ضعفنا، من عدم جهوزيتنا لمواجهة التحدّي الإعلامي الكبير، المهني الكبير، ولكن أساساً، مشكلة العدو الإسرائيلي، والأستاذ جهاد الخازن يمكن أن يُنتقَد في أمور كثيرة، ولكنه من أكثر العارفين والراصدين للوبيّات الصهيونية في الولايات المتحدة الأميركية، كتب كتاباً عن الصهيونية المسيحية حتى، مهم جداً، وما يقوله صحيح جداً. إسرائيل، اللوبي الإسرائيلي في الغرب كله، أميركا هي نموذج ولكن أوروبا نموذج آخر، تحاول أن تستحوذ على الإعلام باسم جرائم ارتكبتها النازية بحقها. فكرة عقدة الذنب الكبرى والشرعية في الغرب تجاه اليهود بفترة من فترات الحرب العالمية الثانية، نحن ليس لدينا علاقة كعرب ومسلمين.

 

وفا سرايا: نحن ندفع الثمن فقط.

 

بيار أبي صعب: نحن ندفع الثمن مزدوجاً، وبالتالي نعم، تستغل هذه عقدة الذنب لاختراق الإعلام ولمحاولة كتابة رواية كاذبة عن قضية فلسطين وعن كل الصراعات في المنطقة. بهذا المعنى إسرائيل دائماً بالعسكر والإعلام نفس الأمر، كلما تنتصر إسرائيل نحن المسؤولون، عجزنا هو المسؤول، وحين لم نكن عاجزين، المقاومة الإسلامية في لبنان نموذجاً، كسرنا الهيمنة الإسرائيلية وأسطورة الهيمنة الإسرائيلية.

بالإعلام نفس الموضوع، إن كنا أقوياء بما يكفي، ممكن أن نتغلّب على هذا الأمر، اليوم نحن ضعفاء بوجه إسرائيل للأسف.

 

وفا سرايا: للأسف، بإحدى مقالاتك بالعام الماضي أستاذ بيار، أتحدّث إن كان لبنانيا أو عربياً، قلت أيها السادة إسرائيل ليست وجهة نظر.

اسمح لي بمقتطف من مقالك. في هذا الربيع الكاذب والبغيض الذي بدلاً من أن يحمل لنا العدالة والتقدّم والحرية زعزع الثوابت، أضاع المعايير، نسف المسلّمات ومات بالانتماء وفتّت الهوية.

اليوم ينظر البعض إلى المقاطعة الفنية أو حتى الأكاديمية والإعلامية بأنها رمزية بعصرنا هذا؟

 

بيار أبي صعب: ليس فقط غير رمزية، هي اليوم ستكون عنوان الصراع بالعشر سنوات المقبلة. قلت لك أمام قناعة العدو الإسرائيلي أنه لن يربح حرباً عسكرية بعد اليوم، سيعمل على أن يربح حرباً من خلال كيّ الوعي، من خلال استيلاب الوعي العربي خصوصاً عند الشباب المتعب من الأيديولوجيا، المتعب من الشعارات الفارغة، المتعب من السلطة المهيمنة، فيريد أي شيء.

 

وفا سرايا: كمتنفّس.

 

بيار أبي صعب: ككل جيل يريد أن يتمرّد، للأسف يتّجه تمرّده نحو وهم حرية، النموذج الغربي يصدره له والجمعيات والمنظمات غير الحكومية كما ذكرنا، كي يقع في فخ أنسنة إسرائيل وبالتالي، لا، كارثة الربيع العربي أنّ البيت العربي كان بيتاً قديماً بحاجة إلى ترميم متصدّع، جاء هذا الزلزال وزعزعه وفتح ثقوباً في الجدران تسلّلت من خلاله إسرائيل إلى وعي الجيل الجديد.

اليوم معركتنا هي محاولة التفكير الدائم بأنّ إسرائيل هي القاتل، ليست الجار، ليست وجهة نظر. نحن بمواجهة السنيمائي زياد الدويري، ما الذي قاله بكل سذاجة؟

 

وفا سرايا: استديو محايد، تل أبيب.

 

بيار أبي صعب: قال أنا فنان لا تحاسبوني على السياسة. الفن هو في قلب السياسة والفن هو ضمير الجماعة وضمير الشعوب. ذهب وأقام عشرة أشهر في إسرائيل، قال لك لا تحاسبيني، وبالتالي من دافع عنه ماذا قالوا؟ قالوا أنتم ضد الحرية وتحاولون تقييد المجتمع ومتخلّفون.

 

وفا سرايا: تقيّدون الإبداع حتى.

 

بيار أبي صعب: كأنّ الإبداع أن أشهد بالزور، أن أقول لقاتلي مغفورة لك خطاياك.

 

وفا سرايا: لماذا أستاذ بيار ذهبنا إلى مخرجين، فنانين، على مواقع التواصل الاجتماعي، ذهبوا للدفاع إن كان عن زياد الدويري، أو حتى فيلم بطلته إسرائيلية، على ما أعتقد المرأة الخارقة، الدفاع عنهم، ونخب ولا نتحدّث عن أشخاص حتى ليس لديهم الأفكار والأبعاد التي تنوي؟

 

بيار أبي صعب: النخب تضلّل مثل الشعوب، أنظري، أنا رأيي أن أكثرية هؤلاء الشباب والشابات والمبدعين الذين وقعوا في الفخّ صادقون، ونوايهم صافية، وهذه المشكلة أننا نحن لم ننجح في أن نخاطبهم ونلفت نظرهم.

هناك كل آلات التدجين والإغراءات المادية والمنظمّات غير الحكومية التي خلال 10 و15 عاماً فعلت فعلها بكيّ الوعي ومحاولة خلق لغة أخرى ومقاربة أخرى مضلِّلة، وفي النهاية كل هؤلاء لهم دور أساسي، ولكن المشتبه فيهم قلّة. أنا ضد نظرية المؤامرة. من يقبضون أموالاً ويرتشون لتضليل الرأي العام قلّة. النخب تتجه إلى مكان خطأ ونحن علينا أن نخوض الحرب لإعادتها، لا يمكنك تخوين كل النخب والسينمائيين وأن تقولي لهم كلكم عملاء. لا، هناك مضلّلون.

 

وفا سرايا: انا سأخيّرك بين مقولتين، هل لا زال المثقّف يشكل جسراً تنتقل من خلاله الإنسانية من ضفة الجهل إلى ضفة النور كما حدث تحت لواء النهضة الأوروبية في القرن السادس عشر، أم أن المثقفين هم الفئة المأمورة ضمن الطبقة الآمرة كما يقول بيير بورديو؟

 

بيار أبي صعب: بيير بورديو معه حق لأنه يتحدّث عن المثقّف كعميل للسلطة، كمهرّج للسلطة، يحاول أن يشهد بالزور للسلطة، ولكن أنا أتمسّك بالرؤية الأولى، أعتقد أن المثقّف سيبقى هذا الجسر الذي تحدّث عنه خليل حاوي، أضلعي امتدت له جسراً وطيداً.

نحن بالنسبة لنا يجب أن نبقى هذا الجسر الذي ينقل الإنسانية إلى عالم أفضل وينقل شعوبنا إلى الحرية والعدالة.

 

وفا سرايا: أنا هذا ما وددتُ سماعه لأنه انتهى الوقت، ولكن أصرّيت على طرح السؤال لسماع هذه النافذة المُضيئة التي يمكن أن نقول، أن تنقلنا من ضفة الجهل إلى ضفة النور.

شكراً جزيلاً أستاذ بيار أبي صعب نائب رئيس تحرير صحيفة الأخبار، والشكر الأكبر لكم مشاهدينا الأكارم على طيب المتابعة لحلقة اليوم من حوار الساعة. في أمان الله.