فقه المقاصد والواقع المعاصر

حياكم الله و بياكم وجعل الجنة مثواكم، واحدة من أهم المدلهمات التي حاقت بمسيرة الفكر الإسلامي وحركة الإستنباط والإجتهاد وأخرجت الرؤية الإسلامية من الدائرة الإنسانية إلى الدائرة المذهبية والقطرية والجهوية الضيقة إهمال فقه المقاصد الشرعية وعدم إكتشاف الأبعاد الكلية لدين الله, فغصنا في الفروع وتركنا الكليات وإشتغلنا بالبيزنطيات وجدلها وتركنا روح الشريعة التي أرادنا الله أن نسبر أغوراها لتصبح مقياسا لحركة التصور والإستنباط وصناعة الرؤية الواقعية... وكان الشاطبي صادقا ودقيقا عندما قال الفقه بلا مقاصد فقه بلا روح والفقيه بلا مقاصد فقيه بلا روح ان لم نقل انه ليس بفقيه والمتدين بلا مقاصد متدين بلا روح, والدعاة الى الاسلام بلا مقاصد دعاة بلا روح ومن هنا تبرز حاجة المجتهد والمسلم العادي الى معرفة مقاصد الشريعة, فالبنسبة للفقيه المجتهد فيكفي ان نشير الى ان الفقه حتى في اصله اللغوي لايتحقق الا بمعرفة حقائق الاشياء والنفوذ الى دقائقها واسرارها وبالتالي فليس الفقه حقيقة سوى العلم بمقاصد التشريع واسراره ويذهب محمد طاهر بن عاشور صاحب كتاب مقاصد الشريعة الإسلامية إلى القول بأن طريق المصالح هو أوسع طريق يسلكه الفقيه في تدبير أمور الأمة عند نوازلها ونوائبها إذا التبست عليه المسالك، وأنه إن لم يتبع هذا المسلكَ الواضح والمحجةَ البيضاءَ فقد عطَّل الإسلام عن أن يكون دينًا عامًا وباقيًا.

 

يحيى أبو زكريا: حياكم الله وبياكم وجعل الجنة مثواكم.

واحدةٌ من أهمّ المُدلهمّات التي حاقت بمسيرة الفكر الإسلامي وحركة الاستنباط والاجتهاد، وأخرجت الرؤية الإسلامية من الدائرة الإنسانية إلى الدائرة المذهبية والقُطرية والجهوية الضيقة، إهمال فقه المقاصد الشرعية وعدم اكتشاف الأبعاد الكلية لدين الله. فغصنا في الفروع وتركنا الكليات واشتغلنا بالبيزنطيات وجدلها وتركنا روح الشريعة التي أرادنا الله أن نسبر أغوارها لتصبح مقياساً لحركة التصور والاستنباط وصناعة الرؤية الواقعية.

وكان الشاطبي صادقاً ودقيقاً عندما قال، الفقه بلا مقاصد فقهٌ بلا روح، والفقيه فعلاً بلا مقاصد فقيهٌ بلا روح، إن لم نقل أنه ليس بفقيه، والمتديّن بلا مقاصد متديّنٌ بلا روح، والدعاة إلى الإسلام بلا مقاصد دعاةٌ بلا روح أيضاً.

ومن هنا تبرز حاجة المجتهد والمسلم العادي إلى معرفة مقاصد الشريعة الإسلامية. فبالنسبة للفقيه المجتهد، يكفي أن نشير إلى أنّ الفقه حتى في أصله اللغويّ لا يتحقّق إلا بمعرفة حقائق الأشياء والنفوذ إلى دقائقها وأسرارها، وبالتالي فليس الفقه حقيقةً سوى العِلم بمقاصد التشريع وأسراره.

ويذهب محمّد طاهر بن عاشور صاحب كتاب "مقاصد الشريعة الإسلامية" إلى القول بأنّ طريق المصالح هو أوسع طريقٍ يسلكه الفقيه في تدبير أمور الأمّة عند نوازلها ونوائبها إذا التبست عليه المسالك، وأنّه إن لم يتّبع هذا المسلك الواضح والمحجّة البيضاء، فقد عطّل الإسلام عن أن يكون ديناً عاماً وباقياً. وحسب ابن عاشور، فإنّ غلق باب الاجتهاد وتحجير النظر حطّ من قيمة عِلم الأصول عند طالبيه فأودع في زوايا الإهمال وأصبح كلمات تقال، وبذلك قلّ تدريسه.

وحاول إبن عاشور في كل كتبه اكتشاف رياضيّات الإسلام ومعادلات الإسلام الكبرى لينطلق منها نحو صناعة الرؤية الواقعية الثاقبة. فمن كتابه "تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد"، ومن تفسير الكتاب المجيد المعروف بالتحرير والتنوير من تفسير القرآن، إلى كتاب مقاصد الشريعة الإسلامية، التوضيح والتصحيح، حاشي على التنقيح للقرافي في أصول الفقه، أليس الصبح بقريب، التعليم العربي في العالم العربي والإسلامي تاريخية وآراء إصلاحية وكشف المغطى من المعاني والألفاظ وكتاب الإسلام وأصول الحكم أو نقد كتاب "الإسلام وأصول الحكم" لعلي عبد الرازق والنظر الفسيح عند مضاء الأنظار في الجامع الصحيح أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، سلسلة بن عاشور هذه تكرس فقه المقاصد وهي جديرة بإعادة النظر والإحياء.

فقه المقاصد والواقع المعاصر عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش من لبنان الحبيب المفكر الإسلامي الدكتور حسن جابر، ومن تونس الحبيبة الشيخ صلاح الدين المستاوي الأستاذ المحاضر بالمعهد العالي لأصول الدين في الزيتونة.

مشاهدينا مرحباً بكم جميعاً.

دكتور حسن، هذا العِلم الرائع الدقيق، المقاصد، عِلم المقاصد الشرعية، كتب فيه قلّة، هو ليس منتشراً بأتم معنى الكلمة.

هل وضعه يتم بطريقة عقلائية أو شرعية؟ كيف نصيغ ماهية المقاصد أو عِلم المقاصد الشرعية؟

 

حسن جابر: بسم الله الرحمن الرحيم. في البداية أشكركم على الاستضافة وأشكركم على اختيار العنوان وعلى اختيار شيخ الإسلام الطاهر بن عاشور كموضوع لهذه الحلقة، وهي التفاتة جميلة منك.

 

يحيى أبو زكريا: وهو يستحق.

 

حسن جابر: وهو يستحق فعلاً لأنه، في سياق الإجابة على السؤال، هو أول من كتب في مقاصد الشريعة بعد الشاطبي. كتاب الشاطبي الذي لا شك أنّه كتاب دقيق، وقياساً على النتاج العلمي في عصره كان كتاباً مميّزاً، لا بل يعتبر المقاصد في ما عالجه الشاطبي هو فتح على مستوى المنهج، منهج التفكير، لكن عِلم الكلام دخل على طريق البحث العلمي وعطّل المقاصد، ودخل الناس في نقاش هل أن لله مقصداً أم ليس مقصداً، الله يفعل ما يشاء وبالتالي ما معنى أن يكون له مقاصد، ولذلك أنكروا أن يكون لله مقاصد، فتوقف العِلم لمدة خمسة قرون، إلى أن جاء الطاهر بن عاشور وألّف كتابه مقاصد الشريعة الإسلامية.

 

يحيى أبو زكريا: لكن في خضم هذه الخمسة قرون أما انتشرت البيزنطيات والضياع والذهاب في غير اتجاه، إلى التيه؟

 

حسن جابر: طبعاً إلى التيه، وأنت تعرف أن الخمسة قرون هي كانت مضطربة على المستوى السياسي، عهد المماليك والعثمانيين والصراعات وتدخّل الغرب وإلى آخره، لأن تدخّل الغرب بدأ حتى قبل غزو نابوليون بونابارت لمصر.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

حسن جابر: لذلك هذه المدّة الطويلة التي توقّف فيها، فوقف إلى حد بات مجهولاً، ككتاب لم يتمّ كشفه إلا في القرن الماضي، كتاب مقاصد الشريعة للشاطبي، وسبحان الله الشاطبي هو مغربيّ، وجاء الطاهر بن عاشور ليجدّد هذه المسيرة، وهي مسيرة مباركة، برأيي أن هذا العِلم هو عِلم مفتوح.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

حسن جابر: هو ليس مغلقاً، ومن يقرأ أو يحاول أن يقارب موضوع المقاصد باعتباره عِلماً بُتّ وحُسِم، وأنّ الشاطبي أو طاهر بن عاشور أو أي واحد.

 

يحيى أبو زكريا: عدنان الفاسي؟

 

حسن جابر: عدنان الفاسي هو كان معاصراً لطاهر بن عاشور، أي واحد يعتقد، يزعم أن هذا العِلم يمكن أن يوصَد هو واهم، هو علمٌ مفتوح، ولذلك كلما ابتكر العقل الإسلامي، عقل المسلمين، منهجاً للقراءة، منهجاً جديداً، سيفضي هذا المنهج إلى نتائج جديدة، وبالتالي المسألة مسألة منهج.

ولذلك حتى لا نستبق الأمور، الشاطبي استخدم الاستقراء كمنهج في المعاملات تحديداً للحصول على الضروريات الخمس، هو منهج كانت قاعدته التي استند إليها في عملية الإستقراء هي الفقه. الكنز الذي نهل منه الشاطبي وحتى الطاهر بن عاشور هو الفقه، والسؤال، هل الفقه وحده يصلح لأن يكون مصدراً لمعرفة المقاصد الكلية للشرع، هو سؤال وجيه ودقيق.

 

يحيى أبو زكريا: أحسنت. أرجو أن تبقى معي دكتور حسن.

شيخ صلاح، استمعت إلى هذه التوطئة العلمية الرائعة التي تبيّن حاجة الإنسان المسلم المعاصر اليوم لمقاصد الشريعة وفهم مقاصد الشريعة. عندما يقال إن الله تعالى أوجد مقاصد، طبعاً هو لا يحتاج إلى إرشادات وتوجيهات، إنما هذه المقاصد للإنسان المعاصر حتى يتحرّك على بيّنةٍ وهدى.

ما الذي فعله محمّد طاهر بن عاشور في سياق الدراسات الإسلامية الفقهية، في الأصول؟ وهل شكّل نقلة نوعية في عالم تطوير الأحكام الشرعية وجرّها نحو الأنسنة إن صحّ التعبير؟

 

صلاح الدين المستاوي: بسم الله الرحمن الرحيم وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً كثيراً. رب إشرح لي صدري ويسّر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقه قولي.

شكراً جزيلاً على الاستضافة، وشكراً جزيلاً على اختيار الموضوع، موضوع المقاصد، وما فيه من تحية لشيخ الإسلام، الشيخ الإمام محمّد الطاهر بن عاشور رحمه الله. اليوم يمر قرابة نصف قرن، 45 سنة على وفاة هذا العلامة الجليل، هذا المفخرة للغرب الإسلامي في العصر الحديث، سماحة شيخنا محمّد الطاهر بن عاشور.

بارك الله فيكم على هذه اللفتة، وشكراً جزيلاً على حُسن اختيار هذا الموضوع الذي كان فيه الشيخ طاهر بن عاشور سبّاقاً في العصر الحديث، عندما ألّف هذا الكتاب، مقاصد الشريعة الإسلامية، وهذه هي طبعته الأولى، طبعته الأولى صدرت عن مكتبة الاستقامة سنة 1946 والكتاب هذا مقرّر للسنة الأولى في العلوم الشرعية من التعليم العالي لجامع الزيتونة.

يأتي هذا الكتاب "مقاصد الشريعة" استجابة لنداء توجّه به مَن عاصره، سماحة العلاّمة الشيخ جعيد، محمّد بن عزيز جعيد، قبل عشر سنوات من صدور كتاب المقاصد، في مقالٍ كتبه في المجلة الزيتونية، يقول فيه الشيخ جعيد معبّراً عن هذا الفراغ الذي شعر به وشعر به أمثاله من غياب المقاصد في حياة المسلمين وفي حياة الفقهاء بالخصوص وفي التشريع لعدّة قرون، أفقد الإسلام كما تفضّلت في مقدّمتك العميقة، البعيدة المدى، الروح، روح هذا الدين وجمال هذا الدين وكمال هذا الدين، ومقاصده التي تجعل من هذا الدين عند الله، الدين عند الله، وتجعل من أمّته خير أمّة أُخرجت للناس.

نعود للشيخ جعيد، يقول ذلك أني لم أعثر في هذه الثروة العلمية، مع غزارة مادتها وكثرة أنواعها ووفرة عددها، على ديوانٍ جامعٍ جديرٍ باستحقاق هذا اللقب يجمع في مطاويه شمل المقاصد الشرعية ويفصح عن أسرار التشريع، وإنما توجد هذه المقاصد في بطون الدواوين الفقهية وكتب عِلم الخلاف إلى آخر ما يقول حتى لا أطيل، كان جواب سماحة الشيخ الطاهر بن عاشور رحمة الله عليه عملياً، وجاء ذلك بكتاب المقاصد الذي تمنّاه الشيخ جعيد، ليكون مقاصد الشريعة مرجعاً بين المُتفقهين في الدين عند اختلاف الأنظار وتبدّل الأعصار وتوصلاً إلى إقلال الاختلاف بين فقهاء الأمصار ودربة لاتباعه على الإنصاف في ترجيح بعض الأقوال على بعض، عند تطاير شرر الخلاف حتى يستتب بذلك ما أردنا غير مرة من نبذ التعصّب وألفينا إليه.

إذاً واضح استجابة الشيخ الطاهر بن عاشور لنداء العالم الجليل سيّدي الشيخ جعيد، كان جواباً عملياً من خلال هذا الكتاب، كتاب "المقاصد"، الذي جعل له غاية. أولاً نلاحظ أن الهدف الذي من أجله وهو بعيد، عميق المدى، الذي دفع الشيخ طاهر بن عاشور ليؤلّف هذا الكتاب الجليل. قال أولاً أردت من هذا الكتاب أو من إحياء عِلم المقاصد كسر طوْق المذاهب الفقهية وفتح باب الاجتهاد على أساس الأخذ بعِلم المقاصد الشرعيّة، وهو أوسع طريقٍ يسلكه الفقيه في تدبير أمور الأمّة عند نوازلها ونوائبها، إذ التبست عليه المسالك. الثاني إقلال الاختلاف بين فقهاء الأمصار.

إذاً نلاحظ أخ يحيى أن للشيخ طاهر بن عاشور رؤية وغاية يريد الوصول منها، فهي أشبه إذا كان الإمام الغزالي، وهو ممّن سبقوا في التأليف من دون أن يكون ذلك في كتابٍ مستقلّ يحمل اسم مقاصد الشريعة أو قواعد الأحكام كما هي الحال بالنسبة للمعز بن عبد السلام أو الموافقات مثلما هو بالنسبة للشاطبي، فإن الإمام الجويني والإمام الغزالي وغيرهما من أئمة وعلماء المسلمين تطرّقوا أجمعهم وأغلبهم إلى هذا العِلم الجليل، عِلم مقاصد الشريعة.

فالشيخ طاهر بن عاشور في هذا الكتاب كأنما يشبه الغزالي في إحياء هذا العِلم، إذا كان للغزالي إحياء علوم الدين فإننا يحق لنا أن نقول إن الشيخ الطاهر بن عاشور هو مُحيي مقاصد الشريعة في هذا العصر الحديث. نعم، هنالك من سار على دربه ممن كان في زمنه مثل علاء الفاسي بشيء من التوسّع وبشيء من التبسيط وبشيء من النظر في ما استجد في حياة الناس والمجتمعات البشرية من مواثيق لحقوق الإنسان وكرامة الإنسان، حاول علاء الفاسي أن يسلّط عليها الأضواء ويأتي لها بما يقابلها في الفقه الإسلامي من شرعيّةٍ لها وتطبيقات عملية، فإنّ شيخنا الشيخ طاهر بن عاشور رحمه الله يُعتبَر المنظّر لهذا العِلم في العصر الحديث.

جملة القول، يقول الشيخ طاهر بن عاشور أنّ لنا اليقين بأن أحكام الشريعة كلها مشتملة على مقاصد الشارع وهي حكم ومصالح ومنافع.

أما قولك أخ يحيى في بداية حديثك من سؤالك، هل أنّ المقاصد نجدها في الفقه، وهل أن الله تبارك وتعالى يحتاج إلى أن يبيّن المقاصد شرعاً، فإنّ الحَكَم الذي نلوذ به ونعود إليه هو الكتاب العزيز، القرآن الكريم، ونجد في القرآن الكريم ليس فقط ما استخرجه واستنبطه الفقهاء والعلماء من كليات خمس معروفة لدى الخاص والعام، ويمكن أن يضاف إليها حفظ الدين، حفظ العقل، حفظ النفس، حفظ النسب وحفظ المال، فإنّ ما استنبطه الفقهاء استندوا فيه إلى آيات قرآنية ونصوص محكمة تدل على تجذّر هذا العِلم، وأن الله تبارك وتعالى لم يخلق هذا العالم عبثاً، وأن لكل شيء غاية رغم أنه لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون، وهو القائل وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين، ما خلقناهما إلا بالحق أفحسبتم، إنما خلقناكم عبثاً، إلى غير ذلك من الآيات.

 

يحيى أبو زكريا: أرجو أن تبقى معي شيخ صلاح الدين، وسوف أعود إليك بُعيد الفاصل مباشرةً.

مشاهدينا فاصلٌ قصير، ثمّ نعود إليكم، فابقوا معنا.

 

كتاب "مقاصد الشريعة الإسلامية" لمحمّد الطاهر بن عاشور:

يُعَدّ هذا الكتاب من أشهر كتب ابن عاشور. كان تأليفه استجابة للأمنية التي أعرب عنها الشيخ محمّد العزيز جعيد المفتي المالكي يوم كتب في المجلة الزيتونية أنه لم يعثر في تلك الثورة العلمية المهولة على كتابٍ جامع يجمع في مطاويه شمل المقاصد الشرعية ويفصح عن أسرار التشريع.

فكان هدف إبن عاشور من تصنيفه كما قال، ليكون مرجعاً بين المُتفقّهين في الدين عند اختلاف الأنظار وتبدّل الأعصار وتوسّلاً لإقلال الاختلاف بين فقهاء الأمصار ودرية لأتباعهم على الإنصاف في ترجيح بعض الأقوال على بعض عند تطاير شرر الخلاف حتى يستتبّ بذلك ما أردنا من نبذ التعصّب والفيئة إلى الحق.

والذي دعاه إلى صرف الهمة إليه هو ما رأى من عسر الاحتجاج بين المختلفين في مسائل الشريعة، إذ كانوا لا ينتهون في حجاجهم إلى أدلّة ضرورية أو قريبة منها يذعن لها المكابر ويهتدي بها المشبه عليه كما ينتهي أهل العلوم العقلية في حجاجهم المنطقي والفلسفي إلى الأدلّة الضرورية والمشاهدات والأصول الموضوعة، فينقطع بين الجميع الحجاج، ويرتفع من أهل الجدل ما هم فيه من لجاج.

وقد قسّم المؤلف كتابه إلى ثلاثة أقسام، فجعل القسم الأول في إثبات أنّ للشريعة مقاصد من التشريع، عالج فيها القواعد المعرّفة لهذا العِلم، وجعل القسم الثاني في مقاصد التشريع العامة، أي في المعاني والحِكَم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها.

أما القسم الثالث في مقاصد التشريع الخاصة بأنواع المعاملات، فبحث في توجّه الأحكام إلى مرتبتين: مقاصد ووسائل، وبيّن أنّ مقصد الشريعة في المعاملات هو تعيين أنواع الحقوق لأنواع مستحقيها.

وكان إبن عاشور يرى أن الفقيه المجتهد يحتاج إلى معرفة مقاصد الشريعة التي تفرض معرفةً مهمّةً بآليات الاجتهاد. اهتمّ ابن عاشور بمقاصد الشريعة اهتماماً بالغاً، ويُعَدّ أهم من لفت النظر إليها في التاريخ المعاصر من خلال كتابيه "أصول النظام الاجتماعي في الإسلام" الذي خصّصه لمقاصد أحكام العبادات، و"مقاصد الشريعة الإسلامية" الذي خصّصه لمقاصد أحكام المعاملات والآداب، ويُعتبَر نموذجاً للدراسات المركزة في هذا المجال بما تضمّنه من خطة متناسقة أفصحت عن مدى قدرة المؤلف في التصوّر العام على مظاهر التجديد وتجاوز التأليف في موضوع المقاصد إلى إقتراح تناوله كعِلم مستقل من علوم الشريعة.

 

 

المحور الثاني

 

كتاب "مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها" لعلال الفاسي:

قدّم علال الفاسي لكتابه بتقديمٍ موجز أبرز فيه أسباب إقباله على الكتابة في موضوع المقاصد التي أجملها في كون الذين تعاقبوا على الكتابة في المقاصد الشرعيّة لم يتجاوزوا الحدّ الذي وقف عنده الشاطبي، أو لم يبلغوا ما إليه قصد، وأن بعضهم خرج عن الموضوع إلى محاولة تعليل كل جزء من أجزاء الفقه أخذاً للمقاصد بمعناها الحرفي.

ويرى علال الفاسي أنّ المراد بمقاصد الشريعة الغاية منها والأسرار التي وضعها الشرع عند كل حكم من أحكامها. وتطرّق بعد ذلك إلى مسألة التعليل فذكر مجموعة من الآيات التي توضح بجلاء أمر التعليل، ثم قال، ولا يضرّ التنزيه الإلهي أن يكون لحكمه غاية لأنه المدبّر لشؤون الكون فلا بد من أن يكون التدبير على أحسن ما يريده هو.

ثم استرسل في عرض مضامين كتابه والتي يمكننا تحديدها في ما يلي: مقدّماتٌ حول تاريخ القانون ووسائل تطوّره والعدل بين الشرائع الوضعية والشرائع السماوية وأصول الشريعة الإسلامية، ورؤية مقاصدية، والاجتهاد المقاصدي، وبعض مقاصد الشريعة الإسلامية الخاصة.

كما يرى علال الفاسي أن المقصد العام للشريعة الإسلامية هو عمارة الأرض وحفظ نظام التعايش فيها واستمرار صلاحها بصلاح المستخلفين فيها وقيامهم بما كُلّفوا به من عدل واستقامة ومن صلاح في العقل وفي العمل وإصلاحٍ في الأرض واستنباط لخيراتها وتدبيرٍ لمنافع الجميع.

وقد تحدّث علال عن مجموعةٍ من النقاط التي تهم مقاصد الشريعة بالنسبة إلى الأمّة، فتكلّم عن حرية العمل، وقال لكلّ أحدٍ الحق في العمل ولكل عامل ما اكتسب وعلى الدولة أن تحمي الجميع من كل استغلال أو تعسّف أو ظلم.

وعن الجانب الأمنيّ، قال علال بأن على الدولة أن تقاوم كل تطاحنٍ قد يؤدّي إلى القتل في سبيل المال أو الفكر داخل المجتمع، وأن تحمي كلّ فردٍ أو جماعة أثناء قيامهما بواجبهما أو تمتّعهما بحقوقهما، وأن تقضي على أسباب الفتنة والاضطراب.

ويدخل في باب الأمن أيضاً أنّ على الدولة أن تقاوم كل الأوبئة الاجتماعية التي تفتك بحياة الإنسان وبصحته وسلالته وتؤدّي إلى فساد نسله.

 

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلاً بكم من جديد. من أدرك حلقتنا الآن، نحن نعالج موضوع فقه المقاصد والواقع المعاصر.

دكتور حسن، كيف يساهم فقه المقاصد في تضييق فجوات الخلاف بين المسلمين؟ بمعنى، لو كانت المقاصد الشرعية كلّها واضحة، تماماً كما الدساتير الغربيّة، أي مراد الله من هذه الأحكام الشرعية، من هذا الدين، كذا وكذا وكذا، لو كانت المسارات واضحة، هل يمكننا أن نذهب إلى كثيرٍ من الخلاف ونغوص في الموروث الروائي وفي الجزئيّات التي طحنتنا بالكامل؟

 

حسن جابر: هو بالضبط وضعت إصبعك على الجرح.

 

يحيى أبو زكريا: الإشكال كما يُقال.

 

حسن جابر: على الإشكال، المقاصد تحديداً هو الذي يعلو فوق الخلافات المذهبية، هو فوق، باعتباره مقاصد كلية للشرع، فإذاً هو فوق كل ما دار بين المسلمين من خلاف، هذا الأمر الأول. أما بقاء الصراع إلى الآن مع وجود مقاصد سببه ضيق الثوب الذي فُصّل للمقاصد. ما فُصّل للمقاصد الآن لا يمكن أن يعالج هذه المشكلات.

 

يحيى أبو زكريا: هلاّ أوضحت أكثر؟

 

حسن جابر: مثلاً، عندما شيخ الإسلام محمّد طاهر بن عاشور يقول إن المقاصد، عالج المقاصد بخصوص المعاملات والآداب، ولم يتطرّق إلى جانب العبادات والجانب الاجتماعي، وقد أفرد كتابه مستقلاً، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، عندما وضعه عزله عن القِيَم العليا التي تحكم المعاملات، أي عندما نبقى فقط بالمعاملات، ونفصل هذه المعاملات عن القِيَم التي تحكمها، جعلناها بلا روح، وإن كانت هذه قد تمّ علاجها تحت عنوان المقاصد.

الشاطبي، ماذا فعل الشاطبي؟ الشاطبي وطاهر بن عاشور والآن كل مَن يكتب أو معظم مَن كتب عن المقاصد هم أخذوا عناوين الكتب الفقهية المعروفة، كتاب مثلاً المال، ووضعوا له مقصداً عاماً هو مبحث المال، ما له علاقة بالزواج والزنا وحرمة، وضعوا له عنوان العرض، ما له علاقة بالدين، الجهاد، الحفاظ على الدين، إلى آخره، الدعوة إلى الدين، وضعوا له عنواناً.

فإذاً أخذوا الأبواب الفقهية والاستقراء ووضعوا لها هذه العناوين، لكن هذه العناوين هي ليست الدين، هي جانب معاملاتي ضيّق يمهّد للرؤية العامة للدين. كيف يمهّد؟ حفظ المال هو الأمن الاجتماعي، يمنع السرقة إلى آخره هو أمن اجتماعي، حتى الزنا، الاستقرار النفسي داخل الأسر، الخمر، حفظ العقل وعدم تعطيله، لكن هذه كلها مقدّمات، فما استخرجه الشاطبي من المقاصد وسار على هديه الطاهر بن عاشور، هي مجرّد مقدّمات للرؤية الأشمل للمقاصد.

ولذلك، لو دخلنا في المقاصد من باب القرآن الكريم، ولذلك اعتبر الطاهر بن عاشور المصادر التي استند إليها في استخراج المقاصد، الاستقراء أولاً، ويقصد استقراء الفقه، ثمّ القرآن، ثمّ السّنّة. يا أخي، هذا الفقه استُخرِج من القرآن والسنّة، فيكون ما كان نتيجة قراءة الكتاب والسنّة وُضِع بعرض هذين، كيف؟

ولذلك كانت المقاصد غير شاملة. المقاصد الكلية للشرع، عندما نقول روح الدين، القِيَم، القِيَم العليا، العدالة، الكرامة، الحرية، الحق، الحق الذي هو محور الدعوة القرآنية، "وأنزلنا الكتاب بالحق والميزان"، هذه الدعوة لو كانت انطلقت المقاصد من هذه القِيَم، أين تبقى المذاهب؟ لا يبقى لها وجود.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح. ننتقل من الدائرة الضيّقة إلى الدائرة الأوسع.

 

حسن جابر: أما دائرة المعاملات التي حصر نفسه فيها الشاطبي أولاً ثم الطاهر بن عاشور هذه لا تحل مشاكل. هي مسائل فقهية ضيّقة.

 

يحيى أبو زكريا: ما دام العِلم مهماً إلى هذه الدرجة، وما دام هذا العِلم قادراً على التقريب بين المسلمين وإيجاد مسارات لهم في عالم كلّه مضطرب، لماذا تمّ إهماله إذاً؟

جنابك باحث وأستاذ جامعي، ولك علاقة برسائل الدكتوراه، ربما في الجامعات الإسلامية، قلما نجد بحوثاً في فكر المقاصد وفي فقه المقاصد، ربما في المغرب العربي يوجد نشاط، منذ إبن رشد إلى علال الفاسي إلى محمّد طاهر بن عاشور.

 

حسن جابر: والآن أحمد الريسوني.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح، أحمد الريسوني أيضاً كتب عن الطاهر بن عاشور. لماذا التقصير في هذا المجال؟ ألا يريد المسلمون أن يكتشفوا روح دينهم، ولذلك تعلّقوا بالقشور وقتلتهم القشور؟

 

حسن جابر: المشكلة عندما يدور الخلاف بين العلماء حول المشهور، هل يجوز تجاوز المشهور أو القبول به إلى آخره. نحن مسكنون بالتقليد.

 

يحيى أبو زكريا: للأسف.

 

حسن جابر: هذه مشكلة، لكن لو كان العِلم مفتوحاً على النقد، ونمتلك جرأة القول الجديد، المتجاوز للمعهود من أفكار المسلمين، لكان هذا العِلم لا يتوقّف عند حد. ولذلك أنا أقول إن مسألة المقاصد طالما أنها ابتُنيت على الفقه فهي قاصرة، لأن الفقه محتفٌ بعِلم الكلام، أي دخل الصراع المذهبي فيه، أما لو كان المقاصد لو ابتُني على القرآن الكريم، وهو مستقلٌ عن عِلم الكلام، لخرجنا بنتائج وتجاوزنا المسائل المذهبية.

هذه المشكلة بالتحديد، وقليلٌ من المعاصرين الذين اشتغلوا على عِلم المقاصد مَن التفتوا إلى هذه المسألة وامتلكوا جرأة التجاوز، القليل منهم، ولكن لو فُتح هذا الباب بشكلٍ واسع.

 

يحيى أبو زكريا: لكنا أمام فتح فكري ربما.

 

حسن جابر: ولذلك الوهّابيون لا يقولون بالمقاصد، لا يقولون بالمقاصد.

 

يحيى أبو زكريا: لأنهم سينهارون.

 

حسن جابر: يخافون.

 

يحيى أبو زكريا: أحسنت.

 

حسن جابر: ولذلك مسألة المقاصد مسألة حساسة، والبعض يقف عند كلمة مقاصد ومسألة معرفة عِلَل الأحكام. المقاصد أكبر من هذه، لأنّ عِلَل الأحكام هي عِلَل أحكام جزئية، نحن نتحدّث عن مقاصد كلية، وبالتالي مَن يتهيّب الكلام بالمقاصد هو يخال أنّ المسألة مشوبة بالجرأة على معرفة قصد الله في مسألة العبادات وغير العبادات. هي المسألة أكبر من هذه. ليست مسألة معرفة عِلَل الأحكام الجزئية، وإنما معرفة القِيَم الكلية التي تحكم الأحكام الجزئية. هذه المسألة، ولذلك نحن لا نزال نراوح.

 

يحيى أبو زكريا: ومقصّرون في هذا السياق.

شيخ صلاح الدين، رؤى فكرية جميلة جداً طرحها الدكتور حسن جابر. مبدئياً مقاصد القرآن، صدقاً عندما تُعمِل النظر في النتاج المعرفي الابستمولوجي للدراسات القرآنية، لا تكاد تعثر على كتاب يُشبِع نهمك الفكري في هذا السياق.

خذ على سبيل المثال الإنسان والقرآن. ربما وجدت كتاباً واحداً، قضايا الإنسان والقرآن للدكتورة عائشة عبد الرحمن رحمة الله عليها، الأزهرية العالمة المعروفة، لكن نحن بالفعل مقصّرون.

ما الذي تضيفه إلى ما قاله الدكتور حسن، أنّ إيجاد فقه للمقاصد سيعصم المسلمين من الوقوع في الزَلل والخطأ والجدل البيزنطي إن قالوا قلنا وإن ذكروا ذكرنا؟

 

صلاح الدين المستاوي: صحيح، بارك الله بك، وبارك الله بالدكتور ضيفك في ما أشار إليه وأعاد إليه، المقاصد في أصولها الحقيقية الفعلية المؤثّرة، ولو أنّنا في هذا المجال نستطيع أن نقول إنّ هناك محاولات، لعلّ منها العمل الجليل الذي قام به فضيلة الشيخ محمّد الحبيب بوالخوجة الأمين العام السابق لمجمع الفقه الإسلامي الدولي في جدّة، عند تحقيقه لكتاب المقاصد أو للأعمال الكاملة لسماحة الشيخ محمّد الطاهر بن عاشور. في هذا الجزء الثالث، هي ثلاث مجلدات التي تجاوزت صفحاته المئات، أعاد الشيخ حبيب بوالخوجة هذه المقاصد التي وردت مستخرجة كما أشار ضيفك الكريم من الفقه، أعادها إلى أصلها من كتاب الله العزيز، ودلّل عليها في كلياتها العامة وفي أبعادها العميقة، وهذا العمل نعتبره تكملة، تكملة وتأصيل لكتاب المقاصد، وإن كان لكتاب المقاصد توأم، أشرتم إليه أنتم في المقدّمة، عندما قلتم إنّ من مؤلّفات سماحة الشيخ طاهر بن عاشور كتاب جليل لا يُلتفَت إليه عادةً، وربما نضلّ عليه وننسي فيه بعض الشيء، كتاب المقاصد، هذا الكتاب الذي أعنيه هو أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، حقيقةً مفاهيم اليوم معاصرة اليوم الأمّة في إشكالات كبيرة وتريد فيها القول الفصل من خلال العودة إلى كتاب الله العزيز ومن خلال استقراء السنن الكونية، لأنّ هذا الإسلام هو في واقع الأمر دين الفطرة، وهناك فصل جميل جداً حول الفطرة وحول السماحة، سواء كان ذلك بعضه في المقاصد، ومفصّل أكثر ومعمّق في كتاب أصول النظام الاجتماعي.

على أن بعض الدارسين الآن في الغرب الإسلامي كما تفضّلتم، الآن يعكفون على المقاصد من خلال التحليل والتنوير، لأنّ إذا كان كتاب المقاصد، مقاصد الشريعة، قد ألّفه سماحة الشيخ الطاهر بن عاشور في منتصف القرن الماضي، في سنة 46 من القرن الماضي، فإنّ التحرير والتنوير، ظل رحمه الله يراجع مؤلّفاته إلى وفاته، فكل مرة عنده فيه إضافة ومن المعلوم أن الشيخ توفى متأخراً بالنسبة حتى لابنه محمّد الطاهر بن عاشور، توفى في سنة 1972، فأنا كشاهد، أنا العبد الضعيف وكنت صغيراً، أجزاء التحرير والتنوير التي صدرت في حياة سماحة الشيخ الطاهر بن عاشور وكانوا يرسلونها إليه ليصحّح البروفا الأخيرة، كان في كل مرة رحمه الله في الهوامش يضيف، لا يصلح الأخطاء المطبعية، هذا عمل روتيني يقوم به أي كان ولكن كان لو كتب للتحرير والتنوير، هذه الموسوعة القرآنية العظيمة والعجيبة والتي المقدّمات العشر فقط منها، حقيقةً اختزل فيها سماحة الشيخ الطاهر بن عاشور علوم القرآن التي ألّف فيها السابقون واللاحقون المجلّدات العديدة، ولكنّه أتى بالزبدة، وأتى بالدليل الذي توخّاه واعتمده، سواء كان ذلك على مستوى العقل أو مستوى النقل في تفسيره لآيات الكتاب العزيز.

وهنا أيضاً أريد أن ألمّح أو أشير إلى سبق، الشيخ الطاهر بن عاشور من زمن مبكر، أنّه دعا رحمه الله إلى ألا يكون الاجتهاد فردياً في هذا العصر لاستحالة ذلك ولضرورة أن يتفتّح علماء الدين على بقية العلوم وعلى أخذ أهل الاختصاص في مختلف المجالات، لأنهم هم بما عندهم من إضافات يفسّرون كتاب الله ويرتفعون به إلى مُراد الله تبارك وتعالى الذي هو مُرادٌ واسع، قلت سماحة الشيخ الطاهر بن عاشور سبقهم في زمن مُبكر جداً، أن نادى بضرورة إنشاء المجامع الفقهية، وما مجمع جدّة، وأنا أحد خبرائه وأسأل الله تبارك وتعالى لهذا المجمع ولسواه أن يزداد، وممثلة فيه كل المذاهب الفقهية، المذاهب الثمانية، ومذاهب المدارس الفقهية، يقول إن ضرورة وجود هذه المجامع الفقهية شريطة أن تكون هذه المجامع بالطبع مجامع أكاديمية علمية، لا تتلوّن قراراتها وما يصدر عنها بألوان شتّى، مختلفة، الإشارة تغني فيها عن العِبَر.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور حسن، هنالك إشكالية، ولعلّك الأقدر من الباحثين على معالجتها، سأطرحها وأوكل أمرك للبحث العِلمي.

محمّد طاهر بن عاشور ينتمي إلى مدرسة الموطّأ، إلى مالك بن أنس، المدرسة المالكية، وأنتج فقه المقاصد، لكن الاجتهاد مغلق في مدرسة أهل السنّة والجماعة، وأهل البيت عليهم السلام أو مدرسة أهل البيت لديهم الاجتهاد مفتوح لكن لا يوجد عِلم المقاصد، أو ما سمعنا أن نابغة من المجتهدين ألّف في شيء إسمه المقاصد.

كيف تفسّر هذه الإشكالية، هنا مقاصد من دون اجتهاد وهنا اجتهاد من دون مقاصد؟

 

حسن جابر: هي إشكالية محكمة.

 

يحيى أبو زكريا: وأنت قادر عليها.

 

حسن جابر: الملفت أن، ومذهب أهل البيت يقولون إن مقاصد الشاطبي، التي جاء بها الشاطبي هي مقاصد صحيحة ونأخذ بها، لكن لم تكن هناك محاولة لا للكتابة فيها أو للتعليق والزيادة.

 

يحيى أبو زكريا: على حد عِلمي فقط الشيخ الصدوق في عِلل الشرائع.

 

حسن جابر: عِلل الشرائع شيء والمقاصد شيء آخر.

 

يحيى أبو زكريا: أنا قرأته بالكامل، لكن يتحدّث عن جزئيات.

 

حسن جابر: هناك كتابات كثيرة، مثلاً فلسفة الصلاة أو فلسفة الحجّ فيها كلام عن العِلل وعن الحكمة لكن هي ليست عِلم مقاصد، هي موقف هنا وهنا لكن لا ترتقي إلى أن تكون منظومة. هو ملفت هذه مسألة الفراغ، لكن الطاهر بن عاشور أهميته أنه لمّاح، هناك عالِمان مهمّان، العزّ بن عبد السلام والقرافي، بالفروق وقواعد الأحكام. أن يتوقّف الطاهر بن عاشور عند أهم ما لدى الإثنين، بقواعد الأحكام، وقد استفاد منها، أو الفروق التي لها علاقة بتصرّفات الأصول، الأحكام، القضاء هل هو ملزم لمن يأتي بعد الرسول، الأقوال التي لها علاقة بالخطط العسكرية، بالقضاء، بالأمور التي لها علاقة بالسلوك اليومي في المدينة. هناك فروق، 14 إلى آخره، حدّدها الطاهر بن عاشور بـ 12. أن يتوقّف عند هذين الأمرين وهما مهمان، لأنه إلى الآن البعض يقول كل ما جاء من الرسول هو ملزم، لا دخل القرافي في تفاصيل، ما هو مُلزِم وما هو غير مُلزِم، أي ما يمكن للزمن أن يتجاوزه وما يمكن أن يقف عنده. الوقوف، أن ينتبه الطاهر بن عاشور إلى أهم الإلفاتات في هذه المسائل العلمية هو أمر مهم جداً.

ولذلك أنا أقول في مسألة التراث، هناك إضاءات، ومضات رائعة، لكن لم نُحسن تسليط الضوء عليها أو أخذها أو الاقتباس منها باعتبارها إضاءة، ولم نشتغل عليها وتطويرها، في مدرسة أهل البيت أو حتى في مدارس المذاهب الأربعة. مسألة الكتابة بالمقاصد بدا ربما بمدرس أهل البيت أنا أول من كتب في المقاصد التي بدأت، بدأ الاهتمام بهذا العِلم، ويمكن لأتباع أهل البيت أن يمارسوا، أن يقدّموا إضافات ثرية في هذا المجال باعتبارهم ليسوا محكومين بقداسة السلف، هم ليسوا محكومين بسقف الشاطبي.

 

يحيى أبو زكريا: وربما أيضاً العقل له دور كبير.

 

حسن جابر: ولذلك البعض يتهيّب من الشاطبي، في المدارس الفقهية الأربعة، لكن في مدرسة أهل البيت لا يتهيّبون، لذلك يمكن أن يفتح باب النقد بشكل واسع، وأن يقدّموا إضافات، هذا ما يؤمَل منه، لكن إلى الآن هذه الحركة هي حركة خجولة.

 

يحيى أبو زكريا: إن شاء الله دكتور حسن، بجهودكم إن شاء الله، بمعنى أن عِلم المقاصد سيأخذنا إلى ساحات متقدّمة من المعرفة، قد يقال دكتور حسن، ما الذي سنستكشفه من الشريعة، شريعة نزلت قبل 14 قرناً، ما الذي سنضيفه إلى الفكر الإنساني للمشهد الثقافي الإنساني ونحن نستكشف أغراض المشرع من هذا الحُكم أو ذاك أو ذينكم الأحكام وتلكم الأحكام؟

 

حسن جابر: لاحظ، مسألة المقاصد هي التي فتحت على موضوع الفطرة، وموضوع الفطرة لم يُعالَج بشكل، وهو موضوع واسع، وهو محور المنظومة الفكرية الإسلامية. التفت أنّ جان جاك روسو لديه كتيب صغير إسمه عنوانه الفطرة.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

حسن جابر: عنوانه الفطرة، ويكتب وكأنه يتحدّث عن القرآن، سبحان الله، فاتصلت بأحد زملائي في القاهرة، وقلت له لدينا كتيّب عن روسو يتحدّث عن الفطرة وكأنه يتحدّث عن الفطرة القرآنية. قال أنا أيضاً اطّلعت على هذا وضربت كفاً على كف، كيف أنّ روسو اكتشف هذا الأمر وعلماء المسلمين لم يكتشفوا. تصوّر أن في القرآن الكريم حديثاً واضحاً عن الفطرة، عن الجبلة، عن الأمانة، عن الميثاق، عن العهد، وهي كلها مرادفات للفطرة، والحنيفية، كلها مرادفات، ولم يكتب عنها كتابة عامة شاملة إلا السيّد الطبطبائي لديه الكثير من الالتفات في الميزان لكن لم تُجمَع، لم يتم صوغها بإطار منظومة عامة.

لكن روسو أو حتى المسيحية تتحدّث، لذلك أنا أقول إن القرآن الكريم يمكن أن يفتح آفاقاً فكرية واسعة على مستوى الرؤية الإنسانية. الفطرة هي فطرة الله التي فطر الناس عليها والتي تنطوي على كل القِيَم الإنسانية.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور حسن، ومن أصدق من الله قيلا، هو الذي خلق الإنسان والقرآن كلامه. نحن للأسف الشديد بدل أن نهتم بالفطرة التي أشرت إليها، اهتممنا بزكاة الفطرة وبالخُمس أيضاً للاسف الشديد.

شيخ صلاح، ما الذي تفعلونه لتقديم الشيخ محمّد الطاهر بن عاشور مُجدّداً للعالم الإسلامي بإيجاز؟

 

صلاح الدين المستاوي: شكراً جزيلاً. حقيقة الجهد مقل كما يقال في المثل، نحن مقصّرون تقصيراً كبيراً بحق هذا الشيخ وفي حق هذه الفتوحات، هو سابق زمانه وكان فيها أحد عمالقة الفكر الإسلامي، وأنا أستطيع أن أحيل إلى إنتاج لكن ليس إنتاجاً بشكل كتاب، هو إنتاج من نوع آخر تتجلّى فيه عبقرية الشيخ طاهر بن عاشور ونجله، ويا ليت أستاذ أبو زكريا أن تخصّ هذا النجل العظيم الشاعر الفاضل بن عاشور بحصّة في يوم ما، رغم أنه ليس مكثراً، لم يكن مدوّناً بقدر ما كان مُحاضراً.

ولكن ثقافة الشيخ محمّد الطاهر بن عاشور الموسوعية، هذا التفسير الذي استغرق منه أكثر من 50 سنة، هذا التعقيب على كل من سلفه، الرجل لم يكرّر ولم يقلّد، ولا أقول إن هذا الرجل بلغ الكمال، معاذ الله كلكم راد ومردود عليك، ولكن لشخص الذي تمثل رؤية الشيخ الطاهر بن عاشور وزبدة فكره، وهو نجله الذي توفى قبله، وهو فضيلة الشيخ المنعم المبرور سيّدي محمّد الفاضل بن عاشور، والقليل من أعماله، ما كتب لها، حتى أنه في الشرق إخواننا يخلطون دائماً بين الإبن والأب، وبين الطاهر وبين الفاضل، وهذه المسألة ذريّة بعضها من بعض.

 

يحيى أبو زكريا: شيخ صلاح الدين، في المغرب العربي نقول موسى الحاج، الحاج موسى، حسبنا الله ونعم الوكيل.

شيخ صلاح الدين المستاوي شكراً جزيلاً لك، المفكّر الإسلامي الدكتور حسن جابر شكراً جزيلاً لك.

مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها. إلى أن ألقاكم هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبداً ودائعه.