الشاعر المصري علاء جانب

 

زاهي وهبي: مساء الخير. متورِّطٌ في ياسمين الشِعر، باحثٌ عن عطر القصيدة لعلّه في العطرِ يكتشفُ أسرار المعنى، فشاعِرنا الجنوبي الذي تشبّعَ بأجواء الريف ومناخاته سار على العُشبِ حافياً وتنشّقَ رائِحة التُرابِ بعد الشتوة الأُولى وحمّلَ معه من قريته في الصعيد المصري زوّادةً وافِرةً من الوعي والانتماء حتّى غدت قصيدته سيرة حياةٍ ومسيرة معرِفة حصّنها بدراسةٍ أزهريّةٍ جعلته يحفظُ القرآن الكريم غيباً وهو لا يزالُ طفلاً. لم يقع ضيفنا في فخّ الشُهرة حين فاز بالمرتبة الأُولى في برنامج "أمير الشُعراء" ولم تأخذه نجوميّة الشاعِر من أرض الشِعر فظلّ ثابتاً مواظباً على تطوير تجربته الشِعريّة والأكاديمية المُتميِّزة التي سوف نستعرِضُ أبرز ملامحها الليلة في "بيت القصيد"، بيت المُبدعين العرب الذي يفتحُ أبوابه ترحيباً بالشاعِر والناقد المصري الدكتور "علاء جانب" أهلاً وسهلاً بك

علاء جانب: أهلاً بك أُستاذ "زاهي" ومشكور على المُقدِّمة الجميلة التي تفضلت بها

زاهي وهبي: جميل يستدعي الجمال كما يُقال، وحضرتك شاعِر لا تحتاج شهادتي. تقول في قصيدة لك: "نحنُ أطفالٌ جنوبيون تغرينا السماء"، صحيح

علاء جانب: صحيح

زاهي وهبي: ثمّ، "مغروسون في الأرضِ

علاء جانب: مغروسون في الأرضِ وراقصون في الريح في أعواد الذرة

زاهي وهبي: هلّ يعني شيئاً مُختلفاً أن يكون الإنسان جنوبياً؟ في أيّ جنوب في هذا العالم خصوصاً في (صعيد مصر)

علاء جانب: مقولةٌ نحفظها قديماً أنّ الحضارة تبدأ من الجنوب

زاهي وهبي: نعم

علاء جانب: حضارة (مصر) الفرعونية كلّها كانت في الجنوب أولاً. "مينا" موحِّد القطرين في العصور الفرعونية القديمة كان من (الصعيد)، ثلث آثار العالم موجود في (الأُقصر) هي مدينةٌ جنوبية. الجنوب دائِماً قريب من الطبيعة، قريب من الكون، قريب من الله

زاهي وهبي: الجنوب المصري أعطاناً أيضاً عشرات المُبدعين، ربما مئات المُبدعين في الشِعر وفي الأدب

علاء جانب: صحيح، وفي الفنّ وفي الإخراج السينمائي، يعني "أمل دنقل"، "عبد الرحمن الأبنودي"، "عاطِف الطيِّب" من أهم مخرجي السينما في (مصر) وفي العالم العربي، شعراء كثيرون وأُدباء كثيرون، "جمال الغيطاني" الكثيرون

زاهي وهبي: باستثناء طبعاً "أمل دنقل" الذي رحَلَ باكراً، الذين ذكرتهم استضفتهم وحاورتهم جميعاً بما فيهم "عاطف الطيِّب" ولكن "عاطف الطيب" في الصحافة

علاء جانب: "عاطف الطيِّب مُخرِج سينمائي

زاهي وهبي: أجل، عاطف الطيِّب" حاورته في الصحافة

علاء جانب: آه، وأنت صحافي

زاهي وهبي: نعم، قبل أن أشتغِل في التلفزيون أجريت معه حواراً وكان يُصوِّر آنذاك في (بيروت)، أظنّ كان يُصوِّر فيلم "ناجي العلي"

علاء جانب: أكيد

زاهي وهبي: فيلم "ناجي العلي" حينها، إذاً نحن في أجواء ذكرى استشهاد "ناجي العلي" هذه الأيام. لو سمحت سنراك في "علامة فارِقة" ثمّ نستأنِف الحوار إذا تريد

علاء جانب: تفضل

علامة فارِقة

علاء جانب:

-  أكثر المناظر التي أحببت فعلاً أن أصفها في الشعر منظر الغروب في بلدي، في قريتنا (عرابة أبو دهب) في مُحافظة (سوهاج)، هذا من أكثر المناظر التي أحببت أن أُصوِّرها في الشعر وأنا أشعُر أنّ كلماتي أعجز من أن تصف الرؤية التي في داخلي. لكن بقي هذا المشهد، كما أحسّ به في وجداني، يستعصي على الكلمات

- ما بين أرجِحة المراكب نلتقي خلف المغارِبِ مشفقين حزانى. هذا الدمج ما بين الكون وما بين الوجدان أريد في يومٍ من الأيام أن أُحقّقه في مشهدٍ شعري سينمائي

- انا في عُمر خمس عشرة سنة مثلاً وكنت لا زلت أتلبّس في نفسي الكتابة الشعرية كتبت قصيدة إسمها "المُستقبل". الأجندة التي فيها هذه القصيدة تحتفِظ بها زوجتي لغاية اليوم، نفس الوضع والـ Career وشكل حياتي إلّا أنّ ربنا أكرمني بأكثر مما كنت أتوقّع من الناس

- أكثر ما هو مُلهِم للكتابة هنا الحزن والحبّ، الكلمتان اللتان تبدآن بحرف الحاء. الفرحة لا تستفزّني للكتابة بقدر الحُزن، لكن الحزن من أكثر الأشياء التي تُحرِّكني للكتابة

- النساء هنّ كلّ الحياة، الأُمّ لعبت دوراً كبيراً، الأُخت، الحبيبة المُلهِمة، البنت. ممكن تقدر تسمّي المرأة مُعادِل موضوعي للحياة

- كان "الأصمعلي" وهي عبارة قديمة يقول لي " الشعر نكِدٌ بابه الشرّ فإذا دخل في الخير لان وضعِف". الشِعر شيطان، ليس أنه بمعنى الدعوة إلى الأشياء التي يدعو إليها الشيطان من خراب ودمار وهذه الأشياء، لكن شيطان بمعنى أنّه لا يدعو إلى الفضيلة بشكلٍ مُباشِر

- "فيكتور هيغو" كان يقول: "الشعراء قومٌ أرستقراطيون في طبيعتهم"، فأنا أكيد عندما يجعلونني أمير قطعاً سأكون سعيداً، لكنه رقم غير حقيقي، ليس هناك دولة للشعر تحتاج إلى أمير، والشعراء مجانين من سيكون أميراً على من؟ كلّهم أمراء على بعض الشُعراء. لكن إيمان الناس بموهبتي وتشجيعهم لي هو الذي يُسعدني أكثر عندما يقولون الكلمة وليس بمعناها اللغوي

- والله يسعدني الرضا، يعني ألّا تكون عندي خصومة مع أحد. تسعدني العلاقات الإنسانية الحميمة، يعني أن يكون المرء محبوباً ومُحباً، يعني أن يكون هناك حبٌّ مُتبادل بيني وبين الناس، بيني وبين الكون كلّه

- هذه الليلة أنا آتي لأقول مع "زاهي" للعالم كلّه، كفاية خصومات، كفاية كُره، كفاية حرب، كفاية دم

المُحاورة: أهلاً وسهلاً

علاء جانب: أهلاً بكِ

زاهي وهبي: فعلاً كفاية مآسٍ وأضمّ صوتي إلى صوتك. سنُحاوِل في الوقت نفسه استخراج شياطين الشِعر إذا استطعنا

علاء جانب: يضحك

زاهي وهبي: أعود إلى النشأة الريفية، إلى (عرابة)

علاء جانب: (عرابة أبو ذهب)

زاهي وهبي: (أبو دهب) قريتك. هذه النشأة ماذا تركت فيك؟ ما الذي لا يُمحى منها؟

علاء جانب: أعتقد أنّها كلّها لا تُمحى لأنّ (عرابة أبو دهب)

زاهي وهبي: في (سوهاج)

علاء جانب: نعم، هي قرية تابعة لمركز (سوهاج) في مُحافظة (سوهاج) وهي قرية تقع في الجبل الغربي من مُحافظة (سوهاج). (عرابة أبو دهب) هي التي شكّلتني شاعِراً وإنساناً ومُفكّراً. كلّ الصفات التي أشعُر بأنّ الناس يصفوني بها ولست أنا من أصف بها نفسي لأنّ النشأة الريفية تقع بين الصحراء وبين الريف، بين الأرض الخضراء وبين الأرض الصفراء يعني، قريبة من الشِعر. كلّما كانت المُجتمعات أقرب إلى الفترة كانت أقرب إلى الشِعر 

زاهي وهبي: كانت أكثر شاعرية

علاء جانب: لأنّ هذه البيئة يكون للخيال فيها دور كبير. الكهرباء دخلت بلدنا حينما كان عمري تسع سنوات أو عشر سنوات، فالجزء الأوّل من طفولتي قضيته في هذه العيشة البدائية تماماً، يعني أُمّي رحمة الله عليها كانت تعدّ الأكل على الكانون، على موقد النار كما في الجاهلية بالضبط، وكانت كلّ الأعمال التي تقوم بها سيّدات المنازل يدوية، لم يكن هناك لا غسّالة ولا فرن غاز ولا كهرباء. هذه الحياة، رأيت الغنم وأنا صغير، ركبت الجمل، مشيت في الصحراء كما يمشي البدوي القديم، تعلّمت في الكتاتيب، فكانت هناك صلة بيني وبين مفردات الكون الساكنة والمتحرِّكة من الحيوانات إلى الزروع إلى الجبل إلى منظر المياه، كلّ هذه الأشياء تجعلك قريباً من الشِعر وتجعل الخيال منفتحاً إلى آفاق بعيدة لأنّه دائِماً، حتّى عندما جاء التلفزيون كان الفارِق بينه وبين الراديو أنّ التلفزيون يُحدّد رؤيتك للأشياء. الراديو جماله أنه كان يترك

زاهي وهبي: يأخذ خيالك إلى مطارِح أبعد وأوسع

علاء جانب: آفاق أبعد

زاهي وهبي: انعكست هذه الأمور، هذه الأشياء، العلاقة بالطبيعة، بالكائِنات الأُخرى التي تعيش معنا على نفس الكوكب، انعكست في النصّ الشِعري؟

علاء جانب: طبعاً، هي التي شكّلت النصّ الشِعري، وربما يكون هذا إذا سمحت لي أن أتكلّم عن نفسي، ربّما يكون هذا هو سرّ الخلطة في شِعري أنا، هو السرّ الذي يجعل الناس يُحبّون شِعري، أنّ فيه صدق في إنتاج هذه البيئة مرة أُخرى

زاهي وهبي: لا تُحرَج من الكلام عن نفسك لأنّك في البرنامج آتٍ لتتكلّم عن نفسك وعن تجربتك، فالأمر عادي. صحيح حفظت القرآن وأنت طفل عمره 12 سنة، القرآن الكريم؟

علاء جانب: كنت أكبر من 12 سنة، كان عُمري خمس عشرة سنة. حفظته في المدارِس الأزهريّة

زاهي وهبي: خمس عشرة سنة يعني كنت فتى

علاء جانب: يعني كنت تخطّيت مرحلة الطفولة إلى مرحلة البلوغ والمُراهقة، لكن هذا كان على فِكرة طبيعي وكان من المفروض أنه يحصل مع كلّ الطلّاب الذين يتعلّمون في "الأزهر الشريف"

زاهي وهبي: نعم

علاء جانب: لأننا كنّا نأخُذ من أوّل الابتدائية لغاية نهاية الشهادة الإعدادية

زاهي وهبي: الأجزاء؟

علاء جانب: بالضبط. من اللازم على الطالب الأزهري في هذه المرحلة أن يكون قد ختَم القرآن، فأنا ختمته بشكلٍ طبيعي جداً، يعني لم أكُن عبقرياً ولا شيء

زاهي وهبي: لكن هذا كم متَّن لغتك؟

علاء جانب: لكن أنا كان عندي ذاكرة أسأل الله أن يُديمها عليّ، كان عندي ذاكرة أن الشيخ عندما كان يُقرِئنا القسط المُعيّن، اللوح كنّا نُسمّيه، في اليوم لم يكن عندي شيء اسمه أن أفتح المِصحف وأُذاكِر أو أُراجِع، يعني آخذه من فم الشيخ اليوم وأسمّعه له غداً كأول طالب من الطلاب الذين كانوا زملائي، وهذا الكلام يؤكِّد عليه زملائي لغاية الآن، أنني كنت أسمع من فم الشيخ القرآن، طبعاً نُردّده مرّة ومرتين وثلاثاً وراء الشيخ في المدرسة وأذهب صباح اليوم التالي وأُسمِّعه له كما لُقِّنته بالأمس

زاهي وهبي: من مِن قرّاء القرآن الكريم تحِب أن تسمعه؟ يعني المرتّلين والمُجوِّدين

علاء جانب: طبعاً عصبيّةً أُحب أن أسمع لابن بلدي الشيخ "محمّد صدّيق المنشاوي"

زاهي وهبي: نعم

علاء جانب: لأنّه من مركز (المنشأة) ومركز (المنشأة) أيضاً تابع لمُحافظة (سوهاج) وهو يُعتبر من أكبر المقرئين في العالم الإسلامي. طبعاً هناك "محمّد رِفعَت" والشيخ "عبد الباسط عبد الصمد" وهناك الشيخ "مُصطفى إسماعيل"، القرّاء المصريون معروفون يعني

زاهي وهبي: نعم. كيف انعكست هذه العلاقة بالقرآن الكريم منذ اليفاعة على علاقتك باللغة العربية؟

علاء جانب: القرآن في اللغة العربية، حتّى بعيداً عن كوننا مُسلمين، يُعتبر أعلى نصّ عربي فيه إبداع وفيه جماليات وفيه روحانيات عالية، وأيضاً يُقوِّم اللسان، يعني يجعل لسانك قوياً. إذا أردت أن تتحدّث في اللغة العربية بشكلٍ سليم، القرآن الكريم هو أكثر الأشياء التي تُدرِّب اللسان على النُطق باللغة العربية نُطقاً سليماً بالإضافة إلى البحوث والكُتب والأُطروحات التي أُعِدّت حول الإعجاز القرآني، لاحقاً عندما بدأ المرء يتصل بدراسة اللغة العربية، فجّرت ينابيع أُخرى للقرآن لم تكُن موجودة تماماً أثناء فترة الحفظ وفترة الاستظهار في الطفولة. صحيح أنه في الطفولة كان هناك بعض الآيات التي تأخذنا وتشدّنا لكن لاحقاً عندما بدأت أنت تقرأ حول القرآن بشكلٍ منهجي وبشكلٍ فيه أكاديمية بدأت جماليات القرآن تتّضِح أكثر

زاهي وهبي: نعم. أيّ السوَر من القرآن الكريم أقرب إلى نفسك أو أثَّرت بك أكثر من غيرها؟ نعرِف مثلاً أنّ سورة "يوسف"، سيّدنا "يوسف" في القرآن الكريم ألهمت شُعراء وتعلم كم كُتِبَ في هذا

علاء جانب: ذكّرتني بطُرفة. كان رحمة الله عليه أُستاذنا الشيخ "محمود مصباح" يدرّسنا القرآن الكريم أو كان يُحفِّظنا القرآن الكريم في السنة السادسة الابتدائية، الفصل السادس ابتدائي يعني. وبعد ذلك، كانت سورة "يوسف" من ضمن المُقرّر، فكان كلّ التلاميذ، عندما يرغب أن يُسمِّعنا الماضي مما حفِظنا من القرآن، كلهم يقولون إنهم حافظون سورة "يوسف". فقال، هي سورة "يوسف" حمارتكم التي تريدون كلكم أن تركبوها؟ ما رأيكم، اليوم لا أحدي سيُسمِّع سورة "يوسف"، دعونا نسمع سورة أُخرى. فكان، رغم أنّ سورة "يوسف" أناس كُثُر يتعلّقون بها لما فيها من القصص، وطبعاً ذُكِر، "نحن نقصّ عليك أحسن القصص" في أوّل السورة، لكن كانت هناك سوَر أُخرى، مثلاء سورة "براءة"، سورة "التوبة" لأنّ ربما هذا له علاقة أيضاً بالنشأة الصعيدية، سورة "براءة" سورة فيها جراءة أيضاً مع البراءة لأنها تتحدّث عن المنافقين وتفضح ما في داخل نفوسهم، وهي ضدّ النفاق على خطٍّ مستقيم من بدايتها إلى نهايتها، كلّها يعني ضدّ المنافقين، والصعيدي الحق

زاهي وهبي: لا يطيق النفاق

علاء جانب: يعني يا كافر يا مُسلِم، يعني لا يوجد حلّ وسط

زاهي وهبي: نعم. كنت حضرتك أوّل أزهري ربما تُشارِك في برنامج مُسابقات، يعني في النهاية "أمير الشعراء" برنامج تبارٍ وتسابق للفوز، صحيح؟

علاء جانب: صحيح

زاهي وهبي: كيف تقبّل معارِفك وزملاؤك هذا الأمر؟ كيف تعاطوا معه؟

علاء جانب: زملائي ومعارفي يعرفون أنني شخصية ذات طبيعة خاصّة، ما يُقبَل منّي ربّما لا يُقبَل من غيري. زملائي يقبلون فكاهاتي، يقبلون إذا كان هناك نوعٌ من أنواع التصرّف أو السخرية يقبلون تصرّفاتي غير الطبيعية أحياناً التي تصدُر منّي لأنّهم يعلمون أنّني مُحبّ للجميع وأنّني على مسافة واحدة من كلّ الأصدقاء ومن كلّ الأحِبّة

زاهي وهبي: وأنا أشهد أنّك دمِث في التعامل

علاء جانب: الله يسعِدك يا رب، فتقبّلوا هذا الأمر، وعلى العكس كانوا أيضاً يُشجّعونني فيه. أنا الذي ربما كنت متحفِّظاً قليلاً  حتّى الاشتراك في المُسابقة في البداية وبعض زملائي وبعض تلاميذي حتّى وبعض الأصدقاء اقترحوا عليّ وحثّوني على فكرة المُشاركة في برنامج "أمير الشِعر". أنا كنت متحفّظاً لأنّ لجنة التحكيم، طبعاً مع إجلالي لهم، هم أساتذة كبار ونُقّاد عظام، لكن في الـ Career نحن نُعتَبر زملاء، هم أساتذة في الأدب وأنا أُستاذ في الأدب. لكن أنا دخلت بصفتي شاعِراً وليس بصفتي أُستاذاً

زاهي وهبي: أكاديمي

علاء جانب: فأنا ركنت الأكاديمية جانباً أثناء ذهابي وتجرّدت للشِعر، فدخلت المُسابقة بوصفي شاعراً وليس بوصفي أُستاذاً جامعياً

زاهي وهبي: أنا أترُك الشاعِر خارج الأستديو وأكتفي بالـ

علاء جانب: صحيح، أنت كلنا متابعين لك على "تويتر" وتغريداتك الجميلة وشِعرَك الحلو

زاهي وهبي: تسلَم. قلت في "علامة فارِقة" أنه لا أمير اليوم على الشُعراء ولا توجد دولة للشُعراء، والشُعراء في مُعظمهم مجانين وصعاليك وشياطين وإلى آخره، بالمعنى الإيجابي، شياطين بين مزدوجين، يعني ليس بالمعنى القرآني للكلمة لكن لقب "أمير الشُعراء" في النهاية أحدَث تحوُّلاً في حياتك وفي تجربتك. حصلت على اللقب سنة 2013، ماذا غيَّر؟ ماذا أضاف هذا الأمر لك؟   

علاء جانب: شوف دعنا نأتي بالكلام من بدايته. فكرة إمارة الشِعر ليست في هذه الأيام فقط وإنّما منذ أيام "امرؤ القيس" يعني. دولة الشِعر هي دولة افتراضيّة والشُعراء، عندما أحد الناس اقترح أن تُقام في (فرنسا) مدينة يُجمَع فيها الفنانون والشُعراء  

زاهي وهبي: محميّة للشعراء

علاء جانب: محميّة للشعراء. "العقّاد" في كتاب "مُطالعات في الكُتب والحياة" قال إنّ هذا مُستشفى مجانين لأنّ هذا لا يُمكن أن يَقَرّ ولا يهدأ والناس سيميتون بعضهم البعض في هذا الشيء

زاهي وهبي: طبعاً، طبعاً

علاء جانب: لكن إمارة الشِعر هي إمارة افتراضية وإن كانوا منحوها لـ "أحمد شوقي" بشكلٍ رسمي رحمة الله عليه و

زاهي وهبي: "الأخطل الصغير" بشارة الخوري

علاء جانب: نعم، فمسألة الإمارة بالنسبة لي أنا لم يُبايعني عليها الشُعراء وإنما هي كانت لقباً في مُسابقة

زاهي وهبي: كونه برنامجاً تلفزيونياً جماهيرياً متابعته كانت عالية جداً خصوصاً آنذاك، في المواسم الأولى. لا شكّ أنه عمل، يعني أَثَر ما، صحّ؟ 

علاء جانب: قطعاً

زاهي وهبي: يعني أهل قريتك ألم يفرحوا بك مثلاً؟

علاء جانب: طبعاً فرِحوا. البرنامج يعطيك سِعة وانتشار، لكن لا يمكن أبداً أن تضمنها لك أية وسيلة أُخرى غير هذا البرنامج، حتّى مع احترامي الشديد لبرنامج "بيت القصيد مثلاً، أنا سأظهر في حلقة سيُتابعها المتخصّصون فقط ربما، أو ربما الذي يقلِب في القناة سيجد كلاماً جيداً يُقال. لكن عندما يكون البرنامج مخصّصاً للشِعر مثل مُباريات كأس العالم، يعني شعراء يتسابقون مرحلة بعد مرحلة وهنا الـ Suspense

زاهي وهبي: الإثارة

علاء جانب: الإثارة موجودة والتشويق موجود وكلّ أهل البلد متعصّبين لمرشّح بلدهم، قطعاً هذا الأمر يجعل حتّى تقبُّل الشِعر فيه شيء من الشغف ومن الشهيّة ومن الاشتياق إلى سماع الشِعر

زاهي وهبي: سنتحدّث كيف انعكست الشُهرة على نصّك إذا كان لها أثر على النصّ الشِعري نفسه ولكن بعد أن نتوقّف مع موجز إخباري سريع، ونحمد الله أنّ مُشاهدي "بيت القصيد" أيضاً ليسوا قلّة في كلّ أنحاء العربي. نتوقّف مع موجز إخباري سريع ثمّ نُتابع "بيت القصيد"

المحور الثاني

علاء جانب:

مطّري يا مَطَرة

خالعي أثوابِنا كنا نغني

نحن أطفالٌ جنوبيون تغرينا السماء

عندما تفرح بالرقص البدائي

فتعطينا رغيفاً من ضياء

مطّري

ها نحن مغموسون في الأرض

وراقصون في الريح

كأعواد الذرة

ننتشي حين على أجسادنا

تهطُلُ أسماء صبايا

سنبُتُ الجِلدَ براعيمَ

إذا لامَسَ خدّ الغيبِ كفّ الشجرة

أُمّنا الشمسُ

تُنادينا لكي تمنحنا السُمرة

والبسمة والقلب السماوي

وكي تغسلنا بالأغنيات المُزهِرة

مطّري يا سُحُب

نشدو فتُجيبين ونشدو

مطّري يا مَطَرة، خلّي القمحة بعشرة

كبِّري الجرن وهاتي لي حبيبةٍ

أُمّي أخبرتني أنني صرتُ كبيراً

بعد يومين أُتِمُّ العشرة

يا سماء الله شُدّيني إليكِ  

علّني ألبسُ جلباب أبي المصلوب في المعلاق

يبدو لي طويلاً، مطّري أكبر

وهاتيكِ يدي فلتسحبيني

علّني في الليل آتيها بقُرصِ القمرة

منذ أن مات أبي والطرحةُ السوداء والليلُ وأُمّي

إخوةٌ في آهةٍ مُستترة

مطِّري يا مَطرة

تُهتُ في السكرةِ حتّى الموج

لذعة البردِ الخفيف انسحبت على وجهي

كذيل القطّة الناعِم

كنتُ قد ألقيتُ في الغيمِ

حبوبَ الحِلمَ سرّاً

لم أكُن ألبسُ إلّا هالة الطفل الصعيدي

على سُمرة جلدي

كنتُ وحدي رغمَ أنّ الملعب الأخضرَ

مسكونٌ بأصواتِ العفاريت الصبايا

والعصافيرَ تلاشت في توابيت الرياح

لم أعُد إلّا أنا والفجرُ والريحُ وصوتُ القُبَّرة

أُرسِلُ الروحَ فلا أُبصِرُ إلّا الكربَ المسنودَ

في الرُكن الشمالي من الجامعِ

في الخلف تراءى لي بلون الصُفرة الموتيّ

بالأوجُهِ تبكي، بمناديل الوداعات التي

تُبصِرُ تحت الذنب وجه المغفِرة

مطّري يا مَطرة

عدتُ من سكرةِ طفلٍ شاخ في سكرته

وابني يناديني، "أبي"

"أتممت في هذه الدنيا سنيناً عشرة "

كانت الدنيا شتاءً

رحتُ كالمجذوبِ أهذي

مطّري يا مَطَرة

كان صوتي كأنين الوتَرِ المشدودِ

ما بين رحيلٍ واغتراب

مُثقلاً بالغِنوة الطفلة في روحي

ووجهٍ من ضباب

صاح في قلبيَ لونٌ باهِتٌ

من صورةٍ كانت على حائِطنا

كان جلباب أبي أصبحَ حشواً في وساد

غيرَ أنّ الدهشة الأولى لجِلدي عندما

لامَسَ خدّ الغيمِ كفُّ الشجرة

لم تزل صوتَ حنينٍ ينتشي بي

كلّما راودني الغيمُ على خلعِ ثيابي

راقصاً تحت حنين المطرة

لم أزل أُبصِرُ في روحيَ طفلاً

أسمر الوجه قصير الثوب

أشغى، خالِعَ الزيفِ يُغنّي

كلّما جاء شتاءٌ من بعيد

مطِّري يا مَطَرة

أرخِصي العُمر

وصبّي لي دموعاً للبكاء

زاهي وهبي: جميل، واضح أثَر البيئة التي تحدّثنا عنها والطبيعة ومُفرداتها وعناصرها لكن كأنّ الشاعِر قدره إمّا أن يحمِل طفولته معه طوال حياته أو يكون مسكوناً بالحنين دائِماً إلى ذاك الطفل الذي كأنه يوماً ما  

علاء جانب: "نزار قبّاني" كانت له عِبارة لطيفة قرأتها له في أحد الكُتب، وهي أنّ الطفولة هي المنجم الذي يستمِدّ منه الشاعر

زاهي وهبي: نعم

علاء جانب: نحن إذا تخلّينا عن الطِفل الذي في داخلنا سيموت الشاعِر

زاهي وهبي: سنفقد الدهش، هذا أهم شيء

علاء جانب: أي نعم، جمال الطفولة أيضاً في الدهش لأنّ الفرق بين الشاعِر وغير الشاعِر أنّ الشاعِر يرى الأشياء العاديّة غير عاديّة، بعين الطفل الذي يراها لأوّل مرة. شروق الشمس الذي يحدُث كلّ يوم الشاعِر يراه بشكلٍ مُختلِف بينما العيون التي اعتادته ترى أنه شيء مُهمَل القيمة

زاهي وهبي: دعنا لو سمعت نسمع رأياً في تجربتك الشِعرية، نبدأ مع (العراق)، الشاعِرة العراقية الأُستاذة "ورود الموسوي"

علاء جانب: ربنا يُستُر

زاهي وهبي: هيّا

كلام يوصل

ورود الموسوي – شاعرة: إن كان للشِعرِ أمير فإنّ للأخلاقِ أمير أيضاً وهو "علاء جانب". "علاء جانب " قبل أن يكون "أمير الشعراء" هو يمتاز بأخلاق عالية جداً تؤهّله لأن يكونَ أميراً للأخلاق. للأسف بعض الشعراء حين يصل إلى مرحلة مُعيّنة في قصيدته، في مكانته ربما أو يأخُذ لقباً ما يتخلّى عن هذه الأخلاق والطيبة وفطرته الإنسانية، لكن ما يُميِّز "علاء" أنّه إنسان جداً قبل أن يكون شاعراً. قصيدة "علاء جانب" مليئة بروحه هو كإنسان، "علاء" شخص خلوق جداً، طيِّب جداً، نقيّ جداً ومُحافِظ على هذا النقاء، بمعنى أنه حين تسلّمَ إمارة الشِعر وأصبح أميراً للشعراء لم تأخُذ منه الإمارة قيد أنملة من أخلاقه العالية ومن طيبته ونقائِه وصفاء سريرته، هذا "علاء" الإنسان. أمّا "علاء" الشاعر فشخصياً أنا أراه يحمِل روح قصيدة التفعيل، روح الشِعر الحرّ. "علاء" طبعاً في العامود هو شاعِر فذّ ولكن قد يراه البعض كلاسيكياً. بالنسبة لي أنا أرى المنطقة الخاصة بـ "علاء جانب" التي يتحرّك بها بطريقة يُمكنني القول بأنّه المُتفرِّد في هذه المساحة هي في الشِعر الحرّ وفي قصيدة التفعيلة، وطبعاً أنا أتمنّى منه أن أسمع ولو جزءاً بسيطاً من قصيدته "الطريق" التي أُحبها جداً. "علاء جانب"، بحُكم معرِفتي الشخصية بك، أعرِفُ أنّك خسرت الكثير من الأصدقاء في رحلتِك هذه خاصةً بعد نيلِكَ لقب أمير الشُعراء. أعرِفُ أنّكَ تشعُر ربما بالخُذلان من بعض الأصدقاء وأعرِفُ أنّك صديق مُحبّ لأصدِقائِك ومُتواصِل معهم. سؤالي، كم من الأصدقاء خسرت وشعرت بأنهم خذلوك، وسؤالي الثاني، يعني شقّين، أيّ الصداقات التي تثق بها أكثر؟ صداقاتك مع النساء، تثق بهنّ أكثر؟ أم صداقاتك مع الرجال؟

زاهي وهبي: شكراً للشاعِرة العراقية "ورود الموسوي"، ما بك ضحِكت؟

علاء جانب: هي أبكتني في أول الكلام وأضحكتني في آخره

زاهي وهبي: تأثّرت بشهادتها

علاء جانب: وهذه هي "ورود الموسوي"، أُختي العزيزة التي أُحبّها جداً وهي تعلم قدر حبّي لها. أنا أكاد أختنق من البكاء من كلامها عنّي؟ لأنها قالت كلاماً كبيراً عليّ

زاهي وهبي: يؤثِّر بك الكلام الطيِّب، الكلام الجميل؟

علاء جانب: "ورود" لمست، بحُكم صداقتها الشخصية، هي طبعاً زميلة لأنها في نفس الحقل الدراسي، "ورود" حاصلة على إثنين ماجيستير وهما يعادلان دكتوراه، فهي المفروض أن نقول لها الدكتورة

زاهي وهبي: في اللغة العربية

علاء جانب: وفي الأدب المُقارَن لأنها هي أيضاً تعيش في (لندن) أصلاً طوال الوقت وليس في (العراق)، فهي زميلة فاضلة أولاً ثمّ هي شبيهة جداً لي من الناحية لأنّ هي أيضاً تربية حوزات يعني شبَه التعليم الأزهري بالضبط. هي مُجوِّدة للقرآن الكريم وقارِئة من طراز رفيع في القرآن الكريم

زاهي وهبي: إلى السؤال الذي

علاء جانب: الذي أُريد أن أهرب منه

زاهي وهبي: يعني نحن نعرِف صراعات الشُعراء وليس من اليوم كما تعلم

علاء جانب: "ورود" سألت، كم خسِرت من الشُعراء؟ أنا أقول هم الذين خسروني بتواضُع شديد، هم الذين خسروني، الذين ابتعدوا والذين مسّهُم ما مسّهُم من نقائِص النفوس الإنسانية، هم الذين خسروا أنني لم أتجرّأ يوماً على أن أُلغي الصداقة مع أحد أصدقائي

زاهي وهبي: شوف، الآخَر، القرّاء يرون عالم الشِعر والشُعراء وكأنّه عالمٌ ملائكي أُثيري ومثالي، عالم وردي، بينما في الواقع صراعات الشُعراء أو خلافاتهم وعالمهم عالم قاسِ جداً منذ أيام المُتنبّي إلى اليوم

علاء جانب: صحيح

زاهي وهبي: خسرت أصدقاءً بسبب نجاحك في برنامج "أمير الشعراء"، بسبب

علاء جانب: أولاً ليس كثيراً. من سقطوا من جيب الذاكرة ومن جيب التاريخ أيضاً، تاريخي أنا أعني، ليسوا بالكثير لأنّ عندي من الأصدقاء ومن الأحباب عدد هائِل وكبير. الجزء الثاني من سؤال "ورود"، الحقيقة أنا ليس عندي تمييز في مسألة النساء والرجال وإنما يعنيني من هو الأكثر إنسانية

زاهي وهبي: بمعزِل عن جنسه

علاء جانب: بالضبط، مثلاً صديقة مثل "ورود الموسوي" هي ليست صديقة أيضاً لي أنا بشخصي وإنما هي صديقة لبيتي أيضاً، لأسرتي، دائِماً تسأل عنّي، تسأل عن أولادي وأنا أطمئِن عليها وعلى إبنها وهي في الخارِج. أستشيرها في بعض الأمور إذا كانت مثلاً في القصيدة أو شيء من هذا القبيل لأنّ أيضاً دراستها في اللغة الإنكليزية واللغة العربية تجعل عندها أُفق

زاهي وهبي: بما أننا استمعنا إلى رأي شاعِرة وليس شاعراً، موقع، ونتحدّث هنا عن الصداقة بين الجنسين، موقع المرأة في قصيدتك، يعني انطلاقاً مما تفضّلت به في البداية في "علامة فارِقة" يعني العلاقة مع الأُمّ، مع الأُخت الكُبرى، تمثِّل ركناً أساسياً في رأيي إلى جانب الأشياء التي حكيناها، ربما الريف الأرض والتُراب والوطن. أشعُر أنّ المرأة ركنٌ من أركان قصيدتك

علاء جانب: المرأة ليست ركناً، المرأة هي عامود الخيمة في قصيدتي، بعد ذلك أنت "زاهي وهبي" الذي كلّ شعره ينصِف المرأة وكلّ الكتابات والقصص عليها

زاهي وهبي: شعر "تويتري" (يضحك)

علاء جانب: (يضحك). يعني المرأة هي كما قلت عامود الخيمة وهي الرُكن الأساسي في الحياة لأنّه بلا امرأة كيف تكون الحياة؟ كيف تتصوّر الحياة؟ أعتقد أنّ الحياة ستكون نوعاً من أنواع العذاب إذا كانت

زاهي وهبي: نعم، سنستمِع لاحقاً إلى شيء مجدّداً من الشِعر، هي طلبت قصيدة "الطريق" ولكنّها قصيدة طويلة جداً

علاء جانب: "ورود" لأنها ريفية النشأة أيضاً تُحِبّ هذا اللون من ألوان الكتابة

زاهي وهبي: نعم

علاء جانب: وهي صدقت في ما قالت في أنه فعلاً قصيدة النثر أجِد فيها نفسي بشكلٍ كبير وإن كان الجمهور عرَفني شاعراً عامودياً

زاهي وهبي: ولكن ترتاح أكثر في الشِعر الحرّ

علاء جانب: طبعاً، النفس يكون أكبر

زاهي وهبي: سنُتابع مع حضرتك ولكن نتوقّف مع استراحة سريعة ثمّ نُتابع "بيت القصيد"

المحور الثالث    

زاهي وهبي: مُشاهدينا الكرام نُتابِع "بيت القصيد" مع الشاعِر العربي المصري الدكتور "علاء جانب". دكتور "علاء" قلنا أنّ حضرتك عُرِفت كشاعِر تكتب القصيدة العامودية ولكنّك ترتاح أكثر في قصيدة النثر وفي القصيدة الحُرّة. أيضاً تكتُب باللهجة العاميّة المصرية وليس فقط الفُصحى. أزهري يكتُب باللهجة العاميّة، يعني الأزهريين لا يستسيغون العاميّة عادةً، ينظرون إليها نظرة دونيّة بعض الشيء

علاء جانب: بالعكس يعني، هناك بعض القصائِد العاميّة كان أحياناً والله رئيس الجامعة يطلبها منّي شخصياً لما فيها. القصيدة العاميّة كتبتها لأنني إبن البيئة المصرية، فمُتشبِّع بالريف المصري، مُتشبّع أيضاً بالشارِع المصري بعدما انتقلت إلى (القاهِرة)، وأنت من وجوه الناس تأخُذ قصيدتك، من كلام الناس تأخُذ قصيدتك، فهذا نوع من أنواع التفاعُل الحميم بيني وبين الناس. أنا في بعض التجارب لم يكن ينفع أن تُكتَب بغير العاميّة فكتبتها بالعاميّة. لكن عندما أكتُب بالعاميّة أكتُب بلهجتي الصعيدية

زاهي وهبي: أتعطيني مثالاً لو سمحت من الشِعر العامّي الذي تكتبه؟ يعني مُختَصَر إذا أمكن

علاء جانب: والله ممكن أن أُسمِعكَ مقطعاً مثلاً من قصيدة إسمها "قصيدة شعري والقمرة"

زاهي وهبي: نعم

علاء جانب: أحكي فيها عن نفسي وعن بيئتي الصعيدية وأقول:

أنا تربيّت رباية النخل ما بين الجبل والريف

ده عيب، ده حرام، ده ما يصحَّش

وده عمّك وده خالك وعزوة وعيلة

لو ناديت يجوني ألوف فسامحيني

أنا مش ح اقدر أبقى الناعِم الفافي

وأجيلك أهزّ ف كتافي ونزِّل بنطلوني لتحت

ما لو بعرِف ما كنت ارتحت

أنا أتقنت لهجتكم وبعرِف أقول بقى وما بقاش

لكن جلابيتي لابساني وعلى راسي بياض الشاش

وحرف الجيم على لساني ب قوله بنفس لهجتنا

ولا أرضاش أبيع الشمس بالغالي

فكيف ح ارضى أبيع ببلاش؟

أجيبها منين بلاد الأصل والواجب

وفيها العين ولا تعلى عن الحاجب

لا فيها النخل متعنطِز ولا فيها السما دعاتير

ورغم ان السكك عرجا ورغم أن البيوت عواجيز

بنتعكِّز على روحنا ونتّكّى على طموحنا

فنطلع ضحك في البراويز

تلاقينا ف طفولتنا عيال ساكنة ف بلاد الجنّ

كتاف بتزنّ من تقل الحمول ما تئِنّ

وأوّل درس خدناه في الحساب

إجمع، أنا وأخوي على ابن العمّ

وأنا وأخوي وابن العم على كيد الغريب نتلمّ

وزي الميَّة مش ممكن يكون الدم

ونِكره كلمة الناقص ونكرة شَرطِة السالب

عيال مخروطة عالقالب

وفي الكُتّاب يفتح مندرة وجامع

ويِفرِد حسّه في الدنيا سجر ظلّه  

على أمّه اللي رمّلها الزمان بدري

فقالت، هو ده رَجلي

وقالت، هو ده إيدي وده رِجلي

يبات بالجوع ولا يمدِّش عينيه على لُقمة بطّالة                       

وفي الشِدّة تلاقيه يشتدّ وراجِل يِحفَظ الحُرمة

ويِعرِف للجمايِل ردّ

زاهي وهبي: شكراً وتحيّة لـ (الصعيد) ولأهل (الصعيد) خصوصاً بلدتك ومُحافظتك (سوهاج). دعنا نذهب (صعيد مصر) إلى (تونس)، نستمع لرأي في تجربتك ضمن "كلام يوصل" من الشاعِرة التونسية الأُستاذة "هندة محمود"

كلام يوصل

هندة محمود – شاعرة: الشاعر الجميل والصديق والأخ "علاء جانب" بداية معرِفتي به كانت سنة 2013 عندما كان يتقلّدُ بُردة الإمارة ويعتلي عرش الشِعر. شاعرٌ جميل عميقٌ في بساطته وكبيرٌ بشِعرِه وأخلاقه، أُتابعه ويُتابعني وبيننا روابِط أخويّة جميلة جداً، أحترِمُ إنسانيّته. ما يُعجبني بهذا الصديق الأخ أكثر من الشِعر وأكثر من النصّ، أنّه يُشبهُ نصّه كثيراً على عكس الكثيرين اليوم. لديه قُدرة فائِقة على كسر أيّ حاجِز بينه وبين المُتلقّي. بكلّ بساطة وبكلّ أريحيّة يستطيع أن يُحوِّل اليومي والتفاصيل اليومية إلى شعرٍ جميل وإلى نُكتة مثلما يقول إخواننا المصريون، "دمّه خفيف". أحترِمُ جداً هذا الصديق الأخ، نتواصل دائِماً بكلّ جمال وبكلّ محبّة، أقرأ نصوصه باستمرار على كلّ مواقع التواصل الاجتماعي ويُتابعني. نتحدّث كثيراً عن الشِعر، نتحدّث عن الساحة الشِعرية، نتحدّث عن نصوصنا، يتحّدث عن نصّي، ربما ما يحصل اليوم في الساحة الشعرية العربية وهذا الاختلاط وهذا الضجيج وهذه الضجّة ربما أخفت الكثير من المواهِب الشِعرية اليوم ولكن هذا الشاعِر، هذا الشاعِر الجميل، يُحاول دائِماً أن يُعطي لكلّ نصّ جيِّد، لكلّ نصّ جميل حقّه ومكانته في هذه الساحة الشِعرية الجميلة. الشاعر "علاء جانب"، باعتبارِكَ أُستاذ أدب عربي ولكَ في النقدِ إلى جانب الشاعر. كيف تُقيِّم الساحة الشِعريّة العربية اليوم وكيف ترى موقعكَ فيها؟

زاهي وهبي: شكراً للشاعِرة التونسية الأُستاذة "هندة محمود"، تفضّل

علاء جانب: "هندة" أيضاً زميلة من موقِع آخر لأنّها هي أيضاً مُعلِّمة تعمل في التعليم وأنا تابعتها في برنامج "أمير الشُعراء" لأنها كانت إحدى المُشارِكات في البرنامج وهي شاعِرة تتميّز بالرِقة، يعني كلّ الكلام الذي قالته عنّي كأنها كانت تتحدّث عن نفسها، كأنّ هي التي فيها إنسانية طاغية. "هندة" أنا أتعامل معها بالفِعل كأننا أخَوان رغم أننا لم نلتقِ التقاءً

زاهي وهبي: أكثر خير وسائِل التواصل التي قرّبت بيننا جميعاً

علاء جانب: أي والله، وطبعاً كلّ الشُكر لـ "هندة" وكلّ التحيّة لها وللشعب التونسي

زاهي وهبي: أشارت إلى نُقطة مُهمّة، أنّ حضرتك تُشبه قصيدتك. نعاني أحياناً، وأُلِّفَ كُتُب عن ازدواجية المُثقف العربي أحياناً. هناك شُعراء يشبهون قصيدتهم وهناك شُعراء تبقى الفجوة في قصيدتهم. حضرتك كأنك تعيش القصيدة، تعيش الشِعر، كأنّ الشِعر نمط حياة وسلوك وطريقة تعامُل مع الآخرين وليس فقط قصيدة نكتُبها ونُلقيها أو ننشُرها

علاء جانب: شوف، ربما في القرآن الكريم هناك آية يؤمَر فيها النبي (ص)  بأن يقول، "وما أنا من المتكلِّفين"

زاهي وهبي: نعم

علاء جانب: أنا عدوّي الأول في الحياة بعد الغباء يعني، التكلّف، وتمثيل شيء غير حقيقي. طبعاً هذا لا دعوة له بفنّ التمثيل لأنّ هذا فنّ آخر، إنّما كون الإنسان بوجهين، يعني حتّى نقائِصي أنا أحياناً أُعلِنها وأنا فخور بها

زاهي وهبي: لا أحد منّا كامِل

علاء جانب: بالضبط، ففكرة أن يكون المرء صادقاً، دائِما التكلُّف في أيّ شيء وليس في الشِعر فقط. في الكلام، في النوم، في الأكل والشُرب، في أيّ شيء التكلُّف يُفسِد العلاقة بينك وبين الكون

زاهي وهبي: نعم، ورداً على سؤالها، بما يتعلّق بمشهد الشِعر العربي؟

علاء جانب: فقط دعني أُحيي "هندة" أيضاً لأنّ هذا نقد، كونها ترى أنّ شاعراً، بغضّ النظر عنّي أو عن غيري، يُشبه قصيدته، هذه القراءة تدلّ على أنّ "هندة" أيضاً قارِئة رفيعة الطراز وصاحبة ذوق عالٍ، فأُحييها على هذا. مسألة رأيي في الساحة الشِعرية في الوطن العربي أنّها ساحة عامرة وفيها الكثير من الأسماء الرائِعة وفيها كثير من الأسماء التي تستحقّ أن تُتابَع وكثير من الأسماء التي ربما غُمِطت حقها في وسائِل الإعلام أو ما إلى ذلك، وكلّ الشُكر لوسائِل التواصل لأنها عرّفتنا عليهم

زاهي وهبي: وسائِل التواصل عرّفتنا على شُعراء جيّدين جداً وعلى مواهب كبيرة ولكن في نفس الوقت ملآى بأشباه الشُعراء أو بأدعياء الشِعر. الآن تجد البعض، على الأقل العُدّة الأساسية التي هي اللغة

علاء جانب: الأدوات

زاهي وهبي: الأدوات، لا يمتلكون الأدوات

علاء جانب: صحيح. كما كلّ شيء له مميّزات أيضاً يكون له عيوب، يعني وسائِل التواصل أيضاً من عيوبها أنها رفعت أسماء لا تستحِق أن تُرفَع، يعني تستحِق أن تُجَرّ إنما تُرفع لا. الشق الثاني من سؤال "هندة" وهو موقعي أنا من الساحة، هذا في الحقيقة لا أُحدّده أنا وإنما يُحدّده النُقّاد ويُحدّده المُتابعون

زاهي وهبي: القرّاء والمتلقّون

علاء جانب: لكن أنا أستطيع أن أرى في نفسي، ولي الحق في هذا، أنني على الأقلّ شاعِر مؤثِّر

زاهي وهبي: بمَن؟ مؤثِّر بمَن؟

علاء جانب: مؤثِّر بمَن يقرأ لي، يعني في الساحة كلّها. عندي تلاميذ كُثُر يأخذون رأيي في القصيدة ويؤمنون بوجهة نظري أو بمنهجي في صوغ القصيدة. أنا صاحِب مدرسة في الكتابة

زاهي وهبي: حضرتك تقول أو عِندك قصيدة تُعرِّف فيها الشِعر تقريباً، تقول الشِعر أن تلِدَ القصيدةُ

علاء جانب: أن تلِدَ القصيدةُ ربّها

زاهي وهبي: بأيّ معنى؟

علاء جانب: فكرة أن تكون القصيدة نابِعة منك وتكون هي أنت، يعني هذا الكلام الذي نحكي فيه قبل قليل تدعيماً لكلام "هندة"، فكرة أن يُشبِه الإنسان قصيدته. القصيدة حين تكون أُمّك، تلِدَك بمعنى أن تُخرِجك إلى العالم، هذا الإخراج الذي لا يعرِفه الناس عنكَ في البروفايل أو في الفورم الخارِجي، الشكل الخارجي، وإنّما تُخرِج ما في داخلك، يعني "تطلِّع روحك"، تُطلِّع روحك بالمعنيين. تُطلِّع روحك بمعنى تعرِض روحك على الناس، وتطلِّع روحك بمعنى أنها تضجرك إلى أن تطلع

زاهي وهبي: مشقّة ولادة هذه القصيدة. حسناً، نستمِع إلى مقطع شِعري قبل الاستراحة إذا تُريد؟

علاء جانب: حسناً. دعنا نقول قصيدة من القصائِد الخفيفة

زاهي وهبي: هكذا نكون لبّينا بشكلٍ غير مُباشَر طلب "ورود" أيضاَ

علاء جانب: دعني أُسمِعكم قصيدة "اعتذار"، وهي من الشِعر الغزلي كنتُ أعتذِرُ فيها إلى حبيبةٍ ما

زاهي وهبي: تفضّل

علاء جانب:

مثل اليتامى، دموعي فوق كُرّاسي

سهران أضرِبُ أخماسي بأسداسي

يومان والنارُ ترعى في الضلوعِ

وما معي من الماءِ إلّا

قلبكِ القاسي

خاصمتني فكأنّ الماء خاصمني 

ولم يعُد لي سوى أنّات وسواسي

يا رِقّة الورد لمّا نامَ فوق يدي

فسال قطرُ الندى من كفّ إحساسي

أرقَّ من ماءِ عيني كنتِ بين يدي حُزني

وأرهفَ من ترديد أنفاسي

فما لعِطرِكِ لم يُشفِق

على خجلي إن اعتذرت

وبي جرحٌ بلا ناسِ

وكنتِ وحدكِ، وحدكِ، كلّ الأصدقاء

فهلّ يشفي نحيبي بهذا الليلِ جُلّاسي؟

وكنتِ أحنى الضلوعِ الحانياتِ على حُزني

وعُمري يصُبّ المرّ في كاسي

وكنتِ كفّاً كأنّ الله أرسلَها لمّا تيتّمت

كي تمشي على راسي

بالله يا سكرة الحُمّى ورعشتها

قولا لها ذاب، قولا لها تاب

هزّا قلبها الناسي

وذكِّراها بأنّ الليلَ عذّبني

وأطفأت كفُّه بالهجرِ نبراسي

وأنّ صوت عذابٍ بات يلسعني

كأنّه جرسٌ في ليلِ قُدّاسِ

نعم جرحتكِ لكن مُتُّ من خجلي

وذقتُ نارين من قيدي وحُرّاسي

حبيبتي، وحرامٌ أن أقولَ أنا حبيبتي

لسوى شقّي وإيناسي

أصابعي في سلامي كلّها خجلٌ

أنا المُكرّمُ في أهلي وفي ناسي

فضحتِ رقّة قلبي يا مُلوِّعتي

وكنتُ أحسبُ نفسي الشامخ الراسي

إذا خلوتُ إلى نفسي بكيتُ دماً

وقُلتُ حقُّكِ يا روحي على راسي

لكن واضح أنّك تستأهل الذي فعلته بك (يضحك)

علاء جانب: (يضحك)

زاهي وهبي: أيضاً تؤكِّد هذه القصيدة على ما قلته حضرتك في البداية في "علامة فارِقة" من أنّ الحُزن يُكتِبُكَ أكثر من الفرح

علاء جانب: من السعادة

زاهي وهبي: نعم، سنُتابِع مع حضرتك ولكن نتوقف مع استراحة سريعة ثُمّ نُتابع "بيت القصيد"

المحور الرابع   

زاهي وهبي: مُشاهدينا الكرام نُتابع "بيت القصيد" مع الشاعِر العربي المصري الدكتور "علاء جانب" الجائِز  لقب "أمير الشُعراء" عام 2013 والأكاديمي والأُستاذ في "جامعة الأزهر" في (القاهرة)، أُستاذ الأدب العربي. ليتَ عندنا وقت لتحدّث أكاديمياً أيضاً ونقدياً ولكن هذه الليلة نكتفي بالشِعر. لكن لفَتَ نظري في البداية، حضرتك قلت أنّكَ يعني متأثِّر أو مُعجب بـ "عمّار الشريعي". طبعاً أنا صار لي فرصة أن تعرّفت عليه وحاورته، وفعلاً ألله يرحمه كان شخصيّة آسِرة. لماذا تُلهِم حضرتك هذه الشخصية؟

علاء جانب: في بداية أحلامي أن أكون أُستاذاً للنقد الأدبي. المادة الأساسية التي تجعلك على علاقة بالشِعر أكثر وبروح الشِعر هي مادّة تحليل النصوص

زاهي وهبي: نعم

علاء جانب: "عمّار الشريعي" كان يُحلّل اللحن والنغمة وكان يُقدِّم برنامجاً في الإذاعة اسمه "غوّاص في بحر النغم"، فكان يُشرِّح النصّ الموسيقي إذا أمكننا أن نُسمّي الموسيقى نصّاً، كان يُشرِّح اللحن ويُحلّله إلى مُفردات في غاية الجمال وهو يشرح الألحان، ويعطيك الدلالات التي يحملها الـ Tone أو النغمة، كلّ نَغمة تحمِل دلالة، ويُريك كيف تتكوّن الدلالة معنوياً وروحياً من الموسيقى. فكانت هذه القُدرة عند "عمّار الشريعي على شرحِ الموسيقى أنا كنت أتمنّاها لنفسي في شرح

زاهي وهبي: الشعر أو النصّ

علاء جانب: الشعر، ولعلّ هذا الأمر جعلهم، حتّى في الجامعة دائِماً يسندون إليّ تدريس مادة موسيقى الشِعر لأنها موسيقى وشِعر معاً، العروض والقوافي والأوزان المُستحدّثة حتّى التي جاءت بعد أوزان "الخليل بن أحمد" مثل الموشّحات والمُخمّسات وغير ذلك من الأشكال والأسجال وغير ذلك من الأشكال التي استُحدِثت بعد "عروض الخليل"، شخصية "عمّار" كانت آسِرة جداً كما تفضلت في وضوح الفِكرة في نفسه هو ثمّ إخراجها واضِحةً إلى الناس بنفس الطريقة

زاهي وهبي: نعم، وبسلاسة وإمتاع. لمَن تقرأ؟ من شُعرائك؟ من هو الشاعر الأقرب إلى نفسك؟

علاء جانب: والله أنا انتقائي جداً في مسألة القراءة، ليس عندي شاعِر واحد هو المُفضّل. لكن الشُعراء الأقرب إلى البساطة هم الذين أُحبّ أن أقرأ لهم، يعني دائِماً أستبعِد الشُعراء الذين عندهم تكلُّف حتّى وإن كان البعض يرى فيهم عظمة وإلى من هنالك. طبعاً أنا عندي من الأدوات في القراءة وفي الأكاديمية ما يؤهّلني لقراءة أيّ شاعِر

زاهي وهبي: ومن الشُعراء يعني

علاء جانب: لكن من الشُعراء القدامى يأسرني "امرؤ القيس" و"زهير بن أبي سلمى" في العصر الجاهلي

زاهي وهبي: نعم، "زهير" في الحِكمة وهذه الأشياء، و"امرؤ القيس"؟

علاء جانب: في الغزل والانفتاح، الأمير الضلّيل، وبعد ذلك

زاهي وهبي: يعني بين "جميل" وبين "عُمر"، بين "جميل بُثينة" وبين "عمر بن أبي ربيعة" لمن تنحاز؟ لو أوقفتك بينهما إلى أين تُخطو أول خطوة؟

علاء جانب: لو طبيعتي الشخصية، تذهب ناحية "جميل بُثينة"

زاهي وهبي: الشِعر العُذري

علاء جانب: نعم، لكن أنا مفتون بمدرسة السهل المُمتنِع وهذا الجموح الشِعري عند "عمر بن أبي ربيعة" الذي هو الأُستاذ الأول لـ "نزار قبّاني" لاحقاً في الشِعر العربي

زاهي وهبي: أُستاذنا كلّنا في هذا المعنى

علاء جانب: وهو أيضاً في مسألة الكتابة على لسان المرأة كان أوّل شاعِر يتحدّث على لسان المرأة ويُبيِّن عالم النساء بشكلٍ كانت البيئة ترفضه في هذا الوقت. والسيّدة "سُكينة بنت الحُسين" نقدته في هذا الأمر وقالت، " أنت تغزّلتً بنفسِكَ ولم تتغزّل بحبيبتك" عندما قال:

بينما ينعتنني أيصرنني دون قيد الميل يعدو بي الأغرّ

قالت الكُبرى "أتعرِفن الفتى"؟ قالت الوسطى "نعم هذا عُمر"

قالت الصُغرى وقد تيّمتها "قد عرفناه وهل يخفى القمر"؟

فالسيّدة "سُكينة" قالت له أنت تغزّلتَ بنفسِك ولم تتغزّل بحبيبتك

زاهي وهبي: وكانت السيّدة "سُكينة" ضليعة في أمور الشِعر والأدب

علاء جانب: نعم، رضيَ الله عنها وعن أسلافها

زاهي وهبي: ونتمنّى أن يُسلّط الضوء على تجربتها في هذا المجال. نذهب إلى شاعر زميل لحضرتك وصديق وشارك أيضاً في برنامج "أمير الشُعراء" ونال المركز الثاني في سنة أُخرى غير التي حضرتك

علاء جانب: "عصام خليفة" أكيد

زاهي وهبي: نعم، الأُستاذ "عصام خليفة". إلى (مصر)

كلام يوصل

عصام خليفة - شاعر: "علاء جانب يمتلِك مُفردات مدرسة "الأزهر". هو أكاديمي ويعمل في "الأزهر"، فهو عنده اللغة القوية، المُفردة القوية، وأعتقد أنّ الأزهر منحه أدوات قويّة جداً في التعبير ولي فقط في القصيدة. هذه المُفردات تختلِط بالذكاء الفِطري لـ "علاء". أنا أجد "علاء" مُبدِع حقيقي، ومنظومة الإبداع أو خارِطة الإبداع بسيطة جداً وهي امتلاك الأدوات والامتلاك فطرة اللا مألوف أو البحث عن اللا مألوف أو أن يأتي بشيء جديد، وأعتقد أنّ هذه المزيج ساهم في صناعة هذا المُبدِع "علاء جانب". "علاء جانب" يستطيع أن يجمع بين جزالة القصيدة وعُمق المعنى والتواصل الجماهيري وهذه مُعادلة نحن نفتقِر إليها جداً. يعني القصيدة العربية حائِرة بين الاستغراق في الغموض ومن ثمّ تفقُد تواصلها مع الجمهور، أو التسطّح، أنها تصل إلى الجمهور ومن ثمّ تفقِد فنّيتها. "علاء جانب" استطاع أن يُحقّق معادلة الجمع بين الفنية والجماهيرية بشكلٍ جيِّد جداً، وأنا شخصياً أستمتِع جداً بأشعار "علاء" لما يُقدِّمه من أفكار وبما يملكه من السهل المُمتنِع في استخدام المُفردات. يعني هو دائِماً يجيد استخدام المُفردات الجزلة القوية مع توصيل المعنى ببساطة بحيث يصل إلى مُستويات مختلفة بدايةً من المُتلقّي العادي حتّى المُتلقّي المُتخصّص، أنا أجده شاعراً مُبدعاً حقيقياً وشخصاً يمتلك من الثراء الفِكري ما يجعلك تستمتِع بالحوار إليه، ويمتلِك من خفّة الظلّ، وربما خفّة الظلّ هذه في أصوله الصعيدية و(صعيد مصر) مليء بوسائِل التعبير، وخفّة الظلّ أيضاً تجعل هذا الشخص منظومة متكاملة ويمتلك من الكاريزما ما يجذب الأصدقاء إليه. من الأشياء التي تُقلقني كشاعر، وربما أنا كنت أتكلّم مع "علاء" منذ عدّة أيام في هذا الموضوع، مشهد الساحة في المستقبل. ماذا سيكون دور القصيدة العربية.؟ وماذا سيكون دور النقد؟ حتّى أنني كنت أقترِح على "علاء"، وهو شخص أكاديمي وأُستاذ أدب ونقد في "جامعة الأزهر"، في أنه كما أثرى الساحة بكتاباته الشِعرية فأقول له: لماذا يا "علاء" لا تُقدِّم كتابات نقدية؟ نحن نريد أن نرى "علاء" الناقد، نُريد أن نرى مشهد الشِعر العربي وكيف سيكون بعد ثلاثين أو أربعين سنة. نحن كلّنا مهمومون بمستقبل القصيدة العربية لأننا نجدها جزءاً من الثقافة الرئيسية أو المُكوِّن الثقافي الرئيسي لهذا الوطن. والله أريد أن أقول له، أيمتى سنتقابل؟ منذ فترة طويلة نريد أن نتقابل وكلانا انشغلنا ولم نعرِف أبداً كيف سنتقابل، فلو سنطرح سؤالاً بسيطاً أقول له: أنا أتمنّى لقاءك قريباً، ولو سنطرح سؤالاً أكثر عُمقاً سأقول له: ما هو مشروعك القادِم في كتابة القصيدة أو ما هو مشروعك الشِعري القادم في الخمس سنوات القادمة؟  

زاهي وهبي: شكراً للشاعِر المصري الأُستاذ "عصام خليفة"، تفضّل

علاء جانب: الدكتور "عصام خليفة" الصديق والأخ العزيز، "عصام" بالمناسبة جرّاح قلب وطبيب ويُعطي مُحاضرات في التنمية البشرية، فهو شخص متواصل مع كلّ الأشكال، وهو يتحدّث عنّي ويقول أنّ عندي ذكاء فطرياً لكن "عصام" أكثر ذكاءً وأكثر حضوراً

زاهي وهبي: أتعلم؟ هناك الكثير من الأطباء الذين يكتبون الشِعر؟ أنا لاحظت هذا الأمر، وكأنهم يهربون من مهنتهم، يُصبح جسد الإنسان غير يعني 

علاء جانب: أجل لأن مهنة الطب، يريد أن يتّجه ناحية الروح، هو يتعب من كثرة

زاهي وهبي: وكأنه يُصلِّح عندما يشتغِل في الجراحة خصوصاً

علاء جانب: وكأنه يُصلِّح تلفزيون

زاهي وهبي: وكأنه يُصلِّح تلفزيون أو يُصلِّح آلة، فيتجهون إلى الكتابة ربما ليعوّضوا

علاء جانب: هناك الكثير، كان الطب والشِعر والفلسفة أيضاً عند "إبن سينا" مثلاً، أحد أسلافنا المعروفين

زاهي وهبي: طبعاً، سابقاً كان الشاعِر والفيلسوف والطبيب

علاء جانب: كثيراً ما كان يرتبِط الطبّ بالشِعر من القديم. الدكتور "إبراهيم ناجي" كان صاحِب قصيدة "الأطلال" المشهورة، الدكتور "أحمد تيمور" في (مصر)، يعني هناك أكثر من إسم من الأطباء صنعوا أسماء الشِعر

زاهي وهبي: مشروعك الشعري المُقبِل؟

علاء جانب: "عصاك" مُصِر على أن يحدّثني بلغة السياسيين لأنه شخص طبعاً يهتمّ بالشأن السياسي كثيراً، ويريد خطّة خمسية. والله الآن هناك ديوانان مُعدّان للطباعة، لكن الحقيقية

زاهي وهبي: أنت حتّى الآن أصدرت أربعة دواوين

علاء جانب: أربعة دواوين وهناك ديوانان إن شاء الله سيُشاركان في معرض الكتاب القادِم بإذن الله

زاهي وهبي: طبعت الشعر العامّي؟ العامية المصرية؟

علاء جانب: لا، لم أطبع بالعامية بعد لكن عندي ديوان في الشعر العامي أيضاً قيد الإنجاز

زاهي وهبي: لازم، ضروري، بعد الذي سمعناه ذكّرتني بـ "الأبنودي" وعالم (الصعيد)

علاء جانب: لا، "الأبنودي" عالم آخر. فهناك إن شاء الله ديوانان. أنا مهتمّ وأُفكِّر بشكلٍ جدّي في الفترة القادمة بالمسرحية الشِعرية لأنها الأكثر تحمّلاً لما وصل إليه العُمر الآن والقراءات والثقافة. ما عادت القصيدة التقليدية العادية تتحمّل

زاهي وهبي: تستوعب هذا

علاء جانب: تتحمّل هذا الزخم، يعني عندما أحببت أن أكتب قصيدة كتبت قصيدة "الطريق فأخذت منّي خمسين صفحة في الديوان الأخير

زاهي وهبي: يعني ديوان قائِم بذاته يمكننا أن نقول

علاء جانب: هي كانت ديواناً فعلاً قائِماً بذاته

زاهي وهبي: كتبت في المدائِح النبوية أيضاً؟

علاء جانب: نعم، في المدائِح النبوية وعندي مُطوّلات في المدائِح النبوية

زاهي وهبي: هذا ناتِج من "الأزهر"

علاء جانب: ناتِج من الإسلام، وليس هناك مُسلِم لا يُحبّ النبي عليه الصلاة والسلام؟ يعني أيّ شاعِر مُسلِم طبيعي أن يتّجه طبعاً، ما عدا "المتنبّي"، هو الوحيد الذي لم يمدح النبي عليه الصلاة والسلام، إنما كلّ الشُعراء

زاهي وهبي: لأنه يريد أن يكون ندّاً  

علاء جانب: نعم؟

زاهي وهبي: يريد أن يكون ندّاً للنبي، ومن أجل هذا سُميَ "المُتنبّي"

علاء جانب: مدح "كافور الأخشيدي" ولم يمدح النبي عليه الصلاة والسلام

زاهي وهبي: غيرةً، و"بلا قياس وتشبيه" كما نقول بالعامية اللبنانية، طبعاً المُقارنة لا تجوز، لكن هو كان يُفكِّر ربما بهذه الطريقة

علاء جانب: هو وذاك. لكن طبعاً الدراسة في "الأزهر" جعلتني أتعرّف على "البوصيري" وأصحاب المدائِح النبوية عن كثب

زاهي وهبي: نعم. إن شاء الله في حوارات مُقبلة نتحدّث أكثر عن نظرتك العامة وعن واقع الشِعر واللغة، وعلاقة أبناء اللغة العربية اليوم باللغة العربية. اليوم اكتفينا بالإضاءة على بعض مفاصِل تجربتك، سأترُك مسك الختام لحضرتك شعراً. نختُم اللقاء وأنا سُعِدت حقيقةً بلقائك، تفضل

علاء جانب: دعنا نقول قصيدة "لم يفهموك"

زاهي وهبي: تفضل

علاء جانب: لأنّ بعض الأصدقاء طلبوا منّي هذه القصيدة. القصيدة تقول:

لَم يفهموك فدع قوماً وما اعتنقوا

لو أنهم فهموا نوحاً لما غَرِقوا

إذا نظرتَ إلى أعلى أفَقْتَ على

تلك الحبال مدلاةً بمن شُنِقوا

أو انحنيت أراكَ الماءُ نرجِسةً

فى ظلمة الجبِّ والإفكَ الذي اختلقوا

زِدني من الخمر كاساً إنّ لي

وتراً لآخر الحزن يرميني فأَحترِقُ

لا تبخلي في رثائي يا مُعدِّدتي

فالروح عصفورةٌ فى اللحنِ تنعتقُ

أيقظتِ ذكرى التي ذابت على شفتي

وذوّبتني، فكان الماءُ والألقُ

ذبيحةٌ وذبيحٌ لم يَدَع لهما

حبُّ الحياةِ يداً لمّا قضى الشَبَقُ

أعطيتها نجمةً من قبلتي فبكت

كأِن طفلاً وراء الدمع يختنقُ

مَرَّ المغني وكان الدمع محتبساً

فحين سال غناءً أجهش الأفُقُ

فحين سال غناءً أجهشَ الأُفقُ

فزِدْ من النايِ سَحاً في العروق

ففي ناي الحنين إذا هاج الأسى رَمَقُ

وَطَفِّفِ الكاس فالسكّينُ باردةٌ

رَوْحاً وجيئاً وحلقي مُتْرَعٌ فَهِقُ

يا ذي البلاد التي ما ارتاح عاشقها

نام الضمير فَنَم يا أيها الأرَقُ

بَحَثْتُ عن وجه أمّي ما اهتديت له

ولم يقُدني إلى الجبانة العَبَقُ

أما تعرفتِ يا أمّي على جسدي

بين التوابيت ملقىً مسَّني الرَهَقُ

أنا القتيل وقومي استخسروا كفني

أنا القتيل وقومي استخسروا كفني

أنا الشقيُّ الذي أدمَت يدي الرِّبقُ

هذا المساء إلى عرسي سيحملني

أنا الشهيدُ ونعشي ذلك الشفَقُ

أنا اللقيطُ الذي ألقيتِهِ سَحَرا

أمَامَ مسجدِ من صلّوا وما صَدَقوا

إمامهم سامريٌ لا إله له

إلا الجنون إذا ما غامَت الطرقُ

قالوا أحبوك يا موسى وقد كذبوا

لو أنهم صدقوا في الحب ما افترقوا

لم يؤمنوا بي يا أخت اجمعي سُحُباً

أبكي بهنَّ إذا ما خانت الحَدَقُ

هارونُ أعطيتهُ عهداً فضيّعهُ

وفَاتَني وعليَّ الأرض تنطبقُ

ما أوْجَعَ الأخَ مطعوناً بكف أخٍ

وليس أوْجَعَ من كفٍ بها نَثِقُ

فزد من الخمر أُخرى واستمِع شَجَني

إن السكاكين فى ضِلعيَّ تصطفِقُ

خَرَجتُ من ملتقى البحرين مرتجفاً

الماء أعمى وفي أمواجِهِ نَزَقُ

يا رب أَشْهَدُ كذابون مُذْ شَهروا

سيف الخصامِ وعن دين الهوى مَرقوا

شقوا عصايَ وما رقوا لنائِلةٍ

لمّا افتدتني وفي هدر الدم استَبَقوا

عَوَتْ ذئابٌ فكان السيفُ سيِّدنا

ودعوةُ الناسِ يا فوضى ويا قَلَقُ

وقامَ في الليلِ غِربانٌ على شَجَرٍ

يصوتونَ نشازًا كلما اتفقوا

فانظر سمائيَ والأيدي تُمَزِّعُها

ما خِيطَ جُرْحٌ بها إلا وينفَتِقُ

للآن، للآن نَمشي على الشوكِ القديمِ

فما حَنَتْ علينا يدٌ أو هزنا وَدَقُ

أو صافَحتنا يَدٌ للعدلِ في زَمَنٍ

دون الرغيفِ بهِ أن يُكْسَر العُنُقُ

حريةُ الشِعرِ بالِأقلامِ كافِرَةٌ

ولم يعد واثقاً في الكاتبِ الوَرَقُ

توزَّعتنا متاهاتٌ مُضَلِّلَةٌ

فكل قوم حيارى قادهم نَفَقُ

مؤذِّنون إلى السلطان قِبلتُهم

وخائنون إلى العدوانِ قد سبقوا

وجائعون كلابُ البطنِ تَنهَشُهُم

وبائعونَ إذا ما استؤمنوا سَرقوا

وفوضويون جاءتهم على طَبقٍ

فأحرقوها، وفي نيرانها احترقوا

زاهي وهبي: شكراً جزيلاً دكتور "علاء جانب"، شرّفت "بيت القصيد" أهلاً وسهلاً

علاء جانب: شكراً لك أُستاذ "زاهي"، وأنا شاكِر على الدعوة الكريمة وأتمنّى أن تتكرّر إن شاء الله لقاءاتنا

زاهي وهبي: إن شاء الله. شكراً لفريق العمل، لمُخرِج البرنامج "علي حيدر"، المُنتِجة "غادة صالِح"، والشُكر الأكبر دائِماً لمُشاهدينا في كلّ أنحاء العالم، نلتقيكم الأُسبوع المُقبل على خير بإذن الله

 

البرنامج

إعداد
زاهي وهبي وغادة صالح
تقديم
زاهي وهبي
المنتج
غادة صالح
إخراج
علي حيدر
الايميل