سامي علوية - المدير العام للمصلحة الوطنية لنهر الليطاني

 

مايا رزق: طابت بالخير أوقاتكم مشاهدينا الكرام.

عندما زار أحد مؤسسي الكيان الإسرائيلي فرنسا عام 1919 للمشاركة في مؤتمر باريس للسلام، حمل دايفيد بن غوريون خريطة دولته المزعومة التي تضمّنت وقتذاك ما يُعرف اليوم بنهر الليطاني.

كيف لا والليطاني الذي يوصَف بقصر الماء في المنطقة العربية يُعَدّ شرياناً أساسياً للحياة حيث يستفيد منه ثلث اللبنانيين.

كانت إسرائيل تدرك جيّداً أهمية هذه الثروة المائية، فأنشأت على مر السنوات لجاناً لدراسة هذه الثروة.

عقيمة ظلّت المحاولات الإسرائيلية لسلب لبنان مفتاح مستقبله كما وصفت لجنة "كلاب" الاقتصادية التابعة للأمم المتحدة هذا النهار عام 1949.

وإن سلم أطول نهر في البلاد وأكبرها وأهمّها استراتيجياً من الاحتلال في الماضي، فهو اليوم ضحية الجهل والاستغلال والفساد على أنواعه.

بينما أقدّم لحضراتكم هذه الحلقة، تتّشح منطقة بر الياس بالسواد، حيث تخسر هذه البلدة البقاعية كلّ يوم أحد أبنائها أو بناتها بسبب التلوّث، يقول ناشطون بيئيون.

عشرات المدارس تقع على طرف نهر الليطاني. إحداها ودّعت تلميذتها صيف العام الماضي بعدما فتك بها السرطان.

نعمة الليطاني إذاً باتت نقمة صحية، يقول الخبراء، حيث ربطوا بين ارتفاع نسبة الإصابة بالسرطان وغيرها من الأمراض الجرثومية وتلوّث النهر، فلا يكاد النهر يبتلع مياه الصرف الصحي حتى يقذفها على مزروعاتٍ ومنتوجاتٍ موجودة اليوم في منزل كلّ لبناني.

ولعلّ مشكلة الليطاني هي صورة مطابقة تماماً لفشل الدولة وتعثّرها، يقول النائب اللبناني علي فياض، وهو سينضمّ إلينا في هذه الحلقة عبر الهاتف، مع الدكتور سامي علوية المدير العام للمصلحة الوطنية لنهر الليطاني، مصلحة يُنتظَر منها الكثير، وهي تدخل هذا العام سنّ التقاعد.

عن تلوّث السياسة والبيئة، وعن أثرهما القاتل اقتصادياً وبيئياً وإنسانياً، نتحدّث مع ضيفينا.

أهلاً ومرحباً بكم.

 

(فاصل)

 

مايا رزق: دكتور سامي علوية، أجدّد الترحيب بك عبر شاشة الميادين.

كما ذكرنا في المقدّمة، كانت هناك مطامع إسرائيلية منذ مئة عام تقريباً لاحتلال الليطاني. فشلت إسرائيل ولكن اليوم الليطاني محتلّ وربما الاحتلال خطر جداً. نتحدّث عن تلوّث، نتحدّث عن تلوّث قاتِل وليس تلوّثاً عادياً.

ما الذي أدّى بالليطاني إلى هذه الحال الكارثية؟

 

سامي علوية: أنا أشكرك، أشكر استضافتك. بالتأكيد نهر الليطاني هو نهر ساهم بالتفكير الاستراتيجي لمختلف الأعداء والأصدقاء في هذه المنطقة. بالتأكيد نهر الليطاني شكّل محط أطماع ومحط آمال أيضاً للبنانيين. بالتأكيد أيضاً اليوم واقع نهر الليطاني مُخيّب لآمال اللبنانيين وموضع سعادة جداً عند الأعداء.

الذي أوصل نهر الليطاني إلى هذه الحال هو الالتواء الذي عشناه كلبنانيين من تاريخ الاستقلال حتى الآن في حياتنا الوطنية. الذي أوصل نهر الليطاني إننا اعتدنا ألا نأخذ قراراً، اعتدنا أن نؤجّل مشاكلنا إلى الغد، اعتدنا ألا نفكّر بالغد.

 

مايا رزق: وربما سوء تقدير لحجم المشكلة بالتحديد. هناك من يقول هذا نهر ويعبر، رغم أنّه يغطي ثلث مساحة لبنان.

 

سامي علوية: الحقيقة هناك وعي بخطورة المشكلة، ولذلك هناك هروب من حل هذه المشكلة في الحقيقة. المشكلة معروفة عند الجميع، السرطان لا يُخفى على أحد، الروائح لا تُخفى، الخسائر الاقتصادية، منذ العام 2000 بدأت المشكلة تتفاقم، وبرزت أكثر في العام 2008، وتصاعدت الصرخة أكثر في العام 2012، اليوم نحن في العام 2018. اليوم هناك جيل نشأ في الحوض الأعلى لنهر الليطاني على هذه الرائحة وعلى هذا النهر. هناك جيل لا يعرف نهر الليطاني النظيف، وهو معتاد على نهر الليطاني المجرور. فلا، اليوم، المشكلة موجودة، وهناك عِلم بحجم هذه المشكلة، ولكن هناك هروب من الحلول الناجعة لهذه المشكلة. كما قلت أنت اليوم أنّ الأطماع الإسرائيلية كانت عقيمة، اليوم الحلول اللبنانية عقيمة.

 

مايا رزق: لماذا؟

 

سامي علوية: الحقيقة اليوم السبب الرئيس هو السؤال، كيف يمكن ولوج الحل أو ما هو السبب الرئيس لمشكلة نهر الليطاني. السبب الرئيس لمشكلة نهر الليطاني هو التعديات على هذا النهر، التعديات على موارده المائية، والتعديات على مجراه، والتعديات على هذا النهر ببيئته. تمّ تحويل كل أنواع الصرف الصناعي إلى هذا النهر، تشجّعت البلديات، حوّلت كل أنواع الصرف الصحي إلى هذا النهر، وكان لدينا تفكير عقيم في الدولة أن ننشئ شبكات صرف صحي تنتهي إلى النهر بدل أن تنتهي إلى محطة تكرير، وكأن التنمية هي بمجرد مد القساطل من حمامات اللبنانيين إلى أنهار اللبنانيين من دون مرورها بأية معالجة. ثمّ تشجّع أيضاً كلّ أنواع المواطنين لرمي كلّ نفاياتهم الصلبة، وأنت لا تتخيّلي المشهد، ما يرمونه في هذا النهر.

 

مايا رزق: سنشاهد بعد قليل بعض الفيديوهات.

 

سامي علوية: من جِيَف الحيوانات إلى بقايا المصانع إلى بقايا المعامل وكلها بحجّة دعم الصناعة اللبنانية، تحوّل هذا الواقع إلى هذا الشكل.

 

مايا رزق: للأسف. قلتم إنّ المصلحة الوطنية لنهر الليطاني اتخذت القرار، لا بل بدأت بالفعل بتحرير النهر من التعديات، ولكنها ليست حرب إبادة بل حرب إرادة، وليست معركة بل حوكمة، وللقضاء والأمن دور في هذه الحرب، فليلعبانه.

مًن يُعيق مساعيكم أستاذ؟ وما هو الدور، دور القضاء ودور الأمن في هذا الموضوع؟

 

سامي علوية: الحقيقة الذي يُعيق مساعي المصلحة الوطنية لنهر الليطاني في الفترة السابقة كان القصور التشريعي، هذه التشريعات التي صدرت في العام 1954 اعتبرت أنّ المصلحة الوطنية لنهر الليطاني مهمتها هي فقط استثمار مياه بحيرة القرعون في الري وفي إمداد الطاقة، وحصل ذلك إلى عام 2016.

 

مايا رزق: طلبتم تعديل هذا الموضوع على ما أعتقد.

 

سامي علوية: بالضبط. في العام 2016، صدر قانون 63، مهم جداً، نصّ على الحوكمة للمصلحة الوطنية لنهر الليطاني، الآن نقول ما معناها، ثمّ صدر قانون 77 لسنة 2018، هو قانون المياه الذي قسّم الأراضي اللبنانية إلى أحواض بالأنهار ومن ضمنها حوض نهر الليطاني، ونصّ على ما يسمّى بهيئة إدارة الحوض، فباتت لدينا مُصطلحان، الحوكمة وهيئة إدارة الحوض. نحن متمسّكون بهما كليهما، ولكن متمسّكون بالحوكمة أولاً.

 

مايا رزق: ماذا نعني عندما نقول الحوكمة؟

 

سامي علوية: بغضّ النظر، ومن دون أن ندخل بسجال، نحن اليوم نتحدّث عن تحويل لمهام المصلحة الوطنية لنهر الليطاني لتصبح إضافة إلى مهامها الحالية، تقوم باستثمار وحماية الموارد المائية، بمعنى أن تقوم هي باستثمار مياه نهر الليطاني، بإدارة مياه نهر الليطاني، بحماية مياه نهر الليطاني، بإنجازات القياسات المائية في نهر الليطاني، وأيضاً بإنجاز قياسات المياه الجوفية في حوض نهر الليطاني، أن تقترح المخطط التوجيهي في الحوض.

 

مايا رزق: هل المصلحة اليوم هي مجهّزة للقيام بكل هذه المهام؟

 

سامي علوية: نعم، المصلحة اليوم هي مصلحة أنشئت قبل ثماني سنوات من وزارة الطاقة، هي مصلحة قادرة، تعجّ بالكفاءات، وبالمهندسين، مصلحة ممتازة على المستوى الإداري، وجاهزة، لديها جهوزية كاملة، متنوّعة من كلّ أنواع اللبنانيين وكل أنواع الاختصاصات، وهي تملك مكاتب على كلّ الأراضي اللبنانية، وأيضاً من ضمن تحويل المهام التي يجب أن تتمتّع بها المصلحة، أن تتّخذ التدابير اللازمة أن تصبح هي شرطة المياه لمنع التلوّث داخل حوض نهر الليطاني، وأن تكون هي المعنية بإصدار التراخيص بحوض نهر الليطاني لسائر المؤسّسات الخاصة والعامة والبلديات بضخ واستعمال المياه السطحية، ثم غيرها من موارد مائية تؤمَّن من خلال تمكينها من بيع الكهرباء المولّدة بالطاقة وبالرياح وبغيرها، وبيع المياه الخام لمؤسّسات المياه الأخرى، ثم بعد ذلك تنشأ ما تسمّى بهيئة إدارة الحوض، ألا يكون لها دور استشاري فقط.

 

مايا رزق: سنفصّل أكثر بهذا الموضوع، ولكن بعد أن نستعرض سوياً هذا الفيديو القصير للجمعية اللبنانية لتعزيز الشفافية الذي ربما يُضيء أكثر على أهمية نهر الليطاني وللأسف ما يحدث به من كوارث طبيعية وبيئية. نتابع.

 

(فيديو للجمعية اللبنانية لتعزيز الشفافية)

 

مايا رزق: على قَدْرِ جمال البقاع اللبناني للأسف هناك بشاعة، بشاعة هذا التلوّث.

ذكرتم دور المصلحة، ذكرتم هذه الطاقات ربما الواعدة، وحتى وصول حضرتكم إلى هذا المركز منذ سبعة أشهر ربما هو بصيص أمل للكثير من اللبنانيين. ولكن في أكثر من مرة، طالبت المصلحة بما سمّته غطاء سياسياً لعملها. لماذا؟ هل المشكلة هي إذاً سياسية وليست ربما مشكلة طاقات أو وجود حلول؟

 

سامي علوية: الحقيقة المصلحة لم تتحدّث عن غطاء سياسي وإنما تحدّثت عن رفع غطاء سياسي عن الجهات المُعتدية. المصلحة هي مؤسّسة عامة تتبع لوصاية وزارة الطاقة، وهي تمثّل إحدى مؤسّسات الدولة اللبنانية، نحن نعتقد إننا في دولة ذات سيادة لسنا بحاجة إلى غطاء، ولكن يجب رفع الغطاء عن المُتعدين على النهر. أنا لا أخفي عنك أنّ أول تعييني، قد تلمّست هذا الغطاء للمؤسّسة ورفع الغطاء عن المُعتدين من قِبَل أول شخص هو رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري الذي كان يعني له موضوع نهر الليطاني ومشروع نهر الليطاني كقضية استراتيجية من حيث ابتدأت.

 

مايا رزق: صحيح.

 

سامي علوية: ثمّ بعد ذلك، فور استلامي لهذه المهام، أبدى فخامة رئيس الجمهورية التأييد والتأكيد في اجتماع لنا معه بحضور وزير الطاقة على وجوب رفع التعديات عن نهر الليطاني، وكان سبق كل ذلك أيضاً لقاء موسّع مع دولة الرئيس الحريري في 21 شباط أكّد فيه على وجوب رفع التعديات عن نهر الليطاني.

 

مايا رزق: كلام جميل، وكان للرئيس سعد الحريري المكلّف اليوم بتشكيل الحكومة أكثر من وعد لأبناء البقاع، وتحديداً ربما لأبناء بر الياس، ولكن هذه ظلّت وعوداً من دون تنفيذ أي شيء على الأرض، وربما هناك، لا بدّ من الإشارة إلى جهد حضرتكم، قدّمتم أكثر من مذكرة بحق عدد من البلديات التي تساهم بطريقة مباشرة بتلويث نهر الليطاني ورمي كل الملوّثات فيه. ولكن هذه المذكرات ما هو مصيرها؟ هل ستقف عند القضاء كما حصل في السابق مع رؤساء المصلحة سابقاً؟

 

سامي علوية: الحقيقة رؤساء المصلحة سابقاً لم يتوجّهوا إلى البلديات، وإنما الأستاذ ناصر نصر الله كما أذكر في العام 1994، قدّم إخباراً إلى النيابة العامة التمييزية بحق مجموعة من المصانع، وكانت آنذاك صلاحيات المصلحة لا تخوّلها الادّعاء، مختلفة عن واقع اليوم. اليوم نحن توجّهنا بتحرّكنا باتجاهين، باتجاه المؤسّسات الصناعية، وتقدّمنا بإخبار بحق لائحة من المؤسّسات الصناعية الموجودة في الحوض الأعلى، التي كانت مُدرَجة هذه اللائحة في أدراج المصلحة ووزارة البيئة، فحوّلناها إلى إخبار قضائي. هذا الإخبار القضائي اليوم سار مساره الحقيقي والفعلي من قِبَل مفرزة زحلة القضائية، فكل المؤسّسات الواقعة ضمن نطاق عمل مفرزة زحلة القضائية يتم مسحها، حتى منذ يومين، كان ممسوحاً 99 مؤسّسة من بينها 55 مؤسّسة ثبت بالكشف الفني من قِبَلنا ووزارة الصناعة والبيئة والقضاء أنها ملوّثة، حتى الآن لم يتّخذ أي إجراء بحقها. عملية المسح مستمرة، ولكن ننتظر الإجراءات، ونحن موعودون بهذه الإجراءات.

 

مايا رزق: مَن سيتّخذ هذه الإجراءات؟

 

سامي علوية: على النيابة العامة الاستئنافية في البقاع أن تتخذ الإجراءات فوراً بمنع هؤلاء من تلويث نهر الليطاني، من تحويل صرفهم الصناعية إلى نهر الليطاني. الشق الآخر المتعلّق بالبلديات.

 

مايا رزق: هل قد تصل هذه الإجراءات ربما إلى إغلاق هذه المصانع؟

 

سامي علوية: والله نحن اليوم معايير الالتزام البيئي متعدّدة. ما يعنينا كمصلحة وطنية لنهر الليطاني، في إخبارنا، هو معيار هذه النفايات الصلبة والسائلة ومخلّفات المصنع، هل تحوَّل إلى النهر بمعالجة أو من دون معالجة، فإذا كانت من دون معالجة يجب وقف ذلك، إذا كان وقف تدفّق الصرف الصناعي يستوجب وقف المصنع فهذه ليست مشكلتنا، مشكلة المصنع الذي لا يستثمر في حماية البيئة. أما إذا كان من الممكن معالجة الأمور من قِبله وتدوير نفاياته بشكل من الأشكال، يمكن أن يستمرّ في العمل. نحن اليوم لا نأخذ موقف إقفال المصانع بقدر ما نحن نريد منع المصانع من تلويث نهر الليطاني.

الشق الآخر المتعلّق بالبلديات، البلديات تُنتخَب في لبنان كإدارات محلية من قِبَل مواطنين. هذه المجالس البلدية تقدّم لهؤلاء الناخبين الذين انتخبوها صرفهم الصحي في مجاري الأنهر. هناك بلديات، لا تصدّقين، لا تصدّقين، أنّها تحفر بئراً ارتوازياً موصولاً بالمياه الجوفية، وتحوّل الصرف الصحي للبلدة إلى المياه الجوفية.

 

مايا رزق: للأسف.

 

سامي علوية: هناك بلديات تحوّل الصرف الصحي مباشرة إلى الأنهار وأخرى إلى الوديان.

 

مايا رزق: هي تحظى بغطاء، الأمر ليس سرّاً، أن تحوّل مياه صرف صحي لبلدة بالكامل إلى نهر، هذا لا يمكن إخفاؤه.

 

سامي علوية: اليوم هذا أنا لا أسمّيه غطاء بقدر ما العذر الذي يعطونهم إياه أنه ليس لديهم إمكانيات، وكأنّ اليوم كل مواطن وكل مؤسّسة ليس لديها إمكانيات تستطيع أن تفعل ما تشاء وترتكب ما تريد من الجرائم. لا، هذا غير صحيح. نحن كمصلحة وطنية لنهر الليطاني قدّمنا إنذارات إلى هذه البلديات، ولكن باليد الأخرى أعطيناهم حلاً. قلنا لهم، هناك حلول بديلة، هي ما يسمّى بالأراضي الرطبة، وهناك ما يسمّى ببرك الترقيد، غير مكلفة، تستطيع هناك جمعيات بيئية ومنظمّات أن تساعدكم ونحن قادرون أن نساعدكم، عدد من البلديات يتجاوب والعدد الآخر يردّ بالبيانات، مصرّون على تغذية مواطنيهم بالصرف الصحي، ربما لا أعرف ما السبب، ولكن ما نتمنّاه أنّ المواطنين عندما نوجّه إنذاراً إلى بلدة من البلدات، نحن نفعل ذلك لنحمي هؤلاء المواطنين، لنساعد البلدية، وليست إهانة للبلدة إذا قلنا إن صرفك الصحي يذهب إلى النهر، لأن العملية ترتبط بشرف البلدة، وكأنّ اليوم هذه البلدة أهينت إذا بينّا أنّ صرفها الصحي يتحوّل إلى مرض سرطان.

 

مايا رزق: هناك ربما من يقول إنّ الليطاني يعني فقط أبناء البقاع وأبناء الجنوب، عِلماً أنّه قضية وطن، خصوصاً أنّ هناك مشروعاً لجرّ مياه نهر الأولي إلى بيروت وحتى جبل لبنان، وهذا للأسف ليس فقط كفيلاً بإدخال المياه، بل كفيل بإدخال الأمراض إلى هذه المناطق.

هل سيدخل هذا المشروع حيّز التنفيذ العام المقبل كما كان مُقرّراً؟

 

سامي علوية: المشروع فعلاً دخل حيّز التنفيذ. نهر الليطاني بدايةً هو لا يعني فقط البقاع والجنوب. نحن اليوم في نهر الليطاني الذي يشكّل 20 في المئة من مساحة لبنان، قبل هذا المشروع، هو يؤمّن كمعامل توليد كهرباء، يكون هو شريكاً أساسياً، المصلحة هي شريكة لمؤسّسة كهرباء لبنان بخطوط الإنتاج والتوزيع ومعامل التوليد التي تغطي جزءاً كبيراً من الأراضي اللبنانية وخارج البقاع والجنوب.

 

مايا رزق: والتلوّث يؤثّر عليها أصلاً.

 

سامي علوية: بالضبط.

 

مايا رزق: هذه الطاقة تحتاج إلى مياه نظيفة.

 

سامي علوية: بالضبط، لأننا نعاني من مشكلتين، التلوّث وشحّ المياه. ثانياً، مشاريع الريّ، نحن نبدأ بمشروع ريّ صيدا جزين ونروي آلاف المساحات المروية، وكذلك مشروع ريّ القاسمية، وكذلك مشروع ريّ البقاع الجنوبي. المشروعان الجديدان هما مشروع نقل مياه القرعون إلى الجنوب اللبناني لغايات الشفة ولغايات الريّ، وأيضاً ما يُسمّى تحويل جزء من مياه القرعون ضمن مرسوم يحدّد كيفية توزيع مياه الليطاني على المحافظات، من سنة 1970 صادر، يحوّل جزءاً من مياه القرعون عبر منشآت المصلحة الوطنية لنهر الليطاني إلى مشروع تزويد بيروت بالمياه. فبالتالي، نعم، اليوم هذه المشكلة، استمرارها سيعني تحويل مشكلة الليطاني إلى مشكلة كبيرة لكل اللبنانيين. نحن لدينا دراسة في العام 2008 أنّ خسائر تلوّث نهر الليطاني تشكّل في الحوض الأعلى وحده بالسنة 30 مليون دولار، اليوم تقدَّر بما يفوق 150 مليون دولار سنوياً من دون خسائر المصلحة ومن دون خسائر المؤسّسات العامة. هناك كارثة.

 

مايا رزق: طالبتم بتحويل مياه الحوض الأعلى إلى ربما محميّة، أليس كذلك؟

 

سامي علوية: اليوم، لا، نحن لا نقول الحوض الأعلى يتحوّل إلى محميّة، نقول إنّ منشآت المصلحة الوطنية لنهر الليطاني وحوض نهر الليطاني يجب أن تطبَّق عليه الأحكام القانونية المتعلّقة بالمحميات، فلا يجوز أن يجاور سد القرعون كسارة ومقلع يفجّر، ولا يجوز أن يجاور مشروع 800 الذي يكلّف أكثر من 500 مليون دولار، أن تجاوره كسارات وأن تجاوره مقالع، قبل أن يدشَّن يُستباح بالكسارات وبالمقالع. أيضاً طالبنا بأنه لا يجوز تحويل نهر الليطاني إلى مكان لغسل الرمول من جهة في مكان من الأمكنة كما كان يحدث في السابق وأوقف بفضل الحملة الوطنية لنهر الليطاني، التي يشارك فيها ممثل عن النائب من كتلة الوفاء وممثل عن حركة أمل، وأيضاً اليوم نطالب أيضاً باستمرار هذه الأعمال، بوقف كلّ الأعمال التي من شأنها أن تضرّ ببيئة نهر الليطاني، ومن ضمنها حفر الآبار العشوائي، ومن ضمنها التراخيص للمؤسّسات الصناعية العشوائية، ومن ضمنها استثناءات الآبار وغضّ النظر بتراخيص الآبار، ومن ضمنها التراخيص العشوائية للبناء. فبالتالي يجب وضع مخطّط توجيهي إلى منطقة حوض نهر الليطاني تحمي بيئة نهر الليطاني، وهذا ما قلناه، إعطاء صلاحيات للمصلحة الوطنية لنهر الليطاني بتقدير كيفية تحقيق توازن ما بين مختلف مجتمع الحوض ومختلف استخدامات مياه نهر الليطاني.

 

مايا رزق: التلوّث في نهر الليطاني موجود في كل بيت لبناني، وسنتحدّث عن هذا الموضوع مطوّلاً، ولكن بعد هذا الفاصل القصير.

مشاهدينا الكرام فاصل قصير ونعود. ابقوا معنا.

 

 

المحور الثاني

 

مايا رزق: من جديد أهلاً بكم مشاهدينا الكرام، ونجدّد الترحيب بضيفنا المدير العام للمصلحة الوطنية لنهر الليطاني الدكتور سامي علوية. أهلاً بك.

سنشاهد وإياك ومع المشاهدين الكرام هذا الفيديو القصير الذي يُظهر نهر الليطاني كيف يتعرّض للمزيد من التلوّث ربما بسبب زيادة النازحين السوريين في منطقة البقاع بالتحديد. نتابع.

 

(فيديو)

 

مايا رزق: دكتور علوية، تابعنا هذا الفيديو، وهناك المئات غيره على صفحة المصلحة الوطنية لنهر الليطاني. من يصوّر هذه الفيديوهات؟ هل هو شخص مكلّف من قِبَل المصلحة، أو هناك مواطنون يرفعون هذه الفيديوهات لحضرتكم؟

 

سامي علوية: أعتقد أنّ من صوّر هذا الفيديو هو شخص من المصلحة لدينا، وهناك جزء كبير من المواطنين الذين يزوّدوننا بهذه الصوَر والتقارير.

 

مايا رزق: يطرح هذا الفيديو إشكالية مستجدّة على نهر الليطاني. هناك من يقول إن أزمة النازحين فاقمت ربما من مشكلة تلوّث هذا النهر. ما هي المشكلة بالتحديد؟ وهل فعلاً النازحون هم الذين فاقموا هذه المشكلة، أم أنّ الليطاني أصلاً مشكلة عليهم وعلى اللبنانيين؟ وما هي الحلول المطروحة؟

 

سامي علوية: اليوم نحن كمصلحة وطنية لنهر الليطاني، لا نحمّل النازح مسؤولية هذا التلوّث، وإنما نحمّل الدولة وبعض البلديات الموجودة في نطاقها مسؤولية هذه المصيبة التي تحلّ على النازح وعلى نهر الليطاني. كانت هناك توصية اتُخذت حقيقة من اللجنة الحكومية بنقل مخيمات النازحين من على ضفاف نهر الليطاني. لو طُبّقت هذه التوصية لما وصلنا إلى هذه المرحلة. وأيضاً، ملايين الدولارات من الهبات أعطيت من قبل، ما يسمّى بإنشاء شبكات ومحطات تكرير ومعالجة الصرف الصحي لهؤلاء النازحين في مخيماتهم سواء كانوا على ضفاف الليطاني أو على غير ضفاف الليطاني، لم ينفّذ منها شيء.

فكانت النتيجة أنّ النازح وُضع على ضفاف نهر الليطاني، النازح غرق بصرفه الصحي وبنفاياته الصلبة، البلديات استقالت من دورها، اليوم تضجّ وسائل الإعلام في لبنان بأنّ البلديات تمنع السوريين من ممارسة نشاط، من فتح دكان ومن التجوّل هنا، هذه البلدية صاحبة القدرة والسيادة على النازح السوري ألا يعمل، لماذا ليست صاحبة قدرة وسيادة أن تنظّف مخيمات النزوح السوري بشكل إنساني وبشكل يراعي التزامات لبنان الدولية والتزامات لبنان الأخلاقية والتزامات لبنان العربية تجاه دولة شقيقة مثل سوريا؟ ما السبب؟ هذا هو السؤال.

اليوم هذه مشكلة بيني وبينك تطرح مقاربة أخلاقية لتعامل هذه المؤسّسات مع النازح السوري. لا يجوز أن يُرمى، ونحن اليوم لم نقبل أن يتحمّل النازح السوري مسؤولية هذا التلوّث. أولاً، اليوم ليست مشكلة مستجدّة، النازحون السوريون، المشكلة السورية بات لها سنوات، آن الأوان أن نتعايش معها إلى حين عودتهم بسلامة إلى بلادهم. ولكن لا يجوز أن نبقى اليوم نقول إنّ هذا البقاء مؤقت، ونتركهم في الصرف الصحي. هم يغرقون بالأمراض، اللبنانيون يغرقون بالأمراض، البيئة اللبنانية تتضرّر، وسمعة لبنان تتأثّر، والتزاماتنا الدولية نخلّ بها. نحن نأخذ هبات بملايين الدولارات، نعيش على مشكلة النزوح، نستطيع نحن أن نخصّص جزءاً من المبالغ لمعالجة هذه المشكلة، أو نقلهم إلى مكان آخر.

 

مايا رزق: تحدّثتم عن سمعة لبنان. عنَون أحد المواقع الإلكترونية اللبنانية، دول عربية تمتنع عن استيراد المزروعات اللبنانية بسبب التلوّث.

 

سامي علوية: نعم.

 

مايا رزق: هذه الدول هي تحمي نفسها من هذه المزروعات، ولهذا الأمر ربما آثاره السلبية على اقتصاد لبنان، ولهذا الأمر أيضاً آثار سلبية على المواطن اللبناني، أكان صحياً، فهو لا يستطيع أن يمنع نفسه من هذه المزروعات، وأيضاً اقتصادياً فهو لا يستطيع تصريف هذه المزروعات.

هلا وضعت إصبعك على هذا الجرح بالتحديد؟

 

سامي علوية: الحقيقة أنا أريد توضيح مسألة. إذا كان المقصود بمشكلة التلوّث هو تلوّث نهر الليطاني، أو التلوّث بشكل عام؟

 

مايا رزق: لا، هو تلوّث نهر الليطاني بالتحديد، وكان هذا ملفاً مخصّصاً لنهر الليطاني.

 

سامي علوية: في ما يتعلق بتلوّث نهر الليطاني، نعم، نحن كان لدينا في الحقيقة مشروعا ري، مشروع ري البقاع الجنوبي الذي يروي بعض القرى وآلاف الهكتارات في الحوض الأعلى، ومشروع ريّ القاسمية رأس العين الذي يروي الحوض الأدنى، المنطقة الساحلية، البساتين، ولدينا مشروع ريّ صيدا جزين. مشروع ريّ صيدا جزين يروي مساحات صغيرة وإنما حدائق المنازل، فنضعه جانباً.

بالنسبة لمشروع ريّ البقاع الجنوبي المتعلّق بمنسوب 900، هذا المشروع، نعم، متوقف بسبب تلوّث نهر الليطاني لأنّ نهر الليطاني في الحوض الأعلى هو عبارة عن مجرور، بصراحة، ونحن ليس لدينا مشتركون، وبالتالي المزارعون اللبنانيون ممنوعون من ريّ أراضيهم من هذه المياه الآسنة أو المياه الملوّثة، والأجهزة الأمنية تبادر كلما قام أحدهم بالضخّ مباشرة من النهر باتخاذ الإجراءات وإتلاف المزروعات.

في ما يتعلق بالحوض الأدنى في المنطقة الساحلية، نحن لدينا مشروعنا يتغذّى من مصادر مختلفة للمياه، ولذلك نحن حريصون في الحوض الأدنى على مكافحة كل تعدٍ ولو كان بسيطاً من قِبَل سبع بلديات محدودة، وهناك تجاوب إلى حد الآن، مثل برج رحال تمّت معالجة مشكلتها، فاليوم نحن لدينا مصادر مختلفة، منها برك رأس العين، منها الينابيع في الحوض الأدنى التي هي مستقلّة عن مصادر المياه في الحوض الأعلى، ونحن بالنتيجة، فحوصاتنا للمياه في الحوض الأدنى لمشروع ريّ القاسمية ورأس العين، هي مياه صالحة للريّ وليس لها أيّة مضار.

 

مايا رزق: على أمل أن تصبح كل هذه المياه صالحة.

 

سامي علوية: على أمل أن تتعالج مياه الحوض الأعلى بوقف التعديات وتصبح صالحة، ونحن تلقينا بالأمس من التفتيش المركزي كتاباً، طلبوا منّا الفحوصات المخبرية لمياه الريّ، أبلغناهم هذا الأمر، وسنودعهم الفحوصات التي تثبت صلاحية هذه المياه للريّ، وهي صالحة للريّ، في ما يتعلق بالحوض الأدنى لأنها مستقلة عن مياه الحوض الأعلى بالنسبة إلى مشروع ريّنا.

 

مايا رزق: بالعودة إلى الخطر الذي يشكّله هذا التلوّث في نهر الليطاني على اللبنانيين بشكل عام، وليس على اللبنانيين في البقاع والجنوب، هناك نسبة كبيرة من أبناء البقاع مصابون اليوم بالسرطان، هناك ناشطة اجتماعية ونسوية قالت إنّ في بر الياس يموت كل يوم شخص جرّاء التلوّث. هذا الخطر ليس فقط من التعاطي المباشر مع المياه، هذه المياه تروي مزروعات، والمزروعات تذهب مباشرة إلى السوق، ومن هناك تنتشر الأوبئة.

وزارة الصحة ما هو دورها في هذا الخصوص؟

 

سامي علوية: اليوم أنا علمت أنّ إحدى الجامعات حاولت القيام بإحصاء عن الأمراض السرطانية في منطقة الحوض الأعلى، إنها مُنِعت. المطلوب بدايةً أن نصارح اللبنانيين ونقول ما هي الأرقام الصحيحة للأمراض السرطانية في الحوض الأعلى.

 

مايا رزق: هل لديكم أرقام تقريبية ربما؟

 

سامي علوية: ليس لدينا أرقام، ولكن نحن لدينا تأكيد، سواء من المسح الذي نجريه، وسواء من المراجعات التي تردنا، وسواء من تعايشنا، نحن لدينا مكاتبنا في الحوض الأعلى، تأكيد على أنّ حالات الأمراض السرطانية، أنّه ضمن كل خمس وفيّات هناك ثلاث وفيّات بمرض السرطان.

 

مايا رزق: وهي نسبة جد مرتفعة.

 

سامي علوية: لدينا تأكيد على أنّ هناك الكثير من الشباب يصابون بمرض السرطان، لدينا مشاهدات أنّ مدارس تُمنَع فيها الامتحانات الرسمية لأنها قريبة من الحوض وقريبة من النهر، لدينا تأكيد أنّ لدينا مستخدمين بالمصلحة الوطنية لنهر الليطاني في معامل الكهرباء يتنشّقون هذا السمّ ويمرضون جرّاء هذا السمّ، فكيف بالأحرى بمواطنين يعيشون 24 على 24 بهذا السمّ.

فبالتالي، نعم، السرطان مشكلة، ولذلك نحن عندما نخاطب المواطنين ونخاطب البلديات ونخاطب كل الناس، أنا أعلم رؤساء بلديات أصيبوا يا حرام بمرض السرطان، ومع ذلك مطلوب منهم التعاون معنا، فبالتالي نحن ما نتمنّاه أنّ هذه البلديات وهذه البلديات، أن يتذكّروا كلما أجروا صورة مرض السرطان، يتذكّروا أنّ سبب هذه المصيبة هو هذه الصورة الحقيقية لنهر الليطاني. لولا هذا، نتيجة هذه الصورة لن تكون سلبية إلا بسبب هذه الصورة المشوّهة التي رسمتموها للبيئة. فلنتساعد جميعاً سوياً وننزع هذا المرض إلى حين وصول محطات التكرير، إلى حين وصول البرامج التي تحقّقها وزارة الطاقة ومجلس الإنماء والإعمار، إلى حين أن تسرّع الدولة بوتيرة الأعمال، يكفي إعطاء مهل للمؤسّسات لتنفّذ، ويكفي إعطاء مهل للوزارات حتى تنفّذ، ويكفي إعطاء مهل للمصانع حتى توقف التلويث.

 

مايا رزق: هناك مقال لفتني في إحدى الصحف اللبنانية يقول إن الدولة اللبنانية تخصّص ميزانية معيّنة ربما لنشل الليطاني من هذه المشكلة البيئية والكارثية على لبنان، ومن جهة أخرى تدعم أو تشكّل غطاء لمَن يلوّث هذا النهر.

هذا التناقض قاتل بطبيعة الحال، ولكن لاحظت أنّك دائماً تتّجه إلى البلديات، إلى التعاون مع البلديات. نحن في دولة، ولهذه الدولة سلطات ثلاث، وهناك قانون. في حال لم تلتزم البلدية، ألا يحق لمصلحة مياه الليطاني التوجّه ربما إلى إحدى السلطات الثلاث وإلزام الدولة بتنفيذ ما يُطلَب منها؟ هناك خطر مُحدِق في النهاية، هناك موت.

 

سامي علوية: اليوم، هذه الجريمة هي جريمة بحق البيئة وجريمة هدر أموال عامة كما قلت، وجريمة بحق المنشآت العامة وبحق المواطنين. فور استنفاد محاولاتنا مع هذه الجهات، البلديات وغيرها، نحن سنتّخذ الإجراءات القضائية والقانونية اللازمة علينا والإدارية اللازمة علينا حتى يتحمّل كل فرد مسؤولياته، وحتى يعرف اللبنانيون من هي الجهة التي قصّرت ومن هي الجهة المسؤولة عن استمرار هتكهم بمرض السرطان. نعم، نحن سنتّخذ الإجراءات.

 

مايا رزق: ممتاز. قلتم إنّ البلديات عليها ربما تأمين بديل عن رمي كل مياه الصرف الصحي في نهر الليطاني، ولكن هل فعلاً هذه البلديات لديها قدرات للقيام بهذا الموضوع، وهنا أعني صلاحيات أولاً، وثانياً قدرات مادية لتنفيذ مثل هذه المشاريع؟

 

سامي علوية: اليوم الحلول البديلة التي طرحناها، نحن لم نخترع اختراعاً، وقلنا لهم تفضّلوا بُرَك الترقيد هي حلّ مؤقت إلى حين وصول محطات التكرير المنصوص عنها في القانون 63، هذا حلّ البلديات تعايشت معه مع مختلف الجهات المانحة والوكالة الأميركية للتنمية الدولية (يو اس ايد)، وأخذوا رؤساء البلديات وسفّروهم وأبرموا ميثاق شرف للالتزام بهذه الحلول البديلة. اليوم نحن نطالب البلديات أنه تفضّلوا حتى نجد حلولاً بديلة. البلديات اليوم وجهة نظرها ألا علاقة لها، مجلس الإنماء والإعمار يجب أن يركّب محطة تكرير، سواء ركّبها بعد سنة أو بعد مئة سنة، هذه مسؤولية مجلس الإنماء والإعمار، نحن مستمرون برمي الصرف الصحي. لذلك نحن نقول للبلديات، انتظام محطات التكرير، أو في حال وجود محطات التكرير وتعثّرها، لا يغني عن وجود حلول طبيعية بديلة لمعالجة الصرف الصحي بدل تحويلها مباشرة إلى النهر. البلديات يجب أن تتحمّل مسؤولياتها، هي موقّعة على ميثاق شرف، ويجب أن ينال ميثاق الشرف هذا شرف التنفيذ. نحن سننشر ميثاق الشرف هذا. اليوم لا تستطيع أن توقّع ميثاق شرف مع اليو اس ايد، ولا توقّع ميثاق شرف مع مواطنيك، مع الناس الذين انتخبوك.

 

مايا رزق: اليوم، وفي القرعون بالتحديد، هناك مبادرة ربما قد تُعيد إحياء ولو جزء ممّا تعرّض له نهر الليطاني، نتابع سوياً ما جاء في صحيفة الأخبار اللبنانية.

 

الأخبار: بحيرة القرعون: تنظيف جزئي لا يعالج التلوّث

تدشّن المصلحة الوطنية لنهر الليطاني، اليوم، مشروع المنصّات العائمة في بحيرة القرعون. المنصّات الإحدى عشرة التي ثُبّتت فوق سطح البحيرة، في تموز (يوليو) الماضي، تأتي في إطار هبة هولندية، بقيمة 400 ألف دولار. وهي تعمل على التخفيف من انتشار الطحالب وحجب أشعة الشمس واستنزاف الأوكسيجين من البحيرة والحدّ من الروائح التي انتشرت فوق سطحها وعلى تقليص إفراز المواد السامّة الناجمة عن السيانوبكتيريا (أي البكتيريا الزرقاء ـ الخضراء التي تنتج وتستهلك الأوكسجين عبر عمليات التمثيل الضوئي). وبحسب بيان المصلحة، تعمل المنصّات بنظام الطاقة الشمسية للحدّ من نمو الطحالب من خلال إصدار موجات ما فوق صوتية وتقوم بقياس نوعية المياه.

رئيس مجلس إدارة المصلحة سامي علوية كلّف الباحث في المركز الوطني للأبحاث العلمية الأستاذ المحاضر في الجامعة اللبنانية كمال سليم إجراء تقييمٍ لنوعيّة المياه قبل تثبيت المنصّات وبعده. وجاء في التقييم أنه "بدءاً من تموز الماضي ظهر تحسّن في نوعية المياه، فانخفض اللون الأخضر الناتج من ظاهرة الـ BLOOM، أو التكاثر الكثيف للطحالب. كما طرأ خلَل على خلايا السيانوبكتيريا التي فقدت إمكانية الوجود في الطبقات العليا. وبسقوطها إلى الطبقات السفلى تفقد إمكانية التغذية عن طريق التركيب الضوئي".

علوية قال لـ"الأخبار" إن المنصّات هي "معالجة موضعية محدودة يقتصر مفعولها على تقليص نشاط السيانوبكتيريا، إلا أنه لا يعالج تلوث المياه". وأمل الحل المستدام يتمثل بـ "وقف مصادر التلوّث والتعديات على الحوض الأعلى لنهر الليطاني الذي تتجمّع مياهه في البحيرة. وإذا زادت نسبة المُتساقطات، فإن مياه البحيرة تنظّف نفسها بنفسها، شرط وقف تزويدها بمياه ملوّثة، عِلماً أن المنصّات تحتاج إلى مراقبة لضمان سلامتها بسبب الصيد العشوائي الذي يقوم به عدد من الأشخاص الذين يصطادون طيور البط والإوز التي تعيش في البحيرة وعلى ضفافها".

 

مايا رزق: دكتور، كان من المفترض أن تكون مشاركاً اليوم في هذه الفاعلية، ولكن أنت معنا الآن، ونحن نشكرك على هذه الحلقة بطبيعة الحال.

ذكرت صحيفة الأخبار أنّ هذا هو جزء من الحلّ، ولكنّه ليس حلاً جذرياً، وهو أمر منطقي بطبيعة الحال، ولكن أريد الحديث عن هذه الهبة الهولندية، وعن دور الجمعيات الدولية في ما يخصّ الليطاني، خصوصاً وأنّه كان هناك دور ربما للبنك الدولي حتى، وهيئات أممية.

 

سامي علوية: الحقيقة، يشكّل الحوض الأعلى لنهر الليطاني مختبراً لجميع ما يُسمّى بالجهات المانحة والجمعيات التي لا تبغي الربح، منها من يبغي الربح ومنها من لا يبغي الربح ومنها من يبغي السياسة. نحن يهمّنا أن نتعاطى وفقاً لمنطلق الحفاظ على سيادة الدولة اللبنانية، ومن منطلق الحفاظ على مصالحنا وإعادة الاعتبار لمصالحنا أولاً. لذلك، نحن توجّهنا إلى كافة الشركاء معنا، لا سيما مؤسّسة مياه البقاع، إنّ مقاربة الهبات من الجهات المانحة يجب أن تكون وفقاً لأولويات نحن نحدّدها وليسوا هم مَن يحدّدونها وفقاً للمعطيات التي يحاولون هم جمعها، بصراحة.

 

مايا رزق: هل قد تتعارض هذه المُعطيات مع مصلحة مياه الليطاني مثلاً؟

 

سامي علوية: لا، ولكن نحن اليوم لذلك، لا يجوز اليوم أنّ جهة مانحة تقدّم لمؤسّسة مياه البقاع مضخّة وتقدّم لمصلحة الليطاني آلة لقياس كميات المياه، فتلك تعرقل قياس كمية المياه، فبالتالي يجب أن يكون هناك تنسيق.

 

مايا رزق: انتقدتم مصلحة مياه لبنان أكثر من مرّة، وجّهتم انتقادات عديدة لمصلحة المياه.

 

سامي علوية: لا، الحقيقة مصلحة مياه البقاع هي مؤسّسة اليوم تعيّن الأستاذ رزق رزق هو رئيس مجلس إدارتها، تعنينا في الوقت نفسه، وهو شخص نشيط جداً، وهو شخص يحب أن يعمل جداً، ولكن هي مؤسّسة تعاني من تعثّر، كلنا يجب أن نساعدها وأن نقدّم لها الدعم المادي والمعنوي حتى تستطيع أن تقف على رجليها نتيجة طبيعة أوضاع المنطقة فوق، ونتيجة شحّ المياه الذي تعاني منه، وانخفاض كبير بنسبة الجباية. فبالتالي، يجب مساعدة هذه المؤسّسة، ولذلك تحتلّ الجهات المانحة دوراً كبيراً ومساحة كبيرة في التعامل معها.

 

مايا رزق: تحدّثتم ربما عن ربح سياسي لهذه الجهات المانحة الدولية. هل هناك أجندة سياسية معينة لهذه الجهات برأيك؟

 

سامي علوية: والله، هذا الموضوع أنا لا أقدّره، ولكن أنا كلّ ما يعنيني في ما يتعلق بالعمل مع هذه الجهات هو التعاون ولكن وفقاً لأجندتنا نحن، وفقاً لأجندة الدولة اللبنانية، ووفقاً لجعل كل المعطيات هي ملك لهذه المؤسّسات الرسمية، فلا نتصرّف ولا نتعهّد إلا ضمن الحدود التي يمنحنا إياها القانون، فبالتالي نحن اليوم نتصرّف ضمن خطوات ملموسة ومدروسة، ومن ضمنها هذه الهبة. هذه الهبة في الحقيقة كانت إجراءاتها قد بدأت قبل وصولي إلى رئاسة مجلس إدارة المؤسّسة. عند وصولي اجتمعت بالجهة المعنية بالموضوع، بحضور المهندسين في المصلحة، وصوّبنا العمل بوجوب هذه الهبة، بحصرها واعتبارها كتجربة، بحيث لا ترتّب التزامات أو أعباء على المصلحة الوطنية لنهر الليطاني، وهكذا كان. بوشِر العمل بهذه المنصّات العائمة، وحضر بعد ذلك البنك الدولي، وعرض علينا أن يكمل البحيرة بهذه التجهيزات. نحن أخذنا هبة 11، وعرض البنك الدولي أن يقدّم 11 منصّة عائمة أخرى، أنا الحقيقة رفضت.

 

مايا رزق: لماذا؟

 

سامي علوية: قلت له هذه هبة نطلبها ونقبلها، أما البنك الدولي فهو قرض من أموال الشعب اللبناني، لا نستطيع أن نجري تجارب من أموال الشعب اللبناني، إنما إذا كانت هبة وهذه الشركة ترغب بالتجربة نحن ليس لدينا مانع، وكان تمّ الاستحصال على إذن من وزارة الطاقة، وتمّ تركيبها، هي تقيس نوعيات المياه، نحن أصبحنا قادرين من خلال مكاتبنا أن نراقب نوعية المياه في بحيرة القرعون، ثمّ هي تعالج مشكلة الطحالب ومشكلة السيانوبكتيريا من خلال ألترا ساوند. فعلاً وفقاً لتقارير الخبراء، يقال إنّ هناك تحسّناً في نوعية المياه، ولكن هذه المياه ليست صالحة بعد لا للريّ ولا للشرب ولا لغيره، كلّ ما هنالك.

 

مايا رزق: وهي نقطة في نهر الليطاني.

 

سامي علوية: نحن اليوم نتعاطى بعقلانية، نحن لا نريد أن نقوم مثل غيرنا، سبقاً إعلامياً، ونقول إن النهر تنظّف. لا، بالعكس، هذه نقطة، حتى لا يظنّ البعض أنّ هذه التجهيزات من شأنها أن تحوّل لنا البحيرة إلى محطة تكرير، وأن يحوّلوا مجاريرهم بالتالي إلينا، إلى البحيرة. كلّ ما هنالك أنّها تعالج جانباً أو وجهاً من أوجه المشكلة، وهي اليوم تحتاج إلى دراسة أكثر ومتابعة أكثر. اليوم حتى الآن النتائج مبشّرة، وإن شاء الله خيراً، ولكن لن ننفرد بالقرار.

 

مايا رزق: هل طُلب منكم تقديم تعهّدات معيّنة لجهات أممية ودولية مقابل هبات؟

 

سامي علوية: لا، ولكن أنا ما أعرفه أنه عادةً، يطلبون قياسات مائية ونوعيّات مياه، هذه أرفض إعطاءها لأحد.

 

مايا رزق: لماذا؟

 

سامي علوية: لأنها ملك الدولة اللبنانية، عندما تطلب مني الدولة اللبنانية أن أعطيها، أعطيها باتفاقيات يقرّها مجلس النواب ولست أنا من أقدّم، فبالتالي أنا اليوم لا أستطيع القيام بعلاقات شخصية على حساب السيادة الوطنية، وعلى حساب سيادة الدولة التي أنا مؤتمن على مؤسّسة من مؤسّساتها. في النهاية أنا متشدّد جداً وحريص على كل ما يتعلّق بأمننا، نحن نعتبر أنفسنا كمصلحة تُعنى بالمياه، نحن المؤسّسة السيادية، المياه، انطلقت من الاستراتيجيا، فالمياه تعني أموراً استراتيجية بالنسبة للدولة اللبنانية.

 

مايا رزق: ماذا تعد اللبنانيين اليوم دكتور؟

 

سامي علوية: اليوم نحن نؤكّد على أنّ المصلحة الوطنية لنهر الليطاني ستستمرّ بدورها في ردع الملوّث. المصلحة الوطنية لنهر الليطاني لن تدخل في مصالحة أو تسوية مع الملوّث.

 

مايا رزق: هل ستخرج عن تقاعدها؟ 64 عاماً من التقاعد صراحة، لا يوجد هناك أي شيء على الأرض ملموس.

 

سامي علوية: الحقيقة، حتى لا نظلم المصلحة، المصلحة هي تنتج حوالى 196 ميغا من الكهرباء تروي مئات الهكتارات، فأنا استخدمت هذا المصطلح في ذكرى تأسيس المؤسّسة، أنّه اليوم يصبح عُمرها 64 سنة، كان يجب أن تحال إلى التقاعد في ملف التلوّث، ولكن نحن اليوم أعدناها إلى العمل في ما يتعلّق بحماية نهر الليطاني، فاليوم نحن نقول إن علاقتنا بنهر الليطاني هي ليست علاقة مصلحة نريد بيع مياهه، وإنما هي علاقة حياة مشتركة، نحن نريد الحفاظ على هذه الموارد المائية، حتى يكون لدينا مزارع مرتاح، ويكون لدينا مياه عذبة، ونكون نؤمّن شيئاً للبنانيين، ونحمي هذا النهر الجميل الذي يتعرّض لاغتيال اليوم.

 

مايا رزق: هل قد نرى نهر الليطاني نظيفاً كلياً في السنوات المقبلة؟

 

سامي علوية: نهر الليطاني بمجرّد رفع التعديات وسنة من المتساقطات الجيدة، يتحسّن وضعه الطبيعي فوراً، فقط مطلوب رفع التعديات. هل نطلب اليوم شيئاً مستحيلاً؟ يشكّلون لجاناً، يشكّلون مؤسّسات، المطلوب فقط عسكري يمنع التعديات عن نهر الليطاني، المطلوب فكرة أنّ نهر الليطاني ليس مزبلة، المطلوب أن نرسّخ إيماناً أنّ نهر الليطاني هو ليس المكان الطبيعي لتحويل الصرف الصحي والصرف الصناعي، فقط، يتوقف الجَشَع والطمَع، ويتمّ التعاطي بمسؤولية، ونهر الليطاني يعود. المليارات لن تعيد النهر، فقط القرار الجريء، والدولة تمارس سيادتها، يعود النهر تلقائياً.

 

مايا رزق: نعم، دكتور، يبقى الأمل أن يقال يوماً، لبنان هو هبة الليطاني كما قال هيرودوت قديماً إن مصر هبة النيل.

شكراً لك المدير العام للمصلحة الوطنية لنهر الليطاني الدكتور سامي علوية. والشكر لكم مشاهدينا الكرام على طيب المتابعة. إلى اللقاء,