عبد الله العبيدي - دبلوماسي تونسي سابق

 

مايا رزق: طابت بالخير أوقاتكم مشاهدينا الكرام.

عندما رشّح الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي يوسف الشاهد لرئاسة الحكومة منذ أكثر من عامَين، قال إنّ هذه هي الفرصة الأخيرة لإنقاذ تونس.

عواصف سياسيّة واجتماعية واقتصادية ضربت البلاد منذ ذلك الوقت. والأكيد أنّ هذه الفرصة لم تؤتِ ثمارها.

عجز الشاهد عن إنقاذ البلاد لا بل بات من أهم عوامل تصدّع مكوّناتها السياسية، وربما من أهم المستفيدين من ذلك. أخرج من حركة النداء فازدادت شرذمة. حصل على دعم النهضة فاستعرت في صفوفها خلافات بعضها خرج إلى العلن والجزء الأكبر منها مبيّتٌ كالجمر تحت الرماد، ما جعل البلاد تدخل مغامرة جديدة، يقول السبسي، عقب فضه التوافق بين حزبه وحركة النهضة.

فهل كان الشاهد آخر صلة وصل بين الشيخين أم أن الوصال لطالما كان مقطوعاً بينهما؟ ماذا بعد هذا الطلاق الذي توقّعه الكثيرون؟ ومَن المستفيد الأكبر خصوصاً وأنّ البلاد استعجلت التحضيرات للانتخابات التشريعية الرئاسية المقبلة؟

من الواضح أن الشعب التونسي هو الخاسر حتى اللحظة. الدينار إلى تراجع، والديون إلى ارتفاع، والحرب على الفساد في سبات. مع تفاقم أزمات الداخل استيقظت مطامع خارجية كثيرة ترى في أرض الياسمين تربةً خصبةً لأجنداتٍ اقتصادية، وسياسية، وحتى عسكرية وبوابة مشرّعة على الدول الأفريقية.

هذه الأمور وسواها نناقشها اليوم مع الدبلوماسي التونسي الأستاذ عبد الله العبيدي. أهلاً ومرحباً بكم.

 

(فاصل)

 

مايا رزق: سعادة السفير نرحّب بك عبر شاشة الميادين.

ربما الخبر الذي يفرض نفسه اليوم، وربما الحدث بالتحديد، هو فضّ الاتفاق بين حزب نداء تونس وبين حركة النهضة. برأيكم لماذا لجأ السبسي في هذا التوقيت بالذات لفضّ هذا الاتفاق؟

 

عبد الله العبيدي: أهلاً وسهلاً. تحيّاتي. شكراً على الاستضافة. هناك ظاهر وهناك خفيّ والسياسة كلها مناورات. لا أعتقد أنّ كلّ ما قيل في حوار الأمس هو يعكس واقع العلاقة بين النهضة والباجي قائد السبسي حتى لا نتحدّث عن العلاقة بين النهضة والنداء، لأنه نعرف أن مَن هو مسيطر على الأحداث هما الشيخان، من جهة رئيس الجمهورية الأستاذ الباجي قائد السبسي، ومن جهة راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة، وأعتقد أن مقاربتهما للأمور فيها من العمق ومن التأني ما ربما يجعل السرعة هذه في الظاهر للتعاطي مع الأمور لا تعكس الحقيقة بالضرورة، هي مجرّد مناورة. رأينا أن الشاهد احتمى في وقتٍ من الأوقات بالاتحاد العام التونسي للشغل رغم أن ملفاته كلها تستند إلى صندوق النقد الدولي، وهو منافٍ وفي خصام مع كل نقابات العالم، ورأينا بأية سرعة عاد إلى النداء في وقتٍ من الأوقات، ثم تبيّن له أن هناك سوء فهم بخصوص رجوعه إلى النداء، وبنفس السرعة الضوئية انطلق إلى النهضة واحتمى بها، ونحن نعرف أن المخزون الانتخابي للنداء وللحداثيين هو موجود خارج النهضة، ويلام أو يؤاخذ الرئيس الباجي قائد السبسي على مستوى هؤلاء الحداثيين، بتقاربه مع النهضة والشيخ راشد الغنوشي، فما بالك بشخص يوسف الشاهد أن يحتمي بالكامل ضد حتى الحزب الذي عيّنه في رئاسة الحكومة، يحتمي بالكامل بالنهضة.

 

مايا رزق: قبل الحديث عن شخص يوسف الشاهد وربما مستقبله السياسي في البلاد بعد ما حدث بين النداء وبين النهضة، ربما لا بدّ من التركيز على فضّ هذا الاتفاق.

من المعلوم أنه خرج اليوم إلى العلَن، تحدّث عنه رئيس البلاد، ولكن هو نتاج خلاف بين الجهتين الحاكمتين في تونس. لماذا اليوم هذا الإعلان الصريح أو ربما لماذا اليوم خرجت إلى العلَن؟

 

عبد الله العبيدي: أنا ذكرت المناورة، ربما مجرّد مناورة لأن السيّد رئيس الجمهورية.

 

مايا رزق: إذاً برأيك العلاقة ستبقى بين الحزبين؟

 

عبد الله العبيدي: أنا قناعتي أنّ العلاقة ستبقى لأن السيّد الباجي قائد السبسي أمس أكّد كما لاحظ كل من شاهد هذا الحوار أن الاتفاق حول 63 نقطة من وثيقة قرطاج، بقيت نقطة واحدة، أحب أن يركّز ويظهر إلى العموم أنّ الاتفاق تقريباً كامل باستثناء بقاء الشاهد من عدمه على رأس الحكومة، والنهضة حريصة، وهو قدّم، لا أقول تنازَل، وإنما شرط، أكّد على أن الانتخابات القادمة سوف تنظّم في موعدها، هذا ما كانت تخشاه النهضة برحيل الشاهد، ربما رحيل الشاهد يتسبّب في بعض الهزّات التي من شأنها أن تؤخّر في المواعيد، هذه هي في حاجة إليها لأنها هي الحزب الوحيد المنظّم والذي يجب أن يجابه بأوفر الحظوظ للانتخابات القادمة. هناك رسائل عديدة في حوار السبسي وفيها تنازلات، قراءة متأنيّة لهذه الرسائل تظهر أنه ليس بالحريص على هذه القطيعة، أشار إليها، وحمّل مسؤوليتها إلى النهضة.

 

مايا رزق: عندما تقول تنازلات، تنازلات من قِبَل مَن؟ من قِبَل حزب نداء تونس؟ ولحساب مَن بالتحديد؟

 

عبد الله العبيدي: من قِبَل رئيس الجمهورية، تنازلات بين هلالين، ليست بالتنازلات، قال التزامه بالدستور والتزامه بتنظيم الانتخابات في مواعيدها، وأكّد على نقطة أخرى، وهذه هي القراءة المعمّقة والمتأنيّة، قال نحن بحاجة لبناء المؤسّسات الدستورية التي أتى بها الدستور الجديد، وإذا كان انفرط العقد بين النهضة والنداء وهما حزبان لديهما كتل وازنة، لا تعود هناك إمكانية لبناء المؤسّسات التي يقتضيها الدستور الجديد، بحيث ترك ثغرات للرجوع، أو نحن نقول في تونس خط الرجعة، ترك خط رجعة لإعادة ترميم هذه العلاقة، حتى ترميم مبالغ فيها لأنه إلى حد الآن نرى أن السبسي وراشد الغنوشي يتردّدان على بعضهما البعض ولقاءاتهم متواترة بكثافة.

 

مايا رزق: هل يمكن ترميم هذه العلاقة كما ذكرتم بوجود يوسف الشاهد على رأس الحكومة التونسية برأيك؟

 

عبد الله العبيدي: هي النهضة بنفسها بدأت تتحرّج من يوسف الشاهد، لأنه لا يرجع يوسف الشاهد إلى معسكره، ولا يستطيع أن يجابه الاستحقاقات الانتخابية القادمة بحظوظ تُذكَر، إلا إذا حصلت بينه وبين النهضة القطيعة وخصام، لأنه مثلما أشرت منذ حين هناك مؤاخذة للسيّد الباجي قائد السبسي لأنه اقترب وتحالف وتعايَش مع النهضة، فما بالك بشخصٍ يحتمي بالنهضة بالكامل ويجعل منها حليفاً دائماً، لأنه رأينا طوال الأربع سنوات الماضية أن السيّد الباجي قائد السبسي وجماعته يفتّشون عن مُصطلح حتى لا يزعجوا ناخبيهم، تحالف، تعايش، توافق، وفاق، وهذا من الحرج الذي أحدثه تقارُبهم مع النهضة، مع العِلم أن هذا التقارُب ربما ساهم إلى حد ما في توحيد المفاهيم والمُصطلحات، وإلى أن يستأنس البعض بالآخر، وربما هذا ما جنّب البلاد بعض الهزّات.

 

مايا رزق: بالحديث عن الهزّات، توقّع الرئيس الباجي قائد السبسي أن تدخل البلاد في مغامرة الآن، ولكن قبل الحديث عن مستقبل البلاد ككلّ عقب كلّ هذه القضايا المُتسارعة في تونس، إذا أردنا التركيز ربما على موقع حزب نداء تونس، ربما كان هناك عدد من الاستقالات، أخرِج الشاهد من الحزب، واليوم فضّ التوافق.

هناك من يقول إنّ مستقبل هذا الحزب ليس وردياً، أنّ الحزب سينتهي حتى قبل وصول موعد الانتخابات المقبلة. هل توافق هذا الرأي؟

 

عبد الله العبيدي: مَن يتحدّث هكذا يجب أن يذكر لنا ما هو البديل، لأنّ حزب نداء تونس نفسه لم يكن حزباً عريقاً له ماضٍ طويل، وإنما شكّل بسرعة.

 

مايا رزق: صحيح، عمره ست سنوات الحزب.

 

عبد الله العبيدي: ست سنوات لكن تكون سنة ونيف أو سنتين قبل الاستحقاقات الانتخابية، والسيّد الباجي قائد السبسي ألمح إلى أن هناك مخزوناً آخر، وذكر الناس الذين تشاور معهم وفيهم كثير من الدستوريين القدامى، ورأى السيّد الباجي قائد السبسي أنه حتى النهضة تصالحت مع الكثير من الدستوريين، لأنه تبيّن للكثير من الفاعلين السياسيين ألا مستقبل لتونس إذا استثنينا كل هذه الكفاءات التي تكوّنت طوال العقود في المدرسة الدستورية، المدرسة البورقيبية، لأنه رأينا في السنوات الأخيرة أنه حتى النهضة ورئيسها السيّد راشد الغنوشي لم يعودوا يستنكفون من ذكر بورقيبة وبعض مآثره، رغم مآخذهم الكبيرة على الزعيم الحبيب بورقيبة.

 

مايا رزق: تحدّثتم عن بديل، هناك مَن يقول إنّ البديل ربما هذا الائتلاف الجديد الموجود اليوم والذي أنشأه رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد، وهو ائتلاف، حزب الائتلاف الوطني إذا صحّ التعبير، الوفاق الوطني بالتحديد.

هل نحن أمام نشأة حزب جديد من هذا الائتلاف قد يكون ربما منافساً لحزب نداء تونس وهو أصلاً يُقال إنه ولِد من رحم حزب نداء تونس؟

 

عبد الله العبيدي: ليس هناك إلى حد الآن ائتلاف، هناك سياحة نواب، وذكرها السيّد الباجي قائد السبسي أمس عندما قال هناك 70، هذا ليس بالجديد، هناك 70 نائباً الذين تنقّلوا من حزبٍ إلى آخر، منهم مَن تنقّل أربع مرات من هذا الحزب إلى ذاك، ولحد الآن الائتلاف لا يستطيع إلا أن يستند إلى النهضة وهذا ما يرفضه المخزون الانتخابي للشاهد والجماعة المُنسلخين على النداء. هذا من ناحية.

من ناحية أخرى، عندما يحتدّ الصراع الانتخابي سوف يذكر بعضهم أن الشاهد، وهذا مزعج لكثير من التونسيين، أنه مُسانَد من جهات خارجية. رأينا كيف خرج علينا سفير فرنسا قبل مدّة، وقال أوروبا تسانِد الشاهد، بعد الاجتماع بسبعة سفراء من الاتحاد الأوروبي، وسفير فرنسا يتنقّل.

 

مايا رزق: سنتحدّث عن هذا الموضوع بالتفصيل أستاذ، ولكن إسمح لي الآن بالعودة إلى حزب نداء تونس، وبالحديث ربما عن مدى متانة هذا الحزب اليوم على الساحة السياسية في تونس. الوطن البحرينية عنوَنت نزيف استقالات نداء تونس يُهدّد بانهيار الرئيس. نتابع.

 

الوطن البحرينية: نزيف استقالات نداء تونس يُهدّد بانهيار حزب الرئيس، منال المبروك

تتوالى يومياً الاستقالات من كتلة حركة "نداء تونس" التي فقدت ترتيبها في البرلمان من أكبر كتلةٍ بداية المدّة النيابية في 2014 بنحو 86 مقعداً إلى ثالث كتلةٍ حالياً بنحو 42 نائباً حالياً، مهدّدة بنهاية الحزب. ونهاية الأسبوع، زاد نسق الاستقالات لتشمل أربعة نواب جدُد ليضافوا إلى النواب التسعة الذين استقالوا في مستهلّ أيلول (سبتمبر) الحالي، والذين التحق ثمانية منهم بكتلة "الائتلاف الوطني" القريبة من رئيس الحكومة يوسف الشاهد.

وفي تصريحات للصحيفة، توقّع المُحلّل السياسي منذر بالضيافي أن يتواصل نزيف الاستقالات من حركة "نداء تونس" في الفترة المقبلة، مشيراً إلى أنّ الوضع في "النداء" أخذ مُنعرجاً حاسماً في معركة كسْر العظم بين شقّ المدير التنفيذي للحزب حافظ قائد السبسي وشقّ رئيس الحكومة يوسف الشاهد، وبالتالي فإن القطيعة حصلت ولا رجعة فيها بين الشاهد وحزب نداء تونس بقيادة السبسي الإبن، مشيراً إلى أن القطيعة كانت صامتة وغير مُعلَنة منذ أكثر من سنة.

وأكّد المحلّل السياسي أنّ هناك شبه إجماعٍ على أنّ أزمة "نداء تونس" قد أربكت المشهد المجتمعي والسياسي، فضلاً عن تعطيلها مؤسّسات الحُكم سواء لجهة البرلمان أو الحكومة، معتبراً إنّ تحرّك رئيس الحكومة والحزام السياسي ولا سيما النيابي الذي حوله يشير إلى أنّ الشاهد قد حسم أمره في علاقته بحزبه القديم، وأنّه عازمٌ على تأسيس حزبٍ جديدٍ ربما تكون الكتلة البرلمانية "الائتلاف الوطني" ممهّدة لنشأة هذا الحزب السياسي الجديد بقيادة رئيس الحكومة، وهو السيناريو الأقرب بحسب قوله.

 

مايا رزق: أستاذ عبد الله العبيدي، أعود إليكم. المقال كان واضحاً، وذكر أن هناك طموحاً للشاهد لإنشاء حزب جديد.

على مَن يستند الشاهد في هذه المرحلة السياسية التي تمرّ بها البلاد وفي هذه الانطلاقة له، بعيداً عن طاعة الشيخين إذا صحّ التعبير؟

 

عبد الله العبيدي: يستند إلى بعض رؤوس الأموال الذين يرون فيه الوحيد الذي قد يخصّص بعض الشركات التي يطمحون إلى امتلاكها، من ناحية، ونحبّ أن نقول إنّ الشاهد عبقريّته السياسية أنه نجح في تحويل بعض الخلافات الزقاقيّة، تكاد تكون عائلية أو بين أصدقاء، هو وقائد السبسي هما أصدقاء لمدة سنوات، حول بعض الزقاقيات إلى ملفات وطنية، لأن الحديث اليوم ليس عن انزلاق الدينار مثلما تفضّلت وأشرت إليه في المنطلق، ليس على البطالة الضاربة في تونس التي تمسّ 800 ألف تونسي، ليس على تداعي أو سقوط مدارسنا التي أصبحت مدارس فقراء أو مؤسّاستنا الاستشفائية التي هجرها في الستة أشهر الأولى من هذه السنة ما لا يقلّ عن 650 طبيباً إلى الخارج، هناك 4000 أستاذ جامعي هجروا البلاد، عوض أن نتحدّث أو نمركز مجهودنا على أمّهات القضايا، أصبحت البلاد لا حديث لها سوى على خلاف الشاهد والسبسي، وهما في نهاية الأمر أقرباء. نحن نعرف أنّ الشاهد هو صهر، وقريبة جداً المصاهرة، هو عبقريّته أنه حوّل هذه الزقاقات التي لا تعني التوانسة، حوّلها إلى ملفات وطنية وحتى دولية.

هذا من ناحية. من ناحية أخرى، المساندة الغربية للشاهد، هي لأن الغرب يحتاج إلى واجهة، توصّل الغرب اليوم والاتحاد الأوروبي بصفةٍ خاصة أن يسيطر على كل مفاصل الدولة التونسية وأصبحت هناك وصاية مركّزة، وهذا ليس بالسرّي، هناك وثائق رسمية تقول إنّ أهم قطاعات أمننا وسلامة ترابنا واقتصادنا مُهيمَن عليها بالكامل غربياً.

 

مايا رزق: سنركّز على هذا الموضوع في الشقّ الثاني من الحوار أستاذ، سنتعمّق أكثر بهذا الموضوع.

 

عبد الله العبيدي: هناك موضوع آخر له أهمية، هو أنّه طيلة السنوات، رفض النظام السابق وحتى ما بعد الثورة أن توقّع تونس على ما يسمّى باتفاقية استرجاع المهاجرين، حتى إن لم يكونوا تونسيين، من انطلق من تونس، إذا كانت تونس وقّعت على هذا الاتفاق، لكن الشاهد قام بتنازلات، التنازل الأول أنه وعد الغرب أنه سيوقّع اتفاقية لاليكا، اتفاقية تجارية، وجرّد المفاوضين التونسيين من أسلحة التفاوض، لأنه يجب أن لا تقول إنك ستوقّع قبل التفاوض، ومن ناحية ثانية أعفى من التأشيرة الكثير من مواطني الدول الأفريقية نزولاً عند رغبة الغربيين، عندما تحدث عودة أفارقة إلى تونس وهم معفيّون من التأشيرة، لا تستطيع تونس رفضهم، وهناك أمر آخر جدّ هام، أن تقريباً في تونس بعد الثورة 90 بالمئة من المؤسّسات الإعلامية مُصادَرة، وتخضع لضغط الشاهد ومحيطه، ولم يعد إعلامنا يعكس واقع تونس، وهذا فيه خطر كبير على تطوّر الأمور باتجاه ما هي مصالح تونس.

 

مايا رزق: ربما هذا ناتج من الصلاحية المُعطاة اليوم لرئيس الحكومة على حساب الصلاحيات التي سُلِبت من رئيس الجمهورية.

 

عبد الله العبيدي: هناك تجاوزات، هناك حتى تجاوزات قانونية، رأينا في الآونة الأخيرة أنّ بعض المحاكم ألغت قرارات استند فيها الشاهد إلى قانون الطوارئ، هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية نعلم أنّ الكثير من النواب الذين التحقوا بالشاهد لهم ملفات قضائية، هناك ترغيب وترهيب في هذه الحال، ورأينا انضمام بعض النواب من ذوي المال إلى الشاهد وصرّحوا به، والمال يلعب دوراً كبيراً، وهذا بالطبع محصور بدوائر معيّنة، ولا أعتقد أن المشاكل التي تواجهها تونس من بطالة وتدنيّ الخدمات العمومية والرغبة المُعلَنة في التخلّي عن ثروات البلاد عبر التصويت.

 

مايا رزق: اتهامات خطيرة تطلقها أستاذ على الأستاذ يوسف الشاهد، ولكن قبل الغوص بهذه الاتهامات.

 

عبد الله العبيدي: أنا لا أطلق اتهامات، أنا أعكس ما يدور حوله الحديث اليوم في تونس حول الشاهد، ونعلم أنّ ركيزة أساسية في تونس هو الاتحاد العام التونسي للشغل، ونعلم الخصام الكبير حول هذا الملف، وهذا لا أختلقه ولا أبتدعه.

 

مايا رزق: هناك اليوم توجّه جديد للاتحاد العام للشغل في تونس. أكثر من صحيفة ربما تحدّثت اليوم بالتحديد عن عودة عن موقف، هي لا تريد اليوم، لا تطالب باستقالة الشاهد بعد ما حصل أمس وبعد كل الارتدادات في تونس.

 

عبد الله العبيدي: لا، هذا في إطار ما كنت أتحدّث عنه من تزييف الأخبار، لأنّ أول أمس الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل ونائبه سامي الطاهري صرّحا بعكس ما تتداوله الصحف التي مُسيطَر عليها من طرف الشاهد ودائرته.

 

مايا رزق: أستاذ عبد الله العبيدي، سنتابع معاً ما ورد في العرب اللندنية، "اصطفاف قيادات سياسية مع الشاهد يضعف خصومه".

 

العرب اللندنية: اصطفاف قيادات سياسية مع الشاهد يضعف خصومه

تسير الأزمة السياسية التونسية نحو الحسم لصالح رئيس الحكومة يوسف الشاهد، بعدما فشلت محاولات إقالته، وهو ما دفع قياداتٍ سياسية فاعلة من التيار الحداثي الذي ينتمي إليه للاصطفاف إلى جانبه فيما فضّلت الوقوف ضدّ خصمه حافظ قائد السبسي. وقال محسن مرزوق الأمين العام لحزب "مشروع تونس" لوسائل إعلام محلية، إنّ محاولة إقصاء يوسف الشاهد هي عملٌ غير حكيمٍ وغير شرعي وغير مجدٍ.

واعتبر مراقبون إن تغيّر موقف محسن مرزوق الذي كان من بين المنادين برحيل الشاهد حتى وقت غير بعيد، دليلٌ على اقتناعه بأنه تحوّل إلى رقم صعب في المعادلة السياسية. ويقول هؤلاء إن حكومة الشاهد تحوّلت إلى حكومة أمر واقع أمام انسداد المشهد السياسي، ففي الوقت الذي صمد فيه الشاهد في وجه دعوات الإقالة من حزبه ومن أحزاب معارضة ومن اتحاد الشغل القوّي، لم يطرح معارضوه خيارات بديلة تنهي الأزمة.

رغم ما راج أخيراً عن توجّه الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي إلى ممارسة صلاحياته الدستورية عبر الفصل التاسع والتسعين من الدستور الذي يسمح له بمطالبة رئيس الوزراء بعرض تجديد الثقة بحكومته على البرلمان، إلا أنّ التوازنات الجديدة في البرلمان بعد انهيار حزب النداء الحاكم، وتراجع كتلته لصالح كتلة جديدة، وهي كتلة الائتلاف الوطني التي تدعم الاستقرار الحكومي على غرار دعم كتلة حركة النهضة للحكومة، تشير إلى أنّ الحلّ الدستوري يصبّ بدوره في مصلحة رئيس الحكومة.

 

مايا رزق: أعود إليكم أستاذ العبيدي، ومن موقف الأمين العام لحركة مشروع تونس محسن مرزوق، الرجل الذي كان اعتبر منذ فترة وجيزة أنّ حكومة الشاهد انتهت سياسياً وأخلاقياً، اليوم هو داعم للشاهد وذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، وقال إنّ للشاهد حقاً في الترشّح للانتخابات الرئاسية المقبلة.

ما هو سرّ هذا الالتفاف حول حكومة الشاهد اليوم؟ بعد أن كانت النهضة وحدها مَن يدعم الشاهد، اليوم هناك نوع من التفاف سياسي، يقال إنّ حكومة الشاهد هي حكومة أمر واقع.

 

عبد الله العبيدي: للإشارة، المصادر الخارجية التي تذكرينها هي المراسلين التابعين لكل المؤسّسات الإعلامية التي كنت ذكرتها وهي تحت سيطرة الوزارة الأولى، وهي رئاسة الحكومة، من ناحية، ومن ناحية ثانية أذكّر، وعلى فكرة، أنا كنت لعدّة سنوات مدير إعلام وزارة الخارجية، أي ملمّ بالساحة الإعلامية عموماً، وأذكر بما صرّحت به سفيرة بريطانيا العظمى في تونس أن بريطانيا مدّت الشاهد بمليارات من الدينارات لتلميع صورته داخلياً وخارجياً.

 

مايا رزق: بعد أحداث كانون الثاني (يناير) تعني؟

 

عبد الله العبيدي: هذا تصريح السفيرة، وليس فيه شك. بالنسبة لمحسن مرزوق، هو كان في خلاف كبير مع الشاهد، وهو غادر النداء عندما كان الشاهد أحد أركانه، وكوّن حزبه، والآن يناور، هو اتصل حتى بالنهضة في الآونة الأخيرة التي كان من أكبر أعدائها إلى قبل بعضة أسابيع، ويناور حتى لا يخرج من العلبة، ولا أعتقد أن محسن مرزوق هو مرجع في السياسة التونسية في الوقت الحاضر، وكل الأحزاب التي انسلخت، ونحن نعرف أنّ هناك الكثير من الشقوق انسلخت، كلّ الأشخاص الذين انسلخوا عن النداء وكوّنوا أحزاباً لم يفلح أي حزب منها.

 

مايا رزق: برأيك، هل ما يحدث اليوم هو نوع من تصفية حسابات مع حزب نداء تونس من خلال دعم الشاهد؟

 

عبد الله العبيدي: الحقيقة ليس تصفية حسابات، تموقع، لأنه نعرف أن محسن مرزوق يتردّد بوتيرة سريعة على السيّد الباجي قائد السبسي، وكان من أقرب مقرّبيه، وكان عنده في القصر، وكان مكلّفاً بملف السياسة الخارجية، وحتى وقّع اتفاقية شراكة مع أميركا مثله مثل رضا بلحاج الذي انسلخ عن النداء وكوّن حزبه، وعندما رأى أنه لا آفاق لهذا الحزب رجع إلى السيّد باجي قائد السبسي وإلى النداء وعُيّن مؤخّراً منسّقاً عاماً لحزب النداء.

 

مايا رزق: يُقال اليوم إنّ كلّ ما يحدث في تونس هو بسبب التسابق على كرسي الرئاسة في البلاد. هل هذا صحيح؟ هل فعلاً البلاد دخلت منذ عامين في هذا السباق؟ وحتى الآن، من هو ربما إذا صحّ التعبير، النجم الذي يسابق على كرسيّ الرئاسة؟

 

عبد الله العبيدي: الجوّ قاتم، ولا نرى النجوم في تونس، ليس هناك نجوم، حتى إن وُجِدت فالسحب الاجتماعية والسياسية المُتلبّدة، وآخرها الكارثة التي حصلت في ولاية نابل والفيضانات التي ذهبت ضحيّتها أرواح بريئة وحدثت خسائر بالمليارات لأن الوزارات اليوم أهملت أساسيات العمل السياسي متّجهة نحو هذا التطاحُن، وأعتقد أن مَن سيسبقهم إلى السياسة هو الشارع، إذا لم تقع استفاقة، وإذا لم يوحّدوا أصواتهم ويرتّبوا أولويات الشعب وأولويات البلاد، وينظروا إلى هذه القضايا، لأنه اليوم الأمر الأساسي، وهذا ليس بالسياسة، اليوم صناديقنا خاوية، ليست لدينا إمكانيات لتأمين أمننا وسلامة ترابنا، لأن ديوننا وصلت إلى أرقام قياسية، 73 بالمئة من الناتج القومي الخام هي ديون، يجب أن نقترض لتنظيم قانون المالية القادم، ما يقارب 10 مليارات، انطلاقاً من السنة الحالية، سننطلق في تسديد الديون، سنقترض 10 مليارات دولار إذا توافرت إمكانية الاقتراض، لأنه حتى مصداقية المقترض لم نعد نكسبها لتسديد، من عشرة لتسديد تسعة، لم يعد لدينا إمكانيات للاستثمار، كل مواردنا المُقترضة والذاتية التي تكاد تقارب الصفر مسخّرة وكلّ شهر يتساءل المتقاعدون وحتى الموظّفون الحاليون، هل ستُصرَف رواتبنا وجراياتنا أم لا.

 

مايا رزق: للحديث معك تتمة أستاذ العبيدي، ولكن بعد هذا الفاصل القصير.

مشاهدينا الكرام فاصل ونعود. ابقوا معنا.

 

 

المحور الثاني

 

مايا رزق: نجدّد الترحيب بكم مشاهدينا الكرام، وبضيفنا الكريم من تونس الأستاذ عبد الله العبيدي.

نعود وإياكم إلى صحيفة الصحافة اليوم التونسية التي رأت أن دعوات الإضراب لن تدفع الحكومة إلى التراجع عن سياساتها الاقتصادية. نتابع.

 

الصحافة اليوم: بمعرفة السبب يبطل العجَب، جنات بن عبد الله

لقد شيّدت حكومة الوحدة الوطنيّة، أو لنقُل حكومة الشاهد، جداراً عازلاً بينها وبين الشعب التونسي والقوى الرافضة لسياسة التقشّف، وبرنامج الإصلاحات الكبرى، وترسانة القوانين الممهّدة لتنفيذ اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمّق مع الاتحاد الأوروبي، ما دفع المنظمة الشغيلة التي بقيت وحيدة بين كل المنظمات النقابية والمهنية نحو سياسة المواجهة، ولا نعتقد أن هذه المواجهة وبحسب بعض المؤشّرات ستغيّر المعادلة وتدفع بالحكومة إلى التراجع باعتبار:

أولاً تعهّد الشاهد تجاه المؤسّسات المالية الدولية والدول السبع الكبرى من خلال سفرائهم الذين اجتمع بهم يوم الحادي عشر من أيار (مايو) هذا العام للحفاظ على منوال التنمية نفسه ، الذي يقوم على الإقتراض الخارجي والاستثمار الأجنبي ورفع جميع الحواجز أمام التوريد المنظّم وتجاهل التوريد العشوائي.

وثانياً تعهّده في بروكسيل بالتوقيع على اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمّق مع الاتحاد الأوروبي عام 2019 ، وبالانتهاء من المفاوضات هذه السنة في غياب تفويض من مجلس نواب الشعب للفريق التونسي في المفاوضات.

مؤشّرات تفترض من المنظمة الشغيلة التفكير في أشكال أخرى للتعبير عن الرفض ووقف نزيف التدهور والسقوط في المجهول في ظلّ الانخراط غير المشروط للأحزاب الحاكِمة في تدمير البلاد والتفريط في السيادة الوطنية.

 

مايا رزق: أستاذ العبيدي، أنطلق من هذا التقرير ربما للحديث عن العلاقة ما بين تونس والاتحاد الأوروبي. كان هناك عدّة اتفاقيات من بينها اتفاقية أمنية حصلتم على نسخة من نصّها، وهذا النصّ يثير الكثير من الأسئلة وربما الشكوك عن صلاحية الدول الأوروبية في ما يخصّ الأمن التونسي، في ما يخصّ المراكز السياحية، في ما يخصّ الموانئ، المطارات، وغيرها من الوزارات. ماذا عن هذه الاتفاقية؟

 

عبد الله العبيدي: ملاحظة وجيزة، من باب الصدفة أن هذه الصحافية جنات بنت عبد الله ليست ابنتي ولم أملِ عليها هذا المقال الذي هو عميق ويأتي على بعض أساسيات السياسة الآن. صحيح هناك وثيقة صادرة عن الاتحاد الأوروبي، وتقول إنّ هناك وصاية من طرف قوى عظمى مُهيمنة، أغلبها إذا ما استثنينا ألمانيا، أغلبها ذات خلفية استعمارية، بريطانيا أصبح لها شأن ودور في الأمن التونسي وسلامة التراب، فهي لها وصاية على موانئنا ومطاراتنا، ولها كذلك مسؤولية على المواقع الحسّاسة في تونس منذ واقعة سوسة، وما حصل فيها من ضحايا، وفرنسا والاتحاد الأوروبي بخصوص الإرهاب، وألمانيا بخصوص حدودنا، ربما التعاون هو أساسي، لكن الوثيقة هذه تذكر أنه في المجالات، حتى وثيقتهم هم تعترف أنّ هناك نوعاً من اختراق مبطّن لسيادة تونس، لأنه عموماً هذه القطاعات لا يقع فيها التعاون وهذا ما تذكره الوثيقة، لا يقع فيها التعاون إلا ثنائياً، ومتعدّدة الأطراف عندما تكون هناك هيمنة على البلد المعني لا تستطيع دولة بمفردها أن تجابه تعاوناً بين هلالين، تعاون بخصوص شيء معين. نحن رأينا أنه في الآونة الأخيرة بالنسبة للمنطقة العربية ككل وبالنسبة لمنطقتنا التي تهزّها بعض الزلازل السياسية والاجتماعية، أنّ الهجرة أصبحت ركناً من أركان السياسة الأوروبية، وكلنا يعلم الصعوبات التي تجابهها حكومة ميركل الألمانية رغم قوّتها الاقتصادية بخصوص هذا الباب، ولم تستقرّ حكومتها إلى حد الآن، ورغم مرور سنة على آخر انتخابات حصلت، حيث الهجرة أصبحت تلعب دوراً كبيراً، وبالطبع من يتنازل لهم، يريدون تصرّفاً مطلقاً في محيطهم الجغرافي، كلما أمكن لهم ذلك، وهذا بديهي في السياسة، وتونس بالطبع هي الحلقة الضعيفة في المنطقة، وتصريحات المسؤولين من مستوى عالٍ في أوروبا، يقولون الدولة الوحيدة أو البلاد الوحيدة، إذا كان يصحّ التعبير الحديث على دولة بخصوص تونس في الوقت الحالي، البلاد الوحيدة التي يهيمن عليها بالكامل تقريباً هي تونس. هذا ما يصرّح به مسؤولوهم ووثائقهم.

 

مايا رزق: مَن سمح بهذه الهيمنة أستاذ؟

 

عبد الله العبيدي: والله في الآونة الأخيرة هم حاجتهم مثل واجهة، نحن نتحدّث عن حكومة ورئيس حكومة، ونعلم وبالأمس ذكر وأكّد السيّد رئيس الجمهورية، ونحن نعلم مَن اطّلع على دستورنا، كل الصلاحيات هي ممنوحة لرئيس الحكومة وجماعته، الهيمنة هذه على الأقل في الوقت الحاضر إذا لم يناقشها السيّد رئيس الحكومة الحالي فهو أحد المسؤولين، حتى لا أقول المسؤول الوحيد عنها. بالطبع هناك برلمان، ولكن رأينا هشاشة أغلبية البرلمانيين، هم منغمسون في مشاكل جانبية، وسيادة البلاد تكاد تكون مهجورة، لا أحد يتحدّث عن سيادة البلاد، وسيادة البلاد يجب أن تكون لها مرتكزات اقتصادية، ورأينا التقرير الذي تفضّلت به منذ حين للسيّدة جنات بن عبد الله، كيف تصف الوصف القاتِم لوضعنا الاقتصادي ولعلاقاتنا، أي نحن نتقهقر على كل الجبهات، وهذا ناتج بالطبع على ضعفنا الاقتصادي، ولم نركّز على، وأنا أريد أن أذكّر في هذا المجال بأن أول مقال صحافي للزعيم بورقيبة في ثلاثينات القرن الفارط هو حول الميزانية، لأن صورة البلاد وثقل سياستها وقوّتها هو في ما تملك من موارد مادية وبالطبع تشكيل، اليوم هناك أمر جد هام أريد أن أقوله، بورقيبة توفّق لإقناع الغرب بتماهي مصلحة تونس مع مصلحتهم، بمعنى مصلحة تونس هي مصلحتهم، اليوم انعكست الآية، الغرب مهيمن ويقول هذه مصلحته لا العكس.

 

مايا رزق: بالحديث عن الهيمنة الغربية أستاذ، نشر موقع "National Interest" مقالاً تحت عنوان الولايات المتحدة توسّع حربها في تونس بصمت، أو في السرّ.

تحدّثتم عن هذا الموضوع منذ أكثر من عامين ولكن الموضوع لم يأخذ وقتذاك اهتماماً كبيراً. اليوم خرج إلى العلَن ومن قِبَل إعلام غربي.

أريد الحديث عن التواجد العسكري إذا صحّ التعبير الأميركي في تونس، هل هو فعلاً موجود، وهذا الدور الأمني الذي تلعبه أميركا في تونس؟

 

عبد الله العبيدي: أنا من المدرسة الوطنية، مَن تكوّنوا في الكشافة الإسلامية أو العربية إذا أردتم، وربما تجاوزنا التاريخ بين هلالين. أنا لا أقول إنّ هناك قواعد أو تونس مخترقة جزافاً، انا استندت إلى حُكم قضائي عسكري صدر في ألمانيا ضدّ جنرال أميركي، طُرِد من الجيش الأميركي، والحُكم يقول بالحرف الواحد حُكِم على هذا الجنرال لأنه تحرّش بإحدى منظوراته، وهي طيّارة أميركية، ويقول الحُكم عندما كان السيّد الجنرال، قائد القاعدة، قاعدة سيدي حميض في تونس ببنزرت، وتحت إمرته 70 طيّاراً و20 متقاعداً، ونصّ الحُكم هذا موجود ومتوافر ونشر في الصحافة التونسية في وقت ما. أنا لا أختلق الأشياء وأنا مستعد أن أضحّي.

 

مايا رزق: وتأكيداً على ذلك، اليوم يتم الحديث عن هذا الموضوع وعن الوجود العسكري الأميركي في تونس.

 

عبد الله العبيدي: نحن لا ننسى، وهذا أمر غريب جداً، جداً، جداً، إنّ تونس شريك استراتيجي لأميركا خارج منظومة الحلف الأطلسي، وبودّنا لو يفسّر لنا كبار القوم ورئيس الحكومة ما معنى خارج لوتان، في حال أن تبادلنا التجاري مع الجناح الأوروبي للغرب يناهز 75 بالمئة، وكلّ مصالحنا مع أوروبا، وأغلبية مهاجرينا، حوالى مليون من التونسيين يعيشون ويرتزقون في أوروبا، ما معنى دخولنا في التحالف الثلاثيني ضدّ اليمن مثلاً، عوض أن نلعب الدور الذي لعبته تونس طوال العقود، أنها تتوسّط بين الإخوة، وتقرّب ذات البين، وترأب الصدع الذي ينشأ بين الحين والآخر بين أخوتنا، لأن تونس في العُمق، في عُمق رأيها العام وشعبها هي عربية وإسلامية، وتونس، بورقيبة كان يقول لنتطوّر فرادى ونجمع قوانا حتى نضمن السيادة ونضمن الكرامة لمواطنينا. اليوم المواطن لم يعد له الشأن الذي كان له في وقت من الأوقات رغم استرجاعنا لبعض الكرامة، لأنه لا كرامة من دون حرية، والشعب التونسي حقّق في هذه المرحلة مثلما حقّق في مراحل أخرى، المزيد من الكرامة والتّوق إلى السيادة، ولا أقول السيادة. كلّ ما في الأمر إننا يجب أن ننظّم قوانا وأن تتقارب القوى السياسية الفاعلة باختلاف مشاربها على الأقلّ على أولويات تونس لتحقيق ما يصبو إليه التونسي من كرامة ورفاه ومرافق في مستوى ما وصل إليه التونسي من الحكومات المتعاقبة منذ الاستقلال، ما وصل إليه التونسي من مستوى فكري وتقني وعلمي.

 

مايا رزق: لنختم موضوع ربما شقّ التدخّل وليس التدخّل، العامل الخارجي في تونس، ظهر ونشر عدد من الصحف ما حصل من تقارب تركي تونسي مؤخراً في تونس. هناك من نظر إلى الأمر بنظرة ربما إيجابية، هذا تعاون سيفيد أمن تونس، وهناك من رأى أن تركيا تحاول فتح باب من تونس إلى دول أفريقية أخرى عبر هذا التقارب؟

 

عبد الله العبيدي: في هذه النقطة بالذات، أين تبرز حرص الحكومات وحرص الشعوب على سيادتهم، في وقت من الأوقات كان بورقيبة له علاقات رغم أنه كان قريباً جداً من المعسكر الغربي، له علاقات ممتازة مع المعسكر الشيوعي، أين مصلحة تونس؟ إذا كنا فرّطنا أو تنازلنا عن سيادتنا كل شيء يصبح ممكناً. علاقاتنا مع تركيا يجب أن تكون، تركيا بلاد ذات أهمية، وأملنا أن تتراجع في بعض جوانب وأبعاد من سياستها، ولا تتدخّل في شؤون البلدان العربية، ولكن هذا لا ينفي أن تركيا مثل إيران، المفروض على الكيانات العربية، على المنطقة العربية، على الأمّة العربية أن تكون لها علاقات سويّة، وهذا لن يحصل إلا إذا استرجع العالم العربي، واسترجعت المجموعة العربية تماسكها، ولنا تقريباً كاريكاتور في شرقنا العربي، في الخليج، أنّ دولاً مثل أعضاء مجلس التعاون الخليجي الذين لا ينقصهم شيء، الموارد موجودة والامتداد الجغرافي والعدد والعدّة ويجدون أسباباً للتفرقة والتشرذم، وهذه هي حال الأمّة العربية المحزنة ونتمنّى أن يرجع الساسة العرب إلى وعيهم أو على الأقل من حادوا عن هذا الوعي، ويحاولوا خدمة أجندات شعوبها وليس الحفاظ على هذا النظام أو ذاك.

 

مايا رزق: نعم أستاذ العبيدي، كيف ترى المشهد السياسي المقبل في تونس؟ كيف ترى الانتخابات التي ينتظرها الجميع في تونس؟ هل ربما لديكم نظرة لمَن سيترشّح لهذه الانتخابات، أكان من النهضة، هل سيكون لها مرشّح، أم كان من نداء تونس، هل سيكون لها مرشّح؟ هل ربما سيترشّح الشاهد؟ كيف تنظرون إلى هذه الأمور؟

 

عبد الله العبيدي: أنا أستبعد أن يرتقي الشاهد إلى أية خطة كبيرة في البلاد لأنه ليس لديه ناخبون، ولا أعتقد أن ترشّحه النهضة باسمها، ولا أعتقد خلال الفترة الوجيزة التي تفصلنا عن الانتخابات أنه سيكوّن حزباً، وسيسترجع الناخبين الذين هجروه بحكم لجوئه إلى النهضة ليس عن قناعة، ربما كان يكون محترماً أكثر لو كان التجأ إلى النهضة وكذلك اتجاه مجرّد انتهازية.

 

مايا رزق: هل هناك احتمال أن يكون الشاهد مرشّح النهضة أم أن ربما النهضة لها مرشّح آخر؟ ربما الشيخ راشد غنوشي هو مرشّح النهضة؟

 

عبد الله العبيدي: النهضة لها رجالها ونساؤها، والنهضة قد يكون راشد الغنوشي أو قد يكون حمادي جبالي أو غيره، لأنها تزخر، أقول تزخر لأنها هي تقريباً الحزب الوحيد الآن الذي ينشط، وهذا شأنهم أن يرشّحوا مَن يشاؤون، وأنا أعتقد أن مرشّحي هو الشعب التونسي، مهما كان، نحن لاحظنا في حكومة الترويكا رغم أن الانتخابات أفرزت حكومة معينة، الشعب التونسي عندما رأى عن حق أو غير حق أن الحكومة هذه لا تمثله أزاحها، وأنا لديّ ثقة بالشعب التونسي نظراً لنضجه ونظراً لمستواه، كلّ ما في الأمر أنه إلى حد الآن لم يجد النخب، على الأقل في جانب منه، لم يجد النخب وخصوصاً في الجانب الحداثي، لم يجد النخب المؤهّلة لتنظيم صفوفه وبلورة المشاكل التي يستحق أن يناضل من أجلها، وأن تتقدّم به في مختلف المجالات، الصحّة والتعليم والمرأة كذلك، لأن نحن مكتسباتنا هي الصحّة والتعليم والمرأة وحُسن الجوار، وكذلك ربط شبكة من العلاقات التي تقينا النفقات التي تعوق تقدّمنا، النفقات العسكرية والأمنية، لأنّ تونس عاشت على خطة أنّها تستثمر في البشر. نحن لدينا من أفضل العسكريين، من أحسن الأمنيين، حتى وإن نقصت المعدّات، لكن على مستوى الرجال والنساء تونس، وأريد هنا ونحن أمام مشاهدين عرب وربما مسلمين كذلك وغيرهم، أن اليوم المرأة في تونس، شهادة البكالوريا الأخيرة 63 بالمئة نساء نجحن و37 بالمئة رجال، واليوم في الجامعة التونسية ما يقارب 70 بالمئة من البنات، هذا إنجاز كبير، وعندما يتباهى رجل مثلي بهذا، هذا اعتزاز بوطنه، لأن الإنسان مهما كان جنسه هو دعم لوطنه إن أهّلته لذلك وإن نظّمت صفوفه، وهذا ما نحن بحاجة إليه اليوم، نبذ التنافر والتقارب وتنظيم أولوياتنا، والشروع  في الإنجازات الحقيقية التي تنفع البلاد والعباد وليس في تحويل زقاقيات مثلما أشرت منذ حين إلى ملفات وطنية.

 

مايا رزق: أستاذ العبيدي ربما سؤال أخير، منذ قليل أكّدت حركة النهضة وأصدرت بياناً أكّدت فيه تمسّكها بمسار التوافق مع رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي، وربما هذا ما تفضّلتم به في بداية الحلقة. أتمنّى منكم التعليق على هذا البيان.

 

عبد الله العبيدي: هذا أمر بديهي لأن النهضة متمسّكة، والنهضة لا تقبل باهتزاز الأوضاع، لأمر بسيط، أولاً لأن الأمور استقرّت للنهضة، والنهضة منفتحة على كل التيارات الأخرى، هناك من يرى في ذلك حسابات ومناورات سياسية، لكن نحن في تونس نقول دقّ الباب واسمع الجواب، المفروض أن نتحالف معها، والأمر هذا يطلق عليه إسم الشأن العام، لا نستطيع التعاطي مع أمور الدولة، وعلاقات بين الأحزاب مثلما نتعاطى مع الشأن الخاص، ربما في الشأن الخاص ليس هناك من رادع إلا الشخصين اللذين يربطان العلاقة، لكن في الشأن العام هناك الحُكم وهو الشعب، إن لم يجد مصلحته في هذا حتى لو كانت ترتبط علاقات وأحلاف ويفصلها الشعب إذا لم يكن يرى فيها مصلحة، بل يرى فيها مضرّة في وقتٍ من الأوقات، وأنا أحيّي هذا البيان الذي يحافظ على الوفاق، لأنه من دون وفاق ليس هناك تونس.

 

مايا رزق: شكراً، جزيل الشكر لك الأستاذ عبد الله العبيدي، كنت معنا من تونس في حوار الساعة. والشكر لكم مشاهدينا الكرام على طيب المتابعة. إلى اللقاء.